ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 التقريب في القرن الماضي

مقدمة:

أعلن الإسلام مبادئه على قاعدة: " لا إله إلا الله"، لرفض كل الآلهة المزيفة المتعملقة على طريق تكامل المسيرة البشرية، وليحرر الإنسان من الأغلال التي تعيق حركته نحو الله؛ أي نحو كل المثل العليا التي خلق الإنسان من أجل تحقيقها وليزيل عن النفس الانسانية العوامل التي تدفع إلى ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ولتفتح أمامه آفاق قدرة الله وتدعوه إلى ممارسة دور الاستخلاف في استثمار هذه القدرة لخلق حياة أفضل لبني الإنسان.

ولقد سجّل الإسلام – ولايزال يسجل – فصولاً رائعة في تاريخ تحرير الإنسان وتزكيته ودفعه على طريق العلم والعمران ونشر العدل ومقارعة الظالمين.

غير أن أتباعه – مثل أتباع كل المدارس السماوية والوضعية – منهم من يرتفع إلى مستوى أهداف الرسالة، ومنهم من يعيش ذاتياته محاولا تسخير الرسالة لصالح الذات.

المجموعة الأولى تشمل عادة القادة الرساليين والمصلحين المخلصين والمؤمنين ________

* - استاذ في جامعة طهران.

المتدينين المتقين من عامة الناس.

والمجموعة الثانية يمثلها غالبا الحكام الحريصون على الحكم، وكل المتكالبين على متاع الدنيا من وعاظ السلاطين وأصحاب الدكاكين، وجميع الذين يحملون ذاتيات مستفحلة لا يمكن أن تذوب في الأهداف الرسالية، بل يريدون إذابة الرسالة في ذواتهم المتورمة.

الفتن الطائفية في العالم الإسلامي على مر التاريخ مردّها إلى المجموعة الثانية، وإن كانت هذه المجموعة تتخذ أحيانا من عامة المؤمنين وقودا لمعركتها بعد أن تظللها بالشعارات الدينية الرسالية.

عالمنا المعاصر يرث أعباء كل انحرافات التاريخ الإسلامي المستمدة عادة من ذاتيات الساقطين في فتنة السلطان والمال والجاه، وإذا تجاوزنا تاريخ صدر الإسلام، والعصر الأموي والعباسي، وما آل إليه من سقوط على يد المغول؛ نتيجة عوامل الضعف التي نخرت فيه، وأهمها التجزئة الاجتماعية: طائفية أو قومية أو طبقية، نلاحظ أن التفرقة الطائفية كانت من محاور ممارسة الحكام في القرون الأخيرة، وهي ممارسات تلقي بثقلها أكثر من غيرها على كاهل أمتنا في العصر الحديث.

لو عدنا إلى الوراء، وبدأنا من القرن العاشر الهجري لشاهدنا فصلا مهما من فصول النزاع السني – الشيعي في عالمنا الإسلامي، أشعلت نيرانه مصالح الحكم وغذته الحروب بين الدولة الصفوية والعثمانية.

فمنذ أن دخل الشاه إسماعيل الصفوي بغداد سنة ٩١٤هـ / ١٥٠٩م، ونشب الصراع الصفوي العثماني، تحول العراق إلى ساحة للصراع الطائفي، بل امتدت هذه الساحة لتشمل ايران والعالم العربي، ومنذ ذلك الوقت بدأ التدخل الأوروبي في المنطقة عن طريق الدعم العسكري لهذا الجانب أو ذاك، ولايزال ذلك الصراع الطائفي وما خلفه من ثقافة شعبية وأدبيات التراشق يشكل الأرضية لكل استفزاز طائفي في مجتمعاتنا الإسلامية.

وإلى جانب الصراع العثماني – الصفوي ظهرت أحداث غذت الطائفية، منها تحرّك الأفغان باسم السنة للقضاء على الدولة الصفوية الشيعية. فقد هجم زعيم أحد القبائل الأفغانية" مير محمود "في بدايات القرن الثامن عشر الميلادي على أصفهان عاصمة الصفويين وأقام مجزرة رهيبة تقشعر منها الأبدان، وبدأ هذا الأفغاني بمنافسة حادة مع السلطان العثماني رغم أنهما سنيّان. ولم يمكث الأفغان في ايران طويلا إذ ظهر نادر شاه الأفشاري من قبائل الأفشار التركمانية، فطرد الأفغان وهزم العثمانيين من الأراضي الإيرانية وحاصر مدينة بغداد مرتين، ومدّ فتوحاته شرقا إلى أواسط آسيا والهند.

ويهمنا الموقف المذهبي لنادر شاه، فهو تقرّب من السنة والشيعة، وطرح مشروع التقريب بينهما، ولكنه واجه رفضا من العثمانيين، ويلاحظ أن مشروع التقريب هذا رغم ماشابه من مصالح الحكم وجهل الحاكم، قد نجح إلى حد كبير في جمع علماء السنة والشيعة لأول مرة في التاريخ على وثيقة تقريبية مشتركة تركز أسس التفاهم المذهبي بينهما.

وبقي العثمانيون يتمترسون وراء نصرة السنة ومحاربة الشيعة، وظل مشروع التقريب لنادر شاه يتسع ليشهد صلوات جماعة مشتركة بين الطائفتين، وأوشك المشروع أن يعم العالم الإسلامي لولا اغتيال نادر شاه، فظهرت المخلفات الطائفية مرة أخرى على السطح، وتواصلت الفتن والاضطرابات حتى استولت الأسرة القاجارية في ايران على الحكم عام ١٣١١هـ / ١٨٩٣م.

وفي ظل هذه الأسرة اشتعلت الصراعات الطائفية مرة أخرى. وفي هذا العصر بالذات، ظهرت حركة الوهابيين لتكفر من تسميهم" أهل البدع "من السنة والشيعة. وأدت إلى انقسام اهل السنة بين مؤيد لها ومعارض، كما أدت إلى إثارة زوبعة من التكفير ضد الشيعة. وفي عام ١٨٠٢م دخل الوهابيون مدينة كربلاء، فقتلوا الآلاف ونهبوا وسلبوا، واعتدوا على مراقد أئمة أهل البيت، وكان ذلك عاملا في تعميق النزاع الطائفي، ثم هجموا سنة ١٢١٨هـ / ١٨٠٣م على البصرة والزبير وهدموا مافيها من مراقد، وهجموا مرة ثالثة سنة ١٢٢١هـ / ١٨٠٦م على النجف؛ وكل ذلك أدى إلى استثارة طائفية شعبية عامة.

مشروع محمد علي باشا الإصلاحي واجه أول ماواجه المشكلة الطائفية؛ لذلك انشغل في حروب مع الوهابية، كما بذل جهودا كبيرة للتقرب من السنة وكسب الشيعة إلى صفه، وواصل ابراهيم باشا هذه المساعي، لكنه واجه فتنا طائفية هوجاء اشترك فيها السنة والشيعة إضافة إلى الدروز والمسيحيين والأرمن، وكان للتدخل الأجنبي إضافة إلى الموروث الطائفي أثر في هذه الفتن الطائفية.

وازداد نشاط الأوربيين للتغلغل في العالم الإسلامي، وتداعت الدولة العثمانية وأشرفت على السقوط، وانهزمت الدولة القاجارية أمام الروس واقتطعت أراضيها في معاهدتي" گلستان "و" ترگمن چاى "واستشرى الفساد في العالم الإسلامي، ونشطت حركة الدروشة والخرافات، وتوفرت كلّ الظروف للسقوط.

في هذه الظروف نهض السيد جمال الدين المعروف بالأفغاني (١٢٥٥ – ١٣١٥هـ / ١٨٣٩ – ١٨٩٧م) للدعوة إلى" الجامعة الإسلامية". وهي بداية عصر الدعوة الإحيائية التي حاولت الجمع بين أصالة الإسلام ومبادئه وبين مواكبة العصر، وقامت على أساس تجاوز الحساسيات الطائفية، والعودة إلى جوهر الإسلام، وصيانة وحدة الأمة الإسلامية من عوامل التجزئة والتخلف.

بدأ دعوته في إيران فلم يسمح له الموروث الطائفي والبطش السياسي أن يواصل دعوته، فما وجد في العالم الإسلامي أفضل من" مصر"؛ ليتخذها قاعدة للدعوة إلى" الجامعة الإسلامية "ويظهر أن مصر بعد غزو ناپليون بدأت تتحسس الخطر على هويتها وشخصيتها الإسلامية، وبدأت هذه المشاعر تنمو ولكن ببطء وبدون إطار ودون أن تنتظم في مشروع إحيائي، فوجدت في دعوة السيد جمال الدين ضالتها، ولذلك كان الالتفاف حول دعوة السيد سريعا ومدهشا.

كانت دعوة جمال الدين مشروعا نهضويا مستكملا إلى حد كبير لشروط الانتماء الثقافي وشروط الخطاب المعاصر، وأوشك أن يدفع بمصر وبسائر العالم العربي والإسلامي إلى نهضة شاملة، لولا أن الأوروبيين، وخاصة الإنجليز، كانوا قد تغلغلوا في جسد الأمة عن طريق التنظيم الماسوني وعن طريق الإرساليات التبشيرية والمدارس والاستشراق وإشاعة روح الهزيمة؛ فوفروا الظروف لتدخلهم العسكري بعد ثورة عرابي باشا، وأحبطوا مشروع النهضة تماما.

ترافق هذا الضعف في العالم الإسلامي مع ظهور المشروع القومي في تركيا وايران والعالم العربي، واقترن هذا المشروع بالعلمانية، ونجح في تركيا في إحياء الطورانية وخلق تيار معاد للاسلام وللعرب وللغة العربية على يد أتاتورك. وأوشك أن يحقق نفس النجاح على يد رضاخان الذي قضى على الحكم القاجاري وأعلن نفسه شاه ايران، مؤسسا بذلك الحكم البلهوي، ولكنه أخفق؛ بسبب معارضة التيار الديني.

والعالم العربي سقط بيد الاستعمار الأوروبي بالتدريج، ونفذ وعد بلفور بتأسيس إسرائيل، وكان من المفروض أن ينبثق نوع من التضامن الإسلامي أمام الهجوم الأوروبي والصهيوني العسكري والسياسي والثقافي، وظهر شيء من ذلك على مستوى بسيط، لكن عوامل التجزئة الطائفية ثم القومية حالت دون ذلك، ورغم ماحققته حركات التحرر من استقلال نسبي للعالم الإسلامي، لكنها بقيت تعيش الموروث الطائفي، وظلت مصالح السيطرة والهيمنة والحكم تستغل هذا الموروث؛ لتشعل النزاع الطائفي السني – الشيعي في الظروف اللازمة.

الموروث من القرون الأربعة السابقة على القرن العشرين – على الأقل – يتمثل في المحاور التالية:

ـ الصراع بين السنة والشيعة على المحور الإيراني – التركي، وتشمل الدائرة التركية كل العالم العربي الذي خضع لسياسة الدولة العثمانية.

ـ الصراع السني الشيعي على المحور الأفغاني – الإيراني الموروث عبر هجوم الأفغان السنة على ايران الصفوية، ثم اندحارهم على يد نادر شاه.

ـ الحركة الوهابية القائمة على أساس السلفية، وما أفرزته من جو سلفي في العالم الإسلامي يرفض كثيرا مما يعتقد به أهل السنة والشيعة.

ـ النزاع المذهبي بين أهل السنة نتيجة القطيعة الفقهية بين المذاهب الأربعة.

وأما الموروث التقريبي فيتمثل في المحاور التالية:

ـ اتجاه مصر المبكر إلى دعوة الأمة الإسلامية للوحدة.

ـ اتجاه الحوزات العلمية في ايران والنجف إلى فكرة التقريب استنادا إلى مفاهيم تحملها من مدرسة أهل البيت.

وسنذكر ما افرزه هذا الموروث في القرن العشرين، وما أضافه هذا القرن على جبهتي الطائفية والتقريب.

إفرازات الموروث الطائفي في القرن العشرين

نستطيع – مع شيء من التسامح – أن نقسم الحالة الطائفية في القرن الماضي على ثلاث مراحل:

ـ مرحلة النصف الأول من القرن.

ـ مرحلة النصف الثاني من القرن حتى السبعينيات.

ـ مرحلة العقدين الأخيرين.

في النصف الأول من القرن الماضي نرى العالم الإسلامي غارقا في المشاكل التي خلقتها ظروف الاحتلال والتقسيم والسيطرة، وكان من المتوقع أن تتجه كل الجهود لمواجهة هذه المشاكل دون أن يبرز للطائفية رأس في الساحة، لكن التركة الثقيلة أبت إلا أن تعبر عن نفسها بأشكال شتى.

لقد كان الاختلاف المذهبي قائما في دور العلم فما بالك بعامة الناس، يقول الشخ عبد المجيد سليم سنة ١٣٦٨هـ / ١٩٤٨م حين كان رئيس لجنة الفتوى بالأزهر، ووكيل جماعة التقريب: " ولقد أدركنا الأزهر على أيام طلبنا العلم، عهد الانقسام والتعصب للمذاهب ولكن الله أراد لنا أن نحيا حتى نشهد زوال هذا العهد، وتطهر الأزهر من أوبائه، فأصبحنا نرى الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي إخوانا متصافين…".

وعن الحالة الطائفية في النصف الأول من هذا القرن يكتب الشيخ محمد تقي القمي مؤسس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة: " كان الوضع قبل تكوين جماعة التقريب، يثير الشجن، فالشيعي والسني كل كان يعتزل الآخر، وكل كان يعيش على أوهام ولدتها في نفسه الظنون أو أدخلتها عليه سياسة الحكم والحكام، أو زينتها له الدعاية المغرضة، وساعد على بقائها قلة الرغبة في الاطلاع".

ردود الفعل السلبية تجاه العملية التقريبية الضخمة التي نهضت بها دار التقريب في القاهرة تبين جانبا من الموروث الطائفي في هذه الفترة. فبعد خمس سنوات من تأسيس الدار نرى افتتاحية مجلتها تشير إلى" أفراد في كل طائفة لاهمّ لهم إلا أن ينبشوا عن الهنات، ويضخّموا الهفوات، ويأخذوا أرباب المذاهب بأقوال عامتهم ضاربين صفحا عن تحقيق خاصتهم، كفعل ذوي المآرب من المستشرقين، يحكمون على الإسلام عامة بما يرونه من الآراء الشاذة في بعض الكتب. ويتحدث رئيس التحرير في هذه الافتتاحية لأول مرة بعد صدور المجلة عن ذوي القلوب الجاحدة، والعقول الجامدة، والأقلام الشاردة، والنفاثين في العقد، والمصدرين عن الضغينة والحسد…".

ويركز الشيخ محمد تقي قمي على دور السياسة في إثارة الفرقة بين المسلمين قبل عصر الاستعمار وبعده، فيقول: " أجل لقد ظلت الفرقة بين السملمين غذاءً مناسباً للحكم والحكام قروناً عدة، دأب فيها كل حاكم على استغلالها لتثبيت سلطانه، ولتحطيم عدوه، ثم جاءت السياسات الأجنبية فوجدت في هذه الفرقة خير وسيلة لتدخلها، وبث نفوذها ودعم سلطانها وفرض سيطرتها".

وتشكل سيطرة الملك عبد العزيز آل سعود على الحجاز سنة ١٣٥٣هـ / ١٩٣٤م منعطفا مهما في تاريخ الصراع الطائفي على صعيد العالم الإسلامي. لقد استطاع عبد العزيز بعد هذه السنة أن يسيطر على مقاتليه من الحركة الوهابية المسمون بالإخوان ونهاهم عن غزو العراق وشرقي الأردن، وبذلك خف الصراع الوهابي العسكري مع العالم الإسلامي، لكن الصراع المذهبي بقي مستمراً، وتجلى بأبشع صوره في حادثة مقتل الحاج الإيراني أبو طالب اليزدي سنة ١٣٦٢هـ / ١٩٤٣م؛ التي أدت إلى قطع العلاقات الإيرانية – السعودية لأعوام، والحادثة يرويها أحد المتابعين لها إذ يقول:

"حدثت حادثة هزّت كل المخلصين، واستحثًت كل المهتمين بمصير الأمة الإسلامية. لقد أعلن نبأ قتل ايراني من الشرفاء هو السيد أبو طالب اليزدي في موسم الحج بأرض الحجاز؛ لأنه أراد أن يهين الكعبة. وانشدت الأنظار إلى السعودية لتستطلع الخبر. فجاء التحقيق مذهلاً مؤلما يعبّر عن جو فظيع من انعدام الثقة والشبهة والتهمة بين المسلمين.

أصيب الرجل في الطواف بحالة غثيان، فأراد الخروج من بين الطائفين، لكنه لم يتمالك نفسه، حرص على أن لا يلوث أرض المسجد، فجمع ثيابه وألقى قيأه فيه. ثم أسرع للخروج، فاستوقفه شرطي وسأله عما يحمله، فلما رأى ما رأى ولم يفهم من السيد أبو طالب توضيحاته بالفارسية، أخذه وسلمه إلى القضاء. وهناك أيضا لم يفهموا ما يقوله الرجل، فأفرزت ذهنيات القضاة هناك مايلي: إن هذا الرجل ايراني، والإيرانيون عادة لا يحجّون بيت الله الحرام وإنما يحجون كربلاء والنجف!! وهم يأتون إلى بيت الله الحرام بقصد إهانته، وما يحمله هذا الإيراني إنما كان يستهدف به تنجيس الكعبة، ثم حكموا عليه بالإعدام… وضربوا عنقه!!!.

هذا نموذج واضح على نجاح الخطة الاستعمارية في إيجاد فصل نفسي وشعوري واعتقادي بين المسلمين.

هذا الحادث هز الشيخ محمد تقي القمي، كما هزّ الكثيرين من أبناء العالم الإسلامي، لكنه لم يحركه في اتجاه سلبي، لم يدفعه إلى الانتقام من أهل السنة، بل إلى الانتقام من الجهل والفرقة وكل العوامل التي أدت إلى هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر المؤلمة.

فكر في الأمر مليّا، وقرر أن يتحرك لكسر حواجز العزلة بين السنة والشيعة، وكان لابد أن يكون هذا التحرك في مركز قادر على أن يشعّ بتأثيره على كل العالم الإسلامي. وليس أفضل لهذا الأمر من الأزهر والقاهرة.

ومن الطبيعي أن تواصل قوى الهيمنة العالمية نشاطها في مواجهة حركة التقريب التي تصاعدت في هذه البرهة، من ذلك مايرويه أحد المتابعين لحركة التقريب عن حادثة اقترنت بعزم الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر على إصدار فتوى بجواز التعبد بفقه الشيعة، وكان ذلك قبل عشر سنوات من صدور فتوى الشيخ شلتوت بهذا الشأن.

يقول: " هيأ الشيخ أذهان جماعة التقريب وأفكارهم لهذا الأمر. وتقرر دراسة صيغة الفتوى في جلسة تعين وقتها. وقبل أسبوع من تلك الجلسة المقررة وصلت إلى جميع أعضاء جماعة التقريب طرود بريدية مبعوثة من عواصم أوروبية مختلفة، أرسلت على عناوينهم في محل عملهم، وأرسل نظيرها على عنوانهم في بيوتهم، وهي تحمل ما ينسف فكرة إصدار الفتوى.

الأمر عجيب، والتخطيط دقيق، ومتابعة القوى الشيطانية لنشاط التقريب حثيث.

في توقيت دقيق تحركت هذه القوى للوقوف بوجه خطوة هامة من خطوات التقريب.

حضر الأعضاء في الجلسة المقررة وهم يحملون تلك الطرود، والغضب باد على وجوههم، وجلس الشيخ عبد المجيد في مقدمة المجلس. وإذا بالأعضاء يرفعون صوتهم دفعة واحدة، ويتحدثون بلهجة غاضبة قائلين: أتريدون أن نصدر فتوى في جواز العمل بفقه الشيعة وهم يعادون الصحابة! ثم فتح كل منهم طرده وأخرج منه كتابا منسوبا إلى أحد علماء الشيعة يتحامل فيه على الخليفتين الأول والثاني. وقالوا: هذه وثيقة تبين طبيعة الشيعة وأفكارهم تجاه الخلفاء فماذا تقولون؟

يقول الشيخ القمي استولى علي الوجوم، فما عدت قادرا على الكلام في هذا الجو المتشنّج. نظرت إلى الشيخ عبد المجيد فرأيته ينظر إلى كل واحد من المتكلمين بهدوء وطمأنينة كأنه يريد أن يستفرغ منهم شحنة غضبهم. وعندما تكلم الجميع وساد الجو هدوء نسبي، تناول الشيخ سليم الحديث، وقال باتزان ووقار: هلا سألتم أنفسكم من أين جاءت هذه الطرود؟ وما هو هدف مرسليها؟ ولماذا أرسلوها في هذا الوقت بالذات؟ ثم استرسل في الحديث قائلا: لو أن الشيعة والسنة لم يكن بينهما اختلاف لما احتجنا الى التقريب وإلى جماعة التقريب ودار التقريب ومجلة رسالة الإسلام. لكننا بعد علمنا بوجود الاختلاف نهضنا بهذا المشروع؛ كي نركز على المشتركات ونقلل الاختلافات ونزيل الشبهات. ثم انظروا إلى هذه الأيدي التي فعلت فعلتها بطباعة كتاب يثير حساسيات أهل السنة تجاه الشيعة في أوروبا، وأرسلته في هذا الوقت الحساس إليكم، أهي حادبة على أهل السنة؟ أيهمها مصلحة المسلمين؟ وهلا سألتم أنفسكم عن صحة نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه؟ ولو قدر أن هذه النسبة صحيحة، فهل ماجاء فيه يخرج المسلم من دائرة الإسلام ويفكه من رباط الأخوة الإسلامية؟ واسترسل يتحدث بلغة رصينة مستحكمة. هدأ الجو، ولكن صدور الف

توى تأخر عشر سنوات حين أقدم الشيخ محمود شلتوت على تنفيذ المشروع".

وشهد النصف الأول من القرن الماضي موجة من الكتابات التي تثير الحزازات الطائفية أعقبتها ردود تتناوب بين العلمي والمنفعل، وأشهر هذه الكتب: " محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية "للشيخ محمد الخضري، و" كتاب السنة والشيعة "للسيد محمد رشيد رضا، وكتاب" الصراع بين الإسلام والوثنية "لعبد الله علي القصيمي، وكتب" فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام "لأحمد أمين، و" الوشيعة في نقد عقائد الشيعة "لموسى جار الله، وتصدى للرد على هذه الكتب وأمثالها: الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي في" موسوعته الغدير"، والسيد محسن الأمين في موسوعته" أعيان الشيعة"، والسيد عبد الحسين شرف الدين في مؤلفاته المختلفة.

أما النصف الثاني من القرن الماضي حتى نهاية السبعينات فقد شهد صراعا بين أنصار الطائفية وأنصار التقريب، ظهر فيه الموروث الطائفي مقروناً بالصراع القومي، وتكرست أدبيات الطائفية على إضفاء الطابع الفارسي على التشيع والطابع العربي على التسنن، وعلى إثارة محن التاريخ والخلافات، وشهدت منطقة شبه القارة الهندية اشتباكات طائفية دامية، كما شهدت الساحة صدور الفتاوى بتكفير هذه الطائفة أو تلك، وهي امتداد لفتاوى سابقة كانت تصدر عن علماء الدولتين العثمانية والصفوية.

وتكرس في هذا العصر الانفصال النفسي بين ايران والعرب مستمداً جذوره من الروح الطائفية إضافة إلى الروح القومية. وظهرت موجة من المؤلفات في التاريخ وتاريخ الأدب في العربية والفارسية تكرّس هذا الانفصال، تحت عناوين نشأة التشيع، والشعوبية، والزندقة، وأمثالها، وكان النزاع السياسي بين عبد الناصر والشاه من عوامل تأجيج هذا الصراع.

وبعد سقوط الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية سنة ١٤٠٠هـ / ١٩٧٩، دخل الصراع الطائفي مرحلة جديدة، فمن جهة كان على رأس هذا التحول فقيه شيعي قاد الشعب الإيراني من منطلق الولاية في الفكر الشيعي، وأقام دولة على أساس فكر مدرسة أهل البيت، ومن جهة أخرى أثار هذا التحول مخاوف كثيرة من انتقال النموذج الإيراني إلى المنطقة. فاتخذت حياله كل السبل لتطويقه وتحجيمه، ومن تلك إثارة عاصفة طائفية بوجه ايران، وطالت هذه العاصفة معظم الشيعة في البلدان المختلفة. واتخذت هذه العاصفة عناوين عدة منها: التشكيك في نوايا الثورة الإسلامية تجاه أهل السنة، وتآمر الفرس التاريخي على الإسلام، وانحراف الشيعة عن القرآن والسنة، بل واتجهت هذه الموجة إلى الطعن حتى في تواتر القرآن عند المسلمين؛ إذ زعمت أن الشيعة يمتلكون قرآناً غير هذا المصحف، وأنهم يؤمنون بتحريف القرآن.

وفي هذا السياق ترجمت بعض كتب الإمام الخميني محرفة إلى اللغة العربية، فتصدى المرحوم الدكتور ابراهيم الدسوقي شتا أستاذ الأدب الفارسي في جامعة القاهرة لواحدة من هذه الترجمات، وبيّن مافيها من تحريف، وأقام دعوى على المترجم.

وفي هذه الفترة بالذات تصاعدت نشاطات أنصار السنة في باكستان ضد الشيعة، وصدرت مجموعة كتابات" إحسان إلهي ظهير "للطعن في الشيعة.

كما اتجهت الجهود إلى إثارة خلافات طائفية داخل إيران بين أهل السنة والشيعة عبر السفارات وعبر الإعلام، وكانت بعض الإذاعات الموجهة باللغة الفارسية إلى إيران تركز على هذه الإشارات الطائفية، ومنها إذاعة إسرائيل.

وخفت هذه العاصفة إلى حدّ كبير بعد أن وضعت الحرب العراقية – الإيرانية أوزارها، وبعد أن تحسنت العلاقات الإيرانية العربية، وذابت إلى حدٍ كبير سدود عدم الثقة بين ايران وبلدان الجوار العربية.

لكن العامل السياسي لايزال يلعب دوره في إثارة النزاعات المذهبية، ولاتزال الطائفية تُجند لتحقيق أهداف الهيمنة، وهذا مانشهده في باكستان وأفغانستان والعراق بوضوح، وستبقى مستمرة حتى يرتقي العالم الإسلامي إلى المستوى الذي تتطبه حياة العزة والكرامة والاستقلال على الساحة العالمية.

جهود التقريب والوحدة

أـ على الصعيد الفردي:

من الطبيعي أن ينهض المخلصون من أبناء الأمة إلى بذل ما وسعهم في سبيل وحدة الأمة الإسلامية؛ إذ كل نصوص القرآن والسنة ومنهج السيرة النبوية يدعو إلى ذلك، وكل الظروف القائمة المخيمة على المسلمين تفرض ذلك، وكل تطلع إلى عزّة المسلمين وكرامتهم يستوجب ذلك.

لقد تحرك علماء المسلمين في فترة متقدمة من القرن الماضي لجمع كلمة المسلمين السنة والشيعة، منهم السيد عبد الحسين شرف الدين، فقد بذل جهدا علميا وعملياً جباراً؛ لإزالة سوء التفاهم بين علماء السنة والشيعة، وحج سنة ١٣٤٠هـ / ١٩٢١ م عن طريق البحر في عهد الشريف حسين، واحتفى به الشريف، واجتمعا أكثر من مرة وغسلا الكعبة المشرفة معا، ثم أمّ الناس في المسجد الحرام، وهو أوّل عالم شيعي أمّ جموع الحجاج في هذا المسجد الكريم.

وحين أحرق الاحتلال الفرنسي بيته ومكتبته الضخمة غادر لبنان إلى دمشق ثم إلى فلسطين، ومنها إلى مصر حيث اجتمع بالعلماء وعلى رأسهم شيخ الأزهر يومئذ سليم البشري، وكان من نتائج اجتماعاته المتوالية بالشيخ سليم كتاب المراجعات.

وغير لقاء شرف الدين – البشري، ثمة لقاء بين الزنجاني – المراغي، فقد زار عالم الشيعة في النجف الشيخ عبد الكريم الزنجاني مصر سنة ١٣٥٥هـ / ١٩٣٦م. وكان شيخ الأزهر يومئذ الشيخ محمد مصطفى المراغي، وأقيم للشيخ الزائر حفل كبير في الأزهر حضرته الشخصيات السياسية والعلمية المصرية، ومما قال:

"إني أشعر بسعادة عظيمة وغبطة لوجودي بين هذا الحفل العلمي الكريم الذي تأيد فيه نجاح جهودنا الجبارة في سبيل توحيد شعور المسلمين وتقوية الروابط الدينية بينهم، على اختلاف أوطانهم، وإذكاء روح الأخوة الإسلامية في طوائفهم المختلفة، وأرى جلياً أن وجوه النظر بين الطائفتين الإسلاميتين الكبيرتين، الشيعة والسنة، قد تقاربت بمساعينا ومساعي فضيلة الأستاذ الأكبر الإمام المراغي، وتجلت حقيقة الأخوة الإسلامية في هذا الاحتفال العظيم التارخي الذي أقامه الأزهر الشريف تكريماً للنجف الأشرف".

وعن هذا التكريم علقت صحيفة" البلاغ "المصرية: " ومما يذكر عن هذا التكريم العلمي ما لاحظه بعض المفكرين من أن هذه هي المرة الأولى بعد أكثر من ألف سنة يجتمع فيها كبار العلماء السنيين في الأزهر برئاسة أكبر زعيم ديني وهو شيخ الجامع الأزهر لتكريم كبير علماء الشيعة الإمامية وهو الإمام الشيخ عبد الكريم الزنجاني".

ويظهر أن مراسلات كانت جارية بين الشيخ الزنجاني والشيخ المراغي قبل هذه الزيارة، ففي الوثائق أن الشيخين اهتزا لأنباء الحوادث التي جرت بين السنة والشيعة في الأقاليم الشمالية للهند سنة ١٣٥٣هـ / ١٩٣٤م، ودار الحديث بينهما حول مشروع إنشاء" مجلس إسلامي أعلى "يضم الشيعة والسنة للتغلب على المشاكل القائمة، ولم يتحقق المشروع.

وثمة لقاء تقريبي آخر كان في إطار مبادرات فردية هو لقاء الكاشاني - البنا.

في عام ١٩٤٨م خلال فترة الحج التقى العالم الايراني السيد ابو القاسم الكاشاني (١٣٠٠ – ١٣٨١هـ / ١٨٨٣ – ١٩٦٠م)، بالشيخ حسن البنا (١٣٢٤ – ١٣٦٨هـ / ١٩٠٦ – ١٩٤٩م)، وحدث بينهما تفاهم وتقارب في وجهات النظر حول التقارب والوحدة بين المسلمين على أمل أن يكون هذا اللقاء بداية مسار على طريق الوحدة الاسلامية، وقد سجل هذا الحدث لأهميته في تراجم سيرة الرجلين، وكان ملفتا للكثيرين، فقد نقل الأستاذ عبد المتعال الجبري عن روبير جاكسون في حديثه عن الشيخ حسن البنا قوله: " ولو طال عمر هذا الرجل لكان يمكن أن يتحقق الكثير لهذه البلاد، خاصة لو اتفق حسن البنا وآية الله الكاشاني الزعيم الإيراني على أن يزيلا الخلاف بين الشيعة والسنة. وقد التقى الرجلان في الحجاز عام ١٣٦٧هـ / ١٩٤٨م، ويبدو أنهما تفاهما ووصلا إلى نقطة رئيسة لولا أن عوجل حسن البناء بالاغتيال". ويعلق الأستاذ الجبري قائلا: " لقد صدق روبير وشمّ بحاسة السياسة جهد الإمام البنا في التقريب بين المذاهب الإسلامية فما باله لو أدرك عن قرب دوره الضخم في هذا المجال… ما لا يتسع لذكره المقام".

وفي عام ١٣٧٣هـ / ١٩٥٤م زار القاهرة السيد نواب صفوي زعيم حركة فدائيان إسلام، ولعل هذه الزيارة مرتبطة باللقاء الذي جرى بين الكاشاني والبنا، لما بين نواب صفوي والكاشاني من علاقة وطيدة.

واستقبلت زيارة صفوي للقاهرة باهتمام كبير وكانت بداية علاقات واتصالات وثيقة، يشرح هذه العلاقات الأستاذ حميد عنايت بقوله: " كانت حركة فدائيان إسلام هي الجماعة الوحيدة التي كان لها علاقات تعليمية عقائدية – وقيل تنظيمية أيضا – مع مثيلاتها عند أهل السنة في العالم العربي، وخلال السنوات العشر الأخيرة ترجمت كثير من مؤلفات سيد قطب ومحمد الغزالي، ومصطفى السباعي إلى الفارسية على أيدي الفدائيين أو حماتهم ونشرت في ايران. فإن تجلي مثل هذه الروح التي تتجاوز أي نوع من التمذهب من إحدى أكثر الجماعات الشيعية المعاصرة نضالاً أمر جدير بالإعجاب".

وينقل الأستاذ محمد علي الضناوي في كتابه كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث – ص ١٥٠ – نقلاً عن برنادر لويس قوله: " وبالرغم من مذهبهم الشيعي فإنهم يحملون فكرة عن الوحدة الإسلامية تماثل إلى حد كبير فكرة الإخوان المصريين، ولقد كانت بينهم اتصالات وعندما يلخص الأستاذ الضناوي بعض مبادئ فدائيان إسلام يجد فيها: أولا: الإسلام نظام شامل للحياة. ثانياً: لاطائفية بين المسلمين أي بين السنة والشيعة، ثم ينقل عن نواب قوله: " لنعمل متحدين للإسلام ولننس كل ماعدا جهادنا في سبيل عز الإسلام ألم يأن للمسلمين أن يفهموا ويدعوا الانقسام إلى شيعة وسنة".

ومن الذين نهضوا بمسؤولية مواجهة الطائفية ضمن مبادرة فردية السيد محسن الأمين (١٢٨٤ – ١٣٧١ / ١٨٦٧ – ١٩٥١م) فهذا الرجل مثل السيد عبد الحسين شرف الدين جاهد على جبهتين: جبهة مقارعة الاستعمار الفرنسي، وجبهة رص الصف الإسلامي، وكلا الجهادين يلتقيان في هم واحد هو عزة المسلمين وكرامتهم. نشط في حقل الوحدة الإسلامية منذ قدومه من لبنان واستقراره في دمشق سنة ١٣١٩هـ / ١٩٠١م، ونجح في ذلك بشهادة معاصريه.

يقول لطفي الحفار رئيس الوزراء السوري الأسبق:

"إن ما كان يتمتع به الإمام العلامة السيد محسن من الزعامة والقوة والحب العميق من جميع من عرفه واجتمع إليه من إخوانه ورجاله وأبناء عشيرته وغيرهم، كانت هذه الزعامة والحب قوة لنا لمتابعة الجهاد والنضال دون تردد أو ضعف، وكانت مجالسه كلها التي نغشاها من حين الى آخر مجالا للدعوة الصالحة في وجوب التضامن والائتلاف ونبذ السخائم والخلافات والترفع عن الدنيا والإسفاف".

وقال عنه الشيخ هاشم الخطيب من علماء السنة من دمشق: " لقد نهض بأبناء طائفته الجعفرية في سوريا ولبنان وجبل عامل نهضة مباركة، وخطا بهم خطوة طيبة حببت إليهم جميع إخوانهم من المسلمين والعرب، كما حببتهم أيضا إلى الجميع فكانوا يدا واحدة إخوانا متحابين على سرر متقابلين، تجمعهم وحدة الإسلام وتنظم أهدافهم وغاياتهم المصلحة العامة".

ونقل عنه الدكتور مصطفى السباعي" أن شخصا جاء إليه لينتقل من المذهب السني إلى المذهب الشيعي، فعرفه بأنه لا فرق بين السنة والشيعة في العنوان الإسلامي. وعندما أصر هذا الرجل قال له السيد الأمين قل: أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا رسول الله، فقالها الرجل، قال له: لقد أصبحت شيعيا".

ومن أصحاب المبادرات الفردية لتوحيد الصف الإسلامي أيضا الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (١٢٩٥ – ١٣٧٣هـ / ١٨٧٨ – ١٩٥٣م)، وكان من المتعاونين مع دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، ومن المشاركين في مجلتها رسالة الإسلام يقول هو عن نفسه:

"مضى عليّ أكثر من خمسين سنة، وأنا أهيب بإخواني المسلمين أدعوهم إلى الاتفاق، والوحدة وجمع الكلمة، ونبذ مايثير الحفائظ، وينبش الدفائن والضغائن التي أضرت بالإسلام وفرقت كلمة المسلمين فأصبح الإسلام غريباً يستنجد بهم، تكالب عليه أعداؤه وجاحدوه وخذله أهله وحاملوه.

ومن أراد شاهد صدق على ذلك فليراجع الجزء الأول من الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية الذي طبع منذ ٤٤ سنة، ولينظر أول صفحة منه إلى صفحة ٢٧ تحت عنوان: البواعث والدواعي لهذه الدعوة، ولم تزل نشراتي ومؤلفاتي في أكثر من نصف قرن سلسلة متوالية الحلقات متصلة غير منقطة كلها في النصح والإرشاد والدعوة إلى الاتحاد ودفع الفساد".

ذكرنا هذه المبادرات الفردية على سبيل المثال لا الحصر، وغيرهم كثيرون ممن بادر في القرن الماضي على الصعيد الفردي في الدعوة إلى وحدة المسلمين، كما أن الذين بادروا إلى هذا الهدف ضمن مشاريع ومؤسسات كثيرون أيضا، مثل الشيخ محمد تقي القمي، والشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمود شلتوت، و… سنذكرهم ضمن أصحاب المشاريع.

ب – على صعيد المؤتمرات

المؤتمرات تتخطى المبادرات الفردية لتجمع أصحاب الفكر على صعيد موضوع واحد للخروج بنتائج يشمل تأثيرها مساحة واسعة من العالم الإسلامي.

أولا - مؤتمرات القدس:

انعقدت مؤتمرات في القدس جمعت علماء السنة والشيعة، وتداولوا شؤون المسلمين وتفرقهم، ففي عام ١٣٤٠هـ / ١٩٢١م انعقد مؤتمر وضعه المستشرق" جب "في كتاب" الإسلام إلى أين "بقوله: " لم يحدث طوال تاريخ الإسلام أن فكر السنة والشيعة معا، وتبادلوا وجهات النظر في قضاياهم ومشاكلهم المشتركة، ومهما حمل هذا الأمر على ضعف الزخم المذهبي في الحياة السياسية، فهو يدل في الوقت نفسه على إدراك أكثر للعلاقات المشتركة بين المسلمين في العالم المعاصر".

وفي عام ١٣٥٠هـ / ١٩٣١م انعقد مؤتمر إسلامي آخر في القدس لاتخاذ موقف من الأطماع اليهودية في فلسطين، وجمع علماء السنة والشيعة، وكان بين المشاركين الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء الذي ألقى كلمة وأم المصلين في المسجد الأقصى، وبعد النكبة انعقد في القدس أيضا عام ١٣٧٣هـ / ١٩٥٣، مؤتمر آخر كان له دور متميز في جمع الصف الإسلامي.

ثانياً – مؤتمرات دمشق:

انعقد مؤتمر العلماء الأول في دمشق سنة ١٣٥٧هـ / ١٩٣٨م، وشارك فيه الشيخ عبد الكريم الزنجاني، وألقى فيه كلمة. وبعد أن ختم المؤتمر أعماله صدرت عنه جملة من المقررات، وبشأن التقريب بين المذاهب ورد في المقرر الثاني عشر: " بشأن تعاون أبناء المذاهب الإسلامية وتنظيم العمل الديني، إن مؤتمر العلماء الأول المنعقد بدمشق في ١١ – ١٣ رجب سنة ١٣٥٧هـ / ٦ – ٨ أيلول سنة ١٩٣٨م بناء على اقتراح فضيلة الأستاذ الكبير الإمام الشيخ عبد الكريم الزنجاني من كبار علماء الشيعة الإمامية في النجف الأشرف في شأن التقريب بين المذاهب الإسلامية، وتعاون المسلمين مع اختلاف مذاهبهم الذين تجمعهم عقيدة التوحيد ومقاصد الإسلام لمكافحة الإلحاد والفوضى الأخلاقية ولتنظيم العمل الاجتماعي والوحدة الروحية، وبعد المذاكرة في هذا الاقتراح القيم الجليل، وبعد الاطلاع على مساعي فضيلة الإمام الزنجاني صاحب الاقتراح، في سبيل اقتراحه يقرر:

١ـ شكره على غيرته وسعيه في ضم شمل المسلمين الذين تجمعهم كلمة التوحيد لمكافحة الإلحاد ورفع كيان المسلمين إلى المستوى الأعلى في حياتهم الاجتماعية.

٢ - تأييده العمل في سبيل ذلك المقصد الأسمى.

٣ - تكليف اللجنة التنفيذية بالمباشرة بالاتصال مع علماء الأقطار الإسلامية لتحقيق مؤتمر عام في المكان والزمان اللذين يتفق عليهما لتحقيق تلك الأمنية السامية".

والمؤتمر الآخر عقد سنة ١٤٢٠هـ / ١٩٩٩م في دمشق تحت عنوان: استراتيجية التقريب بين المذاهب" برعاية مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية "شارك فيه عدد من أئمة المذاهب والعلماء وممثلون عن الأزهر الشريف ورابطة العالم الإسلامي، ودار الحديث الحسنية بالمغرب، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن.

ودعا البيان الختامي للمؤتمر المنظمات والمؤسسات والجمعيات الإسلامية لمتابعة العمل من أجل التقريب بين المذاهب الإسلامية الفقهية المعتمدة. وتعميم ثقافة التقريب بين المذاهب وإعداد الأدبيات الدينية والفكرية التي تسهم في بلورة هذه الثقافة، وتقوم على قاعدة احترام الاجتهاد.

وحضر المؤتمر من علماء سوريا الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام، والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، وكما حضره الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الشيخ الدكتور عبد الله بن صالح العبيد، ومن الأزهر الشريف حضره وكيل الأزهر الشيخ فوزي فاضل الزفزاف، إضافة إلى شخصيات علمية من إيران وعمان ولبنان واليمن والمغرب وأفغانستان والكويت والإمارات.

وثمة مؤتمر تقريبي عقد في سوريا، ولكن في حلب أذكره إتماما للفائدة، وحمل عنوان: " المشروع المستقبلي لوحدة الأمة الإسلامية "بمعهد التراث العلمي العربي بتاريخ ٢٥ – ٢٦ شوال ١٤٢٠ / ١ – ٢ / ٣ / ٢٠٠٠م. وشارك فيه جمع من علماء ايران وسوريا واهتم بالإعداد له السفارة الإيرانية في دمشق بالتعاون مع المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية بطهران.

ثالثا – مؤتمرات الوحدة الإسلامية بطهران:

بدأ من الثمانينيات في طهران عقد مؤتمر سنوي للوحدة الإسلامية، يحمل كل عام عنوانا معينا يرتبط بقضايا الوحدة والتقريب، وفي القرن الماضي عقد ثلاثة عشر مؤتمرا ولايزال متواصلا انعقاده خلال الأيام من ١٢ – ١٧ ربيع الأول من كل عام، وهي الأيام التي أطلق عليها اسم أسبوع الوحدة الإسلامية، وهي تمتد من الرواية الأشهر ليوم مولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند أهل السنة، حتى الرواية الأشهر ليوم المولد عند الشيعة.

ويدعى سنويا لهذا المؤتمر علماء من مختلف أرجاء العالم؛ ليدرسوا محاور موضوع يعينه المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية؛ وليخرجوا منه بنتائج محددة في الموضوع، ويتخذ المؤتمر عادة موقفاً من القضايا المصيرية والحاسمة في العالم الإسلامي.

وإضافة إلى مؤتمرات الوحدة الإسلامية، ثمة مؤتمرات أخرى يقيمها المجمع لتكريم روّاد التقريب، مثل مؤتمر السيد جمال الدين المعروف بالأفغاني، ومؤتمر البروجردي - شلتوت.

جدير بالذكر أن المؤتمر الأخير كان مصريا – ايرانيا لدراسة مشروع دار التقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال شخصيتين كان لهما الدور الأكبر في هذا الدار.

رابعاً – ندوات الايسيسكو للتقريب:

أول ندوة أقامتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الايسيسكو) التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي تحت عنوان" التقريب بين المذاهب الإسلامية "كانت سنة ١٤١٢هـ / ١٩٩١م في الرباط. وحضرها علماء من ايران والمغرب واليمن وعمان وسوريا يمثلون المذاهب الإسلامية. وأصدرت في نهاية اجتماعاتها بيانا ختامياً وتوصيات ونداء إلى الأمة الإسلامية.

وأكد البيان الختامي على أن عملية التقريب بين الأفكار والاتجاهات والمذاهب المختلفة ضرورة يقتضيها العمل الإسلامي المشترك؛ لتقوية الصف الإسلامي، وتدعيم الوحدة الإسلامية في أجلى مظاهرها، وأن خطة التقريب يجب أن تقوم على أساس الثبت من صحة نسبة الآراء والمواقف والتركيز على الإيجابيات، واحترام اجتهادات أئمة المذاهب.

ودعم البيان الختامي الاقتراح الذي تقدم به المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية بطهران، ممثلا بكاتب هذه السطور، بإعادة طبع المجموعة الكاملة لمجلة رسالة الإسلام التي صدرت عن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة، وتم بعد ذلك إعادة طباعة هذه المجلة كاملة في المجمع.

وندوة الايسيسكو الثانية للتقريب عقدت أيضا في الرباط سنة ١٤١٧هـ / ١٩٩٦م تناولت موضوعات أسباب الخلاف المذهبي، وآداب التعامل في الخلاف المذهبي، ووسائل تقريب وجهات النظر، واقترحت بعض الأمور العملية التي يجري العمل على بعضها، وينتظر بعضها التنفيذ، من ذلك:

توحيد المصطلحات الفقهية والمذهبية، وتأليف كتاب مبسط بتعريف المذاهب الإسلامية مدون بلغة قائمة على أساس الأدب والحب والابتعاد عن العصبية، وإعادة كتابة التاريخ بأسلوب موضوعي يخدم التقارب، وتضمين مناهج التعليم دروسا خاصة تدعم الأخوة الإسلامية.

المشاريع التقريبية

١ـ مشروع دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة

هذا المشروع حقق نجاحا كبيرا في مجال الدعوة إلى التقريب، ويعود نجاحه إلى مكان الانطلاق، وإلى الرجال الذين تعاهدوه.

مصر لأسباب تاريخية معروفة تعيش همّ النهضة والإحياء منذ أوائل القرن التاسع عشر؛ ولذلك فإنها مهيئة لاحتضان كل دعوة إحيائية ترسم في الأفق عزّة المسلمين وكرامتهم، وإلى هذا يعود نجاح السيد جمال الدين في دعوته حين حلّ بمصر، وإلى هذا يعود نجاح الشيخ محمد تقي القمي حين هزته أحداث الطائفية في العالم الإسلامي؛ فيمم وجهه صوب مصر ليجد فيها من يساند دعوته التقريبية، فوجد أرضها سهلا وعلماءها أهلا.

وهذا لا يعني طبعا أن الأرض كانت مفروشة أمام هذه الدعوة بالزهور، بل كانت رواسب الماضي تشكل أشواكا أدمت أقدام السائرين. يقول السيد عبد الله نجل الشيخ القمي:

"لقد تعرضت هذه الدعوة المؤمنة وقوبلت في مطلعها بهجوم ممن لم تحسن نواياهم بالعداوة والبغضاء ورميت منهم ورمى المقبلون عليها بالتهم والظنون، فمن قائل بأن دار التقريب هذه هي خليقة سياسات استعمارية من صنع الإنجليز تارة، ومن صنع الروس تارة أخرى، ثم من صنع أمريكا في العصر الحالي، حتى لقد ظن البعض في عهد الملك فاروق أن الدار تعمل سرا لصالح الطائفة الإسماعيلية بقصد إرجاع الحكم الفاطمي إلى مصر. وأتذكر دائما في هذا الخصوص مقولة والدي – رضى الله عنه – بشأن تهمة انتماء الدار إلى الإنجليز؛ حيث كانت (الموضة) السائدة وقتها تقتضي إرجاع أي عمل أو حدث في منطقتنا إلى الانجليز وتنسبه إليهم قال: " هؤلاء الإنجليز الذين يعملون على التفرقة لو أنهم فكروا في العمل على التقريب فأهلا بهذا الذي يزعمون…".

لقد أحسن الشيخ القمي اختيار الرجل الأول الذي فاتحه بهمومه في مصر، فقد اتصل أول ما اتصل بالشيخ محمد المراغي شيخ الأزهر الشريف يومئذ، وكان هذا الرجل مهيئا تماما لتقبل الفكرة، فاقترح على الشيخ القمي أن يدرّس الفلسفة في الأزهر؛ ليوثق علاقاته بشيوخه.

كان الشيخ المراغي خلال كل هذه المدة يبذل الجهد لإنجاح مهمة الشيخ القمي. وكان مما فعله أن عرف الشيخ القمي بطائفة من العلماء الذين يحملون هموم وحدة المسلمين ونبذ التفرقة بينهم، منهم الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي أصبح فيما بعد شيخا للأزهر، والشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمود شلتوت وكلاهما أيضا توليا مشيخة الأزهر فيما بعد، والشيخ محمد محمد المدني، والشيخ محمد علي علوبه باشا، ثم اختار الشيخ القمي جمعا آخر فيهم الشيخ حسن البنا والشيخ عبد العزيز عيسى، والشيخ علي المؤيد من اليمن والسيد الآلوسي نجل صاحب تفسير روح المعاني. ومن هذا الجمع تشكلت النواة الأولى لجماعة التقريب، وأقامت هذه الجماعة مؤسسة هي دار التقريب، واتخذت هذه المؤسسة المباركة من بيت الشيخ القمي المتواضع مقرا لأعمالها.

من الشخصيات التي برزت بين جماعة التقريب الشيخ عبد المجيد سليم. كان رجلاً كبيراً في علمه وإخلاصه. قال عنه الشيخ المراغي: لو كان أبو حنيفة حيا لما استخلف على مدرسته الفقهية سوى الشيخ عبدالمجيد سليم، لإلمامه الكامل بالفقه الحنفي ولدقته وسعة علمه، ولما كان يمتاز به من صفات نبيلة انتخب لمشيخة الأزهر دورتين.

والشيخ عبد المجيد سليم أول من راسل الإمام آقا حسين البروجردي في قم، وهي مراسلة هامة للغاية بين أكبر شخصيتين سنية وشيعية آنئذ، وظلت هذه المراسلات تتوالى عن طريق الشيخ القمي او المسافرين بين مصر وإيران، وكان السيد البروجردي يرد على رسائله بكل إجلال واحترام.

ومن المشاريع التقريبية التي نهض بها الشيخ عبد المجيد سليم إدخال تفسير مجمع البيان إلى ساحة العالم الإسلامي. حين اطلع الشيخ على هذا التفسير وجد فيه بغيته، رآه التفسير الذي يجمع بين العمق العلمي، والسعة والشمول والوضوح والمنهجية، والابتعاد عن التعصب، والجمع بين آراء أهل السنة والشيعة. فكتب إلى دار التقريب رسالة يشيد بهذا التفسير ويستحث الجماعة على طباعته. وكتب في مقدمته على هذا التفسير: " هو كتاب جليل الشأن غزير العلم كثير الفوائدن حسن الترتيب لا أحسبني مبالغا إذا قلت إنه في مقدمة كتب التفسير التي تعد مراجع لعلومه وبحوثه".

وهذا الحث دفع الشيخ محمود شلتوت أن يطالع هذا التفسير بإمعان، فشغف به حباً، وولع به ولعاً يتضح من المقدمة التاريخة التي دونها لهذا التفسير. تقرر طباعته، وعلى مدى أعوام طبع هذا التفسير أفضل طبعة تتصدرها رسالة الشيخ سليم ومقدمة الشيخ شلتوت.

والشيخ شلتوت كان عالماً مفسراً أديباً عاملا ورث عن أستاذه الشيخ سليم إخلاصه وعلمه وروحه التقريبية، وكان يجلٍ أستاذه ويحترمه، ويقوم له في المجلس ويقبل يده.

خص كل جزء من أجزاء مجلة" رسالة الاسلام "بحلقة من التفسير يجمع فيها بين الوضوح والعمق والأصالة والمعاصرة. كان يكتب بروح الأزهر وبلغة العصر، ثم جمعت هذه الحلقات في كتاب وطبع فيما بعد.

أهم منجزات مشروع دار التقريب في القاهرة:

١ـ إصدار مجلة رسالة الإسلام، هذه المجلة كانت تنشر الفكر التقريبي بين المسلمين، وتجمع العلماء على صعيد الحوار العلمي في مختلف المجالات، كتب فيها كبار علماء الشيعة من أمثال: الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، والشيخ عبد الحليم كاشف الغطاء، والشيخ محمد رضا الشبيبي، والسيد صدر الدين شرف الدين، والسيد هبة الدين الشهرستاني، والشيخ محمد تقي القمي، ومحمد صادق الصدر، وغيرهم، وكبار علماء السنة من أمثال: الشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمود شلتوت (وكلاهما من أئمة الأزهر وشيوخه)، والشيخ محمد محمد المدني (رئيس تحرير المجلة)، والشيخ محمد أبو زهرة، والدكتور محمد البهي، والأستاذ محمود فياض، والشيخ محمد علي علوبه باشا، والشيخ محمد عبد الله دراز، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، والأستاذ فريد وجدي، والأستاذ أحمد أمين، والأستاذ علي عبد الواحد وافي، والأستاذ عباس محمود العقاد، وغيرهم كثير.

صدر العدد الأول من هذه المجلة في ربيع الأول سنة ١٣٦٨ هـ (يناير ١٩٤٩م)، وتواصلت تصدر كل ثلاثة أشهر، وتعثرت في الصدور بعض الأعوام، وصدر عددها الستون والأخير في رمضان ١٣٩٢هـ (أكتوبر ١٩٧٢م)، ومجموعة ما تضمنته من مقالات ودراسات وأخبار يشكل سفراً مهماً من أدبيات التقريب في عالمنا المعاصر؛ إذ أن المجلة انفتحت على كتّاب أهل السنة والشيعة، وانعكست فيها مسيرة دار التقريب، ومسيرة التقريب في العالم الإسلامي.

ومسيرة دار التقريب يمكن تلخيصها يمايلي:

التركيز على المشتركات بين المذاهب الإسلامية في شؤون التفسير والحديث والفقه والأدب، فقد بينت المساحة الواسعة التي يلتقي عليها المسلمون؛ لتأخذ الاختلافات حجمها الطبيعي ولا تتضخم؛ فتسيطر على الأذهان.

فعلى صعيد القرآن الكريم طبعت دار التقريب تفسير مجمع البيان لمفسر شيعي هو العلامة الطبرسي بإشارة – كما ذكرنا – من شيخ الأزهر يومئذ الشيخ مصطفى المراغي، وبمقدمة عظيمة من الشيخ محمود شلتوت جاء فيها:

"وقد يكون في الكتاب بعد هذا مالا أوافق أنا عليه، أو مالا يوافق عليه هؤلاء أو أولئك من قارئيه أو دارسيه، ولكن هذا لا يغض من عظمة هذا البناء الشامخ الذي بناه الطبرسي، فإن هذا شأن المسائل التي تقبل أن تختلف فيها وجهات النظر، فليقرأ المسلمون بعضهم لبعض، وليقبل بعضهم على علم بعض، فإن العلم هنا وهناك، والرأي مشترك، ولم يقصر الله مواهبه على فريق من الناس دون فريق، ولا ينبغي أن نظل على ما أورثتنا إياه عوامل الطائفية والعنصرية من تقاطع وتدابر وسوء ظن، فإن هذه العوامل مزورة على المسلمين، مسخرة من أعدائهم عن غرض مقصود لم يعد يخفى على أحد أن المسلمين ليسوا أرباب أديان مختلفة، ولا أناجيل مختلفة، وإنما هم أرباب دين واحد، وكتاب واحد، وأصول واحدة، فاذا اختلفوا فإنما هو اختلاف في الرأي مع الرأي، والرواية مع الرواية، والمنهج مع المنهج، وكلهم طلاب الحقيقة المستمدة من كتاب الله، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والحكمة ضالتهم جميعاً ينشدونها من أي أفق.

فأول شيء على المسلمين وأوجبه على قادتهم وعلمائهم أن يتبادلوا الثقافة والمعرفة، وأن يقلعوا عن سوء الظن وعن التنابز بالألقاب، والتهاجر بالطعن والسباب، وأن يجعلوا الحق رائدهم، والإنصاف قائدهم، وأن يأخذوا من كل شيء بأحسنه…".

وعلى صعيد الفقه دعت الدار إلى فتح باب الاجتهاد، فالشائع بين أهل السنة سد بابه وتقليد واحد من أئمة المذاهب الأربعة، والشائع عند الشيعة هو فتح باب الاجتهاد. والذي حققته مجلة" رسالة الاسلام "هو أنها بينت على لسان كبار علماء أهل السنة" حرمة التقليد لمن توفرت فيهم شروط الاجتهاد"، وجواز" تقليد غير الأئمة الأربعة"، ثم صدرت فتوى شيخ الأزهر لتجيز لأهل السنة أن يتعبدوا بمذهب الجعفرية المعروف بمذهب الإمامية الاثنى عشرية، وبذلك انفتح باب التفاهم في مجال الفقه والتشريع على مصراعيه، وتوفر إمكان التوصل إلى تشريع كامل مشترك للحياة الفردية والاجتماعية بين أهل السنة والشيعة في إطر الاجتهاد الصحيح.

وعلى صعيد الأدب ركزت على الأدب الموالي لأهل البيت؛ لأنه يستثير عاطفة يشترك فيها كل المسلمين.

وفي مجال الحديث الشريف والسيرة بدأت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بمشروع كبير، وهو جمع الأحاديث التي اتفق عليها الفريقان في مختلف أبواب الإيمان والعمل والأخبار والأخلاق، تجمع الأحاديث المتفق عليها في كل باب، ويبين مع كل حديث مصدره من كتب السنة ومن كتب الشيعة ودرجته عند كل من الفريقين، وهذا المشروع لم يكتمل في الدار. وعمل على إكماله المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، في إطار مركز البحوث والدراسات التابع للمجمع في مدينة قم.

وبدأت دار التقريب أيضا بدراسة مشروع إعادة النظر في السيرة النبوية المباركة دراسة منصفة عادلة متثبتة كاملة، ولكنه لم يتحقق أيضاً، وعسى أن يتولى العلماء التقريبيون إنجازه.

وعلى صعيد العقيدة دعت الجماعة أولا إلى النهي عن الخوض فيما لا طائل تحته من أمور العقيدة وعلم الكلام، وفيما لم يكلفنا الله به. وثانياً - آمنت الجماعة في مجال العقيدة أن المختلفين فيها لو حرروا محل النزاع لوجودوا أنهم متفقون، وأن الأمر أيسر وأقرب من أن يتنازعوا فيه هذا التنازع، ويضطربوا في بيدائه هذا الاضطراب.

وعملت الدار على نشر فكرة التقريب على المستوى العالمي. فكان لجماعة التقريب علاقات مع علماء تركيا، وباكستان، وسوريا، ولبنان، واليونسكو، والمملكة العربية السعودية، وكندا … وربما مع بلدان أخرى لم أستطع رصدها في أخبارها.

٢ - مشروع المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

تأسس المجمع باهتمام مرشد الثورة الإسلامية السيد على الخامنئي، وآل على نفسه أن يواصل مسيرة دار التقريب في القاهرة. وتولى أمانته العامة لسنوات الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني، وقد عمل منذ ستين سنة ضمن منهج التقريب، وكانت له علاقة مباشرة مع رواد هذه المدرسة في مصر والمغرب وسوريا ولبنان. ويتولى الامانة العامة الآن الشيخ محمد علي التسخيري وهو شخصية معروفة عالمياً، لا يحتاج الى تعريف.

والمجمع يضم في مجلسه الأعلى وفي مجلسه العام جمعاً من علماء السنة والشيعة، ويعمل على نشر فكرة التقريب في إيران من خلال نشراته وكتبه بالفارسية، وكذلك على الصعيد العالمي عن طريق مجلته: " رسالة التقريب "وكتبه ومؤتمراته ولقاءاته.

ولمجمع التقريب مركز للبحوث والدراسات الإسلامية تأسس في قم سنة ١٤١٠هـ / ١٩٩٠م. والفقه وأصول الفقه، وأعضاؤه من أساتذة الحوزة العلمية والجامعات.

ونذكر نشاطات المركز لأهميتها العلمية، وتتلخص فيما يلي:

١ـ تأليف تفسير بالمأثور للقرآن الكريم يضم أوثق الأخبار المروية في مصنفات علماء التفسير والحديث من السنة والشيعة.

٢ - تأليف موسوعة فقهية تضم آراء أئمة المذاهب الإسلامية في المسائل المختلفة.

٣ - تصنيف موسوعة للقواعد الفقهية تقارن آراء علماء المذاهب الإسلامية.

٤ - جمع وتنظيم الأحاديث النبوية الشريفة التي اتفق حملة الحديث على نقلها بين المذاهب الإسلامية.

٥ - تصنيف كتاب لمعرفة أحوال الرواة الذين اشتهر النقل عنهم عند الفرق الإسلامية سنداً أو متناً.

٦ - تحرير بحوث مقارنة في علم الكلام والعقائد الإسلامية.

٧ - تصنيف موسوعة للمصطلحات الأصولية والمقارنة فيها بين آراء علماء المذاهب الإسلامية.

٨ - تصنيف موسوعة في تعريف المصطلحات الكلامية مع بيان آراء الفرق الإسلامية فيها.

٩ - تحرير بحوث مختلفة في أصول الفقه والمقارنة فيها بين آراء علماء المذاهب الإسلامية.

١٠ - تحقيق العديد من الكتب التي تهدف إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية.

ومجلة" رسالة التقريب "أقرت في أول عدد لها مالمجلة" رسالة الإسلام "من فضل السبق ورسم المنهج. صدر العدد الأول في شهر رمضان ١٤١٣هـ / ١٩٩٣م، وهي فصلية محكمة، تحمل بحوثا في التقريب، وتعالج قضايا تهم العالم الإسلامي، ولا تزال تصدر في طهران.

وللمجمع مؤتمر سنوي ذكرناه في المؤتمرات، كما له جامعة هي" جامعة المذاهب الإسلامية "بدأت أعمالها في طهران سنة ١٣١٤هـ / ١٩٩٤م، وتضم ثلاث كليات: ١ - كلية فقه المذاهب الإسلامية. ٢ - كلية الكلام والعرفان. ٣ - كلية علوم القرآن والحديث.

ويقتضي نظامها الداخلي الجمع بين الطلاب من مختلف المذاهب فيها.

وعن هذه الجامعة يذكر رئيسها.

١ـ أنها تركز على الدراسات المقارنة.

٢ - تجمع بين الأسلوبين الحوزوي والجامعي.

٣ - تهتم بدراسة المصادر وتعرف الطالب على المكتبة الإسلامية.

٤ - أنها تقبل طلابا من سائر البلدان الإسلامية.

٥ - أنها تقبل الطلاب عن طريق اختبار خاص، وتعطي الأولوية لحفظة القرآن والحديث.

٦ - تسعى الجامعة إلى أن تقبل طلابا بنسب متساوية من جميع أپناء المذاهب الإسلامية.

٧ - تركز على تربية علماء ودعاة ومدرسين وقضاة يحملون العلم الإسلامي والالتزام الإسلامي في إطار من المعاصرة وسعة الأفق ولغة العصر.

٨ - اللغة الرسمية في الجامعة هي الفارسية والعربية. ولابد من درجة معينة لإتقان اللغتين قبل دخول الطالب الجامعة. وإذا لم يكن له إلمام بذلك عليه أن يجتاز دروسا تؤهله بعد ذلك للدراسة في الجامعة.

٣ - مشروع تجمع العلماء المسلمين في لبنان

انبثق التجمع عن" مؤتمر المستضعفين "الذي عقد في طهران سنة ١٤٠٢هـ / ١٩٨٢م، وضم منذ تأسيسه علماء من السنة والشيعة اللبنانيين، ويقول تقرير التجمع: " گان لوجود هؤلاء العلماء في إطار مشترك يمارس نشاطا شبه يومي – عدا اجتماعه الأسبوعي والذي لم ينقطع حتى الآن – الأثر الكبير في إزالة أية شائبة أو شبهة تعترض مسار وحدة الحركات الإسلامية على ساحة الجهاد والمقاومة".

وسعى التجمع" لتوحيد العمل الإسلامي، وإلى سد الثغرات الثقافية في برامج العاملين، وثقافة المسلمين، واتخاذ المواقف المناسبة من كل مايهم الناس بما يراه التجمع مناسباً للمصلحة الإسلامية، والعمل على بناء شخصية العالم والعامل المجاهد والمخلص وإبراز دوره القيادي في جهاد الأمة وإرادة التحرر، وإبلاغ كلمة الله تعالى، وحث الأمة على الانقياد لهم".

وفي سنة ١٤١٠هـ / ١٩٨٩م أقام التجمع بالتعاون مع المجع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية مؤتمرات تحت عنوان: " الوحدة ومستقبل الأمة الإسلامية". حضره عدد من علماء السنة والشيعة والدورز، وكانت محاور المؤتمر:

١ـ الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب في القرن المقبل.

٢ - إشكاليات التنمية، والتنمية البشرية في المجتعات الإسلامية.

٣ - المشروع الحضاري الإسلامي واستراتيجية الصراع.

٤ - آفاق الممانعة والمقاومة في الأمة.

٥ - الصحوة الإسلامية والمستقبل.

خاتمة

تقويم حالة الطائفية والتقريب في القرن العشرين

١ـ مصالح الحكم والسلطان لها الدور الكبير في الحالة الطائفية على صعيد العالم الإسلامي. قبل هذا القرن كانت مصالح الدول الإسلامية المتعارضة تقتضي إشعال نيران الطائفية، كما حدث إبان النزاع بين الدولتين العثمانية والصفوية، وفي هذا القرن اقتضت مصالح الهيمنة الدولية اللعب بورقة الطائفية، وهذا ما لاحظناه بوضوح أكثر في العقدين الأخيرين من القرن الماضي.

من هنا فإن الحالة الطائفية مرشحة في عالمنا الإسلامي للانفجار دوما طالما القرار السياسي، بيد من يهمهم الاستفادة من هذه الورقة، ولايمكن أن نضمن ابتعاد أمتنا عن الصراع الطائفي إلا إذا كان القرار السياسي منحصراً بيد قيادات وطنية مرتفعة إلى مستوى الأهداف الإسلامية الكبرى.

٢ - لعلماء الأمة دور كبير في مواجهة الحالة الطائفية وتحويلها إلى حالة تقريب وتفاهم، شرط أن يتحرر العلماء من أية مؤثرات خارجية، وشرط أن ينفتحوا على الأهداف الكبرى ويتفهموا ضخامة التحديات، والقرن الماضي أثبت هذه الحقيقة على صعيد الإثارات الطائفية وعلى صعيد التقريب.

٣ - الحالة الطائفية حالة عشائرية قبل أن تكون مسألة عقائدية أو فقهية. يتبين ذلك من ظواهر كثيرة: منها أن الصراع الطائفي يدور غالباً بين أناس لا يعرفون من المذهب سوى الانتماء إلى العشيرة السنية أو العشيرة الشيعية!. وهذا ماشاهدناه في بعض البلدان العربية والآسيوية في القرن الماضي، والحالة العشائرية ناتجة عن تخلف حضاري، من هنا فإن أمتنا بحاجة إلى تنشيط مسيرتها الحضارية؛ للتغلب على هذه الحالة الطائفية العشائرية.

٤ - إن تفعيل المسيرة الحضارية يتوقف على إحساسنا بالعزّة. فمتى كانت الأجواء السياسية والاجتماعية والاقتصادية تبعث على الشعور بالعزة في النفوس تحركت الأمة على طريق الخلق والإبداع والتطوير، ومتى خيم عليها الذل توقفت مسيرة إبداعها واتجهت الى الانقسامات والصراعات، ولو أخذنا الساحة المصرية مثالاً لرأينا شيئا من الإحساس بالعزة يسود الساحة بعد طرد نابليون في القرن التاسع عشر، وفي أيام عبد الناصر في القرن العشرين، وصاحب الحالتين حركة لولا أن أصابها ما أصابها لتغيرت حالة العالم العربي والإسلامي جميعا. وإنما ذكرت ضرورة تفعيل المسيرة الحضارية وسيادة حالة العزة لارتباطها بالحالة الطائفية كما ذكرت.

٥ - طرح المشروع الإسلامي الكبير للحياة يساهم بشكل غير مباشر على إزالة الحالة الطائفية في العالم الإسلامي، وبودي هنا أن أذكر أن مركز الحضارة للدراسات السياسية في القاهرة – على سبيل المثال – له مثل هذه المساهمة؛ لأنه يطرح المشروع الإسلامي الذي يجمع على صعيده الكبير المسلمين بكل مذاهبهم، ويشد أنظارهم جميعا إلى هدف كبير ينتشلهم من الوقوع في مستنقع الصغائر، ومن قبل شاهدنا عالما شيعياً هو السيد محمد باقر الصدر يصدر كتاب فلسفتنا وكتاب اقتصادنا، ولا يتناول فيهما أية قضية خلافية بين السنة والشيعة، ولكن الكتابين كان لهما الأثر الكبير في تقليص الحالة الطائفية، وتصعيد الحالة الإسلامية الرسالية المتعالية على الخلافات المذهبية، ولا يخفى ماكان للثورة الإسلامية في إيران قبل محاصرتها إعلاميا من تأثير على وحدة الصف الإسلامي… من هنا فإن تقديم المشروع الإسلامي الكامل للكون والحياة بلغة العصر وبمستوى احتياجات العصر. له الدور الكبير في التقريب بين المذاهب الاسلامية.

٦ - إن مشروع" إسلام بلا مذاهب "إضافة إلى استحالته لايخدم التراث الاسلامي، فالمذاهب إذا أخذناها بالمنظار العلمي يشكل كل منها جهداً اجتهادياً عمل على تنظيره وإثرائه المتكلمون والفقهاء والمفسرون والفلاسفة، ولا فائدة من مصادرة كل هذه الجهود العلمية الجبارة. من هنا لابد أن يفكر دعاة الوحدة والتقريب في التفاهم والتعارف بين أصحاب المذاهب ويركزوا على المشتركات، ويجعلوا العلم ديدنهم والحقيقة هدفهم والحوار سبيلهم، وبذلك تتحول المذاهب من حالة طائفية عشائرية إلى مدارس علمية كل منها يثري التراث ويشكل إضافة علمية للمسيرة. لذلك لابد من الاهتمام بمراكز الأبحاث والدراسات المقارنة.

٧ - ظهرت في أواخر القرن الماضي على الساحة السياسية العالمية والإسلامية ظواهر تبشر بخير لمستقبل وحدة الأمة الإسلامية… فمن جهة قدمت أوروبا ذات التاريخ الغارق بالحروب والدماء والصراع بين دولها نموذجا جيدا وناجحا في" الاتحاد "يستطيع أن يجيب على كل أسئلة التشكيك في إمكان وحدة العالم الإسلامي. ودخل العالم في عصر التكتلات الدولية التي تفرض على العالم الإسلامي نوعا من التلاحم والتعاضد، من هنا ازداد الحديث عن ضرورة تفعيل منظمة المؤتمر الإسلامي والسوق الإسلامية المشتركة والتعاون الثقافي والإعلامي الإسلامي.

كما أن التحديات المشهودة في فلسطين والعراق وافغانستان وبقاع أخرى من عالمنا الإسلامي، وظاهرة الانفراد بالهيمنة العالمية فرضت الحد الأقل من التفاهم والتعاون، ولابد أن يتواصل ويستمر وإلا تحول إلى مزيد من التمزق والتشتت.

ولا يخفى مالسيادة أجواء التفاهم على الساحة السياسية من أثر على الحالة الطائفية في العالم الإسلامي. ولا أدل على ذلك مما شاهدناها عقب بعض محاولات التنقية في الأجواء السياسية الإسلامية من تحول في الساحة الثقافية والعلمية والشعبية.

٨ - إن ظاهرة الحوار التي سادت في أواخر القرن الماضي كان لها تأثير كبير في تقليص حالة التشرذم. وقد شهدنا نشاطا ملحوظا في حقل الحوار القومي – الإسلامي، والإسلامي – الإسلامي، والعربي – الإيراني، وحوار الحضارات، وكلها تنصب في خدمة تذويب الحالة الطائفية العشائرية في عالمنا الإسلامي.

سيكون التحدي الطائفي في القرن الواحد والعشرين دون شك كبيراً؛ بسبب استفحال قوة الهيمنة العالمية واهتمامها بالورقة الطائفية حسب توصيات" هنتجتون"، لكن عوامل مواجهة التحدي من الكثرة والقوة في عالمنا الإسلامي بحيث إنها قادرة - لو أحسنّا استعمالها – أن تتغلب على كل هذه التحديات وتسجل مستقبلال أفضل للعالم الإسلامي.

الهوامش:



[ Web design by Abadis ]