ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الأوهام المؤسسة لحوار الحضارات \ الأستاذ أدريس هاني

مدخـل:

قبل سنة من انعقاد هذه الندوة. كان "مركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية"قد أقام ندوة في دمشق، بعنوان "كيف ندخل سنة حوار الحضارات". وها هي عقارب الساعة قد هرولت بما فيه الكفاية وعلى إيقاع فظاعاتنا المحلية والدولية، قبل أن يعلن المركز ذاته بالتعاون مع "المركز العالمي لحوار الحضارات" بطهران، دعوة أخرى على أعقاب الأولى: "كيف نواصل مشروع حوار الحضارات". إن ما يلفت النظر هنا، هو أن المؤتمر الحالي جاء في صيغة سؤال "الكيف"، تماماً مثلما جاء عنوان المؤتمر السابق. مسيرة سنة تامة هي عمر "عام حوار الحضارات"كما سبق وأقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة، نزولاً عند اقتراح جاء من قبل الرئيس الإيراني السيد محمد خاتمي. وليس يكفي عام واحد لترسيخ تقاليد الحوار. فمآسي الإنسانية اليوم تتطلب بقاءاً واستمرارية للحوار مابقيت الأرض. مع ذلك نقول: إن مسيرة عام حوار الحضارات لم تفعل سوى أن نقلنا من سؤال "الكيف"إلى سؤال "الكيف"وكأن أمراً ما لايزال غير مكتمل. فالتساؤل الثانوي في ثنايا السؤال: هل فعلاً حصلت استجابة ما أو تقدم مريح في مشوار حوار الحضارات خلال عام حوار الحضارات؟ ما هو بالأحرى حصاد عام كامل لحوار الحضارات؟

ومهما كانت الإجابة سلباً، فإن الموقف يبدو اليوم أكثر إصراراً على أن موضوع حوار الحضارات ينبغي أن يستمر، وأنه خيار استراتيجي وليس مجرد دعوة آنية، ومن هنا فإن عام حوار الحضارات ليس إلا "عربونا"مقدماً في سبيل تأمين مستقبل يتعين أن يكون كله مستقبلاً لحوار الحضارات.

من جهة أخرى، كان عام حوار الحضارات قد وضّح تماماً أن العالم العربي والإسلامي لم يتحرر بعد من الصورة النمطية التي رسمها الآخر عنه. ومع ذلك ظل هذا العالم في طليعة العوالم الداعية إلى الحوار والسلم العالمي. وقد أعقبت - بالفعل - إعلان السيد خاتمي أو طلبه الأخير، سلسلة من المؤتمرات والندوات والتظاهرات السياسية والثقافية …. برهنت إلى أي حد باتت الجمهورية الإسلامية في إيران أكثر حماسة من الغرب في هذا الموضوع.

لكن بالمقابل، كان عام حوار الحضارات قد زف بصعود صقور الاستكبار العالمي مجدداً ومولوده الشرعي "الإرهاب الدولي". إلا أن الأب الحقيقي لهذا الإرهاب تنكر لمولوده ولم يشأ أن يحدد له اسماً وتعريفاً. لأن الأب لم يغرم حتى الآن بعد عقود من الاستباحة. وكانت تلك أكبر المفارقات التي شهدها عام حوار الحضارات. كان أول مظاهر هذا الإجهاض، صعود شارون إلى حكومة الكيان الصهيوني، كإكليل شوك قدمه كيان عنصري ناشز حضارياً، من دون استحياء، ليحيي على طريقته الخاصة، تلك الأسطورة النبيلة التي لا يزال يتغنى بها البؤساء: إنها "حوار الحضارات".

لكن منعطفاً خطيراً ليس كباقي المنعطفات في ليل هزائمنا ومسرى إحباطاتنا، كان له الفضل في إعادة تمزيق الخرائط تحت جزمات الاستعمار الجديد. حدث ذلك في يوم الحادي عشر من سبتمبر (٢٠٠١ م). انقلاب أتى على مكتسبات نضالية في مجالات حقوق الإنسان والديموقراطية والسلم العالمي والحريات المدنية. فكان حقاً عاماً أليما على العالمين العربي والإسلامي. لقد بدأ عام حوار الحضارات بدعوة حضارية من داخل العالم الإسلامي، لكن ما إن أطبق العالم حتى نفاجأ بإعلان لا مسؤول بأن العالم العربي والإسلامي مفرخة للإرهاب الدولي.

وبين مطلب الحوار وتهمة الإرهاب، بدأ مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب غامضاً إلى الحد الأقصى. من هنا يبدو السؤال أوضح: كيف نواصل حوار الحضارات بعد كل الذي حدث؟ وكيف نواصل الحوار بعد أن حصل هذا الإجهاض المفاجئ والضغط المفرط باتجاه إدخال تغييرات في أجندتنا العربية والإسلامية للاستجابة إلى مناورات تقليدية مازالت مصرة أن تبقى خارج سنن التحول في مفهوم السلطة. إن السؤال الجوهري: كيف نبدأ حوار الحضارات؟

من المؤكد أن الدعوة إلى أن يكون عام (٢٠٠١ م) عاماً لحوار الحضارات كما تقدم بذلك الاقتراح السيد محمد خاتمي إلى الأمم المتحدة، إنما جاء في سياق الرد على تحدي أطروحة "صدام الحضارات"للخبير الأمريكي صامويل هينتغتون. فكانت بالأحرى بمنزلة الرد الحضاري على فكرة الصدام الحضاري. أو لنقل إنه صدام حضاري بين رئيس مثقف يتحدث بنبض الثقافة الإسلامية وروح الشرق، وبين خبير في دولة لم تتحرر بعد من سبات الهيمنة على العالم وأدمنت زماناً طويلاً على إرهاب الدولة. فما حدث يوم الحادي عشر من سبتمبر، كان قد أرجعنا إلى درجة الصفر إن لم نقل إلى الوراء قروناً في مشهد - وإن أرغمنا أنفسنا على تفهم التبرير الأمريكي لعبارة حروب صليبية - ينقلنا إلى فصل من فصول حملات الإفرنجة. مما يستدعي مزيداً من التوقف عند مثنيين لا يزالان في حاجة إلى مزيد من التحليل. وهما في تقديري يمثلان أطروحة متكاملة وإن اختلفت حيثيات التحليل وبارديغماته. الأولى تتعلق بفكرة "صدام الحضارات"، لصمويل هينتغتون، والثانية تتصل بفكرة أو لنقل "أدلوجة" (نهاية التاريخ) كما قدمها وبلورها الكاتب الأمريكي (الياباني الأصل).

لقد واجهت الأطروحة الأولى سيلاً من الاعتراضات من قبل كتاب ومفكرين ومسؤولين كثيرين. لكننا لاحظنا أن الذين عارضوا فكرة هينتغتون وقعوا من حيث لا يحسبون في فخ "نهاية التاريخ". وهذا التردد أو لنقل هذا الارتداد هو قدر التفكير الأمريكي اليوم، الذي يعبر عما هو راسخ في المشهد الإعلامي المتخم بالأخبار المنمطة المغشوشة و"الميديا" الاحتكارية الموجهة، وعما يشكل السند العقائدي الخلفي للإدارة الأمريكية وسياستها الخارجية. إنه بمعنى آخر، قدر فكر يعيش على أوهام الغلبة وسبات العزلة التامة عن الروح الإنسانية الكبرى الوثابة نحو مستقبل إنسي مكلل بالتعايش السلمي، تلك الروح التي لم تنجح آليات الرقابة والترويض في دمجها أو ضمها إلى مشروع، أصبح شاهداً على أزمته. هذا إذا لم تظفر في تاريخ إخفاقها في أن تبيدها نهائياً أو تمزق خرائطها البائدة على أثفية الحرب الحضارية، لترديها رماداً تذروه رياح التاريخ أو أحجية تغري رومانسيتها التي تخرج ليلاً كـ "بومة"هيغل لكي تخدعنا بأن نبضها يسير وفق نبضنا، في حين، هي تبحث بشبق أبيقوري وشره ميركونتيلي وبدافع الملل والعياء "السيسيفي" وقمع الحداثة، على التسلي بأنماطنا المفقودة في عوالم عقلانيتها الأداتية

، كمشهد فرجوي أو راحة للمفارقة على هامش مصارع الحداثة ومقاتلها التي ترفض أنماط التعايش السلمي، وتمعن في تمركزها الهوسي، وتسد المسار سداً منيعاً درءاً لأي جرم تواصلي محتمل.

لقد برهنت الأحداث الأخيرة بما فيه الكفاية على أن اللحظة الأمريكية، هي لحظة هينتغتونية إلى حد ما, وفوكويامية بامتياز. فالسياسيون الأمريكيون ولاسيما الرسميين منهم يتنصلون في الظاهر من أطروحة "صدام الحضارات" تنصّل الأجرب ويهربون منها هروب الغزال المذعور. فيما هم يؤمنون بها إيماناً راسخاً إلى حد الغلو… وفيما هي السند الأدلوجي لكل أشكال الاستقواء بالذات والإفراط في الأنوية الثقافية. وبعد أن أوهمونا بأن الزمن كان كفيلاً بأن يطوي تلقائياً هذه الاطروحة، وبأن عصراً جديداً للتفاهم بدا يلوح في الأفق… تفاجئنا الأحداث الأخيرة (١١ / ٠٩ / ٢٠٠١) بأن الأجندة الأمريكية - وللأسف - في أولى حروب القرن، لها صلة ما سرية بالروح الباراديغمية لفكرة صدام الحضارات.

ألم يعلنوا الحرب على الحقوق المدنية للأغيار… ألم يتحدثوا إلى العالم الخارجي بنبرة فاشستية ونزعة اصطفائية… ألم يقولوا: إنهم رسل الخير وقاهرو الجان وملائكة الخلاص … ألم يصبح الإسلام فجأة تهديداً للعالم. ألم يخرج غول "الأنوية"من قمقمه ليفرغ احتقاناً تاريخياً على أمة بكاملها، بحجة أن حفنة من بقايا هندستهم التقليدية وشظايا الحرب الباردة، متهمون بقتل أبرياء كنا في طليعة من عزاهم من الأمم، رغم غور الجراح وعمق المواجع في عالم لم يعزنا في براءتنا التي تتساقط كأوراق الخريف في يوميات الاستباحة العنصرية وفي زمن التسلي والفرجة على أعراس دمنا الخالدات في الأراضي المحتلة والقدس الشريف… ألم يكن سر الأسرار خلف أسراب البوارج والأساطيل التي تحاصر مملكة من أكواخ وحجر، وتمارس ساديتها المفرطة على قوم إن هم إلا أكياس من عظام متآكلة، بقايا - وضحايا - صناعة الحرب… ألم تكن تلك إلا فصلاً آخر في مسرحية تحكي عن معركة ميتولوجية بين تحدي "الطرزان"آكل العشب "والباتمان"مالك سر التقنية وآكل الهمبرغر، من أجل استكمال مشروع كان قد بدأه الأب على حين غفلة، قبل أن يشيخ على أعتاب إدارة الابن… أليس مبعث ذلك كله، إلا الإصرار على فرض القناعة ب

القدر الأمريكي، فرضاً وحشياً، قمعياً، ذلك القدر الذي عبر عنه فوكوياما أفضل تعبير، "نهاية التاريخ".

صدام الحضارات ونهاية التاريخ… أي أفاق للحوار؟

العودة إلى الأطروحتين، هي عودة لتأسيس أرضية منظور آخر للعلاقات الحضارية، وهو رجوع يستدعيه واقع الارتداد الدولي بعد أحداث [١١] سبتمبر، إلى أحضان هاتين الأطروحتين، مع أننا ندرك تماماً، بأن سقوطاً في فخ "صدام الحضارات"أو "نهاية التاريخ"ليس من شأنه أن يخرج العالم من سنن الكون والاحتفاظ بالغرب على مملكته، هو بالأحرى سيجعل دعاة الصدام وأنصار التسقيف التاريخي يخرجون من هذه السنن، فإذا كان العالم قد استوعب التغيرات السريعة في بنية العلم والقوة وحتى في بنية الكون البيئي، فإن دعاة الصدام ونهاية التاريخ هم اليوم في موقف الدونكيشوت من طواحين هذه المتغيرات، لقد قلت قبل قليل: إن اللحظة الأمريكية هي لحظة هيتغتونية إلى حد ما وفوكويامية بامتياز. وقد آن الأوان أن نشرح مغزى هاتين الضميمتين. لأنني لم أضعهما هنا اعتباطاً. لكن قبل ذلك، سأشير إلى أن الأطروحتين معا تعكسان أهم القناعات الرائجة اليوم داخل المملكة الأمريكية المعزولة عن التيار العالمي.

فالعقيدة التقليدية لدعاة الأنغلوساكسونية الفيكتورية، أو لنقل: دعاة التأمرك الكوني، يتحدثون اليوم عن نهاية التاريخ بوصفها النهاية القصوى للخيارات الأكثر تقدماً في تاريخ الإنسانية، أي الليبرالية أو الديموقراطية الحرة كما يسميها فوكوياما. ومع أن هذا الأخير لايرضى عن تلك النماذج الهجينة للرأسماليات خارج المجال الغربي، فهو يرى أن الرأسمالية النموذجية اليوم، هي الرأسمالية الأمريكية. وأن الإنسان الأخير النموذجي، هو تحديداً الإنسان الامريكي، وهذا حكم مرفوض من قبل الحليف الإستراتيجي الأول للولايات المتحدة الأمريكية، أي أوروبا بل لعلها رأت فيها واحدة من الأوهام التي لا تزال تجد لها مؤمنين سذجاً داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد حصل تأويل مفرط وتبنٍ صامت لأطروحة "صدام الحضارات"، مما جعلها، حقاً، واحدة من الأساطير المؤسسة للعنف الثقافي الموجه للسياسة الخارجية الأمريكية، إن أهم تصريح لهينتغتون، في إثر أحداث [١١] سبتمبر التي بدت وكأنها تجسيداً لنبوءاته السياسية، بأنه فهم خطأ والحق يقال: إن هناك فهماً محرفاً ومجزّأً للمتن الهينتنغتوني من قبل مجموعة الصقور داخل الولايات المتحدة الأمريكية، أبرز سماته، هو أن صنّاع القرار في البيت الأبيض أخذوا بنصف الأطروحة في حين مارسوا حجباً على نصفها الآخر. إن ثمة قسماً مهماً في أطروحة هينتغتون لا يزال حتى الآن تحت قمع النسيان أو في عداد اللامفكر فيه.

من هنا اعتبرت اللحظة الأمريكية، هينتغتونية إلى حد ما، وليس على نحو تام، بلحظ أن أطروحة صدام الحضارات ليسـت مجرد رؤية تحليلية محصنة، بل هي مشروع وخطة عمل، لكنه للأسف مشروع لم ينجز منه سوى الوجه الأكثر تسويغاً للعنف. وهنا سوف نمارس فضحاً للمسكوت عنه في أطروحة "صدام الحضارات"ولنجعله شاهداً حياً على جريمة الهيمنة التقليدية وسياسة الاحتواء الدولي اللتين تمارسهما الدولة العظمى. وذلك قبل أن نخوض في المحتوى الأدلوجي لفكرة "نهاية التاريخ". وهذا في سبيل تقويض نظري للأفكار المؤسسة لصدام الحضارات.

أطروحة للانزواء الحضاري:

في تقديري، أن أطروحة "صدام الحضارات"، هي بالأحرى أطروحة للانزواء الحضاري وليست أطروحة للصدام، إلا من خلال القراءة السريعة لها، وهذا لايمنع أن تكون أطروحة غاصة بالنقائض والأفهام المبتسرة والسيئة للأحداث، والتصورات المغلقة والخاطئة لمفهوم الحضارة والثقافة. وهذا طبيعي، إذا حاكمنا هينتغتون الذي تغرق أطروحته في سبات بنيوي مغلق، وتتترس بمنظور باراديغي صارم، المنظور الذي طور توماس كون على أساسه فكرته عن بنية الثورات العلمية. لقد قرأ هينتغتون جزءاً مما هو رائج في المقروءات الإسلامية ليدعم به خليفته الأيدلوجية في إنزواء الحضارات، حتى أنه بات واضحاً أنه استعار كلمة الصدام والصراع من خبير المستقبليات المغربي د. مهدي المنجرة، الذي كان قد أصدر كتابه "الحرب الحضارية الأولى"في مطلع التسعينيات، لكن إذا كان مهدي المنجرة يقدّم ما هو بمنزلة وثيقة احتجاج على اختلالات المنتظم الدولي للتخفيف من إفراط السـيطرة الأمريكية على مقدرات العالم، فإن هينتغتون سلك بها مسلكاً آخر، هو مسلك القطيعة التامة مع العالم الخارجي.

ولكي نقترب موضوعياً من أطروحة "صدام الحضارات"، نرى من المناسب أن نتوقف - قبل الشروع في إبراز مثالب هذه الأطروحة - الأسباب الخفية لرفض بعض الشرائح من نحل وأهواء مختلفة لها. فحينما طرح الخبير الأمريكي رؤيته الخاصة عن مستقبل العلاقات الدولية، واجه ذلك الوابل من النقوض من داخل الغرب، وأيضاً من العالم العربي والإسلامي. حتى بدا الخبير الأمريكي كاهناً حقيقياً لصدام الثقافات والحروب الدموية بين الحضارات.

ومع أن هناك مبررات معلنة عن هذا الرفض الجماعي لأطروحة هينتغتون، فإن ثمـة ما هو خفي وراء هذا الرفض. فالذين قادوا الحملة ضده ينقسمون إلى جبهتين:

- الجبهة الغربية وفي طليعتها شريحة من داخل الولايات المتحدة الأمريكية. وهي بدورها تنقسم إلى منظورين يختلفان في الدوافع والبواعث الأدلوجية.

- المنظور الأول يمثله دعاة نسبية الثقافة وأنصار المثاقفة … وهؤلاء يرفضون أطروحة "الصدام"على الرغم من أن هينتغتون يؤمن حتى النخاع بنسبية الثقافات بالمعنى التصنيفي. لأنهم يرون فيها أفكاراً وإِن لم تكن تؤسس للمحو الثقافي La déculturation كما هو منحى صاحب فكرة "نهاية التاريخ" [١]. إلا أنها لا تقدم حلاً ولا أفقاً منساباً للمثاقفة L’acculturation. وهذا الموقف، هو إلى حد ما يحمل مبرراته الباراديغمية - إذ معظمهم يتمثلون المنظور الأنتربولوجي فهم لايختلفون مع هينتغتون في نسبية الثقافة أو لا أخلاقية فعل المحو أو الضم أو الغزو الثقافي، لكنهم يختلفون معه في غياب مامن شأنه التأسيس لمشروع المثاقفة أو حوار الحضارات. أما المنظور الثاني من الجبهة الأولى، فيمثله نخبة من الإيديولوجيين والصقور الأمريكيين. وباعثهم في ذلك ليس رفضهم للصراع الذي يؤمنون به، بل لأن هينتغتون فضح السياسة الخارجية الأمريكية بكثير من الوضوح الذي تتحمله الإرادة الأمريكية المتورطة في مشروع إرهاب الدولة والديبلوماسية الخفية.

إن إصرار هينتغتون على الاختلاف البنيوي للثقافات والقيم، والدعوة إلى الكف عن سياسة التغريب والحث على ضرورة تراجع الغرب إلى حدوده الطبيعية، هي في الاستراتيجية الأمريكية السائدة والتي لا تزال يمثلها ويحميها عدد من الصقور، لهي أخطر دعوة الآن ضد السياسة الخارجية الأمريكية. فهينتغتون حتى وهو يتحدث عن غرب فريد بقيم خاصة، يرى أن محاولة تعميم هذه القيم، هو فعل لا أخلاقي إذا ما أصبح مشروعاً يستند إلى القوة والإكراه. إن هينتغتون يذهب إلى أبعد من ذلك، إنه يدعو إلى ضرب من التجنيس الثقافي. فالقيم الغربية حتى ولو تبناها مجتمع بملء إرادته فإنه لن يحقق بذلك سوى تمزقٍ في الهوية. وهينتغتون هنا يضرب مثالاً عن نموذجين لمجتمعين ممزقين هما: المكسيك وتركيا. إذا كان الأمر كذلك فكيف ينجح التغريب بالإكراه وسياسة الضم L’annexion؟ إن الغرب في نظر هينتغتون كان غربيـاً قبل أن يكون حديثاً … فالحداثـة لا صلة لها بالتغريب. فالغرب غرب والشرق شرق ولن يلتقيا.

إذا ما انتقلنا إلى الجبهة الثانية، سنجد أنّا أمام شريحة من العالم العربي تنقسم بدورها إلى مستويين:

المستوى الأول، يمثله العموم. ولعل موقفهم الرفضوي نابع من تأثير التأويل الذي تمارسه "الميديا"ـ والذي عادة ما يحجب الوجه الآخر للأطروحة - ومن خلال العنوان العام الذي يوحي بالصدام ويدفع باتجاه العنف. والحال، أن هينتغتون لم يتورع عن اتهام الإسلام بالعنف، لكنه لم يدع إلى غزو العالم العربي أو الإسلامي بل دعا إلى الممانعة ضد أي تهديد للغرب ضمن حدود الغرب.

أما المستوى الآخر، فيمثله ليبراليون وحداثيون أزعجهم هذا الإصرار على التنبؤ الخاطئ للقيم والثقافة. كما أزعجهم خطاب التيئيس الهينتغتوني من أحلام التغريب معتبراً الديموقراطية نفسها خاصة غربية. بل وأزعجهم هذا التسخيف الهينتوغتوني للسلوك التغريبي العبثي.

لا شك أن الخبير الأمريكي كان قد وقع في أخطاء فكرية ومنهجية بالغة السذاجة والخطورة أيضاً. إلا أنها أخطاء - مهما بلغت خطورتها - لا تحجب عنا النتائج الأخرى التي يمكنها أن تضغط على الغرب باتجاه الكف عن نزوعه الامبريالي. إن الأدولوجيين والصقور السياسيين في الولايات المتحدة الأمريكية، الذين يصرون على مواصلة احتواء العالم واكتساح السيادات، يتفقون مع دعاة التغريب بلا قيد أو شرط الذين حملوا على هينتغتون فقط لاعتقاده بأن الحداثة ليست بالضرورة غريبة. ناقضاً خياراتهم وأوهامهم وطقوسهم القائمة على مبدأ الحلول بين الحداثة والتغريب. فالباعث المشترك عند الأوائل هو إرادة السيطرة وعند الآخرين هو إرادة التغريب. وكلاهما كما رأيت، نزوعان متكاملان، إذ التبعية لا تتم إلا بتضافر إرادة الاستتباع مع القابلية للاتباع. إن الوجه الذي لايعنينا هنا من أطروحة هينتغتون والذي يمثل الوجه المرفوض والمغلق، يستند إلى مداميك فكرية ومنهجية خاطئة ومثغورة يمكننا اختزالها في الآتي:

١ - استناده إلى المنظور البنيوي المغلق للثقافة، حيث يبدو لي متأثراً - إلى حد ما - بالمنظور الكوني (نسبة إلى طوماس كون) المغلق للنماذج المعرفية. فهينتغتون يرى في الحضارات كنماذج مغلقة. وأن أي حوار بينها هو حوار طرشان. وهذا من شأنه - حقيقة - التأسيس للفرادة وفرض عزلة جديدة بين الكيانات الثقافية ليس محددها إكراهياً - جغرافياً - كما هو مذهب ليفي ستراوس - بل عزلة وفرادة قوامها موضوعي نابع من أن حوار الثقافات لا يغدو في النهاية إلا حوار طرشان، أي بتعبير آخر صداماً بينها، وبأن "الكوننة"عبث وسخف. حتى إذا رامت البطش والقوة، كانت فعلاً لا أخلاقياً.

٢ - وهذه النقطة تتصل بالأولى، فإذا كانت أطروحة هينتغتون تؤسس لعالم متخم بالفرادات وتبشر بجزائر ثقافية مليئة بالتخوم، فإنها إضافة إلى ذلك تسد أي ثغرة للرابطة الكونية. فهو يعدّ الديموقراطية قيمة غربية خالصة، وليست نظاماً سياسياً قابلاً للتصريف.

النظرة التمامية للديموقراطية عند هينتغتون وعدم اعتبارها حقاً يتصل بحقوق الإنسان (الإنسان الكوني) من شأنه أن يغلق المسام أمام الأصول المشتركة التي هي أرضية الحوار الضرورية.

٣ - إن هينتغتون اعتبر الصراعات التي تقدمها المشاكل السياسية أو الاقتصادية أو العرقية أو الغرائزية، صراعاً بين الحضارات يقول مثلاً: "المصدر الأساسي للنزاعات في هذا العالم الجديد لن يكون مصدراً إيديولوجياً أو اقتصادياً في المحل الأول. فالانقسامات الكبرى بين البشر ستكون ثقافية والمصدر المسيطر للنزاع سيكون مصدراً ثقافياً " [٢].

وهذا تعميم فاسد يضير بمفهوم الحضارة نفسها، إذ الحروب والصراعات التي تنشب في الشرق الأوسط قد تكون حروباً عربية - عربية… إسلامية - إسلامية… مسيحية - مسيحية وأحيانا طائفية… وهذا شأن ما يعرف بحروب الإخوة الأعداء… إن الزعم بكون مطلق الحروب هي حضارية الآن وفي المستقبل لايعدو أن يكون إلا تخرصاً على المستقبل.

٤ - الخلط الاصطلاحي بين الحضارة والثقافة… وهذا راجع إلى مغالطة شائعة في التداول الأمريكي. ويؤكد ذلك جون جراء John Gray قائلاً: "والمعيار الذي يستخدمه هينتغتون ضمناً في أغلب الأحوال إنما يعكس الفكرة الأمريكية المتسلطة بشأن تعدد الثقافات. فالثقافة أو الشعب يعد حضارة إذا كان له ما لأقلية أمريكية من فاعلية سياسية وفي غير هذه الحالة فهو يتجاهلها" [٣].

وهذا الخلط بين الحضارة كقوة ظاهرة في الصنائع، والثقافة كحضور أدنى، أو لنقل حضارة غير مكتملة كما يصفها فرناند بروديل، يجعل المنظور الثقافي الأمريكي عموماً متخلفاً حتى عن المنظور الخلدوني، فهذا الأخير - على الأقل - وإن ميّز بين البداوة والحضارة، إلا أنه اعترف لكلتيهما بمخزون ما من العوائد والسلوك والآداب.

بارانويـا ثقافيـة

يتصور هينتغتون، أن عالم المستقبل، سيشهد حروباً من الطراز الحضاري فثمة بالنسبة للإسلام حدود دموية، لكنه يرى أن الدول سوف تكون هي اللاعب الأساسي في هذه الحروب، الأمر الذي يظهر إلى أي حد لم يستطع هينتغتون أن يتحرر من الرؤية التقليدية للدولة والحرب. على الأقل نلاحظ تحليلاً متقدماً عند نظيره ألفين توفلر فيما يتصل بهذه التحولات التي طرأت على مفهوم السلط.

فالحروب القادمة ليست بالضرورة تقودها الدول، لا بل ليست بالضرورة حضارية. قد تكون أهم الحروب وأخطرها تقوم بها شركات عديمة الجنسية أو عصابة للمخدرات أو مجموعة الخضر… كل هذا وارد فالحضارة الواحدة يمكنها أن تشهد أعنف الحروب وأقساها، من قبل ميليشيات أو جماعات مناهضة تنتمي للثقافة ذاتها. أو كما يقول جون جراي: "فالموجات البشرية من الجنود الذين هلكوا في الحرب بين العراق وإيران، فقدوا حياتهم في نزاع داخل حضارة واحدة. كذلك كانت الحال في كمبوديا على يد بول بوت" [٤].

إنها حروب تقوم بها الجماعات وليس الدول، فهي حروب الحضارة وليس حروباً بين الحضارات.

إن الوجه الذي يبدو مرفوضاً في مقالة هينتغتون، والذي يحمل البذور المؤسسة للصدام بين الثقافات يمكن دحضه باليسر الممكن. لكن ما هو خفي أو غير مقروء، أو فلنقل الوجه الآخر لصدام الحضارات هو تحذير سابق للأوان من مغبة التورط بأي شكل من الأشكال في الاحتكاك بالآخر. فالغرب ليس عالمياً، كذلك قال هينتغتون. إنه يرى أن أي احتكاك من هذا القبيل ينتج عنه قهراً نوع من الصدام أبداً، فهذا الأخير أكثر إصرارا لتفاديه بأي ثمن. بل إن المتأمل لمقالته، يدرك إلى أي حد هو مذعور ويعاني من فوبيا الآخر. بل لعله رأى الغرب مستهدفاً، وأن أمريكا مهددة بأن تصبح الدولة الغربية العظمى والأولى التي ستصبح غير غربية. إنه يدعوها إلى الانسحاب، والاهتمام بشؤونها الداخلية. ومن ثمّ إنها أطروحة تحذر أمريكا من مغبة الإقدام على أي خطوة باتجاه الآخر… إنها رؤية لا تبرر المسلك الهيمني الأمريكي. دعوة للتميز والتفرد، وليس تحريضاً على السيطرة والعالمية. إذا جاز القول فإنه يقدم مشروعاً يوتوبياً لغرب من دون أجندة خارجية فهذا الوجه الذي تعرض للنسيان، هو ما يفسر سر الحساسية الأمريكية وتنصلها الرسمي من أطروحة "صدام الحضارات"إنها أفضل أطروحة حتى الآن تناقض السياسة ا

لخارجية الحشرية الأمريكية، لذلك مارسوا وجهها الظاهر خفاءً وأنكروا وجهها الخفي جهاراً. ألم أقل إن اللحظة الأمريكية اليوم، هي هينتغتونية إلى حد ما، أي أنها لحظة هينتغتونية بامتياز من وجه، ولحظة نقيضة له من وجه آخر. لقد وضعهم هينتغتون في مفترق الطريق وفي حرج شديد.

لعل واحدة من أهم القضايا التي تناولها هينتغتون ضمناً في أطروحته، وإن مارس في حقها بعض النسيان، هي قضية الصراع العربي - الصهيوني. قد يكون هينتغتون فعلاً قد قدم إشارات سريعة بهذا الخصوص في معرض تفسيره لأسباب العداء العربي للولايات المتحدة الامريكية، لكن النموذج الحضاري الذي ينطلق منه، يجعل أطروحته نذير شؤم بالنسبة لإسرائيل، فهذه الأخيرة ما دامت موجودة بهذه الصيغة الفريدة في قلب الوطني العربي والإسلامي، معناه أن ماوصف به هينتغتون العالم الإسلامي ينطبق عليها لا محالة. فنقول على لسان حاله، إن لإسرائيل - بالفعل - حدوداً دموية. إن هينتغتون من حيث النموذج الحضاري الذي يعدّه أساسياً يقطع الطريق أمام الأساطير المؤسسة لنشوء الكيان الصهيوني وبقائه. فهو من ناحية يخطئ فكرة التدخل الأمريكي في الشؤون الخارجية. ومن لاجدوائية سياسات الدعم الخارجي من ناحية أخرى، يرى أن أساس الاندماج أو لنسميه التطبيع، تشترط انسجاماً حضارياً. وفي كون إسرائيل ناشزة حضارياً عن المنطقة وقائمة على مشروع مارشال أمريكي مستدام، فإن منظور الهينتغتون وفق النموذج الحضاري لم يعد فقط مرفوضاً من قبل صقور السياسة الخارجية الأمريكية، بل هو تقرير يتهدد وجود

ومصير الكيان الصهيوني في المنطقة (الشرق الأوسط). لعل هذا هو سبب النسيان المفروض على الوجه الآخر لأطروحة صدام الحضارات.

إن الصدام الذي يتحدث عنه هينتغتون، لا يبرر الإمعان في نهج الهيمنة بل هو يستوجب انسحاباً وتراجعاً وحذراً من المغامرة، يمكنني القول هنا، إن أمريكا تشبعت بمفهوم التصادم الطبيعي بين الثقافات. إلا أنها لم تقبل بحلول هينتغتون العملية، حيث أهمها، أن يتصالح الغرب مع نفسه، وينغلق نهائياً عن الخارج. وهذا في تقديري موقف على سلبيته وانزوائه - المتطرف - هو أسلم للشعوب من انفتاح هيمني يجعل العالم يدفع ثمناً باهظاً مقابل أوهام الحداثة الأمريكية وأحلامها الأنوارية المتطرفة التي تقمع إنماء الجنوب وتناور ضد تحرره وتختزل العالم كله في تاريخ واحد. فتاريخ العالم هو بهذا المعنى جزء من التاريخ الأمريكي.

- نهاية التاريخ أم نهاية الغرب السياسي

سوف اسمح لنفسي في استعمال كلمة (الغرب) هنا بالمعنى الأدلوجي للكلمة. فالغرب في الولايات المتحدة الأمريكية معناه الحداثة في أقسى أشكالها قمعاً وتدميراً. فنهاية التاريخ ليست هي نهاية في اتجاه بقاء نموذج الليبرالية أو الديموقراطية الحرة على حساب جميع الأشكال التاريخية، بل هي انتصار للغرب بوصفه مركزاً للكون. والواقع أن هذا الاعتقاد لقي انتقاداً شديداً من قبل هينتغتون نفسه، فالغرب غرب والحداثة عرض طارئ. من هنا أعتقد أن استعمالي لـ "الغرب"هنا لا يعني الغرب الماهوي الذي كان وسيظل كياناً جماعياً. بل أعني الغرب النمطي كما هو حاضر في أطروحة نهاية التاريخ.

لم يكن الغرب حديثاً قبل النهضة الأوروبية. بل لقد شهدت العصور الوسطى على أنه غرب مريض مثل أسوأ أشكال الانحطاط. وبأن قروناً مرت على الغرب كان فيها مغلوباً على أمره، مستقلاً عن التاريخ الحضاري للعالم. ولكن أياً كان وضعه، فقد ظل غرباً. فحتى زمن ابن خلدون، كان الغرب الأقصى - أعني أقصى الشمال - الواقع جزء منها في الإقليم السابع يعد من الأقاليم المنحرفة [٥]. إنه بعبارة أخرى مجال وحشي قرن ابن خلدون بينه وبين ساكنة الجنوب الواقع في إفريقيا حتى المناخ الذي قد يفسر به النشاط الحضاري الغربي تجاه أقطار الجنوب، اعتبره ابن خلدون غير مشجع على العمران الحضاري، وذلك مقارنة مع الأقاليم المعتدلة، التي ظلت مركزاً لكبرى الحضارات ومجالها الحيوي، الشاهد التاريخي على أن الحداثة طرأت على الغرب كما طرأت على غيره. فهي قابلة لأن تنفك عنه مثل ما انفكت عن غيره. إنها نهاية الغرب كما أسميها هنا، ليس إعلاناً لموت الغرب الماهوي، بل هو إعلان عن نهاية غرب نمطي لصالح غرب مفتوح ومختلف.

إن مهمة حوار الثقافات تنهض بأجندة متخمة بالمهام المزدوجة. كيف ننقذ أنفسنا من الاستباحة، وكيف ننقذ الآخر من سباته الأنوي، من أجل غد تصنعه إنسانية متحاورة.

لقد ظل الرأي الشائع منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار سور برلين حتى اليوم، أن هذا السقوط الدراماتيكي للمنظومة الاشتراكية، هو بمنزلة إعلان موت الادلوجة الاشتراكية. الحدث الذي نجحت الديماغوجية الليبرالية إلى حد ما أن تعدّه مؤشراً على انتصار المنظومة الليبرالية الغربية، أو لنقل هي الفصل الأخير في مشوار الحرب الباردة التي عندها سيعلن التاريخ عن استقالته. ولقد فعل فوكوياما المستحيل كي يقنعنا بأن المعركة بين الليبرالية الغربية والمعسكر الاشتراكي، هي معركة بين حضارتين أو لنقل بين الغرب وغيره. الأمر الذي يؤكد قراءته السيئة للتاريخ الحديث. هذا إذا لم نتهمه بتزييفه. والحال، أن الحرب الباردة، هي أشبه ما تكون بحرب أهلية عظمى تفجرت داخل المنظومة الغربية وانتشرت شظاياها لتهز العالم هزاً على إيقاع جنون الحداثة بوجهيها التقليدي والثوروي. لم تكن الشيوعية إلا رؤية حداثية مختلفة حاولت تخليص الحداثة من فظاعتها وأوهامها، لتعيد قلبها على رجليها.

إنها لم تنشأ خارج الغرب ولا خارج شروطه. وكما عبر عن ذلك لينين، إنها الوريث الشرعي لأفضل ما أنتجه الغرب في الاقتصاد السياسي الإنجليزي والفلسفة الألمانية وعلم الاجتماع الفرنسي. ألم يعدّ ماركس الاستعمار ضرورة لتحديث البلاد المحتلة. إذ دخول الآلة يوشك أن يفكك الأنماط والهياكل الاجتماعية القائمة. إنه القائل: "أمام إنجلترا مهمة مزدوجة تنجزها في الهند. الأولى تدميرية والثانية توليدية، إزالة المجتمع الآسيوي القديم ووضع الأسس المادية للمجتمع الغربي في آسيا" [٦] لكن هذه الشيوعية - وليست ستالينية إلا التنفيذ الجذري للينينية بوصفها التشخيص الثوري الأهم للماركسية - صنعت بدورها فظاعات مروعة لا يمكن تفسيرها بشيء آخر غير وحشية الحداثة نفسها، باعتبار، أن السند الأدلوجي للشيوعية نفسها هو من قبيل شعار العلم الوضعاني والتطورية التاريخانية، والعالمية الأممية والإنتاج الصناعي. وهي على أي حال، السند الأدلوجي نفسه للحداثة. إن نهاية المعسكر الشرقي، هو في الواقع نهاية لإحدى الطرائق الممكنة للحداثة. كان من المفترض أن تشكل عبرة للغرب الموضوع شماتة. وهكذا فهي تقدم صورة محتملة ومستقبلية عن الكيفية التي يتوقع أن ينهار على صورتها المشروع

الغربي ويختفي تماماً وليصبح كسلفه موسوعة صفراء متقادمة في متاحف ما بعد السيادة الغربية. وواحدة من أبشع التراجيديات التي شهدها التاريخ البشري.

ألم يقل غارودي من داخل صخب الحداثة العارم بأن الغرب عرض طارئ؟ ما الذي حدث إذن؟ إننا لو استثنينا واقع النزاعات الطبقية والنمط الفردي المناقض للعقيدة الشيوعية، فإن أمريكا بما هي بلد براغماتي وضعاني تطوري عالمي ومادي، لهي أكبر البلدان التي حظيت باحترام كبير من قبل ماركس، ربما أكثر من بريطانياً نفسها وقبلها. فلا توجد إمكانية لإقامة شيوعية من دون حداثة. بل إن أمثل الشيوعيات هي تلك التي راهن عليها ماركس وتمنى أن تولد في أمريكا أو بريطانيا. أي أن أمثل الشيوعيات / مشروطة بأمثل الحداثات.

إن سقوط الاتحاد السوفياتي، هو تأرخة درامية لبداية النهاية لأكذوبة عمّرت طويلاً، اسمها الليبرالية. إننا لا نحكي عن نهاية وشيكة للغرب، بل سوف يظل الغرب غرباً، ولكن بكيفية مختلفة تماماً، هي حلمنا وحلم الشعوب الغربية المقموعة والمستلبة حداثياً والمتمأزقة في شرك الشعارات الأنوارية.

ومع ذلك نقول: إن الاتحاد السوفياتي، لم يسقط لأنه رفض كيفية أخرى للحداثة الغربية فحسب، بل لأنه لم يقبل أيضاً الدخول في الكيفية الرسمية لها، أي الليبرالية ومشروع السوق الحرة. اللهم إلا ممزقاً فالصعوبات التي تواجه روسيا وأقطار أوروبا الشرقية دليل على أن رفض الشيوعية لايعني بالضرورة ارتماء مطلقاً في أحضان الليبرالية الغربية. لقد ثاروا على الكيفية الأولى سنة (١٩١٧ م) (الثورة البلشفية)، وهاهم الآن مازالوا يقاومون الكيفية الأخرى، لعل واحدة من الدلالات التي تفسر إقدام الزعيم الإيراني الراحل الإمام الخميني على تحرير رسالته الشهيرة إلى غورباتشوف، لهو هذه الحقيقة التي تؤكد على ذكاء بالغ، لقائد ثورة أعلنت استقلالها التام عن الكيفيتين معاً للحداثة الغربية، لصالح خيار ثالث، الحداثة المصنعة محلياً، فلقد أدرك رحمه الله، أن روسيا التي ثارت على الوجه المتوحش للحداثة، لا يمكنها القبول به مرة أخرى بعد أن جربت وجهها الآخر الذي بدا متبرجاً بواجهة أكثر إنسانية من ناحية العدالة الاجتماعية. لقد أدرك أن روسيا قد شهدت بالفعل نهاية التاريخ، بخروجها إلى مرحلة ما بعد الحداثة الغربية بنمطيها. وبعد أن تنبأ لها بسكنى متاحف التاريخ، فلأنه

ظل يتوقع المصير نفسه لوجهها الآخر، وأمام هذا الفراغ، كان قد عرض خياره الثالث على روسيا. ففي أوج الصراع ضد الغرب، وعنفوان الحساسية المفرطة، كان القائد الإيراني يمارس ضرباً جاداً من ضروب حوار الحضارات. حتى لو كان حواراً يتجه نحو "الشيطان الأصغر" يقول تاكيش أوميهار: "إن الفشل الكامل للماركسية، والتفكك المثير للاتحاد السوفيتي ليسا إلا نذرين لانهيار الليبرالية الغربية، وهي التيار الرئيس للحداثة، فالليبرالية ليست هي البديل للماركسية، وليست هي الإيديولوجيا السائدة في نهاية التاريخ، وإنما ستكون قطعة الدومينو التالية التي تسقط" [٧].

وتعزيزاً للمنظور نفسه يقول جون جراي: "لم يكن انهيار الاتحاد السوفيتي انتصاراً أحرزه "الغرب"على أحد أعدائه، وغنماً كان الدمار للنظام الأكثر طموحاً بين أنظمة هذا القرن ذات التوجه الغربي. ولم تكن نتيجة القبول العالمي للمؤسسات والقيم الغربية، وإنما كانت بدلاً من ذلك عودة روسيا إلى كل الأشكال التاريخية التي ميزت علاقتها بأوروبا وبالعالم" [٨].

نواقض نهاية التاريخ:

الليبراليون أكثر حماسة في اتهام كل صوت صادر من أعماق الهامش بالديماغوجية ومع ذلك فإنهم أكثر الناس رفضاً لأن يكون في مقام المتهم بها، فإذا كان هينتغتون واضحاً إلى حد ما، صريحاً فيما يطرحه ويدعو إليه، حتى كانت مقالته أشبه ما تكون - كما وصفها د. مهدي المنجرة [٩] - ببحث في "السوريالية السياسية"نظراً لما تتمتع به من واقعية. فإن مقالة فوكوياما هي أطروحة في الديماغوجية والمفارقة.

فعلى الرغم من أن هذا الأخير ينظر إلى النموذج الديموقراطي الأمريكي بوصفه النموذج المتقدم، ومادونه هشاشات وأنماط ضعيفة للديموقراطية، لذا فهو يخصص نموذجه باسم الديموقراطية الحرة، إلا أنه لا يمانع في قلب الحقائق، وممارسة ما هو أسوأ من التسطيح التاريخي للأحداث. فإذا كانت تركيا في نظر هينتغتون نموذجاً للكيانات الممزقة، وإذا كانت ضريبة العلمانية العسكرتارية هي طعنة معلنة في خاصرة الديموقراطية. فإنه يقول: "بالإضافة إلى ذلك فقد استولى الجيش التركي على السلطة في سبتمبر ١٩٨٠ نتيجة للاتجاه الإرهابي الذي ساد المجتمع، لكنه أعاد الحكم الشعبي إلى البلاد في ١٩٨٣ ومنذ ذلك الحين تتمتع كل هذه الدول بانتخابات حرة وبتعددية الأحزاب" [١٠].

إن حملة المحلل الأمريكي على الديكتاتورية وحماسه العارم لانتصار النظم الديموقراطية الحرة، لم تكن سوى ديماغوجية تحجب عنا تلك العقيدة الأمريكية التقليدية التي تكيل بمكيالين وتصنف العالم بحسب منطق الأحلاف وليس بمنطق النظم والقيم، لقد اتهم دولاً عربية بالديكتاتورية في حين مدح التجربة التركية وأشاد بها. ولم تكن عدسة فوكوياما التي أمكنها إبصار نهاية التاريخ على امتداده البعيد أن تكشف أشكال الديكتاتوريات المقنعة في أمريكا اللاتينية التي تهندسها الدبلوماسية السرية. لكنه وبكل أصوليته يقول: "لكن مع بداية التسعينيات، أصبحت كوبا وجيانا هما الدولتان الوحيدتان في نصف الكرة الغربية اللتان لا تسيران على نظام الانتخابات الحرة" [١١].

بهذا يكشف فوكوياما بأن رؤيته الإغوائية للنمط الليبرالي، رؤية مخاتلة، يقبل أحيانا بأشكالها وواجهاتها، حيث لا وجود لمن يتنكر للواجهة أو من يمانع في أن يمارسها بمستوى رفيع من التمسرح. لقد تحدث فوكوياما عن نماذج التحول إلى الديموقراطية في أكثر من دولة في العالم وفي أمريكا اللاتينية. وتناسى أن أمريكا التي يتغنى بها، كانت تدعم بكل قوة الجنرالات والديكتاتوريين في أكثر من منطقة في العالم. السؤال: هل المصلحة الاقتصادية هي أسمى قيمة من حرية الشعوب ومن الديموقراطية؟ إذا كان الأمر نعم وهو كذلك بالفعل، فأي ضمان لأن ترشح أمريكا والدول الغربية نفسها حامية لحقوق الإنسان عنوة وداعية للديموقراطية ودركي العالم الحر. ثم، أليس بهذا تكون أمريكا هي نفسها الدولة النازية التي تجعل سيادتها وقوتها فوق مصالح الشعوب والأمم. والحق، أن أمريكا هي دولة ديموقراطية في الداخل، لكنها في سياستها الخارجية تبدو نازية جديدة متنكرة.

الفزاعة النازيـة

يقول السيد نبيل خوري القنصل العام الأمريكي في الرباط: "إن أمريكا تجد نفسها، بغير رغبة منها، القوة العظمى الوحيدة المتبقية في العالم، ومرغمة على التصرف كذلك، إذا لم تكن القوة العسكرية الأمريكية بمن سيستنجد العالم إذا برز ميلوزوفيتش جديد يذبح المسلمين أو هتلر آخر" [١٢].

يبدو أن السيد القنصل العام بهذه الكلمات الإغوائية يستطيع أن يذري الرماد في أعين العالم، أليس هذا ضرب من الاستغباء. ومع ذلك استاء حينما وصفت خطابه بالديماغوجية. لقد ذكرته بأن الإنسان يحتاج أن يكون أمياً في العلاقات الدولية لكي يصدق هذه الأكذوبة. فهل كلام كهذا يستطيع أن يمحي مواجع أمم وذاكرة حية من التدمير الممنهج مارسته أمريكا في حق شعوب في آسيا وأوروبا وإفريقية وأمريكا اللاتينية. إنها تحارب ديكتاتوراً هنا وتنشئ آخر هناك… وكلها نتائج تدخلاتها وهندساتها. ولكن سأقول، عفواً أيها القنصل العام، فأمريكا ليست القوة الوحيدة المتبقية وتلك ليست رغبتها. فكلام كهذا يحجب تفاصيل حرب باردة سعت الولايات المتحدة الأمريكية بقوة للاستفراد بالعالم. إن تاريخ أمريكا هو تاريخ عنف وإرهاب. لست الوحيد الذي يقول هذه الحقيقة يقول نعوم تشومسكي: [١٣] "لقد قمنا، نحن - الأمريكيين - منذ قرابة مئتي سنة بطرد مواطنين أهالي البلاد أو تصفيتهم، أي ملايين الأشخاص وغزو نصف المكسيك، وخربنا مناطق في الكاريبي وأمريكا الوسطى، واجتياح هايتي والفلبين مخلفين ١٠٠. ٠٠٠ فيلبيني بهذه المناسبة. وبعد الحرب العالمية الثانية، زدنا من سيطرتنا على العالم بالكيفية

التي يعرفها الجميع. لكننا كنا دائماً نحن الذين نقتل (بفتح النون) تقريباً. وكانت الحرب تجري خارج ترابنا الوطني".

التخويف الذي تمارسه الولايات المتحدة للعالم العربي والإسلامي - وذلك لمزيد من الابتزاز - يجعل العالم يكون بأمريكا لا بذاته. والتخويف بنموذج هتلر، هو في الواقع فزاعة في حقل غير ذي زرع. فهتلر هو منتج لفظاعات الغرب. وإن بكائيات فوكوياما على استفحالات الاستبداد لا يمنع من أن أهم أشكاله ونماذجه، نشأت تحت الرعاية الغربية. يقول: "فقد أقام هتلر ادعاءه بشرعية سلطته على الوعد بالسيطرة على العالم، لكن بدلاً من ذلك انتشر الخراب في ألمانيا، بل وتم احتلالها من قبل شعوب أقل سمواً" [١٤].

إن الآلة التي فتكت بالصرب - وإن التقت مع مصلحة المسلمين في التحرر من سطوة ميلوزوفيتش - هي نفسها الآلة التي تبطش بالمجتمع العراقي، أو كما يقول تشومسكي: "حينما انطلق هتلر مدمرا أوربا مستبيحاً العالم، كان المتضررون هم أولئك الأوروبيين الذين، حتى ذلك الوقت كانوا يقتسمون المستعمرات ويبيدون أهلها بلا أدنى شعور بالذنب. فالإبادة التي نظمها الغرب ضد الجنوب، لا تقل بأي حال من الأحوال جرماً عما فعلته النازية في بعضهم. ومع ذلك إذا كانت الفزاعة النازية أكسبت أوروبا مارشالاً أمريكياً، فإنها أكسبت العرب والمسلمين الذين ساهم بعضهم في تحرير أوروبا من النازية، أجل لقد أكسبتهم مزيداً من الاستعمار. وأهم من ذلك كله كان الوسام الذي تقلده العرب والمسلمون، تأسيس الدولة القومية لليهود في قلب الوطن العربي، ومارشالات أمريكية لإسرائيل ومع ذلك نقول: إن فوكوياما لم يلتفت إلى هذه الحقيقة التاريخية، وهو كون الصراع بين النازية والديموقراطية الحرة، هو بالأحرى صراعاً غربياً - غربياً. فهتلر هو في النهاية نتاج الديموقراطية الألمانية. لقد وجه مشروعه العنصري ضد أوروبا نفسها. ولعله كان سيحظى باحترام أوروبا فيما لو شاركهم في عنصريتهم اتجاه عوالم

ما وراء البحار.

إن المشكلة هي في خروج هتلر عن الإجماع وسيبقى التاريخ شاهداً على أن العنصرية النازية ليست بدعة ألمانية، بل هي ظاهرة غربية بامتياز بل هي في نظر (حنا ارندت) القوة الإيديولوجية للسياسات الإمبريالية خلال القرن العشرين. بل إن المفكر اليهودي (ح. ارندت) كان مدفوعاً بالإنصاف خارج الفزاعة النازية المبالغ فيها حينما اعتبر النزعة الجرمانية هي في الأصل رد فعل للاجتياح النابوليوني لبروسيا ودويلات ألمانيا المفككة، مذكراً - في كتابه L’impérialisme - بأن "بذور التفكير العرقي الألماني زرعت إبان الحروب النابوليونية" [١٥].

ومع ذلك، يتحدث فوكوياما كما لو كان هناك حقاً نظام دولي. والحال، أن ألمانيا انطلقت يوم كان أغلبية العالم الثالث تحت قبضة الاستعمار الغربي. وكان ثمن الديموقراطية الداخلية الغربية، هو ملايين من ضحايا الهامش بالإضافة إلى النهب اللامحدود لثرواته الطبيعية. الأمر الذي لا يسمح بأن تغرر بنا كلمات فوكوياما، من قبيل قوته مثلاً: "وبعد هزيمة هتلر كان كل ما تبقى من اتجاهات مضادة للديموقراطية الحرة في اليمين، هو مجموعة من الديكتاتوريات العسكرية غير المنظمة" [١٦].

إنه يعدّ الاتجاهات المضادة للديموقراطية، هي تلك الاتجاهات المعادية للغرب. وهذا لعله راجع إلى عدم قدرته على تبيّن الفصل بين التحديث وبين الغرب. يقول جراي: "لقد خلط الأمر فوكوياما بين التحديث والتغريب" [١٧].

ولعل ما يسند ذلك، اعتبار فوكوياما التجربة التركية، تجربة ديموقراطية حتى وإن نشأت في أحضان العسكرتارية ورعايتها. ما دامت علمانية قمعية وموالية للغرب، يشفع لها ويحجب فظاعاتها في مجالات حقوق الإنسان. ومن ثمة، فقط في ظل أدلوجة نهاية التاريخ نستطيع أن نوفق بين قمع الجنرالات والديموقراطية الناعمة. لقد نسي فوكوياما، أن قيام النازية على فكرة المجال الحيوي، هي الفكرة ذاتها التي استند إليها الغرب إبان الاستعمار. إنها المعايير نفسها: المجال الحيوي، الإحساس بالتفوق العرقي، رهان القوة. إن قيام النازية والفاشية وحلفائها، كانت هي الصورة الواضحة والصريحة لما كانت تخفيه الدول الغربية الاستعمارية. فأمريكا اليوم تحاصر أمماً بكاملها.

نهاية نهاية التاريخ:

يتعين على ناقد أطروحة نهاية التاريخ، أن يتحلى بالحذر فهي ككل قراءة ليبرالية تقليدية، سوف تتوسل بمفاهيم وعقائد فلسفية تبدو في ظاهرها نبيلة كما هي شعارات الأنوار. فأي صدام لا يراعي تعميق الأسئلة وأشكلة المفاهيم سوف يجير لصالح هذه الأطروحة. إن لها بريقاً خاصاً وقدرة فائقة على التلفيق. فالمفاهيم تقرأ بصورة تمامية. فإما عقلانية أولاً … وإما حداثة أو تقليدية… وإما ليبرالية أو ديكتاتورية… وهي كما يبدو رؤية متخلفة جداً للحداثة. إنه يتحدث عن مفاهيم جوفاء لا عن مفاهيم إشكالية. إنه ينظر ككل الأصوليين الحداثيين أو لنقل دعاة الحداثة الراديكالية المغلقة على أوهامها الأنوارية إلى العقلانية وكأنها قطيعة نهائية مع اللاعقلانية. وكأن الحداثة لا تنطوي على نقائضها الوحشية، وكأن الليبرالية أو الديموقراطية الحرة لا تسكنها طبائع الاستبداد ولا تتسع لكثير من مظاهر القمع الذكي. ولكن فوكوياما لم يكلف نفسه ككل نظرائه من رسل النهايات والديماغوجيين الليبراليين، بأن يقدم ما هو أعمق من ذلك التصدير الادلوجي للعقل الأنواري الانسدادي، فازدواجية الرؤية ظلت حاضرة في هذه الأحكام.

إن العالم العربي والإسلامي في نظر داعية النهايات، كله غاص في الديكتاتورية - وحتى هنا يمكننا أن نفهم ونتفهم - إلا التجربة الديموقراطية التركية فهي مستثناة وبمنزلة النقلة النوعية والتاريخية. وها هنا يمتنع الفهم ويبدأ الغموض. ودون أن نستحضر موقف هينتغتون من أن هذا الشكل من الديموقراطية هو خاص بالغرب، بأن الديموقراطية فضلاً عن أنها بهذه الصورة الجاهزة، لا يمكن تطبيقها في الخارج، فهو يرى أن الديموقراطية عادة ما تساهم في تنامي العداء ضد الغرب. وهنا نتساءل، إذا كان التاريخ يسلك إلى نهايته حيث تقارب النظم وتصبح عالمية ومشتركة. فلماذا كلما أصبحنا ديموقراطيين، أصبحنا صداميين مع الغرب؟ وإذا كان فوكوياما، وتنويعاً على الفلسفة الهيغلية والماركسية يرى أن تاريخ الوعي البشري هو اقتصادي وعرفاني (طلب الاعتراف بالذات والرضا) [١٨]، فإننا كلما كنا ديموقراطيين شعرنا بأننا معاقون اقتصادياً ومستلبو الكرامة. إن الدراما النازية التي هي بمنزلة قميص عثمان التي لم يفتأ دعاة الليبرالية وديماغوجيوها، بأن يجعلوا منها فزاعة لتأبيد شرعنة واقع الهيمنة وتبرير دهان السيطرة الأمريكية، هي كما قلنا ظاهرة غربية بامتياز.

لم يكن هتلر ديكتاتوراً بالمعنى التقليدي. فهو ديكتاتور حداثي إن شئنا القول. لكن النزعة العنصرية ليست نزعة جرمانية فحسب، بل هي ظاهرة نشأت مع نشوء الدولة - الأمة في أوروبا. بل لعل هتلر هو آخر ديكتاتور عنصري في أوروبا، وليس بالتأكيد هو الأول أو الأخير. ولم تكن شعارات عولمة الديموقراطية وحقوق الإنسان إلا سياسة وظيفية لفرض حصار على النازية والفاشية ليس أكثر من ذلك، لكن أليس السلوك الهيمني لأمريكا هو ضرب من النازية الذكية. أليست أطروحة نهاية التاريخ هي الوجه الآخر للرؤية التصنيفية ذاتها التي تجعل العالم كله لا يقوم بذاته، بل يقوم بغيره. وبأن نهاية التاريخ هي "الأمركة". إن العالم اليوم يعيش واحدة من أكبر ما جادت به المنوعات الغربية التقليدية. لقد حلت بالفعل، الانجلساكسونية محل النزعة الجرمانية، وهذه - طبعاً - ليست تهمة، بل دعوة لكي تغير من سلوكها.

إذا كان التاريخ هو بحث عن الكرامة كما يؤكد فوكوياما - أيضاً - فماذا كان ينتظر الغرب من العرب والمسلمين يوم زرع في قلب عالمهم كياناً شاذاً وعنصرياً. ألم يكن قد ساهم في إرجاعنا قروناً إلى الوراء؟ أليس وجود هذا الكيان هو بمنزلة انتكاسة كبرى في تاريخ العرب والمسلمين ساهم فيها الغرب؟ فإذن تاريخنا لا يختلف عن التاريخ الكوني، ذلك الذي يتحدث عنه فوكوياما، إنه تاريخ بحث عن الكرامة والحرية. وحينما كنا نختزل فلسفة الصمود العربي بعنوان "الكرامة"فقد كنا نضع الديماغوجية الليبرالية الامريكية في الزاوية الحرجة. ومادام الغرب لم يقف في صفنا في نشدان هذه الكرامة، فهذا معناه، أنه كان ولا يزال متواطئاً في سبيل تخليفنا. وأنه يسعى لإخراجنا من التاريخ الكوني، بوصفه فوكويامياً وهيغليا، هو تاريخ البحث عن الاعتراف والكرامة. او لعلهم يريدوننا أن ننخرط عنوة في تاريخ كوني لكن من دون تاريخ خاص.

حسناً فعل - إذن - فوكوياما بهذا التعرف الذي اختاره للتاريخ العالمي. فهذا يوضح، بأن تاريخاً عربياً وإسلامياً من دون كرامة هو أصلاً استقالة تاريخية. ومن هنا مسألة الكرامة، هي بالأحرى مسألة نكون أولا نكون. ولعل الغرب اليوم هو المدعو لكي يقدم دليلاً آخر على تبدل مواقفة… لعل كلمات فرانز فانون، لا يزال لها صدام حتى اليوم، يقول متهماً الغرب السياسي: "لنترك هذه الأوربا التي لا تفرغ من الكلام على الإنسان وهي تقتله حيثما وجدته، في جميع نواصي شوارعها وفي جميع أركان العالم. لقد انقضت قرون أوروبا تجمد تقدم البشر الآخرين وتستعبدهم لتحقيق أهدافها وأمجادها…" [١٩].

إن نهاية التاريخ تفترض نهاية الصراع فالجدل الهيغلي الصاعد يجد نهايته مع الديموقراطية الحرة، حيث هي الخيار النهائي للرجل الأخير. وإذا كان ماركس قد رأى في الحيف الذي تتعرض له الشغيلة وهدر حقوقها هو بمنزلة التناقض الذي يهدد البنية الرأسمالية بانقلاب لصالح نمط حداثي مختلف، فإن فوكوياما يرى أن ذلك ليس من قبيل التناقض، بل هي مشاكل لم تصل إلى حد التناقض. وبهذا يبرهن فوكوياما على أن سقوط الخيار الشيوعي، ما هو إلا ارتـداد لتلك الحقيقة التي لا محيد عنها، وهو أنه لا بديل عن الديموقراطية الحرة، ولا تناقض يحصل بعد اليوم. أو لنقل: إنه تناقض وهمي.

يتحدث فوكوياما عن الليبرالية والديموقراطية الحرة وعن الكرامة والعدالة كأمور واقعة بامتياز في المجتمع الأمريكي. ويخفي ذلك الوجه الآخر لإنسانية شقية ولصراع طبقي مدمر فهل الغرب كل الغرب راضٍ عن هذا النموذج؟ وبأن هذا الرضا هو شرط لنهاية التاريخ. والحال، أن هذه التقريرات تقمع النداء الآخر للحداثة الغربية الذي يحكي عن أوهامها بقليل من الحماسة التي يتحفنا بها الكاتب الأمريكي ذو الأصول اليابانية الذي برهن إلى أي حد يستطيع إنسان ما أن يتحرر من كل أصوله وبأن يعلن عن أمركته بكثير من الأصولية.

وإذن، كيف يفسر لنا فوكوياما ما يجري الآن في المجتمع الأمريكي الذي يعد المجتمع الأكثر انفتاحاً على الأشكال الدينية المتطرفة. الأمر الذي يناقض النهج الليبرالي الأكثر تطرفاً في الميل إلى نمط السوق الحرة، إن بروز تلك الظواهر الإنجيلية شديدة الغلو، ليست - كما يقول جراي - رجوعاً إلى الوراء بل هي رد فعل الحداثة. وها هنا يتعين على المحلل أن يميز بين رد الفعل وفعل الارتداد.

لعل واحدة من أبرز تناقضات فوكوياما، هو موقفه المتردد بخصوص المسألة الدينية فهو تارة يعدّ الدين عائقاً ومناقضاً للديموقراطية الحرة… وتارة يعدّه مشجعاً على الحداثة، وكما هو واضح، فإن سبب هذا التردد راجع إلى موقفه الفيبري (نسبة إلى ماكس فيبر) من البروتستانية. يشيد بالعلمانية ويبرر الديكتاتورية بوصفها أحياناً الوسيلة المناسبة لبلوغ الديموقراطية الحرة - وهو هنا يقصد التجربة التركية ـ، في حين لا يرى ما يجري في إيران، أي مظهر لهذه الديموقراطية. فالانتخابات الحرة التي تجري في إيران تحت سلطة النظام الإسلامي هي دون الاعتبار حينما تقارن مع الانتخابات - المغشوشة - والمأزومة، كالتي تشهدها تركيا تحت حكم الجنرالات.

الأمر الذي يفسر نمط التنميط الأدلوجي المزدوج في منظور نهاية التاريخ: إنه الموقف من الغرب ومخططاته وليس من الديموقراطية. وإذا كانت أمريكا تستطيع أن تنشئ قواعدها لضرب العالم العربي والإسلامي في تركيا رغماً عن كرامة الشعب التركي المسلم - وفوكوياما يتحدث عن التاريخ كبحث عن الاعتراف والكرامة - فإن أي ديموقراطية أخرى، ما لم ينته تاريخها بفتح ترابها للقواعد العسكرية الأمريكية، ستظل ديموقراطية خارج التاريخ وخارج نهايته.

إن الصورة النمطية البشعة للإسلام في المتخيل الغربي، هي حيلة من حيل الشعور بالذنب تجاه أبشع صور الإرهاب والإبادة التي قام بها الغرب ضد المستعمرات، إن الغرب السياسي يملك كل وسائل الخداع لكي يجعل من الداليلاما، رسول السلام، ويمنحه جائزة نوبل للسلام، لتتحول "التبت"إلى عاصمة الأسرار الروحية، التي تثير فضول وحماسة الغرب. ولكنه في الوقت ذاته يجد في الصين مشروع إرهاب الدولة الذي ينتهك هذا السحر الروحي للشرق ويلوث التراث البوذي. والحال أن الطقوس البوذية - التبتية - هي واحدة من الطقوس الشرقية التي طالما سخر منها الغرب.

ولكن المهم أن الغرب يبدأ موقفه المعادي حيث يبدأ موقف الصمود. فأدلوجة السوق الحرة منزوعة الروح، ولكنها تقبل بمداعبة سحر الأديان مسلوبة المقاومة. وهذه هي مشكلتهم مع الإسلام. لقد كان الإسلام ضحية فرادته وتميزه عن البروتستانية المدجنة. كونه ديناً منخرطاً في الشأن العام وليس علاقة خالصة بين الفرد وخالقه. بل هو علاقة بين الإنسان والإنسان… ورؤية للمجتمع وللعالم وتدبير للنفس والمدينة… أي بوصفه ديناً يسد الطريق على العلمنة. لسبب بسيط هو أنه بالمنظور الغربي هو دين علماني مادام له اهتمام بالشأن الدنيوي. إن إصلاحاً دينياً بالمعنى التاريخي الغربي، للإسلام يعني حذفاً للقسم الأهم منه وهو الموجه لتنظيم الحياة وتدبير المجتمع. أي إنه إلغاء للجانب الأكثر علمانية من الدين. وتلك هي المفارقة التي وضعتهم فيها حيل المقايسة. إنها بالأحرى ليست معركة علمانية ضد الإسلام، بل هي معركة بين العلمانية التاريخية القائمة على دعم التقشفية والإلهام البروتستانتي بالمفهوم الفيبري، وبين علمانية الإسلام التي وضعتهم في حرج.

ختامـاً

أخيراً نقول، هل معنى هذا أننا نعلن نهاية نهاية التاريخ؟ وإذن ما البديل؟ هل هي اللانهاية بعمائها المفرط… أم أننا سنعلن النهاية في ماضينا، وبذلك نعلن عن موت الحضارة المعاصرة، وبهذا نرفض العصر ونستقيل من العالم فنريح ونستريح؟

بالفعل هذا ما نتهم به. والواقع أن ذلك ما يجعل حوار الطرشان يبدأ بيننا قبل أن يكون بيننا والآخر. لعل هذا أشبه ما يكون بحرب أهلية مقموعة في كلامنا، سببتها الحداثة التي رأت نفسها بديلاً مطلقاً يمكنه أن يصدر تصديراً ويعلب تعليباً، إن فوكوياما يرى أن الثقافة أحياناً…

وهذا هو بيت القصيد. أن الغرب يرى أن الحداثة تمر على جثة الثقافة المحلية أو بشرط التدجين والترويض. وليسست الحداثة كخلق وإبداع محلي. فهم من جهة يروضوننا ومن جهة أخرى يناورون ضد تحررنا وتقدمنا ونمونا. نعم، إن العالم اليوم كله معاصر… وكما يرى فوكوياما ليس هناك وحوش على الأبواب. لكن هل يعني ذلك حقاً خروجاً معلناً عن العصر؟

إنني أدعو إلى أن يتطور الغرب أكثر في رؤيته الإنسانية بالقدرة المشهود له في تطوره التقني. بأن يصحح نفسه بثورة جادة تنقله إلى ما بعد الحداثة. وهذا أمر يجدده الواقع (واقع الصراع القائم في الغرب). ولكن أي حداثة؟ بالتأكيد ليست العمائية بما هي رد فعل طبيعي ضد الحداثة. بل نتحدث عن الحداثة التواصلية، كتلك التي ننظر إليها باحترام كمشاريع لم تنجز في مساهمات نقاد فرانكفورت… عند ادرنو وهوركيمر وماركوز وهابرماز…

كما ندعو إلى أن نتطور لكي نخلق حداثتنا التواصلية أيضاً… إن حواراً بيننا وبين الغرب ممكن جداً. ولكن مع غرب ما بعد الحداثة أو تحديداً الحداثة التواصلية. غرب فريد وليس عالمياً كله. لأن لاوجود لثقافة محلية يمكن أن تكون عالمية مطلقاً. لأن ثمة منطقاً طبيعياً ثاوياً فقط في مختلف كل الثقافات، هو بمنزلة العقل الهيولاني لمختلف هذه الثقافات وأساس الذوق المشترك والعقل التواصلي.

إنني أتحدث هنا عن الحداثة وليس عن الحضارة. فإنني أميز بين الحداثة والحضارة. الحداثة بوصفها ثقافة والحضارة بوصفها صنائع وإنتاجاً. إنني لا أحاور الغرب في صنائعه ومنتجاته، بل أحاوره في علاقته بهذا المنتج وبالكيفية أو الذهنية التي تربطه بهذه الأشياء.

لقد استطاعت الحضارة العربية الإسلامية وهي حضارة روحية أن تتجاوز مادياً الحضارة الرومانية واليونانية وغيرهما وهي حضارات مادية…

إننا مع الحوار حتى النخاع، ولكننا نرفض الاستباحة.

***

[١] - يقول فوكوياما بوقاحة ليبرالية: "إن وصول المهاجرين الأوروبيين إلى أمريكا لم يكن عملاً بربرياً، بل كان إنجازا حضارياً، هل يمكن أن نتخيل مدى سوء الأوضاع فيما لو ظلت أمريكا مأهولة بتلك المخلوقات البدائية"مجلة القاهرة، عدد ١١٧ ـ١٩٩٢، يمكنكم المقارنة بين هذا الكلام وحديث آخر لمادلين أولبرات. بخصوص عدد الأطفال الذي هم ضحية القصف والحصار الأمريكي على الشعب العراقي.

[٢] المفارقة والمعانقة - للكاتب نفسه - ص ١٧٤، المركز الثقافي العربي ط١ - ٢٠٠١ - بيروت.

[٣] جون جراي / الفجر الكاذب، ت: أحمد فؤاد بلبع، ص ١٧٠ ط١ - ٢٠٠١، مكتبة الشروق القاهرة - كوالاميور - جاكارتا.

[٤] المصدر نفسه ص ١٧٠.

[٥] يقول ابن خلدون: "الجزء الثاني من هذا الإقليم (يعني الإقليم الخامس) دخل البحر المحيط من غربه وشماله فمن غربه قطعة مستطيلة أكبر من نصفه الشمال من شرق أرض بريطانية في الجزء الأول واتصلت بها القطعة الأخرى في الشمال من غربه إلى شرقه وانفسحت في النصف الغربي منه بعض الشيء وفيه هنالك قطعة من جزيرة انكلترا وهي =جزيرة عظيمة مشتملة على مون وبها ملك ضخم وبقيتها في الإقليم السابع…" (المقدمة ص ٨٦).

ـ وهذا يؤكد أن جزءاً من هذه المنطقة واقع في الإقليم السابع الذي وصفه ابن خلدون فالإقليم المنحرف، لانحراف الأمزجة والنفوس. وهي تقابل في انحرافها الإقليم والثاني من جهة الجنوب.

[٦] "مجتمعات ما قبل الرأسمالية"عن د. غرايغوار مرشو: إيديولوجيا الحداثة بين المثاقفة والفصام الحضاري ص ٤٥ - الأهالي - ط ٢٠٠٠ م - دمشق.

[٧] - انظر جون جراي، الفجر الكاذب ص ٢٣٣ (مصدر سابق)

[٨] - المصدر نفسه ص ١٤١.

[٩] - د. مهدي المنجرة، عوملة العولمة، ص ١٠ منشورات ط ٢٠٠٠ سبتمبر - المغرب.

[١٠] فرنسيس فوكوياما، نهاية التاريخ ص ٣٠، ترجمة حسين الشيخ - ط ١٩٩٣ دار العلوم / بيروت.

[١١] المصدر نفسه ص ٣٢.

[١٢] من مداخلته في ندوة "دلالات وأبعاد أحداث ١١ سبتمبر"التي نظمتها مجلة وجهة نظر ومؤسسة فريديريك نومان يوم الأحد ١٦ أكتوبر ٢٠٠١ بالرباط. وكنت قد داخلت عليه واصفاً مداخلته بالديماغوجية، الأمر الذي أثار استياءه.

[١٣] لوموند ديبلوماتيك، عن الاتحاد الاشتراكي، الأحد ٩ / ٢٠٠١ ص ١١، ترجمة مصطفى النحال.

[١٤] فرنسيس فوكوياما، نهاية التاريخ ص ٣٤.

[١٥] انظر "المفارقة والمعانقة"ـ صاحب هذه السطور - ص ٩٦.

[١٦] نهاية التاريخ، ص ٣٥.

[١٧] الفجر الكاذب ص ١٦٨.

[١٨] يركز فوكوياما على التعريف الهيغلي للتاريخ بوصفه صراعاً من أجل العرفان والتقدير. فالدولة العالمية يقول فوكوياما "والمتجانسة التي ستظهر في نهاية التاريخ يمكن اعتبارها قائمة على دعامتين أساسيتين هما الاقتصاد والاعتراف"نهاية التاريخ ص ٢٣١.

[١٩] فرائز فانون، معذبو الأرض، ص ٢٩٥ ترجمة د. سامي الدروبي / د. جمال الأتاسي ط ١ - ١٩٩٠ - سامي الدروبي للنشر.



[ Web design by Abadis ]