ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 وحدة الدائرة الحضارية الإيرانية – العربية

- ١ -

منذ عهد النزاع الصفوي العثماني تتجه الجهود السياسيّة الداخلية والخارجية لتكريس التجزئة بين الإيرانيين والعرب. النزاع المذكور، وإن لم يكن مع العرب، فقد أدّى إلى انفصال إيران عن دائرة نفوذ الامبراطورية العثمانيّة بما تضمه هذه الدائرة من بلدان عربيّة… بدأ الانفصال عن طرق تغذية الروح الطائفية، ثم حين انفتح الطريق أمام نفوذ الاستعمار الغربي دخل عامل التعصّب العرقي أيضاً ليعمّق الانفصال بين أجزاء العالم الاسلامي عامة وبين الإيرانيين والعرب بشكل خاص.

واتسعت خطة الغزو الغربي في تجزئة المنطقة لتحوّل العالم العربي الى دويلات، ولتجزّئ ايران الكبرى باقتطاع أجزاء انفصلت نهائياً، وأجزاء أخرى أريد لها الانفصال لكن عملية الانفصال فشلت وعادت الأجزاء الى جسد الوطن.

وتمّ تثبيت ركائز هذه التجزئة وفق اتفاقيات ومعاهدات مع وضع مساحات مبهمة في هذه المعاهدات شكلت دائماً مصدر اختلاف ونزاع وتوتّر بين الاجزاء المقسّمة من عالمنا الإسلامي، ثم زُرِع الكيان الصهيوني في قلب هذه المنطقة ليكون بؤرة تأزم مستمر على الصعيد الفلسطيني وعلى الصعيد العربي والاسلامي، ومصدر اختلاف بين القيادات والجماعات بشأن كيفية مواجهة المشروع الصهيوني.

شعوب بلدان العالم الاسلامي عامة، والايرانيون والعرب خاصة يرثون إذن ركاماً تاريخياً من عوامل التجزئة الطائفية والقومية والسياسيّة، غير أن شيئاً يجمع العرب والايرانيين على صعيد الآمال والآلام والتحديات والمواقف ويتعالى على كل ذلك الركام الهائل من عوامل التجزئة التاريخية، وذلك هو (وحدة الدائرة الحضارية).

فما هذه الدائرة الحضارية الواحدة؟ وماهي خلفيتها التاريخية؟ وكيف يمكن تطويرها وتعميقها لتعيد الى شعوبنا دورها الحضاري على ساحة التاريخ، ولتساعد أمتنا على مواجهة محاولات الابادة الحضارية والغزو الثقافي ومصادرة الهوية؟

- ٢ -

بداية لابدّ لنا ونحن نتناول وحدة الدائرة الحضارية بين الإيرانيين والعرب أن نحدّد موقفنا من معنى الحضارة لكثرة الاختلاف في هذا المفهوم.

الحضارة تعبير عن حركة الأمّـة في جميع مجالات حياتها الماديّـة والمعنويّة. فالأمة المتحركة على طريق استثمار ماوهبها الله من طاقات في داخل الانسان وفي الطبيعة من أجل تحقيق الكمال الإنساني هي الأمة المتحضّرة، وإذا فقدت هذه الحركة فثمة البداةُ والجمودُ والتخلّف الحضاري.

لعلّ من أوضح أمور التاريخ أنّ الأمّة المسلمة منذ عصر الرسالة الأوّل اندفعت في حركة سريعة على طريق المعرفة والعلم والجمال، فبنت حضارة مفعمة بألوان الإبداع في مجالات العلوم والفنون ضمن إطار صيانة الجانب الانساني السامي من الموجود البشري.

ولا أحد ينكر أن الاسلام كان وراء تلك الحركة الحضارية بدعوته الحثيثة الى الابتعاد عن البداوة، وعلى التفكر والتدبّر والتعقل، وعلى اكتشاف مجاهيل الخليقة، وممارسة دور الاستخلاف في الأرض.

وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا إنّ أهمّ محاور ما دعا إليه الدين المبين من دفع حضاري يتمثّل في الحثّ على" التعارف "بين الشعوب والمجموعات البشرية.

هذه الدعوة تحقّقت عملياً على أثر الفتوح الاسلاميّة، وتبع ذلك تفاعل الشعوب بمختلف ثقافاتها، وكان الجانب الاكبر من هذا التفاعل دون شك بين العرب والإيرانيين، وكل تفاعل وتعارف بين الشعوب يؤدّي إلى ازدهار حضاري، والتفاعلُ بين الإيرانيين والعرب أكبرُ عاملٍ في شموخ الحضارة الاسلاميّة منذ القرن الأول الهجري في الكوفة والبصرة، ثم بلغ عطاء هذا التفاعل ذروته في بغداد خلال العصور العباسيّة، ثم انتشر على رقعة واسعة في حواضر عديدة من نيشابور في الشرق حتى قرطبة في الغرب.

- ٣ -

مساحات الاشتراك بين الأمة الاسلامية تشكل أساس وحدتها الحضارية. فالمسلون يشتركون في الإيمان بالله الواحد الأحد، وبنبوّة محمد (ص)، وبقدسية القرآن، وقدسية سنّة الرسول، وقدسيّة المعابد الاسلاميّة، ومن هنا نرى اتخاذ الأمة على مرّ التاريخ وفي عصرنا هذا موقفاً واحداً تجاه أي عدوان على هذه المقدسات، كما أنهم يقدسون كل ماينبثق من القرآن والسنّة من أحكام تربط الانسان بالله أو تربط الإنسان بأخيه الانسان.

وهناك أيضاً الآداب المشتركة التي قامت على أساس القرآن والحديث وقواعد اللغة العربية وعلومها المختلفة، واتسعت لتطبع شعر الشعوب الاسلامية وفنونها الأدبية الأخرى بطابع متميّز. واستطاعت حركة الترجمة في القديم وفي العصر الحديث أن تقدّم الأدب الاسلامي إلى كلّ الشعوب الإسلامية، بل إنّ عالميّة اللغة العربيّة في المنظومة الاسلامية جعلت الأدب العربي لا يعرف حدوداً جغرافية داخل المنظومة. أضف إلى ذلك أنّ الطابع الإنساني في هذه الآداب جعلها تتجاوز إطار العالم الإسلامي لتؤثّر في الآداب الأوربية.

وثمة الفكر الاسلامي المشترك الذي ظهر على مرّ التاريخ في حقول الفلسفة والعرفان والكلام وعلم التاريخ، حيثُ ظهر رجال دخلوا الساحة العالمية من أوسع أبوابها مثل ابن سينا وابن رشد والفارابي وابن خلدون والغزالي…

والروح الإسلامية المشتركة تركت أثرها أيضا في فن العمارة وسائر الفنون الإسلامية، كما يقول ريتشارد اتنغهاوزن: " على الرغم من الاختلافات التي يمكن وصفها بأنها اختلافات في (اللهجة المحلية) فإن جميع الفنون في (دار الاسلام) تتكلم اللغة نفسها أساساً "، ويقول: " إن الشخصية الاسلامية ظاهرة في الفنون والصناعات الى درجة أنها تتجلى حتى بعد أن تكون المنطقة التي صنعت فيها، مثل الاندلس أو صقلية، وقد عادت الى السيطرة المسيحية، بحيث تغيّر الاتجاه الفني في المنطقة المذكورة تغيراً كاملاً. وهكذا يتضح أن الإسلام كان لـه أثر قوي جداً، بل كانت له قوة حيوية انعكست على جميع الفنون التي نشأت في عالم الاسلام " (تراث الاسلام، شاخت وبزورث، فصل الفن والعمارة).

- ٤ -

حين نقول بوجود وحدة حضارية بين الايرانيين والعرب، فلا يعني ذلك أنهما يشتركان الآن في مشروع حضاري حيوي متحرك، بل إن حركة الحضارة الإسلامية مُنيت منذ قرون بنكسات وجاء الغزو الغربي ليقضي تماماً على هذه الحركة، وما عاد للعالم الاسلامي دورٌ يُذكر في المسيرة العلميّة العالميّة، بل أصبح مستهلكاً ومستوردِاً في كل المجالات تقريباً.

وما ينتجه العالم الإسلامي اليوم من فكر إنما يتجه الى المناحي العقلية من المعرفة البشرية دون المناحي التي ترتبط بالواقع المحسوس، كما يقول السيد الشهيد محمد باقر الصدر الذي يحلل هذه الظاهرة بنظرة حضارية عميقة ويعزيها إلى" الغيبية "التي تشكل أهمّ معالم مزاج الإنسان المسلم. ويرى أن ما يعانيه العالم الاسلامي من تخلف مدني ومن فشل في مشاريع التنمية إنما يعود الى عدم انسجام هذا المزاج الغيبي مع المشاريع الاقتصادية المستوردة، " الأمر الذي يتجه بالانسان في العالم الاسلامي – حين يتجرد عن دوافع معنوية للتفاعل مع المادة وإغرائه باستثمارها – إلى موقف سلبي تجاهها، يتخذ شكل الزهد تارة، والقناعة أخرى، والكسل ثالثة " (اقتصادنا / المقدمة).

ثم يرى أن أية عملية إنمائية لايمكن أن تعطي ثمارها، إلاّ إذا أُخذت هذه الأخلاقية الغيبية بنظر الاعتبار وأُلبست الأرض لباس السماء. أي بعبارة أخرى لايمكن فصل المشروع الاقتصادي عن كامل المشروع الحضاري الإسلامي، فإن عاد هذا الأخير إلى نشاطه وحيويّته، عادت كل مناحي الحياة إلى حركة ونجاح وعطاء.

ثم إنّ القول بتوقّف حركة الحضارة الإسلامية لا يعني أنّ الأمة المسلمة مستسلمة أمام هذه الوقفة، فإن طبيعة هذا الدين تأبى على المسلم هذا الاستسلام، ومن هنا نرى مشتركاً هاماً يجمع الإيرانيين والعرب اليوم، وهو همّ العودة الحضارية… وهذا الذي نسمّية" الصحوة الإسلامية "هو تعبير عن إرادة العودة إلى ساحة التاريخ. وظاهرة الصحوة مشهودة بكل وضوح من" طنجة "إلى" جاكارتا "… وكل شعاراتها تأكيد على وحدة الهوية ووحدة الآمال والتطلعات، ووحدة الآلام والتحديات. والإيرانيون والعرب يقفون في مقدمة حركة الصحوة هذه، يتحدثون بلغة واحدة عن إرادتهم وإن اختلفت الأساليب. وهذه السلبيات التي تعتري الصحوة ليست من طبيعة هذا الدين، بل إن بعضها مفتعل للاساءة الى المسلمين، وبعضها ناتج عن عقليات عصور الجهل والانحطاط.

- ٥ -

انتشر الإسلام بالحوار… وازدهرت الحضارة الاسلاميّة بالحوار، وقامت الوحدة الحضارية بين الايرانيين والعرب على أساس" الحوار "، ولايمكن أن نعود الى هذه الوحدة إلاّ عن طريق" الحوار ".

ليس هنا مجال الردّ على أولئك الذين يذهبون الى أن الاسلام انتشر بالسيف، أو الذين يتحدثون عن استعلاء العرب على الايرانيين أو استعلاء الايرانيين على العرب، فهؤلاء يضخّمون ظواهر شاذّة حدثت في التاريخ، أما الظاهرة العامّـة فكانت ظاهرة الحوار التي نراها بكل وضوح في المحافل العلميّة والثقافيّة على صعيد العالم الاسلامي من الاندلس الى خوارزم.

ولعل الحكام أيضا أرادوا أن يلتحقوا بركب هذا الحوار الحضاري، فجعلوا من دواوينهم محافل علمية تضمّ العلماء والأدباء من مختلف اتجاهاتهم.

أذكر هنا مشهداً ينقله المؤرخ الكبير المسعودي في مروج الذهب عن مجلس ليحيى بن خالد البرمكي، يقول:

" كان يحيى بن خالد ذا علم ومعرفة وبحث ونظر، وله مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الاسلام وغيرهم من أهل الآراء والنحل، فقال لهم يحيى وقد اجتمعوا عنده: قد أكثرتم الكلام في الكمون والظهور، والقدم والحدوث، والإثبات والنفي، والحركة والسكون، والمماسّة والمباينة، والوجود والعدم، والجرّ والطفرة، والأجسام والأعراض، والتعديل والتجريح، ونفي الصفات وإثباتها، والاستطاعة والأفعال، والكمية والكيفية والمضاف، والإمامة أنصّ هي أم اختيار، وسائر ماتوردونه من الكلام في الأصول والفروع، فقولوا الآن في (العشق) على غير منازعة، وليورد كلٌّ منكم ماسنح له فيه، وخطر إيراده بباله… ".

ثم ينقل المسعودي ماقاله بعض الحضّار من أمثال علي بن هيثم (متكلم شيعي) وأبو مالك الحضرمي (خارجي المذهب)، ومحمد بن الهذيل العلاف (من شيوخ المعتزلة) و… وهذه الرواية وأمثالها لها دلالات كبرى على ظاهرة الحوار التي قامت عليها الحضارة الاسلامية والدائرة الحضارية الاسلامية. فالمجلس الذي يشير اليه المسعودي" يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الاسلام وغيرهم من أهل الآراء والنحل "أي تجتمع فيه مختلف التيارات الاسلامية الفكرية، بل وغير الاسلامية أيضا ليتناقشوا في مختلف مسائل العقيدة والكون والحياة. وبغضّ النظر عمّا يمكن ايراده على مثل هذه المجالس من ملاحظات خاصة استغراقها في مسائل نظرية بحتة لا تمتّ غالباً الى حياة الجماهير وآمالها وآلامها وتطلعاتها، فإنها تمثّل قمّة الانفتاح على الآخر، وقمة تحقيق قاعدة" الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه "وغاية مايمكن أن تصل اليه الجماعة المفكرة من سعة صدر وبعد نظر.

وحديث يحيى البرمكي مع هؤلاء المفكرين لا يقلّ طرافة فقد طلب منهم بعد أن أكثروا الكلام في الاختلافات الفكرية أن يتحدثوا في (العشق) الذي يحسم كل نزاع، فما هو هذا العشق الذي يوحّد القلوب ويجمع أبناء هذه الحضارة الواحدة؟ هذا ماسنذكره في الوقفة القادمة من حديثنا عن وحدة الدائرة الحضارية بين الايرانيين والعرب.

- ٦ -

(العشق) يمكن أن يكون الإطار الذي يوحّد القلوب والأفكار، ويحول دون صراع الذاتيات والماديات ويدفع بالجماعات البشرية الى الوئام والانسجام وساحل الأمن والسلام.

وهذا المفهوم تبلور في دائرتنا الحضارية حتى عاد المحور الذي تدور حوله أدبيات (العرفان) لدى العرب والإيرانيين.

العشق هو خروج الانسان من ذاتيته والانطلاق في عالم الجمال الرحيب. الانسان الذي يعيش في قوقعة ذاتياته مثل دودة تمارس غريزتها المادية في الأوحال والقاذورات، وإذا خرج من هذه الذاتية فسيصبح عاشقاً يرى الجمال في كل شيء… في الطبيعة وفي الانسان… وفي خالق هذا الكون.

وهذا العشق قادر على أن يجمع المتباعدين ويؤلف بين قلوبهم. هذا ابن عربي في قصيدته:

مرضـي مـن مريضة الأجفان علـلاني بذكرهـا عللانـي

يتغزل بامرأة" إصفهانية "من عراق العجم كما كان يسمّى في الماضي، والتغزّل بهذه الاصفهانية يرمز الى قدرة العشق على جمع المتباعدين، ثم يؤكد هذا المفهوم بأن العشق يجمع" الثريا "و" سهيل "، ويجمع الشام واليمن:

كذب الشاعر الذي قال قبلي

" أيها المنكح الثريّا سهيلاً

هـي شاميـة إذا مـا استهلّت وبأحجار عقله قد رماني:

عمرك الله كيف يلتقيان "

وسهيـل إذا استهـلّ يماني

التراث العربي ينقل لنا معنى العشق بأبسط عبارة عن لسان أعرابية. يقول الأصمعي: " سئلت أعرابية عن العشق فقالت: جلّ والله عن أن يُرى، وخفي عن أبصار الورى، فهو في الصدور كامن ككمون النار في الحجر، إذا قدحته أورى، وإن تركته توارى ".

وهذه النار الكامنة في الصدر هي مظهر حياة القلوب في الأدب الفارسي، ولولاها ماكان القلب سوى حفنة تراب. يقول الشاعر وحشي بافقي:

هر آن دِل را كه سوزي نيست دل نيست

دلِِ افسرده غير از مُشتِ گلْ نيست

الهي سينه أي ده آتش افروز

در آن سينه دِلي وآن دِل همه سوز

أي: " القلب الذي ليس فيه لهيب ليس بقلب / القلب الكئيب ليس سوى قبضة من طين / اللهم اعطني صدراً مشتعلاً / وفي هذا الصدر قلباً كلّه حرقة ولهيب ".

وهذه النار الكامنة لايتاح لها أن تظهر إلاّ بحركة فاعلة (القدح بتعبير الاعرابية) وإن انعدمت الحركة خبت هذه النار.

وهذه الحركة الفاعلة عند العرفاء كما ذكرنا هي خروج الانسان من قوقعة ذاته، وإذا كسر الصنم انطلق في رحاب الجمال المطلق والعلم المطلق… وشَعَر بالمصالحة مع نفسه وبالانسجام مع الكون وبالتآلف مع أخيه الانسان.

وهذا النهج التربوي تنفرد فيه دائرتنا الحضارية الاسلامية، وخاصة فيما جاء في أدبيات الايرانيين العرب والايرانيين.

- ٧ -

تلاقي (اللغة) والتمازج اللغوي من ابرز مظاهر الوحدة الحضارية بين الشعوب. وهذا التمازج كان بين الايرانيين والعرب بشكل لا نظير له في التاريخ بحدود ما أعلم.

لقد جاءت قبائل عربية عديدة بعد الفتح الاسلامي الى إيران وسكنت في أرجائها واستوطنت خاصة في خراسان. وأقبل الإيرانيون على العرب يتعلمون منهم لغة الدين الجديد، وهذه ظاهرة عجيبة في التعامل بين الفاتحين والشعوب المفتوحة، وأغرب من هذا إقبال العرب على تعلّم اللغة الفارسيّة بعد أن تصاهروا مع الايرانيين وتعايشوا معهم، وتداخلت الألفاظ الفارسية والعربية، فنسي الايرانيون لغتهم الفهلوية القديمة وأصبحوا يتكلمون هم والعرب القاطنون في إيران بلغة فارسية – عربية هي اللغة الفارسية الإسلامية التي يتحدث بها الإيرانيون اليوم.

ومن مظاهر اهتمام الايرانيين باللغة العربيّة عكوفهم على تقعيد اللغة نحواً وصرفاً فظهر كبار النحويين الايرانيين، وتدوين مفردات اللغة وضبطها فبرز كبار اللغويين الايرانيين، وكشف خبايا جمال اللغة فبرز فطاحل البلاغيين الايرانيين. وأنشد الشعراء الايرانيون بنفس البحور والاوزان العربية مع إضافات وتعديلات، بل وأنشد بعضهم الى جانب الشعر الفارسي شعراً عربياً كما فعل سعدي وحافظ ومولانا جلال الدين البلخي الرومي.

والعلماء كتبوا جلّ مؤلفاتهم على مرّ العصور باللغة العربيّة، باعتبارها لغة الحضارة الاسلاميّة، ولم يكن ذلك في عصر السيطرة السياسية العربية على إيران فحسب، بل حتى في عصر استقلال ايران عن الخلافة كما في العصر البويهي والسلجوقي والصفوي بل إلى يومنا هذا نرى كتب التفسير والفقه تكتب بالعربية، وطباعة الكتاب العربي الآن في إيران تجري بمعدّل عنوان واحد في كل يوم، أي مايزيد عن ٣٦٠ عنوانا في السنة.

وحاول بعضهم أن يحارب اللغة العربية في ايران أيام عصر التنافر القومي، لكنّ الدولة الاسلامية ضمن اهتمامها بتقوية أواصر الدائرة الحضارية الاسلامية أكدت في دستورها على تعليم اللغة العربيّة، وبدأت الدراسات العليا في اللغة العربيّة وآدابها، واليوم فإن مايقرب من ١٠ آلاف طالب في ايران يدرسون اللغة العربية وآدابها من البكالوريوس الى الدكتوراه. ويكتبون الرسائل الجامعية في علوم اللغة والأدب والثقافة العربيّة.

واللغة الفارسية هي موضع اهتمام كل الجامعات العربيّة وخاصة المصرية والسورية، وثمة اهتمام مشهود في السعودية والمغرب وتونس… هذا ما أعرفه عن كثب، وهناك اهتمام في بلدان عربية أخرى.

والمهم في هذا الاهتمام اللغوي المشترك بين الايرانيين والعرب أنه ذو منطلق حضاري بخلاف المنطلق في تعلّم اللغات الاوربية. الايرانيون والعرب ينظرون الى الفارسية والعربية باعتبارها لغتي الحضارة الاسلاميّة، إضافة الى خصوصيتهما القوميّة.

وهذا العامل اللغوي يشكل دعامة هامة من دعامات الوحدة الحضارية بين الايرانيين والعرب.

- ٨ -

لعلّ المشكلة السياسية أعقد مايواجه الوحدة الحضارية لابين الايرانيين والعرب فحسب بل بين العرب أنفسهم وبين ايران وسائر أجزاء ماكان يسمى بايران الكبرى قبل معاهدات" تركمان چاي "و" گلستان "و" باريس "و" سايكس بيكو ".

وهذه المشكلة السياسية تتلخص في التقسيم وفي خلق بؤر أزمات حدودية مستمرة وفي ضعف الإرادة السياسية وفي انفصال بعض الدوائر السياسية عن الشعب.

نحن الآن أمام هذا الواقع المرّ السيّء الذي لا نأمل إصلاحه في القريب العاجل، سيّما إنّ عمليات التقسيم وسلب الارادة السياسية تبدو متواصلة. وفي مثل هذا الظروف لابدّ من تحقيق القدر الممكن من التلاحم بين أصحاب القرار السياسي والشعوب، والحدّ الممكن من الابتعاد عن إثارة بؤر الازمات السياسية، والحدّ الممكن المسموح من التعاون السياسي والثقافي والاقتصادي والامني وإن أمكن العسكري للمحافظة على بقية الوجود السياسي الفاعل المستقل في دائرة الحضارة الاسلاميّة.

الخطاب السياسي والموقف السياسي لأي بلد من بلدان العالم الاسلامي يمثّل مافي الأمة من عزّة وكرامة وهويّة. لذلك حين يرتفع هذا الصوت عزيزاً كريماً في المحافل الدولية فإنه يبعث العزّة في نفوس كل بلدان هذه الدائرة الحضارية لا في نفوس أبناء ذاك البلد فحسب.

وحتى أبتعد عن الحساسيات الراهنة أذكر من واقعنا المعاصر القريب تعامل الجماهير في إيران مع خطاب الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. كانت الجماهير هنا في ايران وخاصة المتطلعين الى غد أفضل يعكفون على الاستماع الى خطب عبدالناصر، ويحاولون فهمها، لأنها كانت – بغض النظر عن الملابسات الأخرى – تحمل روح العزّة والمقاومة والتحدّي، لذلك أقبل عليها الايرانيون، حتى في معتقلاتهم وسجونهم، رغم الأخطار التي كانت تهددهم أمنياً ورغم حساسيات السافاك الشديدة من عبد الناصر بالذات، لانهم وجدوا فيها حياة وروحاً، وهل الاحساس بالعزة الاّ الروح والحياة؟ !

الظروف تختلف الآن طبعا، ولكن ألا يمكن أن يخلو الخطاب السياسي على الاقل من المثبطات والمحزنات وبواعث الذل والهزيمة؟ ألا يمكن للفضائيات أن لا تنكأ الجراح فيما نعانيه من مظاهر الذلّ السياسي، وأن لا تزيد اتساع الهوّة بين الحكام والشعوب؟ ! نعم… نحن نحتاج الى الصراحة وإلى كشف كلّ الأوراق… ولكن لا في هذا الظرف المرّ الذي تجمعت فيه قوى الشرّ لاذلالنا… فرفقاً بهذه الأمة، ودعوا هذه البقيّة الباقية من العزّة تنمو وتتّسع، فذلك السبيل الوحيد لاستعادة دورنا الحضاري.

- ٩ -

وإذ ذكرت الجانبَ السلبي من الخطاب السياسي في عالمنا المعاصر، لابدّ أن أشير الى موقف ايجابي كان له أعظم الأثر في صيانة بقايا كيان الامة من الانهيار، ذلك هو الصوت السوري.

هذا الصوت المسنود برصيد من إيمان بالمحتوى الحضاري لهذه الأمة ومن تَفهّم واضح لطبيعة العلاقات البشرية، ومن نفسيّة غير مهزومة أمام الصخب والضجيج والافتعال الدولي، كان له الدور الفاعل في قضايا العرب والمسلمين.

ولما كان الحديث عن الوحدة الحضارية بين ايران والعرب، فجدير بنا أن نقف عند تفهّم الرئيس الراحل حافظ الاسد لهذه الوحدة الحضارية.

لقد كانت رؤية الرئيس الراحل تجاه الثورة الاسلامية في إيران تقوم على أساس هذه الوحدة الحضارية، وتبتني على أساس مابين الايرانيين والعرب من قيم مشتركة وآمال وتطلعات مشتركة. لقد قال رحمه الله: " كانت سورية تنطلق دائماً من الحرص على تقوية التعاون وتمتين علاقات الأخوة والمودة بين العرب والايرانيين، لأن ما يربط بينهم من قيم وتاريخ يمكّنهم من تمتين هذه العلاقات والصلة، ولذلك كنّا نخاطب جميع من يعنيهم الأمر ونقول لهم: إن الحرب (ويقصد بين ايران والعراق) يجب أن تتوقف، وأن يرافق التوقف جبهة موحدة بين العرب وايران، لأن مصلحة العرب ومصلحة ايران، ومصلحة القيم التي يحملها العرب وتحملها ايران تقضي تعميق الروابط فيما بينهما بحيث تكون العلاقات العربية الايرانية نموذجاً للعلاقات التي يجب أن تقوم بين الدول الاسلامية الاخرى " (حديثه في زيارة رسمية لايران ٢٣ / ٩ / ٩٠). وحدة القيم التي يتحدث عنها الرئيس الراحل هي نفسها التي نسميها الوحدة الحضارية، وهذه كانت تمثّل منطلقه من موقفه تجاه التحول الاسلامي في إيران، وكان يرى أن هذا المشترك العظيم يمكن أن يؤدي الى تشكيل جبهة لاستعادة دور المجموعة الحضارية الاسلامية على ظهر الأرض. قال: " و

نرجو…

أ

ن نعمل من أجل بناء جبهة عربية – ايرانية، واسلامية في نهاية الأمر، ليس لنعتدي على الآخرين، ولا لنعتدي على أحد، وإنما لندافع عن مصالحنا وآمالنا وأمانينا، نحافظ على دورنا، ونعزّز دورنا الذي يجب أن يكون لنا على هذا الكوكب الذي نعيش عليه " (من حديثه في مطار طهران ٢٦ / ٩ / ٩٠).

- ١٠ -

الظروف التي تمرّ اليوم على العالم الاسلامي تتطلب مزيداً من الاهتمام بوحدته الحضارية… فالخطة المرسومة له تقتضي إذلاله، والاذلال يعني قمع الحركة الحضارية في الأمة، وإطفاء روح الابداع والتقدّم والتطوّر والتطلّع المستقبلي فيها.

فوكوياما يتحدّث عن" التيموس "ويذكر أنه رغبة الجماعة البشرية في كسب اعتراف الآخرين بها، ويرى أن هذه الرغبة وراء كلّ حركة في التاريخ، وهذا التيموس هو نفسه" العزّة "في المفهوم العربي الاسلامي، ومن طبيعة كل فرد وجمع بشري أن يَنشُدَ مكانتَه على ظهر الارض. وبذلك يَتحقق تقدّم البشر وتطوّرهم وتتحدّد علاقاتهم. ولا يمكن أن تكون هذه الطبيعة حِكراً على القوى الكبرى وشعوبها، وإذا أرادت أن تحتكر ذلك فسوف تواجه ردود أفعال عنيفة تتحمل هي وحدها نتائجها. من هنا تأتي دعوة سوريا وايران للعالم الغربي بضرورة احترام كرامة الآخرين وصيانة عزّتهم وعدم المساس بهويتهم، فذلك هو السبيل الوحيد للتعايش السلمي على الساحة العالمية، ولتطهير المجتمعات من العنف وردود الافعال الدموية.

لقد عانت البشرية دائماً من روح الاستعلاء والتفوّق الفرعوني والنازي والشوفيني، وكانت النتيجة أن سقط الفراعنة وظلت إرادة الشعوب في العزّة والكرامة.

لايمكن لروح الاستعلاء هذه أن تتستّر وراء مايسمى بالنظام العالمي الجديد أو العولمة أو مكافحة الإرهاب، وإن تسترت أياماً فستنكشف عاجلاً، كما انكشفت في العراق وفي فلسطين.

صيانة مكتسبات الحضارة الغربية لايمكن تحقيقها عن طريق الاستهانة بشعوب مايسمونه بالعالم الثالث وإذلالها وفرض حالة الانبطاح عليها والسيطرة على قرارها السياسي ومقدراتها. هل يمكن لهذه الممارسات أن تميت" التيموس "أو روح العزّة فيها؟ أبداً، ربّما تؤدي الى هزيمة موقتة، ولكن الطبيعة البشرية التي كرمها الله سوف تنتفض، وقد يكون ذلك الانتفاض مقروناً بردود فعل عينفة ليست بمصلحة المكتسبات الحضارية وليست لصالح السلام في العالم.

إن خطاب سوريا وايران القائم على أساس الدفاع عن القيم الانسانية والدفاع عن كرامة الانسان أي إنسان في العالم، قبل أن يكون مواجهة للتحديات، هو تأكيد على ضرورة إزالة العنف من الساحة وإحلال الحوار الحضاري بين البشر.

هذا الصوت يعبّر عن حضارتنا الاسلامية التي قامت على أساس" التعارف "بين المجموعات البشرية، وسيبقى خالداً رغم مايواجهه من أنصار" صراع الحضارات ".



[ Web design by Abadis ]