ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حوار الحضارات و العلاقات الدولية \ د. طلال عتريسي *

يبدو الحديث عن حوار الحضارات فـي هذه الأوضاع الدولية أكثر صعوبة وأكثر تعقيداً مما كان عليه الحال عندما تبنّت الأمم المتحدة هذا الاقتراح الذي قدمه الرئيس الإيراني محمد خاتمي لاعتبار عام ٢٠٠١ عاماً لحوار الحضارات.

فالحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية على ما تسمية الإرهاب على مستوى العالم، وتعدُّها حرباً مفتوحة لا أحد يعلم متى ستتوقف، أشاعت مناخاً من القلق والاضطراب فـي أوساط الحكومات والشعوب فـي بلدان العالم كلها. وربما أمكن القول: إنه من سوء حظ عام الحوار بين الحضارات أن تكون الأشهر الأخيرة منه هي أشهر الحرب الأميركية التي أعادت إلى أذهان الكثيرين مقولة "صدام الحضارات" التي أطلقها هنتغنتون قبل سنوات بعد نهاية الحرب الباردة.

لم يكن لأطروحة الصدام هذه أن تجد مكاناً لها فـي أوساط الباحثين والمفكرين لولا غياب الاتحاد السوفـياتي خصم الغرب التقليدي الذي استمر طيلة نصف قرن عدواً ثابتاً له. ومع اختفاء هذا العدو، بحث منظّرو الغرب وقادته السياسيون والاستراتيجيون عن عدو آخر حقيقي أو محتمل. مما أدى إلى شيوع مقولة "الخطر الأخضر" والمقصود به الإسلام، الذي سيكون تهديداً مقبلاً للحضارة الغربية بدل "التهديد الأحمر" الذي طويت صفحته. وأطروحة صدام الحضارات هي جزء من هذه المنظومة من التفكير التي رأت فـي الإسلام عدواً محتملاً للغرب، وأضاف هانتنغتون كما هو معروف فكرة التحالف بين الإسلام وبين الكونفوشية لمواجهة حضارة الغرب، معتبراً أن الصراعات المقبلة ستكون ذات طابع حضاري بعدما انتهت الصراعات ذات الطالع الإيديولوجي.

وفـي معرض الردود على هذه الفرضية كتب الكثير لتبيان عدم صحتها أو للدعوة إلى نقضها أو حتى لرفضها…. وقد تقاطعت هذه الردود التي جاءت من بلدان مختلفة إسلامية وأوروبية، وكتبها مثقفون وباحثون وسياسيون، عند الدعوة إلى حوار الحضارات كبديل مطلوب فـي العلاقات بين دول العالم وشعوبه، عن الصدام المفترض الذي بشر به هنتنغتون. وقد استجابت الأمم المتحدة أيضاً لهذه الدعوة إلى الحوار، واعتبرت عام ٢٠٠١ عاماً لحوار الحضارات وفقاً لطلب الرئيس محمد خاتمي كما أسلفنا.

لم تكن هذه الاستجابة من أهم منظمة دولية لدعوة الحوار بين الحضارات بعيدة عن سياق ما كان يجري فـي العالم من تحولات فـي السنوات الأخيرة. فالتفرد الأميركي الذي كرسته حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١، وانهيار الاتحاد السوفـياتي وما نجم عن ذلك على المستويات الدولية والإقليمية لم يعد كما كان فـي بداية عقد التسعينيات. فعلى المستوى الإقليمي كان من أبرز نتائج تلك المتغيرات بداية عملية التسوية والمفاوضات العربية الإسرائيلية، واستراتيجيته الاحتواء المزدوج لإيران والعراق. أما على المستوى الدولي فكان المطلوب أمريكياً عدم السماح بتشكيل أي قوة تنافس أو تهدد على المستوى الاستراتيجي، نفوذ الولايات المتحدة وقيادتها للعالم. إلا أن ما جرى فـي السنوات الأخيرة من العقد الماضي بدا وكأنه تفلّت إقليمي ودولي من هذه الرغبة الأمريكية فـي تشديد قبضتها على العالم، فحصار العراق أوشك أن ينهار بعدما خرقته دول أوروبية وعربية وإسلامية وحطت بطائراتها "الإنسانية" على أرض بغداد، على الرغم من استنكار الولايات المتحدة ووعيدها، واحتواء إيران سقط مع تدافع الشركات الأوروبية لتحصيل عقود نفطية وتجارية واستثمارية، ومع فتح أوروبا أبوابها أمام القادة والمسؤو

لين الإيرانيين، ومع تقدم العلاقات العربية الإيرانية التي شهدت أفضل مراحلها فـي السنوات الفائتة منذ انتصار الثورة إلى اليوم. كما أن مشروع التسوية السلمية الذي كان يفترض به أن يجعل إسرائيل جزءاً عضوياً من منظومة المنطقة العربية السياسية والاقتصادية والأمنية، أخفق بدوره واصطدم بحائط صلب من التشدد الإسرائيلي على اختلاف الحكومات من "حمائم" وصقور ومن حزب العمل إلى حزب الليكود. وترافق ذلك مع تنامي حركة المقاومة فـي الداخل الفلسطيني التي تجسدت فـي الانتفاضة التي كانت بمنزلة "صدمة" لكل الرهانات على مسار التسوية. وخصوصاً أنها أتت بعد الهزيمة التي تعرض لها جيش الاحتلال الإسرائيلي فـي جنوب لبنان فـي أيار عام ٢٠٠٠.

ومن يجمع عناصر هذا المشهد الإقليمي فسوف يجد أن الولايات المتحدة الأميركية فقدت بعض سطوتها التي ابتدأت بها العقد الماضي، وهذا أمر لم يكن من المتخيل فـي الحسابات الأميركية التي افترضت أن حرب الخليج الثانية وغياب الاتحاد السوفـياتي سوف يسقط المنطقة برمتها فـي مشروع "شرق أوسطي" لم يقيض له لاحقاً أن يبصر النور.

كما شهد العقد الماضي على المستوى الدولي مشهداً مماثلاً للمشهد الإقليمي فـي توقه إلى التفلت من الإدارة الأميركية لشؤون العالم. فأوروبا، مهما قيل فـي خضوعها للسياسة الأميركية، سعت جاهدة إلى إنجاز تشكيل اتحادها ثم عملتها الموحدة ثم قوتها العسكرية الخاصة، وروسيا التي تحتاج المساعدات والقروض من المؤسسات الدولية ومن الولايات المتحدة، لم تتخل عن طموحاتها الإقليمية والدولية. فها هي تعقد معاهدة صداقة وتعاون مع الصين فـي مجالات النقل والتجارة والطاقة والتبادل التكنولوجي والتسليحي وفـي المجالات السياسية والاقتصادية. ويؤسس مع الصين أيضاً "منظمة شانغهاي للتعاون" التي تـضم إليها كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان ويربط بينها شبكة من الطرق ومن سكك الحديد… كما رفضت روسيا الضغوط الأميركية المتواصلة لمنع تعاونها النووي مع إيران. وهذا يعني احتمال نشوء قوة أو قوى إقليمية كبرى فـي هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم الغنية بالنفط والغاز قد تشكل تهديداً مستقبلياً للنفوذ الأميركي على المستوى العالمي. ويمكن أن نضيف إلى ذلك كله تصاعد مشاعر العداء للولايات المتحدة فـي أماكن كثيرة من العالم. ومظاهر السخط والغضب ضد سياساتها ك

ما حصل فـي مؤتمر محاربة العنصرية فـي دربان فـي العام الفائت ٢٠٠١.

وما نريد قوله من خلال استعراض هذين المشهدين الإقليمي والدولي فـي السنوات الأخيرة من العقد الماضي أن العالم كان يبحث عن علاقات أقل تشنجاً فـي علاقات دوله ببعضها، كلما استطاع الابتعاد ولو نسبياً عن دائرة النفوذ الأميركي وعن دائرة التدخل الأميركي فـي شؤون هذه الدول كما ألمحنا إلى ذلك. وفـي هذا المناخ "الإيجابي" من العلاقات الدولية لقي "حوار الحضارات " صدى طيباً فـي المحافل الدولية كلّها. فعقدت من أجله عشرات المؤتمرات واللقاءات. كما وضع مشروع الحوار على جدول أعمال منظمتي المؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة. وساهمت إيران صاحبة الاقتراح فـي عقد مؤتمرات وندوات وورش عمل عدة فـي أماكن كثيرة من العالم، بموازاة مؤتمرات وندوات أخرى نظمتها جامعات ومراكز بحثية، إلى المقالات والدراسات التي نشرت فـي دوريات عربية وإسلامية وأجنبية تدافع عن فكرة الحوار وتدعو إليها، وترفض فكرة الصدام ومبرراتها.

ومن الملاحظ فـي ما ذهبنا إليه من استعداد لقبول أطروحة "حوار الحضارات" فـي إطار المشهدين الإقليمي والدولي اللذين أشرنا إليهما تزايد الدعوات إلى فكرة الحوار نفسها بأشكاله كلها. فقد عرفت السنوات الماضية دعوات، إلى الحوار بين الأديان وإلى الحوار الإسلامي - المسيحي، وإلى حوار الشمال والجنوب، والحوار الأوروبي المتوسطي، وكذلك دعوات من أجل التربية على السلام، والتربية على التسامح، وعلى إدارة الصراعات بطريقة بناءة [١] … ومهما تباينت غايات الداعين إلى هذه اللقاءات والنتائج التي حققوها، فإنه من غير الممكن أن نعزل حوار الحضارات وفرص نجاحه أو معوقاته عن المناخ الدولي الذي يحيط به. وهذا يقودنا إلى ما حدث فـي ١١ أيلول / سبتمبر وتداعياته الإقليمية والدولية وانعكاس ذلك كله على حوار الحضارات.

فقد بادرت الولايات المتحدة مباشرة بعدما تعرضت له فـي ذلك اليوم إلى اعتبار المعركة التي تخوضها هي معركة الخير ضد الشر، وأن الاعتداء الذي حصل عليها هو اعتداء على الحضارة الغربية، كما كرر ذلك الرئيس بوش نفسه أكثر من مرة… وأن على جميع دول العالم وقادته الالتحاق بهذه المعركة المفتوحة ضد الإرهاب. لأن من لا يقف مع الولايات المتحدة فـي هذه الحرب فسيكون حتماً مع الإرهاب. وترافقت هذه التهديدات مع مناخات إعلامية وإجراءات ميدانية فـي داخل الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا ضد العرب والمسلمين، ومع تصريحات من هنا وهناك لبعض الزعماء السياسيين فـي أوروبا تنتقد الإسلام وحضارته… وعلى الرغم من محاولات لاحقه من زعماء آخرين لتأكيد أن المعركة ضد الإرهاب ليست حرباً ضد الإسلام، وأن المسلمين شيء والإرهاب شيء آخر، وعلى الرغم من زيارات قام بها هؤلاء إلى مساجد ومؤسسات إسلامية، إلا أن ما جرى لاحقاً من تجميد أرصدة جمعيات إسلامية مختلفة عزز لدى الكثيرين فكرة استهداف المسلمين بذريعة محاربة الإرهاب.

ومن الطبيعي فـي مناخ مماثل، من التوتر والاتهام المتبادل أن يتراجع الاهتمام بالحوار بين الحضارات. فكيف إذا أضفنا إلى هذا المناخ الالتحاق الأوروبي بالسياسة الأميركية فـي تصنيف حركات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي بأنها حركات إرهابية ينبغي العمل على تفكيكها، وخصوصاً حركة حماس، والجهاد الإسلامي فـي فلسطين المحتلة. وكذلك التهديد الأميركي المتواصل بأن المرحلة الثانية من هذه الحرب على الإرهاب ستنتقل إلى دولة إسلامية أخرى مثل العراق أو الصومال أو السودان أو سواها…

هذا وقد فرضت الولايات المتحدة منذ ١١ أيلول / سبتمبر إلى اليوم قضية واحدة على دول العالم جميعها ينبغي محاربتها بالتعاون معها هي قضية الإرهاب. فتراجعت إلى الخلف كل القضايا الأخرى مثل التلوث والفقر والبيئة وحقوق الإنسان والعنصرية والمناخ… وغير ذلك مما كان يمكن أن يشكل همّاً مشتركاً لدول العالم وشعوبه ويساهم فـي تلاقيها وتعارفها وفـي عملها معاً لدفع الأخطار التي تهدد حياة البشر جميعاً.

إن الشروط التي يفترضها أي حوار وخصوصاً بين الحضارات لابد أن يستند إلى مجموعة من المبادئ أو المرتكزات التي سبق وأشار إليها الكثيرون فـي عشرات المقالات التي صدرت رداً على أطروحة الصدام، أو دفاعاً عن فكرة الحوار كما أن الرئيس خاتمي نفسه تعرض إلى بعض هذه القواعد عندما تحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فـي ١٩٩٨ وأمام اليونسكو فـي ١٩٩٩ [٢] ويمكن أن نلخص تلك الشروط بالنقاط الثلاث الآتية:

١ - مصلحة مشتركة للطرفـين المتحاوريـن: وبدون هذه المصلحة لن يجد أي طرف دافعاً لمثل هذا الحوار.

٢ - الاعتراف بالآخـر: وبدون هذا الاعتراف يفقد الحوار مبرراته. والاعتراف هنا يتضمن الإقرار بخصوصية هذا الآخر وبحقه فـي الوجود وبالمحافظة على مقومات بقائه الثقافـية، وهذا يفترض أيضاً تسليماً متبادلاً بالاختلاف.

٣ - تحديد أهـداف الحـوار: وهذا يعني الاتفاق على المصالح أو القضايا السياسية أو الثقافـية أو الدينية التي سيتم الحوار بشأنها. وهذا يفترض حق إبداء الرأي بشكل متساو من دون أي سلطة يمارسها أحد الأطراف على الآخرين… لأن الحوار لا يمكن أن يتم فـي ظل العنف أو القهر الفكري أو النفسي أو المادي. أو كما يقول الرئيس خاتمي نفسه "من أجل أن يتحقق حوار الحضارات فهو بحاجة إلى السلام، وبعدما يتحقق الحوار فإن ذلك من شأنه أن يديم السلام… إن حوار الحضارات غير ممكن إلا ببذل المساعي الصادقة لفهم الآخرين وليس التغلب عليهم…"

والآن: ما هي فرص تحقق هذه المبادئ للحوار فـي الواقع الدولي الذي نعيشه اليوم؟

من شرط الحوار الأول هو وجود مصلحة مشتركة للطرفـين تبدو هذه المصلحة غائبة إن لم تكن مفقودة عند الطرف أو الأطراف التي تمثل الحضارة الغربية فـي الواقع الراهن. فالولايات المتحدة الأميركية ومن خلال الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية وحتى الثقافـية التي تفرضها على العالم بما فـيها أوروبا نفسها لا تبدو معنيّة كثيراً بمصالح مشتركة مع الآخرين. فمن مواقع القوة التي تمتلكها لا تفعل سوى دعوة بقية العالم إلى الالتحاق بسياساتها، كما فعلت منذ ١١ سبتمبر إلى اليوم.

أما الدعوات التي أطلقها هذا المسؤول الأميركي أو ذاك من أجل احترام الثقافات ومن أجل الفصل بين السلام وبين الإرهاب، فكانت تهدف من جهة إلى تهدئة الغضب فـي العالم الإسلامي من جراء عملياتها فـي أفغانستان ومن جهة ثانية الحد من موجة العنصرية التي تفاقمت فـي الولايات المتحدة نفسها ضد العرب والمسلمين… من دون أن تعني تلك الدعوات رغبة حقيقية فـي حوار بين الحضارات.

أما ماصدر فـي أوروبا من دعوات، كتلك التي أطلقها الرئيس الفرنسي جاك شيراك فـي خطابه السنوي لدى استقباله أعضاء السلك الدبلوماسي فـي السنة الجديدة ٢٠٠٢: "من أن الدول يمكن أن تساهم فـي حوار الثقافات الذي يشكل ضماناً حقيقياً للسلام". فإن المقصود هنا هو السلام فـي الشرق الأوسط "لأن عدم تحقيق هذا السلام وعدم العودة إلى المفاوضات كما يقول الرئيس الفرنسي سيجعل المتطرفـين يتحكمون باللعبة" [٣]. وربما أمكن القول هنا: إن مصلحة فرنسا تقتضي مثل هذا الحوار بحثاً عن دور مفقود فـي الشرق الأوسط تحتكره الولايات المتحدة الأميركية وتمنعه عن أوروبا. كما أن الالتحاق الأوروبي والروسي والصيني بالولايات المتحدة فـي حربها المفتوحة ضد الإرهاب منذ ١١ أيلول إلى اليوم، حتى لو كان التحاقاً قسرياً أكثر منه التحاقاً طوعياً فإنه يعكس حالة من القلق والتوتر ومن المخاوف تسود العلاقات الدولية فـي هذه المرحلة.

وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية لا تكترث بنداءات أوروبا من أجل ما تسميه فرنسا الاستثناء الثقافـي فـي الاتفاقيات الدولية، فهي لن تكترث بطبيعة الحال بالآخر الإسلامي وتعترف به وبخصوصيته وبمقومات بقائه الثقافـية. وربما يتعين على أوروبا فـي هذا المجال أن تكون صاحبة المبادرة لتلقف رغبة الدول الإسلامية التي تؤكد تمسكها بحوار الحضارات فتبادر إلى استئناف هذا الحوار أو إلى توفـير الفرص من أجل توسيع آفاقه من دون انتظار ما ستؤول إليه الحرب الأميركية على الإرهاب. وما يساعد أوروبا على أن تلعب هذا الدور، ليس قلقها الثقافـي فقط، وإنما صلاتها التاريخية بالشرق وبلدانه وقربها الجغرافـي والمعرفـي من ثقافته وشعوبه، أما الشرط الأهم لنجاح مثل هذا الدور وللحوار المرتبط به فهو قبول الآخر كما هو من دون أي اعتراض على قيمه الثقافـية والتربوية والأخلاقية…

إذ لايمكن على سبيل المثال أن تنتقد بعض السفارات الأوروبية ومن خلفها منظمات أوروبية عدة المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وأن تدعو إلى عدم التعامل معها وأن تمنع عنها المساعدات، لأن هذه الأخيرة لم تنظم فعاليات تضامنية مع المثليين المصريين" [٤]. (الذين اعتقلتهم السلطات المصرية واتهم فـيها ٢٥ شاباً بممارسة الشذوذ. ) فـي الوقت الذي يتعارض فـيه هذا الموقف تماماً مع قيم المجتمع المصري وثقافته ودينه. والأمثلة على ذلك كثيرة فـيما يتعلق بأوضاع المرأة والأسرة والزواج وغيرها فـي بلدان أخرى من العالم الإسلامي.

إن المصالح المشتركة فـي الحوار والاعتراف المتبادل وتحديد الأهداف هي الشروط الضرورية لحوار مطلوب بين الحضارات وخصوصاً فـي هذه المرحلة. وإذا كانت الرياح القادمة من الولايات المتحدة تحديداً لا تعبأ بذلك كله، فهذا لا يعني كما ذهب بعضهم، إلى أننا نعيش مرحلة الصدام بين الحضارات. فالحروب التي تجري اليوم والتي جرت بالأمس كانت توجهها المصالح الاستراتيجية والمطامع الاقتصادية بالدرجة الأولى قبل أية أهداف أيديولوجية أو ثقافـية. فالولايات المتحدة التي رأت فـي حركة طالبان رمزاً للتخلف وللإرهاب بعد ١١ أيلول هي نفسها التي استقبلت وفداً منها عام ١٩٩٦ بعد سيطرة هذه الأخيرة على معظم الأراضي الأفغانية (تمهيداً لمد أنابيب النفط والغاز من بحر قزوين وجواره عبر أفغانستان إلى المحيط الهندي…).

فليست طبيعة النظام الحاكم هنا أو هناك هي التي تؤرق الولايات المتحدة الأميركية، وإنما مدى انسجام هذا النظام مع مصالحها وأمنها… فعندما يقاتل "الإسلاميون" الاحتلال السوفـياتي يطلق عليهم فـي وسائل الإعلام العالمية "المجاهدون" وعندما يواجهون الولايات المتحدة الأميركية أو الاحتلال الإسرائيلي يصبحون هم أنفسهم "إرهابيين".

وما تقدم لا يعني إذن أننا نعيش مرحلة صدام بين الحضارات فالعلاقات الدولية تحكمها المصالح المتبادلة أو سياسات القوة والهيمنة أو توازنها، حتى لو طغى على المشهد الدولي الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة طابع المواجهة مع دول إسلامية أو "حركات أصولية".

وفـي إطار ما جرى فـي الولايات المتحدة وفـي بعض البلدان الأوروبية من تشويه لصورة الإسلام والمسلمين فـي وسائل الإعلام المختلفة، ثمة من ذهب إلى القول: إنّنا نحن العرب والمسلمين نتحمل مسؤولية مباشرة عن هذه الصورة السلبية التي قدمتها وسائل الإعلام الغربية لأننا لم نقدم إلى العالم الغربي الصورة الحقيقية عن الإسلام، ولأن مثل هذه الصورة يمكن أن تساهم جدياً فـي تقريب الحوار بين الحضارات وتفعيله. حتى جامعة الدول العربية نفسها فـي مؤتمرها الثاني الذي عقدته فـي القاهرة فـي ٢٦ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠١ تحت شعار (الحوار مع الحضارات) ارتأت "تشذيب مناهج التربية والتعليم من الأفكار التي تعزز ثقافة التعصب والعداء للآخر"، كما لم يفت أصحاب المؤتمر التفكير فـي التعاقد مع شركة علاقات عامة غربية لتحسين صورة العرب والمسلمين دولياً [٥]. علماً بأن الولايات المتحدة الأميركية أيضاً سبق وألقت اللوم على نظام التعليم الديني السعودي وعلى دعم المملكة له فـي أنحاء مختلفة من العالم فـي توليد الإرهاب، وكان هذا الأمر أحد أسباب توتر العلاقات السعودية الأميركية بعدما تعرضت له المملكة من هجوم واسع فـي الإعلام الأميركي والبريطاني بعد ١١ سبتمبر. و

مع الإقرار بأهمية تقديم صورة مشرقة عن الإسلام والمسلمين فإن الصورة السلبية عن هذا الإسلام وعن الذين يعتنقونه ويعيشون فـي بلاده ليست مسؤولية العالم الإسلامي كما يقول بعضهم، بل هي مسؤولية من يتباهى بقدرته على ربط شبكات المعلومات ببعضها من أقصى الأرض إلى أقصاها. ومسؤولية من يهيمن اليوم على التطور الهائل فـي تكنولوجيا المعرفى والتواصل بين البشر، وهذا كله موجود فـي عالم الشمال أي فـي أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. فوكالات الإنباء التي يستقي منها العالم معظم معلوماته هي هناك. والأقنية الفضائية التي تبث أخبار العالم بلا انقطاع هي هناك. والسينما التي تصنع صور العالم بما فـيها صورة الإسلام والمسلمين والهنود والأفارقة هي هناك أيضاً. فكيف يمكن أن نقتنع أو أن نصدق بأن هذا العالم الذي بات بلا جدران، وبلا حواجز ثقافـية عاجز عن معرفة الإسلام وعادات المسلمين وأفكارهم. وهل يعقل أن ينفذ هذا الإعلام إلى قلب أفغانستان وكهوفها ويلاحق نساءها وأطفالها ومدارسها ليكشف لنا سوء ما فعلته حركة طالبان بالشعب الأفغاني وبالمرأة الأفغانية على وجه الخصوص، ثم يعجز هذا الإعلام نفسه عن معرفة الوجه الآخر للإسلام والمسلمين؟

إن هذه الصورة السلبية لا تقتصر على الإعلام الغربي فقط. بل هي موجودة فـي كتبه المدرسية التي يحفظها طلابه أيضاً. وهذه الصور لم تظهر فجأة بعد ١١ أيلول، بشكل عفوي أو انفعالي بل هي صورة قديمة أعيد تظهيرها بعدما جرى فـي واشنطن ونيويورك، ولهذا السبب نحن لا نعتقد أن الإعلام الغربي أو الرأي العام الغربي ينتظر ما ستبثه بعض الفضائيات العربية أو الإسلامية أو إحدى شركات العلاقات العامة من صور "جيدة" عن الإسلام والمسلمين ليبدل نظرته إلى هذه الشعوب بعد أن يصدق ما سيراه بأم العين. بل نرى أن المسألة تتلخص إما فـي إرادة التعرف على هذا الآخر والاعتراف به، وإما فـي تجاهله أو تشويهه وتقديمه بالصورة التي تتناسب فـي مرحلة معينة مع أهداف محددة ومصالح استراتيجية.

إن الحوار المتكافئ الذي يفترض اعترافاً بالآخر وقبولاً له لايمكن أن يحصل إلا فـي مناخ من الاستقرار الدولي الذي يفتقده العالم فـي هذه المرحلة. ولا يبدو أنه قريب التحقق فـي المستقبل المنظور. ومن أجل حماية فكرة حوار الحضارات والدفاع عن استمرارها وخصوصاً فـي هذه المرحلة التي أشرنا إليها، وحتى لا نبقى بانتظار تغيرات دولية مؤاتية لا نعرف متى ستأتي، ثمة أهمية استثنائية لدور الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية التي تعاظم شأنها فـي السنوات الأخيرة، وخصوصاً المؤسسات الثقافـية ومراكز الدراسات والجامعات من بلدان العالم جميعاً فـي التواصل فـيما بينها من أجل تعزيز فكرة الحوار بعيداً عن تقلبات المصالح السياسية ومن أجل أهداف إنسانية مشتركة.

***

* أستاذ علم الاجتماع فـي الجامعة اللبنانية

[١] - راجع على سبيل المثال المؤتمر الذي عقد فـي بيروت فـي الأسبوع الأول من شهر=

= آب / أغسطس ٢٠٠١ فـي الجامعة اللبنانية الأميركية.

[٢] - راجع نص خطاب الرئيس خاتمي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وفـي اليونسكو فـي كتاب "الغرب وبقية العالم بين صدام الحضارات وحوارها" مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث التوثيق. بيروت ٢٠٠٠.

[٣] - راجع جريدة النهار بيروت عدد ٥ / ١ / ٢٠٠٢ "شيراك يطالب بالعمل لفرض طاولة مفاوضات للشرق الأوسط".

[٤] - جريدة الحياة فـي ١٠ / ٨ / ٢٠٠١.

[٥] - راجع جريدة الحياة فـي ٦ كانون الثاني / يناير ٢٠٠٢، ص١٨ نيات الجامعة العربية الطيبة للتواصل مع الحضارات.



[ Web design by Abadis ]