ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 المستجدات على الساحة العالمية و حوار الحضارات \ أ. سهيل عروسي *

أود قبل عرض الموضوع تثبيت النقاط الآتية:

أولاً: إن الهدف الرئيس من حوار الحضارات هو هدف معرفـي وليس سياسي، . بمعنى آخر، هو هدف استراتيجي وليس تكتيكي يبغي الوصول بالعالم وعبر مفردات المنظومة الأخلاقية إلى حالة من الأخوة الإنسانية والتفاهم البشري على قاعدة: (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر (الغاشية ٢١ - ٢٢

وبعيداً عن حالات الإثارة التي تصاحب عادة طرح مثل هذه المشاريع. فهذا المشروع الحواري لا يهدف إلى استجلاب الضوء وفق مفاهيم هوليود وإنما التأسيس البنيوي لمنظومة متكاملة قوامها الأخلاق والحق والحرية. وهذا ما يدفعنا إلى القول:

ثانياً: إن المشروع يحتاج إلى سنوات عديدة وجهود مكثفة ومتناغمة ليفصح عن ذاته، إذ إن شق طريق فـي الأرض يحتاج إلى عدة سنوات فكيف إذا تعلق بشق طريق فـي ذهن الإنسان، تلك الطاقة المتحركة على الدوام. وعبر عالم مليء بالتناقضات، فمن جهة هناك عالم يتمتع بـ ٨٥% من ثروات العالم ولا يزيد عدده على ٢٠% من سكان العالم، وعالم آخر يزيد عدده على ٨٠% من سكان العالم ولا يتمتع (عملياً). بما تبقى من ثروات.

وهذا التناقض من شأنه إعاقة تأصيل الفكرة وتعميقها ليس من جانب المستضعفـين وإنما من جانب الأقوياء والمستكبرين. ولكن هذا لا يجب ألاّ يدفعنا إلى التوقف بل إلى المزيد من العمل والمزيد من المعرفة.

(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون… (التوبة ١٠٥.

ثالثاً: إن مرور عام على ولادة المشروع (دولياً) قد حقق بعض النتائج الإيجابية ومن أهمها سرعة انتشار مصطلح حوار الحضارات وتداوله فـي مختلف الأوساط الإعلامية والجماهيرية والمؤسساتية، ولا شك أن ما قام به الأخوة فـي المستشارية الثقافـية الإيرانية والجهود المميزة للدكتور محمد على آذر شب رئيس مركز الدراسات الثقافـية الإيرانية - العربية أدت دوراً مهماً فـي توسيع دائرة الاهتمام ومتابعته. وقد جاءت بعض الأحداث العنفـية خلال العام المنصرم لتزيد من حرارة الفكرة وضرورة الأخذ بها وصولاً إلى عالم خالٍ من الاضطهاد والتعصب والعنف.

وعلى هذا فسأحاول أن أسلط بعض الضوء على العنف الذي طبع العام المنصرم. بمظاهره المتنوعة ومدى إعاقته أو تسهيله للمشروع الحضاري.

العنـف

إن العنف فـي لغة القرآن هو خلاف الرفق وهو الشدة والقسوة،

وقد جاء عن الرسول الكريم محمد (ص) قوله: (إن الرفق ما وضع على شيء إلا زانه ولا رفع عن شيء إلا شانه وإن الله رفـيق يحب الرفق وإنه يعطى على الرفق ما لا يعطي على العنف).

والعنف فـي جوهره، إلغاء وإقصاء للآخر فهو النقيض الموضوعي لروحية الدعوة للحوار القائمة أساساً على وحدة المصير الإنساني واعتماد الحسن من السلوك والقول: (وإنا وإياكم لعلى هدى أو فـي ضلال مبين…. (سبأ ٢٤. (فبشر عباد الذين يستمعون القول فـيتبعون أحسنه…… (الزمر ١٧ـ١٨

ولا يذهب بنا الظن أن الطريق إلى الحوار سهل وخال من الصعوبات فتاريخ البشرية مليء بالدماء والعنف قديم قدم الإنسان فقد ابتدأت البشرية بقتل قابيل (قايين) لأخيه هابيل حتى ليمكن القول أن تاريخ البشرية هو تاريخ العنف بالضبط إذ تشير الأرقام إلى أنه وخلال ٥٥٠٠ سنة الماضية وقع على الأرض ما يقارب ١٥ ألف حرب وصراع (بمعدل٢ـ ٣ صراعات وحروب فـي السنة)، وقتل فـيها أكثر من ٣٥٤٠ مليون إنسان (أي أن الأرض تحتضن نصف ما عليها من بشر) وإذا أخذنا القرون الثلاثة الأخيرة وهى التي ينظر إليها على أنها قرون النهضة الأوربية والتي انتقلت فـيها أوربا من الظلام إلى النور لاصطدمنا بأرقام مرعبة [١]:

فـي القرن السابع عشر هلك (٣. ٣٠) مليون إنسان، وفـي الثامن عشر (٥. ٢) مليون إنسان، وفـي التاسع عشر (٥. ٥٠) مليون إنسان. وفـي القرن العشرين حصدت الحرب العالمية الأولى (٩. ٥) مليون إنسان، وفـي الثانية ما يقارب الخمسين مليون إنسان.

هذا العنف كان فـي الغرب وليس فـي الشرق. كان فـي قلب الحضارة الغربية لأن ما أطلق عليه بالحربين العالميتين الأولى (١٩١٤ـ١٩١٨) والثانية (١٩٣٩ـ١٩٤٥) كان فـي حقيقة الأمر، ضمن الحضارة الغربية ولا يكفـي اشتراك تركيا فـي الحرب الأولى واليابان فـي الحرب الثانية لاعتبار تلك الحروب حروباً عالمية.

إذن فالغرب يعيش أزمة بنيوية وأساس هذه الأزمة قائم فـي طبيعة الرؤية الحضارية التي ينظر الغرب من خلالها للشعوب والأمم ومحاولة فرض تلك الرؤية عبر مكاييل متعددة وانتقائية مزاجية خاضعة للضرورة السياسية.

لقد حاول الغرب ربط العنف والإرهاب بالإسلام (من خلال تصرفات فردية لا تمت للإسلام بصلة)، فالإسلام بنظر صموئيل هنتغتون مصدر قلق وتوتر وعدم استقرار لأنه» ومنذ البداية كان الإسلام دين سيف وإنه يمجد الفضائل القتالية «.

وهنا نتساءل:

لماذا يؤجج الغرب الصراع بديلاً عن الحوار؟

هناك شبه إجماع بين مختلف دارسي علاقة الشرق بالغرب على: » إنها علاقة إشكالية ففضلاً عن كونها مثقلة بتركة تاريخية طويلة من الصراعات والمواجهات تمتد لأكثر من ألفـي عام، فإنها تنطوي على أبعاد إيديولوجية تتصل بالفكر والدين والتصورات الكبرى فـي الحياة الإنسانية، وترتبط على نحو دقيق. بمصالح دنيوية وآنية ومستقبلية لرؤى مستقبلية متباينة تخفى الكثير من مواقف كل طرف فـي هذه العلاقة إزاء الطرف الآخر. ومع التحول الخطر الذي شهده عالمنا المعاصر باتجاه القطب الواحد يطرح بعض المفكرين الغربيين ولا سيما فـي الولايات المتحدة الأمريكية مفهوم صدام (صراع) الحضارات مبدأ يحكم التطورات المستقبلية التي يرغبون فـي تحقيقهما وتحويلها إلى واقع يعزز الهيمنة الأمريكية على العالم وأمركته، وعلى الرغم مما يعتور هذا المفهوم من مغالطات نظرية وما ينطوي عليه من تجاهل فجّ فـي الغرب - وخاصة فـي واشنطن - التي ترغب فـي أن يسود العالم مناخ من المواجهات والصراعات تؤدي فـيه دور الحكم والمقرر (لاحظ ما يجري الآن فـي أفغانستان)، وتفـيد فـي حسم هذه الصراعات والمواجهات بحلها بطريقتها الخاصة، وهو حل يكفل مصالحها الدنيوية ويحقق مراميها الغربية والبعيدة، ويفرض

فـي نهاية المطاف قيمها التي تسوغ سيادتها وهيمنتها على سائر العالم « [٢].

ومن المهم هنا أن نشير إلى أن هذا النهج ليس جديداً وإنما هو سياسة أمريكية منذ أواخر القرن التاسع عشر، ففـي عام ١٨٩٣ حدد الرئيس الأمريكي كروفر كليفلاند المهمة العالمية للولايات المتحدة بأن دورها الخلاق هو تحضير العالم فـي زمنه الخاص المناسب ليصبح أمة واحدة تتكلم لغة وحيدة. وفـي عام ١٩٠١ دعا الرئيس الأمريكي وودرولسن إلى ضرورة أن يكون القرن العشرون هو القرن الأمريكي على أساس لبرلة العالم أو أمركة العالم. كما دعا الرئيس الأمريكى بيل كلنتون فـي عام ١٩٩٨ إلى أن النموذج الأمريكي للنمو الاقتصادي هو النموذج الناجح، وعلى بقية العالم أن يحذو حذوه» ونذكر وقتها أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك رد على ذلك بقوله: إن لكل بلد أنموذجه الخاص به «.

إن الولايات المتحدة الأمريكية فـي تأجيجها للصراع عبر تغذيته وتأمين مواد استمراره تدفع بالعالم نحو الهاوية، عبر تغليب ثقافة العنف القائمة على حجة القوة، وتغييب ثقافة التسامح القائمة على قوة الحجة. فهل ستنجح فـي تحقيق ذلك؟

باعتقادي أن الأمر يتوقف على عاملين أساسيين: أولهما: يتعلق بالطرف الإسلامي، وثانيهما: يتعلق بالطرف الأمريكي.

أولا: ما يتعلق بالطرف الإسلامي:

القيام بحملة توعية مكثفة تخرج عن نطاق الأفراد وإمكاناتهم

المحدودة إلى نطاق المؤسسات للتأكيد على القيم الروحية السامية التي تزرعها الأديان السماوية فـي الإنسان، وأن أرض الشرق هي أرض السلام والمحبة والمعرفة والحق والرد على أولئك الذين يتهمون الإسلام بالعنف والإرهاب عبر الكلمة الهادئة والموضوعية وذلك لأنّ الإسلام فـي ثوابته ومتحركاته يحث على:

فـي ثوابتـه: عدم الإكراه فـي الدين: (لا إكراه فـي الدين قد تبين الرشد من الغي…. (البقرة ٢٥٦ لأنه: (ولوشاء ربك لآمن من فـي الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (يونس ٩٩. لأنه: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء…. (البقرة ٢٧٢.

الصفـح والمغفـرة: - تؤكد قيم الإسلام على الصفح والمغفرة، فالأصل فـيه هو الرحمة وأن كل ماذكر من عقوبات تبعها الترغيب فـي الصفح والمغفرة (… وليعفوا وليصفحوا ألاتحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (النور٢٢. (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (الأنبياء ١٠٧.

تحريـم القـتـل: حرم الإسلام القتل واعتبر من قتل نفساً واحدة بغر حق فهو كمن قتل الناس جميعاً، (…. من قتل نفسـاً بغـير نَفْسٍ أو فسادٍ فـي الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً…. (المائدة ٣٢.

اعتماد قوة الحجة (وليس حجة القوه) فـي نشر الدعـوة: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن… (النحل ١٢٥. (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم…. (آل عمران ٦٤.

فـي متحركاتـه: يجمع أغلب الفقهاء أن الحدود تسقط بالتوبة، أي أن الحدود» لا تقام على من تاب بعد الفعل وقبل إقامة الحد « [٣] وقيل فـي ذلك» ليس على تائب قطع «أي أن من يتب من جريمة السرقة لا يقام عليه حدها.

ويعدُّ التعزير هو النظام العقابي الأساسي فـي الإسلام، وهو نظام يوفق بين ثوابت الشريعة ومصالح البلاد والعباد لأن جوهر الإسلام هو الحركة إلى المستقبل وصميمه التقدم المستمر لإنشاء حضارة إنسانية.

إن ما حدث فـي تنزيل القران من نسخ لآيات بآيات أخرى كلما جد جديد أو وقع واقع لا يعني مجرد نقل الناس من حكم إلى حكم، لكنه يفـيد فـي حقيقة معنى الحركة المستمرة مع الوقائع والتقدم المتصل على الأحداث والفعل النشط لتغيير الحياة. ولقد فهم المسلمون الأوائل أن هذه هي الأصولية الحقيقية للإسلام فتشربوا الحركة منهاجاً واتخذوا من التقدم أسلوباً، وكان العمل لهم ديناً حتى أنشأوا حضارة ضخمة إنسانية «.

يجمع الفقهاء على أن العنف فـي الإسلام عنفان [٤]: عنف مذموم - عنف محمود. العنف المذموم: وهو العنف الذي يسبب الضرر والأذى والظلم والفساد ويثير الفوضى والضلال ويخرق النظام والأحكام. وفـي القرآن هو: الفسـاد الانتـهاك والتعـدي (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل فـي الأرض خليفة قالوا أتجعل فـيها من يفسد فـيها ويسفك الدماء…. (البقرة ٣٥. الإسراف والإفراط والتبذير والعنف المسلط على الخيرات المادية: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفـين (الأعراف ٣١.

عنف السلطة السياسـية:

الظلم والطغيان والبطش والاعتداء وفرعون هذا هو الصورة الرمزية لهذه السلطة الطاغية (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى (طه ٤٣ - ٤٤. (إن فرعون علا فـي الأرض… (القصص٤.

وإذا كان العنف بين طائفتين من المؤمنين يعالج بالصلح: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفـيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين (الحجرات٩.

والعنف المنافـي مباشرة للنظام السياسي والإيماني كنكران الشهادة والتعدي على الأحكام والنظام.

العنف المحمود: وهو يصلح ما أفسد: عنف الرب الموجه لعباده المفسدين وتأخذ صور الانتقام الرباني شكل الكارثة: من زلازل وفـيضانات وطوفان… وكان الله يسعى من خلال ذلك إلى تطهير الأرض من الفساد (طوفان نوح - خسوف الأرض من تحت النمرود - حجارة قوم لوط - عاد وثمود) العدالة الإلهية وعقابها الأخروي: أعدت للمجرمين عالماً من العذاب يمزق نياط القلب ويصهر بناره ما فـي بطونهم والجلود (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب…… (النساء ٥٦.

ثانيا: ما يتعلق بالطرف الأمريكي:

فـي سؤال لـ (رينيه جيرار) حول العنف الذي ينتشر على مستوى الشارع أجاب: » هناك واقع سيطر على العقود الثلاثة الماضية، وهو أن العنف قد أصبح مستحيلاً على مستوى القوى العظمة… إن نزاعات كنزاع فـيتنام قد لا تكون ممكنة بعد اليوم، وأن الطابع الوحشي للعنف سيتزايد أكثر فأكثر فـي داخل المجتمع وسيولد فـي حياتنا أشكالاً غير مألوفة من التوتر والانحطاط الثقافـي، وبلا ريب سوف نعيش ونتعرف على أشياء غير مألوفة بتاتاً، واعتقد أن حوادث فظيعة قد تقع فـي كل لحظة على مستوى فردي. ليس لدي أي دليل لاستبعاد هذا الاحتمال لكن إذا حدث ذلك مرة فبإمكانه أن يؤدي إلى تغييرات سياسية جذرية، يمكننا أن نتصور أولاً حدوث تنظيم دولي لصيغ أمنية وربما أصبح ذلك حقيقياً بعد وقوع حادث من هذا النوع « [٥].

ترى هل كان (رينية جيرار) فـي موقع الفـيلسوف الذي يتنبأ أم فـي موقع القارئ المتمعن لحقيقة وواقع المجتمع (التجمع) الأمريكي.

لا شك أن الأرقام تقدم لنا نموذجاً صارخاً لثقافة العنف تعززها وقائع يومية فـي الساحتين الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية:

ففـي الساحة الداخلية [٦]:

- تستهلك أمريكا وحدها ٥٠% من استهلاك الكوكائين فـي العالم مع أن سكانها لا يمثلون أكثر من ٥% من سكان العالم.

- الأمريكيون يمتلكون ٦٠ مليون مسدساً و ١٢٠ مليون بندقية متنوعة وهم يقتلون بعضهم بعضاً بمعدل يصل إلى ١٩. ٠٠٠ كل عام وأساساً بواسطة البنادق.

- تبلغ معدلات جرائم القتل أربعة أو خمسة أضعاف مثيلاتها فـي أوربا الغربية، ومعدلات الاغتصاب سبعة أضعاف معدلاتها فـي أوربا الغربية، أما عمليات السرقة بالقوة فتبلغ من أربعة إلى عشرة أضعاف.

- تسجن أمريكا بمعدل ٤٢٦ لكل ١٠٠. ٠٠٠ مواطن بينما تبلغ النسبة فـي استراليا ٧٢، وهولندا ٤٠، والاتحاد السوفـيتي السابق ٢٦٨ لكل ١٠٠. ٠٠٠. وفـي هذا الخصوص يذكر فوكوياما» بأن الولايات المتحدة الأمريكية تبقي أكثر من ١% من مجموع سكانها فـي السجون، ويظهر مستوى الثقة المتدني بأوضح صورة فـي ارتفاع معدلات الجريمة وازدياد عدد الدعاوى المدنية فـي المحاكم الأمريكية، وكلا المظهرين يعكس من جهة انخفاض عدد الأمريكيين الذين يمكن اعتبارهم موضع ثقة، كما يعكس من ناحية أخرى نسبة تشكيك الأمريكيين ببعضهم بعضاً، وخصوصاً لدى أولئك الذين يمكن الوثوق بهم والذين ما كانوا ليشككوا بالأصل من قبل « [٧]. والقضية التي لا تقل أهمية عن الجريمة فـي إثارة الجدل» هي الزيادة الهائلة فـي عدد الدعاوى المدنية أمام المحاكم الأمريكية ومع أن الولايات المتحدة كانت دائماً أمة من المحامين إلا أن مبادرة الأمريكيين برفع دعاوى على بعضهم بعضاً قد ارتفعت بشكل كبير فـي النصف الثاني من القرن العشرين ويصعب معرفة ما إذا كان الأمريكيون يخدعون بعضهم بعضاً بنسب أعلى من ذي قبل، ولكنهم يتصرفون كما لو أن ذلك حقيقة لا ريب فـيها. فازدياد عدد الدعاوى يعني انخفاض نسبة الخلافات ا

لتي يمكن حلها بأسلوب ودي غير رسمي سواء عن طريق المفاوضات أو بواسطة طرف ثالث «.

ويورد د. منير الحمش [٨] مجموعة من الأرقام تعكس هذا القدر أو ذاك حقيقة الوضع فـي أمريكا، فقد تصاعد الدين الداخلي والخارجي من ٨٥٠ مليار دولار أوائل الثمانينيات إلى أربع تريلون دولار فـي أوائل التسعينيات، وحسب تقديرات صندوق النقد الدولي فإن حجم الدين الأمريكي عام ٢٠١٠ ستزيد فوائده وحدها عن حجم الناتج الإجمالي الأمريكي فـي تلك السنة. إضافة إلى تراجع معدل الذكاء العام للفرد الأمريكي إذ انخفض بمعدل ٨% عما كان عليه منذ عشرين سنة كما انخفض متوسط دخل الفرد السنوي من ٢٨ ألف دولار / سنة إلى ٢١ ألف دولار / سنة خلال عشرين سنة، ويعيش حوالي ٤٠ مليون أمريكي على حد الفقر أو تحته «.

وفـي الحقيقة فإن مشكلة الفقر (المولد الرئيسي للعنف) ليست جديدة قي الولايات المتحدة الأمريكية ومن دون أن نعود إلى الماضي البعيد» فرانكلين روزفلت يلفت الانتباه على أن ثلث سكان أمريكا سيئوا الكساء والغذاء والسكن… وهبت العاصفة فـي عام ١٩٦٢ عندما نشر ميخائيل هارنغتون كتابه عن» الفقر فـي الولايات المتحدة « [٩]، فقد أوضح أنه كان فـي أمريكا حينذاك خمسون مليون فقير. ولما كان بعض الزنوج قد حصل على مستوى نسبي من الرخاء فإن هذا الرقم كان يعني - وهنا الصدمة الحقيقية - أن أكثر من ثلاثين مليوناً من البيض من أصل ١٦٥ مليوناً كانوا يعيشون تحت خط الفقر. وعلى أساس ما تقدم توقع» ألفـين توفلر « [١٠] أنّ الولايات المتحدة الأمريكية سوف تكون مهددة فـي السنوات القريبة القادمة بصراعات اجتماعية وعنصرية وجنسية حسب وتيرة تحولات السلطة التي تحدث فـي الداخل ووراء الحدود) ). كما توقع ( (صموئيل هنتغتون) ) صاحب نظرية صدام الحضارات [١١] أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تكون دولة صدع فـي سنة ٢٠٢٠ بالاعتماد على التطورات الديمغرافـية الجارية فـيها.

وفـي الساحة الخارجية: يتمثل العنف الأمريكي بأجلى صوره فـي دعم الدكتاتوريات العنفـية وتنصيب الطغاة من جهة والعنف الممارس ضد الأرض (البيئة) من جهة أخرى.

وقد فضح أستاذ اللسانيات فـي جامعة ميت Mit بمدينة بوسطن - نعوم تشومسكي فـي كتابه (ردع الديمقراطية) الدور القذر للولايات المتحدة حيث يقول: » قمنا بالإطاحة بالحكومة الرأسمالية الديمقراطية فـي غواتيمالا عام ١٩٤٥ والحفاظ على حكم العصابات المجرمة منذ ذلك التاريخ ضد كوبا منذ أوائل الستينيات، ونيكارغوا عبر عقد الثمانينيات وبالسعي لاغتيال لومومبا، وإقامة النظام الدكتاتوري المتوحش الفاسد موبوتو والحفاظ عليه « [١٢].

ويشير ل. ناتاراجان على سبيل المثال إلى أن» سياسة أمريكا وتصرفاتها فـي آسيا والمحيط الهادي لم تكن فـي الحقيقة ديمقراطية ومعادية للاستعمار، بل كانت تسير على نهج الدول الاستعمارية الأقدم منها. ويؤيد هذا الرأي قائمة تتضمن عمليات إنزال القوات الأمريكية فـي أوقات السلم فـي أراضي الآخرين. وقد نشرت هذه القائمة فـي نشرة وزارة الخارجية الأمريكية الصادرة فـي ٣١ يوليو ١٩٥٠ كتبرير للتدخل المسلح فـي كوريا، وشملت القائمة ٤٣ غزوة فـي آسيا والمحيط الهادي بدءاً من عام ١٨٣٢ وحتى عام ١٩٣٢ أي خلال مئة عام « [١٣].

وقد شكلت وثيقة مجلس الأمن القومي الأمريكي ذات الرقم ٦٨ لعام ١٩٥٠ والتي كشف عنها غطاء السرية فـي عام ١٩٧٥ المرتكز الفلسفـي والسياسي للنهج الأمريكي فـي النصف الثاني من القرن العشرين والمنطلق أساساً من الفلسفة النفعية (البراكماتية) وهذه أبرز فقراتها [١٤]:

١ - ثمة فـي العالم قوتان على طرفـي نقيض: فـي طرف نجد الشر المطلق (يقصد الاتحاد السوفـياتي سابقاً)، وفـي الطرف الآخر آية النبل والسمو (المقصود أمريكا) يستحيل التوفـيق بينهما، فالقوة الشيطانية يتعين عليها بسبب طبيعتها الذاتية أن تسعى إلى الهيمنة الكاملة (الشاملة) على العالم، ومن ثمّ فلا بد من التغلب عليها واستئصالها وإزالتها حتى يتسنى للبطل الفاضل المجسد لكل ما هو خير أن يبقى ويدوم من أجل أن يؤدي مهماته السامية والنبيلة !!!.

٢ - إن الصراع بين قوى النور وقوى الظلام هو صراع خطير ينطوي على تحقيق ليس هذه الجمهورية فقط بل والحضارة ذاتها أو تدميرهما فالانقضاض على المؤسسات الحرة شامل للعالم كله، ويفرض علينا لمصلحتنا الخاصة مسؤولية قيادة العالم.

٣ - زيادة الإنفاق على التسلح لأن وحدة نظامنا وحيويته تتعرضان لأخطار أكبر من أي وقت مضى.

٤ - السيطرة على كل زاوية من زوايا العالم مهما كانت بعيدة وباستئصال لعنة الحياد من جذورها.

٥ - استخدام القوات العسكرية وتمركزها فـي العالم الثالث للوصول إلى الموارد الاقتصادية والعسكرية الحيوية.

إن المتتبع للسياسة الأمريكية سيجد مفاعيل هذه الوثيقة مجسدة على الأرض بشكل دقيق، ومختلف أقوال وتصرفات الساسة الأمريكيين. وهو ما حاول فوكوياما وهنتغتون التنظير له، ولكن الأحداث أثبتت زيف وخطأ الادعاءات القائمة على الوهم والاستعلاء.

وتمتد الآثار السلبية للمظاهر العنفـية الأمريكية للأرض ومظاهر الحياة فـيها ومستقبلها الذي هو مستقبل البشرية، وفـي الوقت نفسه فقد تخلت أمريكا عن اتفاقية كيوتو [١٥] التي وافقت عليها أكثر من ١٥٠ دولة بالإجماع، أي على ما سمي ببروتوكول تقليل انبعاث الغازات - غاز الاحتباس الحراري - وبموجب هذا البروتوكول تلتزم الدول الصناعية بتخفـيض إنتاجها من هذه الغازات بمقدار ٥. ٢% على مستوى إنتاجها لمثل هذه الغازات فـي سنة ١٩٩٠.

هذا السلوك العدواني على الأرض ليس مستغرباً من دولة لاتثيرها دموع الأطفال واليتامى والثكالى فكيف بدموع الأرض.

لقد تجاهلت أمريكا، شعوب الأرض ومارست عليهم العنف، وتختزن الذاكرة الجمعية صوراً محزنة ومؤلمة للأفعال العنفـية الأمريكية. وقد آن لهذه الدولة الإمبراطورية أن:

١ - تعي دروس التاريخ التي تؤكد الحق للشعوب مهما طال الزمن، وأن الإمبراطوريات التي قامت على القوة اندثرت وبادت.

٢ - توظف إمكاناتها الضخمة التي حباها الله بها فـي سبيل مستقبل أفضل للبشرية وليس فـي سبيل العدوان واغتصاب حقوق الشعوب. ويأتي مشروع الحوار الحضاري مناسبة يمكن لتلك الدولة أن تستفـيد منه فـي إرساء أسس الحق والسلام بين الأمم، وهذا يتطلب تغييراً فـي النهج الأمريكي ومفردات التعامل مع الشعوب والأنظمة التسلطية، الاغتصابية والتي تقف دولة الكيان الصهيوني فـي مقدمته بامتياز.

كلمـة أخيـرة:

إذا أردنا لمشروعنا الحضاري أن يستمر لابد من تنمية كل مفردات القوة وتطويرها للوصول إلى الحق، لأن الركون والاستسلام والاسترخاء لمنطق أن أمريكا ستتحلل من الداخل، وأن الحق معنا لا يكفـي لإلحاق الهزيمة بأعداء الحوار ذلك: (بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم…… (الأنفال ٥٣.

***

* الجمهورية العربية السورية

[١] - مجلة المعرفة السورية العدد ٣٧٦ - ١٩٩٥.

[٢] - انظر مجلة الآداب العدد ٣ / ٤ ص ٤ وكتاب حوار الحضارات بين

الواقع والطموح للكاتب.

[٣] - الإسلام السياسي - محمد سعيد العشماوي ص ١٩٢ - ١٩٣ وص ٢١٤وص ١٤١ - ١٤٢. ومصطلح التعزير فـي المفهوم الفقهي يطلق على التأديب الذي لم يرد به نص فـي القرآن والحديث ومتروك أمره لولي الأمر أو للسلطة المختصة.

[٤] - انظر مجلة كتابات معاصرة العدد ٣٠ ص ٤٤ وحتى ٤٦.

[٥] - مجلة الفكر العربي المعاصر العدد ٦ / ٧ ص ٩٢ـ٩٣.

[٦] - الاستعداد للقرن الحادي والعشرين - بول كيندي ص ٣٧٦ـ٣٧٧.

[٧] - الثقة - فوكوياما ص١٧ و ص٢٩٩ـ٣٠٠.

[٨] - العولمة ليست الخيار الوحيد - د. منير الحمش ص ٧٨.

[٩] - انتحار الديمقراطيات - كلود جوليان ص ٤٠ - ٤١.

[١٠] - ذكر فـي: تحول السلطة - الفـين توفلر ج٢ - ص ٧٩٨.

[١١] - انظر صدام الحضارات - هنتغتون ص ٣٣٢.

[١٢] - ردع الديمقراطية - نعوم تشومسكي ص ١٩.

[١٣] - الحنطة الأمريكية للسيطرة على العا لم - ل. ناتاراجان. ترجمة محمد محمود الأهواني ص ٢٣ وحتى ٢٨.

[١٤] - تشومسكي ص ١٦ وحتى ٣٦.

[١٥] - انظر: تحديات المستقبل - الكاتب ٧٥.



[ Web design by Abadis ]