ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 المسلمون وحوار الحضارات قبل ١١ أيلول وبعدها \ د. عبدالنبي اصطيف *

فـي صيف عام ١٩٩٣ خرج المفكر الأمريكي صموئيل هنتنغنون على الأمريكيين والعالم بمقالته "صدام الحضارات" [١] التي نشرتها مجلة "الشؤون الخارجية" Foreign Affairs, التي حملت نبوءة مشؤومة مفادها "أن المصدر الأساسي للصراع فـي هذا العالم الجديد لن يكون بشكل رئيسي أيديولوجياً أو اقتصادياً. وستكون التقسيمات الكبرى ضمن النوع البشري، ومصدر الصراع المهيمن، ثقافـية. وستظل الدول - القومية اللاعبين الأكثر قوة فـي الشؤون العالمية. ولكن الصراعات الرئيسية للسياسة العالمية ستحدث بين أمم وجماعات ذات حضارات مختلفة، وسيهيمن صدام الحضارات على السياسة العالمية. وستكون خطوط الصدع بين الحضارات خطوط المعركة فـي المستقبل" [٢]، و "أن الصراع بين الحضارات سيكون الطور الأخير فـي تطور الصراع فـي العالم الحديث" [٣].

وبسبب من "قصر المقال وعنوانه المثير، وتوخيه صدم القارئ ودفعه إلى الرد" [٤] فقد أثار نقاشات واسعة بين صفوف الباحثين، وصانعي القرار والساسة داخل الولايات المتحدة وخارجها. وبينما قام العلماء والباحثون بتفنيد أطروحة المقال وسخروا من فكر صاحبه وتهافت حجته، ولاسيما ما اتصل بحديثه عن "تفرد حضارة الغرب بالعظمة" وهو افتراض سقط منذ عهد مونتين وهيوم، على حدّ تعبير إدوارد سعيد، فإن الساسة الأمريكيين وصانعي القرار قد رأوا فـيه إفصاحاً عن تصوراتهم التي باتت تعدّ الإسلام (والعالم الإسلامي) مرشحاً ملائماً ليكون العدوّ الجديد للعالم الأول - للغرب وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفـياتي وحلف وارسو.

أما مثقفو العالم من ذوي الرأي الحر المستقل، فقد رأوا فـي أطروحة هنتنغتون مصدر خطر كبير على السلم العالمي لما تنطوي عليه من حوافز على تعزيز مناخ المواجهة بين الغرب من جهة وسائر العالم من جهة أخرى، ولاسيما أن الغرب يتسنم الذروة [٥] من حيث قدراته العسكرية والاقتصادية والسياسية مما يغريه بمواجهة أي تحد لهيمنته التي تكاد أن تكون هيمنة مطلقة فـي المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي الدولي.

وقد كان لمثقفـي العرب والمسلمين [٦] عامة موقف واضح من نبوءة هنتنغتون نظراً لما ظفرت به من قبول واسع لدى صانعي القرار السياسي فـي الغرب الذي رأوا فـيها فزّاعة مناسبة لتعبئة الغرب ضد عدو واضح المعالم وعريق فـي آن معاً، ومن ثم الإبقاء على الترسانة العسكرية للغرب ومتابعة تنميتها من جانب شركات إنتاج السلاح التي تسعد باستمرار التوتر ومناخ المواجهة فـي العالم مادام ذلك يكفل استمرارها وتنامي أرباحها والتوسع فـي استثماراتها.

وإذ تبين هؤلاء المثقفون أن الغرب قادر بإمكاناته الهائلة: السياسية والعسكرية والاقتصادية (فضلاً عن إرادته السياسية التي تستند إلى غطرسة القوة) على تحويل هذه النبوءة إلى واقع يدلل على صحتها، ولا سيما فـي زمن يعاني فـيه العالم الإسلامي من ضعف شديد نتيجة الفرقة والخلافات بين شعوبه ودوله، وبسبب مختلف المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها مجتمعاته، فإنهم سعوا إلى مناهضتها بشتى السبل. ولم يكتف هؤلاء بمناقشتها وبيان ما تنطوي عليه من مغالطات , وأخطاء، وثغرات فـي فهم التاريخ الحضاري الإنساني، بل انطلقوا يبثون الوعي بجوانب الخطر الذي تحمله إلى العالم الإسلامي الذي بات مهدداً على جميع المستويات، من قبل تحالف غربي يتحكم بمقدرات العالم ويرغب فـي ترتيب شؤونه على هواه. وهكذا رأيناهم يكتبون المقالات، ويعقدون الندوات، وينظمون المؤتمرات، ويطلقون التصريحات، ويدعون الناس فـي المشرق والمغرب إلى كلمة سواء، مذكرين بالقيم الإسلامية النبيلة كالتسامح وحسن الجوار والتعاون واحترام الحرية الدينية وغير ذلك من القيم التي كانت وراء انتشار الدين الحنيف فـي شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه، ومنوهين بأن العلاقة بين الغرب و

الإسلام اليوم باتت أكثر تعقيداً بعد أن أصبح الإسلام فـي الغرب وبين ظهرانيه ولم يعد مجرد طرف فـي علاقة غير متكافئة.

ومضت السنون واستمرت النقاشات واشتدت حدة المناظرات بين مؤيد ومعارض مما أذكى الاهتمام بالنبوءة المشؤومة، وحدا بواحدة من أكبر دور النشر الأمريكية (سيمون وشوستر) أن تطلب من صموئيل هنتغنتون أن يطوّر مقالته ويوسعّها ويعدّ منها كتاباً يضعه بين يدي القراء ويشفـي غليلهم لمعرفة المزيد عن هذه الأطروحة المثيرة التي أطلقت القطة بين الحمائم وولّدت ما ولّدت من استجابات واسعة الطيف فـي مختلف بقاع الأرض، ولابد لكل تفكير من مثير.

وهكذا شهدت نهاية عام ١٩٩٦ ظهور كتاب صموئيل هنتنغتون "صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي الجديد" [٧] فـي طبعة أنيقة فـي نيويورك لجمهور متلهف يودّ أن يطّلع على مقولة المؤلف وقد أنضجتها النقاشات وصقلتها الحوارات. وكان يتوقع من صاحبها أن يكون قد استجاب لمختلف صنوف التغذية الراجعة التي يسرتها له استجابات الباحثين والعلماء والمثقفـين والإعلاميين والساسة فـي شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه.

وسرعان ما تلقف الناس الكتاب وشرعوا يترجمونه إلى مختلف اللغات، وظهرت منه طبعة عربية بترجمة الدكتور طلعت الشايب، ومقدمة إضافـية بقلم الدكتور صلاح قنصوه صدرت عام ١٩٩٨ عن دار النشر سطور فـي القاهرة [٨]، مما يسّر أوسع الفرص وأغناها لمناقشة الكتاب من قبل مثقفـي العربية ومفكريها مناقشة هادئة متوازنة تضع النقاط على الحروف فـي مسألة العلاقة بين الحضارات الإنسانية، وبخاصة فـي هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ الإنساني والتي حوّلت الكرة الأرضية إلى "قرية كونية" فرضت نظاماً جديداً من قيم الجوار فـيما بين الأمم والشعوب والدول، أبرز ما فـيه الاستخفاف بكل الحدود السياسية واللغوية والعرقية والثقافـية فـيما بينها، والمساءلة العميقة لمفهوم الهوية فـي عالم جديد يُظِلّه نظام عالمي جديد، وتنتشر العولمة فـي مختلف جوانبه، وعلى جميع المستويات، انتشار النار فـي الهشيم.

وعلى الرغم من أن كتاب هنتنغتون كان على خلاف مقالته المركّزة الواضحة ولا سيما فـي ثقل دمه وتكلفه وأسلوبه المتعثر الذي يصفه إدوارد سعيد بأنه:

"يشبه أسلوب طالب بحوث يضيع فـي متاهات حيّز لايعرف عنه الكثير، معتنياً بالتعريفات و"الوقائع" والإحصاءات، وخاشياً فـي الوقت نفسه من انفجار غضب الأستاذ المشرف" [٩].

وعلى الرغم من: "النواقص الكثيرة فـي مسلمات المؤلف (مثلاً، أن الحضارات تبدو له كأنها كتل دائمة هائلة الحجم، مثل جيل جديد) والأخطاء المخجلة العديدة فـي شأن الطريقة التي تعمل بها ثقافة ما، وسوء الوصف للعناصر التي تميّز الغرب عن الإسلام والكونفوشيوسية وغيرهما، والافتراضات الساذجة التي لم تخضع للنقد والتقويم عن تفرد حضارة الغرب بالعظمة" [١٠].

بل وأكثر من هذا سوء فهمه لحضارته هو أي للغرب، وخطئه الفادح فـي النظر إليه على أن له "جوهراً ثابتاً لا يعرف التغير، أو هوية مطلقة تبقى كما هي عبر القرون" [١١]، أقول على الرغم من كل ما تقدم، وثغرات أخرى كثيرة أشار إليها أكثر من مراجع نقدي للكتاب، فقد تنامى الاهتمام بمقولته، وظل موضع حفاوة خاصة من قبل صانعي القرار الذين راقت لهم "نمذجته الأصلية للوضع العالمي على حالها، أي الغرب مقابل بقية العالم"، مثلما بقيت أطروحته موضع نقاش وتفنيد ونقد ونقض من قبل مفكري العالم العربي والعالم الإسلامي ولا سيما أنه اعتمد اعتماداً مطلقاً فـي توصيفه للحضارة الإسلامية على المستشرقين وبخاصة كبير سدنة الاستشراق التقليدي كاره العرب والإسلام المستشرق الأنكلو - أمريكي المعروف برنارد لويس، الذي أفاد منه بشكل خاص فـي حديثه عن علاقة الإسلام بالغرب، وتبنى إلى حد بعيد خطه الفكري العدائي للإسلام الذي تشي به مقالته الموسومة بـ "جذور الغضب الإسلامي" التي تعود لعام ١٩٩٠. والحقيقة أن مقالتي كل من هنتنغتون ولويس تقدمان - إذا ما شئنا أن نأخذ بتقويم المفكر العربي المقدسي إدوارد سعيد:

"بثقة تصل إلى حد التهور تصوراً مسبقاً لكيانين هائلين يحفلان فـي داخل كل منهما بالكثير من التمايز والتضارب، هما "الإسلام" و"الغرب" لكي يحوّلهما إلى ما يشبه شخصيتين فـي أفلام الكارتون "بوب آي" و"بلوتو" فـي عراكهما المستمر الذي ينتهي دوماً بانتصار الشخصية الطيبة. ولا يجد هنتنغتون متسعاً من الوقت لدرس الحركيات الداخلية فـي كل من الحضارتين وما فـيهما من التعددية، أو إلى أن التنافس الرئيسي فـي غالبية الثقافات الحديثة يدور على تعريف كل من الحضارتين أو تفسيرهما. كما لا يعيران انتباهاً إلى احتمال خطير، وهو أن التنطع فـي الكلام عن حضارة أو ديانة بأكملها ينم عن الكثير من الديماغوجية والجهل. كلا الإسلام، بالنسبة لهؤلاء، هو الإسلام، والغرب هو الغرب. لهذا يقول هنتنغتون: "إن التحدي أمام صانعي السياسة الغربية ضمان تزايد قوة الغرب لكي يستطيع صدّ كل الآخرين، خصوصاً الإسلام" [١٢].

وهكذا استمرت الاستجابات ذاتها لمقولة هنتنغتون، مع إحساس متنامٍ بما تنطوي عليه من مخاطر تحيق بالإسلام والمسلمين. وكان لابد من تحرك إيجابي يتجاوز هذه المقولة، وينقل دائرة النقاش إلى أفق آخر أكثر موضوعية وأعمق استيعاباً لطبيعة العلاقة بين الحضارات الإنسانية. وهذا ما فعله الرئيس محمد خاتمي عندما دعا فـي خطابه [١٣] أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فـي الواحد والعشرين من شهر أيلول / سبتمبر عام ١٩٩٨ إلى إعلان عام ٢٠٠١م، العام الأول من ألفـية الزمن الإنساني الثالثة، عام حوار للحضارات، وكان تبني الأمم المتحدة لهذه الدعوة، عندما وافقت الجمعية العامة فـي الرابع من تشرين الثاني / نوفمبر من العام نفسه بالإجماع على قرار يعلن عام ٢٠٠١م" عام الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات، تعبيراً عن القبول الواسع على النطاق الدولي لها، مثلما كان الإفصاح المبين عن الرغبة الواسعة فـي عالم الجنوب فـي التصدي لنبوءة هنتنغتون المغرضة، وما تشي به من تفكير مشروخ فـي العلاقات الدولية. وقد تابع الأمين العام للأمم المتحدة السيد كوفـي عنان نفسه هذا المسعى فأسهم بدوره فـي نقاش مقولة الحوار بين الحضارات فـي محاضرته التي ألقاها فـي الثامن والعشرين من شه

ر حزيران ١٩٩٩ فـي جامعة أكسفورد بعنوان "حوار الحضارات والحاجة إلى أخلاق عالمية" [١٤] والتي نشرها مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية فـي العام نفسه.

والحقيقة أن الرئيس خاتمي لم يكتفِ بدعوته هذه، ولم يقنع بموافقة الأمم المتحدة على اقتراحه، فاغتنم فرصة زيارته لليونسكو عام ١٩٩٩ ليقدم شرحاً مستفـيضاً لها فـي خطابه [١٥] أمام ممثلي أعضائها، كما اغتنم فرصة زيارته الرسمية لجمهورية ألمانيا الاتحادية عام ٢٠٠٠م فشارك مع الباحثين الألمانيين جوزيف فان إس Josef van Ess و هانز كونغ Hans Kung فـي الثاني عشر من شهر تموز / يوليو فـي ندوة حول "الإسلام وإيران والحوار بين الحضارات" [١٦]، أدارها الرئيس الألماني يوهانز راو Johannes Rau، ونشرت وقائعها لاحقاً مجلة الحوار العالمي Global Dialogue فـي صدر عددها الصادر فـي شتاء ٢٠٠١م، والذي خصصته لموضوع "الحوار بين الحضارات" وأسهم فـيه نخبة من مفكري العالم ومثقفـيه من المعنيين بهذا الأنموذج الجديد فـي العلاقات الدولية. وسرعان ما تحولت دعوة "الحوار بين الحضارات" إلى البديل الإيجابي الذي يسعى العالم الإسلامي إلى إشاعته نهجاً للعلاقات الدولية بين الأمم والشعوب والدول فـي الألف الثالثة.

وانشغل المفكرون العرب والمسلمون من جديد بمسألة العلاقة بين الحضارات الإنسانية ولكنهم شرعوا يناقشونها من أفق جديد، ومن وجهة نظر جديدة وهي الحوار الذي ينطلق من قبول "الآخر", والإقرار بحقه فـي الوجود، واحترام وجهة نظره احتراماً مؤسساً على الإيمان بالمساواة والتكافؤ بين الشعوب والأمم والحضارات ونبذ كل عنصرية أو طبقية فـي التعامل مع الآخر على المستوى الفردي أو الجمعي.

وهكذا شهدت الأعوام الأخيرة من القرن الماضي من جانب المسلمين جملة من النشاطات التي استهدفت إقناع الغرب المتسنم للذرى على جميع المستويات بقبول فكرة الحوار.

وهكذا عقدت الندوات القطرية والإقليمية والدولية [١٧] ونظّمت المحاضرات [١٨] من قبل المؤسسات التربوية والثقافـية والإعلامية، ودبجت المقالات, وأعدت البحوث، وصدرت الكتب؛ وحررت الأعداد الخاصة من الدوريات [١٩] وأنشئت المراكز المعنية بـ " الحوار بين الحضارات" [٢٠].

ولم يبدأ عام حوار الحضارات - العام الأول من الألفـية الثالثة - إلا والعالم كله يتحدث عن الحوار الذي شغل الناس عن أنفسهم، فانطلقوا يكثفون جهودهم على مختلف الصعد يحتفون من خلالها بالعام الجديد، الذي سبقه أعوام نظيرة للمرأة والكتاب وغيرهما، ومضوا فـي ذلك مطمئنين - وربما كانوا غافلين - إلى أن خطر الصدام بين الحضارات ولا سيما بين الحضارتين الغربية والإسلامية قد انحسر إن لم يكن قد تلاشى، فالعالم كله منصرف عن التفكير بالصدام بانشغاله بالحديث عن الحوار، وكان الوهم جميلاً يسّر للناس النوم قريري العين، إلى أن صحوا على انفجارات نيويورك وواشنطن فـي الحادي عشر من أيلول / سبتمبر من عام حوار الحضارات.

ولم يكد يمضي على هذه الانفجارات أربع وعشرون ساعة حتى رأينا الرئيس جورج بوش الابن يتصل بالرؤساء شرقاً وغرباً، ويقيم تحالفاً لمقاومة الإرهاب يضم فـي صفوفه قوى ما كان لها أن تجتمع من قبل، غايتها توحيد الجهود لاحتواء هذا الخطر الذي استهدف بانفجارات أيلول رمزين من رموز راعية النظام العالمي الجديد: الرمز الاقتصادي مركز التجارة العالمية World Trade Center والرمز العسكري، مبنى البنتاغون أو وزارة الدفاع الأمريكية (ولا ندري إن كان ثمة رموز أخرى كانت الطائرة الرابعة فـي طريقها إليها عندما سقطت أو أسقطت فـي بنسلفانيا)، والذي بدا قادراً بذراعه الطويلة تلك على الوصول إلى أي هدف فـي كوكبنا الأرضي. وكانت الرسالة المرسلة من واشنطن - ومازالت - إما أن تكون معنا أو ضدنا [٢١]، ومسعاها هو استئصال جذور هذا الخطر أو (ما بات يعرف بالإرهاب الدولي) ولابد من إسهام الجميع فـي هذه الحرب الطويلة تحت لواء زعيمة العالم الحر، التي تحدد الهدف وتمضي لتحقيقه مكلفة قوى التحالف الذي حشدته بما تراه من مهمات مساعدة: ميدانية، ومالية، ومعلوماتية، ودبلوماسية، وغير ذلك. وعلى الجميع أن يمتثل وإلا فإنه معرض لأن يكون هدفاً من الأهداف اللاحقة، أو أن ينتظ

ر دوره فـي قائمة الأهداف التي تخطها الإدارة الأمريكية، والتي تسعى فـيما يبدو إلى إعادة ترتيب العالم على هواها محوّلة إياه إلى معسكرين: معسكر يعيث فـي الأرض تدميراً وقتلاً وحصاراً لما يروق له أن يَسِمَهُ بِسِمَة الإرهاب، ومعسكر خائف مترقب يسعى ليدفع عن نفسه التهمة - تهمة مناهضة المعسكر الأول الذي يغتنم الفرصة السانحة له ليصفـي جميع حساباته القديمة ويعيد كتابة التاريخ الإنساني، بل رسم الجغرافـية البشرية، وتشكيل القيم الإنسانية التي ينبغي على إنسان الألف الثالثة أن يحيا بها ومن أجلها.

نعم لقد صحا العالم الإسلامي ليرى نفسه صراحة أو ضمناً، مباشرة أو على نحو غير مباشر، عدواً للغرب (المنقاد بمرونة غريبة للإدارة الأمريكية التي انتشت بما تملكه من قوة عسكرية واقتصادية وسياسية وتملكتها غطرسة القوة التي حذرها منها منذ عقود السناتور الأمريكي فولبرايت فـي كتابه الذي حمل العنوان نفسه: "غطرسة القوة " [٢٢]. وغدت نبوءة هنتنغتون فـي صدام الحضارات حقيقة الألف الثالثة، تتصدر عناوين الصحف الرئيسية، وتزين خطب السياسيين فـي تأليبهم لمجتمعاتهم على العدو القديم / الجديد، وتقفز من بين سطور المحللين السياسيين مذكرة بصدق صاحب النبوءة، على الرغم من كل ما يقوله الغرب (أو يقدمّه - بأقصى ما لديه من براعة - على منصة السياسة الدولية من طقوس احترام الإسلام والمسلمين) عن عدم استهدافه للإسلام والمسلمين بحملته ضد الإرهاب. (ولكن كيف اتفق أن جميع الأهداف التي أثبتها قلم الإدارة الأمريكية أو صانع القرار الأمريكي فـي قائمة الإرهاب تقع فـي العالم الإسلامي). وغدا السؤال الشاغل للعالم الإسلامي أين ما كنا ندعو إليه من حوار بين الحضارات، ما الذي حدث؟ أهذه لغة الحوار التي ينبغي أن تسود حوارنا مع الغرب. إننا لم نضع أنفسنا فـي يوم فـي م

واجهة الغرب ولم نتخذه عدواً لنا على الرغم من كل ما عانيناه على يديه فـي أيام المدّ الإمبريالي وما تلاه، فلم يتخذنا عدواً اليوم يريد أن يحتويه ويقضي على خطره؟ .

والحقيقة التي نسيها المسلمون فـي حديثهم عن حوار الحضارات، بل إنها الحقيقة التي كانت خارج دائرة وعيهم تماماً، هي أن ضعفهم من جانب، وقوة الغرب من جانب آخر، غواية ليس من السهل على الغرب مقاومتها. إن الأمر كما يمكن تلخيصه فـي غاية البساطة هو أن المواجهة مغرية أيما إغراء لأن نتيجتها واضحة: إنها غلبة الغرب الذي يكتب نفسه سعيداً، ويكتب من سواه من الأشقياء.

لقد كانت جميع جهود المسلمين عابثة، لم تستطع أن تمنع المواجهة أو تحول دون غوايتها، لأنها منطلقة من ضعف، وليست المسألة مسألة قوة حجة، أو سلامة منطق، أو صواب حق. ذلك أن السياسة الدولية لا تحكمها المبادئ، ولا تنظمها القيم، ولا تحدّها المثل بمقدار ما تحكمها المصالح والقدرات والإمكانات والآفاق، ومعنى هذا أن على المسلمين أن يبيّنوا للغرب بحجة البيان، وبقوة السنان: أن مصلحته أن يسلك طريق الحوار، وأنه يستطيع أن يحمي مصالحه بالحوار وحده.

وبكلمات مختصرة: إن المشكلة ليست فـي الدعوة إلى حوار الحضارات؛ وليست فـي ضعف حجة المحاورين من المسلمين؛ أو ضعف إيمانهم بجدوى الحوار؛ إنها ليست فـي صميم الغرب، أو فـي عدم تفهم وجهة نظر المسلمين فـي قضية الحوار، بمقدار ما هي لا مبالاة الغرب بالمسلمين، لأنهم لا يملكون زمام المبادرة فـي أي حوار، ولا يملكون أي خيار فـي علاقاتهم بالآخر. إنهم يستجيبون لمبادرات الآخرين، يقبلون بها، أو يرفضونها، يردون عليها، أو يفندونها، يدعون إليها أو يناهضونها، ولكنهم غير قادرين بسبب ضعفهم وتفرقهم على أن يكون لهم خيار غير الخيار الذي يضعه أمامهم "الآخر" الذي تهمه مصالحه ويهمه ضمان مستقبل أفضل لمجتمعاته. وإذا كان هذا قابلاً للتحقق من خلال شروطه التي يستطيع فرضها، بل يجعل الآخرين من المسلمين يقبلونها حباً وكرامة، فلماذا يريد خوض حوار معهم ومصالحه مكفولة, والعالم الإسلامي بها زعيم.

***

* جامعة دمشق

[١] - Samuel P. Huntington, “ The Clash of Civilisations “, Foreign Affairs, Vol. ٧٢, No. ٣, Summer ١٩٩٣ p p. ٢٢ - ٤٩,

ـ وانظر ترجمتها إلى العربية فـي: الغرب وبقية العالم بين صدام الحضارات وحوراها (مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت، ٢٠٠٠) ص ص (١١ـ٣٧).

[٢] - Samuel P. Huntington, “ The Clash of Civilisations “, p. ٢٢

[٣] - المرجع السابق، ص [٢٢].

[٤] - انظر إدوارد سعيد، "استعمالات الثقافة "، الحياة (لندن) العدد (١٢٤٠٤)، الخميس ١٣ شباط (فبراير) ١٩٩٧، ص [١٧]، وانظر نص المقالة الأصلي بالإنكليزية “ The Uses of Culture"

[٥] - Samuel P. Huntington, “ The Clash of Civilisation “ pp. ٣٩ - ٤٠

[٦] - انظر ملحقاً ببعض ما كتبه العرب والمسلمون عن حوار الحضارات أو صراعاتها وكان بوجه ما استجابة لأطروحة "هنتنغتون" فـي صدام الحضارات، فـي محاضرات فـي حوار الحضارات، كتاب الثقافة الإسلامية ٥, (المستشارية الثقافـية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق، دمشق، ٢٠٠١م، ص. ص (٣٤٢ - ٣٤٥).

[٧] - samuel P. Huntington, The Clash of Civilisations and the Remaking of World Order (Simon and Schuster, New York, ١٩٩٦).

[٨] - صاموئيل هنتنغتون، صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي، ترجمة طلعت الشايب، تقديم د. صلاح قنصوه، (دار سطور، القاهرة، ١٩٩٨).

[٩] - ادوارد سعيد، "استعمالات الثقافة"، ص [١٧].

[١٠] - المرجع نفسه، ص [١٧].

[١١] - المرجع نفسه، ص [١٧].

[١٢] - إدوارد سعيد، "صدام الجهالات "، الحياة (لندن)، العدد ١٤٠٩٨، الأحد ٢١ تشرين الأول (أكتوبر)، ص [٩].

[١٣] - انظر نص الخطاب فـي: الغرب وبقية العالم بين صدام الحضارات وحوارها ص ص (١٧٧ - ١٨١)، والمنشور بعنوان "الحوار بين الحضارات ".

[١٤] - Kofi Annan, Dialogue of Civilizations and the Need for a World Ethic (Oxford Centre for Islamic Studies, Oxford, ١٩٩٩).

[١٥] - انظر نص الخطاب فـي المرجع السابق، ص ص (٢٥١ـ٢٦٠) , والمنشور بعنوان "حوار الحضارات والثقافات".

[١٦] - انظر وقائع الندوة:

“Symposium: Islam, Iran and the Dialogue of Civilisations “ in Global Dialogue: the Dialogue of Civilisations, Winter ٢٠٠١, pp. ١ - ١٣.

[١٧] - كما هو الشأن فـي " ندوة معرض الكتاب الرابع عشر " التي نظمتها مكتبة الأسد الوطنية بدمشق فـي صيف عام ١٩٩٩. ومؤتمر "كيف سندخل سنة حوار الحضارات ٢٠٠١م " الذي نظمه مركز الدراسات الثقافـية الإيرانية العربية بدمشق بين ٢٢و٢٣ تشرين الثاني / نوفمبر، ٢٠٠٠م، ثم نشرت وقائعه فـي كتاب محاضرات فـي حوار الحضارات المذكور فـي الحاشية رقم ٢، ومؤتمر حوار الحضارات الذي نظمته جامعة الدول العربية فـي نهاية عام ٢٠٠١م، وغيرها مما لا مجال لذكره هنا.

[١٨] - ألقى صاحب هذه السطور عدداً من المحاضرات بالعربية والإنكليزية كان آخرها محاضرة بعنوان: "تفاعل الحضارات الإنسانية من الصدام، إلى الحوار، إلى الشراكة المعرفـية " بدعوة من مركز دار العودة الاجتماعي فـي برنزوك وقسم الدراسات العربية و الشرق أوسطية بجامعة ديكن (ميلبورن، أسترالية)، فـي مركز دار العودة الاجتماعي, فـي مساء يوم الأحد ٣٠ أيلول / سبتمبر ٢٠٠١م

[١٩] - كما فـي العدد الخاص الذي أصدرته مجلة " الآداب" المرموقة، عن: "الحضارات والثقافات بين الحوار والصراع" السنة [٤٨]، العدد ٣ـ٤، آذار / نيسان، ٢٠٠٠م وشاركت فـي كتابة بحوثه نخبة من مثقفـي الوطن العربي، والعدد الذي سيصدر قريباً من مجلة الاجتهاد (بيروت).

[٢٠] - كما هو الشأن فـي المركز الدولي لحوار الحضارات فـي طهران، و مركز لحوار الحضارات فـي نيقوسيا، قبرص.

[٢١] - Tony Parkinson, “The Clash of Civilisations”, The Age (News Extra) , Saturday, September ١٥th ,٢٠٠٢,p. ٤

[٢٢] - James William Fulbright, The Arrogance of Power Penguin Books, Harmondsworth, Middlesex, ١٩٧٠



[ Web design by Abadis ]