ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دور المجموعة الحضارية الإسلامية في مشروع حوار الحضارات \ الدكتور هيثم الكيلاني *

هذا البحث ذو طبيعة خاصة، فهو يحاول أن يعالج دور المجموعة الحضارية الإسلامية في مشروع حوار الحضارات. ولقد برزت في هذا الإطار نظريات ورؤى كثيرة، من أبرزها: نهاية التاريخ والإنسان الأخير لفرانسيس فوكوياما [١]، وصدام الحضارات لصمويل هنتنغتن [٢]. والنظريتان مشتقتان، في واقع الأمر، من أفكار الدارونية الاجتماعية القائمة على أساس أن الصراع هو أصل الحياة، وأن البقاء للأصلح. وهما تحاولان تفسير المتغيرات الجارية في النظام العالمي في إطار توجه سياسي يقدم رؤى انتقائية لتلك المتغيرات، في حين أن البحث يفترض أن هذه المتغيرات توفّر مجالاً للتحاور والتسامح بين الحضارات، باعتبارهما يمثلان أداة فعالة لاحتواء الصراعات الداخلية والخارجية في مختلف أنحاء العالم، ويبنيان جسراً بين الحضارات يمهد الدرب أمام تكوّن حضارة إنسانية جديدة تستجيب لاحتياجات المصير المشترك للإنسانية.

وفي إثر حدوث تلك المتغيرات، ظهرت ثلاثة تيارات لتفسيرها وتوظيفها في إطار النظام العالمي:

١ - التيار الأول: يعلن انتصار الحضارة الغربية. بمحتواها الأمريكي، حيث ينتهي التاريخ. ٢ - التيار الثاني: يجعل التصارع بين الحضارات هو الشكل الأعم في المستقبل. ٣ - التيار الثالث: يدعو إلى قيام حضارة إنسانية جديدة أساسها التسامح والتحاور، باعتبار ذلك الوسيلة الكفيلة لإنهاء جميع أشكال الصراعات المسلحة وأسبابها. وهذا هو دور المجموعة الحضارية الإسلامية.

هناك إجماع على أن ثمة نظاماً عالمياً جديداً يتكون، وأن العام ١٩٨٩ كان المفصل الذي تحولت عنده مسيرة التاريخ، فتداعى النظام القديم المؤلف من ثنائية قطبية، ليخلفه نظام جديد ذو وحدانية قطبية، وذو بنية اقتصادية تتشكل عناصرها الأساسية من [٣]: العلوم والتقانات، والقدرات الإدارية، والتنظيم الاجتماعي، والتعليم، واقتصاد السوق. ولم تعد الموارد الطبيعية تشكل عنصراً أساسياً لا غنى عنه للقوة الاقتصادية الجديدة، في حين غدت الثقافة، وفيها ثورة المعلومات، من أهم مصادر القوة.

ومن الملاحظ في استقراء دروس التاريخ في مختلف مراحله، أن التقدم لا وطن له، وإنما هو ثمرة طبيعية لعدة عوامل إنسانية، منها عاملا المعرفة والإرادة.

ولقد جاء الإسلام حاثاً على كل ما من شأنه التقدم، فأوجد مصطلحات تجسد وتنظم التقدم، كمثل العمارة، والضرب في الأرض، والتدافع والخلافة، وغيرها كثير من المصطلحات.

وتمثلت أبرز إسهامات الحضارة الإسلامية في بناء الحضارة الإنسانية في مجالات كثيرة. ثم بدأ دور هذه الحضارة يتقلص حتى ضعف تأثيرها في المشاركة والبناء.

ولقد تكونت، على مدار التاريخ، حضارات كثيرة، انقرض بعضها، ومازال بعضها الآخر يعطي ويثمر. ومنذ أن تكونت الحضارات، نشأت بينها مناطق احتكاك. وعلى تخوم هذه المناطق وفوقها اصطدمت بعض الحضارات، وحملت كل حضارة ميزات خاصة ملازمة لها. وهكذا شهدت الحضارات أنماطاً عدة من العلاقة فيما بينها، راوحت بين التأثير والتأثر المتبادلين، وتمثلت في وسائل سلمية، كالتجاور الجغرافي والتجارة و السياحة والتبشير والترجمة وغيرها كثير، وفي وسائل عنيفة كالحروب والغزوات والاستعمار والاحتلال وسواها. وإذا كانت أسباب الصراع بين الحضارات متوافرة، فإن موجبات التواصل: ودوافع التحاور لا تقل أهمية وتوافراً عن سابقتها، إن لم تفقها مكانة وتأثيراً.

وارتكازاً على مبدأ التنوع ضمن وحدة الجنس، قامت دعوات التحاور بين الحضارات. وفي هذا السياق جاء إعلان طهران (٥ / ٥ / ١٩٩٩) الذي أصدرته دول منظمة المؤتمر الإسلامي داعية فيه إلى حوار الحضارات على أساس أن الإسلام لا يعادي أي شعب ولا يدعو إلى الانغلاق.

لا ريب في أن حوار الحضارات قديم، وجدّته تأتي وليدة الظروف الدولية التي نشأت في ما بعد الحرب الباردة، وفي ظل أفكار "ما بعد الحداثة" والعلاقات متعددة الأطراف والتكتلات الإقليمية. ذلك أن عالم اليوم يزخر بألوان متعددة من الاختلافات العرقية والدينية والإثنية والثقافية والوطنية والقومية التي تتصادم في أماكن شتى من العالم. ولايعني هذا أن هذه الصفة لم تقع إلا في عصر مابعد الحرب الباردة، إنما كانت موجودة دوماً، كامنة حيناً أو متحركة فاعلة حيناً آخر. بيد أن هذه الاختلافات وما قد تولده من صدامات لا تندرج قط في قائمة صدامات الحضارات، إذ إن لها أبعاداً في الاستراتيجيات والسياسات الإقليمية والدولية، بحيث تصبح أزمات تدخل في دائرة "إدارة الأزمات"، أكثر مما هي، في معظمها، صدامات بين الحضارات.

ومن المعروف أنه في إثر استقلال عدد كبير من الدول، وتحررها من الاستعمار، جرت محاولات لنقل حوار الحضارات من شكله الاحتلالي إلى شكل أكثر عدالة وإنسانية. ورعت الأمم المتحدة، وبخاصة منظمتها المتخصصة بشؤون الثقافة (اليونسكو) هذه المحاولات. وما يجذب النظر في هذا المجال "إعلان المبادئ للتعاون الثقافي الدولي" الذي صدر في العام ١٩٦٦، ونص على أن:

١ - كل حضارة لها اعتبارها وقيمتها التي يجب المحافظة عليها واحترامها.

٢ - كل شعب له الحق في تنمية حضارته، وعليه واجب هذه التنمية.

٣ - كل الحضارات، بكل ما فيها من تنوع واختلافات عميقة وتأثير متبادل في بعضها بعضاً، جزء لا يتجزأ من الإرث العام للبشرية.

سوى أن النتيجة لم تكن حسب ما ترسمه هذه المبادئ. فقد استمر العالم في سيره الحضاري المهيمن عليه من قبل جهة واحدة، تتدفق منها الثقافة (التكنولوجيا) والعلوم والسلع والثقافة والقيم. وهنا يبدو واقع العلاقة بين الحضارات حواراً ذا صفة حادة أو جد حادة.

وعلى هذا، فرضت الحضارة الغربية، وهي الأكثر تطوراً اقتصادياً وعلمياً وتقانياً، ثقافتها ومفاهيمها وأنماط حياتها على غيرها من الحضارات. وهكذا أخذت الحضارة الغربية في عصر ما بعد الحرب الباردة ترفع وتيرة هجمتها بعد أن زالت من دربها بعض العوائق التي كانت تقف في وجهها في عصر الحرب الباردة. وعلى هذا فإن حوار الحضارات يواجه خطر الهيمنة الذي تمارسه، في المقام الأول، الولايات المتحدة الأميركية، بصفتها زعيمة النظام العالم الأحادي القطبية. وهذه الهيمنة متنوعة الجوانب، فهي عسكرية واقتصادية وسياسية وثقافية وتقانية. وعلى هذا فإن من المهام الرئيسة لحوار الحضارات أن يتصدى لهذه الهيمنة، من أي جهة أو قوة جاءت، لأن هذا التصدي سيرد على محاولات تهميش بعض الشعوب والأمم باصطناع مسوغات مختلفة. فالعالم الإنساني يجب أن يتبلور من خلال تعاون بني البشر، وليس عبر تسلط بعضهم على بعضهم الآخر. وفي بيئة التعاون يمكن لحوار الحضارات أن يعيش ويتنفس وينمو ويعطي ثماره.

يجري حوار الحضارات اليوم في حالة مختلفة عما كانت عليه في الماضي. فحوار اليوم يجري على قاعدة من اختلاف مستويات التطور. فهناك شمال وجنوب، ودول صناعية متقدمة ودول متخلفة وتابعة، أي دول تنتج التقانة والإعلام والسلع وحاجات الحياة الحديثة، ودول تستهلكها.

لم يعد تحاور الحضارات مجرد مبادرة يؤخذ أو لا يؤخذ بها، وإنما غدا ضرورة تفرض ذاتها إذا ما اعتبرنا الإنسانية هدف كل عمل جماعي، وبخاصة في عصر ما بعد الحرب الباردة، حيث تبدو الإنسانية الغرض الأسمى لسيطرة الحضارة الغربية عليها، بعد أن وصلت - حسب دعاتها وبعض مفكريها - إلى منتهاها، ولابد لها من أن تصبح النموذج الذي تتبعه الإنسانية.

ثمة ردود كثيرة ومتنوعة على هذه الدعوة المبنية على توزيع غير عادل للقوة والنفوذ وفقدان الاحترام التاريخي من جانب بعض القوى الكبرى تجاه الدول والشعوب الصغيرة وحقوقها.

ثمة توجه يأخذ به هذا البحث، وهو أن الحوار بين الحضارات حوار مؤسس على التفاعل من موقع الاستقلال، مع التمييز بين المشترك الإنساني العام والخصوصيات الحضارية.

سيقتصر البحث على تحديد بعض المصطلحات والمفاهيم، ثم يتحدث عن أطروحتي "نهاية التاريخ" و"صدام الحضارات"، والحضارة الغربية وأزمتها، والحرب والحضارة، والعلاقة بين الحضارتين الإسلامية والغربية، وطبيعة الحضارة الإسلامية في دعوتها للحوار، ثم ينتهي البحث بخلاصة.

أولاً في المصطلحـات

تتعدد دلالات المصطلحات بتعدد الزوايا التي ينظر منها إلى تلك المصطلحات. ولعل الدلالات اللغوية المعجمية تساعد على توضيح معاني تلك المصطلحات ومضامينها، على الرغم من تطور تلك المعاني والمضامين تطوراً جعل الشقة واسعة بين الأصول اللغوية للكلمة والمعاني والمضامين التي اكتسبتها فيما بعد. فللثقافة، مثلاً أكثر من ١٥٠ تعريفاً [٤]. وللحضارة كذلك تعريفات كثيرة. وفيما يأتي جولة جد مختصرة لدلالات المصطلحات التي لابد لكل باحث في حوار الحضارات من أن يستخدمها:

١ - كلمة "الحضارة" هي ترجمة لكلمة "Civilization" ولا يزال الجدل يدور حول مضمون الكلمة. ففي "المعجم الوسيط" الذي أقره مجمع اللغة العربية في القاهرة أن "الحضارة هي الإقامة في الحضر. والحضر هو المدن والقرى والريف. والحضارة هي مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي في الحضر [٥]. أما "المعجم العربي الأساسي" الذي أصدرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالاشتراك مع مؤسسة "لاروس" الفرنسية، فقد عرّف الحضارة بأنها "مجموع الخصائص الاجتماعية والدينية والخلقية والتقنية والعلمية والفنية الشائعة في شعب معين، كالحضارات الهندية واليونانية والعربية" [٦]. ومن المرجح في تعريفات مفردة "الحضارة" أنها تشمل المجتمع أو مجموعة مجتمعات بكل فئاتها، وتجمع سمات ثقافاتها المشتركة.

٢ - الحضارة هي المنظومة الفكرية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي تحكم الماضي شعب تلك الحضارة وحاضره [٧]. ويمكن هنا القول: إن الولايات المتحدة تقدم إلينا منظومتها الحضارية كلها حين تعرض علينا سلعها الاستهلاكية [٨]. ولو تقصينا الشرح اللغوي لكلمة "الحضارة" لوجدناه مقصوراً على الإقامة في الحضر. ولو أضفنا إلى هذا المعنى المعجمي مدلولاً اجتماعياً نستقيه من مقدمة ابن خلدون لكانت الحضارة، حسب رأي ابن خلدون، "غاية العمران، ونهاية لعمره، ومؤدية لفساده"، لأنها، في نظره، لا تزيد على "التفنن في الترف، واستجادة أحواله، والكَلَف بالصنائع التي تونّق من أصنافه وسائر فنونه" [٩].

٣ - عرّف صامويل هنتنغتون الحضارة بأنها كيان ثقافي، وأن الحضارات هي أعلى تجمع ثقافي للناس. وهي تتحدد بعناصر موضوعية مشتركة، مثل اللغة والدين والتاريخ والعادات والمؤسسات والهوية [١٠]. في حين أن رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية يقرر أن الحضارة هي الآثار المادية للحياة الاجتماعية ولجميع المراكز والمؤسسات التي تنبض الحياة فيها [١١].

٤ - ينحو المعلوماتيون إلى تعريف الحضارة بقولهم: إنها بأسرها - في جوهرها - نظام للمعلومات [١٢].

٥ - هناك تعريفات كثيرة بشأن الحضارة والثقافة، والدخول فيها يعدّ متاهة مضيعة. وثمة من يميز بينهما بالقول: إن "الحضارة" هي النتاج المادي والفني للمجتمعات البشرية، وإن "الثقافة" هي النتاج الروحي، أي القيم والأفكار والآداب والعلوم والفنون.

٦ - تتناوب كلمتا الحضارة والثقافة - لدى بعض الباحثين - لدلالة إحداهما على الأخرى في بعض الدراسات الأوروبية أحياناً. ولكنهما تختلفان في الدلالة كلما اختلفت العلوم أو المعارف التي تستخدمها. فالثقافة تمثل المرحلة الأولى من الحضارة، أو هي جزء منها، حتى أن علماء الأنثروبولوجيا يطلقون مصطلح الثقافة على مظاهر الحياة في المجتمعات المتقدمة وحدها [١٣]. أما ول ديورانت [١٤] فيرى الحضارة أنها نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي. وهي تتألف من أربعة عناصر: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، والعلوم والفنون [١٥]. أما مالك بن نبي فقد رأى أن مكوّنات الحضارة من إنسان وتراب ووقت لا يمكن أن تعمل عملها دون صاهر أو مركّب يوائم بين روحها أو جزيئاتها وتوظيفها في أحسن الأحوال [١٦].

٧ - إذا كانت الثقافة جسراً للحضارة أو جزءاً منها، بمعنى أن لكل حضارة ثقافة، وليس لكل ثقافة حضارة، فإن هناك فهماً آخر تشير إليه بعض الدراسات الأوروبية، وهو أن الحضارة تختصّ بالجوانب المادية [١٧]. وبصورة عامة، يمكن القول: إن للثقافة دلالة على الخصوصية أكثر من دلالة الحضارة عليها. لهذا فقد عُرِّفت بأنها ذلك المركّب الكلي الذي يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأدب والأخلاق والقانون والعُرف والقدرات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع [١٨].

٨ - يعرّف الدكتور حسين مؤنس الثقافة بأنها مجموع المعلومات والمعارف والممارسات والقيم الخاصة بشعب ما يعيش بمقتضاها. وهي التي تميزه عن غيره من الشعوب، لأنها تعبير صادق عن شخصيته وطريقته الخاصة في الحياة [١٩].

٩ - اختلف الباحثون تبعاً لمدارسهم الاجتماعية والتاريخية، في معنى الحضارة (Civilization) والمدنية (Citizen) والثقافة (Cultutre). فهم قد يجمعون بينها وقد يفرّقون. فبعضهم يعطي الحضارة معنى شمولياً كلياً يشمل نشاطات الإنسان كافة. وبعضهم يحصر المضمون الحضاري بمعنى الثقافة، ويستعمل المدنية بمعنى الحضارة التي تمثل الجانب المادي وحده.

١٠ - ثمّة فارق بين مفهومي العولمة والعالمية، وهو فارق اصطلاحي. فالعولمة تنطوي على فرض، أو إملاء، نمط محدد على العلاقات بين الدول، في حين أن العالمية يفهم منها التوجه نحو الانفتاح والتعاون.

١١ - يستعمل بعض الباحثين مفردة "التدافع" بدلاً أو مرادفاً لمفردة القرآن الكريم في موضعين، أولهما في سورة البقرة (الآية ٢٥١):؟ ولولا دفعُ الله الناسَ بعضَهم ببعضٍ لفسدت الأرضُ ولكنّ الله ذو فضل على العالمين (. وثانيهما في سورة الحج (الآية ٤٠): (الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربُنا الله ولولا دفعُ الله الناسَ بعضُهم ببعض لهُدمتْ صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصُرنّ اللهُ من ينصُرُهُ إن الله لقويٌ عزيز (. وفي تفسير الآية الأولى، يقول الزمخشري [٢٠]: » ولولا أن الله ينصر المسلمين على الكفار لفسدت الأرض بعيث الكفار فيها وقتل المسلمين أولو لم يدفعهم بهم لعمّ الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل أهل الأرض «، أما في تفسير الآية الثانية، فيقول الزمخشري: » دفع الله بعض الناس ببعض إظهاره وتسليطه المسلمين منهم على الكافرين بالمجاهدة. ولولا ذلك لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمتهم وعلى متعبداتهم فهدموها « [٢١]. ولم يخرج صاحب "صفوة التفاسير" عن هذه المعاني في تفسيره هاتين الآيتين [٢٢]. ويجمع المعجم الوسيط والمعجم العربي الأساسي [٢٣] على أن التدافع بين القوم هو أن يدفع بعضهم بعضاً. إن

ما نقصد إليه من هذا السرد هو توضيح أن التدافع لا يعني التحاور، بالمعنى التفصيلي الدقيق للمفردة التي قال عنها المعجم العربي الأساسي "حاور: جادل. تحاور القوم: حاور بعضهم بعضاً، أي تجادلوا".

١٢ - الحضارة الإسلامية، بمجملها، لاتخرج عن إطار النشاطات الإنسانية وتفاعلها من أجل عمران الحياة، على أساس توظيف حركة الأمم والشعوب ونشاطاتها لخدمة بني الإنسان، مسلمين وغير مسلمين. فالخالق الباري هو رب العالمين، وليس رب المسلمين فقط.

ثانياً - نهاية التاريخ وصدام الحضارات

في إثر المتغيرات التي شهدها النظام العالمي، ظهرت - على الصعيد الفكري النقدي - تفاسير متنوعة لتلك المتغيرات وللمستقبل المحتمل للنظام العالمي. ومن بينها تفسيران لمفكرين أميركيين استقطبا الاهتمام والتركيز: أولهما للمفكر فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ وخاتم البشر"، وثانيهما للمفكر صامويل هنتنغتن في كتابه "صدام الحضارات وإعادة صوغ النظام العالمي". وقد أثار هذان الكاتبان. وبخاصة ثانيهما، فكرة حوار الحضارات.

قدم فوكوياما في كتابه رؤية جديدة لما سيكون عليه وضع العالم الآني والمستقبلي، بوصول الغرب إلى قمة القوة والهيمنة، بعد انتصار الديمقراطية الغربية الليبرالية، ذات النسق الرأسمالي الحر. وفي سبيل تكريسه منظومة الهيمنة هذه، وتوسيع قاعدتها، يعمد فوكوياما إلى تجاهل التاريخ وتنحية الإسلام عن دائرة الحضور والفاعلية، فيختلق افتراضات لينتهي إلى استنتاجات وأحكام، كمثل حديثه عن فقد الإسلام أي جاذبية خارج المناطق ذات الثقافة الإسلامية، وكمثل قوله إن قرابة مليار إنسان من ذوي الثقافة الإسلامية لا يستطيعون تحدي الديمقراطية الحرّة على المستوى الفكري أو النظري.

ما يجذب الانتباه هو تسويغ فوكوياما لعالم "مابعد التاريخ" حق شنّ الحروب، بل هو يجدها ضرورية، ليس للدفاع عن نفسه ضد أوبئة العالم فحسب، بل للحفاظ على حيوية الأنظمة الديمقراطية [٢٤]. ويخشى فوكوياما، في الوقت نفسه، أن تنشب الحرب ما بين الدول الديمقراطية ذاتها، من أجل "متعة النضال"، إذ سيتقاتل أهل الديمقراطية يومذاك بسبب "الضجر". فليس في وسعهم تخيل أنفسهم في عالم من دون صراعات. "إذا كان الجزء الأكبر من العالم الذي يعيشون فيه يتميز بديمقراطيات ليبيرالية مزدهرة وسليمة، فإنهم عندئذٍ سيقاتلون ضد هذا السلام وذلك الازدهار وضد الديمقراطية" [٢٥].

إن أبرز ما يعيب فكرة فوكوياما بشأن نهاية التاريخ، هو أنه ينطلق من انغلاق فكري تحليلي يعني قيم الليبرالية الحرة على حساب القيم الإنسانية الأخرى. وفي ذلك إهدار لحضارات الآخرين وثقافاتهم. ولقد تجلى ذلك واضحاً في سلوك بعض أبناء الحضارة الغربية، حين رفضت الليبرالية الغربية الحرة وجود أي كيان إسلامي ديمقراطي حر في أوروبا (شبه جزيرة البلقان).

فإذا ما انتقلنا إلى كتاب صامويل هنتنغتن "صدام الحضارات وإعادة صوغ النظام العالمي"، فإننا نلاحظ أن ما يتصف به هذا الكتاب هو النهايات المفتوحة على الممكنات المستقبلية. فالغرب يستمر في التفوق لعقدين من الزمن ثم يتدهور، حسب رأي هنتنغتن، والحضارتان الإسلامية والكونفوشوسية (الصينية) تشكلان لبّ "حضارة التحدي"، أما حرب الحضارات فستكون حرب القرن الجديد. وربما وقعت في العام ٢٠١٥ حرب عالمية حضارية. ولكن هذه الحرب قد لا تقع إذا استطاعت حكومات الغرب إدارة الأزمات ومنع حالات النزاعات، وإيقاف التسارع نحو امتلاك السلاح النووي.

كتاب هنتنغتن يجيد تأويل التاريخ، ويوجّه النقاش حسب المصالح الغربية، ويؤكد أن التاريخ يتجه نحو حرب حضارية كونية قد تنتهي بالإبادة الجماعية، ويرى أن الصراع سيكون بين "حضارات المركز" و "حضارات التحدي" - ومنها الحضارة الإسلامية - التي تسعى إلى إعطاء معنى لهويتها وقيمها. وستتطور حضارات التحدي هذه - أي تتعولم - دون فقدان لخصوصيتها، وهذا ما يقلق الغرب. ويحاول هنتنغتن التخلص من هيمنة النهايات، وينتقد أوهام العقل الغربي القائمة على المركزية المجسدة في الوحدة والاستمرارية التي كان الفيلسوف الألماني هيغل قد أصّلها.

ومن المعروف أن في أطروحة صامويل هنتنغتن تقسيماً للحضارات الأساسية، هي: الغربية، الكونفوشيوسية، اليابانية، الإسلامية، الهندوسية، الأرثوذكسية السلافية، الأميريكية اللاتينية، وربما تنضم الحضارة الإفريقية إلى هذا التقسيم. وتشير الأطروحة إلى أن الحضارتين اللتين تهددان الحضارة الغربية هما: الإسلامية والكونفوشيوسية، ولهذا فإن "الصراع" يجب أن يكون ضدهما.

تعمل هذه الرؤية لتوسيع هوة الخلاف بين الحضارتين الإسلامية والغربية، ومن ثمّ بين أبنائهما. فبعد صراع طويل ومكلف للشعوب الإسلامية ضد الاستعمار الغربي، تواجه هذه الشعوب اليوم الهيمنة الغربية في مجالات كثيرة. فإذا أضفنا إلى ذلك عوامل الصراع منذ قديم الزمان حتى تبنّي الغرب المشروع الصهيوني باحتلال فلسطين، فإن عوامل الصراع وأسبابه تزداد حدة وفعلاً، وبخاصة أن هنتنغتن يقرر أن صراع الحضارات سيهيمن على العلاقات الدولية، وأن الحدود الفاصلة بين الحضارات ستكون جبهات قتال في المستقبل. لهذا فإن هنتنغتن ينادي بالحد من تعزيز القدرة العسكرية وتوسيعها للدول الإسلامية والكونفوشيسية، واستغلال الاختلافات والنزاعات بين هاتين الفئتين من الدول، وتأييد الجماعات المنتمية إلى حضارات أخرى متعاطفة مع الحضارة الغربية.

أعاد هنتنغتن في كتابه [٢٦] إثبات فكرته الأصلية، وهي أن الحضارات، بمعنى الانتماءات الثقافية، ستقوم بتشكيل علاقات التماسك أو التفكك والصراع في عالم مابعد الحرب الباردة. واستناداً إلى ذلك، فإن الصراعات السياسية المحلية التي ستبرز ستكون هي الصراعات العرقية والإثنية، وبخاصة داخل الحضارة الواحدة. أما على المستوى العالمي فإن الصراع المقبل سيكون صراعاً بين الحضارات. كما أن القضايا الجوهرية، على الساحة الدولية، سترتبط بشكل مباشر بالاختلاف بين الحضارات. وأشار هنتنغتن إلى أن الغرب سيشهد انحداراً نسبياً في نفوذه العالمي، وأن الحضارات الآسيوية ستقوي نفسها بشكل ملحوظ، وأن الحضارة الإسلامية ستعاني مشكلة الانفجار السكاني.

يصنّف هنتنغتن علاقة الإسلام بالغرب على أنها علاقة عدائية، بشكل عام. وقد أسهمت عوامل اختلال التوازن السكاني والتنمية والتطور التقاني ودرجة الالتزام الديني، حسب رأيه، في تشكيل هذه العلاقة. ويشير المؤلف إلى أن سقوط المعسكر الشيوعي أزال عدواً مشتركاً للحضارتين الغربية والإسلامية، مما دفع كل طرف إلى محاولة فرض هيمنته على الآخر. ويلاحظ هنتنغتن أن أغلب الجماعات الإسلامية تعادي الغرب. لذا فإن الغرب يستشعر من الإسلام مخاطر عدة. ويصف المؤلف العلاقة العدائية بين الإسلام والغرب بأنها حالة "شبه حرب - Quasiwar". ثم يصل المؤلف إلى حكم قيمي يتلخص بأن المشكلة الأساسية للغرب ليست في "الأصولية الإسلامية" وإنما هي في "الإسلام الذي يمثل حضارة مختلفة، ويقتنع أتباعه بتفوق حضارتهم، ويوجد لديهم هاجس أو عقدة نقص حيال ضعفهم في مقابل الغرب". ثم ينتقل هنتنغتن بعد ذلك إلى تعميم غير علمي، مفاده أن علاقات الإسلام وتوجهاته العدائية ليست تجاه الغرب فقط، بل تجاه الحضارات الأخرى. ويكرر في كتابه ما كان قد استعمله في مقالته في صيف ١٩٩٣ [٢٧]، وهو "حدود الإسلام الدموية - Islam’s Bloody Bordens".

استند هنتنغتن في أطروحته إلى نظرية هيغل التي تقول إن التاريخ يتقدم من خلال عملية صراع مستمر بين مذاهب الفكر والسياسة المتعارضة والمليئة بالتناقضات الداخلية لتحلّ محلها مذاهب أقل تناقضاً وأكثر سمواً تعطي دفعة لتلك المذاهب حتى تصل إلى تناقضات جديدة مختلفة. واعتقد هيغل أن تقدم المجتمعات الإنسانية نحو مستويات أعلى من العقلانية والحرية سيمثّل نهاية للتاريخ. وقد ردّ كارل ماركس على نظرية هيغل بأنه وافقه على "نهاية التاريخ" ولكن بانتصار طبقة البروليتاريا وليس على طريقة هيغل بانتصار الوعي الذاتي المطلق. ومن هذا القبيل تأتي أطروحتا فوكوياما وهنتنغتن.

يتنبأ هنتنغتن للولايات المتحدة - وهو أحد أبنائها - بأنها ستغدو - بمرور الزمن - بلداً متنوعاً من الناحية الإثنية والعنصرية بصورة متزايدة. ثم يتساءل: "هل يعني نزع الطابع الغربي عن الولايات المتحدة، إن حدث، نزع الطابع الأميركي عنها أيضاً؟ ولو تحقق ذلك، وكفّ الأميركيون عن الالتزام بأيديولوجيتهم السياسية الديمقراطية ذات الجذور الأوروبية، فإن الولايات المتحدة، كما نعرفها، تكفّ عن الوجود، وتتبع الدولة العظمى الأخرى التي كانت محددة أيديولوجياً، إلى كومة من رماد التاريخ [٢٨].

سعى المؤلف في كتابه إلى أن يدعم أطروحته عن صدام الحضارات بأدلة وإحصاءات انتقائية تحتمل تفسيرات متعددة، وبخاصة أن هدفه كان واضحاً، وهو أن يجعل صدام الحضارات قانوناً يحكم العلاقات الدولية المعاصرة. وليس الأمر كذلك، فالحضارة ليست المحدد الأساسي لسلوك الدول، على الرغم من الأهمية التي تؤديها الحضارات في تشكيل رؤية الأفراد والجماعات وسلوكهم في نظرة كل منهم إلى الآخر.

ويبدو أن هنتنغتن يركز على الحضارة الإسلامية لأنه ينتمي إلى فئة المتوجسين مما يسمونه "الخطر الإسلامي". ويقوده هذا إلى استنباط الأدلة التي تدعم أطروحته عن التمايز الحضاري الذي يؤدي إلى الصدام الحضاري.

وكان هنتنغتن قوّم الحرب الأهلية الإسبانية (١٩٣٦ - ١٩٣٩) بأنها كانت حرباً بين أنظمة سياسية وأيديولوجية، في حين أن حرب البوسنة (١٩٩١) كانت - حسب رأيه - حرباً بين حضارات وأديان، فهي "لحظة دامية في صدام الحضارات الحالي".

يرى هنتنغتن أن الدول تأخذ في اعتبارها ميزان القوى، والتهديدات المتصورة، وأن الدول / الأمم ستظل أقوى العناصر الفاعلة في الشؤون العالمية، وأن هذه الدول / الأمم تنتمي إلى حضارات، بمثل ما كانت تنتمي، في عصر الحرب الباردة، إلى أحد العوالم الثلاثة (الأول والثاني والثالث). ولأن العوالم الثلاثة قد اختفت "فإن الدول / الأمم تحدّد هويتها ومصالحها بمقاييس حضارية على نحو متزايد". فالدول الأوروبية ترى "حالياً أن هناك خطراً ثقافياً عليها يجيء من الجنوب ويحل محلّ التهديد الإيديولوجي الذي كان يجيء من الشرق" [٢٩].

يهمل هنتنغتن ويتناسى - بقصد - ذلك التاريخ الطويل الذي يؤلف قسمه الأول الاستعمار الغربي بكل خططه واحتلالاته ومطامعه الاقتصادية والثقافية والسياسية في معظم البلدان الإسلامية، ويؤلف قسمه الثاني المقاومات الوطنية ضد الاستعمار والاحتلال ومن أجل التحرر والاستقلال.

ولأنه يهمل ويتناسى التاريخ، وهو في معظمه تاريخ معاصر، فإنه يركز على العنصر السياسي في كتابه وأدلته وإحصاءاته، لذلك نجده يميل إلى ما يسمى إدارة الصراعات التي تواجه الغرب في عالم ما بعد الحرب الباردة. وكان هنتنغتن أوصى - في مقالته - قادة الحضارة الغربية بإبقاء هيمنة الحضارة الغربية. أما في كتابه فقد أشار في الفصل الخاص بمستقبل الحضارات، إلى الأسباب والوسائل التي تدفع باتجاه الحفاظ على موقع الحضارة الغربية مستقبلاً.

لعلّ أهمية أطروحة هنتنغتن تكمن في أنها نموذج تفسيري يزيح نموذجاً قديماً أصبح عاجزاً عن تفسير الوقائع الجديدة. فنموذج هنتنغتن يفسر - حسب رأيه - عالم ما بعد الحرب الباردة عبر المزج بين الاستشراف السياسي وفلسفة التاريخ وإنتاج إطار مفاهيمي لما يسمى "إدارة الأزمات" وما يرتبط بها من سياسات الردع والاحتواء والحصار.

وإذا كانت أطروحة الصدام بين الحضارات رديفاً أو وجهاً من أوجه "الاحتواء" التي كان نظّر لها الاستراتيجي الأميركي "جورج كينان" منذ بضعة عقود، والتي يجري تطبيقها الآن، بأشكال وتعديلات مختلفة، فإن الأطروحة تبدو كأنها مكملة لنظرية الاحتواء، من حيث إنهما - الأطروحة والنظرية - تسهمان في خلق الصراع والعداء. وهذه فلسفة تدعو إلى إقامة "المتاريس" بين فئات كثيرة من الناس، أي بين شعوب وأمم ودول وحضارات.

تعرضت أطروحة هنتنغتن لنقد وطعن واسعين، وبخاصة من قبل مفكرين غربيين. وأكتفي بأن أسوق، باختصار، وجهتي نظر عربيتين. أولاهما عبر عنها الدكتور عبد الله العروي حين أشار إلى أن جميع المفاهيم التي يمكن أن تفجّر الصراع قد استهلكت، مثل اللغة والدولة والقومية والإمبراطورية والأيديولوجية. ولذا لم يعد أمام هنتنغتن سوى مفهوم الثقافة كمصدر للصراع. وثانية وجهتي النظر عبر عنها الدكتور إدوارد سعيد، إذ رأى أن هنتنغتن قد استخدم مفاهيم مطاطة ذات حدود شاسعة مثل الحضارة والغرب، وكأن الحضارة الغربية كيان واحد. فهناك عدد من الحضارات الغربية. وتنطبق المقولة نفسها على الحضارة الإسلامية. فهناك حوار واسع حول معنى الإسلام بين فئات دينية وسياسية مختلفة. ويعدّ حصر الثقافات في مفاهيم ضيقة يعدّ من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبت في فكر القرن التاسع عشر وأدت إلى مواقف سياسية عنصرية. ويرى ادوارد سعيد أن هنتنغتن يعتمد على آراء ومصادر ثانوية وصحافية وسطحية، وليس على دراسة دقيقة لواقع الحضارات والثقافات.

في مواجهة أطروحة هنتنغتن، نشأت أفكار ومشروعات غربية عبّر عنها مفكرون من أبناء الحضارة الغربية ذاتها. بيد أن تلك الأفكار والمشرعات ظلت في زاوية الإهمال أو عدم الإضاءة، كمثل ما فعل أحد مفكري مؤسسة علمية ألمانية حينما عبّر عن قلقه لتجاهل الغرب للحضارات الأخرى [٣٠]. كما أن الباحثة الألمانية "أينماري شيمل - Annemarie Shimmel" أصدرت كتباً كثيرة شرحت فيها الحضارة الإسلامية وسعت إلى تقريبها من العقل الغربي.

إن مايلفت النظر هنا أن القبول الجماهيري الألماني لهنتنغتن مع رفض أفكار شيمل مؤشر واضح على ما وصلت إليه حالة تعبئة الرأي العام في الغرب ضد الحضارة الإسلامية [٣١]. ولعل المؤتمر الذي دعا إليه وزير خارجية ألمانيا وموضوعه "أوروبا والعالم الإسلامي"، والذي كان مقرراً عقده في مدينة بون في ١٥ـ١٦ / ١١ / ١٩٩٥ وانتهى إلى الإلغاء - قبل أن يعقد - بعد أن وافقت الدول الإسلامية المدعوة على الحضور، يعدّ مثلاً على الموقف السلبي الذي تتخذه الأجهزة الإعلامية والرأي العام في دولة كبيرة مهمة كألمانيا. وقد بلغ الأمر حد مناقشة الأمر في البرلمان، حيث صوّت ٢٦٨ ضد ٢٢٥ تأييداً لسحب الدعوة وإلغاء المؤتمر.

من المعروف أن تاريخ القرن العشرين شهد حربين عالميتين كانتا أكثر دموية وتدميراً من أي حروب أخرى شهدها العالم في تاريخه. فقد التهمت هاتان الحربان أكثر من خمسين مليوناً من البشر، بما قد يقترب من أعداد ماراح ضحية حروب العالم السابقة في التاريخ المعروف. ولكن ما يجذب الانتباه في هذا الصدد أن هاتين الحربين العالميتين لم تكونا بين حضارتين مختلفتين، وإنما كانتا داخل حضارة واحدة هي الحضارة الغربية. كما أن الحرب الباردة أيضاً كانت داخل الحضارة ذاتها ولكن بين أيديولوجيتين مختلفتين.

ويعني هذا أن الصراع بين بني الإنسان لا يكون بالضرورة بين حضارات مختلفة. فالحضارة الحقيقية تعني في جوهرها التقدم المادي والروحي للأفراد والجماعات، أي أنها ترتقي بالإنسان مادياً وروحياً، وتهذب أخلاقه، وتحدّ من نزعاته العدوانية. وإنما يكون الصراع بين البشر من أجل مصالح ومطامع وأيديولوجيات وأهداف متباينة. فهو إذن صراع قوى تهدف إلى فرض سيطرتها وتسلطها على قوى أخرى. أما الحضارات فإنها - حسب ما يذهب إليه هذا البحث - تدفع إلى التحاور أكثر مما تدفع إلى التصادم.

يبدو واضحاً من تحليل أطروحة صدام الحضارات تخوف الغرب من أن تصعد الدول التي هي في طريق النمو وتستند إلى قاعدة ثقافية متينة، إلى مستوى القيادة العالمية، بحيث يهدد هذا الصعود المصالح الاقتصادية ومناطق النفوذ التي يسيطر الغرب عليها الآن، ويستغلها لمصلحة بقائه القوة المهيمنة الأولى.

لهذا فقد كان من المنطقي أن تلجأ الحضارة الغربية إلى صوغ فكرة تحلّ مكان فكرة محاربة الشيوعية التي ذبلت مع انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره، كما تحلّ مكان فكرة القومية التي تم تشويهها من الداخل من خلال استهلاكها من قبل بعض قيادات العالم الثالث، وبتأييد من قبل القوى الغربية نفسها التي نجحت في ترسيخ القطرية والإقليمية.

ثالثاً - في الحضارة الغربية وأزمتها

ثمة شواهد كثيرة في الأدبيات الغربية. تشير إلى وجود أزمة حضارية غربية. وليس هذا الطرح إسلامياً، وإنما هو طرح غربي عبّر عنه مفكرون غربيون، وهم كثر [٣٢]. ومن بين هذه الشواهد الكثيرة، قول ألكسيس كاريل [٣٣] " إن الحضارة العصرية لا تلائم الإنسان كإنسان. وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا، إلا أنها غير صالحة… إننا قوم تعساء لأننا نتخبط أخلاقياً وعقلياً… يجب علينا أن نعيد إنشاء الإنسان من جديد". ويصف الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون عمق الأزمة التي تعيشها بلاده بقوله: "إننا نجد أنفسنا أثرياء في البضائع، ولكننا ممزقون في الروح، ونصل بدقة رائعة إلى القمر، أما على الأرض فنتخبط في متاهات ومتاعب كثيرة" [٣٤]. ويصف الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول أزمة الحضارة الغربية بقوله: إن مجتمعاتنا الأوروبية فقدت شيئاً ثميناً جداً تحت وطأة تقدمها الضخم، وهو الإنسانية، وأعني بها القيم الروحية البشرية العليا" [٣٥].

لقد جاء شعار "صدام الحضارات" محاولة من أجل تحديد عناصر حالة عالمية حملت اسم "مابعد الحرب الباردة". ولكن هذا الشعار لم يستطع أن يفسر بعض وقائع تاريخ مابعد الحرب الباردة، مثل حرب الخليج الأولى، ثم حرب الخليج الثانية، وأحداث البلقان، وبخاصة ما يتعلق بتفكك الاتحاد اليوغوسلافي، بمثل ما أن التصنيفات الثنائية - مثل الدول الغنية والفقيرة، والدول الديمقراطية وغير الديمقراطية، وغير ذلك من تصنيفات - لم تستطع أيضاً أن تفسر بعض تلك الوقائع. فالقضايا التي كانت منتعشة أو متحركة في عصر الحرب الباردة، لا يزال بعضها منتعشاً أو متحركاً في عصر ما بعد الحرب الباردة، وإن كانت الفئة الثانية لا تزال تضم بعض القضايا التي تتحول تدريجياً من قضايا "ساخنة" إلى قضايا تدخل في دائرة "صراع الحضارات". ولعل أحد الأمثلة على ذلك، هو "الصراع العربي - الصهيوني" الذي يجسد صراعاً - ساخناً حيناً وغير ساخن حيناً آخر - بين حضارتين، هما الحضارة المسيحية / اليهودية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية والقوى الصهيونية من جهة، والحضارة الإسلامية من جهة ثانية. وتستخدم الأولى كل ما لديها من وسائل وإمكانات تقانية وتقنية (تكتيكية) تفتقر إليها الحضارة الثانية.

يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة تستخدم طاقاتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية من أجل حماية وليد الحضارة المسيحية / اليهودية وهو إسرائيل، وتغليبه على الشعب الفلسطيني الذي يشكل أحد عناصر شعوب الحضارة الإسلامية.

ومن المعروف أنه ليس في التاريخ حضارة كالحضارة الغربية المعاصرة وصلت إلى إنجازات جد كثيرة في جميع مجالات الحياة البشرية. ويبقى السؤال الآتي وارداً: هل حققت هذه الحضارة السعادة للإنسان؟

ثمّة توجه بين مفكري الحضارة الغربية، يعترف بأن الحضارة المعاصرة وفرت للإنسان راحة الجسم، ولكنها لم توفر له راحة النفس. فالناس المتنعمون بإنجازات هذه الحضارة يشكون من الانحلال الخلقي، والقلق النفسي، والتفسخ العائلي، والاضطراب العقلي، والتفكك الاجتماعي، وانتشار الجريمة.

وسر ما يعانيه أناس هذه الحضارة أنهم أجسام بلا روح. لقد عجز العلم في حضارة اليوم عن إسعاد البشرية. إن أدبيات الفكر الغربي ثرية بالشكوى والتعبير عن هذه الحالة.

ومن الطبيعي أن تعجز الحضارة الغربية عن إسعاد البشرية، بعد أن تبلورت فيها النزعة الاستعمارية، واحتاجت إلى مشروع ثقافي يسوّغ تلك النزعة ويخدمها. وإذ ذاك بدأ الخلل في علاقة الحضارات فيما بينها، أي في الحوار، وبخاصة بعد أن تجسّد المشروع الثقافي في عدة حركات، منها حركتا الاستشراق والتبشير. فقد ثبت أن الاستشراق الفرنسي - مثلاً - كان على صلة وثيقة بغرفة تجارة ليون [٣٦]. وكان المبشر يأتي أولاً، ثم التاجر، وفي إثرهما تأتي البارجة [٣٧].

كان في اعتقاد كل من هيغل وماركس أن تطور المجتمعات البشرية ليس إلى ما لا نهاية، بل إنه سيتوقف حين تصل البشرية إلى شكل من أشكال المجتمع يشبع احتياجاتها الأساسية والرئيسية. وهكذا افترض الاثنان أي - هيغل وماركس - أن "للتاريخ نهاية" هي عند هيغل الدولة الليبرالية وعند ماركس المجتمع الشيوعي، بمعنى أنه لن يكون هناك مجال لمزيد من التقدم في تطور المبادئ والأنظمة الأساسية والرئيسية. وهكذا افترض الاثنان أي - هيغل وماركس - أن "للتاريخ نهاية" هي عند هيغل الدولة الليبرالية وعند ماركس المجتمع الشيوعي، بمعنى أنه لن يكون هناك مجال لمزيد من التقدم في تطور المبادئ والأنظمة الأساسية، "وذلك لأن جميع المسائل الكبيرة حقاً تكون قد حُلّت" [٣٨].

يبدو أن الدعوى التي يروجها أنصار صدام الحضارات قد طرحت على أنها "صدامات لا يمكن تحاشيها … إن حرب الحضارات المتنبأ بها قد بدأت بالفعل في عقول الغربيين قبل ذلك بوقت طويل" [٣٩]. ولذلك فإن العدوانية لا تكمن في غضون الحضارة الإسلامية، وإنما تترسخ في جذور الحضارة الغربية. ومن أبرز معالمها في الوقت الراهن ذلك التدخل المستمر في الشؤون الإسلامية الداخلية، وبخاصة العربية. ويفهم من سياق هذا التدخل أن التهديد الغربي ضد المسلمين مازال قائماً ومستمراً. إن مايجري في بعض مواضع من البلقان، وفي فلسطين المحتلة ليس سوى صورة أخرى من صور أعمال محاكم التفتيش، تقوم بها دول من الحضارة الغربية.

تتعرض العولمة والهيمنة، سلاحا الحضارة الغربية في الوقت الراهن، لحملة فكرية شديدة من أهل الغرب أنفسهم. ونذكر على ذلك مثالين اثنين. أولهما كتاب صدر في سويسرا [٤٠]. وفيه يشير مؤلفه إلى أن العولمة أحدثت تعديلاً جوهرياً في الأنظمة السياسية في العالم، فأفرغت الديمقراطية من محتواها المثالي، بعد أن تقلص دور الدولة / الأمة، وتكدست السلطة في أيدي القادة الاقتصاديين، وتقلصت الظاهرة الديمقراطية في المنظمات الدولية، وأصبح المستثمرون والشركات متعددة القوميات يتمتعون بحقوق الحكومات الوطنية نفسها. أما التهميش فقد اتسعت دوائره داخل الدول الغنية والفقيرة على السواء، وتركزت الثروة في أيدي القلة، وبدأت الكرة الأرضية تعاني ما يعرف بالتصحر الاقتصادي.

أما الكتاب الثاني فقد تحدثت مؤلفته الفرنسية [٤١] عن نظرة الغرب إلى نفسه، ونظرته إلى الآخر، ونظرة الآخر إليه، وبدأ تأسيس الغرب هيمنته على أساس "حضارة الرجل الأبيض"، وبذلك أصبحت القارات الأخرى. وبخاصة آسيا وإفريقيةا، موضوعاً للاستعمار والاستيطان والاستنزاف. أما اليوم فقد تم استبدال العولمة بالمظاهر السابقة، ذلك أن العولمة لا تعني شيئاً آخر - حسب رأي المؤلفة - سوى تعميم النموذج الحضاري الغربي على مستوى العالم.

لهذا، فإننا لا نبتعد عن الواقع إذا ما وصفنا الحضارة الغربية بأنها ذات توجه استعماري تسلطي، وبخاصة أنها استطاعت تطوير أساليبها وأفكارها بحيث تستعيض عن الاستعمار المباشر المتمثل في الاحتلال والوجود العسكري باستعمار ذي نوع جديد غير مباشر، جوهره السيطرة الاقتصادية والثقافية وزرع مشكلات مزمنة تنبعث من إقامة وجود استيطاني - كما هي الحال في فلسطين - أو من خلافات تخص الحدود أو غير ذلك من المشكلات.

وفي مقابل ذلك ينسب أبناء الحضارة الغربية إلى أبناء الحضارة الإسلامية العنف والإرهاب، دون النظر إلى الفارق الجوهري الذي يفصل بين مقاومة الاستعمار والاحتلال وبين الإرهاب، وهو فارق يتمثل في خيط رفيع فاصل، يسعى الإعلام الغربي - بصورة عامة - إلى طمسه أو تجاوزه، وذلك بأن ينسب إلى جوهر الحضارة الإسلامية، وليس إلى موقف بعض أبنائها، العنف كإحدى مقوماتها. وإذا كانت الحضارة الإسلامية - كسائر الحضارات - قد عرفت بعض الفرق المتطرفة في العنف، فإنها عرفت أيضاً بعض الفرق المتطرفة في السلام والتسامح.

بعد تلمس معالم الحضارة الغربية وأزمتها، هل يمكن الحديث عن حوار الحضارات بمعزل عن علاقات القوة والهيمنة في العالم الراهن، ثم هل يمكن أن يكون الحوار متكافئاً بين أطراف غير متكافئة. وإذا كان منطق المصالح الاقتصادية والسياسية هو الذي يحرك العلاقات بين الدول والشعوب، فإلى أي درجة يمكن طيّ هذا المنطق، أو تحييده، ليكون الحوار أكثر جدوى في إثراء الحضارة الإنسانية. ثمة مقولة لروجيه غارودي في هذا السياق» إن حوار حضارات حقيقياً ليس بجائز إلا إذا اعتبرتُ الإنسانَ الآخر والثقافة الأخرى جزءاً من ذاتي، يعمر كياني ويكشف لي عما يعوزني « [٤٢]. ويزيدنا هذا الباحث الفرنسي المتعمق علماً إذ يقول: » حزت درجة التخرج في الفلسفة، واجتزت امتحاني دون أن أعرف كلمة واحدة عن فلسفة الهند والصين والإسلام… وباستثناء المختصين فإننا نجهل جهلاً مطبقاً كل ما يتصل بالثقافة اللاأوروبية « [٤٣]. لقد رصدت إحدى الندوات العربية [٤٤] هذا الواقع، فقالت في تقريرها الختامي: » إن الفكر الأميركي يقود الحضارة اليوم وهو يقوم بتفريغ الإنسان من الشعور… إن الغرب يحاول إرساء نفسه بوصفه الحضارة الوحيدة. وهو يختزل التنوع الثقافي، وينظر إلى تجاربه باعتبارها تجارب كونية «.

رابعاً - الحرب والحضارة

الصراع من أجل القوة والنفوذ أحد أهم الأسس التي تأسست عليها معظم الحروب التي عاشتها الإنسانية. وقد لجأ الإنسان، طوال التاريخ، إلى تقديم التسويغات لكي يجيز لنفسه وليقنع الآخرين بحقه في استخدام القوة. ويشهد التاريخ أن للعامل الاقتصادي دوراً مهماً في البحث عن القوة أو اللجوء إليها. ولكن اختفاء العامل الاقتصادي وراء تسويغات ذات طابع ثقافي كان بارزاً في مختلف مراحل التاريخ. ويندر وجود صراع من دون تسويغ ثقافي.

إن استعراضاً سريعاً لأهم الحروب والنزاعات التي عاشها عالم القرن العشرين يوضح أن أبرز تلك الحروب والنزاعات لم تكن صراعات حضارية، أي بين دول تنتمي إلى حضارات مختلفة، وإنما كانت داخل الحضارات ذاتها لا بين الحضارات. وكمثل على ذلك نذكر الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحروب التطهير التي قام بها هتلر وستالين، والحروب القبلية في إفريقية، والحرب الداخلية في أفغانستان. وهكذا فنحن أمام شواهد كثيرة جرت في القرن العشرين ولا تزال متواصلة في القرن الحادي والعشرين. وهي شواهد لا تحصر الحروب والنزاعات فيما بين الحضارات وإنما تحصر معظمها في دائرة حضارة ما.

وانتهى باحثون كثيرون، ومراكز بحثية ومعاهد العلاقة بين الحضارات والحروب [٤٥]، إلى أن جميع الحضارات البائدة دمرتها الحروب، وأن بين الحضارات والحروب تفاعلات. فقد أثرت الحضارات في الحروب، وأثرت هذه في الحضارات، فطورتها حيناً، واستولدتها حيناً آخر، ودمرتها حيناً ثالثاً.

يرى المعهد الفرنسي لعلم الحرب، أن الحضارة أوسع شمولاً من الثقافة. وكل حضارة تتميز عن غيرها بعقلية خاصة بها، أي بمجموعة من المعارف والتقانات والمعتقدات والقيم الروحية والأخلاقية والجمالية. أما الثقافة فمرتبطة بفكرة الأمة. ويمكن القول: إن الحضارة الأوروبية تشمل الانكليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية، الخ [٤٦] ….

وكان المؤرخ البريطاني المشهور أرنولد توينبي في مؤلفه الكبير "دراسة في التاريخ" قد أشار إلى استنتاج خلاصته أن الحرب كانت [٤٧] » السبب المباشر لانهيار كل حضارة نحن على ثقة من انهيارها. وذلك بقدر ما توفرت إمكانية تحليل طبيعة تلك الانهيارات وتفسير أصولها. وليست الحرب هي المؤسسة المشؤومة الوحيدة التي عذبت الإنسانية نفسها بها خلال مرحلتها الحضارية… إن الحرب تنفصل عنها (أي عن المؤسسات المذكورة) جميعاً بوصفها الأداة الرئيسية للهزيمة الاجتماعية التي ألحقها الإنسان بنفسه «. ويؤكد توينبي في غضون كتابه أن الحرب بنتُ الحضارة [٤٨]

وتساءل توينبي بعد ذلك، عن الحادثة التي سيقع عليها اختيار مؤرخي المستقبل - ويتصورهم يكتبون في العام ٢٠٤٧م - إذا ما نظروا وراءهم إلى "النصف الأول من القرن العشرين". ويرى توينبي أن» اصطدام الحضارة الغربية بسائر المجتمعات الأخرى القائمة في العالم إبان ذلك العصر «هو الحادثة الكبرى في القرن العشرين [٤٩]. ثم إنه بعد أكثر من ألف عام (أي في العام ٣٠٤٧) يرى أن» الحضارة الغربية قد تغيرت قبل نهاية سنة ٣٠٤٧ تغيراً يكاد يكون تاماً عما فهمه أسلافنا الغربيون خلال الاثني عشر أو الثلاثة عشر قرناً الأخيرة منذ بروزها في القرون الوسطى، وذلك بفعل إشعاع المؤثرات المضادّة الصادرة من العوالم الأجنبية التي نعمل اليوم على ابتلاعها في عالمنا: مؤثرات من العالم المسيحي الأرثوذكسي، ومن الإسلام، ومن الهندوس، ومن الشرق الأقصى… وسيقول مؤرخو سنة ٤٠٤٧م إن اصطدام الحضارة الغربية بمعاصريها في النصف الثاني من الألفية الثانية الميلادية هو أهم حادث في ذلك العصر لأنه كان الخطوة الأولى نحو توحيد العالم في مجتمع واحد « [٥٠].

خامساً - العلاقة ين الحضارتين الإسلامية والغربية

إن إعادة قراءة تاريخ العلاقة بين الحضارتين الإسلامية والغربية تؤدي بنا إلى التمييز بين أربع مراحل أساسية حديثة مرت بها هذه العلاقة، مع ملاحظة تعدد الأطراف المشتركة في تلك المراحل، واختلافها أصلاً وأهدافاً وسلوكاً:

١ - ففي المرحلة الأولى: التي بدأت منذ أوائل القرن الثامن عشر، ظهرت طلائع تكوّن فئات المستشرقين. ولم تكن حملة نابليون بونابرت على مصر في أواخر القرن الثامن سوى إحدى الذرى لتلك المرحلة.

٢ - في المرحلة الثانية: بدأ الغزو العسكري بتنفيذ خططه الاستعمارية الاحتلالية، مدفوعاً من قبل آلته الصناعية المحتاجة إلى المواد الخام والأسواق وطرق المواصلات.

٣ - وفي المرحلة الثالثة: في إثر الحرب العالمية الثانية، اضطرت قوى الحضارة الغربية - وتحديداً دول أوروبا الكبرى - إلى الانسحاب من مستعمراتها، تاركة أمامها - بالتعاون والتنسيق التامين بين أوروبا الاستعمار القديم والولايات المتحدة الاستعمار الجديد - وليدها الكيان الصهيوني، "إسرائيل".

٤ - وفي المرحلة الرابعة الحالية، انتقلت العلاقة بين الحضارتين الإسلامية والغربية إلى نوعها الصراعي المتجسّد في ظاهرتين: أولاهما إسرائيل حيث تناصر الولايات المتحدة الكيان الصهيوني سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وفي سائر المجالات الأخرى. وثانيهما الظاهرتان هيمنة الولايات المتحدة على وسائل الحضارة الغربية بفرضها نسقاً معيناً من النظام السياسي والاقتصادي والقيم الحضارية على سائر دول وشعوب العالم. وتواجه الحضارة الإسلامية في هذه المرحلة مشكلة سعي الحضارة الغربية إلى تفكيك ركائز الحضارة الإسلامية واستبدال ركائز غربية بها شيئاً فشيئاً. ومن أجل التمهيد لهذا الهدف استخدمت القوى الغربية أساليب الإخضاع السياسي والاقتصادي والعسكري وأساليب التأثير الثقافي والعلمي والإعلامي والقيمي والاجتماعي. وقد مثلت أجهزة الاتصال والمعلوماتية الحديثة أدواتها الأساسية.

وعلى هذا يمكن القول: إن الحضارة الإسلامية اليوم هي في وضع دفاعي حرج، ولم يتحقق لها بعدُ القدرة على مواجهة متطلبات هذه المرحلة، ولا على صوغ مبادرات تردّ بها على الهجمة الحضارية الغربية في الظاهرتين المذكورتين. ولكن هذا لا ينفي وجود صحوة تتمثل في العودة إلى أكثر مكوّنات الحضارة الإسلامية عمقاً وثباتاً، وهو الإسلام. ولعلّ الشكل المتشدد الذي تتخذه الصحوة الإسلامية الحالية هو أحد التعابير المتسقة مع طبيعة المرحلة الراهنة ومع الحالة الإسلامية الداخلية. وإذا كانت الصحوة الإسلامية متجسدة اليوم في العودة إلى أساس مكونات الحضارة الإسلامية عمقاً ورسوخاً، أي الإسلام، فإن بناء مشروع حضاري للمستقبل يحتاج إلى إبداعات أخرى وإنجازات علمية تجعل من المسلمين قوة قادرة على الإسهام في بناء الحضارة الإنسانية، إسهاماً مشاركاً معترفاً بالحضارات الأخرى ومقدراً مساهماتها.

وفي جميع هذه المراحل الحديثة، وما قبلها من مراحل أيضاً، كان تاريخ العلاقة بين الحضارتين الإسلامية والغربية زاخراً بوقائع الحوار والتعاون والتلاقي. لهذا فإن القول: إن القرن الحادي والعشرين لن يشهد صراعاً بين الحضارتين الإسلامية والغربية قول يستند إلى واقع التاريخ، على الرغم من محاولات العولمة - وهي أبرز معالم الحضارة الغربية في هذا القرن - الترويج لنظم وقيم معينة. ويمكن القول: إن هذا القول: يستند إلى الركيزتين الآتيتين:

١ - تميز العصر الحاضر بأنه ثورة المعلومات والاتصالات والتقانات. فنحن نعيش فيما وصف بأنه قرية كونية كبيرة. والأخطار التي تهدّد عالمنا المعاصر أصبحت أخطاراً عالمية تهمّ جميع بني البشر لأنها تهددهم جميعهم أيضاً. ولعل هذا الإدراك هو الذي دعا الأمم المتحدة إلى اعتبار العام ٢٠٠١م عام حوار الحضارات.

٢ - إذا كانت الأصوات التي تروّج أطروحة صدام الحضارات قد وجدت أصداء واسعة في الشرق والغرب، فإن هناك أصواتاً مضادة رفضت بشدة تلك الأطروحة، وبخاصة ما يتعلق منها بشأن الصدام بين الحضارتين الإسلامية والغربية. ومن أمثلة ذلك محاضرات ولي عهد بريطانيا، الأمير تشارلز، وكتاب الرئيس الألماني رومان هيرتسوغ (٥١)، الذي أعلن فيه رفضه المطلق للزعم بأن الشرق والغرب يستعدان لمواجهة الإسلام والمسيحية، ويؤكد ضرورة التركيز على القواسم المشتركة بين الحضارات. والأمر الجدير بالذكر هو أن صامويل هنتنغتن، صاحب أطروحة صدام الحضارات، عقّب على الأفكار المطروحة في الكتاب، فدعم استراتيجية الرئيس الألماني المتمثلة في الحيلولة دون الصدام بين الحضارات عن طريق الاهتمام بالقواسم المشتركة بين الحضارات.

وعلى هذا، يمكن القول: إن في أوروبا تياراً واضحاً رافضاً أطروحة صدام الحضارات. ويمكن القول: أيضاً إن هذا التيار الرافض أقوى من الأطروحة ذاتها، ولكن التركيز الإعلامي عليها يدعو إلى الريبة.

وإذا كانت هناك مناهج عدة لتحليل العلاقة بين العالم الإسلامي وعالم الغرب، فإن التحليل الحضاري يبدو اليوم أكثرها قدرة على تحليل تلك العلاقة، باعتبار صفته الشمولية وتناوله جميع المجالات. فالحضارة الغربية تبنى اليوم على أساس الحداثة التي تتمحور حول سيادة العقل والإنسان. وهما الركيزتان اللتان تشكلت حولهما سائر البنى والقيم والعلاقات السائدة اليوم في الغرب. وليست هاتان الركيزتان هما عينا المنظار حينما ينظر أهل الغرب إلى غيرهم من بني البشر، فإن عيني المنظار تصبحان آنذاك الاستعمار والهيمنة بديلاً لمنظار العقل والإنسان.

لقد ورثت الحضارة الإسلامية - وهذه أيضاً حال الحضارة الغربية - بعض مكوّنات الحضارات الشرقية السابقة عليها. وقد ظلّت الحضارة الإسلامية، طوال جميع مراحل حياتها، مؤسسة على عقيدة التوحيد التي تسمح للعقل والإنسان بكل أنواع الاجتهاد على أساس ثوابت تلك العقيدة.

عرف العالم في تاريخه الطويل بجوار الحضارتين الإسلامية والغربية، حضارات أخرى عديدة. ولكن الخصوصية التاريخية لكل من الحضارتين، الإسلامية والغربية، أعطت العلاقة بينهما تميزاً نوعياً. فعلى عكس سائر الحضارات التي اتصفت بالسكونية والاستقرار في إطار جغراسياسي (جيوبوليتيكي) محدد فلا تتوسع خارجه، سعت الحضارتان الإسلامية والغربية إلى التوسع خارجه، سعت الحضارتان الإسلامية والغربية إلى توسيع حدودهما على أبعد مساحة ممكنة. وقد ارتبط ذلك السعي بتصور لدور رسالي رأت كل منهما أن عليها أداءة. ففي حين سعت الحضارة الغربية إلى اعتبار سائر العالم سوقاً لإنتاجها ولأفكارها، وحالة "متخلفة" تستدعي هدم البنى التقليدية والاستعاضة عنها ببنى حديثة، هدفت الحضارة الإسلامية إلى إسعاد الإنسان والمجتمعات بهدايتهم إلى الإسلام، وتوصيل جوهر رسالته إليهم.

ولعل هذا الجوهر الرسالي لكلتا الحضارتين هو الذي جعل من صدامهما، في بعض فترات التاريخ، أمراً لا مفر منه. وقد أدى الوضع الجغرافي دوراً في تحديد ملامح هذا الصدام. ويمكن القول: إن البحر المتوسط يشكل الحد الذي يفصل بين الموطنين التاريخيين لكل من الحضارتين. ومن الملاحظ في الوقت الراهن، أن الصراع القائم بين جانبي المتوسط لا يزال حتى اليوم يدخل ضمن مفهوم الصراع الحضاري، على الرغم مما أصاب الخصوصية الإسلامية من وهن وتساقط لبعض مكوناتها، ذلك أن الحضارتين الإسلامية والغربية لا تزالان محتفظتين بالخصوصية التاريخية التي تميّز كلاً منهما.

لهذا ليس من المستغرب أن يعدّ أنصار النظام العالمي الراهن الحضارة الإسلامية عدواً للحضارة الغربية، والقوانين الإسلامية مخالفة للقوانين الدولية العامة، وحقوق الإنسان الإسلامية مغايرة لحقوق الإنسان العالمية. ويزخر الفكر الغربي بأدبيات كثيرة ومتنوعة في هذا المجال. وكمثال عابر على ذلك نذكر، إلى جانب كتاب فوكوياما عن نهاية التاريخ، وكتاب هنتنغتن عن تصادم الحضارات، المثلين الآتيين (٥٢):

١ - كتاب ديفيد ألن كاسلز، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة لندن، عن الإسلام، إذ قال: إن الإسلام لا يتوافق مع مفاهيم السياسة الخارجية. لذلك فإن الممارسات الدولية الإسلامية لا تعدو أن تكون أكثر من نشاطات لخلق التوتر والإرهاب ضد الغرب.

٢ - كتب ديفيد وست بروك، أستاذ القانون بمجلة هارفرد الأميركية، أن النظام القانوني الإسلامي وحده هو المعارض والمنازع للنظام القانوني الدولي العام.

ذلك أن الغرب يقوّم الإسلام على أنه ليس مجرّد دين، وإنما هو "حضارة متكاملة تطورت تحت مظلة هذا الدين" (٥٣). ومن مراجعة أدبيات الفكر الغربي فيما يتعلق بتفسير اعتبار الحضارة الإسلامية "عدواً"، تمكن ملاحظة مدرستين متباينتين في هذا المجال. فالدراسة الأولى التي اتفق على تسميتها "منظرو العالم الثالث الجدد"، تردّ الحال القائمة بين الحضارتين الإسلامية والغربية إلى الماضي الاستعماري والطبيعة الامبريالية للغرب. أما المدرسة الثانية فتضم "المستشرقين الجدد". وتردّ الحال القائمة بين الحضارتين الإسلامية والغربية إلى بعض خصائص الثقافة الإسلامية. ومن أبرز أعلام هذه المدرسة برنارد لويس الذي تحدث عن صراع الحضارات، قبل صامويل هنتنغتن، في العام ١٩٩٠م، حين قال في مجلة "الأطلنطي" الشهرية: » ليس هذا مجرد صراع حضارات «وإنما هو» حالة اللاتوافق بين الإسلام والمفاهيم الفلسفية الغربية، مثل الديمقراطية والحداثة «(٥٤).

ثمة نقطة جوهرية جد مهمة، هي أن التناقض والاختلاف بين الحضارتين الإسلامية والغربية لا يبنيان على أساس الاختلاف بين الإسلام والمسيحية، وإنما يبنيان على أساس التناقض والاختلاف بين الحضارتين الإسلامية والغربية. وهذا يعني أن نقطة الانطلاق تتمثل في كتلتين ثقافيتين، تسمى الأولى باسم دينها، والثانية باسم موقعها الجغرافي. وهكذا يتم الحوار على مستويين مختلفين. ومن هنا ينبع سوء التفاهم الذي يزداد حدّة حينما ينظر الغرب إلى حركات التحرر من الاحتلال والهيمنة على أنها حركات إرهابية، في حين أنها لا تسعى إلا إلى التحرر. ومن هنا تأتي هذه الصفة التي يلصقها بعض المؤرخين والمفكرين الغربيين بالحضارة الإسلامية بأن مقصد الإسلام هو التوسع "بالنار والحديد". ويعمّم هؤلاء المؤرخون والمفكرون الغربيون هذه الصفة على المسلمين جميعاً، فيصفونهم بالعنف والعدوانية، وهم بهذه الصفة يمثلون - في نظر هذه الفئة - تهديداً للحضارة الغربية.

إن استعراض تاريخ العلاقة بين الحضارتين الإسلامية والغربية يبرز مخاوف أبناء الحضارة الإسلامية من المخاطر والتهديدات التي يسوقها أبناء الحضارة الغربية ضد الحضارة الإسلامية وأبنائها.

ولا نغالي إذا قلنا إن تصورات الغرب العدائية تجاه الحضارة الإسلامية وأبنائها تبلغ من العمر أكثر من ألف عام. وإذا كان الخط البياني لتلك التصورات قد تعرّض لذبذبات كثيرة رفعته إلى الذروة أو تدنّت به إلى الحضيض، فإنه عرف بعض المفكرين الغربيين الذين حاولوا تجاوز تصوراتهم العدائية تجاه الحضارة الإسلامية، في حين راح بعضهم الآخر يغذي تلك التصورات ويزيدها غلواً، مثل ما فعل الكاتب الشعبي كار ماي (١٨٤٢ - ١٩١٢) الذي بلغ تأثيره الفكري حداً كبيراً، إذ صوّر المسلمين كأشخاص محتالين متجهمين. وكان هذا الكاتب من بين مجموعة من الكتاب الذين أخذوا يعتقدون بأن الأوروبيين ملزمون بالقيام بمهمة حضارية تجاه "الشرق" الإسلامي.

لا شك أن هناك أسباباً تكمن وراء فكرة إعادة إحياء عصر التهديد الغربي. ونكتفي بالإشارة إلى أربعة منها، كان المستشرق الألماني جيرنوت روتر (٥٥) قد حددها:

١ - الأسلحة السوفييتية في بعض الدول الإسلامية، والتي يمكن استخدامها - على الرغم من زوال الاتحاد السوفييتي - ضد العالم الغربي، أو ضد المصالح الغربية في الشرق.

٢ - هجرة أعداد كبيرة من المسلمين إلى بعض البلدان الأوروبية والأمريكية.

٣ - إعادة إحياء بعض الرموز الإسلامية، في إثر إخفاق الأيديولوجيات المستوردة من الغرب، مثل القومية والاشتراكية.

٤ - زوال الاتحاد السوفييتي أيقظ الرغبة لدى أوساط معينة في الغرب في إيجاد عدو جديد. ولما كانت صورة الإسلام وحضارته مستترتين في عقلية الشعوب الغربية، فقد جرى إحياؤهما مرة أخرى.

وإذا ما أردنا تحليل شجرة النسب الفكري للحضارة الغربية فإن أدلة التاريخ ووقائعه تثبت أن هذه الحضارة نهلت بعمق من الحضارة الإسلامية، وبخاصة في مرحلة ازدهار الحضارة الإسلامية، ويوم كانت متفوقة في مجالات العلم والطب والفلسفة والقانون. وهناك دراسات تاريخية موثقة تكشف عن البعثات العلمية التي أرسلها الأوربيون إلى الأندلس لتعلم اللغة العربية والعلوم والفنون الإسلامية.

في ضوء ذلك كله، يبدو ذلك الجانب الانكفائي من الخطاب الإسلامي الذي لا يجد في الحضارة الغربية إلا حضارة مادية لا يجوز الاقتباس من أفكارها، يبدو ذلك الجانب ممتنعاً عن حوار الحضارات، مؤكداً اكتفاء الحضارة الإسلامية بذاتها لذاتها، فلا داعي لأن تتعلم الحضارة الإسلامية أو تقتبس من الحضارات الأخرى. إن هذا الجانب الانكفائي من الخطاب الإسلامي يدعو إلى جمود الحضارة الإسلامية، ذلك أن الحضارة الحية هي التي تتعامل مع الحضارات الأخرى، على أساس الأخذ والعطاء.

لقد اتسمت العلاقة بين الحضارتين الإسلامية والغربية بالتصارع حيناً وبالتحاور حيناً آخر. وقد مرت هذه العلاقة بطورها التصارعي خلال القرون السابقة على الثورة الصناعية، ثم احتدمت بعدها لتصل إلى مستوى الصراع الشامل. وكانت الحضارة الغربية متمتعة بخصائص التقدم والقوة الماديين. وقد مكّنها ذلك من الاحتفاظ بموقع المهاجم المستمر، على الرغم من امتلاك المسلمين في مراحل تاريخية محددة زمام المبادرة، ومن ثم القدرة على الدفاع عن النفس أمام الهجمات المتواصلة. ولقد كان منطق كل منهما، سواء في هجوم الحضارة الغربية أو دفاع الحضارة الإسلامية مرتبطاً بالفارق الجوهري بينهما.

فقد كان منطق حركة الحضارة الغربية هو الهجوم الدائم على غيرها من الحضارات بهدف نهبها أو إخضاعها أو تفكيكها أو استيعابها. وحتى تستطيع فعل ذلك جنحت الحضارة الغربية نحو العالمية بإدخال الشعوب طوعاً أو كرهاً في إطار نموذجها. أما الحضارة الإسلامية - وهي عالمية بطبيعة تكوينها - فقد ظلت تقاوم من أجل الحفاظ على مكوّنات خصوصيتها المستقلة وتوفير القدرة على الدفاع، ومحاولة بناء مشروعات وطنية كبيرة كانت تستطيع، لو تحقق لها الاكتمال، أن تغير مسار العلاقة بين الحضارتين. فقد تشكّلت طبيعة العلاقة بين الحضارتين الإسلامية والغربية عبر إطار تاريخي من التصادم والتحاور. وكانت الحضارة الإسلامية أقدر على التحاور حينما كانت في ذروة قدراتها الإبداعية، في حين أن الحضارة الغربية خضعت لاستغلال وإرادات بعض دولها، ما ولّد أشكال التصادم بين الحضارتين. وعلى الرغم من ذلك كله، نقول: إن طبيعة هذه العلاقة، سواء كانت تصادماً أم تحاوراً، ليست قدراً ثابتاً أو جموداً لا يتغير، وهو ما يدعونا إلى التأكيد على مبدأ التحاور الذي هو من أسس الحضارة الإسلامية.

ليس ثمة شك في أن الحضارة الغربية - بواسطة أبنائها - تسعى إلى تفتيت قوة أبناء الحضارة الإسلامية. وفي ذلك أدبيات وشواهد كثيرة. وبذلك غدت هاتان الحضارتان في حالة صدام، معلن حيناً وخفي في معظم الأحيان. والصدام، في هذه الحالة، مفروض وموجّه من قبل أبناء الحضارة الغربية، وليس أمر زرع إسرائيل وفرض وجودها في قلب العالم الإسلامي سوى أحد الأدلة على ذلك. ومن هنا جاءت إحدى صفات الصراع العربي - الصهيوني بأنه صراع حضاري، تقف فيه الحضارة الإسلامية مدافعة عن نفسها ضد غزوة حضارية غربية (مسيحية - يهودية). وهو صدام مباشر ومفروض على المنطقة العربية، ما دامت أرض فلسطين ومدينة القدس، بما لهما من مقام ديني وحضاري، واقعتين تحت احتلال الصهاينة الذين يعدّون أنفسهم قاعدة الحضارة الغربية في الشرق.

وقد عبر عن الشكل الحضاري الذي يتخذه الصراع العربي - الصهيوني وزير خارجية أمريكيا يوم ٤ / ٥ / ١٩٩٤م في احتفال اتفاق تنفيذ إعلان المبادئ (اتفاقية أوسلو) بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، إذ قال: » نحن لم نصل إلى نهاية الصراع في الشرق الأوسط، ولكننا نغير شكله. فنحن الآن نتجه إلى المنطقة التي كانت القوة فيها هي العامل الأساسي. أما الآن فالعامل الأساسي هو الكلمة «(٥٦). والكلمة، كما هو معروف، هي لسان الحضارة وسلاحها أيضاً.

وليس الصراع العربي - الصهيوني هو عملية التسوية السلمية فحسب، فهذه العملية ليست سوى حلقة أو مرحلة يمر بها هذا الصراع الذي يمتد في الزمن ويتخذ أشكالاً عدة. وهو الآن يميل إلى التمثل في جوهره، وهو أنه صراع بين حضارتين، هما الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية المتمثلة في التجمع البشري الصهيوني الذي بعثت به أوروبا والحضارة الغربية إلى قلب الوطن العربي. وقد غدت إسرائيل، بالفعل، قاعدة للحضارة الغربية، وتتبع الفئة المسيطرة فيها، وهي اليوم، الولايات المتحدة، وقد كانت إسرائيل كذلك، منذ أن كانت مشروعاً وغزواً حتى أصبحت دولة. وعلى هذا، فإن طبيعة البحث توجب الإشارة إلى أن الجانب الاستعماري من الحضارة الغربية أساء فهم بعض التوجهات الإسلامية الخاصة بالتحرر من الاحتلال الأجنبي، فأخطأ في قراءة تلك التوجهات، مثل ما فعل هنتنغتن حين قال: » إن ثمة شيئاً في الإسلام يبعث على العنف «(٥٧).

ويرى المؤرخ البريطاني المشهور توينبي أن الحضارة المسيحية الغربية تتصف بظاهرتين خاصتين: أولاهما امتدادها فوق المحيط مما يجعلها اليوم الحضارة الوحيدة التي امتدت امتداداً عالمياً حقيقياً. وثانيتهما توثيق عرى الاتصال المادي بين أجزاء العالم بفضل الوسائل الآلية الحديثة التي أخضعت لسلطانها الزمان والمكان (٥٨).

ومن الملاحظ أن الحضارة الغربية، وخاصة بوسيلتها الحديثة "العولمة"، تسعى إلى تفتيت المجتمعات الحضارية الأخرى، بقصد إعادة بنائها وفق النموذج الغربي، وبخاصة أن ميزان القوى يميل لمصلحة الحضارة الغربية في مواجهة الحضارات الأخرى. وبذلك لا تعدو خيارات الصراع أو الحوار أن تكون سوى أشكال لرسم العلاقة بين الحضارات، ووسائل تستخدم في رسم تلك العلاقة.

قد تكون العولمة بمعنى انفتاح أجزاء العالم على بعضها في التجارة والثقافة ظاهرة قديمة. وقد أعطت بعض الأحداث الدولية في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين للعولمة بعداً جديداً. ولأن الثقافة الغربية هي التي سيطرت خلال الفترة المذكورة، فإن أغلب خصائص العولمة رسمت من قبل تلك الثقافة.

والعولمة مفهوم ارتبط بالنظام العالمي، كما ارتبط بعدد من المفاهيم المنبثقة من العولمة أو المرافقة لها، مثل: القرية الكونية، الاعتماد المتبادل، الشركات متعددة الجنسية، المنظمات الأهلية متعددة الجنسية… الخ.

لقد تضاربت الآراء والمواقف حيال العولمة. فهناك من ينادي بالأخذ بها كلها، خيرها وشرها، وثان يرفضها هي وخيرها، وثالث يسلك طريقة الوسطية فيدعو إلى الأخذ بمحاسن العولمة والابتعاد عن مساوئها، وبخاصة أنها - أي العولمة - تمدّ ظلها إلى جميع المجالات من دون استثناء. وستلقى، في أثناء نشرها وانتشارها، دولاً ومجتمعات قد لا تقوى على مسايرة تيارها الجارف، فتؤدي بها إلى التحلل والذوبان في كيانات أخرى أكبر وأقوى. ذلك أن العولمة تقوم أساساً على فكرة التذويب، الكلي أو الجزئي، للهوية الثقافية للحضارات الأخرى. ويعني هذا أن العولمة في جانبها الثقافي ستواجه مشكلات معقدة، في ظل تمسّك الحضارات بجذورها.

وحين الحديث عن العولمة، ومقامنا فيها ومقامها فينا، من المناسب أن نميز بين جانبين: أولهما موضوعي، يفرضه التطور الكبير للاقتصاد والتجارة العالميين، وتطور المجتمع الدولي نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان والبيئة وغيرها من شؤون تخص سلامة الكوكب الأرضي.

أما الجانب الثاني فهو سياسي إيديولوجي، يسعى إلى استغلال الجانب الموضوعي من العولمة، لفرض هيمنة دولة محدّدة أو حضارة محدّدة على العالم. إن رفض هذا الاتجاه السياسي الإيديولوجي ومقاومته أمر ممكن ومشروع وقائم في الوقت ذاته. وله إرهاصاته ووقائعه في العالم الحاضر. وفي جميع الأحوال فلا يجوز لرفض العولمة أن يصبح حكماً على الذات بالنفي خارج العالم والتاريخ، وبخاصة أننا نُقحم أو نُدمج في العالم دون أن نُستشار، ونجد أنفسنا في لجة العالم والعولمة، بإرادتنا أو من دونها. لذلك فإن المسألة لا تتعلق بالقبول أو الرفض، الانفتاح أو الانغلاق، بل في كيفية خوض التجربة مع الحد الأدنى من الخسارات المادية والثقافية والحضارية، ذلك أنه لا فاصل في العولمة بين متغيرات الاقتصاد والسياسة وبين الثقافة والقيم، بين حركة المواد الخام والسلع ورؤوس الأموال والعمالة وبين منظومة العلاقات الاجتماعية والثقافية والاجتماعية المتشابكة عالمياً.

قد تكون حالات الانغلاق والانكفاء إحدى آليات الدفاع وشكلاً من أشكال الممانعة ضد الاستسلام للحضارة المفروضة من قبل الآخر، ولكن ذلك موقف سلبي وغير فاعل. فالتحصين يكون مفيداً عندما يكون الطرفان المتواجهان على نسبة متكافئة من القوى والقدرات. أما في الحالة الراهنة فإن الانغلاق يتحول إلى موت بطيء، وصاحبه محكوم عليه بالإخفاق (٥٩).

من الملاحظ أن التغلغل الاقتصادي الغربي يرافقه تدفق إعلامي وثقافي يهدف إلى تغيير الأفكار والسلوك. وفي مواجهة هذه الظاهرة، بدا الماضي التليد، مهما بلغت قدراته، غير قادر على أن يحافظ على جميع خصائص الحضارة الإسلامية، ويحقق لها التماسك والتمييز. فأنماط حياتنا تتكون الآن وفق معايير الغرب، بفعل تفوق الحضارة الغربية التي تسعى إلى تعميم نموذجها. وهنا لاتبدو دعوات الأصالة والخصوصية الحضارية سوى ردود فعل لم تبلغ بعد حد القدرة على مواجهة الهجمة الحضارية وردها.

لا ريب أن هناك مجموعة من القضايا أصبحت دولية، أي لا نتفرد دولة واحدة أو دول محددة بمعالجتها، وإنما يتطلب الأمر تعاون سائر الدول. وقد أصبح ضرورياً جعل هذه القضايا معولمة، كمثل: استخدام أعالي البحار، استخدام الفضاء الخارجي، البيئة، الفقر، الجريمة المنظمة، الإرهاب، حقوق الإنسان، حقوق المرأة، حقوق الطفل، وسواها كثير. ومن المفترض أن تهم هذه القضايا "المعولمة" جميع أعضاء المجتمع الدولي، دولاً وشعوباً. لكن يلاحظ أن عدداً محدوداً من الدول الغنية أو الكبرى فرض سيطرته على بعض هذه القضايا.

وفي مجال العولمة الأمنية، ثمة حقيقة لا بد من أخذها بالاعتبار، وهي أن المجتمعات المعاصرة اقتنعت أن القدرة الذاتية، مهما بلغت من القوة وحشد لها من إمكانات متطورة، لا تغني عن قيام شبكة قوية من التعاون الثنائي أو الجماعي بين مجموعة أو مجموعات من الدول، مهما كانت حدة التناقض بين مجتمعاتها، وبخاصة أن الحرب الباردة التي ظلت مستعرة بين طرفيها أكثر من أربعين عاماً أثبتت أن الدولتين العظميين لم تتمكنا من توفير الأمن للعالم.

لا شك أن العولمة الأمنية تشكل اليوم القوة الدافعة لتعزيز الروابط بين الشعوب والدول، على عكس ما كان عليه العامل الأمني في السابق. ولكن الهاجس المهم الذي يظل مسيطراً على مسيرة العولمة الأمنية هو البحث عن الحد الفاصل بين سيادة الدولة وبين تعاونها مع غيرها.

لعل مقولة "القرية الكونية" التي يرتكز عليها خطاب العولمة، تشكل البديل لأطروحة الصراع الحضاري. فمقولة "القرية الكونية" تسعى إلى تكوين "الإنسان العالمي" الذي يبدو انتماؤه إلى القرية الكونية أقوى من الانتماء إلى أي حضارة أو أمة.

وكمثل المقولة السابقة، تبدو مقولة "الاعتماد المتبادل" التي راجت مع خطاب العولمة. ويرى أصحاب هذه المقولة أن الاعتماد المتبادل أصبح مفهوماً محورياً في العلاقات الدولية، وبخاصة في المجال الاقتصادي. وإذا كان المصطلح يعني وجود طرفين - على الأقل - يتبادلان الاعتماد والتعاون، فإن جوهره الواقعي حتى الآن لا يعدو أن يكون فرض أنواع من التخصصات تضمن للعالم المتقدم دوام السيطرة على التقدم في العلوم والتقانات.

سادساً - الحضارة الإسلامية تدعو إلى الحوار

يمكن القول: إن الحضارة الإسلامية هي كل ما أنتجته الشعوب الإسلامية من إبداعات ومبتكرات عبرت عن نفسها في صور مادية ومعنوية وعقلية. وهي تشمل كل ألوان العمارة وأنواعها والآداب والعلوم والفلسفة والفنون وغيرها من المظاهر الحضارية.

وإذا كانت هناك سمات مشتركة تجمع ما بين الحضارات، باعتبارها إنجازاً بشرياً، ولا سيما في الجوانب المادية منها، فإن للحضارة الإسلامية خصائص تميزها عن سائر الحضارات الأخرى. ويمكن سرد هذه الخصائص في العناوين الآتية: الشمولية، الإنسانية، الأخلاقية، العقلانية، الواقعية، التسامح، التنوع في إطار الوحدة، العالمية، التطورية الجمع بين الثبات والمرونة، الجمع بين الروحية والمادية، التوسطية، التوازن، الوضوح، الجمع بين التطبيقية والتنظيرية.

والمسلم، بما حُمِّل من رسالة عالمية، لا يمكنه إلا أن يكون حاضراً في كل زمان، مشاركاً في بناء حضارته. فتفاعل المسلم مع عصره ومحيطه، وتحقيق التعارف بين الحضارات وسائر الحضارات الأخرى، هما حتم أوجبته الرسالة العالمية التي يحمل عبأها. أما وسيلته فهي الدعوة وتحقيق المَثَل وإقامة العدل ودفع الظلم والمجادلة بالتي هي أحسن. وهذا يعني أن الحوار واجب شرعي لذاته لأنه يحقق فريضة التعارف والتعاون في مدافعة الباطل ومجاهدته، والانتصار للحق وتغليبه، ونشر قيم العدل بين الناس. فالحوار، بهذا المفهوم، غاية في حد ذاته، ووسيلة للتعارف والتعاون. فنحن نعيش في عصر انتهى فيه ما كان يسمى عزلة الدول والشعوب. فعالمنا اليوم هو عالم التجمعات المتداخلة، وبخاصة تلك التجمعات التي تجمع بينها، روابط محددة، مثل الدين والتاريخ والثقافة. وليس في العالم المعاصر مثيل للعالم الإسلامي، الذي يجمع أكثر من خمسين دولة في رابطة دينية واحدة تبث ثقافة واحدة، ولكن هذا العالم تنوع في لغاته وثقافاته. وقد تميز الإسلام باستيعابه ثقافات شعوب العالم، واحترام خصائصها. وعلى هذا فإن الفكر الإسلامي قوّم بروح إيجابية حضارات العالم، قديمها وحديثها، مادامت ترفض الشرك با

لله وتدعو إلى وحدانيته.

إن الحضارة الإسلامية إذ دعت وتدعو إلى الحوار، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه في الوقت الراهن هو الآتي: هل يمكن أن يكون هناك حوار للحضارات، مبني على الأسس العلمية والحرية الفكرية، في إطار النظام العالمي الحالي، وبخاصة في ظل موجة العولمة التي تجتاح اليوم مختلف مجالات حياة الشعوب والدول.

من المعروف أن العلاقات الدولية، تغيرت في إثر ما طرأ على النظام العالمي من متغيرات، وبخاصة تلك الصراعات العنيفة بين أقوام وأعراق تنتمي إلى حضارات مختلفة، وتلك السياسات الاقتصادية والعسكرية والثقافية التي تسعى إلى فرض هيمنة نموذج حضاري محدد.

يضاف إلى ذلك، أن ساحة الفكر والسياسة في العالم ماجت بتيارات الجدال حول شكل العلاقة بين الحضارات، هل هو تحاور أو تصارع. ومن بين التساؤلات التي شملها ذلك الجدال هو: هل تعدّ الحضارة أو الأمة وحدة للتحليل في العلاقات الدولية؟ هل حلّ صراع الحضارات محل صراع القوى أو صراع الطبقات أو صراع المذاهب كمحرك للعلاقات الدولية. هل يقتصر صراع الحضارات على الأبعاد القيمية والثقافية، أو أن هذا الصراع يمكن أن يتطور ليصبح قتالاً. وهل الظروف والشروط الراهنة للنظام العالمي هي التي توجه العلاقة بين الحضارات لتكون حواراً أو صراعاً.

لا ريب في أن العلاقة بين الحضارات، سواء كانت حواراً أم صراعاً، تتقاطع وتتداخل وتتلاقى في مساحات مشتركة، في حين أنها تتصارع في مساحات أخرى، إضافة إلى قضايا مختلفة وكثيرة، أصبحت الآن عالمية، تسهم الحضارات في إبداء الرأي فيها، وقد تتصادم. وعلى هذا برزت عدة تيارات في شأن العلاقة بين الحضارات. ففي حين رأى التيار الأول أن هذه العلاقة ستشهد تصادماً بين الحضارات، اتجه التيار الثاني نحو تأييد الحوار ودعمه. ورأى التيار الثالث أن شروط الحوار وظروفه غير متوافرة الآن، لأن الحالة الدولية الراهنة لا تسمح بحوار متوازن مادام ميزان القوى العالمي مختلاً لمصلحة طرف محدّد هو الحضارة الغربية. ويذهب تيار رابع إلى أن الحوار ضروري لإخراج العالم من أزمته الراهنة، ولكن هذه الضرورة متلازمة مع ضرورة أخرى، هي توافر شروط وظروف تسمح للحوار بالانطلاق من مبادئ المساواة وحرية الفكر وتعادل وسائل التعبير والتحاور، أي كل ماهو ضروري لكي يحقق الحوار أهدافه المتصلة بالجوانب المادية والقيمية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية.

نضيف إلى ذلك أن حوار الحضارات لا ينبغي أن يقتصر على مناظرات أكاديمية تكشف مدى إسهام كل حضارة في بناء الحضارة الإنسانية وسبق كل حضارة في هذا المضمار. ولابد للحوار من أن يتصدى لرصد معالم الصور المرسومة وتحليلها عن الشعوب والحضارات في أذهان الآخرين، وإمكانات تطوير هذه الصور، ثم طرح معالم الصورة الحقيقية. كما أنه لا ينبغي أن يستخدم الحوار لإذابة الفوارق والخصوصيات الذاتية لأي من أطرافه (٦٠) أو لعولمة ثقافة ما أو تغيير الأنساق القيمية للآخرين، لأن الهدف من الحوار هو توسيع الأرضية المشتركة بين الحضارات من أجل تحقيق التعاون في بناء الحضارة الإنسانية.

فمن طبيعة الحياة الإنسانية أن يكون لكل تجمع بشري أو مجموعة من التجمعات كيان حضاري خاص بها. ويمكن القول: إن إنكار وجود هذه الحضارات لا يعني عدم وجودها، بقدر ما يعني التوجه نحو تجاهلها. وليس هناك بديل لهذا الإنكار - وهو في رأينا مصطنع أو غير واقعي - سوى بديل نموذج العالم الواحد الذي يقول إن هناك حضارة عالمية شاملة قائمة الآن أو إنها ستقوم في قادم الأيام. ولا يصمد هذا البديل أمام واقع الحياة، حيث يتحقق ناموس الحياة (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ( (٦١). وفي هذه الآية الكريمة يتأكد أن العالم مكون من (شعوب وقبائل) وليس (التجاهل). ومن شروط (التعارف) أنه يتم في بيئة من السلم والعلم والتبادل والأخذ والعطاء.

ومن هذا القبيل - أي قبيل إلغاء التعددية الحضارية وطي مفهوم التعارف بين الأمم والدول - جاءت مقولة نهاية التاريخ. ففي إثر انهيار الاتحاد السوفييتي وانتصار الديمقراطية الليبرالية جرى تصوير أن هذا الانتصار يمثل نهاية التاريخ، بحيث لا يكون هناك (تاريخ جديد) ولا (انتصار جديد) وإنما نحن أمام ما يشبه (نهاية العالم). وترجع جذور هذه المقولة إلى الفرضية التي شاعت طوال عصر الحرب الباردة، وهي أن البديل الوحيد للشيوعية هو الديمقراطية الليبرالية، وأن زوال الأولى يؤدي إلى عالمية الثانية وسيطرتها على الكون ومستقبل البشرية بحيث لا يكون هنا (تاريخ) وإنما سيكون هناك (استمرار). وقد وصف هنتنغتن انتصار الغرب هذا بأنه» غرور أجوف …. والافتراض الشائع لدى أهل الغرب بأن الشعوب الأخرى التي تأخذ بالتحديث لابد لها من أن تصبح مثلنا هو نوع من الغرور الغربي الذي يوضح بنفسه صدام الحضارات «(٦٢) ذلك أن التصادم والتدافع بين الحضارات، كما هما بين الشعوب والدول، أمور ترتبط بالاختلاف في المعتقدات والعادات والأفكار والمطامع السياسية والاقتصادية وغيرهما. ولأنهما ليسا حتميين فإنهما لا يمنعان التعاون والتعايش بين الحضارات. وإذا كانت هناك حضارة مرشحة

لأن تحقق السلم والوئام بين الحضارات من خلال التفاهم والتعاون واقتباس المفيد فهي الحضارة الإسلامية، لأن عناصر الوسطية متوافرة فيها. ولأنها تنظر إلى الإنسانية كلها على أنها أسرة واحدة، وأن جميع الناس من دون استثناء هم خلق الله، وأن الاختلافات الموجودة في العقائد والأفكار والألسن والألوان والعادات هي اختلافات طبيعية.

الحضارة الإسلامية هي المرشحة لتفهم سائر الحضارات الأخرى والتفاهم والتعايش معها. وإذا ما وجد تصارع بين الحضارات، فليست الحضارة الإسلامية هي التي بدأته. وشواهد التاريخ ووقائعه تثبت هذه الحقيقة.

تعرضت الحضارة الإسلامية - ولا تزال - لحملات متتابعة ومختلفة من التشويه. وإذا لم يكن من أهداف هذا البحث استعراض وقائع التاريخ المثبتة لهذا التشويه المقصود، فلا يفوتنا أن نشير إلى ما يتهم به المسلمون من عنف وإرهاب، وبخاصة حينما يتصدى الشعب الفلسطيني المسلم للاحتلال.

وعلى الرغم من استمرار تعرض الحضارة الإسلامية لهذه الحملات المتواصلة ضدها، لاتزال تمارس طريقة المجادلة بالتي هي أحسن، بكل ما تؤدي إليه من نتائج التبادل الفكري والتفاعل الاجتماعي والإنساني، باعتبارها من أصل التوجيه القرآني الذي ينظر إلى الإنسان من حيث هو إنسان، نظرة التقدير والإكرام. فلا توجّه إليه دعوة إلا مقرونة باللطف والإحسان. ومادام الإسلام قد أقر مبدأ المجادلة بالتي هي أحسن لكل إنسان بوصفه إنساناً، حتى ولو كان مشركاً أو وثنياً، فلا غرابة في تخصيصه أهل الكتاب وأتباع الأنبياء بأرفع آداب الجدال والنقاش (٦٣). وهكذا حل الحوار في الإسلام في مكانة مرموقة بين مقاصد الإسلام ووسائل نشره بالإقناع والحجة. لقد كان تسامح السلطان صلاح الدين الأيوبي، باسم الإسلام، مع محاربيه من الفرنجة المعتدين (الحروب الصليبية) نموذجاً حضارياً يؤكد جوهر الحضارة الإسلامية في التسامح. كما أن المؤرخين المسلمين القدماء كانوا أطلقوا اسم (حروب الفرنجة) على ما نسميه اليوم (الحروب الصليبية)، ذلك أن أولئك المؤرخين كانوا يدركون أن غزاتهم، وإن كانوا يرتدون ألبسة تحمل شارة الصليب، لم يحضروا إلى فلسطين وما حولها بسبب الدفاع عن المسيحية وتحرير أرضه

ا.

وفي التاريخ المعاصر دلائل تشير إلى العامل المعنوي الحضاري في مسيرة الأحداث. فقد عبر الجيش المصري في السادس من أكتوبر ١٩٧٣م أكبر حاجز مائي في التاريخ. وقد تم في ظل نداء جماعي هو (الله أكبر). وقد كان لهذا النداء تأثيره المباشر في عمل الجندي المصري وأدائه حتى الاستشهاد. ولقد أجمع خبراء الاستراتيجية على تعظيم هذا العامل المعنوي الذي حقق معجزة بالمقاييس الغربية ذاتها. وهو ما لم يستطع هؤلاء الخبراء إدراكه إلا بعد أن تحققت المعجزة.

ونضيف إلى هذا عاملاً جد مهم أثبتت وجوده وعبّرت عن قيمته انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي. ففي تلك الانتفاضة التي بدأت يوم ٢٨ / ٩ / ٢٠٠٠م (انتفاضة الأقصى) كانت إرادة الاستشهاد لدى أبناء الشعب الفلسطيني سبيلاً لتعديل ميزان القوى، حيث كان الجيش الإسرائيلي، بكامل أسلحته وقوته، يعمل لوأد انتفاضة الشعب الفلسطيني الأعزل من كل سلاح، سوى الحجارة وإرادة الاستشهاد. ولقد كانت إرادة الاستشهاد هذا - بما له من معنى عقائدي عميق - ولا تزال أبرز أسلحة المجاهدين العرب لتحرير الأرض المحتلة.

وإذا كانت الحضارة ذاتها لا تحارب، وإنما هي تطبع سلوك أبنائها، فإن دراستها وفهمها ضروريان عند قراءة صراع ما، لتكون تلك القراءة شاملة جميع العوامل المادية والمعنوية المحركة للصراع والعاملة فيه.

إن إحياء سنّة الحوار، بأبعاده وآدابه ومواصفاته وخطابه، شرط لكي تقوم الأمة بدورها في بناء الحضارة، ذلك أن المساحة التي خصصها القرآن لـ (الآخر) تفوق المساحة التي تحدث عنها بالنسبة للعقيدة والعبادة والأخلاق في الإسلام، لأن هذه المرتكزات الإسلامية تتأصل وتتحقق بالحوار نفسه (٦٤). وقد عرض القرآن (الآخر) بكل آرائه ومعتقداته وممارساته، ذلك أن الحوار هو إحدى الوسائل الكبرى للدعوة، والسبيل لإيصال الحق في الإقناع والبرهان وأدب التعامل. والإنسان هو المخلوق الذي لا ينفع معه الإكراه، وبخاصة أن التدين هو أرقى حالات الحرية والاختيار.

والحوار مع (الآخر) مطلب إسلامي، بل هو تكليف شرعي، يقع تحت مدلول الآية (أُدْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحَسنَة وجادلْهم بالتي هي أحسن ( (٦٥). وهكذا لم يقتصر القرآن على الأمر بالمجادلة، وإنما نص على أسلوبها، واشترط أن تكون بالتي هي أحسن، وأن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة. ونحسب أن المبادرة بالحوار، والدعوة إليه، تبدأان من عند المسلم، فهو أكثر حرصاً عليهما من (الآخر). ففي قوله تعالى (قُلْ يا أهلَ الكتابِ تعالوا إلى كلمةٍ سواء بينَنَا وبينَكم ( (٦٦). تكليف شرعي مجرد من الزمان والمكان. ويعني هذا أن لا عذر ولا مصلحة قط في إقفال باب الحوار مع (الآخر) أو إلغائه مهما كانت الأسباب.

إن أساس التحاور هو الآية الكريمة (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( (٦٧). لقد جعل هذا الحكم الإلهي التعارف هدفاً. وهو هدف مسبوق بالجهل الطبيعي بين الشعوب والقبائل. ذلك أن الجهل المتبادل لا ينتج إلا التفرق والتباعد. وحتى يتم إلغاء التفرق والتباعد، لا بد من أن يعرف الناس بعضهم بعضاً، وأن يتحقق أمر اجتماعهم - والنداء موجه إلى الناس كلهم وليس إلى فئة معينة منهم - وصلاح أمورهم. ومن الملفت للنظر هنا استخدام القرآن الكريم مصطلح (التعارف) الذي يعني تبادل المعرفة على قدم المساواة، من غير ترجيح جماعة على جماعة. وهو تكليف متوازن عادل في النظر إلى حقوق وواجبات الشعوب والأمم، وفي حضّ الناس قاطبة على التحاور من غير تخصيص لفئة أو تفضيل لأحد. وما ربط الآية التعارف بالتقوى سوى ربط للتحاور نفسه بهذه التقوى، فالأتقى هو الأكرم عند الله، وهو الأنفع لأخيه الإنسان وللمجتمع.

إن أبرز ما في منظومة القيم التي تتبناها الحضارة الإسلامية، الاعتراف بالآخر، أي عدم إقصائه أو إلغائه، ليس على المستوى الفكري فقط، وإنما على المستوى الفعلي أيضاً، وذلك باستمرار التحاور معه، ودعوته إلى الحق. وفي قوله تعالى: (قُلْ يا أهلَ الكتابِ تعالوا إلى كلمةٍ سواء بينَنَا وبينَكم ( (٦٨). مدى غير محدود للتحاور معه، ومعرفته والاعتراف به، لأن الإنسان هو محل الدعوة وهدفها والمجال الحضاري لدور الأمة، ولأن معرفة الآخر هي السبيل الصحيح للتعامل والتحاور معه، سواء كان غالباً مسيطراً بثقافته وحضارته، أم كان شريكاً، لأنه في نهاية المطاف، الهدف الذي تسعى إليه رسالة الإسلام. فالرسالة الحضارية الإسلامية تشتمل على بعدين: يرتكز أولهما على الذات ومعرفة إمكاناتها بدقة علمية، ويتوجه الثاني نحو معرفة الآخر، باعتبارها السبيل الصحيح للتعامل معه، أخذاً وعطاء، وتأثراً وتأثيراً. وتزداد هذه المعرفة وضوحاً ورسوخاً في عصر العولمة وثورة الاتصالات والإعلام.

ثمة نقطة مهمة يجدر بنا توضيحها، هي أن الفقه الإسلامي لا يكرّس (الصراع) كقانون تاريخي مطلق كما تقدمه المدرسة الواقعية في الفكر الغربي. وفي الفقه الإسلامي أن التدافع سنة من سنن الاجتماع البشري إلى جانب سنن الله الأخرى، كما أن فقهه ومنطقه يختلفان كل الاختلاف عن مفهوم الصراع. ذلك أن الجهاد في معناه ليس صراعاً مع الآخر للقضاء عليه، كما أنه ليس لتأكيد هيمنة قوم على قوم أو ثقافة على ثقافة، ولكن لتحقيق أهداف الدعوة والرسالة باعتبارهما موجهين إلى العالمين ليس بالإكراه والقسر. ومن هنا فلنا أن نعدّ أن منطق صدام الحضارات يعكس التناقض بين عالمية الإسلام من جهة وهيمنة الحضارة الغربية من جهة أخرى، في حين أن الحوار يغير طبيعة هذا التناقض. ويتمثل الإسهام الحضاري للأمة الإسلامية في عالم الغد في المشاركة في صوغ الحضارة الإنسانية، وبخاصة بعد أن تتالت التقويمات الخاصة بالهوة الواسعة بين غنى الحضارة الغربية بالماديات وفقرها بالروحيات، ذلك أن الحضارة الإسلامية هي القادرة على إغناء ذلك الجانب من الحضارة، بما تملكه من مصادر ثابتة وثرّة، وبخاصة أن الإسلام يبني أحكامه على أساس التقاء الشعوب والدول على مبدأ السلام العالمي، ويرفض فكرة

الحرب لذاتها، ويجعل الجهاد وسيلة لأهداف هي نصرة المظلوم وحفظ حقوق الناس في حرية المعتقد وغيرها من الحريات الفردية والجماعية.

ودعوة الإسلام هذه للسلام العالمي مبنية على التسامح والتعاون بين البشر، حتى مع المخالفين له في العقيدة، فهما وسيلته إلى تجنّب التحاسد الفردي، والتطاحن الطبقي، والتناحر العنصري، والتعصّب الديني، وإلغاء الحروف والصراعات المسلحة القائمة على تلك الأسباب وعلى الرغبة في الفتح والتوسع ونهب خيرات الآخرين.

وفي مقابل أطروحة الصدام بين الحضارات، تتصف الدعوة إلى التحاور بين الحضارات بمبدأ الاعتراف بالآخر وبحق الاختلاف، وبرفض أي نزوع لمحاولة الابتلاع أو الاحتواء، أو الاستيلاء على الأرض أو مصادرة الحقوق. إن التحاور يعني الانطلاق من الاعتراف بعوامل وأسباب التمايز والخصوصيات. أحد أهداف التحاور هو التعرف إلى تلك العوامل والأسباب، وترسيخ مبدأ الاعتراف بالآخر، والسعي لتخفيف حدة عوامل الاختلاف، وتذليل عقبات التفاهم. إن ذلك كله يندرج في إطار ما يسمى الآن (الديمقراطية الحضارية) (٦٩)، التي تدعو إلى التفاعل بين الحضارات على أساس التفاهم وليس التصادم.

لا ريب في أن منطلقنا للتحاور مع الآخر، هو القيم والتصورات السائدة في الفكر الإسلامي عن (العالم) وبخاصة الغرب منه وحضارته. وتندرج في دائرة القيم والتصورات نظرية (المؤامرة العالمية) التي تهدف إلى منع تحقيق أي انتصار عربي أو منع تحقيق أي مشروع عربي جماعي. لا ريب في أن هذه النظرية تتصف بالمبالغة والتهويل. فمن الطبيعي أن يكون ضعف الجسم العربي مدعاة لتحرك الأمراض والجراثيم فيه. وما يهمنا في حوار الحضارات هو أن نوضح (خصوصية الأمة العربية)، من حيث وحدتها (كأمة) ولغتها ودينها وتاريخها وثقافتها الإسلامية.

وإذا كانت الحضارة الإسلامية تلتقي مع الحضارات الأخرى في عوامل متعددة، فإنها تفترق عنها جذرياً في عامل رئيسي، هو الدين الذي ترتبط به الحضارة الإسلامية، فهو محرّكها وموجّهها. ولا يعني هذا أن الحضارة الإسلامية حضارة دينية (ثيوقراطية) بالمعنى المقدس، بل هي فعل إنساني معياره الذي يقاس عليه هو الدين. وهذا الرابط الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية، وهو الذي يحدد دورها في المستقبل، وبخاصة أنه أكّد الانتماء الإنساني الواحد، وقدّم عامل الوحدة الإنسانية على عوامل الفرقة، وكرّم الإنسان لإنسانيته، وبذلك جاءت مساحة الإنسان والإنسانية في الخطاب القرآني واسعة ومتنوعة.

إضافة إلى هذا، فإن الحضارة الإسلامية إذ تنطلق من الإسلام، فإنها لا تعني أنها الإسلام ذاته، بل هي الفعل الإنساني للمسلم. وهذا الفعل ينطلق من المبادئ والتصورات والرؤى التي يحملها المسلم (٧٠). لذا فإن الحضارة الإسلامية حضارة مستمرة لا تعرف الاندثار. فهي قد تتراجع أو تقصر عن الإسهام في صوغ الحضارة الإنسانية في فترة تاريخية محدّدة، لكنها تختزن دائماً مقومات النهوض، مادامت هي فعل المسلم ذاته.

ولعل من الأمور الجديرة بالاهتمام، أن الاستقراء الأمين للتاريخ الحضاري للأمم، يثبت أن الحضارة الإسلامية كانت ولا تزال عصية على التذويب والذوبان، وأنها لم تخضع لما سمي قانون الدورات الحضارية، بحيث تمر بمرحلة الشباب والفتوة الحضارية، ثم مرحلة الشيخوخة حتى الانقراض. فالحضارة الإسلامية لم تكن حكراً على جنس أو لون أو قوم، وإنما اتجهت صوب المشترك الإنساني. وهي وإن أَفَلت في مكان، أشرقت في مكان آخر. لذلك نجد عطاءها اليوم ممتداً في الزمان والمكان، من أكثر المناطق تخلفاً إلى أكثرها تقدماً (٧١).

إن إقامة حوار بين الحضارتين الإسلامية والغربية يتطلب رضى الطرفين على بدء الحوار بعد وضع أسسه وأهدافه. ولكن الغرب يقوّم - سلفاً - الطرح الإسلامي بشأن الحوار على أنه سعي نحو التخلص من الهيمنة الغربية، كائناً ما كان شكل تلك الهيمنة ومجالها. لاشك في أن مشكلتنا، كأمة عربية جزء من الحضارة الإسلامية، مع الغرب وحضارته هي مشكلة سوء تفاهم، فالغرب يفهمنا جيداً، ولكنه يرى أن مصالحه الاقتصادية وأمنه وقيمه الحضارية مهددة بالخطر إذا ما حقق العرب هدفهم في الوحدة، أو أصبحوا أهل وزن استراتيجي واقتصادي وسياسي وحضاري ثقيل.

إن لعداء الغرب للعرب أربعة أسباب موضوعية: (أولها: الموقع الاستراتيجي المهم الذي يشغله الوطن العربي على مقربة أوروبا. وثانيها: النفط، الذي يعتقد الغرب أن من حقه أن يحصل عليه بالثمن الذي يناسبه وبالكمية التي يحتاجها. وثالثها: إسرائيل. ورابعها: الحسابات التاريخية الحضارية المعلقة منذ القدم والتي لم تنجح حقبة الاستعمار والانتقام التي تميزت به من تصفيتها في وعي الغرب والعنصر الحساس في هذا الحساب هو الإسلام) (٧٢).

وبعبارة أخرى، فإن لقبول الغرب العرب شروطاً هي (أولها: أن يؤمنوا ويتصرفوا على أساس أنهم ليسوا أمة ولا كتلة ولا جماعة، بل أقواماً وأقليات متناحرة متناقضة. وثانيها: الإقرار للغرب بحق السيطرة على النفط العربي كمية وسعراً. وثالثها: الاعتراف بإسرائيل والتسليم لها بكل فلسطين، والتفوق الاستراتيجي على العرب مجتمعين. ورابعها: التخلي عن الإسلام واعتباره ديناً متخلفاً وهمجياً وداعياً للعنف والإرهاب) (٧٣).

إن أسباب عداء الغرب وحضارته للعرب وللحضارة الإسلامية محسوبة ومعروفة. وهي ليست نزوة أو خضوعاً لدعاية أو ناشئة عن نقص في المعلومات. ويعني هذا أن المشكلة ليست إعلامية، بل استراتيجية واقتصادية وسياسية.

ثمة من يعرّف الحضارة على أنها هي تقدم المجتمع البشري. بيد أن المفهوم الإسلامي يشترط أن تبنى الحضارة على أساس معايير إنسانية، أو على معايير التقوى والتعبير القرآني (أتبنون بكل ريع تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبارين. فاتقوا الله وأطيعون ( (٧٤). فالقوة المادية وحدها هي سبب البطش والتجبر. وهي تبقى كذلك إذا لم تكن مقرونة، أساساً، بقيم إنسانية جوهرها التقوى.

سابعاً - خاتمـة

ليس غريباً أو جديداً الحديث عن حوار الحضارات. ذلك أن الإسلام دعا إلى التعارف بين الشعوب والقبائل، في حين عجزت الحضارات الغربية، بسبب جنوحها إلى السيطرة والاستعمار، عن أن تصبح مستوعبة لتنوع العالم بحضاراته وأممه. لهذا فإن كثيراً من الصدامات التي ورثها عالم ما بعد الحرب الباردة من عصر الحرب الباردة وربما من العصر الذي قبله، لا ينطبق عليها (الصدامات بين الحضارات)، لأن أكثرها في دائرة (إدارة الأزمات) على الرغم من أن لبعض تلك الصدامات أبعاداً في الاستراتيجيات والسياسات الدولية الكبرى. وثمة فارق بين (صدام الحضارات) و (إدارة الأزمات) في نظام عالمي يزخر بتلك الأزمات وبإدارتها.

فلقد وصل العالم، في مرحلته الراهنة وبخاصة في إثر ثورة المعلومات المستمرة، إلى درجة متقدمة من التداخل والتكامل والاعتماد المتبادل، حتى أصبحت الحياة تحتاج إلى جهد إنساني جمعي أساسه التعاون والتحاور، مع إدراكنا أن الحضارة الغربية تمثل الحضارة الغالبة اليوم، وأن حضارتنا الإسلامية هي هويتنا الثقافية والإنسانية والوجودية، ولا يعني هذا أن الحضارتين الإسلامية والغربية مؤهلتان الآن للتصادم، فالأولى - أي الإسلامية - تدعو للتحاور ولكنها، في الوقت نفسه، مؤهلة للدفاع عن نفسها إذا ما اعتدي عليها، في حين أن الحضارة الغربية هي النمط المسيطر. وعلى الرغم من اختلاف ميزان القوى، فإن الحضارة الإسلامية تؤكد طبيعتها في التحاور.

إن اضطراب الأنساق الحضارية في العالم لا يمكن علاجه بالتجاهل أو بفرض ثقافة عالمية واحدة، وإنما بالتحاور وتبادل المعارف. وعبر غير هذه الحال، تتعرض الحضارات إلى زعزعة هوياتها، وإلى اضطرارها إلى الانكفاء والتقوقع والعزلة. فأسلوب استخدام القوة والعنف جعل القرن العشرين محملاً بالكوارث التي حلت بالإنسانية. وليس من سبيل إلى تفادي تلك الكوارث إلا بالتحاور.

إن قبول مبادئ التعدد في الحضارات والتنوع الثقافي والتساوي بين أطراف التحاور هي السبيل إلى طيّ التضادّ والتصادم. وحتى نكون أهلاً للتحاور مع الآخرين فلا بد من التسلح بالعلم والمعرفة، واعتماد العقل سبيلاً إلى ذلك، وتعظيم دوره في معرفة أسس الحضارة الحديثة وموقع العالم الإسلامي منها، وبخاصة التيار العقلي في الحضارة الغربية نشأ بسبب اتصال الحضارة الإسلامية بالحضارة الإغريقية.

من معالم التاريخ المعاصر، أن الحضارات لا تسيطر على الدول، وأن الدول، وبخاصة الكبرى، هي التي تسيطر - بشكل ما من الأشكال - على الحضارات، وأن ما يحرك المجتمعات هي مصالحها المادية والمعيشية. يضاف إلى ذلك أن المجتمعات تستعمل الحضارة عندما يكون ذلك في مصلحتها. ويعني هذا أن الحضارة ليست المصدر الأساس للنزاع في العالم الجديد.

لعل الشرط الأول للحوار، هو الانطلاق من نظرة حيادية موضوعية، خالية من الحب أو من العداوة، على الرغم من أن عملية التحاور ليست فكرية ومعرفية فحسب، بل هي اعتقادية ومنهجية وسياسية أيضاً، إضافة إلى أنها عملية مستمرة ومتجددة، فهي مجدِّدة للعلاقة بالآخر، ولنظرة الواحد إلى الآخر، ولنظرة الواحد لنفسه، وبذلك يكون الحوار عامل تجديد.

وإذا كانت الحضارة الإسلامية تفقد اليوم دافع القوة للانتشار ولتوسيع رقعة مشاركتها في بناء الحضارة الإنسانية، فإنها تمتلك قوة الثقافة ومنظومة القيم اللتين برهنتا على قدرة فائقة في التجدد والنهوض، حتى جعلتا الحضارة الإسلامية أحد الخيارات الحضارية الكبرى في العالم المعاصر وفي التاريخ. وهي القدرة التي دفعت التيار المعاصر المنادي بصدام الحضارات إلى التحذير من هذه الحضارة.

وعلى هذا فإن في الحضارة الإسلامية ما يؤهلها لأن تكون فعلاً وليس رد فعل، أي أن تكون مؤثّرة فاعلة في نقل العلاقة بين الحضارات من صعيد الصدام إلى صعيد الحوار. إننا بذلك نستطيع أن نكتشف عناصر التقدم والنهوض والمكوّنات الحية في الحضارات، كما نكتشف، في الوقت ذاته، عوامل التخلف ومسببات التراجع. ذلك أن من بين أهداف حوار الحضارات البحث عن العناصر المشتركة بين الحضارات في المجالات المختلفة. فلكل حضارة إبداعاتها وإنجازاتها وفتوحاتها. وبذلك ننقل العلاقة بين الحضارات من صعيد التصادم، حيث أطروحة الصدام تحرض الغرب على مقاومة انبعاث الحضارات الأخرى وحيث أطروحة نهاية التاريخ تدعو الحضارات الأخرى إلى الالتحاق والاندماج بالحضارة الليبرالية الغربية المنتصرة كخاتمة للتاريخ، ننقل هذه العلاقة من صعيد التصادم إلى صعيد التحاور.

***

* رئيس تحرير مجلة قضايا إستراتيجية معاون رئيس المركز العربي للدراسات الاستراتيجية

[١] the end of history and the last man, Newyork, Free press ١٩٩٢ فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة: قاسم، شاهين، الشايبي، إشراف ومراجعة: مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي، بيروت ١٩٩٣. وله ترجمة أخرى عنوانها: نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة ١٩٩٣.

[٢] Samuel P. Huntingtion: The clash of civilizations and the Remaking of word Order, New york. Simon and Schuster, ١٩٩٦, P. ٣٦٨…

[٣] السيد يسين: الوعي التاريخي والثورة الكونية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة ١٩٩٥، ص ١٩٣ - ١٩٤.

[٤] أحمد أبو زيد: محاضرات في الأنثروبولوجيا الثقافية، دارالنهضةبيروت ١٩٧٨ص٤١

[٥] المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، القاهرة، ١٩٦٠، الجزء الأولص ١٨٠.

[٦] المعجم العربي الأساسي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس ١٩٨٨، ص ٣٢٧.

[٧] د. صبحي الصالح: الإسلام ومستقبل الحضارة، دار الشورى، بيروت٩٨٢، ص٨.

[٨] المرجع نفسه، ص١٠.

[٩] ابن خلدون: المقدمة، الطبعة الأزهرية، القاهرة ١٩٢٠م، ص٣٧١ - ٣٧٤.

[١٠] صامويل هنتنغتن: صدام الحضارات، مرجع سابق، ص ١٨ - ١٩.

[١١] الرئيس محمد خاتمي، جريدة الحياة، لندن، ٢٦ / ٥ / ١٩٩٧.

[١٢] د. نبيل علي: الثقافة العربية وعصر المعلومات، عالم المعرفة، العدد ٢٦٥، الكويت ٢٠٠١، ص١١٩.

[١٣] د. جميل صليبا: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت ١٩٨٢، الجزء الأول، ص٤٧٧.

[١٤] ول ديورانت: قصة الحضارة، مجلد الشرق الأدنى، ترجمة محمد بدران، جامعة الدول العربية، القاهرة ١٩٦١، ص٣.

[١٥] المرجع السابق، ص٣.

[١٦] مالك بن نبي: شروط النهضة، ترجمة كامل سقاوي وعبد الصبورشاهين، دار الفكر، دمشق ١٩٧٩، ص ١٦ - ٦٦.

[١٧] د. قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، دار العلم لملايين، بيروت ١٩٧٧، ص ٣٩.

[١٨] معن زيادة: معالم على طريق تحديث الفكر العربي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت ١٩٨٧، ص١٠.

[١٩] حسين مؤنس: الحضارة، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت ١٩٨٧، ص١٩.

[٢٠] الزمخشري، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، ١٣٥٤هـ، الجزء الأول ص١٥١.

[٢١] الزمخشري، الجزء الثالث، ص٣٤.

[٢٢] محمد علي الصابوني: صفوة التفاسير، مكتبة الغزالي، دمشق ١٩٨٦.

[٢٣] مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، القاهرة ١٩٧٢، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، المعجم العربي الأساسي، تونس ١٩٨٩.

[٢٤] فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ …، مرجع سابق، طبعة بيروت، ص٢٦١.

[٢٥] المرجع السابق، ص٣٠٤.

[٢٦] Samuel P. Huntingtion: The clash of civilizations and the Remaking of word Order, New york. Simon and Sct: uster, ١٩٩٦, P. ٣٦٨

[٢٧] صامويل هنتنغتن: الصدام بين الحضارات، ترجمة ونشر: مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت ١٩٩٥.

[٢٨] مجلة شؤون الأوسط، العدد ٣٠، حزيران / يونيو ١٩٩٤ بيروت، ص٥٥، من مقالة صامويل ب. هنتنغتن: "إن لم تكن الحضارات فماذا تكون". ويشير الكاتب إلى مقالة: Bruce D> forter: Cam American Demicarcy =Survive؟ Commentary, Nov ١٩٩٣. وفيها سرد للأسباب التي تجعل "مستقبل الولايات المتحدة مشكلة".

[٢٩] هنتنغتن: المرجع السابق، ص٥٦.

[٣٠] انظر حديث Manfred Osten الأمين العام لمؤسسة Alexander Von Humboldt في مجلة Deuschland العدد ٤، أغسطس ١٩٩٥.

[٣١] د. محمد أبو الفضل بدران، جريدة الحياة، لندن ٢١ / ١ / ١٩٩٥.

[٣٢] انظرسرداً لبعض تلك الأدبيات في: نخبة من الباحثين: الدور الحضاري للأمة المسلمة في عالم الغد، مركز البحوث والدراسات، دولة قطر، ٢٠٠٠م، ص١٨٢، ١٨٣.

[٣٣] أليكسيس كاريل: الإنسان ذلك المجهول، ترجمة شفيق أسعد فريد، مكتبة المعارف، بيروت ١٩٧٤، ص٣٧، ٣٥٣، ٣٥٥.

[٣٤] عمر بهاء الدين الأميري: الإسلام وأزمة الحضارة في ضوء الفقه الحضاري، مؤسسة الشرق للنشر والترجمة، ١٩٨٣، ص٢٢.

[٣٥] المرجع نفسه، ص ٢١.

[٣٦] د. وجيه كوثراني: بلاد الشام، معهد الإنماء العربي، بيروت ١٩٨٤.

[٣٧] عمر فروخ ومصطفى الخالد: التبشير والاستعمار في البلاد العربية، المكتبة العصرية، بيروت ١٩٧٠، ص١٧٠.

[٣٨] فرانسيس فوكوياما: مرجع سابق، ص٩.

[٣٩] المستشرق الألماني جيرنوت روتر "الإسلام والغرب… الحوار المفقود"، جريدة الحياة، لندن ٧ / ٩ / ١٩٩٩.

[٤٠] Blaise lempen: la mondilisation Sauvge: De la fin du Communisme a la tragedie du Kosovo, Geneve ٢٠٠١.

[٤١] Sophie Bessis Histoire d une Suprimatie, la Decouverte, Paris ٢٠٠١.

[٤٢] روجيه غارودي: حوار الحضارات، ترجمة د. عادل العوا، منشورات عويدات، بيروت ١٩٨٦، ص١٨٦.

[٤٣] المرجع نفسه، ص١٨٦ - ١٨٧.

[٤٤] التقرير النهائي لندوة "صراع الحضارات أم حوار الثقافات" ١٠ - ١٢ / ٣ / ١٩٩٧، مجلة النهج، ربيع ١٩٩٧.

[٤٥] انظر كتاب: مجموعة باحثين من المؤسسة الفرنسية لدراسات الدفاع الوطني: الحروب والحضارات، مركز الدراسات والبحوث العسكرية، دمشق ١٩٨١.

[٤٦] المرجع نفسه ص٣٦.

[٤٧] أرنولد توينبي: الحرب والحضارة، ترجمة د. فؤاد أيوب، دار دمشق للطباعة والنشر، دمشق، ص٦ـ٧.

[٤٨] المرجع السابق، ص٧.

[٤٩] المرجع السابق، ص١٨٩.

[٥٠] المرجع السابق، ص١٩٠.

(٥١) كتابه: الحيلولة دون صدام الحضارات: استراتيجية السلام للقرن الحادي والعشرين، صدر في مايو ١٩٩٩. انظر جريدة الأهرام، القاهرة ٢٣ / ٨ / ١٩٩٩.

(٥٢) ورد هذان المثالان في مجلة "نامه بزوهش" التي يصدرها مركز البحوث الأكاديمية في طهران. والمقالة مترجمة منشورة في مجلة "مختارات إيرانية"، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، مايو ٢٠٠١، ص٣٤ - ٣٥.

(٥٣) Yuksel Sezgin: Does Islam Pose a Threat to the west؟ Perceptions, June - August ٢٠٠٠

(٥٤) المرجع السابق، ص٢٩.

(٥٥) جريدة الحياة، لندن، ٧ / ٩ / ١٩٩٩.

(٥٦) ورد المقتطف في مجلة "شؤون الأوسط"، العدد ٣٠، حزيران / يونيو ١٩٩٤، بيروت، ص٧٨.

(٥٧) Samuel Huntingtion: "L,Occident er le Choc des civilizations" , Revue Degense Nationale, No: Paris, Avril ١٩٩٦, P٢٣.

(٥٨) أرنولد توينبي: الحضارة في الميزان، ترجمة: أمين محمود الشريف، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ص١٦١ - ١٦٢.

(٥٩) د. محمد عابد الجابري: عشر أطروحات حول العولمة والهوية الثقافية، جريدة السفير، بيروت، ٢٤ / ١٢ / ١٩٩٧.

(٦٠) هاني خلاف: حوار الحضارات بين أوروبا والعالم العربي: رؤية في مناهج المعالجة، جريدة الأهرام ٢٠ / ٤ / ١٩٩٧.

(٦١) الحجرات: ١٣.

(٦٢) صامويل ب. هنتنغتن "إن لم تكن الحضارات فماذا تكون"، مجلة شؤون الأوسط، العدد ٣٠، حزيران / يونيو ١٩٩٤، ص٥٧.

(٦٣) د. صبحي الصالح: الإسلام ومستقبل الحضارة، دار الشورى، بيروت ١٩٨٢، ص٢٥٨.

(٦٤) نخبة من الباحثين: الدور الحضاري للأمة الإسلامية في عالم الغد، مركز البحوث والدراسات، دولة قطر ٢٠٠٠م، ص٤٢٤.

(٦٥) النحل: ١٢٥.

(٦٦) آل عمران: ٤٠.

(٦٧) الحجرات: ١٣.

(٦٨) آل عمران: ٤٠.

(٦٩) انظر توضيح هذا المصطلح في جريدة: Tehran Times, ١٧ Dec. ١٩٩٨.

(٧٠) نخبة من الباحثين: الدور الحضاري للأمة المسلمة في عالم الغد، مركز البحوث والدراسات، دولة قطر ٢٠٠٠م، ص٢٠٩ـ٢١٠.

(٧١) المرجع السابق، ص٨ - ٩.

(٧٢) د. برهان غليون "حرب الخليج والمواجهة الاستراتيجية في المنطقة العربية"، مجلة المستقبل العربي، العدد ١٤٨، يونيو ١٩٩١.

(٧٣) مجلة منتدى الفكر العربي، العدد ٧٢، عمان، سبتمبر ١٩٩١.

(٧٤) الشعراء، ١٢٨ - ١٣٨.



[ Web design by Abadis ]