ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تواصل حـوار الحـضـارات مقدمـة فكريـة \ الدكتور محمد علي آذرشب *

قبل سنة ٢٠٠١ أقام مركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية التابع للمستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق مؤتمراً بعنوان «كيف ندخل سنة حوار الحضارات؟ » طرح فيه الباحثون المفاهيم الفلسفية للحوار ودرسوه على ضوء العلاقات الدولية القائمة آنذاك، كما طرحوا بعض الرؤى المستقبلية وكثيراً من التساؤلات التي تنتظر الإجابة في الممارسة العملية خلال سنة حوار الحضارات، وهاهو بعد انصرام تلك السنة يقيم مؤتمر «كيف نواصل مشروع حوار الحضارات؟ » لتقييم ما تم خلال العالم الماضي، واستشراف المستقبل.

يبدو للوهلة الأولى أن ما شهدته سنة ٢٠٠١ من حوادث في شهر أيلول بواشنطن وفي كل شهر بأرض فلسطين المحتلة قد صادر مشروع حوار الحضارات، وحوّل الأحداث إلى صراع حضاري. وأنا لي في هذا المجال رأي آخر لا يمكن توضيحه إلاّ بمقدمة فكرية.

* * *

لا يختلف اثنان في أن الصراع كان قائماً على الساحة البشرية خلال كل عصور التاريخ على مستوى الأفراد والجماعات والدول، لكن الاختلاف هو في تفسير أسباب هذا الصراع، وكلما اقتربنا من التفسير الصحيح لهذه الظاهرة استطعنا أن نقترب من وضع المشروع المناسب لتحويل حالة الصراع إلى حوار.

وأكتفي بعرض سريع لبعض الآراء في هذا المجال وأخرج بالرأي المختار.

أكبر نظرية أوروبية انتقدت بعمق وذكاء النظام الرأسمالي الغربي هي الماركسية، فقد شاهد «ماركس» الصراع القائم في المجتمعات الأوربية بين الأقوياء والضعفاء، وشاهد ما تعانيه الطبقة العاملة من كدح وعناء وقسوة وظلم، فدعاه إلى التفكير في ذلك طويلاً وخرج بنظرية المادية التاريخية التي تعزو كلّ صراع في التاريخ إلى أدوات الإنتاج، فهذه الأدوات بتطورها تخلق تناقضاً بين مصالح الفئة المالكة والطبقة العاملة، ويؤدي ذلك إلى صراع، وهذا الصراع الطبقي هو أساس كل صراع في المجتمعات البشرية. ويستمر الصدام حتى ينفجر في ثورة تجسّده الطبقة العاملة، وبذلك تقضي على التناقض الطبقي، وتوحّد المجتمع في طبقة واحدة تمثل كلّ أفراد المجتمع، وإذا أزيل التناقض الطبقي زالت كل التناقضات الفرعية والثانوية من المجتمع.

طموحُ «ماركس» وكلُّ «الماركسيين» لحلّ الصراع في المجتمعات البشرية ولدفع مسيرة هذه المجتمعات إلى شاطئ الأمن والسلام يدلّ على أمنية عميقة متأصلة في نفس الإنسان نحو علاقات إنسانية سليمة سلميّة، لكن هذه الأمنية لم تتحقق لأسباب تعود إلى تفسير أسباب الصراع، وقد أثبتت وقائع القرن الماضي أن الأمور جرت خلاف ما كان يتوقعه ماركس ويتمنّاه، وأن نظريته دفعت الرأسماليين إلى سدّ الثغرات التي يمكن أن تؤدي إلى سقوط مجتمعاتهم كما سنرى.

* * *

الرأي الآخر الذي أستعرضه بسرعة في هذا المجال، هو ما قدمه «فوكوياما» في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير».

وهذا الرأي يذهب إلى أن الصراع بين البشر يقوم على أساس رغبة الاعتراف أو المسمى «بالتيموس» في الحضارة اليونانية القديمة. فثمة نزعة في الأفراد والجماعات البشرية إلى الاعتراف بشخصيتهم وكرامتهم، ومتى ما تعرّض الأفراد والجماعات البشرية إلى الحطّ من كرامتهم هبّوا للدفاع عنها، وتثور الصراعات الفردية والجماعية. ويعتقد أن النظم الديمقراطية الليبرالية الغربية بفضل ما وفّرته للإنسان من متطلبات كرامته، هي أفضل ما توصّل إليه الفكر البشري لإنهاء حالة الصراع في المجتمع.

وهذا الرأي - خلافاً للماركسية التي ترى أن سبب الصراع يعود إلى شيء خارج الإنسان وهو تطوّر وسائل الإنتاج - يرى أن الصراع ناشئ من سبب يتعلّق بتكوين الإنسان وهو «رغبة الاعتراف» أو «التيموس» أو بتعبير أوضح رغبة الحصول على كرامته الإنسانية.

ولكن هل استطاعت الليبرالية الغربية أن تنهي الصراع في المجتمع، ألم تفرز في داخل أوطانها الحروب العالمية والإقليمية والقومية، ألم نشهد ما جرى في ساحة الغرب من ردود أفعال ساخطة على الحياة الغربية كثورة الطلاب في فرنسا سنة ١٩٦٨، والاشتباكات الدامية المعترضة على العولمة في كثير من بلدان أوربا خلال الأعوام الأخيرة … هذا في داخل أوربا، أما ممارسات دول الليبرالية الديمقراطية خارج بلدانها وخاصة في بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية فتشكّل سلسلة من المآسي والكوارث التي تدل على عدم الاعتراف بشعوب هذه البلدان كبشر فضلاً عن أنهم يحملون «التيموس» وينشدون الكرامة الإنسانية.

والغريب أن «فوكويوما» يتجاهل ممارسات دول الليبرالية الغربية على الصعيد الخارجي، ويقف فقط عند الحرب العالمية الأولى وثورة الطلبة على سبيل المثال، ويرى أن «أصول هذا النزاع ما زالت حتى الآن معقّدة»، والغريب أنه يذهب لتفسير هذه الظواهر بأنها تعود إلى «الضجر المتأتي عن السلام والرخاء»، «وأن التجربة تُلمِحُ إلى أنه لئن كان البشر لا يسعهم النضال من أجل قضية عادلة، لأن تلك القضية كانت قد انتصرت في جيل سابق عليهم، فإنهم سوف يناضلون ضدّ تلك القضية بالذات، وذلك من أجل مُتعة النضال. وبعبارة أخرى فإنهم سيقاتلون بسبب الضجر؛ إذ ليس بوسعهم تخيّل أنفسهم في عالم من دون صراعات. وإذا كان الجزء الأكبر من العالم الذي يعيشون فيه، تميّز بديمقراطيات ليبرالية مزدهرة وسلميةٍ، فإنهم عندئذ سيقاتلون ضدّ هذا السلام وذلك الازدهار، وضد الديمقراطية» (٣٠٤).

رغم هذا التناقض المشهود في كلام «فوكويوما» فإنه يوشك أن يلامس حقيقة هامة تصادر ما أراد التأكيد عليه. فقد أراد التأكيد أن الديمقراطية غاية ما يصبو إليه الإنسان من نظام يزول فيه الصراع، لكنه عاد فأشار إلى أن طبيعة الإنسان ستفرز تضاداً آخر ضد هذه الليبرالية الديمقراطية، وهي إشارة هامة ترتبط بالرأي المختار الذي سنشير إليه، لكنه أخطأ - في اعتقادنا - حين ذهب إلى أن سبب ظهور هذا التضاد الجديد هو «الضجر» و «متعة النضال» وهي أسباب لا تمسّ جوهر الإنسان في اعتقادي، وتدل على جهل بحقيقة الطبيعة البشرية، وهو نفسه اعترف بأننا «نفتقر إلى مفهوم لإنسان كإنسان، يسمح لنا برؤية عيوبه الممكنة» ولذلك توقّع أن تكون كلّ أفكاره التي بناها بشأن النظم الديمقراطية الغربية خاطئة وأن المستقبل قد يخيّب الآمال «ومن المؤكد أنه لا يمكن اعتبار انهيار الشيوعية كبرهان على عدم وجود أي تحدٍّ للديمقراطية … أو أن الديمقراطية هي نفسها لن يعتريها يوماً المصير نفسه» (ص٢٦٨).

* * *

وثمة رأي آخر أشير إليه بعجالة هو الذي قدمه «صاموئيل هنتغتون» في كتابه «صدام الحضارات / إعادة صنع النظام العالمي» فهو يرى أولاً أن الاختلافات بين البشر ثقافية، وهذه الاختلافات الثقافية تنمّي الشقاق والصراع. وذلك لأن كل حضارة تشعر تجاه «الآخر» بمشاعر التفوق (وأحياناً الدونية) وبمشاعر الخوف وعدم الثقة، كما أن الصراع يعود في بعضه إلى صعوبة الاتصال وغياب الألفة. (ص٢١٠).

كما يردّ الصراع بين الحضارات أيضاً إلى «كلية الصراع، الكره شيء إنساني، ولتعريف النفس ودفعها يحتاج الناس إلى أعداء: منافسين في العمل، خصوماً في الإنجاز، وفي السياسة» (ص٢١١).

والمهم في اتجاه «هنتغتون» أنه قسّم المجموعات البشرية على أساس حضاري، ورأى أن هذه النزاعات لا تقوم على أساس سياسي أو إقليمي أو عنصري، وإنما على أساس ثقافي منطلقه الأديان. «مصادر الصراع بين الدول والجماعات التي تنتمي إلى حضارات مختلفة، بمقياس أوسع، هي التي كانت دائماً تولد صراعاً بين الجماعات… الاختلافات في المصلحة المادية يمكن أن يتم التفاوض بشأنها، وغالباً ماتتم تسويتها عن طريق التفاهم وبأسلوب لايمكن اتباعه بالنسبة للقضايا الثقافية.

الهندوس والمسلمون لن يحلّوا قضية الخلاف على بناء معبد أو مسجد… الأمر نفسه بالنسبة لما قد يبدو قضية أرض بين الألبان المسلمين والصرب الأرثوذوكس بخصوص كوسوفو، ولا بين اليهود والعرب بخصوص القدس… الشيء نفسه في فرنسا، فلا السلطات الفرنسية ولا أولياء الأمور المسلمون سيقبلون حلاً وسطاً يسمح لطالبات المدارس بارتداء الزيّ الإسلامي بالتناوب مع الزيّ المدرسي في أثناء العام الدراسي». وسنعود لمناقشة هذه الآراء.

* * *

الرأي الثالث الذي أودّ أن أستعرضه - ولا أخفي انحيازي إليه - هو رأي المفكر العربي المسلم محمد باقر الصدر الذي بلوَر في محاضراته المسجّلة النظرية القرآنية في هذا المجال.

ملخص رأيه هو أن العلاقة الاجتماعية تتضمن علاقتين مزدوجتين:

إحداهما - علاقة الإنسان مع الطبيعة.

والثانية - علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان.

هذان الخطان مستقلان عن بعضهما استقلالاً نسبياً مع شيء من التأثير المتبادل بينهما.

العلاقة الأولى تواجه مشكلة التناقض بين الإنسان والطبيعة، وتمرّد الطبيعة على الإنسان واستعصائها عن الاستجابة للطلب الإنساني والحاجة الإنسانية. وهذا التناقض يستمد حلّه من سنّة تاريخية ثابتة هي التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة، فكل ممارسة للإنسان في الطبيعة تولّد خبرة، وكل خبرة تساعد على الممارسة، وهكذا تنمو الخبرة الإنسانية باستمرار، وتنمو سيطرته تبعاً لذلك على الطبيعة.

وأما العلاقة الثانية فهي علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان في مجال توزيع الثروة أو في سائر الحقول الاجتماعية أو أوجه التفاعل الحضاري فهو يواجه مشكلة أخرى ليست من نمط مشكلة التناقض بين الإنسان والطبيعة.

التناقض في هذه العلاقة يقوم على أساس تناقض قائم في ذات الإنسان، لأنّ الكائن البشري تركيب من تراب ونفخة من روح الله كما يقرر القرآن الكريم. فهو إذن مجموع نقيضين اجتمعا والتحما في الإنسان، حفنة التراب تجرّه إلى ما ترمز إليه الأرض من انحدار وانحطاط، وروح الله التي نفخها فيه تسمو به إلى التخلّق بأخلاق الله، إلى حيث العلم الذي لا حدّ له، والقدرة التي لا حدّ لها، والعدل الذي لا حدّ له، وإلى سائر الأخلاق الإلهية.

وما لم ينتصر أفضل النقيضين في ذلك الجدل الإنساني فسوف يظل هذا الإنسان يفرز التناقض تلو التناقض بصيغ مختلفة حسب الشروط الموضوعية ومستوى الفكر والثقافة، ولكنه يظل في جوهره وحقيقته شيئاً واحداً هو التناقض بين القوي والضعيف، وإذا لم يكن القوي قد حلّ تناقضه الذاتي فسوف يفرز في علاقته مع الضعيف، صيغة من صيغ التناقض الاجتماعي، ومهما اختلفت الصيغة في مضمونها القانوني وشكلها التشريعي، فهي في النتيجة صيغة من صيغ التناقض بين القويّ والضعيف، وكلها تحتوي روحاً واحدة هي روح الصراع والاستغلال.

من هنا فإن المشروع الذي يستطيع حلّ المشكلة الاجتماعية في خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، هو الذي يستطيع أن يعمل على مستويين في وقت واحد. يعمل من أجل تصفية التناقضات الاجتماعية على الساحة، وهو في الوقت نفسه وقبل ذلك وبعد ذلك يعمل على تصفية ذلك الجدل في المحتوى الداخلي للإنسان من أجل تجفيف منبع تلك التناقضات الاجتماعية.

هذا التفسير الأخير لأسباب الصراع نختاره لأنه أكثر شمولية في تفسير الصراع بين المجموعات البشرية وأقرب إلى الواقع وإلى معالجة الواقع.

فالماركسية ذهبت أيضاً إلى أن الصراع إنما هو بين الأقوياء والضعفاء، لكنها قررت أن وسائل الإنتاج هي مصدر الصراع والاستغلال، في حين الإنسان هو الذي يفرز الاستغلال والصراع، وما الآلة المتطورّة إلاّ وسيلة تحرّك الجدل الداخلي والتناقض الداخلي للإنسان من أجل أن يفرز صيغة من التناقض تتناسب مع ما يوجد على الساحة من قوى الإنتاج ووسائل التوليد. تماماً كتطوّر الأسلحة التي تحوّل لونَ الصراع إلى شكل يتناسب مع مستوى تطورها وتعقيدها.

ربما يكون «ماركس» قد أفاد الأنظمة الرأسمالية حين نبهها على ما يمكن أن يواجهها من خطر جرّاء الصراع الداخلي بين الرأسماليين والعمّال، فعمدت الأنظمة الغربية إلى تجميد هذا الصراع برفع المستوى المعيشي للعمال، وتقديم أنواع الضمانات الاجتماعية لهم وتوفير وسائل الرفاهية لأسرهم، وحوّلت هذا الصراع الداخلي والاستغلال الداخلي إلى صراع واستغلال خارجيين، فقد اتجه الصراع إلى البلدان الفقيرة والنامية لاستعمارها واستغلالها وامتصاص خيراتها وتحويلها إلى أسواق استهلاكية وإلى ساحة لألوان الصراعات التي تضمن للطامعين مواصلة نهبهم وسلبهم وسيطرتهم وقمعهم.

تطور الآلة إذن ليس هو العامل في الصراع أو في إزالة الصراع، بل الإنسان هو الذي يتصرّف إيجاباً وسلباً، أمانة وخيانة، صموداً وانهياراً وفقاً لمحتواه الداخلي.

أما رأي «فوكوياما» فله ارتباط بالرأي المختار ضمن مساحة وجود مثل أعلى إنساني تسعى إليه البشرية، وهو «رغبة الاعتراف» أو بتعبير آخر هو الكرامة. ولكن صاحب هذا الرأي لا يفهم الكرامة إلاّ من خلال إشباع الاحتياجات الماديّة للإنسان، وهذه النظرة تكرّس حالة الصراع على الساحة البشرية، لأن الإنسان في جانبه المادي يفرز التناقض تلو التناقض، ويتبعه صراع تلو صراع وهذا هو الذي خفي على «فوكوياما» فجعل صورة النزاع البشري أمامه «معقدة»، مما دعاه إلى أن يفسّر النزاعات داخل الحضارة الغربية بالضجر المتأتي عن السلام والرخاء‍!! ودعاه إلى أن يفسّر نزول الطلبة في باريس إلى الشوارع ومقارعة الشرطة في أحداث ١٩٦٨، وهم «بغالبيتهم الخلف المدللون لأحد أكثر المجتمعات تحرراً ورخاء على وجه الأرض» بأنه ناتج عن «غياب الصراع والتضحية، بالضبط، في حياتهم المنتمية إلى الطبقة الوسطى» (ص٣٠٤).

ورأي «هنتغتون» فيه تناقض كبير. فهو لا يعير أهمية لاختلاف المصالح المادية زاعماً إمكان تسويتها، بل إن الذي يستعصي على الحل ويؤدي إلى الاصطدام هو الصراع الثقافي بين المجموعات الحضارية.

ثم هو حين يضرب الأمثال يجعل من الأديان مصدراً لهذا الصدام، الهندوس والمسلمون … المسلمون والصرب الأرثوذكس … اليهود والعرب ويقصد المسلمين … فرنسا وقد يقصد بذلك المسيحية والأقلية المسلمة… والواقع أنه في كلّ الأمثلة التي يضربها تختفي مصالح مادية معروفة لا ترتبط بالدين، أما بشأن الزيّ الإسلامي لطالبات المدارس في فرنسا فلا علاقة له بصراع حضاري بين فرنسا والإسلام، بل يرتبط بقوانين العلمانية في المؤسسات الرسمية الفرنسية، ولذلك فإن الصليب ونجمة داود وكل المظاهر الدينية - لاالإسلامية فقط - ممنوعة في المدارس الرسمية الفرنسية، أما في غير المدارس الرسمية فلا يوجد أي منع.

والقدس كان يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود بسلام، حتى إذا اقتضت المصالح المادية العالمية تحويلها إلى مركز صراع تحولت إلى قضية، وهكذا قضية الخلافات التي تنفجر بين آونة وأخرى في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تتخذ زيفاً الطابع الديني ووراءها مصالح القوى الكبرى والصهيونية العالمية.

حين انطلق مشروع «حوار الحضارات» من دائرة الحضارة الإسلامية كان يستند إلى خلفية تاريخية عريقة تشهد على نجاح التعايش بين المختلفين على ساحة المشتركات، وهذا النجاح يقوم على أساس المشروع الإسلامي القادر على اقتلاع جذور الصراع من النفس الإنسانية ومن المجتمع معاً.

نعم، لقد تدخلت مصالح الحكم أحياناً لإثارة نزاعات وصدامات، وخلق خصومات في المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ، لكننا لو استثنينا حوادث هذا التدخّل المصلحي، فإننا لا نرى على مرّ التاريخ إلا صوراً مشرقة من التعايش والحوار والانفتاح. وما حركة الترجمة والنقل، والتيارات المتحاورة الفكرية والفقهية المختلفة في المجتمعات الإسلامية، وتعايش المسلمين على مرّ التاريخ مع المسيحيين واليهود والزرداشتيين، بل حتى مع البوذيين إلاّ بعض الدلائل على نجاج التجربة الإسلامية في تغليب الجانب الإلهي في الإنسان على الجانب المادّي، وحلّ الصراعات عن هذا الطريق.

* * *

هذه الخلفية التاريخية والفكرية للمشروع الإسلامي، أهّل المجموعة الحضارية الإسلامية لأن تعلن بقوّة على لسان الرئيس خاتمي مشروع حوار الحضارات. وهذا الإعلان يشكّل بذاته نجاحاً، لأنه يعني تجاوز أمتنا مرحلة الضعف والهزيمة وعدم الثقة بالذات، ويعني الإيمان بقدرة الخطاب الحضاري الإسلامي أن يدخل الساحة العالمية ليواجه ما فيها من صراع مواجهة فكرية عقلية تربوية ليحولها إلى حالة حوار.

ثم إن النجاح الآخر في هذا المشروع هو الاهتمام العالمي به ابتداء من منظمة الأمم المتحدة حتى مراكز البحوث والدراسات والمؤسسات الثقافية والسياسية في العالم بحيث يصعب متابعة النشاطات التي شهدتها قارات العالم في إطار حوار الحضارات خلال عام ٢٠٠١م.

وهذا الاهتمام العالمي الذي شمل الساحتين الثقافية والسياسية، أبرز مستوى النضح الذي وصلت إليه البشرية، وأظهر مدى رغبة الأمم في الاتجاه نحو تغليب نزعاتها الإنسانية المسالمة على نزعاتها الصدامية الصراعية.

وغير هذا فإن عام حوار الحضارات أحدث في الساحة العالمية هزّة أبرزت كل ما يعلق بالبشرية من شوائب، وجعلت هذه الشوائب تطفو على السطح، بعد أن كانت مختفية وراء حُجب المجاملات والنفاق والحرب الباردة.

سنة حوار الحضارات - كما أنها أبرزت جانب القوّة في مجموعتنا الحضارية وفي العالم - كذلك أظهرت ما تنطوي عليه الساحة الإسلامية والعالمية من ضعف قد يؤدي إلى الإبادة والدمار.

لقد كان هذا العام مثل بعض العقاقير المهيّجة التي يعطيها الطبيب لكي يجعل عوارض المرض تبرز بسرعة، ليقدم على معالجتها بسرعة.

أظهر هذا العام مدى الهوّة التي تفصل بين غنانا الحضاري على المستوى النظري وبين فقرنا في حركتنا الثقافية في واقعنا العملي. وطرَحَ على الساحة بجدٍّ موضوعَ المشروع النهضوي للعالم الإسلامي. كما أن هذا العام جعل العلاقة الثقافية والحضارية بين الشعوب متفوقة على العلاقات القومية والإقليمية، وفرض نقاشاً جاداً في وحدة العالم الإسلامي حضارياً.

أبرزت سنة حوار الحضارات مشكلة العالم الإسلامي ومشكلة العالم الغربي.

مشكلة العالم الإسلامي تتمثل في توقف حركته الحضارية بشكل عام. وهو توقف حركة حضارية لأمة تمتلك ديناً يشحن الإنسان بطاقة هائلة للحركة. وهذه الطاقة العظيمة إن لم تستثمر على طريق البناء الحضاري، فإنها ستتحول إلى ردود فعل يشوبها الطيش وعدم التعّقل والانفعال. وهذا ما هو مشهود في عالمنا الإسلامي، ولعلّ أحداث أفغانستان و١١ أيلول من مظاهر ردود الفعل هذه.

ومشكلة العالم الغربي هو تخوّفه من الحركة الحضارية في العالم الإسلامي، ومحاولته صدّ هذه الحركة عن طريق إشعال بؤر الفتن وإثارة النزاعات الحدودية والإقليمية، ومحاولة احتواء الأنظمة وهدم الهوية الثقافية … كل ذلك جعل عودة الحركة الحضارية الإسلامية تبدو بعيدة المنال، ومن هنا فإنه يجعل نفسه (أي العالم الغربي) أمام طاقة دينيّة متفجّرة، ولا بدّ أن يتخذ منها أحد سبيلين: إما أن يقتلع جذور الدين من المجتمعات الإسلامية، وهو مستحيل، وإما أن يواجه دائماً ردود فعل طبيعية أو غير طبيعية تؤدي إلى صدام مستمر لا ينتفع منه إلاّ من يكره المسلمين والغرب معاً، وهم في اعتقادنا الصهاينة العالميون.

لولا حوادث ١١ أيلول لأوشكت حركة الحوار الحضاري أن تصل إلى حوار جادّ على الساحة العالمية بين الأنا والآخر، ولأوشك مشروع أمتنا الحضاري أن يخطو على طريق بلورة خطابه العالمي. لكن هذه الأحداث رغم مرارتها، ورغم أنها خلقت تصوّراً بصعوبة الحوار الحضاري بل باستحالته، أثارت على الساحة العالمية موجة من الاهتمام في ضرورة معرفة الآخر، ولذلك حدث إقبال شديد على الكتاب الإسلامي لمعرفة هذا الذي وقعت أمامه الإدارة الأمريكية في تناقض شديد في المواقف بين مهاجم ومدافع.

لا ردود الفعل في العالم الإسلامي تشكّل قاعدة للحياة، ولا البطش الذي تمارسه القوى الكبرى تجاه ردود الفعل هذه يستطيع أن يخلق الحياة المثلى للبشرية.

الحياة المطلوبة هي تسخير طاقات الشعوب على طريق بنائها الحضاري وإزالة العوائق التي تحول دون استمرار مسيرتها الحضارية، عندئذ سنقي البشرية من الانفعال والصدام، ويحلّ الحوار الحضاري ليكون الأساس في علاقات الشعوب.

* ستاذ جامعة طهران - المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق

 



[ Web design by Abadis ]