ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حوار الحضارات من منظور إيراني \ د. باكينام الشرقاوي *

دعا الرئيس خاتمي فـي مبادرة تاريخية إلى تحويل حوار الحضارات من مجرد فكرة يتداولها الفلاسفة والمؤرخون والعلماء الاجتماعيون إلى "سياسة ثقافـية عالمية تتبناها الأمم المتحدة"، الأمر الذي مثل لحظة فاصلة فـي مفهوم حوار الحضارات، ساعد على رواجها وتقبلها أنها توافقت مع مزاج عالمي سائد يستنكر الإرهاب والعنف فـي العلاقات الدولية [١]. ولكن هذا المزاج - لاشك - تغير بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وهو أنه اهتم بمقاومة الإرهاب ولكن فـي ظل تباين شديد فـي التعريفات وتضاد واضح فـي المصالح على الساحة الدولية سيلقي ولاشك بآثاره على مشروع الحضارات، معناه وتنفـيذه. فمن المفارقات التاريخية الداعية للتأمل أن يكون عام حوار الحضارات هو نفسه العام الذي شهد ما سمي بأولى حروب القرن.

أولا: حوار الحضارات وإطار نظري متشابك

خطاب التمايز عن الآخـر:

كيف يطوّر الغرب معرفته عن نفسه، ظهر تعريف جديد للذات الغربية منفصلاً عن الاقتران بالمسيحية ومختلفاً تماماً من خلال رؤية الآخر، وهي معرفة الذات التي تتطور من خلال معرفة الآخر. وفـي هذا الإطار اهتم فوكوياما بكيفـية اختفاء الآخر فـي الأنا الفردية ونحن الجماعية. ومن هنا يرى أن هؤلاء الآخرين قد تم خلقهم من خلال خطابات مرتبطة بقوى اجتماعية ومؤسسات، ومن خلال ربطه بهياكل قوة مهيمنة وباسم الموضوعية العلمية لخطابات العلوم الإنسانية تتكون ما أسماه "نظم الحقيقة" “regimes of truth” وهي التي تفسّر النشاط الإنساني فـي ظل ثنائيات متضادة: الحكمة وغير الحكيم، الصحي والمرضي، الشرعي والسلوك الإجرامي وهكذا [٢]. تدور إشكالية فوكوياما حول المعرفة والقوة، فإن ممارسة القوة فـي ذاتها تخلق وتسبب ظهور عناصر جديدة للمعرفة وتراكم كيانات جديدة من البيانات. فعند فوكو، لايمثل الآخر مجرد اختلاف فقط بل هي مسألة هيراركية، لأن الآخر ليس هو من أعرف نفسي بالمقارنة به بل هو من أنظر لنفسي كأعلى أو أدنى منه. إن تطوّر العلمانية مع ظهور الخطاب الاستعماري فـي أواخر القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر قد قوى من

the dichotomous mind set للغرب. وبزغت مصطلحات مثل الحضارة فـي منتصف القرن الثامن عشر والغرب فـي منتصف القرن التاسع عشر كانت تحتم وضع البربر والشرقيين كآخرين، وانتشرت الثنائيات المعلومة: الحضارة / البربرية، الغرب / الشرق لتحل محل المسيحية / الإسلام التي كانت موجودة فـي العصور الوسطى. وفـي خضم هذه الخطابات تم تجاهل هذا الآخر الذي هو بالأساس خلق صناعي غربي discursive practices للغرب [٣] وإن كنا نشهد حالياً عودة أخرى للثنائية القديمة القائمة على الأديان فـي الخطابات المعاصرة. ومن هنا فإن الخطاب الغربي فـي تطوّره كان هو البادىء فـي التركيز على تمييز نفسه عن الآخر وليس من منطلق الاختلاف عنه بقدر ما هو من منطلق الأفضلية عنه ومن هنا تركمت المشكلات واتسعت الهوى الفكرية بين الجانبين. وفـي الوقت نفسه يجب ألاّ نغفل موقف "الشرق" إن جاز التعبير، هل جاء خطابه مجرد رد فعل للخطاب الغربي، أم أنه بالأساس احتوى على مكونات تمييزية تضع تراتبية خاصة به هي الأخرى.

تم النظر إلى الغرب باعتباره الآخر أو بشكل أضيق "العدو". وظهرت الـ NATIVISM كمبدأ ينادي بإعادة إحياء العادات الثقافـية الأصيلة وبزوغها واستمرارها إضافة للقيم والمعتقدات. وتمثل رد فعل ثقافـي من جانب كثير من مفكري الجنوب وعملت على إنهـاء MENTAL SERVITUDE وعقدة الدونية فـي مواجهة الغرب [٤].

لقد سهّل هذا الخط التراكمي للتقليد الثقافـي من مهمة الغرب التي حدّدها لنفسه لتحويل العالم إلى صورته. وبتصوير الشرق باعتباره فوضوي واستبدادي فإن النظر إلى عالم الشرق ليس كآخر محايد بل ككيان يجب أن تمارس عليه القوة [٥].

يرى الاتجاه ما بعد البنيوي، أن هناك تجاهلاً للترابط الوثيق بين الخطاب والقوة حيث إن القوة الحقيقية تتم ممارستها بواسطة الخطاب وهذه القوة لها آثار فعلية [٦]. ويهتم فوكوياما بالبعد التاريخي من التغير الخطابي، وذلك لأن مايمكن قوله يتغير من حقبة لأخرى. فالتاريخ هو هذا الامتداد المتقطع من الممارسات الخطابية، وكل ممارسة هي مجموعة من القواعد والإجراءات التي تحكم الكتابة والفكر فـي مجال بعينه وتشكل أرشيف الثقافة. ويتناول فوكوياما الاستراتيجيات التي يستخدمها المؤلفون بوصفها خطابات تنتج داخل عالم فعلي من صراع القوة فالقوة يتم الوصول إليها بواسطة الخطاب، أما دعاوى الموضوعية فهي دعاوى زائفة دائماً، إذ ليس هناك خطابات صادقة بالمعنى المطلق بل إن كل ما هنالك خطابات قوية بدرجة أو بأخرى [٧]. والخطاب عنده أيضاً ككل الأشياء موضوع للصراع من أجل السلطة والحصول عليها، فهو ليس انعكاساً للصراعات السياسية فقط بل هو ذاته مجال للرغبة والسلطة وحقيقته ليست فـي معناه الكامن الذي يستخرجه من عملية التفسير والتحليل بل إن حقيقته فـي موقعه واستراتيجية المتحدث به إذ إنّ السؤال ليس ما يقوله الخطاب بل بمن قاله؟ ولماذا قاله؟ ولأي هدف وغاية يستعمل

ه. (ينطبق هذا على الموقف الإيراني فـي السياق الدولي المطروح فـيه خطابها عن حوار الحضارات). فالخطاب خاضع لقوانين المؤسسة التي تصدره، وإذا كانت له بعض السلطة فإنه يستمدها من المؤسسة التابع لها ومنها فقط، وإنتاج الخطاب فـي كل المجتمعات هو إنتاج مراقب ومنتقى ومنظم ومعاد توزيعه من خلال عدد من الإجراءات التي يمكن بدورها أن تحد من سلطاته ومخاطره. ومن أهم أتباع فوكوياما إدوارد سعيد الذي ربط نظرية الخطاب بالصراعات الاجتماعية والسياسية الفعلية فهو فـي كتابه "الاستشراق" يبيّن كيف أن الصورة الغربية عن الشرق، تلك الصورة التي صاغتها الأجيال من المشتغلين بالعلم تنتج أساطير عن كل الشرقيين وخداعهم ونزعتهم اللاعقلية. ويتبع أدوارد سعيد منطق نظريات فوكوياما نفسها بتحديه هذا الخطاب الغربي عن الشرق، فليس ثمة خطاب ثابت لكل الأزمنة، وإنما الخطاب سبب ونتيجة على السواء، وهو لايستخدم القوة فحسب بل يستثير المعارضة [٨].

تحصل جميع المجتمعات على هويتها من خلال تعريفها للغريب والعدو بالأساس، وإن التفرقة بين نحن وهم تعدُّ مكوناً أساسياً فـي أي منظومة سياسية فكرية [٩]. ما هي الثقافة الأخرى؟ وهل ذكر ثقافة متمايزة (أو دين، حضارة أو جنس) يفـيد بالفعل، أم أنه يعني تهنئة الذات عند التحدث عنّا نحن والعدوانية والهجوم عند التحدث عنهم؟ وفـي هذا الإطار رفض المفكر السوري صادق جلال العظم تأكيد أدوراد سعيد سوء النية المقصود عند دراسة المجتمعات المختلفة [١٠]. وظهر مايسمى بـ orientalism in reverse كخطاب يستخدمه المفكرون الشرقيون والنخب السياسية للدفاع وإعادة التقدير لهويتهم، فتقدير الذات أمر موجود كمعرفة مضادة للـ europe`s oriental narrative. وبدأ كثير من مفكري الشرق فـي تقدير القومية - الذي يعدُّ المنظور الأيديولوجي للعدو [١١].

نشأت فـي العلم الاجتماعي "نظرية عن الحضارة" يسودها تياران أساسيان: الأول يركز على الجوانب المادية فـي المجتمع مثل إنتاج السلع، الاقتصاد، والثاني يعتمد على المناهج الإنسانية فـي البحث، ويركز على الجوانب الاجتماعية والثقافـية، ويهتم هذا التيار بالأديان واللغات والآداب والفلسفة والتاريخ. ولكن رأي السيد ياسين أن التفرقة القديمة بين الحضارة باعتبارها تركز على الجوانب المادية فـي المجتمع، والثقافة باعتبارها تركز على الجوانب المعنوية تسقط فـي إطار المفهوم الواسع للحضارة [١٢].

- حوار أم صدام جدل مستمر:

فـي العقدين السابقين ظهرت اتجاهات نظرية متقابلة: فإلي جانب التعددية الثقافـية والنسبية الثقافـية، سياسات الهوية، وما بعد الحداثة والتي تعطي أهمية كبرى للاختلافات ما بين البشر والثقافات؛ وفـي المقابل هناك العلمية، totalization الكلية ,essentialism ويشكل التيار الأول ما يمكن تسميته بالبنية التحتية النظرية لحوار الحضارات.

ولقد أكد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة مفهوم التنوع باعتباره المفهوم الأساسي: "لم يحدث لعالمنا أن بلغ هذه الدرجة من التكامل والهشاشة والتفاوت"، كما أشار التقرير إلى ضرورة إعادة النظر فـي مفهوم العدو وهل مازالت هناك الحاجة إلى عدو؟ وهل يمكن التطلع إلى مجتمع يمكن فـيه للقادة ممارسة القيادة دون وجود أعداء؟ [١٣].

إن الدعوى لحوار الحضارات ليست بالدعوة الجديدة حيث بدأت بعد الحرب العالمية الثانية فـي أروقة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التابعة لها، وقام جارودي منذ عدة عقود بالحديث عن شروط حوار الحضارات ففـي كتابه الذي أصدره عام ١٩٧٧ نادى بضرورة قيام ثورة ثقافـية عارمة لتيسير الحوار بين الحضارات والتي من شروطها المساواة فـي المكانة بين الحضارة الغربية وغيرها من الحضارات، كما تحدّث - ليس فقط - عن فضل الثقافة العربية الإسلامية وإنما عن مساهمة الثقافات الأخرى فـي صنع التاريخ الإنساني [١٤].

إن طرح موضوع حوار الحضارات ليس بالجديد، ولكن الجديد تمثل فـي كثافة المناقشات الدائرة حوله الآن ودرجة الاهتمام التي تدعمها التطورات الدولية المتلاحقة وتجعل من مشروع حوار الحضارات بديلاً للصدام والصراع الحضاري والخطورة تكمن فـي أنه ليس هناك بديل ثالث واضح ومطروح الآن. وتركز الجدل بين فريقين رئيسيين يدافع كل منهما عن موقف متمايز عن الآخر، حتى وإن تداخلت بعض الآراء داخل كل جماعة مع رؤى التيار المقابل لكن لا يزال معيار التصنيف الرئيسي لثنائية المواقف واضحاً.

ومن السمات الواضحة للجدل المحتدم حول حوار الحضارات، أنه انحصر فـي مناقشة العلاقة بين حضارتين اثنين من بين الحضارات الإنسانية العديدة، وهما الحضارة الإسلامية والغربية، وكرست أحداث سبتمبر الأخيرة من هذا الوضع فتوارت الأهمية المعطاة للإسهامات الحضارية الأخرى وتركزت بؤرة الاهتمام على توضيح نقاط الالتقاء ودواعي الخلاف بين الإسلام والغرب.

وتطرح فـي أدبيات الحوار الحضاري عدة تساؤلات رئيسية هامة منها: ما شروطه وكيف ينفذ؟ ، وهل الحوار المتكافئ والمتبادل بين الحضارة الأوروبية العلمية والتكنولوجية والحضارات التقليدية للعالم الثالث ممكن؟ خاصة أن الساسة والمفكرين رأوا أنه لايمكن الخروج من دائرة التخلف، إلا باقتباس عديد من القيم والمؤسسات والإنجازات التي حققتها الحضارة الأوروبية العلمية والتكنولوجية. ولم يمنع من دوام عملية الاقتباس المناظرات الكبرى التي دارت بين المحافظين فـي الحضارات التقليدية وبين المجددين، ذلك أن المحافظين احتجوا بأن اقتباس أدوات التقدم الأوروبي من شأنه القضاء على الخصوصيات الثقافـية لحضاراتهم التقليدية. دارت هذه المناظرات فـي العالم العربي والإسلامي باسم الخصوصية الثقافـية العربية والإسلامية، كما دارت فـي آسيا وفـي اليابان على وجه الخصوص، بين أنصار الحفاظ على الروح اليابانية ودعاة التجديد الذين دعوا إلى عملية اقتباس واسعة من الحضارة الغربية، وهم الذين نجحوا فـي النهوض باليابان علمياً وتكنولوجياً بحيث أصبحت فـي مقدمة الدول الصناعية والتكنولوجية الرائدة فـي العالم، ومعنى ذلك أن التيار المحافظ قد هُزم تاريخياً. يدور الحوار منذ زمن بي

ن الحضارة العلمية والتكنولوجية والحضارات التقليدية. ولكن هل هو حوار متكافئ أولاً؟ ، فالإجابة أنه لايمكن أن يكون متكافئاً، ذلك أن الحضارة العلمية والتكنولوجية فـي مركز القوة، وهي صاعدة بقوة الدفع التي استمدتها منذ قرون اعتماداً على قيم الحداثة الغربية التي تتمثل أساسا فـي العقلانية والفردية والاعتماد على العلم والتكنولوجيا، وتبنى مفهوم وضعي فـي البحث العلمي يركز أساساً على ما يمكن قياسه، والابتعاد عن أنماط التفكير الأسطوري والغيبي، غير أن الحضارات التقليدية وفق السيد ياسين ما زالت فـي غالبيتها العظمى غارقة فـي أنماط التفكير غير العلمية، وكثير من الدول فـيها تسودها نظم غير ديموقراطية ومن ثمَّ هناك حواجز عديدة أمام حرية التفكير والتعبير [١٥]. وسانده فـي هذا الرأي كثير من الكتّاب العرب والمسلمين فبعضهم أشار إلى أنه حوار غير متكافىء عند فترة النهضة وبعدها، وأخذ شكل الاحتكاك الثقافـي بين العالم الغربي وغير الغربي، كان الأول هو تيار النهر الجاري، والثاني هو المصب حيث ساد اقتباس القيم الثقافـية الغربية، حتى أن هذا النوع من الاحتكاك الثقافـي غير المتكافئ كان ذا تأثير سلبي فـي الحضارات الأخرى وداخلي خاصة فـي الحضارة الإس

لامية وفـي تفاعل الحضارات غير الغربية مع بعضها بعضاً [١٦].

ومن التساؤلات الكبرى الأخرى: هل تعبر القيم العلمية والتكنولوجية عن حضارة عالمية أم أنها تعكس تقانة لحضارة واحدة؟ رأي السيد ياسين أن هذه القيم أصبحت تعبر عن حضارة عالمية على الرغم من أنها نبعت أساساً من إطار الحضارة الغربية، خاصة أن هذه الحضارة ما هي إلا حضارة إنسانية أخذت من حضارات سابقة عليها أهمها الحضارة الفرعونية والإسلامية [١٧]. وأثير تساؤل آخر عن ما هي حدود الاتصال بين الحضارات. حيث يهدف الحوار الحضاري إلى التعريف بالذوات الحضارية والتعرّف على الآخر المختلف حضارياً من خلال عملية مدروسة ترمي إلى إسقاط الصور النمطية الجامدة سواء عن الذات أو عن الآخر. وفـي هذا السياق ليس هناك حدود لحوار الحضارات، ذلك أن الأمل هو التوصل فـي النهاية إلى الاتفاق على صياغة مجموعة متناسقة من القيم العالمية التي تأخذ فـي اعتبارها التنوع الإنساني الخلاّق، فـي الوقت الذي تسعى فـيه إلى التركيز على القواسم المشتركة بين الحضارات البشرية جميعها. وتمثّل الثورة الاتصالية الكبرى، البنية التحتية التي ستساعد فـي النهاية على تخليق حضارة عالمية تعمل على تعميق التفاعل الإنساني [١٨]. ولكن التساؤل الذي يمسّنا ولاشك هل من مصلحة حضارتنا الإسلامي

ة المساهمة فـي خلق هذه الحضارة العالمية أم مجرد الاكتفاء بتعريف الذوات الحضارية ببعضها بعضاً بالنظر إلى الضعف الإسلامي الواضح الذي سيجعل من سيادة هذه الحضارة العالمية الواحدة تهميشاً لكثير من قيمها الإسلامية.

ظهرت عدة محاولات غربية لتحديد موضوعات المناقشة فـي ظل حوار الحضارات، منها ما قدّمه بولييت وحدّدها بعشرة: الدستور وحق المواطنة، القانون والإجراءات القانونية، الدين والوضع الاجتماعي، السيادة والحدود، التعليم ونشر المعلومات، النظام الاقتصادي، الرعاية الاجتماعية، الطفولة والشيخوخة، مركز المرأة، التراث البيئي [١٩].

فـيما يخص اختلاف نظرة كل طرف إلى مآل الحضارة الأخرى:

أكد الدكتور علي مزروعي أن صدام الحضارات موجود منذ قرون عدة وكان الغرب هو المعتدي الرئيسي فـي هذه المواجهة [٢٠].

رأى فوكوياما أن عملية الإحياء الإسلامي ماهي إلاّ نوع من رفض لانتصار أفكار الليبرالية الديمقراطية، ولكن فـي النهاية الإسلام بالنسبة له لا يصلح كقطب ثقافـي وقوة أيدولوجية فـي العالم الأوسع. وعلى العكس منه أكد علي مزروعي دور الإسلام فـي تشكيل التاريخ وأن هذا الدور فـي تزايد، خاصة أن انهيار الشيوعية يستدعي استمرار مقاومة الإسلام الذي أفشل الشيوعية فـي جميع بلاد المسلمين. فأعداد المسلمين فـي تزايد والمهم أن تأثيرهم سيتضح فـي مجال الأفكار، وأن الرأسمالية ستتهاوى أمام تناقضاتها وسيتسع مكان الإسلام فـي العالم [٢١]. (مازال حتى على مستوى هذا الجدل شيء يحل محل شيء آخر وليس تفاعل إيجابي كما يفترض منظور حوار الحضارات). فـي حين رأى هنتغتون أن عملية إعادة الأسلمة بمنزلة بديل خطير للديموقراطية والليبرالية. وبالنسبة لفؤاد عجمي فإن الإسلام لم يعد محصّناً كحضارة، حيث وصلت خطوط الصراع إلى محورها، فالعلمانية والحداثة اتخذتا مواقع قوية بين المسلمين، فالحدود مع الآخر قد عبرت، وظهرت انقسامات كبرى وجزئية فـي العالم الإسلامي ولكل دولة حسابات خاصة لمصالحها وتسعى لتأخذ مكاناً فـي الاقتصاد الدولي، فبالنسبة لعجمي اختار العرب والمسلمون ا

لانضمام إلى الحداثة المعاصرة وفقاً لشروطها. وهكذا فإن فكوياما قلل من أهمية الإحياء الإسلامي، وهانتجنتون تلاعب به، ومزروعي يرى أن الإسلام يصنع التاريخ باعتماده على ethos الإسلامية ويرى عجمي أن المسلمين انضموا إلى التاريخ بتبني قيم الغرب [٢٢].

ومن ناحية أخرى ظهرت الاتجاهات الفكرية التي ترى انحدار الحضارة الغربية وزوالها حتى أن السيد ياسين فسر نظريات فوكوياما وهنتجتون على أساس أنها آلية دفاعية عن الحضارة الغربية المنهارة، فهنتجتون وصدام الحضارات ما هي إلا تركيز على سمو الحضارة الغربية على غيرها من الحضارات وعلى انتصارها الحتمي فـي الحرب الثقافـية، وفوكوياما يؤكد إأ الرأسمالية التي هي العلامة البارزة للحضارة الغربية انتصرت على غيرها من الأيدولوجيات المتنافسة وأهمها الماركسية وأنها ستكون دين الإنسانية إلى أبد الآبدين، بشعاراتها البراقة عن حرية السوق، وتحرير التجارة [٢٣].

رأى الأستاذ سيد ياسين أن هناك مؤشرات ثقافـية متعددة تشير إلى أننا بصدد تشكل حضارة عالمية تعتمد اعتماداً أساسياً على الثورة العلمية والتكنولوجية التي قامت منذ عقود فـي عدة بلاد صناعية متقدمة، وساعدتها على الانتقال بكفاءة من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلومات العالمي والذي يتحول ببطء، وإن كان بثبات إلى مجتمع المعرفة.

وناقش بعضهم شكل الجماعة القائدة وطبيعتها المعنية بهذا الحوار ورأى بعضهم ومنهم السيد ياسين أنه ينبغي ألا يقتصر حوار الحضارات على المثقفـين، بل لابد من مشاركة ممثلين للثقافات الشعبية بمختلف تياراتها على الرغم من انتشار الانفصام الثقافـي وتكوين الفجوة المعرفـية والفكرية بين النخبة والجماهير [٢٤].

لنجاح الحوار بين الحضارات لابد من مناخ ملائم وحالياً يفرض هذا العصر تحديات كبرى تعيق إن لم تكن توقف هذا الحوار حتى ولو مرحلياً، فإنه عصر العولمة الذي فـيه، كما أشـار أحمد صدقي الدجاني قوى للعولمة من شركات دولية وقيادية وهي الولايات المتحدة ويتجلى فـيها عنصر "الفرض" مستهدفاً دولاً وشعوباً وساعياً "للتنميط" ومن تخترق الخصوصية الثقافـية [٢٥].

و شكّكت أحداث ١١ سبتمبر فـي مصداقية الرغبة الغربية فـي إجراء حوار حضاري، حيث عمّقت أصوات غربية من الفجوة الثقافـية بين الحضارة الغربية وغيرها من الحضارات خاصة الإسلامية والعربية: ومن أمثلة ذلك مقولات طرحها هنتجتون وفوكايا عقب الأزمة وهي لاتخدم ولاشك حوار الحضارات: ففـي مقال لهنتجتون وصف العصر الحالي بأنه "عصر حروب المسلمين" أما مقال فوكايا فعنوانه "هدفهم العالم المعاصر" موحياً بأن المسلمين فـي حالة خصومة مطلقة مع سائر الشعوب وأضاف أن "العدو الحقيقي هم الإسلاميون الأصوليون الذين لايطيقون التنوع والمعارضة فأصبحوا فاشيي هذا العصر وهذا ما نحاربه"، وينتقل من قضية الإرهاب ليخوض فـي أدق أمور الثقافة للأمتين العربية والإسلامية وأخصها، فـيقرر أن "على المجتمع الإسلامي أن يقرر ما إذا كان يريد أن يصل إلى وضع سلمي مع الحداثة خاصة فـيما يتعلق بالمبدأ الأساسي حول الدولة العلمانية والتسامح الديني…". ووضع هنتجتون يده بقدر كبير من الموضوعية على مساهمة بعض السياسات الغربية عموماً والأمريكية خاصة فـي إيجاد حالة من الإحباط والغضب لدى العرب والمسلمين. كذلك انتبه هنتجتون على حقيقة هامة مفادها أنه كلما ازداد وطال استخدام الولايا

ت المتحدة وحلفائها للقوة العسكرية ضد أعدائهم ستتوسع ردود الفعل الإسلامية وتمسي أكثر حدة فاعتداءات ١١ سبتمبر ولّدت الوحدة فـي صفوف الغرب والضربة الطويلة ردّاً عليها قد تولد وحدة فـي صفوف المسلمين [٢٦].

رأى أحمد كمال أبو المجد احترام الخصوصيات الثقافـية، أو السيادة الثقافـية للشعوب، أما إصدار أحكام بالإدانة على ثقافة ما لأنها مختلفة عن ثقافة دولة أكثر قوة أو غنى أو نفوذاً، فإنه يصيب قضية التواصل الحضاري فـي مقتل ويفتح الباب لهيمنة ثقافـية لاشك فـيها، لهذا فإن التدخل فـي البرامج الدراسية للدول الإسلامية من مؤشرات ذلك، وينبغي أن يقابل بالرفض لأنه صورة أخرى من التدخل تمتزج فـيها الرؤى الثقافـية بالمواقف والمصالح السياسية والاقتصادية. ويجب على المسلمين ألا ينكروا حقائق أوضاعهم الثقافـية الداخلية وما يتعلق بالخطاب السياسي والخطاب الديني السائد، فهناك دعوة أصيلة يزداد أنصارها يوماً بعد يوم لإصلاح الشأن الثقافـي والتعليمي ولمراجعة الخطاب الديني السائد فـي ضوء مآلاته وآثاره فـي العقل العربي والوجدان المسلم، ولكن هذه الملحمة تظل شأناً عربياً وإسلامياً نتجه إليه طوعاً واختياراً وإيماناً بضرورته وشدة الحاجة إليه لمباشرة نهضة إسلامية شاملة، لا لمجرد تحسين صورة العرب والمسلمين لدى الغرب وغيره من الآخرين [٢٧]. كما أكد فهمي هويدي مفهوم الصراع الحضاري الذي يستهدف فرض نموذج حضاري لبلد يستشعر الاستعلاء والقوة، كما أشارت سوف

ـي بسيس إلى أن الهوية الغربية لاتنفصل عن ثقافة التفوق ولا تحدد إلا بمعيار الهيمنة رغم أنها ترفع شعارات الانفتاح والحوار بين الثقافات وهو الاقتناع نفسه الذي أكده جارودي قبل ٢٥ عاماً وعرّف فـيه الغرب بأنه "حالة فكرية متجهة نحو السيطرة على الطبيعة والناس" [٢٨]. ولعل الأخطر من ذلك محاولات الغرب إعادة إنتاج نوع جديد من الإسلام"صناعة أمريكية أو غربية" عن طريق تغيير المناهج الدراسية ومراجعة وتنقيح الكتب الدينية وفرض رقابة على التعليم الديني فـي الدول الإسلامية بدعوى تجفـيف منابع الإرهاب، ومثل هذه المحاولات "لخطف الإسلام وإنتاج إسلام معدّل بما يتفق مع المنظور الغربى" محكوم عليها بالفشل وتمثّل التحدي الحقيقي الذي على المسلمين مواجهته بوعي وحرص [٢٩]. وبشكل عام أثار كثير من الكتّاب أهمية خلق المناخ السياسي الملائم للحوار من خلال إيجاد حلول مقبولة وإلا فإنه سيكون إعادة إنتاج وتكرار لذات الحوار السابق على أحداث سبتمبر، أي مجرد لعبة ذهنية وعقلية تمارس بمعزل عن التيارات السياسية فـي الفكر والسياسة فـي العالم الإسلامي، وعن المصالح الحقيقية لشعوبه فـي حوار يحمي خصوصيتها الثقافـية ومصالحها، ويرتبط بأي جهد إسلامي بخلق مناخ عالمي

جديد، وهي مسؤولية غربية بالأساس لأنه يعني مراجعة السياسات الغربية، واستبعاد القوة والحرب كأسلوب أساسي فـي حل المشكلات، وتجنب التمركز الغربي حول الذات، وفحص مرتكزات الوعي الغربي عن الإسلام والمسلمين ومراجعة عميقة للصور والأحكام المسبقة التي تحتفظ بها الذاكرة الغربية، وهي مهمة أكبر وأصعب وتتجاوز مستوى السياسات إلى حقل الثقافة والوعي [٣٠].

ومن النماذج الفكرية لتصورات الغرب المسبقة عن نتيجة الحوار، ما طرحه بعضهم ماذا بعد إخفاق سياسات الهوية ما هو المتبقي، قدّم كرامر ما أسماه بالشرق الأوسط ما بعد الأيديولوجي والذي يرتكز على البراجماتية المطلقة، حيث يقدم الغرب السلام والتنمية والديموقراطية كبديل عن التطرّف العربي والإسلامي، ويوعد هذا الشرق الأوسط الجديد بالقوة ولكن ليس قوة هزيمة الأعداء فـي المعارك وإنما إطعام جماهير الشعب وإسكانهم فـي المدن، وهو تصور أبعد من أي رؤى تقدمها العروبة والإسلام لأنها تتحدث بلغة المصالح وليس بالهوية، وستحرز نتائج أسرع لأنها تقوم على حلف مع الولايات المتحدة وسلام مع إسرائيل. وفق هذه النظرة فإن سلاماً سريعاً وديموقراطية سريعة وأسواقاً سريعة هي مقدمة لتغير سريع للعالم، فـي حين تحمل الخيارات الأخرى مخاطر أكبر واختياراً خاطئاً لايجعل للمسلمين مكاناً على الخريطة [٣١]. هذه هي المقولات التي يردّدها كثير من أدباء الغرب بل ويعدّونها منطلقات أي حوار مستقبلي، وهو حوار محسومة نتائجه من قبل أن يبدأ ومعروف صالح البشرية فـي أي اتجاه مسبقاً وهي مثل واضح لغلبة التفكير المادي على الغرب، وعدم احترامه للمكوّنات الروحية فـي تفكير الأمم الأ

خرى.

ثانياً: الخطاب الإيراني وحوار الحضارات

- مفهوم الآخر فـي السياق الثقافـي الإيراني:

تمثّل الثورة الإيرانية عودة الثورات الدينية خلال العصر الحديث، وهو السياق الذي لابد أن يترك بصماته على الرؤية الإيرانية لكثير من القضايا المعاصرة.

وتمرّ إيران عقب الثورة الإسلامية - عند خاتمي - بمرحلة جديدة من إعادة بناء الحضارة، ورأى خاتمي فـي حواره مع الـ / س. ن. ن / أن الإيرانيين يبحثون عما بحث عنه مؤسسو الحضارة الأمريكية منذ أربعة قرون ولهذا يشعرون بـألفة فكرية لمعنى جوهر الحضارة الأمريكية [٣٢].

هناك خصوصية لسياق الجدل الثقافـي والفكري الإيراني، لقد فرضت الثورة العديد من الأسئلة الهامة على المفكرين الإسلاميين، هل يستطيع الحكم الإسلامي مواجهة التحديات العلمية والاجتماعية المعاصرة؟ هل الديموقراطية البرلمانية ملائمة للإسلام؟ وكيف يمكن إيقاف أو قلب المسيرة المتقدمة للعلمانية وكيف تكون مواجهة الغرب؟ وتمت الإجابة على هذه الأسئلة بطرق مختلفة فـي مناخ على الرغم من تقييده سياسياً بشكل نسبي إلا أنه مزدهر فكرياً [٣٣]. ليس الدين المصدر الوحيد لأيديولوجية الثورة بل إن الشعبية أحد الروافد فقط، ومن ثمّ فإن التنوع والتعدد فـي المصادر هو إحدى السمات الرئيسية للخريطة الإدراكية الإيرانية.

يمكن تحليل التاريخ الفكري الإيراني المعاصر من خلال ما أسماه mehrzad Boroujerdi بالمثلث الثقافـي المكوّن من تأثير الثقافة والحضارة الغربية، التراث الفارسي ما قبل الإسلام وبعده، وتقدير المفكرين للضلعين السابقين. وتنبع أهمية الأول من تأثير المنظور الفلسفـي والعلمي والعسكري والاقتصادي للغرب فـي الحياة اليومية وطريقة التفكير فـي إيران المعاصرة، أما الثاني فنستخرج دلالته من كونه المصدر الأول لهوية الإيرانيين الثقافـية والفكرية، أما الثالث فتظهر أهميته بسبب قدرة المفكرين الإيرانيين كمبدعين ثقافـيين على لعب دور حيوي فـي الوساطة ما بين الثقافة الغربية والتراث الإيراني، وداخل هذا المثلث الثقافـي تظهر على السطح عدة إشكاليات: ما هو الغرب؟ وكيف يكون الاقتراب منه؟ وما هو المناسب مع الهوية الإيرانية؟ هل يجب النظر إلى الحداثة والعلمانية كمبادئ عالمية أم كأدوات غربية؟ [٣٤].

بالنسبة لتساؤلات مثل: ما هو الغرب؟ وكيف يمكن تحليله؟ وهل هناك ما يمكن تعلّمه منه وتقديمه له؟ اختلفت آراء المفكرين الإيرانيين وتباينت: » فنصر داوري « - وهو أكاديمي إيراني - يؤمن بأن المفكرين الإيرانيين يحتاجون إلى عملية رد فعل نقدي لمعنى التاريخ الغربي وحقيقته؛ وهو يرى الغرب ككل واحد وليس كياناً سياسياً فقط بل هو طريقة تفكير؛ وهو بذلك يضع الغرب كآخر مطلق فـي مواجهة الهوية الإسلامية [٣٥] فـي حين أن» سروش «ينتقد النظرة الفلسفـية لداوري القائمة على كلية ووحدة الغرب لأنها لاتترك مساحة لحوار بنّاء أو تبادل مكاسب متبادل. كما رفض فكرته عن قبول الغرب ككل أو رفضه ككل. فالغرب عنده على العكس لايمثل الغرب كياناً واحداً وحدًا، كما يرفض استخدام المصطلحات الكبرى المطلقة مثل الفلسفة الغربية والثقافة الغربية وروح الغرب، فسروش يؤكد أن الغرب لايعبّر عن شمولية متناسقة بحدود فكرية وثقافـية معرفة جيداً. ولاتستطيع المجتمعات غير الغربية مواجهة الغرب بل فقط الأفراد الغربيين، فلقد آمن بالتبادل الثقافـي الذي يطور الاعتراف والتعاون المتبادل، ويرى أن هدف الجمهورية الإسلامية كحكومة دينية ألا تخضع converting العالم بأكمله للإسلام وإنما يجب

أن تكون الخطوة الأولى هي تنمية الفكر الديني واحترامه أياً كان نوعه على مدار العالم. ويرى أيضاً أن الإيرانيين نتاج يرث ثلاث ثقافات: ماقبل الإسلامية والإسلامية والغربية، وبدلاً من تفضيل إحداها على الباقين، على الإيرانيين محاولة الالتئام وإعادة ترتيب الثلاثة، فالعودة للذات عنده ليست حاسمة ومطلقة كما صورها شريعتي قبل الثورة، خاصة وأن الإيرانيين قد أصبحوا أكثر تسامحاً لاختلافاتهم، [٣٦] مشيراً بذلك إلى أهمية الحوار الداخلي الذي سار خطوات إيجابية حتى الآن.

توجد بعض العناصر من الثقافة والفكر الغربي لدى عامة الشعب الإيراني، وفـي الوقت نفسه فإن جميع الإيرانيين لهم توجهات دينية وأخلاقية وصوفـية وحماسية، ولا يجدون مشكلة فـي التوفـيق بينها، ولا تستطيع النظم السياسية والتوجهات الاقتصادية أن تغير بسهولة هذا الأساس الكائن، فلا العصر البهلوي استطاع أن يستأصل شأفة التوجهات الدينية لدى الإيرانيين ولا استطاعت عهود ما بعد الثورة الإسلامية أن تقضي تماماً على جذور الميول العالمية والغربية لديهم [٣٧].

قدّم مفكر أمريكي تفسيره لأسباب قبول النظريات الغربية فـي المجتمع الإيراني أهمها زيادة الغزو الثقافـي الغربي لإيران، وأثرت ثلاثة عوامل فـي هذا الغزو: الأطروحات الجديدة عن الغرب والتي يعرضها أفراد مثل سروش، أسلوب إدارة وزارة الإرشاد الإسلامي وقت تولى السيد خاتمي لها، والفصل والتفرقة بين الحوزة العلمية والجامعة، حيث افتقد الطلاب قابلية التأثر بمرحلة الثورة عن طريق الفقهاء بالدرجة نفسها كما كان عليه معظم أساتذة الجامعات من الذين درسوا فـي الغرب ونقلوا المناهج الغربية فـي محاضراتهم. كما كان لحكومة رفسنجاني مصالح فـي نشر وتدعيم الجلاسنوست الثقافـية وقامت الحكومة بإرضاء واستقطاب بعض طبقة مثقفـي المجتمع الإيراني الذين كانوا مستائين من القيود على الحياة الثقافـية. ورحب برومبرج بمقولة خاتمي فـي أن الغرب قدّم مساعدات كبرى لعملية نمو الفكر الديني وتطوره لأنه محا كثيراً من الخرافات والأفكار المتخلفة عن الدين، ولكن يجب ملاحظة أن هذا الكاتب وأمثاله يرون أنّ حركة الإصلاح فـي إيران يجب أن تكون فـي البنية التحتية وما يتبعها من قواعد النظام الإسلامي الإيراني، وأن توجه نحو نظام علماني تعددي.

يهتم الجدل الحادث فـي إيران اليوم بالمكانة الصحيحة للإسلام فـي عالم مابعد الحداثة، وتأثر بأدبيات ما بعد البنيوية ومابعد الحداثة، وافتراضات النسبية الثقافـية ونهاية الأيديولوجية التي تناقش ليس فقط المنظور الإيجابي الجديد neoـpositivist وإنما مشروع التنوير ذاته enlightenment. ومن هنا تمثل الخلافات الإيرانية مسالب العصر العاصف ومميزاته الذي يحياه الجميع [٣٨].

يفهم المفكرون الإيرانيون الغرب من منطلق موضوعيتهم الخاصة بهم، وكان من الصعب عليهم دراسة قوانين المجتمع المدني ومبدأ العلمانية ومنظور الحداثة من وجهة نظرهم…. وهل يمكن أن يتم الفصل بين الغرب والحداثة؟ بمعنى آخر هل يمكن أن يستمر الإيرانيون فـي التخلي عن الغرب فـي حين يستوعبون منظور الحداثة، ربما [٣٩].

السياق الداخلي والدولي للخطاب الإيراني:

إن صعود مفهوم معين أو سقوطه يخضع لتفاعل متغيرات كثيرة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافـية. ولاشك أن التطورات الحادثة على الساحة الدولية وخصوصية السياق الإيراني ما بعد الثورة أثرت فـي قوة الدفع المعطاة لتبني مفهوم حوار الحضارات.

وللسياق الدولي المعاصر سمات جديدة أهمها انهيار القطبية الثنائية التي شهدت صراعاً أيديولوجياً ضارياً بين الرأسمالية والماركسية، وهو النظام الذي سقط معه مفهوم الأيديولوجية، الذي كان محورياً وصعد على أنقاضه مفهوم الحضارة بكل مايرتبط به من مشكلات الهوية، والبحث عن الجذور وإثبات التمايز الثقافـي وصيحات التأكيد على الخصوصية الثقافـية، ولذا هناك من يرى أن ظاهرة العولمة هي التي فتحت الطريق لضرورة قيام حوار بين الحضارات [٤٠].

ويرى وزير الخارجية الإيراني، أن ظهور نظام اقتصادي دولي غير متوازن زاد من الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة وزاد من هشاشة الدول الفقيرة وحساسيتها فـي مواجهة الضغوط الأجنبية، والتدهور البيئي، وإنكار الحقوق الثقافـية للأمم، وعدم إعلاء القيم الثقافـية، والجهود العاملة على خلق ثقافة واحدة “monoـculture” وهي من النتائج السلبية للعولمة والتي تفرض تحديات جديدة على البشرية بأكملها. وهذه الدعوة للثقافة الواحدة تسير بشكل مضاد مع مثالية التعددية الثقافـية. ومن إيجابيات العولمة من ناحية أخرى التوسع فـي الاتصالات مما يدعم من التعارف والاحتكاك بين الثقافات والحضارات، بالإضافة إلى الدور المتوقع والمحتمل للفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين فـي تشكيل القرارات الدولية وهنا يظهر دور اليونسكو، وستساعد هذه المشاركة على جعل النظام الدولي أكثر ديموقراطية [٤١]، وهو المطلب السياسي لحوار الحضارات عند الإيرانيين.

وتشعر كثير من الدوائر الحاكمة الإيرانية بأن هناك حرباً ثقافـيةً تشن على إيران وقيمها الإسلامية الأصيلة، وكان الإمام خامنئي أكثر المتحدثين والمدركين لخطورة هذا الغزو حيث أشار فـي كثير من خطبه إلى الهجوم الثقافـي الذي تتعرض له الجمهورية الإسلامية وقيمها [٤٢]. وهذا سبب آخر يجعل من حوار الحضارات رداً ثقافـياً ملائماً لهذا الهجوم الثقافـي فهو رد دفاعي ثقافـي هو الآخر.

فلقد أدركت إيران فـي تجربة الحرب المفروضة، أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أرادت أم لم ترد، يجب أن تقبل بوجود لاعبين دوليين أصدقاء وأعداء ممثلين فـي مؤسسات دولية وشركات متعددة الجنسيات ووسائل إعلام، وجميعها تؤثر فـي الرأي العام الإيراني، ولذا وجب على السياسة الخارجية الإيرانية أن تكون دفاعية أمام ما يسمى بالغزو الثقافـي، وإن اعتماد سياسة مواجهة الغزو الثقافـي وتنفـيذها لهو دلالة واضحة من الناحية النظرية والعملية على تعارض إيران مع النظام الدولي بشكل أو بآخر، فالنظام الدولي أحادي القطبية يسيطر عليه تيار العولمة الاقتصادية والثقافـية واللغوية بزعامة أمريكية والتي تجتهد دائماً فـي ردع إيران بوضعها فـي أزمة مع النظام الدولي باستخدام جميع السبل. ومن ثم ظهرت مرحلة جديدة من سياسة نبذ التوتر وحوار الحضارات. وبهذا النهج الجديد، تخلت إيران عن رغبتها فـي الهجوم على جميع البنى الموجودة فـي النظام الدولي واستخدمت استراتيجيات مبتكرة لإصلاح النظام الدولي وتغييره لصالحها، وهي الأسلحة ذاتها التي اعتمد عليها الغرب كآليات سياسية وثقافـية وقضائية للحفاظ على نفوذه الفعلي فـي النظام الراهن [٤٣].

ويدعم تبني إيران لحوار الحضارات بحثها عن مكانة مستقلة فـي عالم ارتفعت فـيه تكلفة الاستقلالية. وقد أشار خاتمي أيضاً إلى محورية مفهوم الاستقلالية فـي السياق الفكري الإيراني، فإيران وإن كانت تدعو لحوار الحضارات وعلى استعداد لإرساء علاقات مع أي دولة فـي العالم، فإن ذلك فـي سياق المصلحة القومية الإيرانية وتقف ضد أي قوة تسعى لفرض إرادتها عليها [٤٤].

ومن ناحية أخرى مثّل هذا المشروع رداً ملائماً على الحرب المعلنة على الإسلام وحضارته، وتحدّث خاتمي عن أن هناك رسالة سائدة ترى أن الإسلام قد أعلن الحرب على الولايات المتحدة والغرب، ومن هذا المنطلق لعل الهدف الرئيسي للخطاب الإيراني هو دحض هذه المقولة والرد عليها ردّاً حضارياً مناسباً.

وبالنسبة للسياق الداخلي الإيراني فإن الرؤية الإيرانية لحوار الحضارات تقوم على افتراض خصوصية واضحة لأهمية إيران على الساحة الدولية:

ترى إيران نفسها ذات تميّز على المستوى الدولي وداخل سياق الحضارات الشرقية أيضاً التي هي مهد الأنبياء وأصل الحضارات المبهرة، فهي حضارة قديمة لها إسهامها المميّز فـي تأسيس الحضارة الإسلامية وازدهارها، كما أنها أمة رائدة فـي الشرق من حيث تأسيس المجتمع المدني والحكومات الدستورية فـي مسار التاريخ المعاصر، وتعد الجبهة الأمامية فـي صراع الاستقلالية ضد الاستعمار من خلال حركتها القومية فـي السابق وثورتها الشعبية ومن خلال "قوة الكلمة والتنوير" حالياً [٤٥]. ومن ثم فهي تتمايز - وفق خاتمي - عن الحكومات التابعة والقهرية فـي العالم النامي التي تنكر على شعوبها حقهم فـي الديموقراطية، وهو بذلك يشير إلى متغير دولي هام له تأثيره فـي نجاح حوار الحضارات وهو التفاوت فـي الرؤى والتطبيقات داخل دول الجنوب، أو فـي الدول المعبرة عن الحضارات غير الغربية التي عليها فـي النهاية أن تتحاور مع الغرب فـي ظل منظومة قيمية متفق على كثير من عناصرها، أو على الأقل عدم تناقض هذه الرؤية بشكل فج يجعل من حوار الحضارات حواراً داخلياً داخل كل حضارة بالأساس.

أكد خاتمي على الموقع المتميز لإيران كهمزة وصل بين أقصى آسيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشبه الجزيرة الهندية من جهة وأوروبا من جهة أخرى مما جعل تذوّق الثقافات خاصية إيرانية وعكس قدرة المجتمع الإيراني على دمج مختلف الروافد الحضارية داخل الثقافة الإيرانية واقتباس وانتقاء العناصر الملائمة للموروث الثقافـي الإيراني، مع التأكيد على أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للثقافة والفكر فـي إيران [٤٦]. ولذا ترى إيران أن الحوار معها هام وملائم لأنها تعدُّ المزيج confluence لثقافات الغرب والشرق مثل رجل يجمع بين عقل الغرب ومنطقه، وروح الشرق [٤٧].

إن هناك من يرى أن الدافع لتبني شعار حوار الحضارات كان إقناع العالم بتحسن الحالة الأيديولوجية والسياسية وحالة حقوق الإنسان وإرهاصات تطوير المجتمع المدني فـي إيران، مما يؤدي بدوره إلى إنهاء العزلة السياسية وفتح باب التعاون الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي مع العالم الخارجي، مع التأكيد على ريادة إيران الإسلامية على الرغم من انتمائها الشيعي، وضمان دور لها عالمياً، خاصة فـي مجال مناقشة المعايير الخاصة بأسس النظام الدولي والسعي لعدم إضرارها بمكانة إيران واستقرارها الداخلي، وكان على خاتمي إقناع الداخل الإيراني بقواه المختلفة بأن طرحه لحوار الحضارات لا يتناقض مع أهدافهم وتطلعهم للحفاظ على الصيغة السياسية التي أنتجتها ثورة ١٩٧٩ [٤٨].

وأثار خاتمي مشكلة يواجهها النظام الإيراني ما بعد الثورة وهي التعارض الجوهري الفكري والقيمي بين الثورة والنظام الفكري والقيمي والسياسي الحاكم فـي العالم من جهة، وانعدام التجربة العملية لتأسيس الحكومة الدينية الحقيقية طوال قرون من جهة أخرى، إذاً لابد من صيانة الثورة من الخطر الذي يتهددها كما أكد خاتمي [٤٩]. هذا هو المناخ الداخلي والخارجي الذي يفرض على إيران تبني نهج حوار الحضارات.

أبعاد حوار الحضارات فـي الخطاب الإيراني وأهدافه:

تبنّى الخطاب الإيراني المقولات النظرية التي تقوم عليها دعاوى حوار الحضارات حيث تتأسس عملية حوار الحضارات فـي كثير من الخطب الإيرانية الرسمية على افتراض التعددية الثقافـية وضرورة المشاركة المتساوية لجميع الأمم فـي جميع المجالات الدولية. فإن ثراء التعدد الثقافـي سوف يقوي من الثقافة الكونية فـي حين أن إنكارها سيكون خسارة للبشرية. إن حوار الحضارات يرفض» نحن «و» هم «الذي يشجّع المواجهة. وعلى العكس يسعى للتقليل من الاختلافات بالتأكيد على التفاعل الإيجابي بين الثقافات والمدنيات وستتمكن البشرية من مواجهة أفضل لتحديات مثل الفقر والتخلف والمرض وغيرها. وإذا قبلنا أن الحضارات والعولمة unfold كاتجاهات، إذاً من الممكن أن يتمكن الاثنان من خلال الحوار من تشكيل النظرة الكونية الجديدة - كما أكد وزير الخارجية الإيراني كمال الخرازي ـ [٥٠].

تعـدُّ إيران حوار الحضارات الوجه الإنساني لظاهرة العولمة، مع التأكيد على أن الحوار ليس هدفاً فـي حد ذاته، بل وسيلة لبناء نسق جديد للعلاقات الدولية يتأسس على القناعة بالترابط والمصير الإنساني المشترك، وعملت على التحذير من مخاطر ما تسميه بطغيان عدم الاكتراث بالآخرين، معتبرة أن حوار الحضارات هو البديل لأسلحة الدمار الشامل والمنافسة الاقتصادية المادية اللامحدودة، وتعدّه مدخلاً لفهم المواقف السياسية والاجتماعية والاقتصادية للآخرين واحتياجاتهم (٥١).

الهدف الرئيسي كما جاء فـي المذكرة التوضيحية الإيرانية المقدمة إلى الأمم المتحدة هو تدعيم السلام والتفاهم وتأمين التقدم السياسي للجميع بغض النظر عن الخلفـيات التاريخية والثقافـية؛ خاصة أن المسافات أصبحت أقل، بمعنى الانفصال المادي وليس بين الآراء ووجهات النظر. "وطالما أثرت الحضارات بعضها ببعضها الآخر مع الاحتفاظ بهويتها، فالإنجازات الحضارية المختلفة تبرز التعددية الثقافـية والتنوع الإنساني الخلاّق". أما بالنسبة للأدوات والآليات فإن المنظمات الدولية والتنظيمات غير الحكومية ستؤدي وفق النهج الإيراني دوراً رئيسياً فـي التخطيط، والتنفـيذ فـيما يخص البرامج الثقافـية والتعليمية والاجتماعية التي تساند وتطور مفهوم حوار الحضارات، من خلال تنظيم المؤتمرات والسيمينارات وتوفـير البيانات والمواد الدراسية وغيرها (٥٢). فمن أهم آليات الحوار الحضاري من المنظور الإيراني عقد المؤتمرات والندوات، وتشجيع المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية لتطوير البرامج التربوية والتعليمية وهناك دور للمطبوعات والمواد الإعلامية خاصة فـي ظل تطور التكنولوجيا الاتصالية وتشجيع السياحة الثقافـية والتاريخية (٥٣).

فـي إعلان طهران لحوار الحضارات فـي مايو ١٩٩٩ أكد دور منظمة المؤتمر الإسلامي فـي "النهوض بالحوار داخل العالم الإسلامي وعلى الصعيد العالمي من خلال اتخاذ المبادرات فـي هذا الشأن" (٥٤).

كما ظهر اقتراح بإقامة حوار بين الجامعات التقليدية والجامعات العلمانية وبين المؤسسات الدينية فـي إيران وسائر المعاهد اللاهوتية فـي العالم الغربي والعالم الشرقى (٥٥). ومن الخطوات الإجرائية الأخرى للحوار، ما يستلزمه الحوار من إعادة قراءة الكتب الكبرى فـي الحضارات المختلفة وتفسيرها وترجمتها، مع وجود مصاعب بشأن الترجمة من لغات تتسم بالقداسة إلى أخرى ذات منشأ أرضي وعلماني (٥٦).

حقوق الإنسان والديموقراطية قضايا محورية للجدل:

من أكثر الموضوعات إثارة للجدل بين الثقافات والحضارات المختلفة، قضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان، وتتبنى إيران موقفاً واضحاً فـي هذا الإطار، وهو موقف المدافع المستميت عن الخصوصية الثقافـية على مستوى النظرية والتطبيق، فـيما يخص هذه المسائل، وهو الأمر الذي يتفق فـي النهاية مع منظورها العام لحوار الحضارات.

من الأسئلة الكبرى المطروحة فـي سياق مشروع حوار الحضارات: إلى أي مدى تعدُّ القيم المتضمنة فـي البيان العالمي لحقوق الإنسان جزءاً من حضارة عالمية؟ وهناك مثل السيد ياسين من يرى أن قيم حقوق الإنسان أصبحت بالفعل تعبيراً عن حضارة عالمية، وذلك بغض النظر عن المناظرات القائمة فـي هذا المجال بين العالمية والخصوصية، ذلك أن هناك إجماعاً على أن غالبية القيم التي وردت فـي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمعاهدات والمواثيق التي تلته، إنما تعبّر - فـي الواقع - عن ضمير عالمي سائد، وتبقى مجموعة من القيم التي يدور حولها النقاش (٥٧). إلا أن إيران لها رؤية خاصة فـي هذا المجال، وتعدُّ من المدافعين عن الخصوصية الثقافـية لهذه القيم.

لم ينفِ الرئيس محمد خاتمي وجود بعض الانتهاكات لحقوق الإنسان، سواء فـي المحاكم غير العلنية أو التكييف القانوني لبعض القضايا الثقافـية والسياسية، أو فـي التعامل مع المتهمين داخل السجون، وأبدى عدم رضاه عن الإجراءات التي اتخذت بحق الصحافة وحرية الكلمة (٥٨). إذاً هناك مبادئ عامة مشتركة وإنسانية، ولكن لايمكن تعميمها على منظومة حقوق الإنسان الغربية بأكملها.

وعلى مستوى حقوق المرأة، ترفض بعض الأدبيات اتجاهات تدعيم الخصوصية باعتبارها تضر بقضايا المرأة لأنها بإعلاء قيم التفرد والمحلية على كل حركة نسوية تفرض بذلك انقسامات ما بين المرأة استناداً إلى الدين، الإثنية، الجنس، القومية، الثقافة أو الموقع الجغرافـي، وأنها تنفـي - بالطبع - المكاسب العملية والنظرية التي أحرزتها الحركات النسائية فـي الغرب. وإنه تحت قناع احترام الثقافات الأخرى يتم قهر مطالب المرأة بالحرية وإلحاقها بالمتغيرات الدينية، الإثنية والتقاليد القومية (٥٩). ولكن قدّمت إيران فـي الحقيقة نموذجاً متفرداً من حيث تقديره لدور المرأة المسلمة فـي الحياة السياسية، خاصة بعد تطوّر آراء الإمام الخميني لأهمية وجودها السياسي، ومن حيث إعلائه لقيم المشاركة السياسية لديها مما أعطى صورة إيجابية لمركز المرأة وحقوقها فـي المجتمع الإسلامى.

لقد أكد خاتمي أن خطاب حقوق الإنسان الحالي خطاب علماني، ولايرتبط بالنظرة الدينية، فـي حين أن المعايير المادية لاتكفـي كدعامة قوية لحقوق الإنسان، خاصة وأن جذور حقوق الإنسان كمفهوم من الناحية العملية والنظرية بل والتاريخية يرتبط بالفكر الديني (٦٠).

ورفض الإمام خامنئي مناداة أوروبا لإيران باحترام حقوق الإنسان، حيث أشار إلى أن الأوروبيين أنفسهم كانوا وراء حربين عالميتين وعشرات المستعمرات، وهي أمثلة حية لانتهاكاتهم لحقوق الإنسان فـي العقود السابقة، كما أشار إلى الجرائم الصهيونية الحالية (٦١).

ولقد تبنّت إيران الرؤية القائمة على ثقافـية حقوق الإنسان، ففـي مواجهة الاتهامات الأمريكية والأوروبية المتعددة بانتهاك هذه الحقوق، كان دفاع إيران يقوم بالتحديد على أساس أن النظام القانوني والإسلامي، يغاير نظام حقوق الإنسان العالمية وأن ما يعدّه الغرب انتهاكاً لحقوق الإنسان هو العدل الإسلامي نفسه. وينجم الاختلاف الأساسي فـي رؤية البيان العالمي لمساواة جميع الأفراد بغض النظر عن الجنس والانتماءات الدينية والمذهبية على عكس نظام الشريعة الإسلامية، التي ترى أن الناس تختلف حقوقهم على أساس نوع الجنس والدين (٦٢).

أصبحت الديموقراطية نظرية وممارسة أحد الموضوعات الهامة الداخلة فـي صميم حوار الحضارات. وتقدم إيران فـي نظامها السياسي محاولة جديدة لربط الإسلام بالديموقراطية وحقوق الإنسان وليس الفصل بينهم كما يرى كثير من مفكري الغرب.

أشار الدكتور حامد أحمدي إلى أن الظروف الراهنة تؤكد أن لامكان لأيديولوجيات أخرى سوى الديموقراطية وأنهم جميعاً يقفون عند مفترق الطرق، إمّا أن يفقدوا كل شيء أو أن يحافظوا على مكانتهم بتفهّم التطورات على الساحة العالمية وانعكاساتها على الساحة المحلية، ومن ثم لايمكن الجزم باستقلالية الثقافة ولكن باستقلاليتها النسبية فقط (٦٣).

وذكر دكتور ناصر هاديّان، أن العولمة تسير فـي اتجاه مخالف لاتجاهات النظم التي تتبنّى أيدولوجيات غير ديموقراطية، وأن هناك عوامل تتداخل مع عملية التحول الديموقراطي فـي الشرق الأوسط أهمها أن الثقافة والتاريخ فـي تلك الدول ترتبط بشكل قوي بالفكر الإسلامي، وبعض القراءات السائدة للفكر الإسلامي لا تعـدُّ الإسلام دافعاً للتحول إلى الديموقراطية، وفـي أحياناً أخرى ترى الإسلام دافعاً للجهاد ضد صور القهر والعلمانية، ولكن القراءات الحديثة للفكر الإسلامي ترى أن الإسلام عنصراً مكملاً للديموقراطية، بل إنه يحمل فـي طياته أيديولوجية ديموقراطية. ومن الملاحظ أن هناك صحوة إسلامية معتدلة فـي دول المنطقة وإن كانت تختلف من دولة لأخرى، ولكن جميعها اتفقت على أن هناك صيغة متوازنة يمكن الجمع من خلالها بين الإسلام والديموقراطية، وأن فكرة الجهاد السلمي ضد النظم الاستبدادية فـي الإسلام تتوافق مع الديموقراطية، وهو ما يعني ضرورة استبعاد فكرة الجهاد المسلح أو اللجوء إلى العنف، وبناء على هذا التوجه الفكري الجديد فـي دول الشرق الأوسط ظهرت حركات واتجاهات سياسية جديدة جميعها تتبنى المنهج الديموقراطي. فـي حين أشار دكتور حامد أحمدي إلى أن منطقة ا

لشرق الأوسط تمرّ بمرحلة تحول من الهيمنة الأيدولوجية إلى حقبة اللا أيديولوجية، وحتى من يتبنون أيدولولجيات محددة مثل القوميين والإسلاميين يشهد فكرهم الأيديولوجي بعض التغييرات.

ويثار فـي هذا السياق التساؤل: هل التحول من مرحلة الهيمنة الأيديولوجية إلى مرحلة القراءات الأيديولوجية الجديدة تتضمن فـي طياتها الاتجاه المعتدل كعنصر أساسي فـي عملية تبنى الديموقراطية؟ . وساعد على التفاؤل بخصوص الخط المعتدل فـي المنطقة أن كل الحركات الإسلامية فـي دول الشرق الأوسط تبنّت بطريقة أو بأخرى القراءات الديموقراطية للدين. ويبدو هذا الاتجاه الديموقراطي الإسلامي متفقاً مع رؤية ليونارد بندر فـي كتابه» التحرر الإسلامي «الذي أكد فـيه فـي الثمانينيات، أن إرساء الديموقراطية فـي هذه المنطقة لن يتم ألا بتبني الإسلاميين المنهج الديموقراطي ومن دون ما وصفه هذا التحرر الإسلامي لايمكن بلوغ الديموقراطية التي يؤدي فـيها مجتمع مدني قوي دوره الفعّال. إذا ساد اهتمام بعلاقة حركات الإصلاح الإسلامية بالديموقراطية، حيث اهتم هؤلاء الإصلاحيون كثيراً بإيجاد نوع من التناغم والتفاعل الإيجابي بين الحضارة الغربية والتكنولوجيا والعلوم الحديثة والدين (٦٤).

وربط دكتور هادي سمتي، تجربة الديموقراطية فـي إيران والشرق الأوسط بإحياء الفكر الإسلامي وتجديده، كما أن عملية إحياء الدين ارتبطت بالحاجة إلى الوفاء بمتطلبات العصر الحديث والتي تم تقييمها على أساس التحليلات التي قام بها مفكرون غربيون.

إذاً وفقاً له فإننا نعتمد على رؤية تحديثية غربية فـي تحديد فكرنا الإسلامي. ومن ناحية أخرى أكد الدكتور علي زيدة على أنه إذا لم يتوافق الفكر الديني مع الديموقراطية فهذا يعني انهيار كليهما. ومن هذا المنطلق يعتبر التجربة الإيرانية نموذجاً ناجحاً لتوافق الدين والسياسة، فإيران استطاعت أن تقدم نموذجاً للدولة الإسلامية ذات منظور ديني حداثي، اختلطت فـيه السياسة بالفكر الديني الإصلاحي. وتابع المحللون السياسيون باهتمام بالغ تطوراتها لمراقبة مدى النمو والتطور الديموقراطي الحادث بها. ولم تقف شيعية النموذج عائقاً كبيراً أمام تبني التوجه الديموقراطي نفسه، بل إن إيران ساهمت فـي تدعيم الاتجاه الإصلاحي الديني والسياسي فـي المنطقة، حيث رأى أنها أكثر النماذج جرأة وحرية وإصلاحاً. كما رأى الكاتب السوري صادق جلال العظم، أن تجربة إيران تجربة ذات أهمية خاصة فقد أعطت أمثلة رائدة فـي الممارسات السياسية وإقامة المؤسسات التشريعية التي شجعت المرأة على المشاركة فـي العملية السياسية.

وكثيراً ما أشاد المرشد خامنئي فـي خطابه بمفهوم الديموقراطية الدينية والحاجة إلى تطويره وتدعيمه، حيث إن فكرة فصل الدين عن نظام الحكم قد قادت إلى خلق الديكتاتورية فـي إيران خلال المئة عام الأخيرة، وأضاف أن الدين نجح فـي تحريك الشعب ضده (٦٥). فوفق المرشد استطاع الإيرانيون تكوين نظام حكم منتخب ديموقراطياً على أسس التصويت الجماهيري ومتفق مع الخط الإسلامي (٦٦).

خطاب خاتمي بين الفكر والسياسة:

يقدّم خاتمي بحق مثالاً فريداً للزعماء السياسيين خاصة فـي سياق دول الجنوب ودول العالم الإسلامي أيضاً، فهو يقدّم فـي خطبه فكراً وتحليلات فلسفـية ورؤى نفسية تعطي لمقولاته سمة التأملات الفلسفـية أو النظريات المتماسكة سياسياً وثقافـياً. كما تميّز خطابه بثراء مفاهيمي واضح حيث طرح مفاهيم غاية فـي البلاغة والقدرة على التعبير عن الصورة التي يريد توصيلها منها "الاستماع الحضاري"، "المجتمع المدني الإسلامي".

يحتل حوار الحضارات مكانة عظمى فـي منظومة أفكار خاتمي ويربطه بمصير البشرية أجمعها، حيث قال: "إذا ما انتصر الحوار فسوف ينتصر الإنسان وتنتصر الثقافة" (٦٧).

رأى خاتمي أن الحديث والاستماع جهد ذو بعدين أو أبعاد متعددة تهدف إلى التقرب أكثر للحقيقة والوصول للتفاهم وهذا هو الحوار، فالحوار بين الحضارات والثقافات يجب أن يفسر كعملية حديث واستماع بين الحضارات والثقافات وتتأسس على مثله الحقيقة، فالاستماع فـي هذا الحوار أهم أو على الأقل على الأهمية نفسها فـي الحديث للحضارات الأخرى. وإن المخاطب الأساسي بهذا الحوار هو الإنسان بمعناه essence الحقيقي والتاريخي والموحد (٦٨).

أشار خاتمي إلى أن اضطراب الصور والأنساق الحضارية فـي العالم أمر لايمكن علاجه بالتجاهل، أو بفرض ثقافة عالمية واحدة تفقد الشعوب إثرها هويتها الثقافـية، فالشعوب تتعايش فـي إطار أمنها الثقافـي الخاص، لا فـي الأفق المفتوح للثقافة العالمية. ومن إشكاليات الحوار بين الحضارات عند خاتمي تلك التي تنشأ عندما يرغب أحد طرفـي الحوار فـي "التحدث بلغة علمانية تماماً" ويعني بالعلمانية إنكار الفكر الميتافـيزيقي وفكر التجربة الروحية. وعلى العكس فإن الحوار مفـيد فـي دعم الذات، لأن من شأنه تعميق التعرف على الهوية الثقافـية للأمة وذلك من خلال تعرفنا على ثقافة الآخر وحضارته، لأن معرفة النفس لايمكن كسبها إلا من خلال الغوص فـي وجود الآخر (كلتا الحضارتين تحتاج لمعرفة الآخر). وأصبح الحوار عنده واقعاً اجتماعياً غير قابل للابتكار بعد أن تغلغلت المعتقدات والفلسفات الشرقية فـي المجتمع الغربي، وبعد أن أثّرت الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافـية التي تجري فـي الغرب وبالقدر نفسه فـي الشرق، وبدأت القواسم المشتركة بين الحضارات تتجلّى بوضوح ينبئ عن اقتراب اليوم الذي يصل فـيه المجتمع الإنساني إلى لغة مشتركة وهي ضرورية للحوار على كل حال (٦٩). ف

الهدف هنا اللغة المشتركة وليس ثقافة عالمية واحدة.

إذا كان الحوار قد أصبح ضرورة وليس اختياراً لثقافتنا ولثقافة الغرب، يجب على الغرب الدخول فـي حوار مع ممثلين للثقافة والفكر الإسلامي الأصيل، حيث إن إجراء الحوار بين الغرب وأفراد ذوي توجه غربي westernized والذين يمثلون صورة باهتة للغرب سيكون أشبه بالمونولوج أو الحديث من طرف واحد. ويمكن إن ينتج الحوار العميق بين الغرب والحضارات الإسلامية حلولاً عملية إنسانية لبعض مشاكل اليوم الملحة مثل: الأزمة فـي الأسرة، الأزمة فـي العلاقة بين الإنسان والطبيعة. ويصبح الحوار أمراً مرغوباً فـيه فقط إذا تأسس على الحرية والاختيار، فالحوار الحقيقي لايستطيع طرف أن يفرض رؤاه وأفكاره على الطرف الآخر، فلابد من احترام الوجود المستقل والإسهامات الأيديولوجية والفكرية والثقافـية للطرف الآخر، وفـي هذه الشروط فقط يصبح الحوار داعماً للسلام، الأمن والعدالة (٧٠).

لقد أسهم المسلمون فـي شرح العقلانية الأغريقية للغرب الذي لايمكن إنكار إسهامه أيضاً فما يتيه به الغرب فخراً من اعتماد على العقل ليس فـي حقيقته إلا نتاجاً للتفاعل العميق البنّاء لحضارة الإسلام مع الحضارات الإغريقية. إن التاريخ الإسلامي نقطة انطلاق لغد أفضل، لامكان فـيه للتقليد، وإنما الاقتباس بمعنى الأخذ من الآخرين مع الاحتفاظ بالهوية (٧١). فالاستراتيجية الثقافـية لمجتمع إسلامي حيّ لايمكن أن تبنى على المنع، ومردّ ذلك استحالة المنع أصلاً، كما أن محور سياسة الإسلام هو الحصانة بأوسع معانيها (٧٢). فالدين باق رغم اضمحلال الحضارة الإسلامية، وسيستمر وباستطاعته أن يوجد حضارة مرة أخرى، أما ما لايمكن عودته، فهو الفهم الخاص للدين الذي كان منشأ الحضارة الإسلامية فـي الماضي (٧٣).

هناك عناصر مشتركة بين فكر الحداثة والإسلام؛ لم يَسْعَ فقط عصر النهضة إلى تجديد الثقافة اليونانية وإنما كان هدفه الرئيسي مناقشة الدين بلغة جديدة ومن منظور عقلي جديد. كما رآه هذا العصر فإن الإنسان المتدين منفتح على العالم ويلقاه العالم فـي المقابل بأيادٍ مفتوحة، ومثل الانفتاح المتبادل بين الإنسان والعالم، السمة الرئيسية للنهضة وهو حدث ديني بالأساس؛ وهو يرى بذلك أنه يقدّم رؤية نقدية جديدة للحداثة، فالمرء عندما يريد قطع جذع شجرة، الجذع الذي يعتليه، وهو النقد السائد للحداثة بين كثير من الفلاسفة المعاصرين، فبإفراغ الحداثة من كل الرشادة ومن مصادر أصولها فإننا إما نحولها لسلاح قادر على تدمير كل شيء بما فـيه أنفسنا أو اعتباره سلاحاً تاريخياً مكانه المتحف. ويجب ألا نعدّ ذلك عودة إلى الرشادة الأوروبية قبل ما بعد الحداثة، فأوروبا استطاعت بالنقد الموجه لهذه النوعية من الرشادة، أن تتفادى تأثيرها التدميري، وهي ذاتها التي كانت الضحية الأولى لاعتمادها اللامحدود على الرشادة، تقوم بحرمان رشادتها الذاتية من المصداقية والنفوذ على يد مفكريها وفلاسفتها. ويستطيع الشرق توفـير التوازن لأوروبا وأمريكا فـي سياق من تفاهم وحوار تاريخي

ومن ثم المساهمة فـي تأسيس السلام والأمن والعدالة (٧٤).

إن القرن القادم يجب أن يكون قرن العودة إلى نوع من الروحانية، حيث اتسم الإنسان الشرقي ببحثه عنها لآلاف السنين، وإذا كانت الثقافة الأوروبية تدين ببقائها لنظرتها النقدية لكل شيء بما فـيه الثقافة الأوروبية ذاتها، فلقد حان الوقت بأوروبا أن تتقدم خطوة أخرى للأمام وتنظر لنفسها بعيون الآخر، لتحظى بتجارب جديدة. ففـي دراسات الاستشراق Orientalism يكون الشرق موضوع الدراسة وليس جزءاً من حوار. وللحصول على حوار حقيقي بين الحضارات يجب أن يتحول الشرق من موضوع للفهم إلى جزء ضخم فـي الحوار. وهذا أيضاً ليس دعوى من جانب واحد إيراني أو مسلم أو آسيوي فنحن أيضاً مازال أمامنا الطريق طويلاً لفهم حقائق الغرب، وهو الفهم الذي سيساعدنا على تحسين حياتنا الاجتماعية والاقتصادية وتنظيمها. ويجب على أي حضارة ألا تنكر إنجازات الحضارات التي سبقتها ودروها الذي أدته فـي تقدم الحضارة الإنسانية (٧٥).

لخص إذاً خاتمي العلاقة بين الحضارة الغربية والإسلامية على أساس أنها قائمة على الحاجة المتبادلة للآخر، فالغرب فـي حاجة لحضاراتنا كما نحن فـي حاجة إليه.

يبرز خاتمي أن الدعوة للحوار جاءت من العالم الإسلامي مما يعكس ثقة بالنفس، ولكنه يقر بوجود مشكلات عديدة تواجه العالم الإسلامي، أهمها غياب وحدته لأسباب داخلية وخارجية، والتناقض المزعوم بين العقل والنقل، وسعي بعض المسلمين للعودة إلى الماضي وهذا فـي رأيه رجعية، ويؤكد خاتمي فـي هذا الإطار، تلازم الدين مع الحرية والتحرير وإلا خرج الدين عن رسالته الإنسانية. وأشار إلى أهمية التقاء روحانية الشرق مع عقلانية الغرب وجماعية الشرق وفردية الغرب. وتحدّث عن ضرورة إنهاء حالة الانبهار بالغرب لكونها عائقاً أمام الحوار وليست عاملاً مساعداً، ويقترح للتغلب على ذلك، العودة إلى الذات والفهم العميق للوضع الحالي لبعث حضارة إسلامية جديدة تقوم على أساس "المجتمع الإسلامي المدني" القائم على نموذج "يثرب مدينة النبي" والتي شكلّت نقطة القطيعة بين أيام الجاهلية وأيام الله، وهي ليست دعوة للردة بل للهوية المشتركة ثقافـياً ومعنوياً (٧٦).

فلقد تحدث خاتمي فـي أكثر من موضع عن أوجه القصور الداخلية والمشاكل الكثيرة التي تمر بها الحضارة الإسلامية ودولها: "لابد لنا من الاعتراف بأننا نعاني فراغاً نظرياً" فـي الجانب المتعلق بإقامة نظام يعمل على إدارة شؤون الحياة وإيجاد علاقات مناسبة بين الأفراد، ذلك لأنه لم يتم السماح للإسلام بأن يتعهد شؤون الحياة وتنظيم العلاقات الاجتماعية (٧٧).

على الرغم من اعترافه بأننا نعيش عصر سيادة حضارة الغرب ونفوذها، إلا أنه رأى أن الغرب المعاصر يواجه أزمة جدية فـي الفكر وجميع سبل الحياة، فهي على أقل تمر بمرحلة الشيخوخة، أما كونها وصلت لنهاية المطاف فأمر يحتاج إلى تفحّص دقيق (٧٨).

يلاحظ إعلاء بارز لقيمة الحرية فـي خطابه ومن أمثلة ذلك"إن تاريخ البشرية هو تاريخ الحرية" (٧٩). وغيرها من الإشارات الكثيرة التي جعلت من هذه القيمة المعبر عنها بطرق مختلفة، مثل الخلاص، تعدُّ من أهم الأهداف المعلنة لحوار الحضارات عند إيران. ومن القيم المحورية الأخرى، العدالة والتي يرجو أن يحققها هذا الحوار. وقد أشار خاتمي فـي هذا الخطاب إلى أهمية ارتباط جهود القضاء على الإرهاب بالحث الدولي عن العدالة، وهو لم يعنِ تبرير الإرهاب الذي يرفضه الإسلام بجميع أشكاله وإنما ترى إيران - قبل ١١ سبتمبر - أن أية جهود دولية للقضاء على هذه الظاهرة المرفوضة لابد أن تقترن بهدف الوصول للعدالة الدولية (٨٠). وهو ما تتفق عليه معها مصر ومعظم الدول الإسلامية وكأننا بذلك أصبحنا - خاصة بعد ١١ سبتمبر - أمام رؤيتين مختلفتين فالشرق يربط الإرهاب بالعدالة والغرب يربطه بالأمن ومن وراءه القوة.

يرى خاتمي أن نقد الحرية بمفهومها الغربي وتحليل النظرة الغربية إلى الكون والإنسان ونقدها تعدّ أهم مسؤولية تاريخية للحضارة الإسلامية، فهناك الكثير الذي من الممكن قوله للغرب بشأن الحرية، فليس تعبيره عن الحرية تعبيراً كاملاً ولا مفهوم الحرية الذي يأخذ به يحقق السعادة (٨١). وينتقد خاتمي مفهوم الحرية كما هو موجود فـي الفكر الغربي باعتباره يتجاهل ما أسماه"بالحرية الداخلية" أي حرية الإنسان من سطوة غرائزه. كما ينتقد الافتراض التعسفـي الغربي بحتمية العلاقة بين التغريب والحداثة والتنمية، ويرفض تعريف الغرب للتقاليد بشكل سلبي، ويركّز على خصوصية العلاقة العدائية بين الدين والنهضة فـي إطار التاريخ الغربي وهو ما لاينطبق بالضرورة على الشعوب الأخرى خاصة المسلمين. ولايقبل بوجود وصفة موحدة للتنمية تسري على جميع الأمم والشعوب، ويشير هنا إلى الأزمات الداخلية الحادة التي تواجهها المجتمعات والاقتصاديات الغربية مما يستدعي أن يقوم الغرب نفسه بإعادة النظر فـي بعض الركائز الأساسية لحضارته وإلا ستنهار ريادته الإنسانية. وفـي المقابل يدعو خاتمي المسلمين لإعادة هيكلة تقاليدهم وتغيير ما يحتاج منها إلى مواءمة مع الاحتياجات الراهنة، باعتبار

التقاليد أيضاً ليست من المطلقات ويجب نقدها باستمرار مما سيمكّن المسلمين من بناء حضارة إسلامية جديدة تنقذ العالم من أوجه قصور الحضارة الغربية السائدة (٨٢).

وتحدث خاتمي عن حاجة المسلمين لمجابهة النزعات الأمريكية التوسعية ولتعظيم مواردهم الداخلية، الأمر الذي يتطلب انهاء النزعة نحو اختلاق بعض الأطراف الدولية لأعداء خارجيين استمراراً لما كان سارياً خلال الحرب الباردة (٨٣).

وبعد انهيار القطبية الثنائية ركّزت الرؤية الإيرانية ممثلة أساساً فـي خطاب خاتمي (خاصة أمام الجمعية العامة) على التحوّل نحو التنوّع الذي تزامن مع التأكيد على الهوية من قبل الأمم المطالبة بالمساواة فـي الساحة الدولية. وإن وجود عالم ذي قطب أوحد يحكمه، ما هو إلا وهم، وإن من يتمسك به سيواجه الفشل فـي معركته مع التاريخ، وقد أشار خاتمي أن الأمم القوية مثل الأمة الأمريكية لاتقبل أن تستغل كرامتها الوطنية فـي تحقيق حلم عالم القطبية الواحدة الذي يحركه السياسيون أصحاب المصالح المادية قصيرة المدى والمصالح الفئوية للقلة بالأساس (٨٤).

ومن الجهود التي تراها إيران نوعاً من مؤسسية الحوار، هو إصلاح مؤسسة الأمم المتحدة وتطويرها من خلال التبادل الرشيد للرؤى، وهو من الصعب تحقيقه فـي ظل هيمنة أقلية قوية، والفرصة سانحة الآن أمام إعادة هيكلة المنظمة خاصة مجلس الأمن كما أشار الإمام خامنئي فـي قمة منظمة المؤتمر الإسلامي مطالباً بعضوية دائمة للدول الإسلامية، ومن هنا فإن إيران ترى هذه الخطوة بمنزلة الترجمة المؤسسية لمفهوم حوار الحضارات، كما نادت أيضاً بأن تكون القدس الشريف "بيت الحوار"حيث تعايشت الأديان المختلفة داخلها ولكن الحكم الإسرائيلي هو الذي جعل هذا التعايش غير ممكن (٨٥). ومن هنا تظهر أحد محاور الاختلاف حول معاني الحوار وأدواته وفاعليه بين الطرفـين خاصة فـي البعد السياسي منه.

لم ينفِ خاتمي الدلالات السياسية لمشروعه حوار الحضارات، حيث رأى أن عليه معالجة حاجة هيكل المجتمع الدولي ومؤسساته وأطره التنظيمية إلى تحوّل يبعد بها عن التوجهات التحكمية والسلطوية ويدفعها تجاه مشاركة أكبر من كل دول العالم فـي إعادة بناء النظام الدولي على أساس ثقافة الحوار ومكافحة التمييز (٨٦).

رأى خاتمي أن للغرب وجهين: أحدهما، سياسي: وهو الوجه الظاهر للحضارة الغربية - طبعاً بما يوافق شمولية هذه الحضارة - والآخر، فكري: يمثل قاعدة الحضارة. ولابد من الفصل بين هذين الجانبين، والتفريق بينهما بدقة وموضوعية لتحديد طريق المواجهة الفعالة مع الغرب بما يتناسب وطبيعة الموضوع ومستلزمات كل واحد منهما، فرغم أن الغرب قد هرم إلا أنه ما زال قوياً فـي المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، وبما يملك من وسائل الحياة علاوة على القدرة الإعلامية التي يتمتع بها وتمنحه قوة التأثير والتضليل. ولا يتوانى الغرب السياسي الذي يعمل لبسط سيطرته على العالم وللتحكّم فـي إدارة شؤونه، عن مواجهتنا له بإمكاناته الهائلة عن ارتكاب أي عمل فـي سبيل تأمين مصالحه، ومن هنا فان صراعنا معه "هو صراع موت أو حياة" (٨٧). وفـي الجهة المقابلة للسياسة نظام فكر وقيم لابد من معرفته أيضاً، واكتشاف أسلوب التعامل معه ودحضه. وفـي هذا المضمار تجد الحضارة الإسلامية تقف فـي مواجهة ند فلسفـي وفكري وأخلاقي، وليس مناهضاً سياسياً، وفـي هذا الميدان تظهر الحاجة إلى وسيلة مناسبة تتمثل فـي المنطق والحوار (٨٨). فالمواجهة الفكرية والثقافـية لاتستخدم فـيها

الأدوات العسكرية والأمنية والقضائية، لأن القوة تزيد من اضطرام الفكر المخالف، فلابد من اللجوء إلى المنطق الواعي فـي مواجهة الفكر المنافس يكون منطقاً أقوى وفكراً أشمل وأكثر جاذبية. وهو يعني أن رفض الغرب يعني رفض سلطته السياسية والفكرية والثقافـية والاقتصادية، وبوصفنا مسلمين هناك اختلافات جدية وجوهرية فـي المبادئ ومباني الفكر والقيم أيضاً وليس أمامنا من سبيل لوعي مواطن الاختلاف الفكري "ودحض سلطة العدو" إلا المعرفة الدقيقة الواعية والموضوعية للغرب (٨٩). انطلاقا من هذه النظرة فهو حوار يحاول كل طرف فـيه أن يثبت انه الحضارة الأفضل فكرياً وثقافـياً خاصة الحضارة الإسلامية وأن الغرب هو المتقدم تكنولوجياً وسياسياً واقتصادياً.

وركز خاتمي على دور المثقفـين حيث أشار إلى أن الحوار يجب أن يتركز حول المفكرين والمثقفـين (٩٠)، واعتبرهم الفاعلين الأساسيين لإثراء ودفع حوار الحضارات.

ثالثاً: حوار الحضارات مابين السياسات والمؤسسات

واكبت دعوة الرئيس خاتمي دعوات أخرى للحوار بين الحضارات كدعوة الرئيس الألماني هيرتزوج التي أعلنها عام ١٩٩٨ بعنوان» الحوار بين الإسلام والغرب «، إلا أن دعوة خاتمي حظيت بمزيد من القبول باعتبارها شاملة لجميع الحضارات الإنسانية ولأنها تتلقى من خاتمي نفسه وحكومته دعماً متواصلاً ودفعاً مستمراً لكي تستقر كواحدة من الأدبيات السياسية المسجلة باسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية فـي العلاقات الدولية. وأخذ الرئيس خاتمي يثابر مثابرة واضحة على هذا المبدأ وتحدث عنه فـي جميع المحافل الدولية وكرر دعواه للتمسك بمشروع حوار الحضارات، كما دعى العالم الإسلامي إلى اعتباره خياراً إسلامياً أصيلاً يواجه الخيارات الأخرى الخطيرة على الساحة الدولية (٩١).

فمما لاشك فـيه أن إيران تولي أهمية كبرى لهذا المفهوم وله صدى واسع فـي الداخل الإيراني، حتى أن هناك شارعاً باسم حوار الحضارات، وتم فـيه مؤخراً الاحتفال بمراسم عام حوار الحضارات بحضور ممثلي خمسين دولة فـي ديسمبر الماضي (٩٢).

ولقد أسست الحكومة الإيرانية المركز الدولي لحوار الحضارات فـي فبراير ١٩٩٩، وغايته العمل على تحقيق عدة أهداف تدعم الحوار ليس فقط على المستوى الدولي، وإنما على المستوى الداخلي القومي ودعم التعايش السلمي ومنع انتهاكات حقوق الإنسان وتأسيس المجتمع المدني الدولي وتوسيعه، وتقوية الثقافة الدينية والخلقية والروحية (٩٣). وجمعيها أهداف عالمية مشتركة. ولكن هناك ولاشك تعريفاً إيرانياً لها يعطي خصوصية لمعناه، مثال حقوق الإنسان والثقافة الروحية التي تعطيها إيران أهمية كبرى. ولقد أضحى هذا المركز مركزاً نشطاً للترويج للفكرة والآلية المؤسسية الرئيسية التي تعتمد عليها إيران فـي إبراز جديتها فـي تبني هذا المفهوم، ومن بين الأمثلة العديدة على كثافة أنشطتها، فقد قامت خلال العام ٢٠٠١ بالمشاركة فـي عقد قرابة ٥١ ندوة ولقاء عن مشروع حوار الحضارات شملت القارات الخمس، كما قامت بطبع وترجمة قرابة ٣٥ كتابا متعلقة بالموضوع ذاته (٩٤).

واستغلت إيران تزايد حضورها وثقلها فـي بعض المحافل الدولية مثل منظمة المؤتمر الإسلامي ومجموعة الـ٧٧ للترويج لمشروعها الخاص بحوار الحضارات. ففـي القمة الثامنة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، أكدت فـي بيان طهران أهمية التفاعل الإيجابي والحوار والتفاهم ما بين الثقافات والأديان، ورفضت نظرية الصدام والصراع. وكذلك فـي القمة الثانية عشرة لعدم الانحياز نادت بتشجيع التفاعل والاختلاط مابين الثقافات وتدعيم حوار الحضارات (٩٥)، مع العلم بأن إيران قد تسلمت رئاسة هذه المنظمة فـي عام ٢٠٠١ المنصرم.

منذ منتصف ١٩٩٨ بدأت وزارة الخارجية الإيرانية نشاطاً مكثفاً لإقرار مبدأ حوار الحضارات باعتباره واحداً من أهم المبادئ التي تشتمل عليها وتدعو إليها السياسة الخارجية لإيران. ومن دلائل الإصرار الإيراني على إنجاح هذا المشروع بقدر الإمكان، أنها قد تخطّت مشاكلها المتفاقمة مع مصر التي وصلت إلى حد القطيعة فـي ذلك الوقت، ووجه كمال الخرازي دعوة مباشرة لعمرو موسى يقترح عليه إجراء حوار بين الدول صاحبة الحضارات القديمة: المصرية، الفارسية، اليونانية والرومانية لكونها جميعاً تنطوي على كنوز بالغة القيمة من المعرفة والخبرة من شأنها أن تسهم بنصيب وافر فـي تطوير العلاقات الدولية، وتعزيز التعاون بين الدول، وتساهم فـي علاج كثير من مشكلات البشرية الراهنة. وقوبل بالفعل الاقتراح الإيراني بترحيب من جانب مصر واليونان وإيطاليا، وبدا من الواضح أن ثمة جبهة من الدول العريقة فـي الحضارة توشك أن تتشكل لتعلن عن تبنيها نموذجاً فكرياً جديداً يرى أن الحضارة الحديثة ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج للخبرات الإنسانية المتراكمة عبر العصور، وأنها إنما تدين فـي وجودها لمساهمة الحضارة الإسلامية ممثلة فـي مصر وإيران، والحضارة الغربية ممثلة فـي الحضارة ال

يونانية والرومانية، بل وسائر الحضارات، وحتى فبراير ٢٠٠١ عقدت أربع ندوات علمية شارك فـيها ممثلون من الدول الأربع (٩٦). وتعددت اللقاءات على مستوى اجتماع الحضارات الأربع القديمة سواء كانت لجاناً وزارية أم برلمانية.

خلال العامين المنصرمين، باستعراض سريع لكثير من أحاديث وزير الخارجية كمال خرازي وخطبه، نلاحظ أنّه كثيراً ما كان يشير إلى مشروع حوار الحضارات، بل أحياناً أخرى كان يلقي محاضرات مخصصة للموضوع ذاته بحيث صار الحوار بين الحضارات بحق أداة هامة من أدوات السياسة الخارجية الإيرانية، من أمثلة هذه المحاضرات العديدة: فـي اليونان فـي مارس ٢٠٠١ أشار إلى أن الحوار الحضاري بين إيران واليونان قد بدأ فـي ١٩٩٩ عقب مقابلات فـي طهران وروما بمشاركة مصرية فـي إطار الحوار الحضاري الرباعي بين الحضارات القديمة (٩٧). كما تحدث فـي محاضرة بجامعة عين شمس عما يمكن أن تؤديه كل من مصر وإيران من دور نشط فـي حوار الحضارات (٩٨).

خلال الندوة البرلمانية الثانية فـي طهران للحضارات الأربع، أشار مساعد وزير الخارجية الإيراني صادق خرازي إلى أن الديموقراطية فـي الغرب توجد على المستوى القومي وفـي ظل الظروف الدولية الراهنة، يجب على الأمم والبرلمانات بالذات أن تساهم فـي تدعيم الديموقراطية ما فوق المستوى القومي، وأكد على دور الحضارات القديمة فـي بناء جسر بين الشرق والغرب (٩٩). وقد قدمت إيران طرحاً داعياً إلى تحقيق الديموقراطية على المستوى الدولي واعتمدت فـي خطابها على مفاهيم خادمة لهذا الهدف مثل ضرورة تأسيس المجتمع المدني الدولي وتدعيمه، والعمل على تطوير الأمم المتحدة مؤسسياً، وهو توجه يسعى لتطوير وإصلاح هيكل النظام الدولي بحيث يكون مطلباً لنجاح حوار الحضارات وهدفاً له فـي الوقت ذاته.

أشار كمال خرازي للأنشطة الإيرانية المتعددة بالتنسيق مع الأمم المتحدة للتحرك تجاه جميع دول العالم، منها عدة مؤتمرات للحضارات الآسيوية ثم الإفريقية وأيضاً فـي أمريكا اللاتينية، كما أكد أن الاتصال مع كوفـي عنان كان وثيقاً لمناقشة برامج عديدة وتخطيطها وتنفـيذها (١٠٠).

أشار مهاجراني إلى نجاح مشروع حوار الحضارات بفاعلية واضحة فـي "إعادة بناء الصورة الدولية لإيران" (١٠١). فلأنها صدرت عن دولة طالما اتهمت بالإرهاب، حققت هذه الدعوة لإيران إنجازات هائلة على صعيد العلاقات الدولية فـي أقل مدة من الزمن، فخرجت من العزلة التي كانت قد فرضت عليها وخطت خطوات واسعة فـي سبيل إزالة ما علق بالأذهان من ربط بينها وبين الإرهاب، وحاول العديد من الدول كسب ودّها لإنتاجها سياسة خارجية متوازنة تتصف بقدر كبير من المرونة والواقعية وتقوم على الاحترام المتبادل. وجاء التنافس الداخلي بين المعتدلين والمتشددين، الذي بالغت الدوائر الغربية فـي أهميته ليحد من إنجازات المجال الخارجي المتوقعة من تبني هذا المفهوم، حيث بدأت الدوائر الدولية تشكك فـي وحدة الحكومة الإيرانية وانتهاجها خطاً سياسياً ثابتاً ومستمراً، مما قاد إلى تباطؤ النجاح الإيراني الخارجي (١٠٢).

أصبحت توجهات السياسة الخارجية الإيرانية بمنزلة ترجمة لمحورية هذا المفهوم كأداة وهدف، فقامت بكثير من المبادرات ونظمت كثيراً من المؤتمرات فـي هذا السياق. ونجحت فـي فرض موضوع حوار الحضارات كأولوية متقدمة فـي جدول أعمال علاقاتها الثنائية خاصة مع الدول الغربية والآسيوية، وتمكنت من تعزيز دورها فـي مختلف المحافل الإقليمية والدولية من منطلق ريادتها لطرح موضوع حوار الحضارات مما ساهم - إلى حد كبير - عبر السنوات الأربع الماضية فـي تحسين صورة إيران لدى العالم الخارجي خاصة فـي الغرب، وأوجد أرضية مشتركة بين إيران والكثير من دول العالم، ودفع علاقاتها بكثير من الدول الأخرى التي كانت تتصف بالتأزم من قبل، إلى مراحل التطبيع أو التعاون. ويبقى تساؤل هام هو إلى أي مدى يرتبط هذا المشروع بشخص خاتمي، أم أنه توجّه أصيل للنخبة السياسية الإيرانية تفرضه معطيات سياسية وثقافـية داخلية وخارجية تتصل بظروف المرحلة التي نعيشها (١٠٣).

- الخطاب الإيراني بعد ١١ سبتمبر:

زاد اهتمام الخطاب الإيراني بحوار الحضارات عقب أحداث نيوروك وواشنطن، فـي محاولة لإبراز جدوى تبنى هذا المفهوم فـي هذا العالم المضطرب، وأشار وزير الثقافة الإيراني إلى أن نظرية حوار الحضارات ليست نظرية، بل بإمكانها أن تكون أساساً لسلوك سياسي، وفـي الوقت نفسه هناك إدراك للمصاعب التي يضعها المناخ الدولي الحالي أمام مشروع حوار الحضارات حيث تضيع فرص الحوار بين أطراف تتجاهل ثقافة الطرف الآخر وحضارته (١٠٤).

التساؤلات التي تطرح نفسها على الساحة الآن كما قال عطاء الله مهاجرانى: هو، لماذا يقوم شخص بعملية انتحارية؟ هل هؤلاء الأشخاص لا يعتنون بحياتهم؟ هل هؤلاء مجانين أم يتلذذون بالقتل؟ إن تجاهل مثل هذه الأسئلة يؤدي بنا إلى العجز عن إيجاد حل جذري وفعال.

إن تداعيات الأحداث الأمريكية من الممكن أن تكون دليلاً على أننا نواجه حرباً بين الثقافات والحضارات وأننا لسنا بصدد حوار فـيما بينها. وإذا أردنا عدم تكرار هذه الحوادث فنحن بحاجة إلى حوار الحضارات للخروج من الأزمة الحالية، فمرتكبو هذه الحوادث إما أنهم لا يؤمنون بالحوار ومنطقه، أو أنهم يشعرون أن الحوارات التي تتم مزيفة وبلا نتيجة، وفـي النهاية لن تفرز هذه الحوارات سلاماً حقيقياً وعادلاً. وتكمن المشكلة الأساسية التي على الحكومة الأمريكية مواجهتها - وفق الرؤية الإيرانية - فـي أنها تملي سياساتها الخاصة على العالم وتقرر لدوله ماذا يصنعون، ولعل هذه الأحداث تدفع المثقفـين الأمريكيين والشعب الأمريكي بصورة عامة إلى التأمل وإعادة النظر، واعتقد مهاجراني أن أحداث نيوروك وواشنطن ستضع مفاهيم الأمن والأمن القومي فـي مواجهة تحدّ جديد من الناحية النظرية (١٠٥).

ولقد وصف الإمام خامنئي الموقف الأمريكي بأنه "متغطرس" معتبراً أن التعريف الأمريكي للإرهاب خاطئ وغير مقبول، بل اعتبر الولايات المتحدة "غير مؤهلة وغير صادقة لتزعم الحركة العالمية ضد الإرهاب"، كما رفض الإمام خامنئي المنطق الأمريكي القائل: إن الذين لايساندون أمريكا هم مع الإرهاب، منبّهاً إلى وجود حكومات إلى جانب أمريكا أخطر من جميع الإرهابيين. وتوافق موقف خاتمي مع المرشد فـي رفضه التقسيم الأمريكي للعالم إلى قسمين مع أمريكا أو مع الإرهاب كما انتقد التسرع الأمريكي فـي إدانة المسلمين والعرب (١٠٦).

"إننا لسنا معكم أو مع الإرهابيين" بهذه العبارة الموجهة للولايات المتحدة لخص الإمام خامنئي الموقف الإيراني عقب ١١ سبتمبر. ولكنه رفض الرؤية الأمريكية للإرهاب، على الرغم من أنه قد نادى بمحاربة الإرهاب كضرورة وكعمل من أعمال الجهاد، وأكد أهمية القيادة الفعالة لهذه الحركة لأن الولايات المتحدة ليست مؤهلة لقيادة الحركة الدولية ضد الإرهاب، والجمهورية الإسلامية لن تكون جزءاً من حركة تقودها الولايات المتحدة. وأكد على أهمية أن تقوم منظمة المؤتمر الإسلامي بدور مستقل فـي هذا المجال، وإلى عدم ملاءمة قيادة الأمم المتحدة لهذه الحركة (١٠٧)، حيث يجب أن تأتي المبادرة فـي الصراع ضد الإرهاب من الأمم المتحدة ودون تأثير من الولايات المتحدة والقوى الغربية (١٠٨).

وأعلن كمال خرازي أن الممارسات العنصرية، وغياب ظاهرة العدل، من الأسباب الرئيسية التي تساهم فـي تنامي ظاهرة الإرهاب، مؤكداً أن الدين الإسلامي الحنيف يرفض الممارسات الإرهابية تحت أية ذريعة وفـي ظل أي ظروف، وأن موضوع حوار الحضارات يعدُّ من أفضل الظواهر الجديدة فـي العلاقات الدولية للوقوف بوجه الإرهاب، ورفض استغلال الأحداث الأخيرة لتوجيه ضربة للحضارة الإسلامية، كما رفض النظرة إلى كفاح الشعوب التي تسعى لتحرير أراضيها ونيل استقلالها تحت عنوان مكافحة الإرهاب، وأشار إلى أن العالم أدرك اليوم أن أوضاع فلسطين ساهمت فـي خلق الكثير من بؤر التوتر والاضطرابات فـي العالم (١٠٩). وكثيراً ما أشار الخطاب الإيراني فـي الشهور الماضية إلى الممارسات الإرهابية الإسرائيلية فـي إشارة إلى عدم مصداقية التعريف الأمريكي للإرهاب.

عقب أحداث سبتمبر، استمر التأكيد الإيراني على أهمية حوار الحضارات وانه السبيل لحل الأزمة الراهنة، فالحاجة أصبحت ملحة للحوار لحل أزمة الإرهاب. وسعى الرئيس خاتمي إلى تكوين جبهة إسلامية مسيحية تعارض توسيع الصراع المسلح عقب ١١ سبتمبر، ومن أجل تأسيس السلام الحقيقي والعدل فـي العالم؛ فكان من أوائل الاتصالات الإيرانية عقب أحداث نيويورك وواشنطن مع البابا فـي روما (١١٠).

وفـي هذا الإطار تحدث خاتمي عن أهمية متغير الدين وفهمه الصحيح، وأنه لابد من الابتعاد بلغة العقيدة عن الذين Concoct الأسلحة من الأديان وأن المجتمعات الدينية لابد أن تؤدي دوراً محورياً فـي الحوار بين الحضارات. فعلى حافة الفوضى الاجتماعية، أكد خاتمي دور الفقهاء وطلبة العلوم الدينية حيث أصبحت مسؤوليتهم أكثر أهمية وذات دلالة، فالدين يتخطى الفلسفة، ويجب إدخال الدين ضمن الجهود السياسية لحل أزمة الشرق الأوسط والتهديد الإرهابي الحالي، بل إن المناقشات حول حقوق الإنسان يجب أن تأخذ باعتبارها خلفـية العقيدة الدينية (١١١). وأكد خاتمي أيضاً أن الإسلام والمسيحية مازالا ينظران لبعضهما بتوجس متبقٍ من الحروب الصليبية، وأن حوار الحضارات يعمل على إزالة سوء التفاهم والأحكام المسبقة (١١٢). وأكد فـي موضع آخر مخاطر عدم التسامح الديني والحاجة الملحة لإدراك القيم المشتركة التي يمكن أن تربط الشعوب المختلفة فـي العقيدة أكثر من تلك التي تفرقهم (١١٣).

كما دعت إيران إلى تكوين حملة دولية ضد الإرهاب بقيادة الأمم المتحدة (١١٤) ليكون تحالفاً لتقوية السلام، ويهدف إلى الرحمة والسلام، ليواجه تحالف الحرب الذي تأسس على القوة والعنف للقضاء على الإرهاب (١١٥). ومن ثم دعا إلى تكوين تحالف دولي لحماية السلام والاستقرار الدوليين فـي مواجهة الجهود الأمريكية الحالية لتوحيد العالم لصالح الحرب ضد أفغانستان ثم دول أخرى. كما نادى بالاعتماد على سياسيين ذوي أفق أوسع للتفكير لصالح تعاون دولي يحرّكه الحوار وليس الحرب، وأنه قد حان وقت التخلي عن السياسيين الغضبى (١١٦).

وأعلن خاتمي عقب أحداث نيويورك وواشنطن أن رفع فكرة حوار الحضارات كان المقصود منها تغيير المنظور السائد فـي الشؤون الدولية والعلاقات الإنسانية، فالمنظور فـي العلاقات الدولية خلال القرن الماضي وكذلك فـي بداية القرن الحالي قاد إلى حروب وقهر وتمييز، وله متغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافـية وسياسية، وليس من السهل تغيير كل هذا، فتغيير منظور ساد لعدة قرون يحتاج لوقت. ومن أجل تغيير هذه الرؤية حتى يحل الحوار محل العنف والصدام، فلابد وفق خاتمي من "أن نحرر أنفسنا من خلافاتنا التاريخية" وهي الاختلافات مابين الشرق والغرب، والإسلام والمسيحية التي تعود إلى الحروب الصليبية. وفـي المجال السياسي لم نستطع أن نحرر أنفسنا من هذه العقلية التاريخية، ولذا أكد خاتمي على ضرورة الانطلاق من الجهود التعليمية والثقافـية حتى يمكن تعلم الاستماع والحوار (١١٧).

استمر الخطاب الإيراني فـي تكريسه لأهمية مشروع الحضارات، وإن تم إدخال متغير الدين بقوة أكبر فـي محاولة للاستجابة للتحديات التي فرضتها التطورات الدولية الأخيرة حتى استخدم فـي أكثر من موضع مصطلح الحوار بين الأديان: "إذ نعيد تأكيد أن الحوار بين الأديان القائم على تبادل الاحترام والفهم أمر أساسي لتعزيز السلام والأمن الدوليين بما فـي ذلك أبعادهما البيئية والاجتماعية" (١١٨)، حتى أن إعلان طهران المؤرخ ١٠ أكتوبر ٢٠٠١ قد خلا من لفظ حوار الحضارات ليسود الحديث عن الأديان واشتراكها فـي قيم أساسية.

وما زالت المبادرة الإيرانية لحوار الحضارات تلقى دعماً دولياً من جهات عديدة حتى بعد أحداث سبتمبر، مثال ذلك إعلان دول الاتحاد الأوروبي عن مساندتها لمشروع الحضارات لما يهدف له من سلام العالم وأمنه (١١٩). وتعلو نبرة المساندة على الساحة الأوروبية مشيراً بذلك إلى تباين فـي درجة دعم حوار الحضارات داخل الغرب.

يقوم التوجه الإيراني على مراعاة الحقوق الحضارية والثقافـية وحمايتها للدول، ولذا فهي ترى أن التعددية الثقافـية هي البديل الطبيعي عن الثقافة الواحدة، ويجب ألا نغفل أيضاً البعد السياسي فـي حوار الحضارات، فالمسألة ليست ثقافـية فقط بل أيضاً سياسية، ربما يتم استخدام أدوات ثقافـية لتحقيق بعض المكاسب السياسية الإيرانية، وهو حق مشروع لدولة طالما عانت من العزلة والاتهام بالتطرف والإرهاب، وكان هذا هو الرد الملائم ثقافـياً وسياسياً على هذه الاتهامات فـي هذه الظروف الدولية الخاصة جداً.

***

* جمهورية مصر العربية

[١] - السيد ياسين، حوار الحضارات وتأثيره فـي العلاقات المصرية الإيرانية، الندوة الثانية للعلاقات المصرية الإيرانية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، ٢١ـ٢٢ يوليو ٢٠٠١، ص١٣.

[٢] - Mehrzad Boroujerdi, Iranian Intelectuals and The West, Syracuse University Press, New York, ١٩٩٦, P ١ - ٢.

[٣] - Mehrzad Boroujerdi, the previous reference, p٣ـ٤.

[٤] - Mehrzad Boroujerdi, the previous reference, p١٤ـ١٥.

[٥] - Mehrzad Boroujerdi, the previous reference, p ٨ - ٩.

[٦] - أميمة مصطفى عبود، قضية الهوية فـي مصر فـي السبعينيات: دراسـة فـي تحليل بعض نصوص الخطاب السياسي، رسالة لنيل درجة الماجستير، إشراف الأسـتاذ الدكتور مصطفى كامل السيد، قسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، ١٩٩٣، ص٣٧.

[٧] - أميمة مصطفى عبود، قضية الهوية فـي مصر فـي السبعينيات مصدر سابق: ص٤٠.

[٨] - المصدر السابق نفسه.

[٩] - Mehrzad Boroujerdi, the previous reference, p ٦.

[١٠] - Mehrzad Boroujerdi, the previous reference, p١٠ـ١١.

[١١] - Mehrzad Boroujerdi, the previous reference, p١٢ـ١٣.

[١٢] - السيد ياسين، حوار الحضارات وتأثيره فـي…، مرجع سابق، ص١١.

[١٣] - سنة الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات، تقرير الأمين العام، الدورة الخامسة والخمسون، الجمعية العامة، الأمم المتحدة، ٩ نوفمبر ٢٠٠١، ص١١٧.

[١٤] - محمد مزالي، نحو مستقبل أفضل أساسه حوار الحضارات، مؤتمر حوار الحضارات تواصل لا صراع، جامعة الدول العربية، القاهرة، ٢٦ـ٢٧ / ١١ / ٢٠٠١، ص٧ـ٨.

[١٥] - السيد ياسين، حوار الحضارات …، مرجع سابق، ص٧ـ٨.

[١٦] - عادل أمين صالح، خصائص الحوار الثقافـي الياباني تجاه العالم الإسلامي: دراسة تمهيدية، أوراق آسيوية، العدد ٣٩، أغسطس ٢٠٠١، ص٣٦.

[١٧] - السيد ياسين، حوار الحضارات وتأثيره على العلاقات المصرية الإيرانية، مرجع سابق، ص٨.

[١٨] - المرجع السابق نفسه، ص١٢.

[١٩] - الحوار بين الحضارات: نموذج جديد، حلقة نقاش، مقر الأمم المتحدة، ٦ مايو ١٩٩٩، ص١١٤٢ـ١٤٣.

[٢٠] - Conference on Dialogue Among Civilizations / Febrauary٣, ٢٠٠١ / Organized dy Cambridge University, p١, www. dialoguecentre. org / events %٢٠ detail %٢٠٢. htm

[٢١] - Martin Kramer, Arab Awakening & Islamic Revival, Transaction Publishetrs, London, ١٩٩٦, p٢٨١ـ٢٨٢.

[٢٢] - Martin Kramer, the previous reference, p٢٨٣ـ٢٨٤.

[٢٣] - السيد ياسين، حوار الحضارات وتأثيره على العلاقات…. مرجع سابق، ص١٣.

[٢٤] - السيد ياسين، حوار الحضارات وتأثيره على العلاقات المصرية الإيرانية، مرحع سابق، ص١٢.

[٢٥] - أحمد صدقي الدجاني، وجهة نظر فـي موضوع حوار الحضارات، مؤتمر حوار الحضارات تواصل لاصراع، جامعة الدول العربية، القاهرة، ٢٦ـ٢٧ / ١١ / ٢٠٠١، ص١.

[٢٦] - أحمد كمال أبو المجد، ليرفع الجميع صوت الغضب، الأهرام، ١ / ١ / ٢٠٠١، ص١١.

[٢٧] - أحمد كمال أبو المجد، مرجع سابق، ص١١.

[٢٨] - فهمي هويدي، ابعد من أفغانستان، الأهرام، ٦ / ١١ / ٢٠٠١، ص١١.

[٢٩] - سلامة احمد سلامة، من قريب: ومن يخطف الإسلام، الأهرام، ١ / ١ / ٢٠٠١، ص١٠.

[٣٠] - عبد العليم محمد، الإسلام والغرب: الحوار لايزال ممكناً، الأهرام، (ملحق الجمعة)، ٤ / ١ / ٢٠٠١، ص٣٢.

[٣١] - Martin Kramer, the previous reference, p٢٨٤ـ٢٨٥.

[٣٢] - Transcript of CNN`s interview with President Khatami, www. persia. org / khatami / s_khatami٠٦. html

[٣٣] - Mehrzad Boroujerdi, previously reference, p١٥٧.

[٣٤] - Mehrzad Boroujerdi, the previous reference, p.

[٣٥] - Mehrzad Boroujerdi, the previous reference, p١٥٩.

[٣٦] - Mehrzad Boroujerdi, the previous reference, p١٦٢.

[٣٧] - محمود سريع القلم، ثوابت السياسة الخارجية الإيرانية، اطلاعات سياسي واقتصادي العدد ١٦٣ـ١٦٤، مختارات إيرانية، العدد ١٥، أكتوبر ٢٠٠١، ص٥٧.

[٣٨] - Mehrzad Boroujerdi, the previous reference, p١٧١.

[٣٩] - Mehrzad Boroujerdi, the previous reference, p١٧٩.

[٤٠] - السيد ياسين، حوار الحضارات وتأثيره فـي العلاقات المصرية الإيرانية، مرجع سابق، ص٢١.

[٤١] - Speech Delivered by H. E. Dr. Kamal Kharrazi Minister of Foreign Affairs of the Islamic Republic Republic of Iran on “Globalization and Dialogue Among Civilizations” at the Seminar on “Globalization and Pluralism” Held in Italy, p١١, www. mfa. gov. ir / English / Html - Files / Bullettin - Iran - Review / February - ٢٠٠١ - No - ٥١. htm

[٤٢] - Supreme Leader`s Viewpoints on Cultural Onslaught, p١, www islamـ pure. de / imam / fatwas / misce. htm

[٤٣] - سيد حسين أمين، النظام الدولي والجمهورية الإسلامية الإيرانية، نامة بزوهش، العدد ١٢، ١٣، مختارات إيرانية، العدد ١٠، مايو ٢٠٠١، ص٤٠.

[٤٤] - Transcript of CNN`s interview with President Khatami, p٤. www. persia. org / khatami / s_khatami٠٦. html

[٤٥] - President Khatami`s speech at The United Nations General Assembly, p٢ـ٣, www. gov. ir / year٢٠٠١ / khatamiun. htm

[٤٦] - وليد عبد الناصر، خاتمي وحوار الحضارات، العدد ١٠، مايو ٢٠٠١، ص٦٦.

[٤٧] - Full text of President Khatami`s speech at Florence University, p٦, www. persia. org / khatami / s_floruni. html

[٤٨] - وليد عبد الناصر، خاتمي وحوار…، المرجع السابق، ص٦٧.

[٤٩] - محمد خاتمي، المشهد الثقافـي فـي إيران: مخاوف وآمال، دار الجديد، ١٩٩٧، ص١٢٣.

[٥٠] - Speech Delivered by H. E. Dr. Kamal Kharrazi Minister of Foreign Affairs of the Islamic Republic Republic of Iran on “Globalization and Dialogue Among Civilizations” at the Seminar on “Globalization and Pluralism” Held in Italy, p١٢, www. mfa. gov. ir / English / Html ـFiles / Bullettinـ IranـReview / February ـ٢٠٠١ـ Noـ٥١. htm

(٥١) - وليد عبد الناصر، خاتمي وحوار الحضارات، مختارات إيرانية، العدد ١٠، مايو ٢٠٠١، ص٦٧.

(٥٢) - Dialogue among civilizations, Explanatory memorandum for additional item on the agenda of the fiftyـthird sesion, general assembly, United Nations, ٨ October ١٩٩٨, p١, gopher. un. org / ٠٠ / ga / docs / ٥٣ / plenary / a٥٣ـ ٢٣٣. en

(٥٣) - إعلان طهران الصادر عن الندوة الإسلامية للحوار بين الحضارات التي عقدت فـي طهران فـي الفترة من ٢ إلى ٥ مايو ١٩٩٩، ص٦.

(٥٤) - المرجع السابق نفسه.

(٥٥) - الحوار بين الحضارات: مقر الأمم المتحدة، ٦ مايو ١٩٩٩، ص١٤٢.

(٥٦) - وليد عبد الناصر، خاتمي وحوار الحضارات، مختارات إيرانية، العدد ١٠، مايو ٢٠٠١، ص٦٦.

(٥٧) - السيد ياسين، حوار الحضارات وتأثيره على …، مرجع سابق، ص٨. محمد عبد العاطي، إيران الثورة والدولة، ص٩.

(٦١) - www. aljazeera. net / inـdepth / Iran_file / ٢٠٠٠١ / ٤ / ٤ـ٣٠ـ١. htm

(٥٩) - Shahrzad Mojab, “Muslim” women and “western” feminists: the debate on particulars and universals, Monthly Review, December ١٩٩٨, p١ـ٢, www. findarticles. com / cf_٠ / m١١٣٢ / ٧_٥٠ / ٥٣٥٩٠٤١٤ / print. jhtml

(٦٠) - Iranian president Khatami to religious Leaders at Episcopal Cathedral of St. John the divine: take back language of belief from “Decadent” terrorists, PR Newswire, November ١٤, ٢٠٠١, p٢, www. findarticles. com / cf _٠ / m٤PRN / ٢٠٠١_Nov_١٤ / ٨٠٠٦٦٩٦٣ / print. jhtml

(٦١) - Ayatollah Khamenei`s speech adressing a group of workers, ٢٠th April ١٩٩٧, p١٩, , www. islam ـpure. de / imam / speeches / speech ١٩٩٧. htm

(٦٢) - سيد حسين أمين، النظام الدولي والجمهورية الإسلامية الإيرانية، نامة بزوهش، العدد ١٢، ١٣، مختارات إيرانية، العدد ١٠، مايو ٢٠٠١، ص٣٩.

(٦٣) - قراءات ديموقراطية للإسلام فـي إيران والشرق الأوسط (حلقة نقاش)، Discourse, Volume ٢, No٣, Winter ٢٠٠١, Center for Scientific Research and Middle East Strategic Studies، مختارات إيرانية، العدد الثانى عشر، يوليو ٢٠٠١، ص ٤٢ـ٤٣.

(٦٤) - قراءات ديموقراطية للإسلام فـي إيران والشرق الأوسط (حلقة نقاش)، Discourse, Volume ٢, No٣, Winter ٢٠٠١, Center for Scientific Research and Middle East Strategic Studies، مختارات إيرانية، العدد الثانى عشر، يوليو ٢٠٠١، ص٤٠ـ٤١.

(٦٥) - eader underlines need to promote religious democracy, (١١. ١١. ٢٠٠١) , p٣, www. islamـpure. de / imam / news / news٢٠٠١ / nov ٢٠٠١. htm

(٦٦) - Leader receives students, elaborates on process of democracy. (٣. ١١. ٢٠٠١) , www. islamـpure. de / imam / news / news ٢٠٠١ / nov٢٠٠١. htm

(٦٧) - محمد السعيد جمال الدين، حوار الحضارات فـي الخطاب السياسي الإيراني، مختارات إيرانية، العدد ١٠، ص٦٣.

(٦٨) - Full text of President Khatami`s speech at Florence University, p١ـ٢, www. persia. org / khatami / s_floruni. html

(٦٩) - محمد السعيد جمال الدين، حوار الحضارات فـي الخطاب السياسى الإيراني، مختارات إيرانية، العدد ١٠، ص٦٣.

(٧٠) - Full text of President Khatami`s speech at Florence University, p٦, www. persia. org / khatami / s_floruni. html

(٧١) - محمد السعيد جمال الدين، المرجع السابق، العدد ١٠، ص٦٢.

(٧٢) - محمد خاتمي، المشهد الثقافـي فـي إيران: مخاوف وآمال، دار الجديد، ١٩٩٧، ص١٢٦.

(٧٣) - محمد خاتمي، المشهد الثقافـي فـي إيران: المرجع السابق، ص١٥٤.

(٧٤) - Full text of President Khatami`s speech at Florence University, p٣ـ٤, www. persia. org / khatami / s_floruni. html

(٧٥) - Full text of President Khatami, the previous reference, p٥,

(٧٦) - وليد عبد الناصر، خاتمي وحوار الحضارات، مختارات إيرانية، العدد ١٠، مايو ٢٠٠١.

(٧٧) - محمد خاتمي، المشهد الثقافـي فـي إيران، مرجع سابق، ص١١٥.

(٧٨) - المرجع السابق نفسه، ص١٥٠.

(٧٩) - President Khatami, the previous reference. p٤,

(٨٠) - the previous reference, p٦.

(٨١) - محمد خاتمي، المشهد الثقافـي فـي إيران…. مرجع سابق، ص١٥٩.

(٨٢) - وليد عبد الناصر، خاتمي وحوار الحضارات، مختارات إيرانية، العدد ١٠، مايو ٢٠٠١، ص٦٥.

(٨٣) - المرجع السابق نفسه.

(٨٤) - President Khatami, the previous reference, p٢.

(٨٥) - the previous reference, p٥ـ٦,

(٨٦) - وليد عبد الناصر، مرجع سابق، العدد ١٠، مايو ٢٠٠١، ص٦٧.

(٨٧) - محمد خاتمي، المشهد الثقافـي مرجع سابق، ص١٥٤ـ١٥٥.

(٨٨) - محمد خاتمي، المشهد الثقافـي فـي إيران المرجع السابق نفسه، ص١٥٧.

(٨٩) - المرجع السابق، ص١٥٨.

(٩٠) - Transcript of CNN`s interview with President Khatami,, p٨ www. persia. org / khatami / s_khatami٠٦. html

(٩١) - محمد السعيد جمال الدين، حوار الحضارات فـي الخطاب السياسي الإيراني، مختارات إيرانية، العدد ١٠، ص٦٢.

(٩٢) - www. news. irb. com / full_ar. asp؟ news_ld+١٤١٥٦٢

(٩٣) - About ICDAC, p١, www. dialoguecenter. org / about. html

(٩٤) - , www. dialoguecenter. org / . html

(٩٥) - Dialogue among civilizations, Explanatory memorandum for additional item on the agenda of the fiftyـthird sesion, general assembly, United Nations, ٨ October ١٩٩٨, p٢, gopher. un. org / ٠٠ / ga / docs / ٥٣ / plenary / a٥٣ ـ٢٣٣. en

(٩٦) - محمد السعيد جمال الدين، حوار الحضارات فـي الخطاب السياسي الإيراني، مختارات إيرانية، العدد ١٠، ص٦١.

(٩٧) - Iranian Foreign Ministers Delivers aLecture in Gathering of Greek Thinkers, March ٧, ٢٠٠١, www. mfa. gov. ir / English / Htmmlـ Files / Viewpoints / International / Social… / Dialogـ١٨. ht

(٩٨) - Dr. Khrarrazi Visits Ein Shams University in Cairo, fefruary ٢٥,٢٠٠١, www. mfa. gov. ir / English / Html ـFiles / Viewpoints / Regional / ArabـAfri… / Egyptـ١٤. ht

(٩٩) - Second Parliamentary Seminar Held in Tehran on Four Ancient Civilizations of Iran, Italy, Greece, and Egypt, p١ـ٢, www. dreـmfa. gov. ir / eng / ٠١_news_٠٩. html

(١٠٠) - Dialogue among Civilizations Should be Turned into a Paradigm of the Century, p٢٧, www. mfa. gov. ir / English / Html ـFiles / Bullettinـ Iranـ Review / Februaryـ٢٠٠١ـNoـ٥١. htm

(١٠١) - Mohajerani, Dialogue among civilizations highly effective in rebuilding Iran`s global image, Tehran, January ٤, ٢٠٠٢, p٢, www. dialoguecentre. org / news%٢٠detail%٢٠٦. htm

(١٠٢) - محمد السعيد جمال الدين، حوار الحضارات فـي الخطاب السياسى الإيراني، مختارات إيرانية، العدد ١٠، ص٦١.

(١٠٣) - وليد عبد الناصر، خاتمي وحوار الحضارات، مرجع سابق، ص٦٦.

(١٠٤) - وزير الثقافة / حوار الحضارات، ١٢ / ١١ / ٢٠٠١،

(١٠٥) - عطاء الله مهاجراني، الأحداث الأمريكية الأخيرة نتيجة لغياب حوار الحضارات، همشرى ١٥ / ١٠ / ٢٠٠١، مختارات إيرانية، نوفمبر ٢٠٠١، ص٣٧.

(١٠٦) - محمد السعيد ادريس، حرب أمريكا ضد الإرهاب وصراع المصالح فـي قلب آسيا، مختارات إيرانية، العدد ١٥، أكتوبر ٢٠٠١، ص٥.

www. news. irib. com / Full_ar. asp؟ news_id=١٣٩٤٤٤

(١٠٧) - Irans Supreme Leader called the fight against terrorism as necessary and an act of Jihad, (٢٦. ٩. ٢٠٠١) , www. islam ـpure. de / imam / news / news ٢٠٠١ / sep٢٠٠١. htm

(١٠٨) - Leader calls for serious campaign against terrorism, (٢٦. ٩. ٢٠٠١) , www. islamـpure. de / imam / news / news ٢٠٠١ / sep٢٠٠١. htm

( (١٠٩ - خرازى / حوار الحضارات، ١٧ / ١١ / ٢٠٠١،

www. news. irib. com / Full_ar. asp؟ news_id=١٣٩٧٠١

(١١٠) - Gill Donovan, Iranian leader phones pope on terrorism crisis, National Catholic Reporter, ١٩ October ٢٠٠١, p١, www. findarticles. c… / article. jhtml؟ term = iranian = dialogue = among = civilizatio

(١١١) - Iranian president Khatami to religious Leaders at Episcopal Cathedral of St. John the divine: take back language of belief from “Decadent” terrorists, PR Newswire, November ١٤, ٢٠٠١, p١ـ٢, www. findarticles. com / cf ٠ / m٤PRN / ٢٠٠١Nov١٤ / ٨٠٠٦٦٩٦٣ / print. jhtml

(١١٢) - Khatami warns hasty actions maylead to expansion of terrorism United Nations, Nov ١٢, ٢٠٠١, p١٣, www. dialoguecentre. org / news %٢٠detail%٢٠٦. htm

(١١٣) - Iranian President Khatami, Religious Leaders to explore role of religion in “Dialogue Among Civilizations”, PR Newswire, Nov ٩, ٢٠٠١, p١, www. findarticles. com / cf _٠ / m٤PRN / ٢٠٠١_Nov _٩ / ٧٩٩٠٤٥١٣ / print. jhtml

(١١٤) - Khatami warns hasty actions maylead to expansion of terrorism< United Nations, Nov ١٢, ٢٠٠١, p١٣, www. dialoguecentre. org / news %٢٠detail%٢٠٦. htm

(١١٥) - Khatami urges world peace coalition based on justice, Seton Hall University, New York, Nov ١٠, ٢٠٠١, p٢, , www. dialoguecentre. org / news %٢٠detail%٢٠٥. htm

(١١٦) - “Time to disarm the angry politicians”, Khatami declares in United Nations, Nov ١١, ٢٠٠١, p٣ـ٤, www. dialoguecentre. org / news %٢٠detai l%٢٠٥. htm

(١١٧) - Iranian president condemns September ١١ attcks, CNN, november ١٢, ٢٠٠١, p٤, www. cnn. com / ٢٠٠١ / WORLD / meast / ١١ / ١٢ / khatami. interview. cnna / index. html

(١١٨) - إعلان طهران المتعلق بالبيئة والدين والثقافة، الجمعية العامة، الأمم المتحدة، ٩ أكتوبر ٢٠٠١، ملف وثائقي عن الحوار بين الحضارات (وثائق الأمم المتحدة)، ص١٩٣

(١١٩) - EU supports President Khatami`s initiative on dialogue, Brussels, Nov ١٤, ٢٠٠١, p١١, www. dialoguecentre. org / news %٢٠ detail %٢٠٦. htm



[ Web design by Abadis ]