ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 من أجل إعادة اكتشاف القيم الكونية للإسلام \ أ. كارلوس بارونا ناربيون _ اسبانيا _ترجمة رفعـت عطفـة

بعد أحداث نيويورك الأخيرة والدرامية، يلفتُ الانتباهَ إصرارُ بعض القطاعاتِ في العالم الإسلامي كما في أوروبا وأمريكا، على المعارضة الشاملة بين الإسلام والغرب. هل هما فعلاً رؤيتان للعالم، طريقتان في الحياة متعارضتان إلى هذا الحدِّ حتى ندور بهذه الطريقة حول المسألة، سواء على المستوى الأكاديمي كما على مستوى المقالات الصحفية والحديث اليومي؟ هل نواجه خطرَ حربٍ عنيفة ومفتوحة بين هذين العالمين، كما يشير بعض الجبريين؟ هل من الممكن، ونحن في القرن الحادي والعشرين، أن تقومَ، كما كدنا نَلْمَح منذ شهورٍ قليلة، حربٌ دينية مُعمَّمة، تعيدنا في التاريخ قروناً إلى الوراء؟ شخصياً لا أعتقد ذلك. على الرغم من أن بعضهم يصرّ على التمهيد لذلك، لا أظنُّ أنّ الصدام سيحدث على المستوى الشامل. ما زال يبدو أنَّ الواقعَ والزمنَ يضعان الأشياء في مواضعها.

من جهة أخرى امتاز الإسلامُ المُعتدِل وانفصلَ عن مغامرات المتعصّبين والكارثيين المشؤومين، المسعورين بإرادتهم العمياء التي يخلطون بينها وبين إرادة الله، الذين يَوَدّون أن يروا العالَمَ وقد صار صحراء. من حسن الحظّ أنَّ الاستخدام المبتور والنفعي للدين سرعان ما يكشف عن وجهه الحقيقيّ ويظهر المؤمنون المتعجرفون على حقيقتهم: منافقين. من جهة أخرى بدأ الغرب بدوره يتعرّف على الإسلام، وإن كان ببطء وبشكلٍ متأخِّر، كما بدأ يعرف كيف يميِّز بين ممارسة الغالبية المعتدلة المتدينة وبين العنف، ذي الدلالة الأصولية، كما أنّه ما زال يملك مسيحيته الخاصّة به إضافة إلى ديانات أخرى عالمية.

إنّ تخطّي خطر الخريف الماضي، القاتلة من جديد، يجب ألاّ يمنحنا الرضى والطمأنينةَ وحسب بل إنَّ التهديد المحتمل بأزمات أخرى غير متوقَّعة يجب أن يجبرنا على التفكير، نحن الذين نؤمنُ بأنه لا يمكننا التنازل عن التقارب بين الإسلام والغرب. في أحد اتجاهات هذا التفكير المحتملة يتساءل المرء لماذا هناك ثقافات أخرى، متأثرة بدورها بالدين بشكل عميق، كالبوذية و الكونفوشيوسية، كما هو الحال في الهند والصين واليابان، إلخ.، ليس لديها مع الغرب مشاكل حضارية، عامةً ما تحدث في قلب الإسلام. تخطر لي فكرة أولية، وإن لم تكن كافية: جزء كبير من كينونة الغرب ومعارفه، ما بين سقوط الإمبراطورية الرومانية والقرن الثالث عشر، يعودُ مباشرةً أو غير مباشرة إلى العرب، مما يجعل هذا الشعبَ والعالَمَ الإسلاميَّ بعامة يملكُ وعياً ما بأنَّ الدورَ الكونيَّ يمكن ويجب أن يكون له. وبالفعل توجد قناعةٌ ملموسة بأنَّ قَطْعاً تاريخياً، بتراً حدث بعد سقوطِ الأندلس وطردِ العرب من شبه الجزيرة الإيبرية، فقد قامت أوروبا خلاله باغتصابِ التقدم ودورِ الثقافة الكونية.

هذا الاعتقاد فيه جانب من المنطق والحقيقة، لكن من يفكّر بهذه الطريقة يجب ألاّ يتوقّف عند هذا الحدِّ، بل عليه أن يمضي باستنتاجه قُدُمَاً إلى الأسباب التي جعلت الأمورَ تحدث بهذه الطريقة. بهذا المعنى على العالم العربي والإسلامي أن يعيدَ اكتشافَ ميراثه الحيّ، الخلاَّق والبحثي الذي أبدعه قبل انحداره بكثير، والذي بدأ كما قلنا قبل القرن الثالث عشر، المرحلة التي توقّف فيها كلّ جهد في البحث العلمي والإبداع الفنيّ: وهذا ما أدى في كلّ المجالات: الدينية والعلمية والأدبية، إلى سلسلة لا نهاية لها من نسخ عن النماذج الأصلية، المنسوخة بدورها بشكلٍ متوالٍ. وكانت النتيجة واضحةً، امتدّت إلى يومنا هذا تقريباً، محدثة ابتعاداً، هو في كلّ يومٍ أكبر وأعمق، عن الإلهام والدفع الإبداعي اللذين تميّز بهما في الماضي.

إذا كان العرب قد طُرِدوا فعلاً من إسبانيا بطريقة بشعة وظالمة بعد ثمانية قرون من الموجود والتعايش؛ فعلينا أن نتذكّر أنّ الصراعات الداخلية بين القادة العرب على السلطةِ، إلى جانب الغزو الذي قامت به مجموعات مُحافِظة ورجعية جاءت من المغرب (الموحِّدون والمرابطون)، هي التي عجَّلت بأفول الثقافة الأندلسية.

على كلّ الأحوال، لقد نشأ الغربُ فعلاً وإلى حدٍّ لا بأس به على العلوم العربية أو العلوم التي حملها معهم العربُ، الذين ينهلون الآن من تكنولوجيا الغرب. لذلك فإنَّ الطريقة الوحيدة الممكنة هي أن ينضوي العالمُ العربيُّ الإسلامي، أشخاصاً ومؤسّساتٍ، على حدٍّ سواء، تدريجياً، في التقدّم العلمي العالمي، كما فعلت اليابان سابقاً أو جنوب شرق آسيا منذ فترة وجيزة. هذا لا يعني أن يقوموا بنسخِ النماذج، بل أن يتقدّموا ويتطوّروا في اتجاهٍ ما ويُحسِّنوا وضعهم انطلاقاً من بواعثهم الخاصّة، وإلا فإنهم سيحكمون على أنفسهم بأن يبقوا مجرَّد مستهلكين لتكنولوجيا ومنتجاتِ الغرب.

وإن كان من الصعب كما هو واضح أن يُصَحَّح المسارُ بطريقة هامّة، نظراً لمشاكل العطالة العقلية ولغيابِ البنى التحتية التكنولوجية، فمما لا شكَّ فيه أنّ استمرار هذه الحالة السلبية إلى ما لانهاية من ردّ الفعل وانعدام الإبداع، سوف يحكم على كلا العالمين بالابتعاد والمواجهة، بأن ينظرا إلى بعضهما بعضاً كـ "آخر"، أو كـ "أنا آخر"، إلى هذا الحدّ أو ذاك، حسب المنظور.

أستخدم هذين المصطلحين "الآخر" و"الأنا الآخر" عن وعي، ذلك لأنّ العالمين الإسلامي والغربي قريبان جدّاً بعضهما من بعض، بينما عوالم أخرى أبعد، كالتي ذكرناها من قبل الهند والصين، سواء أكان ذلك من الناحية الجغرافية أم التاريخية…. قريبان جدّاً وفي آن معاً بعيدان جدّاً، هذه فكرة أخرى أُضيفُها إلى السؤال الذي طرحناه من قبلُ حول أسباب هذا التنافس القديم والمتأصّل بين الثقافتين العربية والغربية، دون غيرهما من بين كلّ ثقافات الأرض: تماماً لهذا السبب، تجدان أنَّهما قريبتان جدّاً وبعيدتان جدّاً، لأنّ روابط كثيرة توحدهما وهوَّات عدّة تفصل بينهما.

استناداً إلى هذه الجذور المشتركة، الموجود بين العالمين اللذين نتكلّم عنهما، أودّ أن أطرح موضوعاً للتفكُّر، آملُ أن يُفهم جيّداً بكلّ أبعاده وألاّ يُشوَّهَ كما لو أنّه صدى لجبروت الغرب. بلى: ربّما كانت القيم التي تُفهم على أنها غربية، مثل الديمقراطية والحقوق المدنية، التي كثيراً ما تُوصم بأنّها متناقضة مع الإسلام، هي أوسع في أصولها وتطلعاتها من ذلك، فهي عملياً ليست أوروبيةً أو أسترالية أو أمريكيةً فقط، بل هي إلى حدّ لا بأس به كونية.

هذه القيم لا تَستلهم فقط اليونانَ وعصرَ النهضة (أوّل رسالة حول كرامة الإنسان هي لابن عصر النهضة الفلورنسي بيكو دِلاميراندولا) والثورةَ الفرنسية بما عنته من فصلٍ للدينِ عن الدولة، بل أيضاً تستلهمُ إجماعَ غالبيةِ الشعوب على الحدِّ الأدنى من المبادئ التي يجب أن تحمي الإنسان. هذه الخطوات التي توّجت بوثيقة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة، تخطّت البربريةَ، والدمَ ومنعت، على الأقل نظرياً، أن تقرّرَ دولٌ أو أشخاصٌ مصيَر الآخرين بِعنَتٍ. برأينا إن الطريقةَ الوحيدة للعدالة الاجتماعية، سواء ما يتعلّق منها بالأشخاص أو الأقليات، أو المجتمع ككلّ، تكمن في فصل الحقوقِ وعملِ الدولةِ عن الدين، مهما كان دورُ الدين في هذا المجتمع أو ذاك.

نريد أن نُذكّرَ هنا بأنّ أوروبا أعادت اكتشافَ الثقافةِ اليونانية واللاتينية القديمة، وطبَّها، فلسفتَها، ونظريتَها السياسيةَ، وغيرها كثير، في عصر النهضة. ومع ذلك فإنَّ هذا العصر الطويل والمزدهر الذي قام على إعادة الاكتشاف، لم يعنِ بالنسبة إليهم عودةً إلى الوراء، بل على العكس خطواتٍ كثيرةً إلى الأمام وفي جميع المجالات، وقد أخذوا من هذا القديم أفضل وأعمق وفي آنٍ معاً أكثرَ ما فيه من تقدّم.

بطريقة أخرى وفي ظرفٍ تاريخي آخر، شيء مشابه للنهضة الأوروبية، أعود وأصرّ، يمكن أن يكون ذا أهمية كبيرة بالنسبة إلى العالم الإسلامي. الأندلس الذي ذكرناه عرضاً، برأينا مثل جيّد لما انتهينا من قوله، موضوعُ إلهام، وانفتاح وتساهل، حيث إنّ كثيراً من القيم التي نسميها اليوم كونية، كانت موجودة فيه، قبل أن توجد في بقية الدول الأوروبية. لكن يجب ألاّ يؤخذ (هذا الأندلس)، كما نعتقد، كزمان ومكانٍ من الماضي نموذجين للتطبيق في الراهن، يجب أن ينتميا إلى الماضي، إذ ربّما لم يوجد قط هذا الأندلس المثالي كما نتخيّله. لكن يجب أن نُجسد صورتَه في المستقبل، مشروعَهُ، الذي نملك بعضِ خطوطه العامة الثقافية والكونية.

المهمّة الأكثر إلحاحاً، والصعبة فعلاً التي على الإسلام أن يقوم بها، برأيي، هي تحديدُ الممكنِ إسلامياً: تعريف أين تكمن هويتُه الجوهرية، وفصل هذا الجوهريّ عن كلِّ ما هو عرضي وآني. أفكِّر مثلاً بالملابس، طريقة الحلاقة أو التسريحة الخارجية والذاتية والعرضية فعلاً، ترى هل هي من جوهر هذا الدين أم يجب أن تُترك حريةُ التعامل معها لكلّ شخص؟

مقابل الطريق الذي اجتازه الإسلامُ، وهو بعامّة حرفي، في محاولة تطبيق القرآن والسنّة حرفياً، هناك طريق آخر تم اجتيازه بشكلٍ فردي، لكنّه لم يدشّن كرابطة عامّة. إنّه طريق المعرفة والبحث، باب الاجتهاد، الجهد الداخلي والشخصي كي يقدّم المرء أفضل ما عنده ويُكيّف الواقعَ والسلوكَ الفرديّ مع روح الإسلام، وأشيرُ إلى "روحه" وليس فقط إلى حرفيته. ليس هناك ما يوجب أن يكون هذا التكيّف مع العالم المتغيِّر، عالم تطوّر العادات والعلوم، في نزاعٍ مع عالم الدين والإيمان. على العكس من ذلك فإنّ الطريق الصوفيّ، وهو من أكثر الطرق روحانية في الإسلام، تميَّز دائماً بطبيعته التقدمية وتأقلمه مع تبدّل العصور.

جميعنا نعرف ما هو التصوّف ونعرف عدداً من شخصياته: ابن عربي، الحلاّج، السهروردي، إلخ. ولذلك لن نؤكّد على هذا الطريق الديني الغنيّ والرحب الذي يؤكِّد على الحبّ والكشف الداخلي. على الطرف الآخر هناك الإسلام السياسي، الدين الذي تحوَّل إلى سلسلة من القواعد والقوانين، ويتخذ كحركة اجتماعية مرتبطة بعددٍ من المصالح القبلية، الاقتصادية والقومية والشخصية، إلخ. هذا الموقف الذي يعدّ الدين صراعاً ودليل هويّة سياسية، تُقابله، كما يجدر بنا أن نذكر، ندرةُ الكلمات السياسية في القرآن بالمقارنة مع كلمات الإيمان والرحمة والاجتهاد الشخصي.

صحيح أنّ الغرب قام على امتداد القرن العشرين بما لا يُحصى من التغييرات العملية ليس في الحياة وحسب بل وفي النظرة إلى الحياة في جميع المجالات: الأسرة، عالم العمل، العادات الاجتماعية، الجنس، الوقت الحر، وإلى حدٍّ ما الدين. بالنسبة لهذا الأخير، قام المجمّع المسكوني الثاني، الذي بذل فيه البابا يوحنا الثالث والعشرون آنذاك، عملاً مكثفاً وجهداً ليس فقط من أجل التكيّف مع تغيّر الأزمنة وتنوّع الحياة العامة، بل ومع المسكونية، أي مع علاقته بالديانات الأخرى. الله واحد، ولا يمكن أن يوجد إله إسلامي وآخر مسيحي وآخر يهودي، إلخ. فقط تتبدّل الطرقُ، طبعاً والطقوسُ وبعض المعتقدات، ساعةَ التقرّب منه.

هل تكرارُ المُكرر هو الإسلامي الخالص؟ أيضاً يمكن تكرار الإنجيل والتوراة أو أي كتاب مقدّس إلى ما لا نهاية، لكن كلّ عصر يجهد في تقديم تفسيره وتكيّفه المختلف. أنْ يَبْغي المرء أن يُفكِّرَ كما كانوا يفكّرون قبل ثلاثة عشر قرناً، مع بعض التنويعات، كما يريد بعضهم، لا يمكنُ أن يكونَ جوهر الدين، فهو ليس إلاّ الطريقة المريحة للوجود، لعدم الجدية بالعثور على حلول للكثير من التحديات والأسئلة.

لقد دافعنا في مناسبات عديدة ليس عن عدم تناقض هذين العالَمَيْن، اللذين نتكلّم عنهما الآن: الإسلام والغرب، وحسب، بل وعن تكاملهما، مهما بلغا من الاختلاف والتعقيد. إن طريق التقارب، واللقاء بينهما قد طال وأصبح شاقاً، ومزروعاً بالفرص الضائعة للارتباط والتعاون والتبادل الإيجابي في هذا الاتجاه أو ذاك. وكأن الأمر قدر. للتاريخ إملاءاته، ومعروف أنّ إزالة فصولٍ منه والقفز فوقها لأيّ سبب من الأسباب يحكم على من يفعل ذلك بالإعادة.

حتى وإن كان ً ما سنقوله بديهياً، فربّما كان أفضل ما في الغرب هو تقدمه التقني والطبي، الذي، على الرغم من مختلف المظالم السائدة، انتقلَ بالأرضِ إلى مرحلة من التطوّر والأمل بالحياة، كان من غير الممكن تصوّرها قبل سنوات قليلة. إن الحريّةَ الفردية، حريةَ الجسد وحريةَ الحياة، إلى جانب الحقوقِ المدنية والسياسية، هي تقدّم آخر لا يمكن التنازل عنه، وقد قامت، سواء أعجبنا أم لم يعجبنا، في تاريخ الغرب القريب. الأسوأ، وهو بدوره كثير، يمكن تَلخيصه بالاستهلاك المفرط، والحصيلة المرّة لاختفاء الروحانية الحقيقية، العميقة واليومية في آنٍ معاً، التي ما زالت تحتفظ بها بعض الشعوب المنسية في معظم الأحيان، بينها مجتمعات إسلامية كثيرة. إنّ الجبروت الثقافي، والأنانية المتفشية وضعف التضامن الاجتماعي هي من العيوب الأخرى التي يبدو أنّها أصبحت متكيِّسة في الغرب.

نريدُ أن نقولَ باختصار وبتبسيط للعبارة، كما حاولنا أن نفعل على امتداد هذه المُداخَلة، إنّه ليس شيئاً حسناًً أن يكون هناك حضارة واحدة على هذا الكوكب، بقيت على حساب إزاحة الحضارات الأخرى والقضاء عليها. ومع ذلك فمن المؤسِف أن هذه واحدة من النزعات التي تفاقمت في العقود الأخيرة. نعتقد أنّه يجب أن يوُجَد على المدى القصير الممكن نظامٌ أرضي واحد لحقوق الإنسان والقوانين المدنية الدولية، التي عليها أن تُلاحِقَ الطغيانَ والإرهابَ بطريقةٍ يجب أن تكون في كلّ مرّة أكثر فعالية. أن توجَد حضارة إسلامية قوية وفاعلة بالتوازي مع الحضارة الغربية، التي انتشرت في كلّ أصقاع الأرض من خلال وسائل الاتصال والتجارة، ليس فقط شيئاً إيجابياً جدّاً بل وضرورياً للثراء المشترك. لذلك فإنَّ على الإسلام أن يعثر بأسرع ما يمكن على مدخله الخاص إلى الحداثة، أو بالأحرى على حداثته الخاصّة به، لا إلى الحضارة المنسوخة أو التي يُمليها عليه الغرب، بل حضارته التي ترتكز على طبيعته (أي طبيعة الإسلام) وعاداته. هذا الطريق يجب أن يترك لأعضائه أن يعيشوا ويعبّروا عن أنفسهم بحرّيةَ، دون أن تتعرّض حياتهم نتيجة انتماءاتهم الدينية أو الفكرية أو الجنسية (المرأة)، رهين

ةً في يد أيّ إنسان أو أيّة قوّة كانت.

من هذا المنظور نعتقد أنّه يمكن أن يوجد حوار ثقافات أعمق، انطلاقاً من الاحترام المتبادل والأرضية المشتركة كما أشرنا توّاً، لضمان الحقوق التي كرّستها الأمم المتحدة.

بهذا المعنى، معنى احترام الثقافة والحوار، أريد أن أعلن هنا عن ندوة نزمع عقدها في معهد ثِربانتِسْ في دمشق خلال النصف الثاني من العام الحالي حول "نماذج الحداثة، التطور العالمي واحترام الاختلاف الثقافي". وتريد هذه الندوة أن تكون ميداناً للتفكير الحر، يُساهِم فيه كلُّ مشاركٍ كفء ومشهودٍ له باهتمامه، فيطرح أسئلته وأفكاره حول مسألة، راهنة بقدر ما في الإحاطةِ بها بدقّةٍ من صعوبة، إنَّها مسألة الوجود المشترك وكذلك الإغناء المتبادل بين الثقافات.

إنّ توضيح هذا التكامل والاحترام الثقافي الذي نقترحه يقوم على مجالات ومشارب في غاية الاختلاف: وجهة نظر رجل الدين، مسيحية كانت أم إسلامية، حيث يمكن المشاركة والنقاش حول أكثر ما في كلِّ دين من عالمية. منظور المؤرِّخ حيث يمكننا أن نعرف تماماً متى وأين بدأت الصراعات بين نماذج المجتمعات، وفي أيّ لحظة بالتحديد بدأ أحدها بالتعدي على الآخر، وكذلك آفاق التكامل غير العنصري، أو على الأقل الحوار، الذي يمكن أن نتوقّعه للقرن الذي بدأ توّاً. من جهة الفيلسوف فإنّه يجعلنا مشاركين له في تأملاته حول أعلام الفكر الإنساني وشخصياته الذين صوّروا في لحظة معينة هذه المجتمعات أو تلك. كما ستكون له تفسيراته وتعليقاته الخاصة به حول نقطة الانعطاف من المجتمعات التقليدية - الدينية إلى العلمانية، وكذلك التطلع المحتمل إلى محور من القواسم المشتركة الدنيا في التفكير والعمل، التي يمكن أن تقوم بين جميع المجتمعات الحالية.

كلّ الذي قلناه يتغذّى على البحث عما يوحِّدُ في مواجهة ما يفرِّق، ُ على روح النقد البنّاء، كما نعتقد أنه يجب أن يمارس أيضاً على الغرب. نحن على قناعة بأنّ هذا ما يعنيه عنوان هذه الندوة: حوار الحضارات.



[ Web design by Abadis ]