ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 على هامش مؤتمر \ الدكتور محمد علي آذرشب *

«١»

مؤتمر «كيف نواصل مشروع حوار الحضارات» كان فرصة هامة لمراجعة «الذات» باعتبارها مقدمة ضرورية للدخول في الحوار مع «الآخر».

والواقع أن هذه التظاهرة الثقافية كانت فرصة جيدة للكشف عن مواقع قوتنا ونقاط ضعفنا، وهو كشف لازم للمراجعة وإعادة النظر والتصحيح باعتبارها من مستلزمات تقدم مسيرة كل أمة.

لقد كشف المؤتمر أولاً أهمية القضية المطروحة اليوم تحت عنوان حوار الحضارات باعتباره الطريق الوحيد الذي لابدّ منه لتوجيه مسيرة البشرية نحو ساحل الأمن والسلام. والواقع أن «الحوار» ليس هو السبيل الأمثل للعلاقات بين الأمم والشعوب فحسب، بل هو أيضاً السبيل الأمثل للعلاقات بين أفراد وتيارات وفئات المجتمع الواحد.

بعض أوراق المؤتمر ركزت على معنى الحوار، وأبرزت خللاً هاماً في فهمنا لمعناه، وفي عدم تفريقنا بينه وبين «الجدل».

الحوار يعني وجود جانبين يريد كلٌّ منهما أن يسمع كلام الآخر ليأخذ منه ما هو مفيد، وفي حضارتنا دعوة إلى هذا اللون من الاستماع: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ولقد انتهجت حضارتنا هذا اللون من الحوار عملياً تجاه الحضارة الفارسية والهندية واليونانية والرومانية حين أخذت منها ماهو مفيد في كلّ العلوم ومثلتها في جسدها العلمي والثقافي، وأعطت أيضاً للآخر ما جعل كلّ كتّاب تاريخ الحضارات يتحدثون عن فضل الحضارة الإسلامية على الحضارات العالمية الأخرى وخاصة الأوروبية.

هذا هو الحوار … أنْ يكون أحد الجانبين متحدثاً تارة (مقدماً عطاءه) والثاني مصغياً مستمعاً (آخذاً ماهو مفيد) ثم يتبادل المتحدث والمتلقي الدور بعد ذلك.

أما الجدل فليس فيه إصغاء، كلا الجانبين يتحدثان… أحدهما يتحدث بصوت، والآخر يتحدث مع نفسه ليستعد إلى مواجهة الآخر وإلجامه وإفحامه. ليس في الجدل استماع، وليس ثمة تعاط.

الحوار… فيه هدف يتناسب مع تطلّع الإنسان إلى السموّ والرقيّ والتقدّم، والجدال… يعبّر عن روح الخصومة والعداء والغلبة.

وكلا الطبيعتين موجودتان في نفس الإنسان… الأولى ترتبط بما في الإنسان من روح الله ونفخت فيه من روحي والثانية تنطلق من نزعة الطين بكل ما يرمز إليه من انحدار بدأ خلق الإنسان من طين.

والمحاوِر لا يقول لصاحبه أنا على حقّ مطلق … وأنت على باطل مطلق بل يقول له: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ثم بعد أن يتواصل الحوار تتبين نقاط الهدى والضلال. لكن المجادل لا هدف له إلاّ أن يتشبّث بكلّ وسيلة حتى ولو كانت باطلاً ليدحض به الآخر حتى ولو كان على حق: وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحقّ…

هذه الروح الحوارية التي ركّز عليها تراثنا لم تكن على المستوى النظري فحسب، بل تحوّلت إلى ثقافة عامة تمثّلت في الحوار بين الأديان والمذاهب والتيارات الفكرية على مرّ تاريخ أمتنا. ومكتباتنا تضم كنوزاً عظيمة من التعليقات والشروح والردود والنقض كلها تمثل حواريات علمية في تراثنا.

«ابن سينا» يقدم نظريته العلمية المتميّزة التي بهرت الألباب والعقول في زمانه، ومن أجل التخلص من حالة الانبهار هذه يكتب «الشهرستاني» كتاب «المصارعة» يردّ فيها على آراء ابن سينا، ثم يأتي «نصير الدين الطوسي» فيعتقد أنّ ثمة خللاً وضعفاً في هذا المصارع فيصارعه (علمياً) في كتاب: «مصارعة المصارعة». وهكذا الأمر في حقول الطب والهندسة والفلك والكيمياء والعلوم الإنسانية والإسلامية.

حواش نقدية على متون، ونقد على الحواشي، وشروح وتعليقات كلها تحكي روحاً حضارية علمية شقّت طريقها بأعجوبة خلال قرون، وسط أمواج من الأوضاع الاجتماعية والسياسية المضطربة المتأزمة نتيجة لانحراف الأجهزة الحاكمة.

بعد هذا، فالحوار تربية، في البيت والمدرسة والشارع. العلاقة بين الأب وأبنائه داخل الأسرة لابد أن تكون علاقة حوار، يستمع كلّ منهما للآخر ليأخذ منه… الأب له تجربة الماضي، والابن له خبرة العصر، والحوار بينهما مفيد، يؤدي إلى الجمع بين الأصالة والمعاصرة، لكن هذه الفائدة تتبدّد حين يستهين الابن بكل ما هو ماضٍ، ويستهين الأب بكل ما هو جديد، فتتحول العلاقة إلى جدل وإفحام، وإذا نشأ الأبناء على الجدل والخصام تنتقل هذه التربية إلى الشارع والسوق وإلى كل العلاقات الاجتماعية والفكرية.

وهكذا العلاقة بين الأستاذ والطالب، والعلاقة بين الصديق والصديق. لابدّ أن يسودها روح التعاطي كي تكون حواراً يغني ويثري ويدفع إلى كمال العقل وجمال النفس وانطلاق الروح وتفجر الإبداع.

ولا يقتصر الأمر على «الحوار» بل كل الشعارات التي نتغنى بها عن إيمان تارة أو لكي نكون «تقدميين جداً» تارة أخرى مثل الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني… هل مارسناها في تعاملنا نحن أفراداً وجماعات داخل الأسرة الواحدة وداخل المجتمع الواحد؟ ‍!.

كل تلك الشعارات تقوم على مبدأ واحد هو احترام كرامة الإنسان، فهل أنا مؤمن حقاً بهذه الكرامة؟ وهل أنا أمارسها في تعاملي مع الآخرين كما أريد من الآخرين أن يمارسوها معي؟ كل هذه القيم تحتاج إلى تربية وإلى أن تتحول إلى ثقافة عامّة وإلى ممارسة يومية لكل فرد من أفراد المجتمع.

نعود إلى مؤتمر «كيف نواصل مشروع حوار الحضارات» لقد طرح المؤتمر هذا النقد الذاتي… ولكن الحاجة ماسّة لتعبئة جهود مؤسسات الثقافة والإعلام والتعليم في كل بلدان أمتنا كي ننشر ثقافة «الحوار» فهي عملية لازمة لتأهيل أمتنا للدخول إلى الساحة العالمية بجدارة.

«٢»

ما المقصود بالحضارة؟ هذا سؤال يحقّ لنا أن نطرحه حين نريد بلوّرة معالم مشروع حوار الحضارات. التعاريف كثيرة جداً، والفرق بين الحضارة والثقافة يكاد لا يبين، والدخول إلى كل هذه التعاريف ليس بمجدٍ، لأن حوار الحضارات يتجه إلى واقع عملي يريد معالجته، وصراع دائر يستهدف تخفيف حدّته، وعلاقات بشرية غير سليمة يريد أن يغيّرها لصالح الإنسان.

من هنا لا بدّ من فقه «الواقع» عند معالجة هذه القضايا المصيرية، وعدم الاكتفاء بالتنظير، وهي مسألة هامة وقف عندها المؤتمر.

ومن أجل الجمع بين النظرية والواقع نقول إن الحضارة هي حصيلة ما تنتجه الجماعة البشرية عند حركتها على طريق تطوّرها.

ويبقى الاختلاف في معنى التطور… فالإنسان إذا اعتبرناه موجوداً مادياً صرفاً متطوراً عن سلالات السلاحف والقرود فتطوره المادي هو الحضارة، وهنا تكون «المدنية» و «الحضارة» شيئاً واحداً… وإذا اعتبرناه كائناً يحمل روح ربّ العالمين ويتحرك نحو التخلق بأخلاق الله… فتقدمه في الجانب المادّي (أو في حقل المدنية) غير كاف لوحده، بل لا بد أيضاً من تقدم في الجانب المعنوي… في القيم … في الأخلاق… في إقامة العلاقات الإنسانية (أي في حقل الحضارة).

والواقع التاريخي والمعاصر يشهد أن التطور المادّي وحده لا يمكن أن يخلق علاقات إنسانية، بل إن تجرده عن القيم والأخلاق يتحول إلى كارثة على البشرية… وكل الصور الناصعة البيضاء من العلاقات الإنسانية كانت قد سجلتها الجماعات المؤمنة بالقيم والأخلاق. وكل الصور السوداء القاتمة كانت وليدة تطوّر للقوى المادية التي لا تقيم وزناً لكرامة الإنسان وللقيم الإنسانية.

من هنا فتراكم الانتاج المادي وحده لا يكون حضارة بل يتحول أحياناً إلى أداة لنسف الحضارة.

بهذا التحديد لمعنى الحضارة نخرج بنتائج هامة:

١ - إن الحضارات لا تتصارع ولا تتصادم، لأن المجموعات البشرية المتحضّرة هي التي تتحرك على طريق رقيّها الإنساني، والحركة على هذا الطريق يستدعي تلقائياً التعاطي الإنساني والتفاعل في الأخذ والعطاء.

وهذا ما حدث بالفعل حين انفتحت الحضارة الإسلامية على الحضارات الفارسية والهندية واليونانية والرومانية.

٢ - إن ما يجري بين الشرق والغرب من صراع خاصة بعد عصر الاستعمار ليس صراعاً بين حضارات وإنّما هو محاولة القوى المادّية المستفحلة التي لا تقيم وزناً للحضارات الإنسانية - للسيطرة على العالم حتى ولو أدى الأمر إلى سحق الشعوب والاستهانة بكرامتها وبمكانتها الحضارية.

٣ - إن مجموعتنا الحضارية تمتلك مشروعاً متكاملاً لحوار الحضارات يقوم على أساس فهم إنساني للكائن البشري ولطبيعة العلاقات الصحيحة بين الشعوب (التعارف). وهذا المشروع هو الذي تحركت ضمن إطاره شعوب المنطقة لتقدّم عطاءها الحضاري الباهر في عصر الازدهار. ثم إن هذا المشروع لا يزال قائماً بين ظهرانينا نظرياً، وفي نفوسنا إيمانياً، ويحتاج إلى تفعيل عناصره لكي تستأنف الأمة مسيرتها الحضارية. ومؤتمر كيف نواصل مشروع حوار الحضارات تناول فيما تناول موضوع كيفية تفعيل العناصر الحضارية للأمة.

٤ - إن الحضارات العالمية التي أسهمت في رقيّ المسيرة البشرية وتكاملها سواء كانت في الشرق أو الغرب تشترك في مساحات واسعة، ولا بدّ لمفكريها ونخبها المثقفة أن تلتقي وتتحاور من أجل كشف زيف ما يسمى بصراع الحضارات، ومن أجل بيان حقيقة ما يدور في الساحة اليوم من هجوم على الحضارة الإنسانية.

٥ - ثمة خطة واسعة لدفع شعوب الغرب ونخبه ومفكريه للانجراف في موجة الصدام التي تشنها القوى المادية المستفحلة. وعلينا أن نحيي في نفوس هؤلاء الرّوح الإنسانية التي طالما دفعتهم للاحتجاج الشديد على «العولمة» و «التمييز العنصري» و «الحروب التوسعيّة» ونظائرها من إفرازات النظام المادّي الغربي.

هذا كله يتوقف على:

أولاً - أن نفهم معنى الحضارة. ثانياً - أن نثق بأنفسنا وبموروثنا الحضاري. ثالثاً - أن نفهم طبيعة الصراع الذي يجري في الساحة. رابعاً - أن نعبئ طاقاتنا ضمن برنامج عمل متمركز للحوار مع الغرب الحضاري، وذلك هو السبيل الوحيد للتصدي لبؤر العدوان.

«٣»

ثمة من يقول إن عام حوار الحضارات قد صودرت أهدافه بعد تحول العالم إلى صدام بين الحضارات، فما الفائدة إذن من الحديث عن كيفية مواصلة مشروع حوار الحضارات.

نعتقد أن الأحداث التي تلت الحادي عشر من أيلول - إن لم تكن تلك الأحداث نفسها أيضاً - كانت تستهدف إلقاء هذه المقولة في الأذهان، وهي أن الحديث عن علاقات الحوار خيالي طوباويّ لا معنى له في عالم صراع المصالح وعالم ضرورة خضوع الضعيف للقوي.

والواقع أن ما يجري على الساحة العالمية اليوم يؤكد ضرورة حوار الحضارات، لا أنه ينفيه. ذلك أن مايجري ليس - كما ذكرنا - صدام حضارات، بل هو حرب ضد العلاقات الحضارية بين الشعوب، بعبارة أخرى هي حرب ضد التحضر، وهي العودة بالساحة البشرية إلى التوحش والخوف والقتل وسفك الدماء.

لقد شهدت الأعوام الأخيرة حركة حضارية على الساحة العالمية تمثلت باتساع نطاق التأييد لعدالة القضية الفلسطينية، واتساع التوجّه في الغرب نحو حضارة الشرق وبالإقبال على قراءة العرفان الإسلامي وترجمة مؤلفات المولوي والعطار وسنائي إلى اللغات الأوربية، وتمثلت في انتشار ظاهرة التصوف الإسلامي بين جماعات غربية كرد فعل على الفراغ الروحي هناك. كما تمثلت في حركة شعبية واسعة في الغرب خاصة بين الشباب ضد العولمة وضدّ تصدير الأزمات إلى الشعوب الأخرى، واضطهاد البلدان الفقيرة… وكلها قيم حضارية إنسانية، بل إن الحركة المعادية للعولمة بلغت من العنف أن قدمت بعض القتلى في بعض العواصم الأوربية، وإن ردود فعل الإنسان الأوربي تجاه النظام الرأسمالي القائم اتخذت أحياناً صفة العنف وتفجير المؤسسات وازدياد حوادث القتل والإرهاب بين طلبة المدارس، وهي أخبار كنّا نسمعها كل يوم قبل أحداث ١١ أيلول.

غير أن وقوع هذه الأحداث كان خير عون لقوى التسلط العالمية المعادية للحضارة لأن تخلق موجة عداء تجاه مجموعتنا الحضارية، وبذلك أوقفت - ولو إلى حين - هذا التواصل الحضاري بين الغرب والشرق. ثم إنها استطاعت تصدير أزماتها الداخلية إلى خارج بلدانها.

لنعد إلى عام حوار الحضارات، لقد بدأ بتفعيل حضاري نَشِط للحوار بين الأديان، وبين الغرب والشرق، وللحوار الداخلي في مجموعتنا الحضارية الإسلامية، وأحدث ذلك هزّة على الصعيد العالمي جعلت ما في داخله يطفو على السطح، لقد طفا على الساحة كل ما كان مخبوءاً في داخلهم وداخلنا، لقد كان عام الحضارات - في اعتقادي - مثل جرعة دواء قد يعطيها الطبيب لإظهار عوارض المرض المخفية، عندئذ يستطيع تشخيصها ومعالجتها.

عام حوار الحضارات جعلنا وجهاً لوجه أمام تهديد لا يجوز لنا بعده أن نتراخى ونتهاون وننشغل بالبطر الفكري. لقد بيّن أن الحضارات الإنسانية - إن أرادت أن يكون لها دور في الساحة العالمية المعاصرة - فلا بدّ أن تكثف حوارها ضمن مشروع يستطيع مواجهة الحملة المضادة لها. كما بيّن أن مجموعتنا الحضارية أكثر استهدافاً، لأنها - في اعتقادي - مؤهلة أكثر من غيرها لقيادة حركة الحوار الحضاري.

عام حوار الحضارات وضع أمامنا مرآة صافية نستطيع أن نرى فيها كل مواقع قوتنا وضعفنا. وجعل الساحة البشرية عامة تلتفت نحونا. إنّ موجة الكراهية التي أثارتها قوى الشرّ ضدنا لا يمكن أن تستمر، لأن الإعلام يتحدث عن توجّه شديد في أمريكا وأوربا وأمريكا اللاتينية نحو الكتاب الإسلامي. وسيقرؤون في هذا الكتاب صور التعايش في تاريخنا بين الأديان والفرق والمذاهب والتيارات الفكرية، اللهم إلاّ ما لوّث هذه الصور من مصالح الحكم، وسيقرؤون تراثنا الذي يقوم على أساس تكريم الإنسان وعلى أساس أن الكائن البشري فيه روح ربّ العالمين وأنه خليفة الله في الأرض… أين هذا التكريم من نظريات داروين في تفسير أصل الإنسان و «دوركهايم» في تفسير طبيعة المجتمعات و «ماركس» من تفسير حركة التاريخ؟ !

عام حوار الحضارات حمّلنا مسؤولية أكثر من ذي قبل لأن ننفض الغبار عن تراثنا ونقدمه بلغة العصر وبمستوى احتياجات العصر للبشرية المتعطشة لحديث «الروح» و «الحب» و «السلام» و «الفطرة» … حمّلنا مسؤولية مواصلة حوار الحضارات بكل جدّ ومثابرة.

«٤»

إذا كان «الحوار» هو عملية تعاط بين جانبين ليستفيد كل جانب مما عند الآخر، فإن المحاور بطبيعته يبحث عن جانب «قوي» عنده شيء يقدّمه له. لا يمكن أن يكون ثمة حوار بين ضعيفين لعدم وجود تعاط فيه، ففاقد الشيء لا يعطيه، ولا بين قوي وضعيف، لأن القوي لا يرى في الضعيف ما يغنيه ويعطيه. لا بدّ أن يكون الحوار بين «قويين».

ولا نعني بالقوة… قوة السلاح المدافع عن الحياة فحسب، بل أيضاً قوة سلاح صنع الحياة… من علم وثقافة واقتصاد وتنظيم اجتماعي وخطاب إعلامي وطاقة بشرية كفوءة.

مجموعتنا الحضارية - رغم ضعف قوتها العسكرية نسبياً - وضعف انتاجها العلمي وبنيتها الاقتصادية لها درجة من الحضور الفاعل على الساحة العالمية بفضل رصيدها الحضاري والثقافي.

مؤتمر «كيف نواصل مشروع حوار الحضارات» أكد على ضرورة «الندية» في الحوار، غير أن هذه النديّة لا بد أن نخلقها نحن. لا يمكن أن نفرض على الآخر أن يعترف بنا، قبل أن نعترف نحن بأنفسنا وبطاقاتنا وبإمكاناتنا الهائلة بالقوة، وبضرورة تفعيل هذه الطاقات والإمكانات.

الندية في الحوار تفرض علينا أول ما تفرض أن نبحث عن كل ما فينا من قوة مخبوءة لنخرجها من مكمنها ونفعّلها وننشّطها على الساحة العالميّة.

كل ما تفعله قوى البطش العالمية تجاهنا من مواقف غير منطقية، والكيل تجاهنا بمكيالين، وعدم الإصغاء لصوتنا، وعدم الاكتراث بحقوقنا المشروعة يعود إلى فقدان التوازن؛ أو فقدان النديّة في المواجهة.

وإذا اتجهنا إلى الفئة التي تمثل الوجهة الحضارية للغرب من مفكرين وعلماء ومثقفين، فإنهم أيضاً ينظرون إلينا كتراث قوي لا غير … يريدون أن يتعاطوا باهتمام مع آثارنا ومخطوطاتنا أكثر من أن يتعاطو مع واقعنا الثقافي والعلمي والاجتماعي. بل إنهم كثيراً ما يتحدثون عن هذا الواقع بسلبية شديدة فيها شيء قليل من الصحة وشيء كثير من التحامل نتيجة روح الاستهانة التي يحملونها تجاهنا.

الإعلام والإنتاج السينمائي الضخم في الغرب رسّخ صورة تخلّف الشرق في ذهن الإنسان الغربي، بل إن كثيراً من أصحاب الأموال الذين يتقاطرون من منطقتنا على العواصم الأوروبية يرسّخون في الأذهان هذه الصورة المشوهة أكثر مما يرسخها الإعلام والسينما.

العلاقات بين بلداننا فيها كثير من الثغرات التي تفسح المجال للطعن والاستهانة. ولا أقصد العلاقات السياسية فحسب، بل أيضاً العلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية والإعلامية.

نحن أمام التكتلات الدولية القائمة، وأمام التحديات المتفاقمة وإزاء المؤامرة الصهيونية التي تحاول أن تشدّد الخناق على أمتنا من كل حدب وصوب وبشتى الأساليب، لا سبيل أمامنا سوى التكتل. نحن أمام ضرورات للتكتل أكثر بكثير من تلك الضرورات التي فرضت إقامة الاتحاد الأوربي، وأكثر بكثير من ضرورات أنواع التحالفات الدولية القائمة.

منطقتنا الحضارية فيها كل ما يساعدها على إقامة كتلة دولية تعمل على إيجاد توازن دولي وتدفع بالمسيرة البشرية إلى السلام. أعتقد أن هذه المسألة أصبحت في الظروف الراهنة مصيرية لا بدّ منها لردع القوى المعتدية، ولكسب اعتراف الآخرين بنا، ولإجراء حوار ندّي معنا.

في مجموعتنا الحضارية من الثروات المادية والطاقات البشرية والمواقع الاستراتيجية ما نستطيع أن نسخّره جميعاً لإيجاد قوّة موحّدة… تدعم التوجّه الحضاري في العالم، وتردع من توسوس له نفسه أن يسيء إلى الحضارات ويعتدي على كرامات الشعوب.

ثمة من يستشهد بالسلوك غير الحضاري وبالمظاهر المتخلفة في علاقات منظومتنا الحضارية، ليستدل به على استحالة إمكان تقديم نموذج حضاري من بلدان منطقتنا. وهذا الاستشهاد وغيره من الاستشهاد بما عندنا من نقاط ضعف يدل على هزيمة داخلية في نفوسنا، علينا أن نثق بأنفسنا أولاً، ثم علينا أن نتفحّص في حقيقة ذلك السلوك وتلك المظاهر، فأغلبها إن لم يكن بأجمعها ناتج عن الثغرات القائمة بيننا… هذه الثغرات هي التي تخلق عقد الشك وتزعزع الثقة وتفسح المجال للمتربصين أن ينفذوا منها ليطغوا ويعبثوا ويعيثوا.

والتكتل الحضاري المنشود يستهدف أول ما يستهدف سدّ هذه الثغرات. ومؤتمر «كيف نواصل مشروع حوار الحضارات» لم يغفل عن هذه الحقيقة بل كانت فيه بحوث تناولت هذه القضية بالصميم، ضمن محور «دور المجموعة الحضارية الإسلامية في مشروع حوار الحضارات».

«٥»

ما يعانيه أهلنا في الأرض الفلسطينية المحتلة يلقي في الأذهان نوعاً من الإحباط تجاه كل شيء اسمه حوار. فهناك إصرار على أن تكون ممارسة قوة البطش والتنكيل والقتل ضد الشعب الفلسطيني هي اللغة الوحيدة في الساحة.

ولذلك نحن ترددنا من قبل في عقد مؤتمر «كيف ندخل سنة حوار الحضارات» عام ٢٠٠٠م بدمشق، ثم حين عزمنا على عقده قلت في الافتتاح:

«بعد أن عزمنا على إقامة الندوة حدثت على ساحة المنطقة مستجدات هامة جعلتنا نتردد في عزمنا، وأهم هذه المستجدات تصاعد الانتفاضة المباركة في فلسطين، وتشديد البطش الصهيوني بأطفال الحجارة وبأهلها في الأرض المحتلة.

هل الظروف في مثل هذه الحالة مناسبة للحديث عن «حوار»؟ أي حوار أمام عمليات الإرهاب والقمع الوحشي بحقّ شعب يدافع عن أرضه وبيته؟ !».

وفي الإجابة عن هذه الأسئلة ذكرت أننا ملزمون بتبيين حقيقة المواجهة القائمة في الأرض المحتلة. إنها ليست بين حضارتين، بل بين توجّه حضاري يدافع عن الأرض والكرامة والعزّة والحق … يدافع عن قيم حضارية، أمام جماعة محتلة مغتصبة عنصرية متعالية متغطرسة سفّاكة، أي أمام أعداء الحضارة والقيم الحضارية.

وإزاء حركة أمتنا نحو تبيين معنى الحضارة والنشاط الحضاري الدائر في الأرض المحتلة متمثلاً في الصمود على المبدأ ومقاومة الإرهابيين المحتلين خططت الصهيونية العالمية لإضفاء صفة الإرهاب على أمتنا الإسلامية بأجمعها، حتى عاد الأصل في كل مسلم هو أنه إرهابي، حتى ولو كان من حرس الرئيس بوش!.

لقد استغل الإعلام الصهيوني والدوائر السياسية المرتبطة بالحركة الصهيونية حوادث ١١ أيلول لطرح مشروع مكافحة الإرهاب، وليخلقوا جواً تختلط فيه خلطاً شديداً مفاهيم الإرهاب والمقاومة.

والواقع أنّ حالة من التفرعن سادت العالم بعد ١١ أيلول تقول للناس كما قال لهم فرعون من قبل لا أريكم إلاّ ما أرى. وهذا الأسلوب الفرعوني يتجه إلى أن يكرس كل الرؤى في رؤيته، أنا أحيي وأميت أنا الذي أشخّص الإرهابي … وأنا الذي أعرّف الإرهاب… وعن طريق الاستخفاف بالعقول، يردد بعض الناس ما يقوله الفراعنة: فاستخف قومه فأطاعوه.

وفي مثل هذه الظروف نحتاج إلى «عصا موسى» لإبطال هذا الإفك. والعصا بأيدينا الآن، إنها تتمثل بصمود أهلنا في الأرض المحتلة على منطق الحق والعدل وعدم انهزامهم أمام سحر فرعون.

وأمتنا مسؤولة عن استثمار هذه العصا… عن استثمار كل قطرة دم تراق في الأرض المحتلة وكل حجارة يرميها أهلنا صوب العدوّ المحتل لتحويلها إلى رسالة إنهاض وتوعية ومقاومة عامة.

لا بدّ من مشروع عملي واسع يجعل كل مجموعتنا الحضارية بل كل شعوب الأرض تفهم أنّ ما يقوم به أهلنا في الأرض المحتلة ليس هو دفاعاً عن أرضه فحسب، بل عن قيم الإنسان وكرامة الإنسان وحق الإنسان، عن التوجّه الحضاري في الساحة البشرية.

لا بدّ من إعلام مكثف مرئي ومسموع ومقروء يوضّح المشاريع الصهيونية المستقبلية للعالم، كي يفهم كل إنسان أن مصلحته الوطنية ومصلحة الأجيال القادمة رهينة بالتصدّي لأعداء الحضارة وأعداء القيم الإنسانية، وإلاّ فإن بيته أو بيت أبنائه سيهدم كما هُدِمَ البيت الفلسطيني، وأن مقدساته ستهان كما أهينت في فلسطين.

استحالة التفريق بين القضية الفلسطينية والمصلحة الوطنية والأمن القومي لأي بلد من بلدان منطقتنا الحضارية أمرٌ لا شك فيه، ولكن كم استطعنا أن نوضّح هذه الحقيقة لأمتنا ولشعوب العالم بالأرقام والوثائق والحقائق.

إن التفريط بالقضية الفلسطينية إنما هو تفريط بوجودنا الحضاري وبكرامتنا الإنسانية … هذه حقيقة … ولكن هل استطعنا إدخالها في وجدان أمتنا وضميرها.

ما الذي جعل الإيرانيين في أول يوم من انتصار ثورتهم يعلنون: الآن طهران غداً فلسطين؟ ما هو الارتباط بين مواجهة الشاه ومواجهة العدوّ الصهيوني ! حسّهم الحضاري قال لهم إن المصلحة واحدة والعدوّ واحد. هذا الحسّ الحضاري قائم في وجود كل أبناء حضارتنا، فهل فعلّناه؟ !.

أعود لأقول إن حالة التفرعن التي تريد أن تخلط بين المقاومة والإرهاب ستسود وسط الاستخفاف العالمي بكرامات الشعوب، ولابدّ أن ننطلق من الحقّ الواضح الملموس المحسوس في القضية الفلسطينية لنتحاور حضارياً مع كل الشعوب المرهوبة والمخدوعة من قوى الشرّ العالمية. ونطرح الصورة الحقيقية للمواجهة القائمة اليوم بين الحضارات وأعدائها، بين الإنسانية وأعدائها … وذلك من أولويات حوار الحضارات.

* جامعة طهران - المستشار الثقافي



[ Web design by Abadis ]