ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 صراع الحضارات بين الغرب الأمريكي و الإسلام \ د. طيب التيزيني *

«١»

ربما يتفرّد صموئيل هنتنغتون ضمن الفكر الاستراتيجي الغربي الراهن فـي وضع يده على ماقد يمثل مدخلاً من مداخل حاسمة أخرى إلى مرحلة ما بعد الحرب البادرة عموماً، وعلى نحو يتصل بالولايات المتحدة الأمريكية العولمية. ففـي المقالة التي كتبها عام ١٩٩٧ بعنوان «تآكل المصالح القومية الأمريكية»، يستعيد هنتنغتون ما أعلنه القائد الروماني (شلا) بعد أن حقق انتصاره على (ميثرا دينس)، حين قال: الآن لم يعد العالم يقدم أعداء، تُرى ما مصير الجمهورية؟ يستبعد الكاتب ذلك ليقدم جواباً عن تساؤل القائد شلا، فـيعلن: نعم، جاءت الإجابة، دونما بُطء، بتفكك الجمهورية الرومانية بعد سنوات ضئيلة! على هذا النحو وفـي ضوء تقصّي نظام الاقتصاد السياسي والإيديولوجي والعسكري وفحصه، ومحاولة وضع اليد على احتمالاته المفتوحة، يصل هنتنغتون إلى القول: إن «تآكل» المصالح القومية الأمريكية لا سبيل إلى الوقوف فـي وجهه، إلا إذا نجحت الولايات المتحدة فـي استحداث أو فـي تلفـيق خصوم جُدد لها تعلن الحروب ضدهم بالكيفـية المناسبة، مع تفضيل الكيفـية العسكرية.

إن وجهة النظر المذكورة هنا تستند إلى مبدأ مركزي ذي بعد استراتيجي، فـي حقل الدراسات الاستراتيجية الأمريكية، ويقوم على أن المحافظة على المصالح القومية الأمريكية العليا تستدعي الحضور الدائم لعاملين اثنين تأسيسيّين، أما الأول منهما فـيتمثل فـي الحيلولة الكلّية لبروز شرخ فـي التركيب الإثني السكاني القائم على تعدّدية فـي المصادر والمرجعيات لسكان الولايات المتحدة، وذلك عبْر إنتاج هُوية جديدة تندرج تحتها كل المجموعات السكانية المتحررة من المصادر والمرجعيات المذكورة. ويأتي العامل الثاني ليجسّد رافعة لذلك العامل الأول، ويتجلى فـي هيمنة المصالح الاقتصادية، التي يُنظر إليها، والحال كذلك، بوصفها الناظم الحاسم وربما الوحيد لتلك المجموعات السكانية؛ مع الإشارة إلى إغفال دورٍ مرموق للحوافز القيمية والسياسية والثقافـية فـي المجتمع الأمريكي. وعلى هذا، فالأيدلوجيا المهيمنة هناك مشتقة بشكل آلي من المصالح الاقتصادية، دون أن تكون قادرة على إنتاج شبكة من مثل تلك الحوافز المذكورة. وهذا ما تعبر عنه الفلسفة الذرائعية، الأمريكية حقاً، التي تتحدد فـي المبدأ الشهير: الحقيقة هي كل ما ينفع الولايات المتحدة.

هكذا، تبرز الأركان الآتية بوصفها ناظماً للبنية السوسيوثقافـية والجغرافـية السياسية والتاريخية للمجتمع الأمريكي من طرف، واحتمالاً مفتوحاً لاختراق هذا المجتمع وتشظيته من طرف آخر: غياب العمق التاريخي، وسيادة هُويّة قائمة على تعددية ديموغرافـية، وإثنية وسوسيوثقافـية قيميّة ولغوية لم تكوّن بعد، وربما لن تكوّن حضارة متّسقة تنطوي على مقومات وحوافز داخلية للاستمرار والتفاعل مع الحضارات الأخرى تأسيساً على ذلك وفـي ضوئه، قد يصبح القول الآتي ذا مصداقية معرفـية، وهو أن الولايات المتحدة منذ نشأتها وحتى الآن لم تستمد حوافز بقائها واستمرارها قوية من بنيتها الداخلية، فـي المقدمة، وإنما من وضعية عملت دائماً على حضورها؛ تلك هي النظر إلى «الآخر» بوصفه خصماً أو عدواً يشترط بقاؤها بأمن (أي الولايات المتحدة) إعلان الحرب ضده؛ فما يؤسس لحالة من التوازن والاستمرار متوازية ومتداخلة مع حالة من الجاهزّية الدائمة، العسكرية خصوصاً، لمواجهة «الأعداء». ومن الطريف المدوّي أن نذكر أن عدد حروب الولايات المتحدة مع «هؤلاء» ومنذ نشأتها وصل إلى (٢٧٧)؛ فـي حين وصل عدد حروبها منذ عام ١٩٩٠ حتى الآن إلى (٦٣) وهذا بدوره يضعنا أمام الحالة التي تمثلها إ

س

رائيل.

وإذا كان الأمر كذلك، لم يكن من قبيل النّزوة الذاتية أن كتب الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون كتاباً ذا دلالة عميقة فـي الحقل الذي نحن بصدده، وهو «أمريكا والفرصة التاريخية». أما المحور المركزي، الذي يلفّ الكتاب من أوله إلى آخره، فـيفصح عن نفسه فـي المقولة الجيوسياسية الآتية: القوة العسكرية أولاً وأولاً، والقدرات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية… الخ. ثانياً ! وهذه المقولة هي التي انتصرت فـي مواقف الولايات المتحدة من العالم برمّته، وخصوصاً فـي مرحلة ما بعد ١١ سبتمبر، وتبلورت فـي فكرة هنتنغتون السابقة.

* * *

مثّلت مقالة هنتنغتون «تآكل المصالح القومية الأمريكية» ومعها كتاب الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون «أمريكا والفرصة التاريخية»، إذاً، محطّتين كبيرتين فـي تاريخ الفكر الأمريكي الجيوسياسي - الاستراتيجي، أما تشخيص ما أتى فـي هذه النصيين فـيأتي فـي نصّ آخر ثالث يدخل عمقاً فـي حقل الفكر المذكور، وهو كتاب «رقعة الشطرنج الضخمة» لمستشار شؤون الأمن القومي لدى الرئيس الأمريكي كارتر. ففـيه أعلن الكاتب (وقد نشره عام ١٩٣٣) الفكرة الآتية، التي قامت بدور التأسيس لمرحلة ما بعد الحرب الباردة: «إن ظهور أمريكا كقوة عظمى وحيدة الآن، يجعل وجود استراتيجية متكاملة وشاملة تختص بأوراسيا أمراً حتمياً».

إن التوجه الأمريكي الراهن نحو هذه البقعة الأورأسيوية ليس جديداً، ولكنه يكتسب الآن أهمية كبرى، أي منذ أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن المنصرم. فظهور أمريكا كقوة عظمى وحيدة بعد تفكك الاتحاد السوفـييتي، على حدّ قول صاحب كتاب «رقعة الشطرنج الضخمة» وهو ريجنسكي، جعلها تتجه مباشرة صوب هذه الرقعة الفريدة فـي ثرواتها وخصائصها التاريخية والاستراتيجية فهي ليست تركيباً ملفّقاً مصطنعاً من أوربا وآسيا، وإنما هي بنية متجانسة، إلى حدّ كبير، فـي تلك الثروات والخصائص؛ بل لعلها تمثل قارّة جديدة. فمن الناحية السكانية الديموغرافـية يلاحظ أنها تشتمل على أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم. وبقدر هذه النسبة يوجد فـيها من الناتج العالمي الإجمالي، هذا بالإضافة إلى التركيب الإثني الثقافـي، الذي قد يبدو على أنه بديل عن التركيب الإثني الثقافـي الأمريكي الفاقد للعمق التاريخي القومي وللضوابط القيمية الإنسانية العامة.

إن توجه الولايات المتحدة نحو أوراسيا الآن سيظهر كأنه حاسم، أي بمنزلة اختيار استراتيجي حاسم (كما يرى بريجنسكي)، خصوصاً بعد بروز مجموعة من العوامل المؤرّقة فـي السنوات الأخيرة، وتقع الأفكار الآتية فـي مقدمتها: بدايات جادّة لتشقّق النظام العولمي الأمريكي من داخله، (وقد مثّلت أحداث سياتل أول الغيث)؛ تصاعد الأزمة الاقتصادية والركود الاقتصادي علامٌ عليها؛ يلاحظ أن الناتج الأمريكي انخفض بالقياس إلى الناتج الإجمالي العالمي من ٤٢% إلى ٢٥%؛ نشوء تحالف بين الصين وروسيا وكازاخستان وقرقيزستان وطاجكستان وأوزبكستان، إضافة إلى سطوع أهمية بحر قزوين من جديد بما يتضمن ذلك من بروز لقيمة النفط والغاز خصوصاً؛ تبلور الخوف السياسي والعسكري الاستراتيجي من صعود العملاق الآسيوي الروسي الأوربي (الصين والهند وروسيا الخ …)؛ انتفاضة الأقصى، التي شككت فـي جدارة الأخطبوط العسكري الإسرائيلي وأنتجت فـي الوطن العربي أسئلة جديدة تتصل بإمكانات العمل العربي واحتمالاته؛ وأخيراً أحداث ١١ سبتمبر التي كلفت الولايات المتحدة نحو تريليونين من الدولارات، وفتحت أبواب صراعات جيوسياسية وعسكرية جديدة.

ولعلنا نرى أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي قد يكون طرف منها ضالعاً فـي أحداث ١١ سبتمبر فـي سبيل خلق ظروف جيوسياسية وعسكرية لإعادة بناء العالم وفق مصالحها، قد تجد نفسها متورطة فـي سلسلة من العمليات العسكرية تحت عنوان «محاربة الإرهاب»، بحيث تخلق أمامها كتلاً بشرية جديدة هائلة ترفضها وتحقد عليها، دون أن تدرك أن هذا يمكن أن يصبّ فـي طاحونة صراعات تهز الاستقرار العالمي ومعه الاستقرار فـي الولايات المتحدة ذاتها.

إن العاصفة التي أطلقتها أحداث ١١ سبتمبر قد تُنتج عواصف أخرى مستديمة تخترق الخط الأحمر، الذي وضعته أو تضعه الإدارة الأمريكية، وهو تحويل الحرب من أداة لتحقيق الهيمنة الاقتصادية أو السياسية على العالم إلى هدف فـي ذاته. وسيكون الأمر خطيراً حقاً، حين تتحول اللعبة إلى أقنية الحرب النووية. وهذا ما أخذنا نشهد بواكيره فـي حالة التوتر الكبيرة بين البلدين الآسيويين النوويين الهند وباكستان، تلك الحالة التي من الصعب عزلها عن سياق أحداث ١١ سبتمبر، وما تمخّض عنها عسكرياً وسياسياً وإثنياً ثقافـياً ودينياً وغيره. إن تدهور الغرب، بقدر أو بآخر حتى الآن، قد يتحول إلى كارثة تتحقق بالأدوات ذاتها، التي يعمل الغرب (الولايات المتحدة تخصيصاً) على تفكيك العالم بها. ولا سبيل إلى غضّ النظر عن أن السّحر قد ينقلب على الساحر، إن لم يرعو الساحر ويعد إلى «عقله» !

«٢»

والآن وفـي عمق الإشكالية التي تحاصر العالم الراهن من أقصاه إلى أقصاه، تدور المناقشات حول الحضارات وموقع الحرب والصراع والحوار منها، وذلك بتزامن ملفت حقاً مع بروز اتجاهات قوية لعسكرة العالم فـي سياق تحويله إلى سوق كونية سلعية. وبهذا، تمتلك تلك المناقشات حيوية وراهنية عظمى تتحرك على تخوم الحرب والسلام وما بينهما، وتخلق رهانات شتى على مصائر العالم. وفـي هذه الأثناء تتوعّد الإدارة الأمريكية مجموعة من البلدان بإعلانها أن «الحرب ضد الإرهاب» إذا كانت قد بدأت فـي أفغانستان، فإنها لم تنته، ولن تنتهي ربما حتى خمسين عاماً…

ومهم جداً، بالاعتبار المنهجي الاستراتيجي أن نلاحظ أنه فـي معمعان ذلك، تبرز غالباً ثنائية أيديولوجية فـي الفكر الغربي النظري الاستراتيجي والإعلامي، تقوم على حدثين اثنين لا لقاء بينهما إلا عبر الحرب والصراع، هما «الحضارة والإرهاب»؛ مع الإشارة إلى أن المصطلح الأول (الحضارة) يُحمَّل شحنة إيجابية تقود إلى القول: إن لفظة حضارة إنما هي (حكمُ قيمة)، بالقدر الذي تحمله اللفظة الثانية من الإدانة والقدْح. وتأتي الخطوة الثانية بعد ذلك، ليعلن شارون أن (الإرهاب) هو حالة طبيعية ملتصقة ببعض الأجناس والشعوب، كما تلتصق ألوانهم بجلودهم: «إن الإرهاب لا تفرزه أوضاع معينة، وإنما هو مرتبط بقوة بأجناس معينة». وهكذا، يكون العالم قد قُسم إلى حقلين اثنين يتحولان إلى موضوع دراسي لعلميْ الإناسة (الانتروبولوجيا) والبيولوجيا (الداروينية والمالتوسية خصوصاً). وتأسيساً على ذلك، تنشأ الثنائيات الأخرى المطابقة لتلك السابقة، من نمط «التقدم والتخلف، والبربرية والتمدن، والديموقراطية والاستبداد، والإنسانية والتوحش الخ…».

وإذا تحدث علماء الأنتروبولوجيا والحضارة الغربيون، والأمريكيون منهم بكيفـية خاصة، عن «الحضارة»، فإنهم قد يتساهلون فـي استخدام هذا المصطلح، وذلك حين ينظرون إليه بوصفه «حكمَ وجود» وليس «حكم قيمة». وهنا، يسحبونه على كل الأنماط البشرية التي وجدت فـي التاريخ، بحيث يصبح وارداً التحدث عن حضارة تمدّن وحضارة توحش، وعلى حضارة ديموقراطية عقلانية وحضارة استبداد (إرهاب) وتخلف عقلي. وضمن هذا الاستخدام الاصطلاحي، يتساهل أولئك المنظّرون حين يتحدثون عن حضارات «عربية وعربية إسلامية وهندية وصينية وبوذية وغيرها». وحيث يفعلون ذلك، فإنهم يعودون للنظر إلى الحضارات فـي ضوء حكُم القيمة، الذي سيعني حالئذ القول: بحضارات بنّاءة من حيث هي، وبأخرى إرهابية - مخرّبة من حيث هي. وهنا يُطلّ هنتنغتون بأطروحته «الحربية»، التي يقول فـيها: إن التباين فـي الحضارات هو الذي يولّد الحرب.

أتت أطروحة هنتنغتون تلك لتؤسّس، يداً بيد مع تعاظم العولمة بوصفها «أمركة العالم»، دعوة لحرب صريحة مكشوفة تقودها «الحضارة الأمريكية» ضد الحضارات الأخرى، التي يُطلق عليها هذا المصطلح تجاوزاً، فـي سبيل الهيمنة المطلقة لتلك على العالم برمّته. وها هنا، نكون قد وضعنا يدنا على خطٍّ ناظم للكفر السياسي الأمريكي فـي مرحلة التحول من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين. وكانت هذه المرحلة قد اتسمت بكونها انتقالاً إلى الاستعمار الجديد، التي نظّر لها - مع منظّرين آخرين - الرئيس روزفلت. فقد أعلن عام ١٨٩٨ مطامع هذا الاستعمار، حين كثفها بالمطلب الكوني الآتي: قدُرنا أمركةُ العالم ! وبالتناغم العميق بين هذا المطلب الكوني وبين المطلب الراهن بـ «عسكرة العالم»، يكتب روزفلت مايأتي: إن من واجباتي أن أحمي شعبنا وممتلكاته فـي المكسيك، إلى أن تفهم الحكومة المكسيكية أن هناك رباً فـي إسرائيل ومن الواجب إطاعته.

وقد كتب روزفلت ذلك بعد أن كان قد قدّم تصوره التأسيسي لـ «أمركة العالم» من موقع الدعوة إلى «عسكرته» ورفض السلام. وهذا يتضح من قوله الآتي: الذي ربما نال من أجله جائزة نوبل للسلام!: ليس هناك مواطن (أمريكي) أكثر ضرراً من أولئك الناس الذين يدعون إلى السلام، ويجاهرون دائماً وأبداً بالشكوى إما من الحروب أو من نفقات التسلح.

إن هذه الحمولات والشُّحنات الإيديولوجية والاستراتيجية العرقية المعبّأة فـي ضوء تصور روزفلت التأسيسي، وضمن مجرى التحولات العظمى التي تحيط بالعالم تحت عبء إنتاج الاستعداء الأمريكي الخطير الراهن على الإسلام تاريخاً وراهناً ومستقبلاً.

«٣»

جاء خطاب الرئيس الأمريكي الأخير الذي أعلن فـيه عن وجود ما أسماه «محور الشر» المؤلف من العراق وإيران وكوريا الشمالية، ليكمل دائرة التأسيس النظري السياسي لمنظومة المفاهيم الإستراتيجية الأمريكية، التي أسهم فـي التأسيس لها رجال يتحدرون من مراحل متعددة فـي التاريخ الأمريكي، وخصوصاً فـي مرحلتي مابعد البدايات وما يمرُّ به العالم الراهن. وقد برز على هذا الصعيد شخصان اثنان عملا على ضبط منظومة المفاهيم المذكورة ومنحها طابعاً منظّراً أو ممنهجاً، أما الأول منهما فقد تجسّد بالرئيس الأمريكي روزفلت فـي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. لكن الشخص الثاني معاصرٌ لنا وله إسهامٌ ملحوظ فـي علمية التأسيس المذكورة، وهو صموئيل هنتنغتون، الذي ورد ذكره فـيما سبق.

إن روزفلت يفتح الباب واسعاً أمام فكرة مركزية يُراد لها أن تكون تعبيراً دقيقاً عن بنية الولايات المتحدة بوصفها نظاماً سياسياً اقتصادياً وعسكرياً وإيديولوجياً. وقد تجلّت تلك الفكرة بهدفـين حاسمين يكوّن تحقيقهما تحقيقاً للوجود الأمريكي، من حيث هو، وهما العمل على «عسكرة العالم»، والدعوة إلى ترك الباب مفتوحاً باطراد أمام حروب دائمة ضد من يعدّهم خصوماً له (أي للوجود الأمريكي). أما المسوِّغات الكامنة وراء ذلك فتقوم على إقرار «ضمني» بأن مجتمع الولايات المتحدة لم يكن فـي نشأته وربما لن يكون فـي المستقبل قابلاً للتأسيس لوجود اجتماعي متوازن ومتماسك ومتوازن بالاعتبارات الضرورية، السكانية الإثنية والثقافـية والتاريخية. وهنا، يأتي دور هنتنغتون المعاصر ليحصد ثمار ذلك التنظير الذرائعي (البراغماتي - الإجرائي)، فـيعلن أنه مع تفكك الاتحاد السوفـييتي بوصفه الخصم الأعظم للولايات المتحدة ودخول العالم فـي مرحلة ما بعد «الحرب الباردة»، أصبح الباب مفتوحاً أمام سلسلة من «الحروب الساخنة» مع خصوم لا يرتقون إلى مستوى «الأنداد».

والآن، إذا كانت الحرب الأولى (الباردة) مع الاتحاد السوفـييتي قد حافظت على بقاء المجتمع الأمريكي (هكذا هنتنغتون) فـي حالة تحفّز وتراصّ، فإن الحرب الجديدة (الساخنة) لا تجد وظيفتها فـي الحفاظ على ذينك التحفز والتراصّ فحسب.

إن الوظيفة الجديدة لهذه الحرب الجديدة تقوم على تدفق الولايات المتحدة باتجاه العالم عسكرياً (وضمناً اقتصادياً)، دون وجود رادع لها من أي طرف قد يُعتد به. ها هنا تنشأ آلية حربية ذات بُعد مفتوح على عواهنه: هل من مزيد؟ تحديداً من الحروب؟ هنا وهناك؟ إن الأعداء «يتربصون بنا فـي كل مكان» ! هذا هو الخطاب السياسي الاستراتيجي للإدارة الأمريكية راهناً! وإذا كان هنالك من لا يصدّق ذلك، فعليه أن يستذكر أحداث ١١ سبتمبر الخطيرة !

لكن البحث التاريخي والسياسي قد يضع يده على أن ما تعدّه الإدراة الأمريكية مقدمة، ليس هو إلا نتيجة. فتلك الأحداث أتت «لتصادق» على الخط الاستراتيجي الأمريكي الراهن القائل: إن الصمت على «الإرهاب» لم يعد محتملاً. ها هنا، وُظّفت الأحداث المذكورة باتجاه «إنتاج» خصوم جدد تتصدى لهم الإدارة الأمريكية، التي شكك عددٌ متنام من الباحثين فـي أن هذه الأخيرة غير ضالعة فـي الأحداث تلك.

فـي هذا الجو الداخلي الأمريكي والعالمي، كانت الأنظار تتجه نحو أحد خصوم «الغرب» التقليديين منذ العصور الوسطى، والذي يكوّن ثقلاً عالمياً كبيراً باعتبارات كثيرة: إنه الإسلام. ومن الضروري الإشارة إلى أن رصيداً هائلاً من التراكم على صعيد «الدراسات» الإسلامية، يمكث فـي كل مكتبات العالم عبر ما قدّمه الاستشراق - فـي نمط معيّن له ـ، وما قدمه باحثون من بلدان إسلامية.

ولعلنا نشير ها هنا إلى أن وقوع الاختيار على الإسلام لم يأت تعسفاً ودون أسس ضابطة. فـ «الإسلام» المعني هنا هو ذلك الذي يهيمن فـي بلدان إسلامية تعجّ بالبشر والثروات الطبيعية الضخمة، وقد تكوِّن - من ثمّ - قوة هائلة فـي أيدي أصحابها ضمن رؤية استراتيجية مستقبلية ما قادمة.

إن اختيار الإسلام خصماً للولايات المتحدة فـي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، أي «الساخنة»، يستند، إذاً، إلى إرثٍ تاريخي من الصراع بينه وبين دعاة «الحروب الصليبية» ونظائرهم (ثانياً)، وإلى المصالح الأمريكية المتآكلة الراهنة (أولاً)، ناهيك عمّا قد يكون وارداً تحت إطار الثأر من المسلمين، الذين قاوموا الهيمنة الأمريكية، بقدر أو بآخر، فـي مرحلة «الحرب الباردة». هذا الإسلام، إذاً، ما المقصود من فتح النار عليه فـي ظل «أمركة العالم»؟

* * *

صدر عام ١٩٨٠ كتاب فـي ألمانيا بعنوان «التحدي الإسلامي» بقلم جيرهارد كونسلمان، وقد ظهر هذا الكتاب بشكل «كتاب جيب» وقُدم كذلك على هذا الأساس، كي يكون أكثر انتشاراً وتأثيراً. وفـي مقدمته يعلن الكاتب ما يأتي: «سيكون علينا فـي العقود القادمة أن نتعامل مع الإسلام على صعيد أكثر الأوجه اختلافاً وأكثر الظاهرات تعدداً». وينتقل بعد ذلك إلى مواقف المسلمين من الأمريكيين، حيث يعدّد ما فعله الأتراك فـي أزمير وما فعله متظاهرون فـي داكار وبانغلادش وكالكوتا ولاهور وطهران وغيرها من إلقاء الحجارة على مراكز ثقافـية أميركية هناك، ومن إطلاق هتافات ضد «الاستعمار الأمريكي». ويضيف إلى ذلك ما فعله متظاهرون آخرون هاجموا السفارة الألمانية فـي إسلام آباد، وآخرون السفارة الأمريكية فـي هذا البلد الأخير. ويصل الكاتب من هذا وذاك إلى القول: إن المسلمين ينظرون إلى «الغرب بوصفه عدوهم الثابت».

إن الكتاب المذكور لم يكن الوحيد الذي صدر فـي «الغرب» ونظر إلى الأمور على ذلك النحو. لقد تتالت العملية، بحيث يمكن القول: إن الرأي العام الغربي - فـي قسم كبير منه إن لم يكن فـي معظمه - تكوّن فـي ضوء المقولة الآتية: إن الإسلام والمسلمين يقفون من الغرب موقف المواجهة والتضاد، من حيث الأساس. وعلى هذا، استطاع صناع الرأي العام العربي أن يُطيحوا بما كان عليهم أن يقرؤوه فـي تلك المواقف الإسلامية من الغرب. وأتت المرحلة الراهنة ليستنبط منها هؤلاء مصادقة على تلك «القراءة الإسلامية للغرب». فهم يعلنون أن ١١ سبتمبر صدّع كل الشكوك، التي كانت قائمة حول «ممارسة الإسلام والمسلمين» حيال الغرب. فها هو ابن لادن - يُرفع إلى أعلى سقف من سقوف الإرهاب العالمي: إنه - أي الشيخ ابن لادن - هو الذي دبّر المؤامرة العظمى ضد أبرياء نيويورك وواشنطن. ولأنه رجل ينتمي إلى الإسلام، فالإسلام يتحمل المسؤولية الأولى والعظمى فـي ذلك. ولهذا فمن حقّ الولايات المتحدة أن تعلن «الحرب ضد الإرهاب» حيثما كان، وعلى النحو الذي يروق لها.

فـي هذا وذاك وذلك، جرى تغييب عدد من المعطيات، التي يمكن أن «تقلب الطاولة على قفاها»: إن إلقاء الحجارة على مراكز ثقافـية فـي بلدان متعددة من قبل جمهور المسلمين، لا يمكن قراءته بمنزلته هجوماً على «الغرب»، هكذا على عواهنه، إنما هو حالة تعبر عن يأس هؤلاء الذين يجدون ثرواتهم تُمتص من قِبل شركات أميركية وألمانية … الخ، دون أن يتبقى لديهم ما يحفظ لهم كفايتهم المادية وكرامتهم. أما مرجعية هذه الحال فهي معروفة للقاصي والداني، إنها الاستعمار والاستعمار الجديد وامتداداته الراهنة. والمسلمون، مع هذا، يحترمون شعوب الغرب ويقدّرون إنجازاتها الضخمة، وإن كان هذا التقدير ذا طابع نقدي. ومن ثم، قد يكون كثير من المسلمين وصلوا إلى أن الغرب «غربان» أو أكثر، مثله فـي ذلك مثل كل المحاور الحضارية والجيوسياسية الاستراتيجية.

من هنا يتساءل المسلمون، بحق، لماذا لا ينظر صنّاع الرأي والقرار الأمريكي (والغربي عموماً) إلى البلدان الإسلامية «نظرة واقعية مشخصة» لا تأخذ شخصاً بجريرة شخص آخر، ومن ثم لا تأخذ المسلمين بجريرة واحد أو مجموعة منهم! (وعلى الهامش، فإن ما قيل إن ابن لادن هو المسؤول عن أحداث ١١ سبتمبر، يُثار حوله شك كبير خصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار ما أذاعه صوت روسيا الاتحادية منذ عشرة أيام تقريباً من أن ابن لادن شريك مالي مع عائلة بوش ومن أن اتصالاته بالأمريكان كانت قائمة حتى قبل شهرين من الأحداث المذكورة).

وإذا توخى الباحث الحقيقة الموضوعية المتصلة بالإسلام، فإن القول: يصبح ضرورياً وهو أن البنية الإيديولوجية الاعتقادية للنص الديني الإسلامي (القرآن الكريم) تتأسّس على مجموعة من العناصر، التي لايمكن النظر إليها فـي ضوء «الإرهاب». أما العناصر الآتية لعلّها تكون فـي مقدمة المسألة: ١) إقرار الإسلام بالتعددية الدينية والثقافـية ورفض القول الشائع بـ «قتل المرتد». هاهنا نقرأ مثل الآية الآتية الرائعة:  ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة  فهو يقر بالآخر إقراراً وجودياً صريحاً. ٢) إعلان الإسلام أن الإنسان حر فـي اختياره لما يشاء من المواقف، بعد أن اتضحت الأمور: لا إكراه فـي الدين . ٣) أما العنصر الثالث فـيتمثل فـي تحظير الإسلام القتل إلا بالحق ، وليس تهاوناً ودون أدلة. ٤) ويبرز هنا عنصر العقلانية، الذي يضفـي على الإسلام رؤية متبصرة مستنيرة ترفض الظلامية والتزمت والانغلاق.

وإذا حدث أن وجد من المسلمين من لم يتمثّل تلك العناصر، فالمسؤولية ليست على الإسلام وإنما على هؤلاء، من حيث هم أفراد أو مجموعات؛ كما هو الحال بالنسبة إلى المسيحية، التي لا يصح أن نُلصق بها «محاكم التفتيش» التي قادها مسيحيون.

إن الإسلام فـي بنيته تلك يمثل موقفاً يؤسس للحوار، إنّما الحوار الندّي، الذي يحفظ للجميع حريتهم وكرامتهم فـي إطار حضارات متعددة مستقلة ومتفاعلة فـي آن.

والحق، إن للمسالة وجهاً آخر يمكن - فـي حال آخذه بالحسبان - أن يغني الفهم المعمق لموقف الإسلام من حوار الحضارات وصراعها. فالقول: بوجود أفراد ومجموعات تتنكر لـ «العناصر الإسلامية» المذكورة أو تُقصيها أو تغفل عنها، أمر لاسبيل إلى تغييبه. والسؤال الذي يفصح عن نفسه ها هنا، يتحدّد على النحو الآتي: كيف تتحدد العلاقة - إذا ما وُجدت - بين النص الديني (القرآن الكريم والسنة النبوية) من طرف، وبين تلك المجموعات وأولئك الأفراد من طرف آخر؟

إن إجابة محتملة عن ذلك السؤال تستوجب الإقرار بالتعددية القرائية للنص الديني الإسلامي، بحيث يغدو الحديث وارداً عن قراءات متعددة له. أما هذه الأخيرة فتتحرك ضمن طيف واسع قد يبدأ بقراءة تُقر بهذه التعددية وتصل إلى الإقرار بالآخر فـي إطار إسلامي وربما كذلك فـيما بين الإسلام والمنتمين إلى الديانات والإيديولوجيات الأخرى، على نحو ندّي ديمقراطي. أما القراءة التي تقف فـي نهاية ذلك الطيف فقد تتجسد فـي تلك التي ترفض الإقرار بمبدأ التعددية القرائية المذكور، بل تُدينه وتكفّره. وبين هاتين القراءتين، تندرج قراءات أخرى تستمد مقوماتها ربما من أربعة مواقع، واحد يلح على أن الإسلام يسع الجميع من المسلمين وغيرهم، وآخر يرفض الجميع إلا من يعتقد أنه يمثل «الفرقة الناجية»، وثالث يتخذ موقفاً محايداً من الجميع، ورابع يرفض الجميع.

إن ذلك الوضع المركب يقف وراءه تعدد المصالح والأيديولوجيات، إضافة إلى تعدد المستويات المعرفـية والثقافـية. وليس فـي هذا ما يدعو إلى الدهشة، انطلاقاً من أن قارئ النص الديني يقرأه «غير بريء»، أي ليس بعيداً عن تلك المصالح والأيدلوجيات وهذه المستويات: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. وفـي هذا وذاك، نكون قد أعلنا أن القرآن حمّال أوجه (علي بن أبي طالب). ومن شأن هذا الإشارة إلى أن القيام بـ حوار بين الإسلام والغرب إن هو إلا مهمة تقتضي الانطلاق من «القراءة العقلانية الحضارية للإسلام، فهذه القراءة هي وحدها القادرة على الدخول فـي حوار حقيقي مع الجميع، بما فـيهم الغرب الأوربي والأمريكي؛ وهي وحدها التي تحصّن الإسلام والمسلمين من مثل تلك القراءات التكفـيرية من نمط «القراءة الأفغانية»: إن إنجاز حوار عقلاني حضاري بين الإسلام والآخر (الغرب الأمريكي الأوربي مثلاً) يتطلب البدء بالنظر إلى ماينبغي أن يحدث أولاً، وذلك على نحو يجعل هؤلاء قادرين على القيام بهذه المهمة الكبرى.

ولا شك أن دمقرطة المجتمعات الإسلامية عموماً يمثل واحداً من أهم شروط إنجاز ذلك. وحينئذ سوف يتمكن هؤلاء المسلمون العقلانيون الحضاريون والديمقراطيون من أن يكونوا أنداداً فـي حوار متكافىء ومثمر وفاعل.

أما الآن ونحن نعيش فـي عصر محاولات إنتاج «عالم مُعولم مُعسْكر بصيغة أمريكية، فإن واجباً عميقاً يتصدر المهمات التاريخية المطروحة أمام الشعوب الإسلامية والعربية خصوصاً، ويقوم - يداً بيد مع إنجاز مشروع القراءة العقلانية الحضارية والديمقراطية للإسلام - على خلق «تحالف تاريخي» بين تلك الشعوب، يتأسس على رؤية استراتيجية مفتوحة. ومهم أن يتم ذلك باتجاهين اثنين، البناء من الداخل، والحوار - وهذا يمثل أحد الاحتمالات - أو المواجهة مع المشروع الأمريكي والصهيوني العولمي، إذا اقتضى الأمر، وإذا ظل اتجاه التفرد الأمريكي بالعالم قائماً ويُدفع به إلى الأمام بأدوات عسكرية تدميرية وتحت عناوين متعددة، مثل عنوان «الحرب ضد الإرهاب».

إن حواراً بين الحضارات هو ما يؤكد عليه الإسلام فـي بُعده العقلاني الحضاري والديمقراطي. ولكن إذا ما فُرضت المعارك على أنصار هذا الإسلام وأتباعه فإن ما يقتضيه الأمر يتمثل فـي الاستجابة لهذا التحدي، بكل الوسائل المُتاحة.

وقد نقول: أخيراً، إن عصر العولمة الأمريكية يواجه انتفاضات فـي وجهها بدءاً من سياتل وانتهاء بانتفاضة الأقصى، ومروراً بالتململ العميق الذي يجتاح شعوب الغرب ضد العولمة عموماً، وفـي صيغتها الأمريكية الليبرالية المتوحشة بصورة خاصة.

* الجمهورية العربية السورية



[ Web design by Abadis ]