ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 المنظور الثقافي للتنمية في ايران و ابعاده

مقدمة

الانسان هو الموجود الوحيد الذي يبحث عن "العزّة" أي يبحث عن الظروف التي تعترف بقيمته ومكانته، النصوص الاسلاميّة تؤكد ذلك والدراسات القديمة والحديثة تنحو هذا المنحى أيضاً. وأعتقد أن "التيموس" في جمهورية أفلاطون هي العزة نفسها. فقد ذهب أفلاطون "الى أن الكائن الانساني يتكون من ثلاثة مركبات: جزء راغب وجزء عاقل وجزء يسميه تيموس (thymos) أو روح الحياة… يعتقد الناس بأن لهم قيمة معينة، وإذا عاملهم الآخرون وكأن قيمتهم أقل من ذلك فانهم يشعرون بانفعال الغضب. وبالمقابل عندما لا يرفع الناس حياتهم الى مستوى ما يعتبرونه قيمتهم فانهم يشعرون بالخجل، وأخيراً عندما يقيَّمون بشكل صحيح يتناسب مع قيمتهم فانهم يشعرون بالاعتزاز".

وهذه النزعة عند الانسان ومايرافقها من غضب وخجل واعتزاز هي محركات السيرورة التاريخية بكاملها عند هيغل، واتخذها فوكوياما أساساً لتفسير أحداث التاريخ.

والواقع أن حركة التطوّر والتقدّم في المجتمعات مقرونة دائماً بالشعور بالعزّة، فإذا ذوت شعلة هذا الشعور خفّت سرعة هذه الحركة. وإذا ساد الذلّ توقفت حركة النمو والتطوير تماماً.

ومسألة العزّة – وإن كانت فطرية – فإنها تتأثر بالعوامل الثقافية التي تحيط بها سلباً أو إيجاباً، فثمة المؤثرات الثقافيّة التي تزيد شعور الانسان بالعزّة، وثمة المؤثرات التي تدفع الشعور بالعزّة الى التراجع والى الاحساس بالاحباط والذلّ والهوان.

وهذا واحد من مداخل ارتباط الثقافة بالتنمية والتطوّر في المجتمع، ومن هذا المدخل ألقي نظرة على مسيرة التنمية والثقافة في ايران.

مسيرة العزّة في ايران

الشعور الوطني والشعور الديني كانا يشكلان دائماً دعامة الشعور بالعزّة لدى الايرانيين. قبل الفتح الاسلامي كانت هذه الدعامة تتمثل بالانتماء الى الزرادشتية والى الامبراطورية الفارسية، وكانت وراء ما تحقق في ايران القديمة من تطور وتقدّم في جميع ميادين العمران والمعرفة. غير أن انحراف الدين والحكم في المجتع الساساني أذلّ فئات كثيرة من المجتمع ووفّر الاجواء اللازمة لاحتضان الدين الجديد الذي وجد فيه الايرانيون سبيلا لاستعادة عزّتهم المسلوبة.

والواقع أن الفاتحين الاوائل تعاملوا مع الايرانيين بأسلوب إنساني لا نظير له في تاريخ الفاتحين، لذلك لم يجد أبناء هذه البلاد المفتوحة ما يسيء الى عزتهم الوطنية والدينية، بل وجدوا في الدين الجديد كل مقومات العزّة، وفي ظل هذه العزّة تفجّرت طاقاتهم وقدّموا على مرّ التاريخ ما أثرى نموّ دوحة الحضارة الاسلامية.

وحين اتخذ الامويون سياسة تسيء الى كرامة الايرانيين نمت في المجتمع الايراني بذور الانتفاض على الحكم الاموي (لا على الاسلام)، ونمت هذه البذور لتتحول الى زحف خراساني كانت نتيجته سقوط الحكم الاموي.

وحين تعامل العباسيون بقسوة وفظاظة مع بعض الشخصيات الايرانية أمثال أبي مسلم وأبو سلمة والبرامكة وآل سهل ظهرت في ايران ثورات متوالية بعضها بدافع ديني وبعضها بدافع وطني، ثم تأسست الدول المستقلة عن الخلافة العباسية (لاعن دائرة الحضارة الاسلامية). واستمرت مسيرة الحركة الحضارية في ظل هذه الدول المستقلة ترفد الدائرة الحضارية الاسلامية بالعلوم والفنون والآداب.

وبعد الغزو المغولي كاد أن يسيطر نوع من الذلّ على المجتمع الايراني كسائر المجتمعات المسلمة، لكن هذا المجتمع سرعان مالجأ الى العرفان والى الأدب الفارسي العرفاني ليجد في كنفه ما يغذّي روح العزّة فيه، وكان جرّاء ذلك أن صيّر من المغول الكفّار المهاجمين رجال دولة وقادة فكر وحضارة.

غير أن الغزو المغولي كان بداية أفول منحنى العزّة بسبب الجرح العميق الذي تركه الغزو، وبسبب كثرة الاضطرابات الداخلية، ومن هنا تباطأت مسيرة النموّ الحضاري، وساءت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والصحيّة، وتوفّرت الاجواء للغزو الاستعماري الاوروبي.

الخطة البريطانية

بدأ التدخل البريطاني في ايران منذ العصر الصفوي، حين أضرموا نيران النزاع بين الصفويين والعثمانيين، وكان لذلك الاثر الكبير في فصل ايران عن الدائرة الاسلامية وحصرها في الدائرة الطائفية، كما كان له الاثر في إضعاف الدولتين الصفوية والعثمانية معا "لتوقف الايرانيين عند حدود مصالح إمبراطورية الهند الشرقية وتوقف الاتراك عند حدود أوروبا المركزية، ثم لتأتي على سائر أجزاء العالم الاسلامي لتأكلها واحدة بعد أخرى بعد أن اكلت الثور الابيض".

واستمرّ التدخل بوضع خطة حبكتها وزارة المستعمرات البريطانية، وبنودها تتضمن إضعاف دعامة عزّة الايرانيين المتمثلة بالانتماء الديني والوطني.

واقتضت الخطة أن يعمل المستشرقون وعلماء الآثار على دراسة ايران حضاريا وثقافيا، ولابد أنهم استهدفوا من ذلك التشكيك في التراث والتاريخ والبحث عن نقاط الضعف التي تسهل لهم النفوذ والطعن، كما اقتضت الخطة تنشيط المحافل الماسونية في ايران واجتذاب الشخصيات الايرانية للانتماء اليها، وهي تهدف طبعا الى زلزلة الانتماء الوطني لدى النخب المثقفة اضافة الى الانتماء الديني.

ونصت المادة السادسة من الخطة على:

"تنشيط الارساليات البريطانية الى ايران للاستفادة الى أقصى حد مما في البلد من فساد وارتشاء وسرقة، وأن لا يعملوا أبدا على معالجتها، بل أن يسعوا في إشاعتها".

أما المادة السابعة فنصّت على:

"منح الدبلوماسيين البريطانيين المقيمين في ايران صلاحيات لعقد معاهدات تتوجه الى تقسيم البلاد، وإضعاف الحكومة المركزية، وصدّ أية عملية تنمية فيها".

واستمر الضعف ينخر في جسد الايرانيين حتى بلغ الامر بشاه ايران في العصر القاجاري أن يأخذ الرشوة من البريطانيين، واقتدى به حاشيته وكبار المسؤولين في حكومته.

الخطة الروسية

في ذروة ضعف ايران في العصر القاجاري تحرك الروس لتحقيق أهدافهم في الوصول الى المياه الدافئة وشنوا على ايران حربا في مرحلتين أسفرت عن انفصال ١٧ مدينة من أكبر مدن ايران الشمالية والتحاقها بروسيا. ولا يخفى مالهذه الضربة من أثر على الشعور الوطني الذي مني بالاحباط وهو يرى القوى الكبرى تنهبه من جهة، ويرى حكامه ضعفاء منهزمين مرتشين فاسدين من جهة أخرى.

وما اكتفى الروس بزلزلة دعامة العزّة الوطنية بل اتجهوا أيضا لزلزلة العزّة الدينية حين عملوا على افتعال تيارات دينية داخل المذهب الشيعي فيها من الغلو والخرافة ما يأباه العقل والمنطق. وأحدثوا فتنة البهائية والبابية والشيخية. مما أدّى الى زلزلة في العقائد داخل الدائرة المذهبية التي تكرست على أثر النزاع الصفوي العثماني كما أسلفنا.

وصفات العلاج

كان العلاج الوحيد للحالة المزرية في ايران ينحصر في استعادة العزّة، والعزّة لدى الشعب الايراني كما أسلفنا تقوم على دعامة الوطنية والدين. وتحرّك علماء الدين طوال العصر الصفوي والقاجاري للحفاظ على بقايا العزّة في هذا الوطن، كان منها موقفهم من الاحتلال الروسي ومن معاهدات الخيانة ومن إعطاء الاجانب الامتيازات المختلفة، لكن الطابع الغالب على النخب المثقفة كان الهزيمة، وكان خطابهم يقوم على أساس ضرورة الاستسلام أمام الحضارة الغازية، وضرورة التخلص من الدين ورجاله. وهو خطاب بعيد كل البعد عن الجذور الثقافية لهذه الأمة وعن مشروع استعادة العزّة. لأن الغزاة يمثلون التحدّي أمام الروح الوطنية، والدين يمثل المحفّز الاكبر لحركة الأمة نحو مثلها الأعلى. وكان خطاب النظام البهلوي يتّسق مع خطاب النخب المثقفة في ضرورة فصل ايران ثقافياً عن دائرة الحضارة الاسلامية. وتواصل معه أيضاً خطاب علماء الدين الذي كان يركز على ضرورة المقاومة السياسية والثقافية وتجلّى ذلك في حركة تأميم النفط. والواقع أن مشروع النهضة في زمن مصدّق أوشك أن يؤتي ثماره حين اندمجت الدوافع الوطنية مع الدوافع الدينية، لكن المشروع فشل حين أريد للدافع الديني أن ينفصل عن الح

افز الوطني، وبقيت حالة التخلف في إيران حتى نهاية السبعينات رغم محاولات محمد رضا بهلوي أن يدفع بعجلة التنمية، وأنّى له أن يحقق ذلك وهو منفصل عن المزيج الثقافي للشعب في جانبيه الوطني والديني.

منطق الصحوة الاسلامية في ايران

الصحوة الاسلامية في ايران واجهت بلداً متخلّفاً وواجهت مشروعاً للتنمية متعثراً فاشلاً كلما نفّذ خطة ازداد الفقر والتمييز الطبقي، ووجدت الأمة غير متفاعلة مع المشروع.

لقد رفضت منطق بعض النخب المثقفة التي كانت ترى في الدين سبباً لهذا التخلف، واتجهت الى خطاب يقوم على أساس ضرورة العودة الى الذات باعتبارها السبيل الوحيد لمواجهة حالة التخلف. والعودة الى الذات عملية ثقافية مؤداها إحياء روح الاعتزاز بالتراث الديني والوطني.

وتصاعدت المواجهة بين مشروع الشاه ومشروع الصحوة الاسلامية بانتفاضة الامام الخميني. والامام أقام خطابه على ملامسة الوتر الحساس في وجدان الامة، وهو العزّة. لقد وضع الرجل أمام الايرانيين مثلثاً يمثل سبب إذلال الشعب الايراني في رأيه وهو: الشاه – اسرائيل – أمريكا. وراح يوضّح دور كل واحد من أعضاء المثلث في عملية الاذلال وارتباط اضلاع هذا المثلث بحيث لا يمكن تفكيك ضلع عنه. ولم يكن الخطاب يقوم على أساس ديني فحسب، بل على أساس وطني أيضاً باعتبار أن هذا المثلث هو العقبة الوحيدة أما عملية التنمية في المجتمع الايراني.

وبهذا الخطاب أسقط نظم الشاه، وأقام نظاما يجمع دستوره طموحات الشعب الايراني في إحياء مصادر عزته: (الدين والوطن).

جهاد البناء تبلور للدافع الذاتي

بعد سقوط نظام الشاه ساد شعور كبير لدى جميع الفئات بالعزّة، واقترن هذا الشعور باندفاع ذاتي نحو البناء والتنمية.

ظاهرة التخلف كانت في زمن الشاه تتركز اكثر في القرى والارياف. وهذه المناطق التي تضم الغالبية العظمى من أبناء الشعب الايراني كانت تفتقر الى كل الاحتياجات الانسانية الضرورية: كالماء الصحي والكهرباء والمدارس والمساجد ووسائل الريّ والطرق المعبدة والمراكز الصحية… لذلك ازدادت ظاهرة الهجرة من القرية الى المدينة، وانخفضت نسبة الانتاج الزراعي والحيواني. بعد التحول الذي حدث في ايران هبّ الآلاف من الشباب باندفاع ذاتي الى القرى لمساعدة القرويين وتعليمهم وتنفيذ المشاريع البسيطة عندهم. وكان لابدّ لهذه الطاقات المتفجرة من تنظيم وتنسيق وتمركز، وهكذا ولدت مؤسسة جهاد البناء.

وقد سجلت ملاحظاتي على هذه الظاهرة فذكرت في وقتها:

"لا تكاد ترمي ببصرك الى منطقة من المناطق القروية حتى تجد شبابا في عمر الورود كانوا بالامس يفرّون من الغبار ويبتعدون عن حرّ الشمس، ويتأففون من كلّ تَعَب ونَصَب، وهاهم اليوم يعيشون ذكوراً وإناثاً تحت حرّ الشمس المحرقة من الصباح الى المساء، وأرجلهم تغصّ في الاوحال وبين الاشواك، وأيديهم تعمل على تعبيد الطرق، وزراعة الأرض البائرة، وجمع المحاصيل، وتطبيب المرض، ومدّ الانهر والقنوات وشبكات والكهرباء وإسالة الماء، وما إن يحين وقت الصلاة حتى يرفع أحدهم الأذان، فيقفون صفوفا منتظمة مع أهل القرية لأداء الصلاة جماعة، ثم يعودون بعدها الى أعمالهم ثانية قانعين بأبسط الطعام وبأبسط اللباس وبأبسط المعيشة".

كان عمل هؤلاء الشباب يجرى على ساحة مضطربة مليئة بالاخطار والقلاقل نتجية انعدام الأمن في المناطق الحدودية الفقيرة، وازدادت هذه الاخطار خلال الحرب العراقية الايرانية، واستشهد عدد كبير من هؤلاء العاملين في جهاد البناء وسط هذه الاخطار.

والواقع أن حرب الاعوام الثمانية فوّتت على ايران فرصة عظيمة للتنمية التي توفّرت ظروفها نتيجة للتحول الثقافي والتغيير النفسي والشعوري. واتجهت كل الطاقات للدفاع أمام حرب كادت أن تكون كونية ضد النظام الوليد في ايران.

وليس هذا فحسب، بل إن هذه الطاقات الضخمة انخفضت معنوياتها بعد الحرب خاصة حينما واجهت خطة للتنمية لا تنجسم مع معنوياتها الرسالية.

إن ظاهرة جهاد البناء التي تحوّلت فيما بعد الى وزارة جهاد البناء، ثم أدغمت في وزارة الزراعة لتصبح وزارة الجهاد الزراعي، كانت في عقدها الأول ظاهرة تستحقّ كل اهتمام، لأنها ظاهرة ثقافية أدت الى حركة تنموية واقعية، وأقول واقعية لأنها انطلقت من تحوّل حقيقي في داخل نفوس الشباب.

لقد كتبت في ايلول سنة ١٩٦٩ مقالاً تحت عنوان: "الاخلاقية في الاقتصاد الاسلامي" مستلهما مواضيعه من كتاب "اقتصادنا" للسيد محمد باقر الصدر، تحدثت فيه عن السلبية التي تسود ذهن الانسان المسلم اليوم تجاه المال والثروة وذكرت "أن السلبية التي تسود ذهن المسلم اليوم لم تنبع من الاخلاقية التي يعيشها، بل نتجت بعد أن قُدمت له الأرض بشكل لا يتلائم والاطار الخلقي الذي يعشه.

الانسان المسلم يحتاج الى منهج تلبس فيه الأرض لباس السماء، ويتعامل مع محيطه المادي وفق مقياس الوجوب والاستحباب، وعند ذاك سوف يندفع في حركة لا حدود لها، وسوف تتفجر الطاقات الخلاّقة في نفسه، وسوف يعمّر الأرض لا مادياً فحسب، بل يتغلغل الى داخل النفس الانسانيّة مجتثا منها كل دوافع الحقد والظلم… مكونا المجتمع الذي تطمح كل الانسانية اليوم اليه، وإن غفلت عنه، ذلك هو المجتمع الاسلامي…".

وبعد عشر سنوات رأيت بأم عيني كيف أن الارض لبست لباس السماء، وكيف تفجّرت الطاقات الخلاقة في نفس الانسان…

ارتباط الارض بالسماء تعبير مجازي عن انسجام التنمية مع الثقافة، وانسجام التحرك المادّي للانسان مع العقيدة والعواطف والجذور التاريخية، وهذا الانسجام هو الذي يخلق العزّة، ومن ثمّ الاندفاع نحو البناء المادي والمعنوي.

موقفان من مشروع التنمية بعد الحرب

بعد أن وضعت الحرب أوزارها كانت أمام المسؤولين الايرانيين مهمة كبيرة وشاقة تتمثل في الداخل بإعادة ما هدمته الحرب من بنى تحتية وفوقية وفي الخارج مدّ جسور الثقة مع العالم، وخاصة بلدان المنطقة.

وظهر في الساحة مشروعان لمواجهة الموقف يتفقان على ضرورة إعادة البناء ويختلفان في الأولويات. المشروع الأول يرى أن تحقيق (العدالة) في المجتمع هو الاصل الذي ينبغي أن يوضع نصب العين في أي مشروع تنموي، وكل الخطط التنموية ينبغي أن يراعى فيها تحقيق العدالة، بينما المشروع الثاني يرى أن التنمية لها قواعدها وأساليبها وقوانينها المجرّبة في مناطق العالم، ولابدّ من اتّباع هذه القواعد والاساليب دون الاخذ بنظر الاعتبار أي معيار آخر، وهذا لا يعني أن أصحاب المشروع الثاني يرفضون العدالة (لأنها من أهم بنود الدستور الايراني) بل يرون أن الحديث عن العدالة دون تحقيق تنمية في البلاد ليس سوى شعار فارغ، إذ في ظل تحقيق التنمية نستطيع أن نخلق فرص العمل ونولّد الثروة ونحقّق الرفاه الاجتماعي.

وأصبحت إدارة دفّة الحكم بعد الحرب بيد أصحاب المشروع الثاني. هؤلاء عملوا على:

" - تغيير المجتمع من مجتمع مغلق الى مجتمع مفتوح.

ـ وأبدوا مرونة تجاه النموذج التقليدي – الديني.

ـ واستفادوا من المتخصصين والأساليب الجديدة بدل الاساليب القديمة التي بدت غير مجدية خلال تجربة الاعوام الثمانية التي سبقتهم.

ـ وقللوا من سيطرة الدولة على القطاع الاقتصادي".

لاشك أن العملية العمرانية التي قام بها أصحاب هذا المشروع كانت ضخمة جداً، لكنها اقترنت بظهور قيم جديدة في الساحة الايرانية، وهي إنّ الثراء أصبح قيمة من القيم المحببة في المجتمع. وظهرت منافسة حادّة على جمع الاموال والتظاهر بالكماليات وفضول العيش، وانتشرت مظاهر الاسراف، وبدت تبرز على الصحف أخبار الرشوة والاختلاس والمحاكمات…

وتزداد الخطورة حين يذهب بعض أصحاب مدرسة التنمية الى ضرورة الانصياع لمعادلات السياسة العالمية الميمنة، وخاصة فيما يرتبط بالموقف من إسرائيل، وذلك مايصادر مشروعية النظام الاسلامي في ايران.

كتب موقع "بازتاب" معلقا على تصريحات أحدهم:

الدكتور سريع القلم يقوّم التنمية والتطوير الوطني بكل صراحة على أساس الحضور في الساحة العالمية، وهذا الحضور له مستلزماته. يعتقد أن المجموعة الغربية هي أهم مجموعة مؤثرة على بلادنا سياسياً وثقافياً وأمنياً، من هنا لابد من الاخذ ينظر الاعتبار الحساسيات الغربية. وأمن إسرائيل هو من أكثر هذه الحساسيات أهمية وهذا ما يتعارض ماهية مع نظام الجمهورية الاسلامية. لأن موضوع فلسطين يرتبط بأصول مشروعية نظام الجمهورية الاسلامية، وموقف الدكتور سريع القلم واضح كل الوضوح، يعتقد أن استمرار هذا الوضع سوف لا يؤدي اطلاقا الى التنمية والتطوير الوطني. ومن جهة أخرى فان قبول وجود اسرائيل باعتباره جزءا من مستلزمات الدخول في العلاقات الدولية سوف يدفع بالنظام الى مواجهة أزمة مشروعية. والاختيار في هذا الموقع يرتبط باعتقاد مسؤولي النظام: هل إن المسائل الاقتصادية مرتبطة بمسائل السياسة الخارجية أم لا؟ وإن كان الجواب إيجابيا فأي جانب يرجّحون؟ ".

وكل ذلك مبعث استياء الفئات التي قدّمت للثورة – على الرغم من فقرها – شبابها وطاقاتها، ومبعث استياء التيار الديني الذي رأى أن هذا التوجّه نحو التنمية سوف يصادر القيم التي جاءت الثورة من أجلها. وموضع انتقاد المفكرين الذين رأوا هذه العملية ليست بتنمية حقيقية أصلاً.

ويقدّم أصحاب مشروع التنمية قائمة كبيرة تستثير الاهتمام حقاً من المنجزات الضخمة التي حققوها في مجال إعادة البناء وتحويل ايران من مستورد لكثير من البضائع الى مصدّر لها، وفي مجال نشر الرفاه الاجتماعي وتوفير فرص العمل، ومواجهة الانفجار السكاني بعد الحرب وما تطلبته من اتساع الخدمات التعليمية والطبية والغذائية والرفاهية للشباب والناشئة.

ثم أعقب هذه المجموعة الحاكمة مجموعة أخرى أخذت تركز منذ ثماني سنوات على التنمية السياسيّة مؤكدة أن "تقديم جانب من جوانب التنمية على جانب آخر أمر خاطئ، التنمية موضوع شامل له أبعاده المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية… التطور الاقتصادي لا يمكن أن يكتب له البقاء دون سيادة شعبية، كما أن السيادة الشعبية في مجتمع فقير بائس ليست سوى مظاهر خادعة. ولا يمكن تحقيق تنمية سياسية واقتصادية إلاّ إذا حققنا تنمية علمية".

وهذه المجموعة الاخيرة حين تقدّم قائمة منجزاتها تركز أيضا على بعد المنجزات الاقتصادية لأن "اقتصاد أي بلد (في رأيهم) يشكل دعامة وجود ذلك البلد، وإذا أردنا أن يكون ثمة نشاط سياسي وثقافي فلا يمكن أن يتحقق ذلك في مجتمع متخلف…".

من نماذج الانتقادات الموجهة الى عملية التنمية في ايران

أذكر نموذجين الأول من صحيفة تصدر في قم ولعلها تمثل رأي فئة علماء الدين، والثاني من كتاب لاستاذ جامعي إيراني.

تحت عنوان: "١١ مليون فقير / ناقوس خطر للمجتمع" ذكرت صحيفة "بعثت" التي يشرف عليها السيد هادي خسروشاهي سفير ايران السابق في القاهرة: "مساعد منظمة الصحة أعلن: أن ١١ مليون من سكان ايران يعيشون تحت خط الفقر المطلق والنسبي. هذه الجموع الغفيرة من الفقراء الذين يعيش معظمهم في أطراف المدن الكبيرة تشكل ناقوس خطر لتصاعد الازمات الاجتماعيّة. يعتقد المحللون الاجتماعيون أن كثيراً من الانحرافات والسلبيات الاجتماعية ناتجة عن الفقر، وزيادة إحصائيات الجريمة الى جانب زيادة إحصائيات الفقراء في بلادنا تأكيد على رأي هؤلاء المحللين.

في تعاليمنا الدينية يقترن الفقر بالكفر، والسعي لإزالة الفقر أعظم رسالة ملقاة على عاتق المجتمع الاسلامي. من هنا فان مسؤولية السياسة الاقتصادية لمجتمعنا كانت واضحة من البداية.

كان واضحاً منذ البداية أن هاجس العدالة الاجتماعية في المجتمع الاسلامي أكثر من هاجس التنمية، وأولئك الذين يعرفون أوليات الاقتصاد يدركون جيداً أن حركة تعميق العدالة الاجتماعية تختلف اختلافا ماهويا عن الحركة التي تستهدف التنمية الاقتصادية. ولكن خلال كل تلك الاعوام التي توفرت فيها لمجتمعنا فرص ذهبية للحركة في اتجاه العدالة الاجتماعية كانت تظهر باستمرار يد خفية من تحت ستار التخصص لتدلي بآراء خاصة تمنع من تحقيق أهداف تلك الحركة. منذ سنين والمستشارون الاقتصاديون لكبار مسؤولينا يكررون مقولة أن العدالة الاجتماعية تمر عبر التنمية الاقتصادية، وبذلك يدفعون الاهداف الاقتصادية لمجتمعنا نحو الانحراف، ويحولون دون تنفيذ مشاريع تعميق العدالة الاجتماعية في بلادنا.

هؤلاء يرفعون عقيرتهم باستمرار للحديث عن مستقبل وضّاء ينتظر الفقراء في المجتمع في ظل التنمية الاقتصادية. وكان نتيجة ذلك أن نواجه اليوم ١١ مليون فقير في مجتمعنا.

ومن الطريف أن هذه المجموعة لاتزال حتى اليوم تحاول أن يكون لها دور في رسم اقتصادنا. فهم يقدمون الآراء المستندة الى العولمة الاقتصادية ليبقوا المجتمع في البرزخ الذي تورّط فيه خلال سنين. برزح لم تتحقق فيه عدالة اجتماعية ولا تنمية اقتصادية.

ليت أن رقم ١١ مليون فقير يفتح عيون المخططين الاقتصاديين على هذه الحقيقة وهي أن وصفات التنمية الاقتصادية ذات الجذور المتوغلة في الفكر الاقتصادي الكلاسيكي الغربي ليست فقط غير مفيدة لمجتمعنا، بل أنها ستزيد المشاكل وتعمقها.

السعي لادغام اقتصادنا الضعيف والمستند الى النفط بالاقتصاد العالمي، وهو ما يهتم به مستشارو واضعي السياسات الاقتصادية الكبرى سوف لا يؤدي إلاّ الى ما أدّت اليه في البلدان المشابهة.

الارجنتين والبرازيل اللتان لهما باع طويل في دخول الاقتصاد العالمي واللتان بذلتا كثيرا من الاموال والفرص على هذا الطريق تعانيان اليوم من انتشار الفقر والفساد والتمييز، ولنا فيهما عبرة.

المنظّر الاقتصادي الكبير محاضير محمد يعتقد أن هذه التوجهات تضعها القوى العالمية أمام البلدان الأخرى من أجل نهب ثرواتها، وما أقرب هذه الافكار من واقعنا الراهن!".

ونصّ آخر أنقله في هذا الصدد عن الاستاذ فرامرز رفيع پور استاذ علم الاجتماع في جامعة الشهيد بهشتي، تحت عنوان: "التنمية أو حصان طروادة" يقول:

"التنمية حصان طروادة … التنمية والتكامل على مسيرة الرقي وبالانسجام مع نظام الخلقة لا يتحقق عن طريق حصان طروادة هذا. ولكن ما العمل أمام بعض الطيبين الذين يسيرون على هذا الطريق السرابي بتوصية السيئين الذين ينالون أرباحاً طائلة من هذه السياسة المخربة. إذا أردنا أن نسير في اتجاه تحقيق بلد مستقل ومتطور فعلينا أن نختار الطريق الصحيح وأن نواصل أساليبنا الوطنية في إدارة المجتمع التي حصلناها نتيجة خبرة طويلة تمتد الى بضع آلاف من السنين، وكانت قد أوصلت بلادنا قبل قرنين الى مستوى متقدم بين بلدان العالم، وجعلت بلادنا قبل قرن قريبة من البلدان المتطورة…".

"… هـذا فـخ وسـراب يوضـع أمام البلدان علـى أثر شعورها بالضعة والتخلف باسم التنمية (Development) وايران انتُخب لها بعـد الثـورة لفظـة مضللة تماما هـي التنميـة، وكـان من الافضل أن تسمى توسعه (expansion) لانها امتداد في (السطح) لا في (العمق)، ليست نموا ذاتياً داخلياً للمجتمع…".

"مجتمعنا لايزال يملك طاقة جبارة لتنفيذ الاصلاحات:

١ـ إننا بالمعنى الواقعي وبدون أدنى غلو بلد مستقل في جميع المجالات، نعيّن سياستنا بأنفسنا على مستوى أي بلد مستقل آخر، ويستطيع متى شاء مسؤولونا أن يتخذوا القرار بشأن مصيرنا.

٢ - عندنا قوة مسلحة مقتدرة لها تجربة طويلة في الحرب ولقادتنا العسكريين أساليب تستطيع أن تنافس، في حدودنا الاقليمية، مهارات القادة الغربيين. لذلك فان مواجهتنا عسكريا سوف تكون على الاقل مكلفة بالنسبة للقوى المهاجمة.

٣ - بلدنا بفضل الله وبركته يمتلك ثروات طبيعية هائلة تمكنه من كل الجهات من تحقيق نمو اقتصادي.

٤ - شعبنا يمتلك مستوى عاليا من الذكاء والمشاعر المتدفقة. هؤلاء على استعداد إن حصلت لهم القناعة أن يقدموا كل عزيز على طريق الهدف حتى حياتهم وحياة أبنائهم.

٥ - نحن نمتلك دينا ضارباً في أعماق جذور الأمة، ونرى في المراكز الدينية شباباً ونساء لا يظهر عليهم أبداً مظهر الالتزام بالشؤون الدينية، ولكنهم يقبلون على هذه المراكز للدعاء والصلاة والزيارة، ولتقديم الصدقات والنذور.

٦ - علينا أن نستثمر هذه الامكانات الكبيرة لما يلي:

ـ أن ندرس الاحتياجات الحقيقية لمجتمعنا

ـ أن نستفيد من أساليب غير التي كنا منها نستفيد

ـ أن نكون مرنين في تعاملنا مع الآخر…

٧ - إن الاسلام أعطى أبناءه حين ظهوره دفعه علمية جعلتهم في مقدمة شعوب العالم، وهذه القدرة على إعطاء الدفعة لايزال الاسلام يمتلكها، ولابد من التأكيد عليها وتفعيلها كي نبعد صفة التخلف عن المشروع الاسلامي.

٨ - نحن نمتلك أيضاً رجالاً وقادة نشأوا على الزهد والتقوى والعلم والشجاعة … وهؤلاء ستكون لهم الكلمة في المواقع الحاسمة.

٩ - الله سبحانه سند من لا سند له وذخر من لا ذخر له فان أخلصنا المسير اليه فهو حسبنا ونعم الوكيل…".

النظرتان المطروحتان تؤكدان على ضرورة التخلص من مظاهر التخلف، لكنهما يريان فيما يقدم الينا من مشاريع التنمية (لا التنمية الحقيقية نفسها) سرابا خداعا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاء لم يجده شيئاً.

الخطة العشرينية

صادق مرشد الثورة الاسلامية هذا العام على خطة تتضمن تطلعات الجمهورية الاسلامية الايرانية الى أفق عام ٢٠٢٥م. وتتضمن الخطة:

١ـ مسألة التنمية في الحقل الاقتصادي والعلمي والتقني وطموحها لأن ترتقي الى المرتبة الاولى بين دول المنطقة في هذا الحقل، وما يرتبط بمسألة التنمية جاءت في الخطة الملاحظات التالية:

ـ أن تتناسب التنمية مع المقتضيات الثقافية والجغرافية والتاريخية.

ـ أن تستند الى المبادئ الاخلاقية والقيم الاسلامية والوطنية والثورية.

ـ أن يرافقها تطور علمي وتقني.

ـ أن تستند الى الطاقات البشرية والرصيد الاجتماعي.

ـ أن تتجه نحو تحقيق السلامة العامة والرفاه والامن الغذائي والتأمين الاجتماعي وتكافؤ الفرص، والعدالة في التوزيع، وصيانة البنية العائلية، ومكافحة الفقر والفساد والتمييز، وأن تهتم بصيانة البيئة الطبيعية.

٢ - التنمية الاجتماعية: وركزت الخطة في هذا المجال على: السيادة الشعبية الدينية (وهو المصطلح البديل للديمقراطية في خطاب مرشد الثورة) والعدالة الاجتماعية والحريات المشروعة، وصيانة الكرامة والحقوق الانسانية والتمتع بالامن الاجتماعي والقضائي.

٣ - التنمية الثقافية: وركزت على عنصر تحمّل المسؤولية والايثار والايمان والرضا والتمتع بالوجدان العملي والانضباط وروح التعاون والانسجام الاجتماعي والالتزام بالثورة والنظام الاسلامي وبالوطنية. كما ركزت الخطة في هذا المجال على الجانب الاخلاقي في المجتمع والتجديد الفكري والتحرك العملي.

٤ - التنمية السياسية: وفي هذا المجال ركزت الخطة على التعامل (البناء) و (الفاعل) في العلاقات الدولية، على أساس العزّة والحكمة والمصلحة. وعلى الاتجاه نحو التلاحم الاسلامي والاقليمي، وعلى رفع القوة الدفاعية اللازمة للردع الشامل والمستندة الى التحام الشعب والحكومة. وهذا هو نصّ الخطة:

تطلعات الجمهورية الاسلامية الايرانية

في أفق سنة ٢٠٢٥

بالاتكال على قدرة الله اللامتناهية، وعلى قاعدة من الايمان والإرادة الوطنية والجهد الجماعي المقرون بالتخطيط والتدبير في اتجاه تحقيق الاهداف والمبادئ المنصوص عليها في الدستور، تطلعات الاعوام العشرين القادمة هي إنّ:

ايران بلد نام، يحتل على صعيد المنطقة مكانةً أولى في الحقل الاقتصادي والعلمي والتقني، وذو هوية إسلامية وثورية، ومصدر الهام في العالم الاسلامي، مع تعامل بنّاء وفاعل في العلاقات الدولية.

المجتمع الايراني في أفق هذا التطلّع ستكون له مايلي من خصائص:

• نام، بشكل يتناسب مع مقتضياته الثقافية والجغرافية والتاريخية، ويستند الى المبادئ الأخلاقية والقيم الاسلامية والوطنية والثورية، مع التأكيد على: السيادة الشعبية الدينية، والعدالة الاجتماعية، والحريات المشروعة، وحفظ الكرامة والحقوق الانسانية، والتمتع بالامن الاجتماعي والقضائي.

• متزود بالعلوم المتطورة، قوي في الانتاج العلمي والتقني، معتمد في الانتاج الوطني على السهم المتفوق من الطاقات البشرية والثروة الاجتماعية.

• آمن ومستقل ومقتدر ومزوّد بالقدرة الدفاعية القائمة على الردع الشامل وعلى التحام الشعب والحكومة.

• يتمتع بالسلامة، والرفاه، والأمن الغذائي، والتأمين الاجتماعي، والفرص المتساوية، والتوزيع العادل للدخل، واستحكام البنية العائلية، والابتعاد عن الفقر والفساد والتمييز، والتمتع بالبيئة الطبيعية المطلوبة.

• فاعل، يتحمل المسؤولية، ويقبل على الايثار، ومؤمن، ومَرْضِيٌّ، ومتمتع بالوجدان العملي، والانضباط، وروح التعاون والانسجام الاجتماعي، وملتزم بالثورة والنظام الاسلامي وبتفتّح ايران، ويفخر بايرانيته.

• يحتل المرتبة الاولى في الاقتصاد والعلوم والتقانة علىصعيد منطقة جنوب غربي آسيا (تشمل آسيا الوسطى، والقفقاز، والشرق الاوسط، ودول الجوار)، مع التأكيد على الحركة الحاسوبية وانتاج العلم، والنمو الاقتصادي السريع المتواصل، والارتقاء النسبي بمستوى الدخل الفردي، والوصول الى الاشتغال الكامل.

• مُلهم، وفاعل ومؤثر في العالم الاسلامي، مع استحكام نموذج السيادة الشعبية الدينية، والتنمية الفاعلة، والمجتمع الاخلاقي، والتجديد الفكري، والتحرك الفكري والاجتماعي، والمؤثر على التلاحم الاسلامي والاقليمي استناداً الى تعاليم الاسلام وأفكار الامام الخميني (رضي الله عنه).

• يتّسم بالتعامل البنّاء والمؤثر مع العالم على أساس العزّة والحكمة والمصلحة.

ملاحظة: لدى إعداد برامج التنمية والميزانيات السنوية، وتدوينها والمصادقة عليها، تؤخذ بنظر الاعتبار هذه المسألة وهي إنّ:

المؤشّرات الكميّة الرئيسية لها مثل: معدّل الاستثمار، والدخل الفردي، والانتاج الوطني العام، ومعدّل الاشتغال والتخضّم، وتقليل الفاصلة بين دخل الفئات العليا والسفلى في المجتمع، وتنمية الثقافة والتعليم والتحقيق والقدرات الدفاعية والأمنية، يجب أن تُنظم وتُعيّن بشكل يتناسب مع سياسات التنمية وأهداف ومستلزمات هذه التطلعات، وأن تراعى هذه السياسات والاهداف بشكل كامل.

مسؤولية مجلس مصلحة النظام

الخطة العشرينية القادمة أوضحت ضرورة الحركة على البعد الثقافي والتنموي معا، لكن أزمة العلاقة بين الثقافة والتنمية لاتزال قائمة، ومجلس مصلحة النظام مكلف بدراسة هذه الاشكالية.

ولكي نفتح نافذة على مايجول في هذا المجلس من أفكار أقف عند كتابين لأحد أعضائه هو السيد مصطفى ميرسليم الاول تحت عنوان: "مقدمة على التخطيط السياسي" والثاني: "أفق التنمية".

في الكتاب الاول تحت عنوان "التنمية الاقتصادية والثقافة" يقول: هذا الموضوع سهل وتمتنع. ويطرح ثلاث أسئلة:

١ـ هل يجوز لنا أن نحقق التنمية الاقتصادية مهما كلف الثمن؟

٢ - لو اقترنت التنمية بالانحطاط الخلقي والثقافي والاجتماعي، فهل سيكون ذلك لنا ربحا أو خسارة؟

٣ - لو أن تحقيق أهدافنا الاقتصادية اقترن بانهيار ثقافي، فهل نستطيع إعادة بناء ما انهار من قيم مجتمعنا؟ .

وبعد أن يلقي الضوء على مقولات نظرية وواقع عملي يخلص الى هذه النتائج:

١ـ لايمكن تحقيق خطط التنمية دون الأخذ بنظر الاعتبار الجانب الثقافي من المجتمع.

٢ - إذا لم تقم خطة التنمية على أساس العدالة فلا تؤدي الخطة الى نمو ثقافي.

٣ - إذا لم يكن النشاط الاقتصادي منسجما مع ثقافة المجتمع فسوف يؤدي ذلك الى ظهور استياء اجتماعي عام.

ولإصلاح المسيرة الاقتصادية يقدّم اقتراحات بشأن التعليم والاعلام والخدمات الصحية وبناء المدن والبيئة والطاقة.

في الكتاب الآخر (افق التنمية)، يشير أيضاً الى الازمة القائمة بين التنمية والثقافة، ويحاول أن يجد الاسس العقائدية التي تقوم عليها الخطة العشرينية والجانب الغيبي من عملية التنمية، وارتباط هذا الجانب بتغيير المحتوى الداخلي للانسان، ثم ينقل نصّ الخطة العشرينية، ويذكر بعدها مقدار ما تحقق من أهداف خطط التنمية الثانية والثالثة.

خاتمة

بعد هذا العرض لما يدور في الساحة الايرانية اليوم بشأن العلاقة بين التنمية والثقافة أخلص الى نتيجة تكاد تنطيق على حال جميع البلدان الاسلامية وهي:

إذا تعاملنا مع التنمية بالتعريف الذي يقدّمه لنا الغرب وبالمعايير التي تُحتسَبُ بها معدلات النموّ فاننا سنجد أنفسنا مضطرين للتنازل عن معاييرنا الثقافية، بل عن معايير كرامة الانسان وعزّته.

أما إذا أردنا أن نصون هذه المعايير فلابدّ من النظر الى عملية التنمية بمنظار آخر ونفرق كما قيل بين التوسعة والتنمية. لأن التنمية الواقعية هي التزكية. وبالمناسبة فان كلمة "زكي" بمعنى "نما" والزكاء: النماء والرّيع. وفي حديث علي: "المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الانفاق".

وإذا كان الهدف الاول من الدين هو التزكية فان ذلك يعنى إنماء القدرات الانسانية لتحقق مسؤولية استخلاف الله في الأرض. التزكية والتنمية بمعنى واحد، تبدأ من المحتوى الداخلي للانسان، فتدفع بطاقاته الى الفاعلية والحركة نحو تكامل الانسان في مجالات الحياة المادية والمعنوية. وبذلك تزول الازمة بين التنمية والثقافة، بل يصبح كل منهما سنداً للآخر وداعما له.

إن نجاح عملية التنمية في ايران تتوقف على تقوية الدافع الديني فيها، وهذا الدافع (الديني) يتعرّض اليوم لضغوط من جانبين: الاول – من دعاة التنمية وفق النموذج الغربي. الثاني – من الغزو الثقافي الهائل الخارجي.

وآثار هذه الضغوط مشهودة بوضوح، وهي بالحسابات المادية كان ينبغي أن تقضي على الثقافة الدينية في ايران. غير أن هناك دعامات لإبقاء هذه الثقافة:

أولها وأهمها هو نظام "ولاية الفقيه" الذي يشرف على التوجّه العام في البلاد، ويسعى لوقاية المسيرة من الخروج عن الاطار الثقافي الاسلامي.

وثانيها: الروح الدينية المتأصلة لدى الشعب الايراني فهذا الشعب كان منذ أقدم العصور ملتزما بالدين ولم تظهر في تاريخه عبادة الاصنام قط.

وثالثها: الدافع الوطني الذي، رغم مايواجهه من تزلزل، لايزال يشكل دعامة صيانة هوية هذه الأمة، وهو دافع امتزج بالدين والتاريخ والأدب الفارسي الاسلامي.

ورابعها: التجربة التي اكتسبها الشعب الايراني في تاريخه الطويل وخاصة خلال العقود الاخيرة في تعامله مع الغرب ثقافيا وسياسياً.

وخامسها: المنهج الاجتهادي في الدراسات الدينية الذي يفتح آفاقا واسعة لتقديم مشاريع التنمية على اساس من صيانة الهوية والثقافة.

إن الامل في مستقبل واعد لايران يتوقف على قدرتها في صيانة ثقافتها الدينية لا في الظواهر بل في وجدان الشعب، عندئذ يستشعر الانسان الايراني بعزّته الاسلامية والوطنية، وهذه العزّة هي المعوّل عليها وحدها لتحقيق تنمية حقيقية في المجتمع.

وكلما تحقق في ايران خلال العقدين الأخيرين من تطوير وتنمية إنما كان بفضل الشعور بهذه العزّة. وصدق الله العلي العظيم إذ قال: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".



[ Web design by Abadis ]