ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 منطق العلاقة بين الحضارات \ د. أحمد برقاوي *

يعدّ السؤال حول العلاقة بين الحضارات، واحداً من الأسئلة التي وسمت وتسم حاضرنا الثقافـي الفكري.

والحق أننا - نحن العرب - لم نطرح هذه المشكلة - أقصد مشكلة الحضارة فـي علاقات الأمم - بل هي ثمرة الوعي الغربي بالعالم الراهن. وقد أنجرّ بعضنا إلى دائرة الحوار الذي لايني يتسع حول هذه المسألة، حتى وصل الأمر إلى تداعي عدد من الهيئات العربية لعقد مؤتمرات خاصة بما يسمى بحوار الحضارات. وقد أسس الإيرانيون مركزاً سموه مركز حوار الحضارات.

ومرة أخرى فرض علينا الغرب التفكير بمسألة لم نطرحها. بل لقد دار الحوار فـي الستينيات والسبعينيات وفـيما بعد ذلك بصورة أقل حول مسألة الأصالة والمعاصرة فـي ثقافاتنا العربية، وكان المقصود بهذه المسألة البحث عن سبل المواءمة بين الموروث الثقافـي - الحضاري العربي والتقدم الأوربي. ولست الآن بصدد الكشف عن زيف الإجابات حول هذه المسألة الزائفة أصلاً.

لكن الغرب - وفجأة - قدم للعالم فكرة صراع الحضارات التي ولدت بدورها فكرة حوار الحضارات. فإذا بالنقاش يدور حول ما إذا كان هناك صراع بين الحضارات أو حوار. وتحزب المتحزبون لهذا الطرف أو ذاك وما زلنا نشهد كل فترة ظهور المسألة فـي أكثر من شكل.

أما نحن فإننا ندخل لب المشكلة على نحوٍ آخر بادئين بامتحان الأسئلة التي يطلب من البشر الإجابة عليها فـي ظل الحوار الدائر.

وعندي أن السؤال عموماً يستبد بالمجيب، ويرسم له طريقاً هيهات أن يخرج عنه، وبكلمة أخرى: ينتج السؤال الزائف إجابة زائفة بالضرورة فـيما يتمخض السؤال الصحيح عن إجابة هي إلى الصواب أقرب.

وفرضيتي تقوم على أن الغرب شغلتنا بأسئلة زائفة لابد أن نتحرر منها إن أردنا أن ندخل إلى حقيقة العلاقة بين حضارات العالم.

هل هناك صراع بين الحضارات؟ هذا سؤال طرحه علينا الغرب.

وعندي أنه سؤال زائف بالمرة، ولاسيما حين أردف بسؤال زائف آخر… هل هناك حوار بين الحضارات.

استبد بنا هذا السؤالان وصار الفكر يدور فـي حلقة مفرغة، ويسجن نفسه فـي إما وإما أو فـي احتمالٍ يجمع النقيضين دون تركيب.

ولأن السؤال خضع لمبدأ الثالث المرفوع فـي المنطق الصوري بدا على سؤال صحيح.

نعود إلى الفرض الذي نطرحه: ألا وهو امتحان السؤال بوصفه سؤالاً زائفاً، علّنا نكشف زيفه.

الفرض الأول: لاصراع بين الحضارات. أجل الحضارات لا تتصارع.

فإذا انطلقنا من أن الحضارة عموماً هي جملة الإبداعات الروحية والمادية لمجتمع محدد تاريخياً، بدءاً من أبسط العادات والتقاليد وانتهاءً بنمط الحياة مروراً بالأفكار والآداب والفن والتقانة، إذا انطلقنا من هذا التعريف للحضارة، بأنها تنطوي على فكرة الاختلاف التاريخي. وهذا الاختلاف التاريخي بدوره يشير إلى عنصر التغير المتواصل، أي السيرورة التي تحتوي صفتي الثبات والتحول.

ومن ثمّ لا نحيل الحضارة إلى فكرة الصراع كنتيجة لازبة من نتائج الاختلاف.

فالاختلاف فـي الطهي بين الحضارة الصينية والحضارة العربية مثلاً اختلاف مرده إلى إبداع الطهي كثمرة من ثمرات تاريخ المنطقتين واختلاف الذوق، واختلاف المواد الغذائية واختلاف الإبداع.

اختلاف كهذا هو اختلاف فـي الثقافة عموماً، وقد نجده داخل المجتمع الواحد، كاختلاف الطهي بين القرية العربية والمدينة مثلاً، وكلما زاد الاتصال بين القرية والمدينة زال الاختلاف.

والنظرة إلى العالم هي الأخرى تعبير عن الاختلاف التاريخي، وموقف الإنسان هنا وهناك من العالم.

إذاً الصراع لا يقوم بين الحضارات كصورة من صور الإبداع الإنساني فـي كل المجالات. إنه لا يقوم بين نظرةٍ إلى العالم وأخرى، أو بين طريقة فـي الطهي وطريقة ثانية، أو بين تقانة هنا وتقانة هناك.

لكن الصراع موجود بين الأمم، ولما كانت الأمم لا تظهر إلا فـي إهاب الحضارة، فبدا لبعضهم أن الصراع بين الأمم هو صراع حضاري.

إن الصراع بين الأمم على المصالح هو نزوع نحو الهيمنة والسيادة.

فلو نظرنا إلى الصراع الذي ظهر منذ القرن الثامن عشر بين الغرب والإمبراطورية العثمانية، لما فهمناه إلا بوصفه نزوع أوروبا فـي بداية الرأسمالية نحو السيطرة على العالم. الذي تمخض فـي النهاية عن بروز ظاهرة الاستعمار فـي نهاية القرن التاسع عشر.

والاستعمار ليس تعبيراً عن صراع بين الحضارات، إنه الرغبة فـي التوسع الرأسمالي لاستغلال الثروات والأسواق.

وما يدحض فكرة صراع الحضارات، تلك الحروب التي قامت بين دول تنتمي فـي النهاية إلى حقل حضاري واحد، أي هي متشابهة من حيث الانتماء الحضاري.

فلقد قامت الحروب بين روسيا والسويد، وبين فرنسا وبريطانيا، ودار الصراع بين فرنسا وبريطانيا على الهيمنة.

وهزم الإنكليز بونابارت فـي مصر، والحرب العالمية الأولى قامت بين ألمانيا أساساً تدعمها إيطاليا والدول الطورانية من جهة وبين فرنسا وبريطانيا إلى جانبهما روسيا من جهة أخرى.

والحرب العالمية الثانية هي حرب فـي الأساس أوروبية، هل كانت هذه الحرب تعبيراً عن صراع الحضارات؟

إذاً لكي نفهم الصراع يجب أن نفهمه خارج السؤال الزائف حول صراع الحضارات.

بل قل إن فكرة صراع الحضارات الذي تطرحه بعض النخب الثقافـية الأوروبية لصراع دولها مع الدول الضعيفة لالتهامها اقتصادياً وسياسياً.

هنا تظهر إلى العيان فكرة الصراع الإيديولوجي لا فكرة الصراع الحضاري.

فالصراع الإيديولوجي بوصفه مفهوماً بديلاً من حيث صدقه هو المفهوم الأقدر على وصف الصراع بين الرأسمالية المتعولمة الآن وبين دول العالم التي لا تملك إرادة التحرر العملية من عبوديتها للرأسمالية المتعولمة وخاصةً فـي نقيضها فـي أوروبا وأمريكا.

واستناداً إلى مفهوم الصراع الإيديولوجي نحن لا ننفـي الصراع، لكنه الصراع بين إرداتين: الأولى إرادة الهيمنة والاستعباد والاستغلال وإرادة التحرر من هذا كله.

فالغرب يحشد ما شاء من المفاهيم ليدلّل على صراع الحضارات ليزيف حقيقة العلاقة غير المتكافئة بين دول تمتلك قوة المال والعسكر والعلم، ودول ما دون ذلك.

ولهذا تراه يصف حضارة بالعقلانية والحداثة أو ما بعد الحداثة والعلمانية والحرية والديمقراطية وانتصار الإنسان، مقابل حضارات شعوب لا عقلانية وغير حداثوية وحياتها خلو من الحرية والعلمانية والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهو إذ قدّم وصفاً كهذا حوله إلى صراع بين نمطين من الحضارة.

أن تكون الديمقراطية - فـي صورتها الراهنة - ما يسم الغرب فهذا مما لاشك فـيه، ولكن الديمقراطية ليست قيمة غربية، بل هو نزوع إنساني لدى شعوب كثيرة ما زال النظام السياسي فـيها غير ديمقراطي، ومن ثمّ فإن هذه الشعوب إذ تنزع إلى الديمقراطية فإنها عملياً نازعة إلى هويتها، وعندما لا أحد باستطاعته أن يفصل العالم إلى عالمين بينهما صراع حضاري، بين حضارة ديمقراطية وأخرى غير ديمقراطية.

ولو كانت المسألة مسالة صراع، لما فهمنا نزوع شعوبنا نحو الديمقراطية. ولكانت هذه الشعوب المكافحة من أجل الديمقراطية لا وجود لديها أصلاً لفكرة الديمقراطية، بل ولكانت داعمة للأنظمة الاستبدادية. وهذا أمر غير معقول إطلاقاً.

وليس الصراع قائماً بين أمم تؤكد حقوق الإنسان وأمم ساعية لمثل هذه الحقوق. بل على الضد من ذلك، إن الشرق العربي مثلاً إذ يكافح من أجل حقوق الإنسان، فإنه عملياً يصارع المؤسسة السياسية الغربية - الأمريكية التي تسلب الإنسان فـي العالم الذي كان يسمى ثالثاً حقوقه…

ما نخلص إليه فـي هذه النقطة: أن فكرة صراع الحضارات تزييف للصراع الحقيقي بين الأمم. فعبر فكرة صراع الحضارات لا يرى الغرب فـي الصراع بين الأمة العربية والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص من جهة، وبين الحركة الصهيونية والكيان العنصري الصهيوني إلا بوصفه صراعاً حضارياً بين عرب متخلفـين ودول ديمقراطية، ويحوّل كفاح الفلسطيني إلى إرهاب. على أن الصراع بيننا وبين الحركة الصهيونية هو صراع بين شعب ساعٍ إلى حريته واستقلاله وكرامته، هو الشعب العربي الفلسطيني والعربي عموماً، وبين حركة عنصرية هي الحركة الصهيونية وكيان استعماري إجلائي محتل.

أما القول بحوار الحضارات فلا يقل زيفاً عن الحوار بينها.

فالحوار يفترض - منطقياً - طرفـين متكافئين بالاختلاف، يقوم بين هذين الطرفـين، حوار لانستطيع أن نحدد نتائجه سلفاً.

وهذا المعنى - أي الحوار - فعل إرادي يقوم بين طرفـين.

وإذا نظرنا إلى العلاقة التي تقوم الآن بين الحضارة الأوربية والأمريكية من جهة وحضارة العرب أو ما شابه ذلك، فإننا لا يمكن وضعها فـي إطار علاقة حوار.

فإذا كان المقصود بالحوار التأثير المتبادل بين الحضارات، فالتأثير بحد ذاته ليس حواراً. بل المتفحص للتأثر يدرك حجم التأثير الذي تمارسه الحضارة الأوروبية - وبخاصة نمط الحياة فـيها على حضارتنا، دون أن نلحظ أي تأثير نمارسه نحن فـي الحضارة الغربية. إذاً هو تأثير من جانب واحد، وهذا ليس ما يتطابق مع معنى الحوار الذي أشرنا إليه.

فنحن - ومنذ القرن التاسع عشر - واقعون تحت تأثير الأفكار والأزياء والحياة السياسية والفنون الغربية. وإذا اعتقد بعضهم أن الحوار قائم بين النخب فـي كلتا الحضارتين فهذا أيضاً غير موجود. فالنخب الغربية الثقافـية - الأدبية والعلمية والفلسفـية هي التي تمارس تأثيرها فـينا، إذ نادراً ما تجد مفكراً غربياً على معرفة أو دراية بسيطة بالنخبة العربية أو الإسلامية إلا إذا اعتبرنا الأصول العربية لبعض المثقفـين والمفكرين فـي الغرب دليلاً على الحوار، وهذا خطأ.

فإدوارد سعيد مثلاً هو مفكر وناقد عالمي، لكنه ابن الحضارة الأمريكية رغم همومه العربية، وما كان ليحتل المكانة العالمية إلا لأنه منتم عملياً للأمة الأمريكية.

والترجمة أيضاً ليست دليل حوار لأنها تتم من الغرب إلى الشرق، فنحن الذين نقوم بترجمة الأعمال الغربية فـي الآداب والفنون والعلوم والفلسفة. والعكس ليس قائماً، أي أن الغرب نادراً ما يترجم عن لغتنا إلى لغاته. فمنذ عصر النهضة وحتى الآن إنما نقوم بترجمة الأعمال الكبرى للفكر الغربي، حتى بدا الفكر الغربي حاضراً وبقوة فـي حياتنا الفكرية.

وقد يتساءل المرء على هذا النحو؟ والجواب بسيط جداً إلا وهو أن المتخلف هو الذي يتأثر بالمتقدم والأضعف أسير الأقوى، والأمم العالمية هي التي تؤثر بالأمم المحلية.

وما الأمة العالمية إلا تلك التي تمارس تأثيرها فـي أمم العالم.

ففـي الوقت الذي كانت فـي الحضارة العربية - الإسلامية عالمية، مارست تأثيرها العاصف فـي أمم الأرض، وعندما كفت عن أن تكون كذلك عادت لتغدو أمة واقعة تحت تأثير الأمم العالمية الأوروبية.

فإذا كان الحوار مستحيلاً بين الحضارات فلماذا يطرح بعضهم فكرة حوار الحضارات؟ .

الجواب عندي أن فكرة حوار الحضارات مردها إلى ظهور النزعات الإنسانية لدى بعض مفكري الغرب. رداً على فكرة صراع الحضارات. وإلى ضيق الحيلة عند بعض مفكري العرب من منطلق الضعف وليس القوة.

إنها دعوة طوباوية إنسانية، هذا إذا لم نتحدث عن أنها فـي بعض الأحيان لدى مفكري العالم الثالث تعبير عن تبرير الأخذ من الحضارة الأوروبية.

فالقوي لا يحاور الضعيف، والأعلى لا يحاور الأدنى والمتقدم لا يحاور المتخلف.

إذا كان السؤال: (صراعٌ بين الحضارات أم حوار) سؤالاً زائفاً من وجهة نظرنا، فلنسأل سؤالنا الآتي ما منطقة العلاقة بين الحضارات؟

إن طرح السؤال حيادياً على هذا النحو لا يفترض إلا شيئاً واحداً بالبداية أولا وهو الإقرار بوجود علاقة بين الحضارات.

ولكن دون أن يحدد بأية طريقة تظهر هذه العلاقة، وفـي كل الأحوال عندما نقر بوجود علاقة بين الحضارات، فإنما نقر بدفقة تاريخية قديمة لم يخل التاريخ منها، لم يخل تاريخ حضارة من الحضارات من علاقة الحضارة أو أكثر. إلا اللهم فـي حالات الشعوب البدائية المغلقة.

نستنتج من استقراء حالات العلاقات بين الحضارات تاريخياً المبادئ الآتية:

المبدأ الأول: إن الحضارة الوليدة الناهضة، قادرة على استدعاء منجزات حضارات سابقة عليها أو معاصرة لها وخصمها، أي قادرة وهي فـي طور النهوض أن تعيد تكوين هذه المنجزات وتصهرها فـي إطار حضارتها الوليدة.

ونقصد بالحضارة الوليدة الناهضة، حال أمة من الأمم وقد أنتجت قوى اجتماعية صاعدة (بفعل تطور أو هبة اقتصادية سياسية) أخذت على عاتقها ملحمة إنجاز تاريخ جديد يتجاوز واقعها القديم، ويؤدي انتصار هذه القوى إلى ولادة نموذج حضاري ذي كيفٍ جديدٍ قابلٍ للانتشار. وغالباً ما تكون الحضارة الوليدة حضارةً كليةً، فتتطورُ جوانبُها كلُها، الماديةُ والروحيةُ، وتَخْلق لدى أبنائها ونخبها ثقةً مطلقةً بالنفس تجاه الحضارات الأخرى. ولمّا كانت أيةُ حضارةٍ غيرَ قادرةٍ بشروطها الذاتية وحدها على أن تتطورَ وتزدهر، فإنها تَحْفر مجاري متعددة لتصبّ فـي نهرها، دون أن يخالجها شعور بالدونية تجاة الجداول، وذلك لأنّ ماء الجداول يغدو جزءاً من ماء نهرها الكبير.

ونموذج الحضارة اليونانية شاهد على ذلك ويشهدُ على ذلك أيضاً نموذجا الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الأوروبية الحديثة.

فليست الحضارة اليونانية إلا ظهوراً للمدينة - الدولة، وتقسيماً جديداً للعمل أنتج طبقةً من الأحرار تفرغت للتفكير والحكم وقيادة الحرب. ولقد عَبَّتْ طبقةُ الأحرار المفكِّرة هذه من معين الحضارات السابقة عليها، وأعادت إنتاج أساطيرها وعلمِها وفلسفتها فـي كيفٍ جديدٍ من المعرفةِ والفلسفةِ والديانةِ وشؤونِ الحياة.

وكان الإغريق واعين لمثل هذا الأمر، ومدركين لأهمية حضارات الفراعنة والآشوريين والهنود فـي تكوين حضاراتهم. فقد رأى هيروديت أنَّ الديانة والحضارة اليونانيتين قد أتتا من مصر. وفـي محاورة طيماوس لأفلاطون يقول أحد الكهان المصريين لسولون: (أيها اليونانيون أنتم أطفال). وكان أرسطو يقول: إن العلوم الرياضية قد نشأت فـي أرض مصر حيث كان الكهنةُ يتمتعون بالفراغ الضروري للدراسة. ومن الثابت أن ديمقريطس قام برحلات إلى اليمن وبلاد أخرى.

وقد ساعد اليونايين فـي اكتساب منجزاتِ حضارة الشرق قربُ مستعمراتهم من آسيا الوسطى، وتماسُّهم المباشر مع شعوب الشرق [١].

ثم جاء الفتحُ المقدونيٌّ ينشر الحضارة اليونانية، فـي الشرق. فتحولت الحضارة اليونانية إلى حضارة عالمية، وصارت أُستاذاً للشعوب بعد أن كانت تلميذاً عند مصر وحضارةِ ما بين النهرين.

وقِس على ذلك الحضارة العربيةَ - الإسلاميةَ التي انطلقت فتيةً من جزيرة العرب بفضل قوى سياسيةٍ - تجاريةٍ صاعدةٍ محملةٍ برسالةٍ جديدة هي الإسلام.

ولقد أدى الفتح الإسلاميُّ للعالم السوريّ والفارسيّ إلى أن وجدتِ الحضارةُ الوليدةُ نفسَها أمام حضاراتٍ منهارةٍ سياسياً، لكن إرثها الروحي سرعان ما تحوّل إلى جزء من هذه الحضارة الوليدة. فلقد صبّتْ منجزاتُ روما وفارس، ومن ثَمَّ الهند واليونان، فـي نهر الحضارة العربية الإسلامية، طابعةً إياها بطابعها الخاص - فلسفةً وطبّاً وهندسةً وحكمةً. ولا أحتاج إلى الإسهاب فـي هذه النقطة التي باتت معروفة لدى الغرب والشرق [٢].

وليس بخافٍ على أحد أنّ أوروبا، حين كانت على عتبة تجاوز قرونها الوسطى، قد استدعت العِلْمَ العربيَّ والفلسفةَ العربيَّةَ. ولقد سيطرت المؤلفاتُ العربيَّة العلميَّة، التي بدأتْ ترجمتُها فـي القرن الثالث عشر، على الفكر العلميّ الأوروبيّ لأربعمئة عام تقريباً. ففضلاً عن تعرُّف الغرب على المعرفة اليونانية عن طريق الترجمات العربية، تُرجمتْ كتب ابن الهيثم والخوارزمي وابن سينا فـي العلم؛ وأمّا فـي الفلسفة فلقد نشأ تيارٌ فلسفـي متأثر بابن رشد، الذي تحول إلى سلاحٍ تنويريٍّ ضد الكنيسة [٣].

المبدأ الثاني: وهو أنّ انتقال منجزات الحضارات إلى حضارة صاعدة تَمَّ ويتمُّ وفْقَ آليةِ انهيار حضاراتٍ غَدَتْ إرثاً للحضارة الصاعدة. فحضارةُ اليونان أُخذت إرث الحضارة المصريّة والسوريّة فـي مرحلة جمودها، وحضارةُ الإسلام أخذت عن حضارة اليونان والرومان وفارس فـي فترة انهيارها وهزيمتها، كما أخذتْ حضارةُ الغرب تعبّ من حضارة الإسلام بعد أن أفلَتْ شمسُها.

إنّ هذه الحالة من غياب النِّديّة تخْلق لدى أصحاب الحضارة الناهضة وضعاً نفسياً قائماً على الشعور بالتفوُّق. فلا يُنظر إلى إرث الحضارات المنهارة نظرةً تهديد هويّاتيّ، أو نظرةَ غزوٍ ثقافـي. وآيةُ ذلك أنّ القوة السياسية والعسكرية للحضارات المنهارة قد آلت إلى زوالٍ بحيث لم تعد تشكِّل تهديداً للحضارة الناهضة.

المبدأ الثالث: وهو أن الحضارات الراكدة، التي فقدت حيويَّتها، تتأثَّر بالحضارة المتحركة والحيوية وتستدعيها، ولكن دون أن تعيد إنتاجها ودون أن تخلق كيفاً حضارياً جديداً، فـيظلّ تأثيرها خارجياً حتى ولو شَرَعَتْ تترجم كلِّ منجزات الحضارة القوية الصاعدة.

ونقصد بـ (الحضارة الراكدة) غيابَ قوى اجتماعيةٍ صاعدةٍ وفقدانَها نظرةً جديدةً إلى العالم، متعايشةً مع تناقضاتها دون أن تتحول هذه التناقضات إلى آليةِ تركيبٍ جديدٍ لعالمٍ جديدٍ.

فإذا عرفنا أن الحضارة الناهضة تخْلق أفكاراً ومفاهيمَ ومنظوماتٍ أيديولوجيةً وعلوماً تطبيقية ونمط حياةٍ قابلةً كلّها للانتشار، فإنّ الحضارة الراكدة تعتقد أنّها بتمثٌّلها منجزاتِ الحضارةِ الناهضةِ قادرةٌ على بعث الحيوية فـي جسدها الراكد. ومن ثَمَّ تَظْهر هنا فكرةُ (إعادة تجربة الآخر).

والحقّ أنّ هناك فرقاً كبيراً بين امتلاك منجزات حضارةٍ ما فـي لحظةِ صعودِ الحضارة، وبين إعادة تجربة حضارة ساندة فـي وقتٍ يكون فـيه المجتمع المستعير راكداً. ففـي الحالة الأولى، هناك استدعاء وتجاوز، وفـي الحالة الثانية هناك تبنٌّ ميكانيكيٌّ ظاهريٌّ.

وهكذا فإنّ جمهوراً من أبناء الحضارة الراكدة - وقد شاهدوا انتشارَ الحضارة الناهضة دون أن تُحدِثَ تحوُّلاً عميقاً فـي قَلْب المجتمع والوعي - يعودون إلى التمسٌّك بإرثهم القديم، ولا يَرَوْن فـي ما هو قابلٌ للانتشار من الحضارة الناهضة إلاَّ تمرُّداً ثقافـياً يجب أن يواجَهُ بالتمسٌّك بالهويَّة التي تهدِّدها - كما يعتقدون - تلك الحضارةُ الأخرى الناهضةُ.

وهكذا تنشأ فـي الحضارة الراكدة حالةٌ من التناقضِ غيرِ المثمر بين نمطيْن من النُّخَب: نمطٍ ينتمي فـي وعيه التاريخيّ إلى الحضارة المتقدِّمة؛ ونمطٍ يحتفظ بوعيه التاريخيّ المثمر القديم، فـينتمي إلى عصرٍ سابق.

وعندما نقول إنَّه (تناقضٌ غير مثمر) فلأنَّه حاضرٌ فـي مجتمع راكدٍ أصلاً. ولهذا لا ينتج عنه أيُّ ترتيبٍ جديدٍ.

المبدأ الرابع: وهو أنّ الحضارة العالميّة هي حضارةُ أمّةٍ عالميّةٍ وليست هي حضارات العالم.

ونقصد بـ (الأمة العالمية): الأمة التي وصلتْ إلى درجةٍ من التقدُّم الكُليّ وصارت معها قادرةً على أن تَطْبع العالَمَ بطابعها، فتغدو حضارتُها عالميّةً، أي قابلةً العالَمَ بطابعها، فتغدو حضارتُها عالميّةً، أي قابلةً للانتشار. وقابليتُها للانتشار هذه ناتجةٌ عن علاقة التفاوت بين الحضارة العالميّة والحضارة المحليّة. وإذّاك تغدو لغةُ الأمة العالميّة لغةً عالميةً، وأدبُ الأمة العالمية أدباً عالمياً، وعلم الأمة العالمية علماً عالمياً، وأفكار الأمة العالمية أفكاراً عالمية، وهكذا.

وإذا ما تحدثْنا عن عالمنا الراهن لنطبِّق عليه هذا المبدأ، نجد أن أوروبا منذ القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين قد شهدت أمماً عالمية متفاوتة فـي قوة سيطرتها: وهي الأمم الألمانية والفرنسية والإنكليزية. ونجد أن انتصار العلاقات الرأسمالية وتحوّلها إلى إمبريالية - أي إلى رأسمالية توسعية - قد طبع العالم كله بطابعها. ولما كانت هذه الإمبريالية أوروبية المنشأ والتطور، فإن كل العالم قد عرف - بهذا الشكل أو ذاك - تأثيراتها القوية، إما بفعل التوسع المادي (الاستثمار) أو بفعل الإعجاب بهذا المستوى من التقدم.

ولقد شهد العالم سيطرة اللغتين الفرنسية والإنكليزية بوصفهما لغتين عالميتين. وفـي عصر نهضة روسيا القيصرية نفسها، كانت اللغة والثقافة الفرنسية هما لغة النخبة الأرستقراطية الروسية وثقافتها؛ والأمر عينه ينطبق على فن العمارة فـي روسيا تلك.

وغدت اللغة الإنكليزية هي لغة المعرفة والعلم اليوم. ويجب أن نذكر أنه رغم الطابع التوسعي لهذه الرأسمالية وهمجيتها فـي السيطرة على الشعوب، فإن أفكارها لاقت انتشاراً واسعاً فـي العالم: من فكرة (الديمقراطية) إلى فكرة (العلم)، وانتهاء بفكرتي (الاشتراكية) و (تحرر المرأة) الخ. (ومن الطريف أن الذين يعادون الغرب بفكرة (الاشتراكية) ينسون أنها فكرة غربية أصلاً!)

ومع ظهور قوةٍ امبرياليةٍ أكثر قوةً على التوسُّع، وأكثر سرعةً فـي التطوُّر التقاني - العلميّ، وأعني الإمبرياليّة الأمريكيّة، غدت الولايات المتحدة الآن هي اللغة العالمية، ونمطُ الحياة الأمريكية وثقافتها يكادان يسيطران على كل بقاع العالم الراهن.

إن قولنا إن هناك حضارةً عالميةً، هي حضارةُ أمةٍ عالميةٍ، ليس حكمَ قيمةٍ. فقد لا تكون للأمة العالمية أفكارٌ قابلةٌ للانتشار ذاتُ بعدٍ إنسانيٍّ، بل قد تكون منحطةً فـي مستوى الأخلاق. ولكنَّها مع ذلك تكون قادرة على نشر نمط حياتها وقيمِها، بمعزل عن طبيعة هذا النمط وهذه القيم.

المبدأ الخامس: لا يُمْكن إعادةُ إنتاج حضارةٍ بادت، ولا تكرارُها انطلاقاً من الشروط التي أنتَجَتْها.

وحُجَّتنا فـي ذلك هي التاريخ. فلم يَعْرف التاريخُ حتى الآن أنْ قامت حضارةٌ من مَوَاتها باستعادة تجربتها: فلا الحضارة الآشوريَّة بُعثتْن كما لم تُبْعث الحضارةُ اليونانيِّة، ولا الإسلامية. وأنْ يتحكَّم وهمُ إعادة تكرار حضارةٍ بادت لَمٍنْ شأنِهِ أن يزيد من الركودِ التاريخيّ.

وقائلٍ ها هي الصين تُبعث من جديد. وهذا صحيح، ولكنّ الحضارة الصينية الجديدة لا علاقة لها بحضارتها القديمة إطلاقاً. بل هي حضارةُ تجربةٍ اشتراكيةٍ وصناعيةِ وليدة.

ومن هنا يَنْتج أنَّ على الأمم الحضارية، إذا ما أرادت أن تبني حضارةً جديدةً متجاوزةً ركودها، أن تنطلق من تصوُّراتٍ جديدةٍ وتَحْمل فـي أحشائها قوى اجتماعيةً جديدةَ يُنتجها الواقعُ المعاصرُ ذاتُه. وعليه، لا تُبنى حضارةٌ جديدةٌ إلاَّ بقوى داخلية أولاً وأخيراً، ومن العبث الظنُّ أنَّ هناك إمكانيةَ بناء حضارةٍ استناداً إلى عاملٍ خارجيٍّ او باستعارة تجارب الآخرين.

استناداً إلى هذه المبادئ كلها فإنّ النقاش الدائر الآن حول (حوار الحضارات أو صراعها) نقاشٌ عقيم أولاً، ولا يَنتج عقليّاً من السيرورة التاريخية للحضارة.

فالحضارة القوية لا تحاوِر بل تُهيمن، ولا تتأثر بغيرها بل تُنتج مؤثراتٍ فـي غيرها حتى ولو اكتسبتْ منجزاتِ حضاراتٍ أخرى. والحضارة الراكدة لاتحاوِر هي أيضاً، بل تَسْتقبل كجهاز استقبالٍ ليس إلا، ولا يَنْتج من استقبالها كيفٌ جديدٌ للحضارة.

وبناء عليه لا يكون السؤالُ صحيحاً إلاًّ إذا طرحناه على النحو الآتي: هل هناك إمكانياتٌ قابعةٌ فـي قلب الواقع تَسْمح لنا بالتفكير بصناعةِ حضارةٍ جديدةٍ؟

***

* جامعة دمشق

[١] - لمزيد من المعلومات حول هذه القضية، انظر: شارل فرنر: الفلسفة اليونانية، بيروت ١٩٩٨، ص ١٨ - ٢٢.

[٢] - انظر بهذا الصدد، أحمد أمين: ضحى الإسلام، الجزء الأول.

[٣] - انظر بهذا الصدد كتاب: توبي أ. هاف: فجر العلم الحديث، الجزء الأول من سلسلة عالم المعرفة، عدد ٢١٩، الكويت، ١٩٩٧.



[ Web design by Abadis ]