ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 متطلبات الحوار الحضاري \ الدكتور عمـار جـيدل *

يعيش البشر في رقعة واحدة، يستفيدون من خيراتها ويدرؤون عن أنفسهم دواعي الأيام مهما كان مصدرها، فكيف السبيل إلى التعايش بين بني الإنسان على تنوّع معتقداتهم ودياناتهم؟ خاصة وقد كانت تلك الديانات سبباً في الصراع والتقاتل والتناحر، الموقف المتعجّل لحاجة في نفس أصحابه يقترح إلغاء الديانات والعقائد وأن يستبدل بها الاتفاق على عقائد جديدة قوامها لدى بعضهم الأخلاق الإنسانية والموضوعية و… [١] وبهذا يكون الحوار منصباً على توحيد الأديان والعقائد في عقيدة واحدة، فهل يبقى في مثل هذا الظرف مجال للحوار ويبقى له معنى في حقيقة الأمر؟

معلوم أن فاعلية الأفكار في البشر ترجع أساساً إلى العلاقات القلبية والفكرية والحضارية التي تربطهم إليها، أي أنها تملك قدرة على التأسيس للاتصال بين عالمي الشخص والأفكار من جهة وعالم المشتركين في تلك القيم من جهة أخرى، كما أن لها دوراً كبيراً في صوغ موقف الإنسان من سائر بني البشر بصفة عامة من جهة ثالثة.

فهل يتأتى الحفاظ على فاعلية الأفكار في النفوس والعقول والقلوب - بما ييسر لها تحقيق المضامين الاجتماعية والحضارية للفكرة - في ظل الأحادية التي يراد فرضها على العالم؟ والتساؤل عام يشمل كل رغبة في أحادية يراد تسليطها على عالم المستضعفين [٢].

هل بمقدورنا تجنيد الناس في سلك التعاون على الصالح الإنساني العام بواسطة التوحيد الجديد؟

موضـوعياً لا يمكن تجنيد البشر بأفكار من خارج منظومتهم الفكرية، من هذا المنطلق يصبح الحفاظ على مجمل الأفكار الإنسانية في عملية الحوار أكثر ضرورة، بل يعد إقصاؤها - المباشر أو غير المباشر - كحقيقة موضوعية من ساحة السجال الحضاري، معوّقاً للتقدم الإنساني، بل قد يفضي إلى التجنيد المعكوس، فيستعملون فيما يناقض المصالح الإنسانية العامة.

يعدُّ الحفاظ على التنوّع سر الحوار وديمومته في هذا الفكر أو ذاك، ذلك أن الحوار في أصل وجوده يقوم على التنوّع، إذ غير مستساغ عقلاً تحاور المتفقين، لهذا كان قوام العملية الإقرار العملي والنظري بالاختلاف كظاهرة إنسانية يشهد بوجودها الواقع المعاش، من هذا المنطلق عدّ من العبث الدعوة إلى الحوار في كنف الأحادية الفكرية - التي يراد فرضها على المستضعفين - وخاصة تلك المتترّسة بوسائل الدمار الشامل وعلى رأسها الآليات الإعلامية ذات الانتشار الواسع، من خلال التحكّم في المعلومة وسوقها والتصرّف فيها وفق التشهي والرغبات الجامحة في التسلّط لا وفق المبررات الموضوعية.

يطرح في هذا السياق التساؤل الآتي: لماذا الحوار؟ من نافلة القول التأكيد في هذا السياق أن عناصر الإجابة تحدد من قبل الأطراف المساهمة في الحوار، فنتجاوز بذلك منطق الإملاء والترغيب والترهيب بجميع أشكاله الفكرية والاقتصادية والاجتماعية…

يفرض البحث بيان مقاصد الحوار أولاً، وشروطه ثانياً، وتجلية المعوّقات في المرتبة الثالثة.

أولاً: مقاصد الحـوار

العيش على رقعة واحدة يفرض التعاون والتآزر من أجل تحقيق سعادة الإنسانية جمعاء، ومبنى هذا الأمر فهم الآخرين على ماهم عليه في حقيقة الأمر، بغرض تيسير التفاهم ومن ثمّ التعاون والتضامن من أجل مواجهة الخطر المحدق بالإنسانية قاطبة.

١ / الفهم المتبادل:

تأسيس الفهم المتبادل موضوعياً يستدعي القراءة المتأنية لمنتج الآخر وفق ما هو عليه في مصادره ووفق آليات الفهم والتبليغ التي يتبناها، وتحقيق هذا الغرض يفرض تجاوز مجموعة من المشوشات، يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

أ - قراءة الآخر من خلال مصادره، وبهذا نقطع الطريق على الوساطة في التبليغ، ونمنع التوظيف السياسي والإيديولوجي للأفكار من قبل الأفاكين والمعاندين لهذه الفكرة أو تلك، فقد كان الوسطاء - بجميع أصنافهم ـ [٣] و مازالوا سبباً في منع الفهم المتبادل بغرض التسييس وتزكية الصراع واستغلاله عوض العمل على إشاعة الحوار، وقد تبنى هذا المسلك بعض كبار المثقفين المندرجين في إطار رؤية كونية خاصة تعمل على توظيف الأفكار توظيفاً اقتصادياً وحضارياً يناقض طبيعة البشرية والحضارات الإنسانية، ويعرضها إلى التفتت والتشرذم بسبب تأسيسها النظري للتناحر كمخرج مهم للأزمة الحضارية الراهنة، وقد يتلبّس الصراع بأسماء مختلفة، كنهاية التاريخ [٤]، كأنه يمثّل منتهى الخبرة الإنسانية في عالم الأفكار (النهاية العظمى كما يقول أهل الرياضيات)، فلا مزيد عما جادت به قرائحهم، ومن ثمَّ يجب التوقف عن التفكير في مصير الإنسانية، فنكسر أقلامنا ونحرق أوراقنا، فهل في عالم الأفكار رجعية كهذه؟ وهل في عالم الحضارة جبرية أسوأ منها؟

ب - بناء القراءة على ما يتبناه السواد الأعظم من المجموعة المدروسة، وبذلك نقطع الطريق على المتصيّدين للتشويه من أقوال القلة القليلة، أي الابتعاد عن التأصيل لفكرة بما نقل عن المجموعات الفرعية الشاذة منها، إذ القاعدة في الفكر الإنساني أن الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه، قال أحد أسلافنا: » القاعدة الكلية لا تقدح فيها قضايا الأعيان ونوادر التخلّف « [٥].

ج - أن تكون المقارنة بين القضايا المتجانسة، فلا يجوز موضوعياً أن نقارن أصلاً في مجموعة حضارية بفرع عند مجموعة أخرى، ذلك أن الموضوعية تفرض أن يقابل الأصل بالأصل والفرع بالفرع، والنظري بالنظري والعملي بالعملي، وهكذا دواليك في سائر مضامين أفكار المتحاورين، ويسجل بهذا الصدد - للأسف - التعدي على هذه القاعدة بشهادة العقلاء قاطبة، وخاصة حين تعلّقه بقضايا المستضعفين على تنوّع انتماءاتهم الحضارية والثقافية [٦].

د - أن تكون القضايا المتحاور حولها متجانسة من حيث الطبيعة، فلا يقارن أمر نظري بآخر عملي أو العكس، إذ يتضمّن تبني هذا المسلك مؤشرات الإقصاء والمكابرة من جهة، والقصد في التلبيس بالنظر إلى المآل أو الحال من جهة أخرى.

فإذا تيسرت هذه الظروف أمكن بعدها الحديث عن الحوار الموضوعي الذي يتوخى منه أصحابه الفهم المتبادل، فكلما تحقق الفهم المتبادل المعترف به من قبل أطراف الحوار أمكن صناعة جو إنساني مستعد للتفاهم.

٢ / العمل على إشاعة التفاهـم:

لعل من أهم ما يرمي إليه الحوار بعد الفهم المتبادل التأسيس للتفاهم، وفق خطة مدروسة، تستثمر الخاصية الإنسانية المشتركة في صياغة مشروع عملي للتفاهم الشامل، لهذا كانت ميادين التفاهم شاسعة شاملة لجميع ميادين المنتجات والخبرات و المنافع.

أ - التفاهم الثقـافي:

يفرض الفهم الصحيح لعالم الأفكار ضرورة صياغة درس جديد للتعريف بالآخر من جهة ثقافته، عرض يركّز على العناصر الكلية للأفكار وفق مسلك أصحابها، وتجلية ذلك بما يخدم الفكرة المدروسة، ولايتأتى خدمة هذا الهدف إذا لم نجسّد مشروعاً للتعاون الثقافي الفاعل بين أطراف الحوار، بحيث يصبح الحوار هدفاً دائماً بين أفراد الإنسانية، كأنه مسار الحركة الثقافية للبشر، وطريقة ذلك:

* التبادل الثقافي الحر بين جميع الأطراف.

* تبادل الزيارة بين المثقفين وعرض أفكارهم كما هي في واقع الأمر.

* تشجيع العمل الثقافي المشترك بين جميع المتحاورين.

* تأليف الكتب بلسان كل أطراف الحوار.

* السعي المتبادل لتصحيح صورة الآخر في بيئة كل طرف.

ب - التفاهم الاجتماعي:

يستثمر الحوار الهادف في التعاون الاجتماعي الفاعل، إذ لا يمكن موضوعياً التأسيس للحوار من أجل الحوار لأنه هدر للطاقات من غير طائل، كما أنه مكرّس للعبثية لأنه صرف لمقدرات البشرية في غير أبوابها.

يهدف الحوار في أصل وضعه إلى تغيير الصور المشوّهة عن الآخر في فكرك، بحيث نؤسس للفهم الموضوعي للآخر، وبذلك نحرر مساحة إضافية في عقول وقلوب المتحاورين للجهة الأخرى في العملية، ومن خلال هذا المسعى نوطّئ نفوس أتباع كل فكرة لقبول رؤى الآخر، إن كانت تحمل عناصر البقاء والديمومة والموضوعية بما تتضمنه من عناصر إنسانية في مشروعها الاجتماعي والحضاري بصفة عامة، وتتجلى إنسانية المسعى فيما يأتي:

* تبادل الخبرات في الميادين الاجتماعية مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية لكل مجموعة حضارية.

* إقصاء النظرة الاستعلائية التي يريد بعض الساسة والمفكرين الملحقين بهم تجسيدها في الواقع الاجتماعي الراهن.

* التمكين لفكرة التنوّع الاجتماعي في المجتمعات البشرية، فالاختلاف الحاصل من طبيعة الأشياء وليس أمرا غريبا عنها، فليس هناك طابع اجتماعي جاهز وحيد يجب فرضه على المستضعفين، وبذلك نجتث الإحساس بالدونية من أساسه.

ج - التفاهم في سـائر شـؤون الحيـاة:

يولّد التفاهم في الشأنين الثقافي والاجتماعي أثراً محموداً في سائر دواليب الحياة، فيطفو بضلاله على كل مضامين الحياة، بما فيها الرياضة والسياسة، فنعيد بذلك للتقارب العملي دوره الفاعل في صياغة مشروع تعاون بين مجموعة من الأطراف يجمعها الحاضر و المستقبل.

وبهذا الصدد يجب أن يقتنع الجميع بأن حاجاته لمتطلبات الحياة لا يمكن قضاؤها بمعزل عن الآخرين - بصرف النظر عن موقفنا منهم ـ، والأمر عام بحيث يعد أشبه بالقانون العام الذي ينسحب على جميع البشر، فالقوي بوسائله الاقتصادية والإعلامية يحتاج للمستهلك والمستهلك يحتاج للمصنّع، فحاجات البشر متبادلة ليس فيها قوي وضعيف، بل مبناها على المنافع المتبادلة، من هذا المنطلق يفرض التعاون والتضامن كحقيقة موضوعية، لا يستبعدها إلا مكابر أو متعجرف، ومن رام إبعادها بوسائل القهر، فإنه سيضطر إليها إن عاجلاً أو آجلاً، رغم إمكان صرفها بوسائل التلبيس والمغالطة هروباً من الإقرار بها كظاهرة سننية لامفر منها، ولكن هذا التصرّف يؤكدها ولا يبطلها.

٣ / تحقـيق التضامـن:

عاشت البشرية ومازالت ويلات الحروب ومضاعفاتها الثانوية على التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظل العمل على صيانة حاضرها وتنفيذ مشاريعها المتجانسة مع انتمائها الحضاري، وتحتاج لتحقيق ذلك إلى التكاتف والتعاون، ولعل من أهم عوامل التأصيل للتعاون بين أفرادها وسائر الحضارات، عناصرها الثقافية المبثوثة في ثنايا خلفياتها الفكرية من دين وتقاليد و… فلا مجال للحديث عن التآزر بين البشر خارج منظوماتهم الحضارية والفكرية، فهي قوة الدفع الداخلي لتحقيق هذا المشروع، وبغيرها لايمكن تصوّر التضامن والتآزر في المجتمعات البشرية.

فإذا تحققت أمكن الحديث عن مجالات كثيرة للتضامن، والتي يمكن تلخيصها فيما يأتي:

١ - التضامن بالنسبة للأوضاع العادية، ويندرج فيها كل مضامين التعاون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضاري بصفة عامة.

٢ - التضامن في الأوضاع الاستثنائية (الحرب، الكوارث، الخطر الاقتصادي، أحادية الأفكار، …).

٣ - التأسيس الحضاري لتجاوز الظلم المسلّط على الإنسانية قاطبة، من جهة كون الخطر على المستضعف سيكون خطراً على الآخرين وإن كانوا اليوم أقوياء، ذلك أن القوة والمال والسلطان دول بين الحضارات والدول، فليس هناك حضارة أو دولة في تاريخ الإنسانية بقيت قوية أبد الدهر، بل الحضارات والدول - مهما كانت قوية - يعتريها الضعف والقوة من حيث المنتج المعرفي والاجتماعي على الأقل، ومن ثمّ ستكون مطمعاً للطامعين، وتجاوز هذا الأمر يفرض على المفكرين في مصير الإنسانية الاتفاق على الحد الأدنى من عناصر التوافق الإنساني يكون أشبه بالكمنولث الحضاري، والأمر ليس مستبعداً وخاصة في ظل الرغبة الجامحة في فرض العولمة في طبعتها الأمريكية [٧].

ثانيا: شـروط الحـوار

الحرية مطلب لجميع أطراف الحوار:

لا يتم اختيار الحوار كمسلك حضاري إلا لمن أحس بحريته وعايشها وعاش بها، كما أنّه لا يمكن الحديث عن الحوار مع من لا يقدّر في نفسه هذه القيمة (الحرية) الإنسانية السامية، لهذا نعدُّ فاقد الحرية فاقداً لإنسانيته، ومن ثمَّ لايمكنه مباشرة الحوار الفاعل المؤثر في صياغة مشروع الحاضر والمستقبل، ولا يذهب بك الخيال بعيدا فتظن أننا في مقام الإحساس بالحرية في جانبها السطحي البسيط المتجلي في القضايا ذات الدور الثانوي (الأكل و الشرب، والملبس والمأكل، والمركب، …) في صناعة الحضارة، بل نرمي إلى التنبيه على الأفكار التي لها أهمية كبيرة في منع صناعة وعي الناس بحاضر الإنسانية و مستقبلها، وتتلخّص حسب تقديرنا في النقاط الآتية:

أ - هيبة المحـاور:

أجمعت كلمة العقلاء على تنوّع مشاربهم الفكرية على أن الإنسان مجبول على عدم مناقشة ذي الهيبة سواء كانت هذه الهيبة سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية، فإذا استحضر المحاور هيبة المحاور امتنع الحوار من الناحية الموضوعية الصرف، لهذا فهيبة المحاور مانع من القراءة الموضوعية لأفكاره، و من ثمّ وجب التحرر النظري والعملي من ذلك، لهذا كان الأصل أن ينصب الحوار حول الفكرة من حيث هي بصرف النظر عن القائل، ذلك أن استصحاب منصب أو وضع المحاور (الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي أو…) يؤثر سلباً في كثير من الأحيان في تحديد مقدمات البحث ونتائجه.

ب - الخوف من المحـاور:

يظهر الخوف في مسـتويات متعددة، فتراه متجلياً في الموقف الفكري والحضاري والاقتصادي، وإن كان ألصقَ بالموقف الاجتماعي، إلا أنّ الذي يهمنا بهذا الصدد هو بيان مختلف تجلياته.

يتجلى الخوف في مجموعة المظاهر:

* التسليم بأفكار الغالب اقتصادياً أو سياسياً.

* الخوف من ضياع مكسب.

* الخوف من تسليط عقوبة.

* انتظار مكسب محتمل.

وقد كان التفكير في جلب المغنم ودفع المغرم سببا في القلق الفكري والتعبير عنه، بما يفرضه من عناصر من خارج سياق المطارحات الفكرية من جهة، وبما يسهم في قبول الإملاء في القضايا الفكرية والحضارية بل حتى السياسية من جهة أخرى.

ج - احتقـار المحـاور:

لا يقل احتقار المحاور شناعة عن الخوف أو الترهيب الفكري، ذلك أن احتقار المحاور بعيد عن المنهجية العلمية في مناقشة الأفكار من حيث هي، كما يمثّل عزوفاً عن الأخلاق الإنسانية السوية، وقد يولّد هذا المسلك تبني فكرة الإملاء الفكري والحضاري والسياسي والاجتماعي، كل ذلك بسبب احتقار المحاور، كأننا أمام مصدر للتوجيهات نسلم له أمرنا، رغم أن قوام المجتمعات الإنسانية وتطورها منوط بالتناصح بينهم بطريق التواصي من أجل صالح الإنسانية، والتواصي من حيث صيغته (تفاعل) دال على أن الوصية ليست حكراً على أحد فهو ملك مشاع لجميع البشر، أغفل فأوصى ويغفل غيري فأوصيه، وبهذا يبتعد البشر عن منطق الإملاء بجميع مضامينه.

د - الحوار المباشـر:

الابتعاد عن الحوار بطريق المراسلة أو بالواسطة التي كثيراً ما تكون غير مأمونة الجانب، وإذا قلنا: حوار مباشر معناه وجود أطراف متمايزة في الحوار، وإلا كان من قبيل الحوار مع الآخر من خلال الذات الثقافية، أو هو أشبه بمضغ الكلام، لأنه ليس من الحوار وإن تشبّه به، وبهذا الصدد تطرح مشكلة في غاية التعقيد مفادها، ما الطريقة المثلى لوجود حوار حقيقي بين أطراف النزاع؟

هل نبقي على المسالك القديمة التي تختار بموجبها المجموعة الحضارية القاهرة (الغالبة) لمحاوريها؟ وهل باستطاعة هذا المسلك التخفيف من التوتّر العالمي؟

المنطق المؤيّد بالدين وأقوال العقلاء - على اختلاف مشاربهم - يؤكّد بجلاء أن حواراً كهذا ليس إلا من قبيل حوار الغالب مع نفسه، وليس من أصناف الحوار التي يرجى منها المساهمة في الفهم فضلاً عن التفاهم ثم التعاون. فكيف السبيل إلى تجاوز هذا الخلل؟ وما المسلك المختار لتجاوز هذا القصور؟

يرى الباحث وجوب توافر مجموعة من الميزات:

يجب أن يفهم القاهر (الغالب الوقتي) أن الأمم لا تساق بالقهر كما لا تنقاد لمن لا يمثّلها، كأن لم تكن سيدة في اختياره، ، فإنها - وإن انساقت له ظاهراً - ستنقلب عليه ولو بعد حين، ذلك أن طبائع البشر تنقاد لمن رامت فيه تحقيق هويتها ومشروع حياتها، وهي عاطفة إنسانية ليست خاصة بحضارة دون أخرى، من هنا وجب التنبّه على أهميتها في سوق الأتباع إلى التحلي بما يحقق النتائج المرجوة من الحوار.

لا يمكن للحوار أن يؤتي الثمار المرجوة اجتماعياً وحضارياً إلا إذا كان ممثلاً من قبل أشخاص يتوفّرون على مجموعة من المواصفات:

* أن يعلم الفكرة التي يدافع عنها من حيث النظرية والتطبيق.

* أن يكون من الذين يعيشون الفكرة في واقعهم الاجتماعي والفكري.

* أن يكون من الذين يظهر عليهم عيش آلام الفكرة وآمالها التي يدافعون عنها.

* أن يتوفّر على مصداقية في الوسط الذي يدافع عنه.

و القضية الملحّة بهذا الصدد هي الطريقة التي يختار بموجبها ممثلو كل مجموعة حضارية، سواء كان الاختيار مباشراً أم بطريقة غير مباشرة.

مبنى هذه الفكرة التسليم بالديمقراطية الحضارية كمخرج رئيس من الأزمة، ورفض - إن صح التعبير - الاستبداد (الحضاري)، ذلك أنّ الديمقراطية الحضارية اعتراف بالتنوع الحضاري كظاهرة إنسانية، اعتراف يتجلى في التنوّع المعبّر عنه في أشكال سياسية واجتماعية مختلفة، لأن قبول التنوّع السياسي مع رفض التنوّع الحضاري ليس إلا رغبة في فرض أنموذج حضاري واحد تندرج فيه مجموعة من النماذج السياسية المتنافرة شكلاً والمتصارعة بسبب المنافع والمكاسب لا بسبب الخلفية النظرية للفكر السياسي، وتجاوز هذا الخلل يفرض التفكير بجد في جعل الخيار الحر أساس الحوار الفاعل، فيكون مطلب الحرية رأس المطالب التي يجب أن يعترف به كل طرف للآخر، فليس لك أن تختار من يحاورك نيابة عن الآخر، كما أنه ليس لي أن أفرض على الآخر من يمثّله في الحوار، لهذا فالحرية أساس الاختيار والفاعلية في صناعة وعي البشر بالحوار ونتائجه المنتظرة في الواقع الاجتماعي والفكري.

الحوار لا يكون إلا بين طرفين أو أكثر، أطراف متمايزة لكل فريق ممثله الخاص، ممثل يبدو عليه عملياً الاتصال الوثيق نفسياً وفكرياً وحضارياً بالفكرة التي يروم المرافعة عنها.

الاتصال بالفكرة المرافع عنها فضلاً عن مشاركة أتباعها آلامهم وآمالهم المستفادة من الفكرة نفسها، فهي إشارة قوية إلى الخلفية الفكرية التي يمثّلها كل طرف، لهذا فهي دعوة إلى حوار حقيقي لا جبر فيه ولا إقصاء، فلكل طرف الحرية في اختيار ممثليه.

هـ الحـوار بالتي هي أحسـن:

الحوار بالتي هي أحسن شرط أساسي في تجسيد حوار واضح المقاصد رغبة في الفهم المتبادل من أجل صياغة مشروع تفاهم بهدف تشجيع التضامن الإنساني العام، ذلك أن الحوار بغير هذه السبيل مفض إلى تمكين التعصّب وإعجاب كل صاحب رأي برأيه، و الذي قد يفضي إلى أشنع من ذلك خاصة في حال الاستفزاز المعرفي أو الحضاري الذي لا مبرر في كثير من الأحيان، لهذا يجب الابتعاد عن مسالك الاستفزاز، والجنوح إلى الوسائل الأكثر تلطّفاً مع المخالف، ويشمل حديثنا في هذا الباب كل أنواع الغلظة سواء ظهرت في المقال أو الحال أو بالنظر إلى ما تؤول إليه تصرفات المحاور، وتتجلى تلك المآخذ حسب تقديرنا في مجموعة من التصرفات المشينة بالإنسان السوي.

استعمال حجة القوة عوض قوة الحجة بطريق سافر، يبيّن أن مستعملها غير مقتنع بالحوار كوسيلة حضارية لفض النزاعات.

لغو المحاور في قول مقابله، بحيث لا يسمح له بإتمام عرض حجته، لأن أسلوباً كهذا يدل دلالة إشارة على خوف المعترض من حجة المخالف، أو على الأقل يدل على الشك في صدق حجته التي يلوّح بها هنا وهناك، وينزل تلك المنزلة الحوار المبني على الحجج السرية كأنهم يرونها مضنوناً بها على غير أهلها، أي كأن أحد أطراف الحوار ليس أهلاً ليكون مستودعاً لتلك الأفكار، كأنه حوار مغشوش هدفه ربح الوقت لصالح الغالب الوقتي.

منع المحاور من عرض حجته بوسائل وطرق ملتوية، هدفها الحيلولة دون وصول صوته إلى الجهة التي يرغب في إقناعها بفكرته أو إثبات براءة أفكاره مما رميت به.

التعلّق بأمور غريبة عن موضوع الحوار، كأن يكون مناط النزاع مسألة الخلفية الفكرية فيتعلّق الطرف المحاور بقضية جزئية غريبة عن موضوع الخلاف كالموقف من قضية معيّنة في مكان ما من الكرة الأرضية، وهي طريقة مفضّلة لدى كثير من أذكياء المتحاورين، الذين يسوقون محاوريهم إلى خارج ميدان المنازعة أو الحوار، يرومون منه إلى استصدار دليل إدانة عوض التأسيس للحوار الحضاري الفاعل، وذلك من أشنع أساليب التلبيس في حوار الحضارات.

الطعن في الحجج والأدلة المقدمة دون تبرير علمي واضح مقبول لدى طرفي الحوار، سواء كان الطعن قولاً صريحاً أم بالنظر إلى حال المحاور الدال بنفسه على طعن عملي في الأدلة المقدمة، والحال نفسه بالنسبة لكل تصرّف يفهم منه بالنظر إلى المآل رفض الحجج والبراهين المقدمة.

يلحق بما سلف كل ما شأنه التأثير السلبي في المحاور، ولعل من أبين تلك الأساليب المفضية إليه الابتعاد عن الموضوعية، التعلّق بالمكاسب - كالوظيفة وما تدره من مال على صاحبها -، لأن التعلّق بها يفرض تبني رأي الجهة الموظّفة، مما يضطره إلى تقرير الاستبداد والتعصّب بوسائل تلبيسية، ويكون نتيجة ذلك التعصّب و الإقصاء في أجلى صوره، ولا شكّ أن ذلك من أهم مكبّلات الإرادة بل سائق لها حيث لا تسوقها الحجة والبرهان، فتجرها رغماً عنها إلى نسق محدد سلفاً، وفي ذلك أبشع طرق الابتعاد عن الحوار المتبنى في بداية الطريق حسب ما يصرّح بها هذا الفريق أو ذاك.

و - المساهمة كمجموعات متجانسة:

حري بنا في هذا الصدد بيان أهمية اجتماع المجموعات المتجانسة على قواسم مشتركة، تيسّر الحوار بين مجموعات حضارية متباعدة أو متنافرة، وتعمل على تقريب الهوة بين المسالك المتنافرة قبل الحديث عن الحوار بين المجموعات الحضارية الفرعية، التي يعد اختلافها في حقيقة الأمر اختلاف تنوع لا تضاد، من هذا المنطلق رأيت أن أعرض بهذا الصدد أهمية عرض المسلمين أفكارهم - على تنوّع مشاربهم المذهبية - كمجموعة حضارية واحدة، نظراً للقواسم المشتركة التي تجمعهم، وتصنع وعيهم بالكون والحياة، وتكسبهم إنسانية منظورة في أفعالهم بمضامينها الاجتماعية والشخصية والتربوية والحضارية، لا شك أن مركز ذلك إيمانهم بالله ونبوة سيدنا محمد (ص) والمعاد، أما سائر المباحث فإنها وإن كانت قطعية لدى بعضهم فإنها لا تصنع وعينا بالدنيا بقدر ما تكشف لنا عن مسألة فرعية متعلّقة بتاريخية الأفكار أكثر من تعلّقها بالجوانب الحضارية من الفكرة الإسلامية، التي لها أثر جلي في صناعة الحاضر وصياغة المستقبل.

ويحسن بنا في هذا المقام الإشارة إلى العناصر القابلة للاستثمار في التأسيس الإسلامي للحوار، من منطلق ما سبق تقريره سيكون حديثنا عن المجموعة الحضارية الإسلامية.

واضح للعيان أن الخطر المحدق بالمجموعة الإسلامية على تنوّع مشاربها المذهبية يفرض عليهم إعادة صياغة مشروعهم المستقبلي، وبهذا الصدد تفرض مجموعة القضايا الخلافية على العقلية الإسلامية المرتبطة بالتاريخ أكثر من تعلّقها بالرؤية الحضارية التي يرمي الإسلام إلى تأسيسها.

هل يمكن أن نبقى مشغولين بقضايا الخلاف عن الخطر الذي سيأتي على الجميع سنة وشيعة وإباضية…؟

وقد تنبّه على خطورة هذا الطرح كثير من المفكرين الإسلاميين المعاصرين.

يؤكّد هذه المعاني قول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي بهذا الصدد: » من الخيانة أن يحمى الوطيس، وتنصب المجانيق، ويتقاذف الناس بكلمات أشد من الحجارة، وأنكى من السهام، من أجل مسائل تحتمل أكثر من وجه، وتقبل أكثر من تفسير، فهي من مسائل الاجتهاد، التي دلت على سعة هذا الدين و مرونته، المصيب فيها مأجور والمخطئ فيها معذور، و خطؤه فيها مغفور، بل هو - بنص الحديث - مأجور. لهذا كان من الواجب على الدعاة والمفكرين الإسلاميين أن يشغلوا جماهير المسلمين بهموم أمتهم الكبرى، ويلفتوا أنظارهم وعقولهم إلى ضرورة التركيز عليها والتنبيه لها، والسعي ليحمل كل فرد جزءاً منها، وبذلك يتوزّع العبء الثقيل على العدد الكبير فيسهل القيام به « [٨].

ويقرر المعنى ذاته العلامة محمد حسين فضل الله حينما سئل، هل يمكن تسوية الخلاف بين السنة والشيعة وكيف؟

فقال: » يمكن ذلك لو وضع السنة والشيعة عقولهم في رؤوسهم لا في آذانهم، ولا في دائرة المخابرات المركزية، ولو أن الشيعة كانوا يشعرون أنهم مسلمون في خط التشيع، والسنة مسلمون في خط التسنّن، لكن السنة نسوا أنهم مسلمون، والشيعة نسوا أنهم مسلمون، فهذا يقول: أنا شيعي، وذاك يقول: أنا سني، أما كلمة أنا مسلم في خط أهل البيت، وذاك مسلم في خط الخلافة فهي غائبة، فالمهم إذن أنّ كلمة مسلم يجب أن تعيش في العمق من عقولنا…نحن متعصبون ولسنا ملتزمين ولسنا مستعدين أن نقتنع… « [٩].

وقد عبّر العلامة النورسي عن تلك المعاني في سياق حديثه عن أثر الانتساب الإيماني في صياغة عقلية المسلم وقلبه، فقال رحمه الله: » وكذا تتولد بذلك الشعور الإيماني والانتساب والعلاقة والارتباط أخوة مع جميع أهل الكمال والفضل؛ وعندها لا يضيع ولا يمحى أولئك الذين لا يعدّون ولا يحصون من أهل الكمال والفضل، بفضل معرفة وجود الباقي السرمدي وبقائه، فيورث بقاء ما لا يعد من الأحبة، الذين يرتبط بهم بحب وتقدير و إعجاب ودوام كمالهم صاحبَ ذلك الشعور الإيماني ذوقاً رفيعاً سامياً « [١٠].

في مثل هذا الجو يعدُّ التفكير في الهم الحضاري أولوية الأولويات، وهذا يفرض العيش بالفكرة الإسلامية بمدلولها الحضاري غير المقيّد بالمنتج الثقافي الإسلامي المقّيد بفعل الزمان والمكان، فنعيشها من حيث كونه منهجا في الفهم والتمثّل، لا من حيث كونه فهماً ونسقاً جامداً لا يمكن تجاوزه، وبهذا الصدد يحسن بالمسلمين الاستفادة من عناصر البعث الحضاري للحوار المبثوثة في دينهم بشكل جلي، والتركيز عليها بوصفها عناصر جمع ووحدة.

مثلاً يحوي التوحيد في العقيدة الإسلامية من ناحية مضامينه البشرية عنصراً فاعلاً في التأسيس الموضوعي للحوار، إذ يؤصل التوحيد لفكرة وحدة البشر من حيث مادة خلقهم وعناصر بقائهم ووحدة مصيرهم، فالإنسان فعل من أفعال الله، خلق جميع الخلق من مادة واحدة - تراب - وجعل تخلّقهم على نسق واحد - التناسل ـ، ويصيرون إلى مصير واحد - الموت ـ، وهو ما يجعل النوع الإنساني مصون الكرامة محفوظ الجانب في كل أحواله بصرف النظر عن لون بشرته أو عرقه أو جنسه أو دينه…فالنظرة مبنية على قيمته بالنظر إلى جوهر ماهيته [١١].

من منطلق ما سبق تقريره يعدُّ التكبّر - بجميع صوره المعرفية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو… - طارئا على أصل خلقة الإنسان، وكذلك الحال بالنسبة لقبول الاستضعاف والاحتقار، ذلك أن الله كرّم الإنسان في أصل خلقته (ولقد كرّمنا بني آدم (، وجعل قبول الاستخفاف جريمة لا تقل شناعة عن الاستكبار.

إن الإحساس بالتكريم الإلهي يمنع القوي من التكبّر و الاستخفاف بغيره، ويدفع الضعيف إلى الأخذ بحقه من القوي لإحساسه بالكرامة والعزّة التي غرزت في أصل خلقته.

وبناء على ما سلف ساوى الإسلام في الكرامة البشرية والحقوق الإنسانية بين جميع الأجناس والألوان، وفي ذلك تأسيس للعزّة النفسية في الإنسان بصفة عامة، فيدخل عملية الحوار دون دونية أو إحساس بها، كما يدخلها أيضا محرراً من التكبّر. قال تعالى: (ولقد كرمّنا بني آدم ( (الإسراء ٧٠)، لأننا إذا نظرنا في الإسلام وجدناه الدين الذي يحترم الإنسانية [١٢]، يفرض العدل فرضاً تاماً بين جميع الناس بلا أدنى تمييز، ويأمر بالعدل العام مع العدو والصديق، قال تعالى: (و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا (ويحرم الاعتداء تحريماً عاماً على البغيض والحبيب، ويأمر بالإحسان، لأن الله يأمر بالعدل والإحسان (وقولوا للناس حسناً [١٣].

وما ذلك إلا بسبب الهداية الإسلامية السارية في عالم الأفعال الاجتماعية كالروح الباعثة للحياة فيها، فتخرجها بذلك من دائرة العبثية إلى الغائية و المقصدية المندرجة في إطار نسق متكامل شامل لجميع مظاهر الحياة، إنها إن مكّنت (الهداية) من النفس أكسبت الفعل البشري إنسانية منظورة في جميع مشمولات أفعاله. يؤكد تلك المعاني ربط بعض علمائنا وفي مقدمتهم العلامة عبد الحميد بن باديس العيش للإسلام بالعيش لإسعاد الإنسانية، فضلاً عن المساهمة في سعادة بني دينه، فيذكر معقّباً على أولئك الذين اعتبروا هذا الرأي (العيش للإسلام) ضيق أفق وتعصّباً، متحججين بقولهم: ليس الإسلام وحده ديناً للبشرية، ولا الجزائر وحدها وطن الإنسان، فيقول الشيخ: » نعم إن خدمة الإنسانية … واحترامها … هو ما نقصده ونرمي إليه، نعمل على تربيتنا … ولكن هذه الدائرة الإنسانية الواسعة ليس من السهل التوصل إلى خدمتها مباشرة ونفعها دون واسطة، فوجب التفكير في الوسائل الموصلة إلى تحقيق هذه الخدمة ولإيصال هذا النفع… «ثم يقول: » ونحن لما نظرنا في الإسلام وجدناه الدين الذي يحترم الإنسانية في جميع أجناسها فيقول: (ولقد كرّمنا بني آدم (، ويقرر التساوي والأخوة بين بني جميع تلك الأ

جناس، ويبيّن أنهم كانوا أجناساً للتمييز لا للتفضيل، وأن التفاضل بالأعمال الصالحة فقط، فيقول: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (.

لهذا انتهى الشيخ إلى أن العيش للإنسانية لا يتم إلا بالعيش للإسلام، يؤكد هذه الفكرة قوله: » …إيصال النفع إليها (الإنسانية) لايكون إلا من طريقه فإذا عشت له فإني أعيش للإنسانية لخيرها وسعادتها، في جميع أجناسها وأوطانها…فهذا معنى أعيش للإسلام « [١٤].

كما يدعو إلى رحمة الضعيف بصرف النظر عن مظاهر ذلك الضعف أو نوعه، وينصر المظلوم، ويؤخذ على يد الظالم، ويحرم الاستعباد والجبروت بجميع وجوهه، ليس هذا فحسب بل يدعو إلى الإحسان العام، ويحرم الظلم بجميع وجوهه، وبأقل قليله من أي أحد على أي أحد من الناس. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرّمنّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب إلى التقوى واتّقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون ( (المائدة ٦).

واللفظ عام يشمل الظلم بجميع أصنافه، فلا يقصر كما شائع على النواحي الاجتماعية والسياسية فحسب، بل تندرج تحته جميع مضامين الفعل الإنساني، ولعل من أهم مشمولاته الظلم المعرفي الذي كان و ما يزال أهم أسباب تدمير جسور التواصل بين العقلاء على مر تاريخ الإنسانية، خذ مثلاً وصف أحد المحاورين للآخر بصفة ما، ولتكن الاستبداد، ماذا تكون نتيجة هذا الموقف؟ سينجم عن ذلك على الأقل نوع من الإقصاء الاجتماعي للفكرة المنتقدة والمتلبسين بها، وفي ذلك جريمة في حق المنتقد وفكرته.

حري بنا تمثّل تلك المبادئ حين مباشرة الحوار وتنبيه الآخر على أهميتها بالنسبة للمسلم في التأسيس للموضوعية بوصفها مطلباً شرعياً قبل أن تكون مطلباً أكاديمياً، فالمسلم مطالب طلب تكليف شرعي بالموضوعية وتقصي الحقيقة كما هي في حقيقة الأمر لا كما يراد رسمها أو توجيهها، بل تتجاوز ذلك إلى تحسيس المحاور الآخر بقيمته المغروزة فيه، وهو ما يدفعه إلى مباشرة الحوار دون الإحساس بالدونية أو التبعية، فهو حر فيما يختار من منطلق التكريم، ومن ثمّ عليه تحمّل تبعات ما يختار في الدنيا قبل الآخرة.

ويمكن القول دون مواربة: إن العيش للإسلام بمفهومه المستفاد من الانتساب الإيماني، عيش للإنسانية، ومن ثمّ هو تأصيل للحوار من أجل الصالح العام لبني البشر في إطار رؤية مبناها تجاوز الإقصاء والنفي والتأسيس للاعتراف المتبادل كخطوة أولية وأساسية لتفعيل التعاون بطريق الحوار الهادف البيّن المقاصد والغايات، إنّه عمل على إصلاح الإنسانية بما يحقق أنسنة في مستقبلها الحضاري والسياسي والاقتصادي والتربوي.

الخاتمـة

انتهينا بعد هذا العرض إلى أن للخلفية الفكرية للحضارات الحاضرة أهمية عظيمة في تجنيد أتباعها في عملية الحوار، التي تهدف أساساً إلى الإقرار بالتنوّع الحضاري كظاهرة إنسانية.

ولا يمكن للحوار المبتغى تحقيق التضامن والتآزر إلا إذا كان وليد تفاهم عام يشمل الثقافة والاجتماع وغيرهما من شؤون الحياة، وواضح أنه لا يقرر هذا الأمر إلا إذا كان واضح المقاصد، يرمي إلى الفهم المتبادل المؤسس على قراءة الآخر من خلال مصادره ووفق ما قرره السواد الأعظم من أتباعه، بشرط أن تكون ميادين الحوار متجانسة ومن طبيعة واحدة.

ولكي ينتج المرغوب به ينبغي تحديده بمجموعة من الشروط، على رأسها دمقرطة المطلب الحضاري، وطريقه إشاعة الحرية وإزالة كل ما من شأنه عرقلتها، كهيبة المحاور المتولّدة من خوف ضياع الوظيف أو الرغيف أو … احتقار المحاور أو ما يقرب منه.

ولا يتأتى الخلوص إلى المراد إلا إذا ساهمت الأمم باختيارها الحر السيّد في الحوار الحضاري، وتجنيدها في سلكها يفرض سوقها إلى المشاركة الحضارية بطريق قادتها الذين اختارتهم بمحض إرادتها، وبهذا نضمن النتائج الاجتماعية للحوار.

***

* أستاذ العلوم الإسلامية - جامعة الجزائر

[١] انظر الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر تأليف محمد محمد حسين.

[٢] بمفهومه العام الشامل للاستضعاف الاجتماعي والسياسي والثقافي والحضاري، … ولهذا فدائرة المستضعفين واسعة تشمل كل وقع تحت طائلة الاستكبار سواء كان اقتصادياً أم سياسياً أم فكرياً أم حضارياً، فأوروبا مثلاً الآن مستضعفة بعد أن كانت مستكبرة إذا نظر إليها من الزاوية الهيمنة الأميركية المتجلية في المجال الفكري المتدثّر بالاقتصاد العالمي والعولمة….

[٣] - الثقافيين والسياسيين و…

[٤] - فوكوياما.

[٥] انظر أبو إسحاق الشاطبي / الموافقات المجلد الأول ٢٥١، وانظر أيضاً ٢ / ٦٣ - ٦٤.

[٦] انظر ما تناقلته وكالات الأنباء من تصريحات نسبت إلى العراق أو الطالبان أو إيران … غيرهم من أقوال بغرض تبرير مهاجمتهم، بل قد ينسب إليهم ما يفيد في تجنيد الإنسانية جمعاء ضدهم، وهذا يفرض التأسيس لعمل إعلامي قوي قوي يكسر الطوق المسلّط عليهم بصفة عامة.

[٧] لأن العولمـة في تطـور التشكّل، فقـد تكون الغلبة اليـوم لأمريكا، فتكون العولمة مرادفة للأمركة، ولكنها قد تصبح غير ذلك في قابل الأيام إذا قدّر لدولة أخرى أن تكون قوة العالم الأولى.

ويؤكد فكرة الرفض للأمركة تنوّع انتماءات الناقمين عليها، اليسار (الحزب الشيوعي الإسباني، الديمقراطيون الأوربيون، الاجتماعيون، العرب على تنوّع مشاربهم الأيدلوجية - إلا من شذّ منهم…).

[٨] انظر يوسف القرضاوي / مبادئ أساسية فكرية وعملية في التقريب بين المذاهب، ضمن كتاب بحوث ودراسات في التقريب بين المذاهب الإسلامية، ٢١ - ٢٢.

[٩] انظر محمد حسين فضل الله / الندوة، إعداد عادل القاضي ٥٧٣ - ٥٧٤.

[١٠] بديع الزمان النورسي / الشعاعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي ٧١.

[١١] انظر كتابنا ماهية الإنسان وصلتها بحريته ووظيفته الاجتماعية ٥٤.

[١٢] آثار ابن باديس ٤ / ١١٠.

[١٣] آثار ابن باديس ٤ / ١١٢.

[١٤] انظر العلامة عبد الحميد ابن باديس / الآثار٤ / ١٠٩ - ١١٣



[ Web design by Abadis ]