ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الوقف في مواجهة التحديات الحضارية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أتقدم بجزيل الشكر الى القائمين على أمر هذا المؤتمر الموقر وعلى ماشهدناه فيه من حسن تنظيم وما لقيناه من حفاوة وتكريم.

تمهيد

الحركة الحضارية الانسانية هي اتجاه البشرية نحو تحقيق القيم الانسانية في مجتمعاتها من عدل وسلام ومساواة وتعايش وتعاون، وهذه القيم الانسانية لها علاقة بالتطور الفكري والروحي للمجتمعات، ولا ترتبط بالتطور التقني والعمراني والمدني. وقد يقترن تطور القيم الانسانية بالتطور العمراني، وقد يفترقان. وهذا الافتراق مشهود اليوم مع الأسف في دائرة الحضارة المادية السائدة، كما كان الاقتران مشهودا الى حدّ كبير في دائرة الحضارة الاسلامية إبان ازدهارها. وموضوع الافتراق والاقتران ليس مما نريد أن نقف عنده، لكنا نريد أن نبين التحدي الكبير الذي يواجه الحركة الحضارية الانسانية، أي يقف أمام تحقيق ماتصبو اليه البشرية من سيادة القيم الانسانية.

المصلحة العامة والمصلحة الخاصة

الساحة الانسانية شهدت على مر التاريخ صراعاً مريراً تمثل في الحروب والنزاعات الداخلية والاقليمية والعالمية، فأتت على الأخضر واليابس، ولاتزال هذه الصراعات تلتهب بين آونة وأخرى هنا وهناك مخلفة أنواع المآسي لبني البشر.

ورغم مانالته البشرية من تطور تقني فإن القرن الماضي شهد في مطلعه حربين كونيتين حصدتا أرواح الملايين وتركت ما لاحدّ له ولا حصر من الخراب والدمار في الجو والارض والنسل.

وهذا القرن بدأ بأنواع الرعب والدمار والقتل وسفك الدماء، ولاتزال الساحة البشرية تشهد مظاهر الاحتلال والبطش ومنطق القوة وإزهاق أرواح الابرياء.

أين تكمن المشكلة؟ هذا الانسان الذي يتوق بفطرته الى التعايش والسلام والأمان والحب، لماذا تشهد ساحته صوراً لا تشاهد في الغابات بين الوحوش؟

الانسان يمتلك دافعاً ذاتياً يسوقه الى تحقيق المصالح الطبيعية للكائن البشري، فيتحرك بهذا الدافع لتوفير احتياجاته من الطعام والمسكن والملبس ومكافحة الأوبئة وعلاج الأمراض و… غير أنه حين يعيش في المجتمع تظهر مصلحة أخرى هي المصلحة الاجتماعية. وهذه المصلحة الاجتماعية قد تتعارض مع المصالح الفردية، فيظهر التناقض بينهما، ثم يشتد ويؤدي الأمر الى نشوب الصراع والنزاع على الساحة البشرية.

فالقوانين الاجتماعية التي تنظم حقوق العمال قد تتناقض مع مصالح أرباب العمل، والقوانين التي تنظم أصول العلاقات الدولية قد تتعارض مع مصالح الدول التي تبحث عن السيطرة على الاسواق والمصادر الطبيعية، وقواعد الاخلاق الاجتماعية قد تتعارض مع أصحاب الأهواء والشهوات والغرائز المستفحلة الهابطة و… بذلك تظهر النزاعات الداخلية على مستوى الافراد، والنزاعات الاقليمية على مستوى الدول، والحروب العالمية بين الكتل المتصارعة.

ومن الطبيعي أن العلم لايحل مشكلة التناقض بين المصلحة الفردية والاجتماعية، بل إن واجب العلم هو اكتشاف الحقائق الموضوعية في مختلف الحقول، وهذا الاكتشاف لايحل المشكلة، بل قد يجهز المتصارعين بأسلحة رهيبة قادرة على مزيد من الدمار.

دور الدين في حلّ المشكلة

الدين هو الاطار الوحيد الذي يمكن أن يوفق بين المصالح الفردية والمصالح الاجتماعية" لانه الطاقة الروحية التي تستطيع أن تعوض الانسان عن لذائذة الموقوتة التي يتركها في حياته الأرضية أملاً في النعيم الدائم "و" التي تستطيع أن تخلق في تفكيره نظرة جديدة تجاه مصالحه، ومفهوماً عن الربح والخسارة أرفع من مفاهيمها التجارية المادية".

والآيات القرآنية التي تركز هذه النظرة الجديدة كثيرة منها:

(ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب).

(من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها).

(يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم. فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره). (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) (وما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب و لا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كان يعملون).

والعرفان الاسلامي سار في هذا الطريق المتجه الى تذويب الذات الفردية في الذات الاجتماعية.

يقول إخوان الصفا في رسائلهم: " وسبيلك أن تعود نفسك عمل الخير لأنه خير، لا تريد بفعلك عوضاً، ولا يحملك على فعله خوف، فمتى فعلت لطلب المكافأة لم يكن خيراً، وإن لم تطلب المكافأة، وإنما أردت الذكر والاسم، كنت أيضا منافقاً ولم يكن خيراً، والمنافق لا يستأهل أن يكون في جوار الروحانيين".

ويقول الامام الخميني في بعض أشعاره:

ألا يا أيها الساقي زمن پرسـاز جامـم را

كه از جانم فرو ريزد هواي ننـگ و نامم را

از آن مىريز در جامم كـه جانم را فناسازد

برون سازد زهستي هسته نيرنـگ ودامم را

از آن مىده كه جانم را زقيد خود رها سازد

بخـود گيرد زمامم را فـرو ريـزد مقامم را

وفي هذه الابيات يطلب الشاعر من الساقي أن يملأ كاسه بالخمرة، فالخمرة في تعبير العارفين هي التي تبعد الإنسان عن التفكير في ذاته، يطلب ذلك من الساقي كي تتطهر نفسه من الاهواء الدنيئة وحب الشهرة.

يطلب منه أن يسقيه تلك الخمرة التي تغني ذاته، وتخلص وجوده من التفكير في التحايل والنصب.

يطلب منه أن يسقيه من تلك الخمرة التي تحرر روحه من قيود الانانية، وتجعله ماسكاً لزمام نفسه، وتحطم رغبته في الاستعلاء.

من هنا نفهم أن العرفان الذي يستهدف الوصول الى عمق الدين يتجه الى أهم أبعاد الدين وهو ذوبان الذاتية الفردية في المصلحة الاجتماعية.

الوقف يحقق هذا الهدف العظيم

إذا كان هدف الدين يتركز بالدرجة الأولى على إعطاء مفهوم جديد للربح والخسارة، ويحقق هذا الهدف عن طريق دك الذات الفردية في المصلحة الاجتماعية، فان الوقف واحد من أهم مظاهر تبلور ذلك المفهوم.

وهو يختلف عن سائر أعمال البر في قدرته على استمرار العطاء وخلود العمل. فالموقوفة تبقى على مر العصور مثل شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين باذن ربها، كما أنه أيضا:

١ـ يحول الملكية الفردية الى ملكية اجتماعية تصب في الصالح العام.

٢ - يخلق المجتمع المدني الذي يعتمد على المؤسسات الاجتماعية في ادارة شؤونه.

٣ - ينهض بعملية شدّ الناس بالآخرة، وهي عملية تزكي النفس وتبارك الحياة.

ونوع الخدمة التي يؤديها الوقف يتوقف على درجة الوعي الحضاري للمجتمع الاسلامي. فحين يكون مستوى الوعي مرتفعاً نجد أن أهداف الواقفين ترتفع أيضا. من ذلك مانرى من وقف المكتبات العامة في الاماكن العامة، مثل مكتبات مسجد ميافارقين ومسجد أبي حنيفة في بغداد، وجامع الازهر في القاهرة، وجامع نيشابور والمسجد النبوي.

ومن ذلك مانرى من وقف المدارس والجامعات مثل مدرسة ابي حنيفة (تأسست ٤٥٩هـ) والمدارس النظامية (في القرن الخامس) ومدرسة المستنصرية (٦٣١هـ).

ومن الملفت للنظر في إطار الموقوفات كثرة المستشفيات الموقوفة، وفي القرن الأخير وحده أنشئت في إيران وحدها عشرات المستشفيات، وسلمت الى وزارة الصحة لتقوم بأعمال خيرية. وذهب بعض الواقفين الى إنشاء جامعة طبية كما في موقوفة" ربع رشيدي "التي نصت وقفيتها على المراحل التي يجب أن يطويها دارس الطب وجاء فيها: " لابد من انتخاب أفراد للدراسة من بين الاذكياء ومن فيهم الكفاءة لدراسة الطب، وأن يكونوا ممن يتصف بالجد والتدين… ولابد من تأييد صلاحية المتخرج على يد أساتذة ماهرين".

هذا إضافة الى ألوان الموقوفات التي تهتم بمد الطرق والجسور وحفر القنوات وإصلاح شؤون الري، والدفاع عن الوطن ومكافحة الاوبئة… وكلها تعبر عن وعي حضاري في هذه الامة تواصل حتى في عصور الانحطاط.

الوقف في ظل تطورات عالمنا المعاصر

عملية الوقف كما ذكرنا مشروع تقدمي يصلح لتعميق المشاركة الشعبية في إدارة المجتمع على نطاق واسع في كل زمان ومكان. فهو يتناسب مع فطرة الانسان ومع الأهداف التكاملية للبشر التي تتمثل في تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة عن طواعية ورغبة.

غير أن المشاهد في نظام الوقف في الواقع الراهن للمجتمعات الاسلامية هو تدني فاعلية هذا النظام بسبب مشاكل يعانيها، وأهم هذه المشاكل توقف حركتنا الحضارية، مما صاحبه توقفا لفاعلية الوقف، وجمودا في الأطر القانونية والادارية للاوقاف في معظم بلدان العالم الاسلامي.

وبسبب توقف مسيرة الاوقاف فقد أضحت في الذهنية العامة جزءً من التاريخ، وذات صفة دينية ضيقة بعيدة عن دورها الاجتماعي الحضاري.

والخطط الاقتصادية في بلدان العالم الاسلامي لاتضع للأوقاف مساحة في مشاريعها التنموية.

وعالمنا الاسلامي الذي يستشرف مستقبله الافضل، ويتطلع الى استعادة دوره الحضاري على الساحة العالمية، لابد أن يطور الوقف ليواكب هذه التطلعات.

إن اكبر ظاهرة سلبية تسود العالم الاسلامي اليوم هي ضعف نشاطات البحث العلمي، وانتاج المعلومات، وهذه الظاهرة لايمكن أن تستمر في إطار دين يذم البداوة والتعرب ويدعو الى التفكر والحكمة والعلم والتعقل.

فما أجدر أن تقوم مشاريع وقفية لدعم البحث العلمي وانتاج المعلومات واستثمار الكفاءات في الأمة الاسلامية.

ما أجدر أن تخصص وقفيات لاكتشاف الموهوبين في الأمة واحتضانهم وتوفير الأرضية المناسبة لهم كي يستثمروا ماوهبهم الله في سبيل مصلحة أمتهم وشعبهم.

لقد كان للوقف مساهمات ضخمة في المسيرة الحضارية للأمة إبان ازدهارها. وجدير بالمهتمين بشأن العودة الحضارية أن يتحروا عوامل هذه العودة في عصرنا الراهن ويجعلوا الاوقاف دعامة من دعائم هذه العودة.



[ Web design by Abadis ]