ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 العالم بعد ١١ أيلول بحروف غير أمريكية \ أ. محمد صادق الحسيني *

منذ نحو عقد أو يزيد ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيري تؤدي دوراً كبيراً رائداً فـي صناعة وتشكيل الحدث الدولي.

وقد شهدت الساحتان الإقليمية والدولية تعاظم هذا الدور فـي الفترة الأخيرة ولاسيما من جانب الفضائيات وعلى أيدي المساهمين فـي تصوير اللحظة الميدانية تحديداً، سواء بواسطة عدسة كاميرا المصورين التلفزيونيين أو التابعين للصحف والوكالات. وكذلك العين المجردة للصحفـيين وكتّاب الخبر والتحليل، فكانوا بشكل أو بآخر صانعي حدث أكثر من كونهم ناقلي خبر عادي.

هكذا كان عليه الحال فـي حرب الخليج الثانية مثلاً حتى أطلق عليها بعضهم بحرب CNN) ) على العراق، ومنهم من قال يومها: إن بغداد هُزمت من على شاشات هذه الفضائية العالمية قبل أن تُهزم ميدانياً.

وإذا كانت الأخبار المتلاحقة والتحليلات الموجهة التي دأبت فـيها إذاعة أوروبا الحرة قد ساهمت فـي التسريع فـي هزيمة الاتحاد السوفـيتي السابق وتفكك المعسكر الاشتراكي التابع له وتصوير مشاهد سقوط جدار برلين لحظة بلحظة قد أدت جميعاً دوراً بارزاً فـي زيادة مكاسب الولايات المتحدة على أنقاض الحرب الباردة. فإن لا أحد يستطيع الإنكار بأن العدسة التي التقطت صورة الشهيد محمد الدرة وهو يحتمي بظهر والده العاري من السلاح قد أدت دوراً بارزاً فـي بلورة وتكثيف مظلومية الشعب الفلسطيني بأضعاف ما لعبته الكثير من مقالاتنا أو خطاباتنا الخاصة بشرح أحقية الفلسطينيين فـي الدفاع عن وطنهم وكفاحهم من أجل حقوقهم التاريخية فـيه.

إنها صناعة للحدث بامتياز إذاً وليس مجرد نقل للخبر فقط. هكذا بات يصور ويوصف دور الإعلام فـي عصر ثورة الاتصالات.

فـي الحادي عشر من سبتمبر من العام ٢٠٠١م، اكتشفت أمريكا الدولة العظمى الوحيدة فـي العالم أنها بالإضافة إلى خسارتها لمعركة أمنية معلوماتية استخباراتية بل وحتى عسكرية فـي أحد أشكالها أمام خصم أو عدو كان يبدو شديد البساطة، بل ويفتقر إلى شروط التحدي بين الخصوم المتكافئة، إنها تخسر هذه المعركة أيضاً أمام أنظار العالم أجمع وبالطريقة الحية المباشرة وبالصوت والصورة كاملة! وعلى يد من؟ على يد من ظلت تعدّه لعقود رمزاً للتخلف والجهل والرجعية، وهو ما كانت تصوره لشعبها عبر شاشات التلفزة والسينما فـي هوليوود وغيرها بل وحتى فـي قصص الأطفال التربوية، ناهيك عما كانت تروج له عبر صفحات جرائدها اليومية ومجلاتها الأسبوعية وتحقيقاتها ودراساتها الأكاديمية.

وهكذا فقد كانت بالنسبة لأمريكا لا لحليفاتها الغربية ضربة فـي الصميم وفـي قلب الكبرياء والعزة وفـي فؤاده؛ التي كان يتباهى بهما السيد الأبيض عموماً.

فـي تلك اللحظة التاريخية كانت أمريكا ومعها رواد الحضارة أو المدنية الغربية بتعبير أدق، على موعد برأيي مع العدالة، وفـي منعطف الطريق بين الإنصاف والإجحاف. وقد ظهر بالفعل فـي اللحظات الأولى على لسان قادتها وزعمائها ما كانت تضمره (تأدباً) ظاهرياً فـي جوفها تجاه العرب والمسلمين.

لقد جاءت وقائع الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م امتحاناً حقيقياً لأمريكا، وابتلاء حقيقياً لنا - نحن العرب والمسلمين ـ. فسقطت أمريكا فـي الامتحان، كما فشلنا نحن فـي تجاوز البلاء أو الابتلاء.

كيف يكون امتحاناً لأمريكا؟

أولاً: أمريكا التي ظلت تنادي على مدى عقود بحرية تداول المعلومات والأخبار اكتشفت فـي تلك اللحظة بأن عليها التكتم على ما أصابها بأقصى درجة ممكنة فخرجت على تقاليدها مع شعبها ونقضت ما تعهدت به تجاهه. واتجهت للتأصيل لنظام بوليسي يمنع صراحة حرية تداول المعلومات ليس فقد فـي أمريكا بل وحرمته على العالم أجمع.

ثانياً: أمريكا التي ظلت تقول للعالم: إن نهايته قد قامت مع نجاح الرأسمالية وتفوقها على الاشتراكية فـي الحرب الباردة ومن ثمّ فإن النظام الليبرالي الحر فـي التعامل ينبغي أن يشيع فـي العالم، وأن النظام الديمقراطي يجب أن يعمم على دول العالم وبلدانه اضطرت هي إلى مراجعة أبسط قواعده وأولياته مع شعبها ومع المقيمين على أرضها أيضاً لا لشيء إلا دفاعاً عن ذاتها وكبريائها وعزتها المنكسرتين. فأعلنت وأقرت من القوانين ما يشبه حالة الطوارئ والأحكام العرفـية التي تتبعها الدول الاستبدادية فـي مثل هذه الحالات.

ثالثاً: أمريكا التي ما انفكت تطالب العالم الآخر من الجنوب بشكل خاص ودول العالم العربي الإسلامي بشكل خاص بضرورة قبول الآخر وتحمله ومعاملته بنظرة متسامحة ومتساهلة ومتعادلة ومتوازنة، سرعان ما كشرت عن أنيابها التي تريد قضم الثقافات والحضارات الأخرى، ولم تعد تتحمل من الآخرين حتى أقرب الناس إليها إلا أن تكون معها أو ضدها، وهكذا سقطت كل ترانيم التعددية وتسبيحاتها وظهرت (العولمة الأمريكية) المطلوبة للعالم على حقيقتها. وكانت ثقافة الكابوي: (أريد ابن لادن حياً أو ميتاً) هي البديل.

رابعاً: أمريكا التي أصابت آذان العالم بالطرش لشدة ما تحدثت وأطنبت فـي شرح فضائل حقوق الإنسان وكيف أن بعض الأديان أو التقاليد والثقافات القديمة لم تستطع مجاراة العصر واستيعاب تطوراته سقطت فـي امتحان حقوق الإنسان الأفغاني إلى درجة دفعت بوزير الدفاع الأمريكي إلى التصريح بأنه لا يريد رؤية (أسرى)، فكانت مجزرة قلعة كنجي، وقصف سجن القلعة بالطائرات!

خامساً: أمريكا التي طالما تحدثت عن حق الآخر بالتعبير عن رأيه وشرح مواقفه لم تتحمل من فضائية عربية تطوعت لسبب أو لآخر بعرض أفكار خصمها وآرائه ومعلوماته وأخباره، أن تقوم بنقلها للعالم، وطالبتها صراحة بقمع الرأي الآخر. وأصرت نيابة عن العرب والمسلمين بأن هناك قراءة وفهماً وشرحاً واحداً للإسلام! وهو ما تفهمه وتقبل به أمريكا فقط.

وهكذا اعتبرت إذاعة الشريعة الأفغانية مثلاً هدفاً عسكرياً وفضائية الجزيرة فـي كابول بوقـاً للطالبان فقصفتهما بحجة أنهما أداة لترويج الإرهاب!. بل والأنكى من ذلك استنفرت طاقمها الدبلوماسي كله لممارسة الضغوط على أمير قطر لمنع الجزيرة من نقل أخبار الطالبان وابن لادن. فـي حين قامت بالمقابل بتعبئة دبلوماسية شاملة لأجهزتها لإعادة الاعتبار لقناة الـ (CNN) التي سبق لها أن أقرت بخسارة المعركة الإعلامية أمام الجزيرة أي أمام قناة عربية وهو ما يحدث أول مرة فـي تاريخ الإعلام الغربي.

سادساً: إن أمريكا التي طالما سعت لتطمين حلفائها وأصدقائها من المعتدلين العرب والمسلمين، خرجت من طورها أول مرة فـي تاريخ علاقاتها الثنائية والمتعددة عندما قامت بشن حملة شعواء وغير مبررة ضد أصدقائها السعوديين والمصريين، ولم يسلم من هذه الحملة والتشويه حتى المبادئ والأفكار والعقائد للمذاهب التي يدين بها هذان البلدان، بل وأظهرت الكثير من الكتابات والتعليقات والتقارير الخبرية والإعلامية الغربية مدى الحقد الدفـين الذي تحمله فـي صدورها الكثير من النخب الغربية ضد الدين الإسلامي والشريعة والقوانين والعقائد الدينية التي تشكل ثقافة عامة فـي بلادنا.

باختصار شديد ينبغي القول وللأسف الشديد: إن ما ظلت أمريكا بخاصة والغرب بعامة تتباهى به؛ من سعة صدر وتسامح وليبرالية وعقلانية طوال العقود الماضية؛ قد انكشف فـي لحظة (الضعف) الأميركية بأنه مجرد (سراب) وادعاءات ومزاعم لا تصمد طويلاً فـي المنعطفات.

وهكذا تكون أمريكا فـي تصرفها المتعجل وغير العقلاني إعلامياً، وكذلك غير العادل وغير المتوازن سياسياً قد ساهمت فـي صب النار على زيت المعركة الراديكالية (العقائدية - الشمولية) التي كان الطرف الآخر من الجبهة قد أطلقها منذ بداية اشتعال النار عبثاً أعطت الانطباع بأن ما ذهب إليه بن لادن والطالبان كان طبيعياً! فهي أي أمريكا، عندما أشعلت النار العقائدية ضد المسلمين عملياً ساهمت فـي:

١ - أن ينقسم العالم إلى فسطاطين كما كان يقول ابن لادن.

٢ - أن يكون الحل الوحيد المتبقي للأزمة هو التشدد والحرب، وبهذا تكون أمريكا سواء رغبت فـي ذلك أن لم ترغب قد أطلقت رصاصة الرحمة على مدرسة الاعتدال فـي أوساط الحركة الإسلامية بدلاً من محاصرة مدرسة التطرف والراديكالية. وقد عمّقت بذلك اندلاع حرب التصفـيات الجسدية لمئات الأسرى والمعارضين على الساحة الأفغانية الميدانية.

بالمقابل فإن أحداث ١١ سبتمبر هذه كانت ابتلاء لنا - نحن العرب والمسلمين ـ، وفـي الصميم من حركتنا ونهضتنا الإسلامية الإعلامية والسياسية، فكيف ذلك؟

أولاً: كشفت وقائع سبتمبر فقدان عالمنا العربي والإسلامي إلى أية استراتيجية أو حتى رؤية واضحة للعالم الآخر تفـيدنا فـي تطوير أنفسنا أو تقينا المصائب والويلات فـي الأزمات والمنعطفات. ومن ثمّ فقد بات الضعف والوهن العربي الإسلامي فـي أسوأ صورة بحيث أصبحنا كالأيتام على مائدة اللئام.

ثانياً: كما كشفت الوقائع المروعة ضعف خطابنا وأدواتنا الإعلامية فـي الدفاع عن قيمنا ومبادئنا الدينية والوطنية، ناهيك عن قدرتنا فـي الدفاع عن الثوابت التي طالما اتّقينا بها، فتفرقنا شيعاً وأحزاباً وظهرنا كأمة تعيش حرباً أهلية فـي الفكر والثقافة والخطاب الإعلامي وغير متفقين على قراءة أو على رؤية ما هو بمنزلة حد أدنى لدينا، ناهيك عن وجود مرجعية موحدة بهذا الخصوص تحفظ لنا ماء وجهنا.

ثالثاً: أظهرت وقائع ١١ سبتمبر أيضاً مدى العجز الذي تعاني منه أمتنا والاقتدار المفقود لدى السلطات المختلفة فـي بلداننا، سواء كحكومات منفردة أو ككتلة عربية أو إسلامية أمام الهجمات المعنوية والمادية التي تتعرض لها الأقليات المسلمة فـي بلاد الغرب، أو حتى فـي الدفاع عن مواطنينا على الأراضي التابعة للعالم الإسلامي نفسه. فلم نستطيع أن نقدم الحماية المطلوبة للمسلمين فـي أمريكا وأوروبا، كما لم نستطع إيجاد الحلول الأسلم لما بات يعرف بظاهرة (الأفغان العرب) طوال مراحل الحرب الأميركية فـي أفغانستان.

رابعاً: كشفت حوادث ١١ سبتمبر مدى أهمية الحد الأدنى من التضامن العربي والإسلامي الذي افتقرنا إليه منذ سنين، وضرورة البحث بجد عن آليات عملية وحقيقية تؤمن التنسيق المستمر والتعاون الدائم ولو فـي إطار الحد الأدنى، فـي وقت باتت فـيه التحديات تفرض علينا أن نتحول فـي أسرع ما يمكن إلى كتلة اقتصادية متراصة تستطيع ضمان بقاء كل جزء من المجموعة أمام طوفان العولمة الجارف.

خامساً: كشفت وقائع ١١ سبتمبر الأهمية البالغة لمقولة الحوار وآلياته ليس فقد بين الشمال والجنوب أو الغرب والشرق بل وبين الثقافات والحضارات والمدنيات المختلفة بشكل عام، الأمر الذي زاد من مسؤولياتنا نحن العرب والمسلمين باعتبارنا الأمة الوسط التي يقوم دينها أساساً على الحوار والتوازن والاعتدال وتبادل الرأي والرأي الآخر.

باختصار شديد فقد كشفت وقائع الثلاثاء الأمريكي الأسود، وتداعياته العالمية فقدان الوزن العربي والإسلامي فـي أية معادلة دولية، بقدر ما كشف أهمية الإسلام كدين وكثقافة وكفكرة وكحضارة وكقوة كامنة يمكنه إذا ما وظف بشكل صحيح خدمة البشرية فـي قلب موازين سياسية واستراتيجية كبرى فـي العالم.

وإذا كان الأمريكيون ومن بعدهم الأوروبيون بدرجة أدنى قد أخفقوا بامتياز فـي امتحان الإعلام المنصف فـي هذه الأزمة العالمية، حتى بات ينطبق عليهم ما يقول فـيه الإمام علي (ع): (الحق أوسع الأشياء فـي التواصف وأضيقها فـي التناصف). فإن أمة العرب والإسلام بالمقابل رغم وقوعها فـي هذه الأزمة موقع إجحاف القوى العظمى، لا سيما الولايات المتحدة. إلا أنها هي الأخرى أخفقت فـي تقديم صورة مشرقة عن دينها وإسلامها وتراثها.

وفـي سياق الضرورة الداعية لنا نحو واجبنا كنخب مسؤولة أمام شعبنا وأما العالم لتقديم صورة واقعية وشفافة وصحيحة عن قيمنا ومبادئنا الدينية والوطنية، ثمة من يعتقد بأن المعيار الأقرب لملامسة خطاب إعلامي صحيح ونموذجي؛ هو فـي اتباع التوجيه السليم الذي يجمعه ذلك الحديث النبوي الخالد والذي يقول: (اللهم أرني الأشياء كما هي، ثم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه).

وأخيراً وليس آخراً ربما كانت أحداث ١١ سبتمبر قد كشفت مدى الفقر المعنوي الذي تعيشه أمريكا من الداخل، وشدة الوهن الأخلاقي الذي تعاني منه والذي يجعلها معرضة للتّصدع عند المنعطفات، وأنها تحمل فـي داخلها وفـي الأعماق من فلسفتها الوجودية عوامل انهيارها الإمبراطوري من حيث استعدادها السريع للتخلي عن كل إنجازات البشرية عند أول امتحان. وأنها غير قادرة على العيش مع الآخرين فـي ظل تكافؤ فرصي حقيقي.

هذا وقد أثبتت أمريكا أيضاً كم هي مجحفة بحق الآخرين، وغير قادرة على تحملهم إذا ما خرجوا على قواعد لعبتها فـي الهيمنة حتى لساعة واحدة.

بكلمة أخرى فإن العالم بعد ١١ سبتمبر حيث أصيبت أمريكا فـي السويداء من قوتها وعزتها وكرامتها، فإنها أخذت تنظر للعالم غير العالم الذي كانت تراه قبل ١١ سبتمبر، عالماً لا يمكن كتابة حروفه من اليمين إلى الشمال حتى لمرة واحدة وعلى يد غير الأمريكيين تحديداً، فما بالك أن تتم إعادة صياغته هيكلياً على قواعد الاحترام المتبادل لخصوصيات الأطراف المختلفة المكونة له وأيضاً على أساس قواعد التداول بين الرأي والرأي الآخر وديمقراطية العلاقات الدولية واحترام ثقافات الشعوب والأمم المختلفة ومنح الفرص المتكافئة أمام الجميع للنمو المتوازن.

إن خلاصة ما كانت تتباهى به أمريكا على العالم قبل ١١ سبتمبر هو كون نظامها يمثل قمة التعددية فـي مجال السياسة والإعلام والتعليم أو المعرفة المدنية منها والدينية. لكن أمريكا التعددية هذه سرعان ما فقدت توازنها خلال ثلاث ساعات فقط من خريف العام ٢٠٠١م، وانقلبت سواء بفعل فقدان صوابها كما يقول بعضهم، أو بفعل بروز حقدها الدفـين على الإسلام والمسلمين، أو بفعل زوال القشرة الظاهرية التي كانت تتمسح بها كما يقول آخرون، انقلبت أمريكا إلى أمريكا الخطاب ذي الاتجاه الواحد وأمريكا أدبيات المواجهة مع الآخر، وأمريكا التلمودية المعادية لكل ماهو (غير) راضٍ على الثقافة التوراتية.

وقد ذهبت أمريكا فـي هذا السياق المجحف بكل مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان لتخرج عن طورها نهائياً، حتى باتت لا تتحمل من أحد فـي العالم أن يخرج على الاصطفاف الكاذب المفروض من جانب ابن لادن عليها فـي إطار ما سماه بتقسيم العالم إلى فسطاطين. وهو ما كان يعني عملياً رسم صورة لحرب صليبية جديدة لا مكان فـيها لا للعقل ولا للدين وكلمة الفصل فـيها للقوة العارية فقط. وهو البعد الأبعد ما يكون عن صورة أمريكا المزعومة، أي أمريكا التسامح والحريات والانفتاح على الآخر.

وهكذا أُسدل الستار فـي واشنطن بعد ١١ سبتمبر على آخر فصول النظام الليبرالي الديمقراطي الحر، وهي القشرة التي كانت تغطي حركة القوة الاستعمارية والإمبريالية فباتت أمريكا الحقيقية كما هي دون رتوش أي أمريكا صاحبة مدرسة الكاوبوي فـي تعاملها مع كل ما هو غير أمريكي، ابتداء من شعب الهنود الحمر المظلوم، مروراً بإفريقية السوداء، وصولاً إلى أمة العرب والإسلام المستباحة بعد وقائع نيويورك وواشنطن.

إنه اجتياح هوليوودي بكل معنى الكلمة للثقافة والتاريخ والحضارة والجغرافـيا، بدأ بأفغانستان بحجة البحث عن ابن لادن وإسقاط نظام الطالبان، ولا يعرف إلا الله أين ستنتهي؟ ‍!

وما يجري الآن من اجتياح إعلامي بلا حدود للإسلام والمسلمين تحت مظلة محاربة الإرهاب ما هي إلا البداية للحرب الحقيقية المفتوحة والشاملة برأيي؛ ضد إمكانية قيام أي كتلة إسلامية أو عربية مقاومة لمشروع العولمة المتوحش على الطريقة الأميركية.

ومن أجل أن تتفرغ أمريكا لمحاربة أوروبا واليابان والصين، واستكمال احتواء روسيا. إنهم يحاولون تثبيت صورتنا كمعتدين على الحضارة السائدة الغالبة وهي الحضارة الغربية الأولى والأسمى بنظرهم بالطبع، ومن ثمّ يخططون لاستسلامنا الكامل والشامل لنلتحق بهزيمة الاتحاد السوفـيتي فـي الحرب الباردة.

وإذا ما تطلبت هزيمة الاتحاد السوفـيتي نحو ٧٠ عاماً حتى يظهر بين زعمائه غورباتشوف ليرفع الراية البيضاء، فإنهم مخططون لهزيمتنا واستسلامنا ولرفع الراية البيضاء من بين صفوفنا مدة قد تطول سنتين كما يقولون أو عشرة سنوات على حد أقصى.

وليس بالضرورة هنا (نعتقد أو نظن) أن تكون هذه الحرب دينية أم لا؟ المهم أنهم لا يريدوننا كتلة قوية عربية كانت أو إسلامية. المهم أن لا نُقاوم الاجتياح الهوليوودي العولمي، وأن نعبّد الطريق لوصولهم وتمركزهم فـي ما تبقى من منابع الطاقة ومن نفط وغاز وسائر حقول المعادن الثمينة، ناهيك عن أداء دور جسر العبور والنصر على من تبقى من أقطاب العالمين الثانويين أو الإقليميين ممن لا يزالون يفكرون بعالم متعدد الأقطاب. والرؤى، وأفضل حرب تقيدهم فـي هذه المعركة لتحييد العالم (المتحضر) ولكن غير الأمريكي هو أن تقوم على وصف العرب والمسلمين بالإرهابيين. خاصة بعد أن ظهر من بينهم من ساهم فـي تشويه صورتنا العالمية.

إنهم باختصار كثيف يريدون إعلاناً عالمياً مؤيداً من كتلة (عربية إسلامية) (معتدلة) مفاده أن الإسلام = الإرهاب! ردّاً على محاولاتنا المتعثرة لإثبات أن الصهيونية = العنصرية.

* الجمهورية الإسلامية الإيرانية



[ Web design by Abadis ]