ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الحوار النقدي الداخلي ثم الحوار مع الجوار \ أ. محمد المقالح *

ثم الحوار مع الجوار الحضاري الآسيوي

السؤال المطروح علينا فـي هذه الندوة الفكرية - الحوارية الهامة: (كيف نواصل حوار الحضارات…؟ ) سؤال كما هو واضح تلتقي فـيه الوسائل والأدوات، مع الأهداف والمقاصد، تماماً كما تختلط فـيه الأفكار والرؤى مع الخطط والبرامج… الخ، ومن ثمَّ يكون من الصعب على شخص مثلي أن يجيب على هذا السؤال المركب من خلال هذه المساحة (الورقة - الندوة) المحدودة بالزمان و المكان، وبالظروف المحيطة بهما، ليس هذا وحسب، بل إنه ومع التقدير والاحترام لجهود المشاركين بأوراقهم وأفكارهم ومداخلاتهم فـي هذا الحوار الجاد والمسؤول، إلا أنني أعتقد أننا - مجتمعين - لا نستطيع الوصول إلى إجابات حاسمةٍ ونهائيةٍ على السؤال المذكور.

أقصد… إجابات يمكن القياس عليها فـي ما بعد - وإذا ما سلّمنا، ونحن ندعو للحوار بين الحضارات أن نعيش فـي ظل واقع سياسي واقتصادي بل ثقافـي واجتماعي مكفهر يؤكد أكثر ما يؤكد الصراع والحروب، فإن الإجابة على (كيف ينجح الحوار الحضاري؟ ؟ ) تبدو لنا أكثر تعقيداً وصعوبة.

مع هذا كله فإن أهمية السؤال المطروح علينا، ومن ثمَّ أهمية هذه الندوة المحترمة تأتي من كونه سؤالاً (واسعاً) و (متحركاً) إلى الأمام باستمرار، ومثلما أن الإجابة عليه تعنينا وتشملنا، فإنها وربما بالدرجة نفسها تعني وتشمل الأجيال القادمة من أبناء هذه الأمة (الحضارة الإسلامية)، وأبناء الأمم والحضارات الإنسانية الأخرى والتي من المطلوب منها اليوم، وفـي كل عصر أن تتحاور وأن تؤثر وتتأثر وتتفاعل مع بعضها بعضاً لتحقق ذاتها وطبيعتها بل وتسميتها (كحضارة أو كحضارات)، وسواء كان ذلك فـي حالة السلم أم فـي حالة الحرب بين دولها وشعوبها، إذ إن الحوار الحضاري (التعريف والتعارف) (التأثر والتأثير المتبادل) لا يتوقف ولا يمكن له أن يتوقف فـي الحالتين، مع ملاحظة أن (الحضارات) كمعنى وكهدف تستهدف الأمن والسلم، بل والسعادة والرفاهية للإنسان - أي إنسان - من ناحية، وتستخدم مع غيرها من العناوين التي لها علاقة بهوية المجتمعات والشعوب (الدين - اللغة - القومية٠٠، الخ) كغطاء لشن الحروب والصراعات بين الشعوب المختلفة وتبريرها من ناحية أخرى.

لماذا» نحن» وماذا تعنيه دعوة خاتمي للمجتمع الدولي؟

ومرة أخرى فإن أهميه السؤال المطروح (كيف نواصل حوار الحضارات…؟ ) تأتي بالنسبة لنا كمشاركين فـي هذه الندوة الحضارية، أو بالأصح بالنسبة لمفكرين وعلماء» الحضارة الإسلامية «من مسلمين ومسيحيين وغيرهم من كون السؤال نفسه يستبطن سؤالاً آخر لايقل أهمية مفاده: (… لماذا نحن بالذات معنيون فـي هذا الوقت، وأكثر من أي وقت مضى بالإجابة على السؤال؟ وبمعنى آخر: لماذا تحمل الإجابة أو المساهمة فـيه بالنسبة لنا أولوية قصوى فـي بداية الألفـية الميلادية الثالثة، وبعد أحداث ١١ أيلول سبتمبر ٢٠٠١م تحديداً؟ .

ومن وجهة نظري فإن المساهمة فـي الإجابة على هذا السؤال (الملحاح)، والحاضر دوماً فـي أذهاننا وحياتنا تبدأ من التوكيد ومن إعادة التوكيد بالحقائق الآتية:

- مع إقرارنا بأن الدعوة إلى حوار الحضارات والثقافات الإنسانية المختلفة فكرة قديمة، وسبق وأن طرحها العديد من الفلاسفة والعلماء ليس فـي القرن الماضي وحسب بل فـي القرون والحقب التاريخية التي سبقته، لا بل إن الدعوة للحوار بين الحضارات قد كانت ولاتزال (… المثال والهدف الأسمى لأفكار وتعاليم وممارسات كبار الحكماء والأنبياء والمتصوفـين وحملة العقائد والمشاريع الإنسانية الأخلاقية والفلسفـية والاجتماعية والعملية الكبرى [١]، إلا أن ذلك لا ينفـي أبداً بأننا - نحن أبناء المجموعة الإسلامية الحضارية - أو قل أبناء الحضارات الآسيوية - الشرقية - عموماً، هم أول من طرح دعوة الحوار بين الحضارات والثقافات (رسمياً) على المجتمع الدولي المعاصر، ومن خلال أكبر منظمة دولية فاعلة وأهمها هي منظمة الأمم المتحدة، كان ذلك عام ٢٠٠٠م، وعبر رئيس المجموعة الإسلامية حينها [٢].

وبمناسبة مرور خمسين عاماً تقريباً على تأسيس منظمة الأمم المتحدة ١٩٤٥م وبعد عقد واحد من انتهاء النظام العالمي القديم أو مايسمى حينها بالثنائية القطبية والحرب الباردة، وكما نعلم فإن الدعوة الحضارية المقدمة من قبل المجموعة الإسلامية قد قبلت من قبل المجتمع الدولي، واعتمد عام ٢٠٠١م بإجماع ممثلي دول العالم المنضوية فـي عضوية الأمم المتحدة، ومع أن قبول تلك الدعوة الكريمة للحوار بين الحضارات هو الأمر الطبيعي إذ لايمكن تصور أن أحداً من ممثلي الحضارات الإنسانية الكبرى يمكن أن يرفض الدعوة للحوار أو يصدها. ومع هذا وإذا كان ترحيب المجتمع الدولي بدعوة المجموعة الإسلامية يؤكد مصداقية من يدعون للتفاهم والتعايش بين الأمم وحجيتهم مقابل عدوانية وتهافت حجية من ينظرون ويراهنون على العزلة والصدام، فإن ذلك الإجماع نفسه يحملنا نحن المسلمين - أصحاب الدعوة - مسؤولية أخلاقية وإنسانية أكبر ترقى إلى مستوى» الأمانة «فـي ضرورة المساهمة فـي إنجاح الدعوة وإيصالها إلى غايتها ومقاصدها الإنسانية المنشودة.

ومما يعزز ما نقوله، أي صحة ومصداقية الدعوة من ناحية، ومسؤوليتنا - نحن المسلمين - فـي إنجاحها من ناحية أخرى، هو أن دعوتنا للمجتمع الدولي للعمل وإياه من أجل إنجاح الحوار بين الحضارات الإنسانية قد حملت فـي زمانها ومكانها معاني ودلالات حضارية غاية فـي الأهمية منها:

- أنها قد جاءت على لسان السيد محمد خاتمي، وهو شخص مؤهل، ويحمل المواصفات الكاملة تقريباً لحمل هذه الرسالة (الدعوة) الإنسانية النبيلة، لا لأنه رئيس جمهورية لأكبر دولة إسلامية تمثّل ثقافتها وهويتها اليوم أنموذجاً حياً وممتازاً لصحة ما نطرحه من إمكانية تفاعل الحضارات الإنسانية وإمكانية امتزاج مكوناتها امتزاجاً خلاّقاً ومبدعاً، كما فـي إثبات أن الدين هو المكوّن الأهم لأي حضارة إنسانية ولا يمكن أن يكون عامل إلغاء أو إقصاء لهوية أو ثقافة أي أمة، بدليل أن الدين الإسلامي الذي اعتنقته الشعوب الإيرانية فـي القرن الهجري الأول والذي تتبناه الجمهورية الإسلامية اليوم كمشروع حضاري نهضوي، لم يتسبب فـي إلغاء الحضارة الفارسية العريقة أو إقصائها، أو فـي تدمير ثقافة الشعب الإيراني العظيم أو لغته، بل تفاعل الدين مع الحضارة الفارسية وامتزجت الثقافة الجديدة مع ثقافة فارس القديمة ومدينتها، ليكونا معاً ومع الإنسان فـي الزمان والمكان ما يمكن أن يعرف اليوم بالهوية والحضارة الإيرانية الإسلامية، وهكذا بالنسبة للحضارة الهندية والحضارة الصينية، والأرثوذكسية السلافـية بل الحضارة الغربية الأوروبية أيضاً - وإن بدرجات متفاوتة - هذا هو المعنى

الأول التي حملته الدعوة للحوار.

- المعنى الثاني هو أن السيد خاتمي كان ولا يزال هو الشخص المؤهل لطرح دعوة الحوار الحضاري على المجتمع الدولي المعاصر لسبب آخر لا يقل أهمية، وهو أنه (رئيس جمهورية إسلامية) منتخب مباشرة من قبل الشعب، وبواسطة الاقتراع الحر والمباشر، بل إنني أجزم أنه وبالمقارنة بحجم عدد السكان وبمن يحق لهم المشاركة قانوناً بالاقتراع يعدُّ أول رئيس جمهورية يحوز على هذا العدد الهائل من أصوات الناخبين (عشرين مليون صوت فـي دورة ١٩٩٧ الرئاسية، وما يزيد قليلاً على هذا الرقم فـي دورة ٢٠٠٠م الرئاسية)، والأمر المقصود هنا لا يتعلق فقط بموضوع التمثيل الشعبي وحق الأمة فـي اختيار من يحكمها، بل الموضوع الإنساني المشترك بين الحضارات المختلفة أي قضايا العدالة والحرية والمساواة وحق الإنسان (الفرد - والمجموع) فـي المشاركة السياسية بغض النظر عن دينه، وجنسه، ولونه، الخ….

وبغض النظر عن ملاحظاتنا أو اعتراضاتنا حول نواقص الديمقراطية الإيرانية - الموجودة فعلاً - إلا أن تقديم الجمهورية الإسلامية أنموذجاً حديثاً للديمقراطية الاجرائية عبر انتخاباتها المتعددة والمتوالية، وعبر جديتها الملحوظة فـي تطوير هذه التجربة» النموذج «تكون قد أثبتت أن» الإسلام «والحضارة الإسلامية ليست كما يقول خصومها وخصوم التنوع الحضاري عموماً عائقاً أمام التحديث والديمقراطية وبهذا المعنى يكتسب حامل الدعوة للحوار والمجموعة الإسلامية التي طرحها باسمها مصداقية أكبر أمام التجمع الدولي.

- ثم إن السيد خاتمي مؤهل لحمل هذه الرسالة النبيلة» الحوار بين الحضارات «من كونه عرف قبل أن يصبح رئيساً كمثقف وفـيلسوف وحامل مشروع حضاري أكثر من كونه سياسياً أو قائداً وزعيم دولة إسلامية، خصوصاً، وهو المهتم مثل كل الفلاسفة والعلماء المعروفـين، بالحوار والثقافة مع شعبه وفـي صفوف أبناء أمته، ومع خصومه السياسيين من أبناء شعبه، تماماً كما هو مهتم بالحوار مع الآخر الحضاري والثقافـي، وما يؤكد أن الدعوة للحوار بين الحضارات التي قدمها باسم المجموعة الإسلامية لم تكن تحمل هدفاً سياسياً مباشراً أو تستهدف المزاودة على الآخرين كما يعمل بعضهم، وفـي مثل هذه المحافل بالذات، بل كانت دعوة صادقة وأصيلة قدمت فـي مكانها وزمانها المناسبين، وكانت تتوخى ولاتزال تفعيل المنظمة الدولية من ناحية، ولفت نظر أعضائها إلى الهدف الأهم والأسمى الذي أنشأت الأمم المتحدة من أجله وفـي سبيل تحقيقه.

وإذا كان من عبرة هنا فإن علينا أن نتذكر - من أجل تأكيد حجية الدعوة للحوار وأولويتها - بأن تأسيس منظمة الأمم المتحدة عام ١٩٤٥م كوسيلة دولية وحضارية لحل النزاعات بين الدول والأمم، والجماعات الإنسانية، ومن أجل الحد من الآثار المدمرة للحروب والصراعات المسلحة - إن نشبت لسبب أو لآخر - قد جاء إثر كارثة كونية بشعة هي الحرب العالمية الثانية، التي ذهب ضحيتها أكثر من خمسين مليون قتيل وأضعافهم من الجرحى والمعوقين والمرضى (النفسيين والعقليين)، فضلاً عن إبادتها لمئات المدن والمعالم التاريخية والحضارية وغيرها من المنشآت المدنية التي بناها الإنسان الأوربي وغير الأوربي على طول مسيرة التاريخ الحضاري للإنسان، وإذ كان بعضهم اليوم وبعد مرور خمسين عاماً على تلك الكارثة، ومن ثم على تأسيس الأمم المتحدة قد نسي أو تناسى جروح وآلام تلك المأساة التي صنعتها الأطماع والمصالح الأنانية، وذهب بعيداً فـي محاولة حرف الأمم المتحدة عن أهدافها الإنسانية النبيلة، بل وتوظيفها لما هو نقيض تماماً لأهداف (الأمن والسلم الدوليين)، فإن دعوة السيد خاتمي للحوار بين الحضارات قد جاءت كمبادرة من قبل المجموعة الإسلامية لتذكر هؤلاء وأمثالهم من منظري (الصدام

بين الحضارات) والقائلين: » إن الحضارة الغربية الأوربية هي حضارة واحدة متفوقة دوماً «وإنّ كارثة الحرب العالمية الثانية التي جرت فـي معظمها على أرض، وبين دول وقوميات، وأيديولوجيات، وأسلحة، وجيوش هي فـي معظمها أوربية - غربية، وأن حضارة أوربا الغربية نفسها هي التي أفرزت أشخاصاً مثل هتلر وموسوليني، وأنها هي التي اخترعت أسلحة الدمار الشامل وأبادت بها مدناً ومنشآت حضارية كاملة سوتها مع سكانها بالأرض.

أي أن دعوة المجموعة الإسلامية للحوار بين الحضارات بمناسبة مرور نصف قرن على الحرب الكونية الثانية، وعلى إنشاء الأمم المتحدة كمنظمة لحفظ الأمن والسلم الدوليين كانت تحمل فـي أحد جوانبها رسالة تذكير وعبرة لمنظري الغرب مفادها أن الحضارة - أي حضارة - لم تكن يوماً جامدة ومكتملة» نهائية «، بل متحركة ومتفاعلة مع ذاتها ومع غيرها، تماماً مثل ما أن الحرب - أي حرب - لا يمكن أن تكون (حضارية) حتى ولو تم تسميتها بذلك، لأن الحرب بما تعنيه من قتل وتدمير، ومن خوف وعدم استقرار، ليست سوى النقيض للحضارة والمستهدف الرئيس لتدميرها وإفناء منتجاتها ومخرجاتها خصوصاً إذا أخذنا» الحضارة «بما هو معناها فـي اللغة، والذي يعني (القرار) والاستقرار ومن ثم البناء والإعمار.

لهذه الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية كلها، وبسبب أننا أصحاب الدعوة للحوار، وطرح الدعوة على مستوى المجتمع الدولي، فإن من الواجب الأخلاقي، بل القانوني أيضاً أن نعمل كل جهدنا من أجل إنجاح الحوار والوصول به إلى غاياته المرتجاة، ووفقاً لهذه الاعتبارات نفسها يكون علينا - نحن المسلمين - أن نذلل كل السبل من أجل هذا الهدف الرباني العظيم، حتى فـي زمن الحرب وحتى بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م، وبجديتنا فـي هذا السبيل تتأكد مصداقيتنا فـي ما نقوله ونطرحه على المستوى النظري والعلمي أيضاً.

٢ - إن علماء المسلمين ومفكريهم وفلاسفتهم وقادتهم وغيرهم من أبناء الحضارات الآسيوية والشرقية عموماً، ملزمون سياسياً بالدعوة إلى الحوار بين الحضارات، والعمل على تعميم ثقافة التفاهم والتسامح، والاعتراف المتبادل بين الأمم والحضارات، فـي هذه الحقبة بالذات ليس لأننا ضعفاء ومهزومون - ونحن كذلك بالفعل - ولا لأن (الحوار) والدعوة للتسامح هي سلاح الضعفاء والمهزومين، كما يقول بعضهم خصوصاً بعد أن وُضع المسلمون ودينهم وهويتهم فـي خط المواجهة العسكرية الأول من قبل قادة النظام العالمي (الصراعي) الجديد وأمام أسلحتهم واقتصادياتهم المدمرة (إن أشد خطوط التقسيم الحضاري عنفاً، هي تلك الموجودة بين الإسلام، وجيرانه الأرثوذكس، والهندوس) [٣]. بل لأن الحوار بين الحضارات هو سبيلنا الأنجع والوحيد أيضاً للدفاع عن الحضارات الأخرى والحفاظ على التنوع الثقافـي والحضاري العالمي، بما فـي ذلك الدفاع عن إنسانية الحضارة الغربية وأخلاقيتها التي باسم الدفاع عن تفوقها وتميّزها يعمل اليمين الأمريكي الأوربي المتطرف اليوم على اختطافها، وتجييرها لحسابه الخاص، ومن أجل تحقيق أهدافه الاقتصادية والعسكرية ولو أدى ذلك إلى التنكر لقيم ومبادئ الحضارة الغربية،

بل الأمريكية ذاتها إن جاز التعبير، أي أننا بالدعوة إلى الحوار بين الحضارات نسهم فـي تخليص الحضارة الإنسانية العظيمة فـي أوربا وأمريكا من أيدي مجرميها والساعين لتدمير كل ما هو جميل ونبيل فـي قيمها وأهدافها بواسطة تسعير الحروب والصراعات بين جميع أمم الأرض، وهي الحروب التي يدعون إليها ويحرضون على نشوبها بوضوح ودون خجل.

إننا ونحن نعارض تحويل الإنسان (وهو أكرم مخلوقات الله على هذه الأرض) إلى كائن استهلاكي غرائزي بواسطة / ب ٥٢ / - والبنك الدولي - ومنظمة التجارة العالمية، إنما نكون قد أعدنا الاعتبار للسيد المسيح عليه السلام ولكل أنبياء الله ورسله، بل لكل علماء الغرب الأوربي الأمريكي ومصلحيهم وفلاسفتهم أنفسهم، الذين عملوا ولا يزال الآلاف منهم يعملون من أجل الإنسان وسعادته وفـي سبيل إعمار الأرض واستخراج خيراتها.

٣ - إننا ملزمون، بالعمل الجاد والحثيث من أجل المساهمة فـي تحقيق دعوتنا للحوار بين الحضارات، لأننا وقبل أن نقدّمها رسمياً إلى المجتمع الدولي ملزمون بذلك (شرعاً، وديناً) إذ إننا - نحن المسلمين - نعتقد اعتقاداً جازماً بأن القرآن الكريم والنصوص الصحيحة من أحاديث الرسول الأعظم والأئمة العظام تحثنا على الحوار وتلزمنا به (… تعالوا إلى كلمة سواء … (، (… وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (، كما أن هذه النصوص المقدسة وأمثالها من آيات القرآن الكريم تدعونا وتحثنا على عدم فرض ديننا ومعتقداتنا وآرائنا على الآخر بالقوة، أو بالإكراه بقدر إلزامها لنا على ضرورة تعريف الآخر بأنفسنا وبديننا، وبما يحمله هذا الدين من قيم ومعانٍ ودلالات إنسانية عظيمة، (لا إكراه فـي الدين… (، (وما عليك إلا البلاغ المبين (، (لست عليهم بمسيطر (.

كما تلزمنا ويلزمنا ديننا الحنيف بضرورة إشاعة ثقافة العفو والتسامح، بل الود للآخر الديني والسياسي (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم… (، أكثر من هذا فإن القرآن الكريم يذكرنا دائماً حتى لانشط أو نطغى - إننا وغيرنا من البشر المخالفـين لنا فـي الرأي والعقيدة من أصل واحد، وأن لا فضل لإنسان على إنسان آخر إلا بالتقوى، والكسب، وبقدر ما يقدّمه لأخيه الإنسان من خير وسعادة وأمن وسلام… (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً ونساء وجعل بينكم مودة ورحمة… (، (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ٠٠ (، (وأن ليس للإنسان إلا ماسعى وأن سعيه سوف يرى (وإذا كان الحوار بين الحضارات هو التعريف، والتعارف، (والتأثر والتأثير) المتبادل بين» الأنا «و» الآخر «، فإن أفضل عنوان لهذا الحوار هي هذه الآية القرآنية الكريمة (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا (.

وكما هو الأمر فـي القرآن والأحاديث النبوية الصحيحة هو بالعقل والحكمة أيضاً اللذين يؤكدان أن مصلحتنا - نحن المسلمين - وكبني آدم أن نعيش فـي هذه الأرض بأمن وسلام، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا إذا قبلنا بالآخر، وتفاهمنا معه على العيش المشترك، وعلى الحفاظ على الحد الأدنى من مصالحنا وحقوقنا وكرامتنا الإنسانية والروحية.

إن النبي الأعظم محمد (ص) ما كان يمكن أن يكون النبي الخاتم لولا أن الله تعالى قد بعثه رحمة للعالمين، ولولا أنه جاء ليتمّم مكارم الأخلاق، ولولا أن غاية ابتعاثه إلى العالميين هي تأكيد القيم الإنسانية المشتركة والبناء عليها ومن حيث انتهى إليه الأنبياء والرسل والأئمة والمصلحون من بني البشر قبل بعثته الشريفة، ولهذا لا يكون المسلم مسلماً إلا إذا اعترف وآمن بالأديان والكتب السماوية الأخرى، (آمن الرسول بما أنزل إليه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ورسله لا نفرق بين أحد منهم … (.

إن الدعوة للحوار والتفاهم والاعتراف بحقوق الآخر بما فـي ذلك حقوق العدو، بل العفو عنه - إن أمكن - هي محور دعوة الإسلام كدين وكشريعة وقيم وأخلاق، كما أن تحقيق الأمن والسلام والرفاهية للإنسان وهو غاية ما أراد الله تعالى تحقيقه فـي جعله للإنسان خليفته فـي هذا الكوكب (قالوا أتجعل فـيها من يفسد فـيها ويسفك الدماء قال إني أعلم مالا تعلمون (.

شروط الحوار الداخلي وأولوياته

إذا كان كل ما أوردناه آنفاً يؤكد على مسؤوليتنا وواجبنا الديني والأخلاقي - نحن المسلمين - فـي المساهمة فـي إنجاح الحوار والوصول بالدعوة المطروحة من قبلنا إلى مقاصدها وغاياتها الإنسانية النبيلة، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هنا هو ذلك السؤال الكبير نفسه الذي يطرحه عنوان هذه الندوة المحترمة، أي ما الشروط والمواصفات التي ينبغي على أصحاب المبادرة حيازتها، حتى يستطيعوا بها ومن خلالها إنجاز مهمتهم الإنسانية النبيلة التي يدعون العالم إليها؟ وبمعنى أعمق إذا كنا كما أسلفنا مؤهلين على مستوى النظري لطرح الدعوة فهل نحن مؤهلون على مستوى العمل و» الواقع «لإنجاحها؟ .

فـي عددها الصادر بتاريخ ٢٥ / ١١ / ٢٠٠١م كُتب على الغلاف الخارجي من مجلة نيوزويك الأمريكية العنوان الآتي: (عصر حروب المسلمين !!…‍) وقد خصّصت المجلة العدد برمته لتأكيد هذا المعنى وللقول: إن ما يجري اليوم فـي العالم من صراعات ومن حروب مسلّحة وأعمال عنف وإرهاب هي فـي غالبيتها لاتعدو كونها إما حروب المسلمين ضد غيرهم أو حروب المسلمين ضد بعضهم بعضاً، موردة أرقاماً وإحصاءات معينة حاولت بها أن تؤكد فرضيتها هذه، ومع أن المجلة الأمريكية كتّابها الثلاثة [٤] لم يسموا الحرب التي تشنها اليوم الولايات المتحدة وحلفاؤها على أفغانستان والعراق وفلسطين وغيرها من دول العالم الإسلامي، إلا بكونها» حروباً ضد الإرهاب «أي حروباً ضد المسلمين. ومع أنها» أي المجلة «لم تقل جديداً خلافاً لما سبق وأن كتبه كل من فوكوياما وهنتغتون وأعادا تكراره مراراً حول» حضارة «وتفوق الغرب الليبرالي مقابل» بربرية «وتخلف الآخرين وبدرجة رئيسية المسلمين، وإذا كان هناك جديد فـيها فهو فـي درجة التحريض وإثارة الكراهية ضد العرب والمسلمين، وصلت عند فوكوياما إلى حد من» الوقاحة «يصعب قبولها من قبل أي إنسان له علاقة بالفكر وبالثقافة خصوصاً، وهو يطالب فـي المقال المذكور

القوات الأمريكية وحلفاءها بشنق مقاتلي وقادة» القاعدة وطالبان «على أعمدة الكهرباء فـي الشوارع والميادين العامة معتبراً ذلك شرطاً ضرورياً، ونسي أن يقول حضارياً لإسقاط نموذجهم (أي المسلمين) أمام أنفسهم وأمام الآخرين، وحتى يكونوا عبرة لمن سيأتي بعدهم ‍‍. !!

وبعيداً عن مثل هذه الأفكار الجهنمية لفوكوياما ولغيره من كتّاب اليمين الرأسمالي المتطرف، فإن ما يهمنا مما طرحه وأمثاله من كتّاب النيوزويك هو تسميتهم لما هو جارٍ اليوم بـ» عصر حروب المسلمين «وهي التسمية التي يراد إحلالها كما يبدو لتكون بديلاً لما يسمى» حرب مكافحة الإرهاب «، أو بدلاً من تسميتهم لها بـ» صدام الحضارات «، وهي التسمية التي كانوا قد نظّروا لها واكتشفوا مؤخراً - وبعد أحداث ١١ سبتمبر - أنها تسمية مستفزةً للحضارات الآسيوية الأخرى والتي يريد الأمريكيون اليوم تحييدها أو بالأصح إقحامها فـي الحرب ضد الأصولية الإسلامية أو» زمن حروب المسلمين «. !!

ثم إن ما ينبغي أن يلفت نظرنا - نحن المسلمين - هو أن كثيراً من الأرقام والإحصائيات التي أوردتها المجلة لتأكيد مقولتها الجديدة حول حروب المسلمين كانت فـي معظمها - للأسف - صحيحة. ومع أنه قد تم اجتزاؤها وفصلها عن سياقاتها الطبيعية بهدف توظيفها فـي المعركة غير المبررة ضد المسلمين.

إلا أن ما ينبغي الإقرار به من قبلنا ولاسيّما ونحن ندعو للحوار بين الحضارات، هو أن هناك بالفعل حروباً وصراعاً بل وأعمالاً إرهابية تحدث فـي أكثر من قطر عربي وإسلامي ويذهب ضحيتها مئات الأبرياء، كما أن هناك حروباً وأعمالاً إرهابية يقوم بها مسلمون ضد جماعات ودول وحضارات أخرى، وخطورة مثل هذه الحروب غير المبررة وغير المشروعة فـيما يخص موضوعنا تأتي من أن بعضها يرتكب باسم الإسلام وتحت عنوان الجهاد فـي سبيل الله، الأمر الذي يعطي لكل من يريد تشويه صورة الإسلام أمام الآخرين شيئاً من المصداقية من ناحية، ويحملنا - نحن المسلمين - شئنا أم أبينا، تبعات ما يحدث فـي بلداننا وما يقوم به بعضنا ضد مواطنيهم أو ضد من يخالفونهم فـي الرأي والعقيدة والهوية الحضارية، وأمام هذه المشكلة الحقيقية - التي ينبغي أن نعترف بها ونبذل جهدنا فـي سبيل حلّها والتخفـيف من تصاعدها وآثارها - يكون من الصعب علينا - أن نطالب بالحوار بين الحضارات والأمم المختلفة وإشاعة الأمن والسلام فـيما بينها دون أن نكون قد أجرينا حواراً حضارياً داخلياً لتحقيق الهدف الإنساني النبيل نفسه. إن حرباً جهادية يقودها اليوم من يسمي نفسه بأبي سياف فـي الفلبين تقطع فـيها رؤوس ا

لسوّاح والمواطنين الفلبينيين وتمثّل فـيها بأجساد الضحايا أمام عدسات الفضائيات هي حرب لايمكن توصيفها إلا فـي كونها جرائم بشعة وأعمالاً إرهابية بربرية ضد الإنسانية، وهو أمر لا يمكن أن يقره ديننا وعقيدتنا الإسلامية السمحة، ومع هذا فإنها تتم للأسف باسم الإسلام والجهاد فـي سبيل الله دون أن يحرّك المسلمون وعلماؤهم ساكناً.

الأمر ذاته ينطبق على ما حدث ويحدث حتى اليوم فـي الجزائر الشقيق من قبل بعض الجماعات الإسلامية المسلحة؛ والتي لا يخجل بعضها وهي تفتي بقتل الأطفال والنساء بحجة أن هؤلاء الضحايا هم إما أبناء الظلمة أو أقرباؤهم أو أنهم موالون للظلمة ‍!! وسواء كان هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالجماعات الإسلامية السلفـية المسلحة هم من يرتكب مثل هذه الأعمال الإجرامية ضد الأبرياء من النساء والأطفال، أم أن بعض عناصر الجيش والأمن الجزائري هي التي تقوم بارتكاب هذه الأعمال باسمهم، فإن الفرق من حيث النتيجة النهائية ليس كبيراً فجميعهم مسلمون أو ينتسبون إلى الإسلام، ولن ينظر إليهم الآخرين إلا على هذا الأساس ‍‍!! فـي السياق ذاته وإن كان الأمر هنا يتعلق بالصراعات الطائفـية والمذهبية بين المسلمين فإن جرائم بشعةً وأعمالَ عنف وإرهاب يذهب ضحيتها العشرات من الأبرياء تحدث ومنذ سنوات عدة فـي باكستان، بين جماعات سلفـية سنية وأخرى شيعية، ومع استمرار وتصاعد تلك الأعمال الهمجية التي هدِّمَت فـيها صوامع وبيع ومساجد يذكر فـيها اسم الله، إلا أننا لم نجد من العلماء والمفكرين والقادة السياسيين من الأحزاب والحكومات الإسلامية من يعمل على إدانتها واستنكارها، كما

أننا لم نجد من الأزهر الشريف، أو النجف وغيرهما من المؤسسات الدينية المعنية من يقف على أسباب تلك الصراعات المذهبية، أو يتعرف على جذورها وخلفـياتها ومن يقف من الأعداء خلفها ويعمل على تأجيجها وإدامتها.

والأكثر من هذا إننا لم نجد من علمائنا الكبار من يصدح بالحق ويفتي بتحريم مثل هذه الأعمال التي لا تمت للإسلام أو للشيعة وللسنة بأي صلة نسب أو قرابة، فـي الوقت الذي نجد فـيه سيلاً من الفتاوى التي تكفر المسلمين وتحث على قتالهم وإبادتهم قبل غيرهم، كما حصل ولسنوات عدة فـي ظل نظام طالبان مثلاً تجاه الشيعة أو الإسماعيلية، بل وتجاه السنة الأحناف من قوميات الطاجيك والأوزبك أيضاً!.

إننا بمثل هذه الأمثلة التي تبدو مؤلمة وقاسية لا نريد تأكيد حجج الخصوم الذين يتقصدون القول بأن الإسلام كدين وعلى خلاف بقية الأديان يدعو إلى العنف، وأن المسلمين والحضارة الإسلامية ليست سوى حضارة السيف، والقتال والغزو، كما أننا بهذا لانقول: إن الحروب والصراعات وأعمال الجريمة والإرهاب ستتوقف لمجرد إصدار الفتاوى بتحريمها، أو أن مثل هذه الأعمال الحربية والإرهابية غير موجودة فـي البلدان والحضارات الأخرى غير الإسلامية، بل هي موجودة وستظل موجودة فـي هذا العصر وفـي كل عصر عندنا أو عند غيرنا، ولها أسبابها وعواملها الذاتية والموضوعية والتي هي فـي الغالب عوامل وأسباب غير دينية سواء لدينا أو لدى غيرنا.

إن الأمر هنا ينحصر فـي التنبيه على وجود خلل كبير فـي فهم بعضنا وفهم بعض المذاهب والجماعات والأفراد التي تدّعي تمثيلها للإسلام، كما أننا بذلك وفـي ظل هذا الخلل نحاول القول: إننا وإن كنا نمتلك الأهلية الكاملة - نظرياً - فـي دعوتنا للحوار بين الحضارات، إلا أننا فـي الوقت ذاته بحاجة ماسة إلى حيازة الشروط الكافـية والواجب توافرها لأي أمة تود المساهمة الفاعلة فـي نجاح هذه الدعوة الإنسانية الخلاقة وتحقيقها.

وإذا كان الحوار بين الحضارات عملاً كبيراً ومتشعباً، وبالضرورة، متواصلاً ولاحدود له، فإن الحوار الداخلي والمراجعة النقدية داخل كل حضارة وبين علمائها ومفكريها وطوائفها ومذاهبها المختلفة جزء لا يتجزأ من الحوار العام والشامل مع الآخر الحضاري، تماماً كما هو شرط مكمّل له ويساهم فـي التسريع لإنجاحه وتحقيقه على مستوى النظر والفكر والعمل معاً.

إنّ كل هذه الحروب الصراعات وأعمال العنف والإرهاب الدائرة اليوم فـي أكثر من قطر عربي وإسلامي، وسواء تلك التي تقوم بها الجماعات الإسلامية المعارضة للسلطات الحاكمة أو تلك الأعمال القمعية التي تقوم بها الحكومات الاستبدادية فـي العالم الإسلامي ضد أبناء شعبها وضد المعارضين لسياستها، وحتى تلك التي تجري خارج البلدان الإسلامية وفـي نطاق بلدان الجوار الحضاري، والتي يقوم بها المسلمون أو بعض جماعاتهم، هذه كلها وغيرها لاتشير إلا إلى مدى تخلف المسلمين عن إسلامهم من ناحية، وعن غيرهم من الأمم والشعوب الأخرى من ناحية أخرى، وهذا التخلف نفسه الذي يتشعب ويمتد للأسف إلى كل مسارات الحياة الخاصة والعامة، سيظل يحول بيننا وبين إمكانية الحوار والتواصل مع الحضارات والثقافات الإنسانية، أو يعرقل جهودنا فـي العمل على تأسيس قواعد مشتركة للتفاهم مع الآخر دليلاً عملياً يستخدمه خصومنا وخصوم الحضارات عموماً للتأكيد على حتمية الصراع والحروب على أساس حدود الحضارات.

قضايا ينبغي طرحها

وإذا كان من حقي أن أطرح أفكاراً وآراء ومقترحات أزعم بأنها ستساهم فـي إنجاح الحوار الحضاري الداخلي والمراجعة النقدية للذات، كشرط مكمّل أو مساعد لإنجاح الحوار مع الآخر الحضاري فإنني ألخصها فـي النقاط الآتية:

١ - إننا - نحن المسلمين - نعيش فـي القرن الخامس عشر من تاريخنا الهجري، وفـي بداية الألفـية الثالثة من السنة الميلادية بحاجة ماسة إلى أن يقوم علماؤنا ومجتهدونا ومن خلال المؤسسات الدينية والتربوية والفكرية بالبحث والتأمل فـي آيات القرآن الكريم ونصوص السنة الصحيحة للخروج بنظرية واضحة ومفهومة نحقق بها مقاصد الشريعة الإسلامية فـي عصرنا الحالي، على اعتبار أن الإسلام هو الدين الخاتم صالح لكل زمان ومكان، كما يتحقق فـي هذا الجهد أو الاجتهاد الجماعي والمؤسسي غايات الإسلام الكبرى تجاه الإنسان كخلفـية لله تعالى من أجل إصلاح الأرض وتعميرها، ومن أجل إسعاد نفسه وبني جنسه فـي الدنيا والآخرة.

وإذا كانت إحدى مفردات هذا الإصلاح الديني المنشود هو أن يبذل العلماء جهودهم من أجل التوفـيق بين النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي يفهم منها الدعوة للقتال والجهاد المسلح بشكل مطلق، وضد الآخر عموماً كما يفهم منها، ومن منطوقها المباشر أن كل فرد من المسلمين معني بها وملزم بتطبيقها (قاتلوهم حتى لا تكون فتنة، …. ويكون الدين كله لله ( (اقتلوهم حيث ثقفتموهم …. (… الخ وبين تلك الآيات والنصوص، وهي الأغلب التي تدعو المسلمين كأفراد وجماعات إلى الحوار والتفاهم مع الآخر الديني وغير الديني وعدم الاعتداء عليه، بل تحقيق العدالة والمساواة والحرية له كإنسان بغض النظر عن دينه وأيديولوجيته السياسية. (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم أو يخرجونكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم … ( (لايجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ( (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعملوا صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون … [٥] (وإن الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (…. الخ.

وبتأكيد أكثر على المعنى المقصود فإن واحداً من وسائل الحوار الداخلي بين المسلمين اليوم هو القيام بما يشبه عملية (الإصلاح الديني) التي كان علماء الأمة الإسلامية الكبار قد بادروا إليها فـي بداية القرن الماضي بأفكار وآراء واجتهادات جمال الدين الأفغاني والكواكبي والقمي وشلتوت ومحمد عبده وغيرهم، ثم تراجعت الفكرة إلى الخلف بعد ذلك، بعد أن وجدت الجماعات السلفـية السياسية المعاصرة وساد التطرف والغلو والعنف بدلاً من التسامح والانفتاح.

٢ - المفردة الأخرى فـي هذا الإصلاح الديني المنشود، هو العمل فكرياً ومنهجياً بل عقائدياً فـي سبيل أن نخفف عن هذا الجيل أثقاف تاريخ الانحطاط الفقهي والمذهبي والسياسي الذي عاشته الأمة الإسلامية منذ عهد بني أمية حتى عهد بني عثمان، ومن تلاهم من الحكومات الاستبدادية، حتى فـي ظل الدولة القطرية المعاصرة.

٣ - الخطوة الثالثة من هذا الإصلاح الديني والاجتهادي المعاصر وهو العمل على إجراء تغيير كبير فـي مناهج الدراسة الدينية بما يحقق الإنسان المؤمن السوي المتطلع إلى تعمير الأرض وبنائها واستخراج خيراتها بدلاً من تدميرها وتدمير الحضارة الإنسانية فـيها، كما عملت وتعمل بعض الجماعات والحكومات فـي بعض تاريخنا وعدد من أقطارنا، وفـي هذا السبيل يكون على علماء المسلمين والمصلحين الاجتماعيين التربويين أن يعملوا من أجل أن تحقق مناهج تعليمية وتربوية كما يقول الأستاذ القدير محمد جابر الأنصاري (تربية العربي المسلم على تقبّل العربي المسلم الآخر، وكذلك مواطنه الآخر غير العربي وغير المسلم) [٦] إذ إن من يلغ أو يضطهد مواطنه الآخر يصعب عليه أن يحاور أو يعايش الآخر المنتمي إلى قوميات وأديان وحضارات أخرى. وفـي موضع الخلافات المذهبية يقول الأستاذ الأنصاري أيضاً حول هذه المناهج التعليمية والتربوية التي يجب أن يكون من أولويات واضعيها (تقديم مقررات فـي الثقافة العامة تشرح مختلف عناصر التراث الإسلامي والحضارة الإسلامية بصورة موضوعية ومسؤولة إلى الأجيال الجديدة أعني تحديداً أن يعرّف السنة عن الشيعة، والشيعة عن السنة، والزيديين عن الشوافع، وا

لشوافع عن الزيدية… الخ مماّ يوفر أساساً علمياً حقيقياً للفهم والتفاهم بمنأى عن التكفـير والتفسيق بين الفرق والمذاهب، فالناس أعداء ما يجهلون كما يقول الإمام علي (ع) [٧]. وفـي هذا السبيل ربما يكون من الواجب الديني والأخلاقي والإنساني على العلماء وعلى المؤسسات الدينية الكبرى كالأزهر الشريف والنجف الأشرف وقم المقدسة وغيرهما أن يعيدوا النظر فـي مفهوم (الجماعة المسلمة أو جماعة المسلمين) ومفهوم حديث (الفرقة الناجية) الذي كان ولا يزال القاعدة الأكبر فـي توليد التطرف والصراع وفتاوي التكفـير والتكفـير المضاد بين المذاهب والفرق الإسلامية المختلفة، حيث يعتقد كل مذهب وكل فرقة إسلامية أنها جماعة المسلمين وأنها وحدها على الحق المبين وأن الآخر المذهبي أو الكلامي على الباطل ومصيره دائماً إلى جهنم وبئس المصير والعياذ بالله.

٤ - وأخيراً فإن علينا - نحن المسلمين - ونحن نتوجه للحوار مع بعضنا بعضاً أو للحوار مع الآخر الحضاري أو الديني أن نعترف ونقر علناً وبملء الفم، بأنّ الاستبداد السياسي وتولي الحكم بالقوة والغلبة ومصادرة الرأي الآخر وقمعه واضطهاده، وهو ما مارسته الحكومات والأنظمة العربية والإسلامية منذ صدر الإسلام وحتى اليوم - مع استثناءات محدودة حصلت فـي هذا العصر أو ذاك - كان ولا يزال أحد أهم مصادر تخلفنا، وسبباً رئيسياً بل السبب الأول للعنف والتطرف الذي مارسناه ضد بعضنا وضد غيرنا، ومثلما أنه أحد العوامل الرئيسة فـي عدم قدرتنا على الحوار مع الآخرين، ما يعني أن واحداً من أهم الشروط التي علينا حيازتها لكي نسهم فـي إنجاح الدعوة المقدّمة من قبلنا حول الحوار بين الحضارات يتمثّل فـي أن نبدأ كعلماء ومثقفـين وأحزاب ومنظمات مدنية فـي النضال السلمي والمكثف والمتواصل من أجل ترسيخ قيم وتقاليد الشورى والديمقراطية والحرية السياسية وحق المواطن الفرد أن يختار حكّامه وولاة أمره بحرية كاملة دون إملاء أو ضغط من أية جهة كانت، إذ إنّ ذلك وحده هو الذي يجعلنا كأمة أفراد وجماعات أكثر قدرة وأكثر كفاءة، بل أكثر أهلية وشجاعة، لأن نخوض غمار الحوار والتف

اهم مع الآخرين.

الحوار مع دول وثقافات الجوار الحضاري

إذا كان الحوار النقدي الداخلي بالنسبة للمسلمين أو لأي أمة أخرى هو أحد الشروط المكملة والمسرعة لإنجاح الحوار مع الآخر أو مع الحضارات الأخرى، فإنّ قيام مفكري المسلمين وعلمائهم وقادتهم بإجراء حوار جاد ومسؤول ومتواصل مع شعوب ودول وثقافات الجوار الحضاري للمسلمين فـي وسط وشرق آسيا، والمتمثلة اليوم بدول وأيدلوجيات كبرى وبشعوب وأمم عظيمة لا يقل دروها فـي صناعة التاريخ الإنساني، وفـي التقدم المدني والعرفاني، بل وفـي تقديم ماهو خير ومفـيد للإنسان والإنسانية عموماً، عن غيرها من الحضارات الإنسانية الأخرى، إذا لم نقل إن هذه الحضارات بالنسبة لنا وللبشرية عموماً وللتاريخ الإنساني وبالنسبة لأمن واستقرار العالم المعاصر أكثر من غيرها من الحضارات من جوانب عدة ليس أقلها العدد الهائل من السكان الذين يصل عددهم اليوم إلى ما يزيد على نصف عدد سكان المعمورة، فضلاً عن التنوع الروحي والثقافـي المبدع الذي يميز مجتمعاتها، والتفاعل بل التمازج بين الفلسفات والديانات والفنون داخلها وبين مكوناتها التي كانت وستظل أحد الأدلة الدامغة على إمكانية بل ضرورة التعارف والتعايش بين الثقافات والحضارات المتنوعة، ومن ثمَّ فـي نفـي نظرية حتمية الصراع بي

ن الحضارات.

إن المقصود هنا بحضارات الجوار الآسيوي للمسلمين، كل من الحضارة الهندية والحضارة الصينية - الكنفوشيوسية - والحضارة الأرثوذكسية السلافـية - روسيا وبعض دول شرق أوروبا - والحضارة اليابانية البوذية، الخ …

ومع ملاحظة أن أخذ الحوار مع الحضارات الآسيوية، والمسيحية الشرقية كأولوية بالنسبة لنا - نحن المسلمين - لاتعني الدعوة إلى التوقف عن الحوار مع بقية الحضارات، ومنها الحضارة الغربية الأوروبية أو الديانتين المسيحية [٨] واليهودية، إلا أننا نعتقد - وهي وجهة نظري على كل حال - أن إنجاز الحوار أو الوصول به إلى مراحل متقدمة هذا سيكون شرطاً مكمّلاً لإنجاح الحوار مع أوربا. أما لماذا ينبغي أن نتحاور مع الحضارات الآسيوية فلأسباب عديدة يمكن الإشارة إلى بعضها كما يأتي:

- يكتسب الحوار مع هذه الحضارات بعداً منطقياً وطبيعياً بسبب الوحدة الجغرافـية للحضارتين، كما يأخذ أهميته الثقافـية والتاريخية لوجود عامل كبير ومؤثر فـي مسارات الحوار بين الحضارات، يتمثل فـي أن الإسلام نفسه كدين وكمكوّن حضاري يعدُّ جزءاً لا يتجزأ من نسيج كل الحضارات الآسيوية الكبرى تقريباً، إذ يصل عدد المسلمين اليوم فـي الهند وحدها - وهي مركز الحضارة الهندية - إلى قرابة المئتي مليون نسمة، ويبلغ عددهم فـي كل من الصين الشعبية وروسيا الاتحادية وهما مركزا الحضارتين الكنفوشيوسية والأرثوذكسية ما يتجاوز الثمانين مليون نسمة، وإذا ما لاحظنا أن الثقل السكاني للمسلمين عموماً يتركز اليوم فـي شرق آسيا وفـي وسطها أي فـي الدول الملحقة حضارياً بحضارات آسيا الكبرى، وإذا ما أضفنا إلى العامل السكاني عاملاً آخر لا يقل أهمية، هو العامل التاريخي والثقافـي، أي أن وجود المسلمين فـي هذه البلدان وضمن حدود تلك الحضارات وجود قديم قدم بعض الحضارات الآسيوية نفسها، بل إن وجود الإسلام فـي روسيا الاتحادية مثلاً يسبق وجود العقيدة الأرثوذكسية التي تمثل اليوم المكوّن الأهم والأكبر لحضارة شعوب روسيا وبعض شعوب شرق أوربا.

لقد عاش المسلمون فـي هذه البلدان مع مواطنيهم الآسيويين من أتباع ومعتنقي الأديان السماوية والفلسفات الإنسانية الأخرى مئات السنين، وكوّنوا معهم نسيجاً وحضارة واحدة منسجمة فـي تنوعها وخلاّقة فـي عطاءاتها وإبداعاتها وسواء كان ذلك فـي مايخص الآداب والفنون، أو فـي ما يخص العلوم التطبيقية المختلفة، كما أننا وخلال هذه الحقب التاريخية الطويلة من التعايش لم نسمع أن فظاعات ومجازر جماعية أو تطهيراً عرقياً أو محاكم للتفتيش قد نصبت أو ارتكبت ضد المسلمين باعتبارهم مسلمين كما حصل فـي بعض أقاليم أوربا فـي بعض الحقب التاريخية مثلاً. نعم كانت تحدث حروب وصراعات مسلحة وفـيها وفـي أثنائها ارتكبت فظاعات ضد الإنسانية سواء من قبل المسلمين، أم من قبل غيرهم لكنها فـي الغالب الأعم كانت ترتكب من قبل جيوش نظامية، وبسبب نزوات الحكام وبدوافع نفسية مرضية للحكام والأنظمة الاستبدادية أو من قبل القبائل الهمجية غير المتحضرة، كما حصل من ناحية التتار والمغول حيناً ومن قبل الأتراك المسلمين [٩] حيناً آخر، نخلص إلى القول: إن عامل الوجود السكاني للمسلمين فـي آسيا والوجود الحضاري للثقافة الإسلامية تاريخياً من ناحية أخرى، هو ما ينبغي ان نلتفت إلية كأح

د أهم جسور التواصل بيننا وبين الحضارات الآسيوية الحيّة والفاعلة.

إن مد جسور التفاهم والحوار بين المسلمين وبين جوارهم الحضاري الآسيوي فـي الهند وروسيا والصين واليابان، بل جميع الدول والشعوب الآسيوية بما فـيها الدول الإسلامية كماليزيا وأندونيسيا التي تمتلك ثقافات وهويات حضارية، هي - فـي الحقيقة - مزيج من الحضارة الإسلامية وبعض حضارات شرق آسيا أمر فـي غاية الأهمية ليس لشعوب أبناء هذه الحضارات وثقافاتها، بل بالنسبة لشعوب وثقافات العالم، إذ إن إشاعة روح التفاهم والتسامح بين حضارات كبرى عريقة يمثّل أتباعها أكثر من نصف عدد سكان المعمورة لابد أن ينعكس أمناً وسلاماً وتعايشاً على النصف الآخر من هذا الوجود الإنساني على الأرض.

إن علينا أن نلاحظ - وفـي سبيل دعوتنا للحوار مع هذه الحضارات - أن جميع الحضارات الآسيوية تقريباً ومنها الحضارات الصينية والروسية والهندية وإلى حد ما اليابانية، قد وضعت من قبل الغرب الرأسمالي فـي الخانة نفسها التي وضعت فـيها الحضارة الإسلامية أو بالقرب منها، أي على خط المواجهة العسكرية والاقتصادية القادمة والتي يخطط لها اليمين الرأسمالي الصهيوني والتي بدأ فعلاً فـي تنفـيذ خطته بوضوح مبتدأ بالمسلمين بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م وبهدف الهيمنة المطلقة على دول وشعوب واقتصاديات العالم وتمزيق هوياتها الثقافـية والدينية لصالح (قيم) السوق والقيم الفردية الغرائزية، وإذا كان هنتغتون قد ركّز على الخطر الإسلامي فـي كتابه (صدام الحضارات) ويليه الخطر الصيني، فإنه وفـي تقريره الاستراتيجي الأمني والعسكري نفسه لم يتجاهل الإشارة إلى الاختلافات الجذرية بين (حضارتهم) وحضارات (الآخرين)، أي الحضارات الآسيوية الأخرى بما فـي ذلك الحضارة اليابانية نفسها، أي أنه بذلك كان يحدد الخطوط والأنساق الأولى والآتية فـي معركة الغرب ضد الآخرين، وإذا ما أخذنا هذا التحذير بجدية خصوصاً وأن السياسات القائمة للولايات المتحدة وحلفائها ليست سوى تنفـيذ لل

مخططات التي سبق وأن وضعها خبراء الأمن والجيش والمؤسسات التجارية الرأسمالية الكبرى، فإن الاقتراب من جهتنا باتجاه حضارات الجوار الآسيوي لايعدو كونه مساهمة فـي الحدّ من آثار الهجمة الاستعمارية العولمية القادمة من خلال إحداث شيء من التوازن السياسي والاقتصادي، لكي نمنع الحرب القائمة فعلاً أو لكي نحدّ من آثارها المدمرة للإنسان والحضارة الإنسانية، أي أننا نضغط بوسيلة إنسانية نبيلة، وهي الحوار لإيقاف هدف شيطاني هو الحرب والصراع والهيمنة.

إن علينا - نحن المسلمين - ونحن نلمس ما يمكن أن يفرزه ما يسمى بالنظام العالمي أحادي القطبية من مآس وحروب، ومن محاولات حثيثة ومكشوفة للهيمنة على الآخر الضعيف وبهدف سحقه وتدمير ثقافته، وجرح كرامته الإنسانية واستفزاز ضميره ومشاعره الدينية، أن نتذكر أننا قد أخطأنا خطأً فادحاً عندما انخرطنا حكومات وشعوب ومنظمات سياسية ودينية فـي الحرب الباردة إلى جانب الولايات المتحدة وحلفائها فـي المعسكر الرأسمالي، من أجل إسقاط الاتحاد السوفـيتي والمعسكر الاشتراكي عموماً والذي كان يمثّل أحد أهم أركان التوازن الدولي، وحين تم للغرب الرأسمالي ما أراده وخطط وعمل من أجله، اكتشف العرب والمسلمون وغيرهم من شعوب وبلدان العالم الثالث - فجأة - أنهم قد أصبحوا كالأيتام وحيدون بلا سند ولا ظهر يسند قضاياهم ويدافع عن حقوقهم المشروعة، ومن هنا وحتى لا نعيد تكرار الأخطاء والخطايا القاتلة التي ارتكبناها فـي حق أنفسنا أولاً وفـي حق غيرنا ثانياً، علينا ألا نشترك فـي الحرب أو الحروب الدائرة اليوم فـي أكثر من دولة وحضارة آسيوية بهدف تمزيق كياناتها، وتدمير ثقافاتها وهوياتها والتي تتم - للأسف - على أيدي مسلمين كما هو حاصل الآن فـي القوقاز فـي روسيا الات

حادية وفـي بعض أقاليم الصين الشعبية، كما أن علينا ألا نترك دول المنظومة الآسيوية وحضاراتها واقتصادياتها وثقافاتها المستهدفة وحيدة، بل إن قيمنا وتاريخنا المشترك بل وحاجاتنا للاستقلال والسيادة تفرض علينا أن نفتح أسواقنا لسلعهم ومنتوجاتهم، وقبل ذلك أن نزيد فـي حجم التبادل الثقافـي الحواري معهم وبالذات مع الصين وروسيا الاتحادية اللتين تواجهان بالفعل ضغوطاً هائلة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها من دول الرأسمالية المتوحشة.

وإذا كان المطلوب الأهم من أجل إعادة التواصل الحضاري بين الحضارة الإسلامية والحضارات الآسيوية، يبدأ بمبادرة من قبلنا نستكشف أو نعيد اكتشاف ماهو مشترك فـي ثقافاتنا وقيمنا الإنسانية وما يمكن أن يقوم به المثقفون والعلماء والفنانون، والأحزاب والمنظمات المدنية والحقوقية، فإن الحكومات الإسلامية لابد أن تضطلع بدور مواز ومكمّل ألا وهو العمل على تخفـيف حدة الصراع والتوتر الجاري اليوم بين الأقليات المسلمة وبين حكومات وشعوب آسيوية عدة، وبمعنى آخر علينا أن نعمل من أجل أن يكون وجود المسلمين فـي هذه البلدان والحضارات - كما كان من قبل - جسراً متيناً لهذا التواصل الحضاري الخلاق، ومدخلاً فاعلاً للحوار والتعاون بيننا وبينهم، لا أن يكون هذا الوجود كما هو الآن وكما يحاول الغرب أن يجعل منه وسيلة للقطيعة والفرقة والخلاف.

***

* الجمهورية اليمنية

[١] - سهيل فرح لقاء الثقافات أم صدامها - مجلة شؤون الأوسط - العدد١٠٤.

[٢] - منظمة المؤتمر الإسلامي وكان الرئيس الإيراني رئيساً للقمة الثامنة للمؤتمر الإسلامي.

[٣] - هنتغتون» صدام الحضارات «ص٣٢٠

[٤] - كتب فـي العدد نفسه كل من فوكوياما، وهنتغتون، وفريد زكريا والأخير يشغل منصب رئيس تحرير مجلة نيوزويك الناطقة باللغات غير الانجليزية‍‍.

[٥] - ‍‍البقرة / ١٦٢.

[٦] - ‍‍مجلة العربي العدد» ٥١٨ «يناير ٢٠٠٢م.

[٧] - ‍‍محمد جابر الأنصاري - مجلة العربي العدد» ٥١٨ «تاريخ / يناير ٢٠٠٢م.

[٨] - المقصود هنا المسيحية» مسيحية روما والمسيحية الكاثولوكية - البروستانتية «.

[٩] - ‍‍المقصود هنا ما حصل من مجازر ضد الأرمن من ناحية وضد بعض الشعوب الأوربية السلافـية من ناحية أخرى.



[ Web design by Abadis ]