ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الحوار … ضرورة \ د. رضا شعباني *

الحوادث التي مرّت فـي القرنين الأخيرين فـي أعقاب الثورة الفرنسية (١٧٨٩م / ١٢٠٤هـ) أثبتت نهاية إمكان العيش فـي جوٍ آمن هادئٍ وديع نستطيع فيه أن نعيش براحة بال بمعزل عن العالم والعالمين. التجارب المؤلمة التاريخية أثبتت للعالم جميعاً وخاصة لنا نحن الشرقيين أننا يجب أن نواجه أزمات حياتية جديدة تتجاوز نطاق القبيلة والقوم والمنطقة وتفرض علينا قواعد للعبة عالمية جديدة فـي الحقل السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافـي شئنا أم أبينا.

الهوة المؤلمة التي فصلت بين رجال المناطق الشرقية وخاصة الإسلامية وبين التيارات الكبرى السريعة فـي العالم أدت إلى عدم إدراكهم الفوري للحوادث المرّة التي تدور حولهم، بل أيضاً أن يفتقدوا المفاتيح الأساسية للتنمية التي هي تعلم العلوم والفنون (التقنية) الجديدة، وبذلك فقدوا السيطرة على زمام أمور حركة التطوير لشعوبهم الشريفة الأصيلة ليوقعوها فـي قيود الأسر الأجنبي وليبعدوها باستمرار عن استقلالها وحقها السياسي بل حتى عن هويتها الإنسانية الأصيلة.

واضح أن الغربيين لم يستشعروا فـي أي مكان وأي زمان بمسؤولية تجاه الشعوب المقهورة ولم يفكروا بتحمل مسؤولية إزالة ماخيّم على هذه الشعوب من تخلف وجهل، بل بالعكس فقد رأى الغربيون أنفسهم على حق حين يحبطون كل مسعى ينهض به رجال الفكر والإصلاح والتغيير فـي هذه المناطق بشتى ألوان التزوير والدجل السياسي، وعملوا بحجج واهية وباستغلال لوساطة الشعوب أن يبدّدوا كل عمل إصلاحي نهض به رجل من أبناء هذه الأمة بجهد وعناء شديدين.

وفـي بلدنا إيران أرض الثقافة والحضارة الإسلامية فـي بلدان الخلافة الشرقية تكررت هذه الظاهرة القديمة الحديثة مرات ومرات فأطاحوا برجال الإصلاح والتقدم الذين سعوا لتغيير حالة التخلف فـي وطنهم.

على سبيل المثال أذكر ثلاثة رجال منهم انطلقوا منذ بدايات القرن التاسع عشر الميلادي ليتعرفوا على العالم العربي وعلى الأسباب التي أدت إلى تخلف شعوب الشرق. أحدهم الحاج ميرزا إبراهيم خان اعتماد الدولة الشيرازي الذي دبّر له البريطانيون سنة ١٨٠١م / ١٢١٦هـ مؤامرة قتله على يد فتح علي شاه القاجاري بشكل فظيع طال حتى أطفال أسرته.

والثاني هو الميرزا أبو القاسم قائم مقام وهذا أيضاً أطيح به بعد سنة من رئاسة وزارته ولم يكن له ذنب سوى أنه أدرك خلفيات التآمر الأجنبي على بلاده فقتل شر قتلة.

وأما الثالث فهو رجل كبير وشهير عاش فـي أسرة فقيرة وبفضل ما تحلى به من حنكة وذكاء اصبح قائداً للجيش وفـي فرصة تاريخية أضحى رئيساً للوزراء وهو الميرزا محمد تقي خان الفراهاني الذي عُرف بين مواطنيه باسم أمير كبير، وفـي أخباره خلال مدة ترأسه الوزارة (١٢٦٤ - ١٢٦٧هـ / ١٨٤٩ - ١٨٥٢م) أنه بذكاء منقطع النظير شخص الأدواء وبشجاعة كاملة تصدى لإيجاد تغييرات أساسية وكان الرجل مثقفاً ثقافة واسعة ومجيداً للغات الروسية والفرنسية والإنكليزية والتركية غير أنه أطيح به هو الآخر بسبب جهل الجهاز الحاكم وضعف مداركه. واللافت للنظر أنه من أجل إيجاد ارتباط ثقافـي مع الغرب فتح مدرسة دار الفنون فـي إيران ووظف لها عدداً من المعلمين الغربيين (أغلبهم نمساويون) لتعليم الإيرانيين العلوم والفنون الغربية.

لقد أدرك الرجل أن الحوار مع الآخر يجب أن يكون بلغته واللغة العالمية اليوم هي لغة العلم والتقنية التي تنطق بصراحة، وتعيّن مكانة المتكلم بين الشعوب الحيّة والمتحركة على الساحة العالمية.

علماؤنا الدينيون أيضاً، بما يستشعرونه من مسؤولية كبرى تجاه جماهير الشعب بذلوا مساعي كبيرة بالوعظ والخطابة وتدوين الكتب والرسائل ودخول الساحة السياسية والفتاوى، وسعوا لإصلاح الأوضاع السيئة فـي المجتمع وإبعاد الشعوب الإسلامية عن غدر الأجانب وتدخلهم فـي الشؤون الداخلية وأذكر من هؤلاء الرجال ثلاثة كان لهم نفوذ شعبي واسع.

١ - السيد جمال الدين الأسد آبادي المعروف بالأفغاني الذي بذل مساعي واسعة النطاق لإيقاظ الشعوب الإسلامية وتعاون مع جمع من أصدقائه أشهرهم الشيخ محمد عبده وقدّم خدمات جليلة لشعوب البلدان المختلفة مثل أفغانستان وإيران وتركية ومصر وغيرها من البلدان الإسلامية.

قضى سنوات من عمره فـي بلاد الغرب وسعى عن طريق نشر المجلات والصحف وتدوين الكتب والحضور فـي المحافل الدينية والثقافية والسياسية أن ينهض بتغيير تتطلبه ضرورة تلك الأيام، وانتشر طلابه والسائرون على طريقه فـي مختلف بلاد الشرق يبشرون بيقظة الشعوب الشرقية، ولايزال الرجل حتى اليوم مناراً للمصلحين فـي عالمنا الإسلامي.

٢ - الميرزا الشيرازي الذي اشتهر فـي مسألة نهضة التنباك وإلغاء اتفاقية احتكار التنباك فـي إيران المعروفة باتفاقيّة (رجي Regie) كانت النهضة سنة ١٨٩١م / ١٣٠٨هـ فأصدر فتواه بحرمة التدخين، وسرت الفتوى فـي كل أرجاء إيران كسريان النار فـي الهشيم، ودخلت بيت الشاه نفسه (ناصر الدين شاه) وبعد الفتوى كسرت كل وسائل التدخين (النرجيلات) وامتنع الناس عن تعاطي التدخين وبيع التنباك وشرائه ممّا أدى إلى استسلام الحكومة آنذاك وإلغاء ذلك العقد مع الشركة البريطانية.

وأما الشخص الثالث فهو العالم المعروف الميرزا النائيني الذي كان مقيماً فـي النجف لكن دوره فـي أحداث إيران كان مشهوداً، فهو بالتعاون مع عالمين كبيرين داخل إيران هما السيد عبدالله البهبهاني والسيد محمد الطباطبائي عمل على إقامة الحكم الدستوري فـي إيران للحدّ من دكتاتورية الشاه الحاكم.

مثل هذه التجارب العظيمة تكررت فـي البلدان المختلفة فـي منطقتنا بهدف استحداث تغييرات تجعل هذه البلدان على مستوى الحديث والحوار مع الآخر، وتدافع عن الكيان الإسلامي والوطني للمسلمين.

من الطبيعي أن ظروف الحوار لابد أن نبحث عنها فـي ثلاثة أمور أساسية: الأول أن نفهم أنفسنا وأن ندرك ما يستطيع أن يحفظ هويتنا وكياننا. لاتزال حكمة سقراط تقرع الأسماع إذ يقول: اعرف نفسك، واقبل نفسك، وكن نفسك. وهي الموعظة التي كان يرددها هذا الحكيم اليوناني فـي كل حياته.

الأمر الثاني أن نفهم الآخر أيضاً ونراعي حرمته ومكانته. إذ بدون قبول وجود الآخر أو بعبارة أخرى بدون الاعتراف بمساواة الآخر معنا لا نستطيع أن نتحاور معه. لا بد من التحلي بروح التسامح والتساهل التي هي من أولى تعاليم الأديان الإلهية ولها مكانتها الطبيعية فـي أعماق البشر.

لابد أن نثبت موقفنا هذا لافـي الحديث بل بالعمل، لابد من اجتثاث جذور المفاسد الاجتماعية الكبرى كالحرص والطمع وهي من مخلفات الممارسات الاستعمارية خلال القرون الخمسة الأخيرة على الساحة العالمية، وهي ممارسات أثبتت فشلها وتتطلب بإلحاح تجربة جديدة.

أما الأمر الثالث الذي يشكل أساس كل التطورات والتغييرات الأساسية وهو الاعتراف بسيادة الشعب على نفسه وهذا لايتم إلا عن طريق التنمية الاجتماعية وتعميق حكم القانون. وإقامة المؤسسات الديمقراطية وتوفير الحريات الإنسانية، وهي أيضاً من الضرورات اللازمة فـي المجتمعات المدنية فـي عالمنا المعاصر وخاصة فـي بلداننا الإسلامية التي شهدت لقرون عديدة خلت حضارة عظيمة امتدت من أندونيسيا إلى الأندلس، هذه الحضارة التي علمتنا بأن المسيرة التكاملية للفرد والجماعة لايمكن أن تتحقق إلا بالتحرر من كل طواغيت المال والقوة والتزوير.

نعتقد أن أعظم هبة إلهية لهذا الإنسان هي هبة العقل، وهي التي تميز الإنسان من غيره بل هي أساس التمييز بين أفراد البشر إذ يقول سبحانه: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (سورة الزمر / ٩) لابد أن نعترف بما عندنا من طاقات كامنة وأن نعترف أيضاً بما فرض علينا من تخلف نتيجة سيطرة الحكومات الظالمة وأن نتخذ الموقف اللازم من أجل تحويل حالة التخلف فينا إلى حركة وتطور.

* أستاذ التاريخ في جامعة الشهيد بهشتي إيران



[ Web design by Abadis ]