ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 من أجل بناء نظرية لحوار الحضارات \ الأستاذ. زكي الميلاد *

 

[١]

غارودي ونظرية حوار الحضارات

حينما دعا» روجيه غارودي «في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين إلى حوار الحضارات، أراد من هذه الدعوة أن تكون خطاباً نقدياً للغرب، متوجهاً منه وإليه، قاصداً به ضرورة أن يلتفت الغرب لبعض مشكلاته وإشكالياته الناشئة في منظومته الفكرية والفلسفية والاجتماعية، وطريقته في التطور الحضاري، ونمط رؤيته لعلاقته بالعالم.

فقد اكتشف» غارودي «بفكره النقدي، ومعرفته الواسعة، وانفتاحه على الثقافات غير الأوروبية، وجود أزمة حضارية عميقة في الغرب والحضارة الغربية، ولا سبيل لتجاوز هذه الأزمة وإدراكها إلا بالانفتاح على الحضارات الأخرى والتحاور معها والتعلّم منها، لاكتشاف الفرص المفقودة والأبعاد الإنسانية والأخلاقية المطلوبة التي نمت في الحضارات والثقافات غير الأوروبية، فهذه الأزمة التي يعيشها الغرب في الربع الأخير من القرن العشرين، إنما ترجع في جذورها كما يرى» غارودي «إلى عصر النهضة الذي ولدت معه الرأسمالية والاستعمار، وما صاحبه من تنكّر وهدم لجميع الثقافات غير الأوروبية، فقد اتبعت الحضارة الغربية في نموها وتقدمها من القرن السادس عشر وحتى نهاية القرن العشرين طريقة أوصلتها حسب رؤية» غارودي «إلى أزمة داخلية عميقة حددها في ثلاثة أبعاد رئيسية، هي:

١ - رجحان جانب الفعل والعمل بالشكل الذي يتحول فيه الإنسان إلى مجرد آلة للإنتاج والاستهلاك ويفقد جوهره المعنوي والأخلاقي.

٢ - رجحان جانب العقل واعتباره قادراً على حل جميع المشكلات، بحيث لا توجد مشكلات حقيقية إلا تلك التي يستطيع العلم حلّها، والنتيجة بعد ذلك هي عدم القدرة على تحديد الغايات الحقيقية والسيطرة على الوسائل.

٣ - رجحان جانب الكم وجعله معياراً ومقياساً لا نهائياً بحيث يصبح النمو باعتباره نمواً كمياً صرفاً في الإنتاج والاستهلاك.

ويعقب على ذلك» غارودي «بقوله: » إن حضارة تقوم على هذه الموضوعات الثلاثة، إنها حضارة مؤهلة للانتحار « [١].

وعلى ضوء هذا التحليل لأزمة الثقافة الغربية، يحدد» غارودي «نظريته لحوار الحضارات ناظراً بها إلى الغرب وإنقاذه وتصحيح مساراته، وتتكوّن هذه النظرية من المرتكزات الآتية:

١ - الاهتمام بالحضارات اللاغربية في مجال الدراسات وجعلها بمنزلة تعادل في أهميتها الثقافة الغربية.

٢ - أن يشغل مبحث الجمال منزلة يعادل في أهميته تعليم العلوم والتقانات.

٣ - أن يكون الاهتمام بالمستقبل يعادل في أهميته من حيث التفكير والغايات والأهداف أهمية التاريخ وعلم التاريخ [٢].

فالنظرية التي كوّنها» غارودي «لحوار الحضارات أراد بها أن يخاطب الغرب بصورة أساسية، لذلك فهي تنتمي وتصنف على النظريات الغربية التي تنطلق من نقد التجربة الغربية والفكر الغربي؛ لذلك فهو يرى أنّ» حوار الحضارات أصبح ضرورة عاجلة لا سبيل لردّها، إنه قضية بقاء، لقد بلغنا حد الخطر، بل لعلنا تجاوزناه، إن مهمتنا بعد الفرص التاريخية الضائعة، وضياع أبعاد الرجل الغربي، هي استئناف حوار حضارات الشرق والغرب من أجل وضع حد لحوار الذات الغربي الانتحاري، ، إدراك هذا النقص وإدراك ما ندين به للثقافات والحضارات غير الغربية، هو اليوم على ما نظن السبيل الوحيد الذي بقي مفتوحاً أمامنا خارج مأزق الموت « [٣].

وكون نظرية» غارودي «تنتمي وتصنف على النظريات الغربية، لا يعدّ ذلك بالضرورة نقداً لها أو رفضاً أوإسقاطاً، وإنما القصد هو تحديد طبيعة الفضاء المعرفي لهذه النظرية، وفهم غاياتها ومقاصدها، وكيفية التعامل معها، ومن ثمَّ فلا يمكن الرجوع إليها إلا في إطار التثاقف والتواصل الفكري والمعرفي، وليس بالاعتماد عليها كنظرية عامة، أو قابلة للتعميم، مع أنها قد تعدُّ من أنضج النظريات في مجالها، وأكثرها دعوة للانفتاح والتواصل مع الثقافات والحضارات الأخرى غير الأوروبية، ولعله إلى اليوم لم تتبلور نظرية أخرى في مستوى نظرية» غارودي «وتماسكها وخبرتها، كما نظر لها وشرحها في كتابه الشهير» حوار الحضارات «، وتمثلها في تجربته الفكرية، والأطوار والانتقالات التي مر بها من المسيحية إلى الماركسية ومن ثم إلى الإسلام، فلم يكن» غارودي «مجرد داعية لحوار الحضارات، بل كان مثالاً تطبيقياً لهذه الدعوة في تجربته الفكرية.

[٢]

هنتنغتون ونظرية صدام الحضارات

إذا كان» غارودي «ناظراً إلى الغرب في نظريته لحوار الحضارات، فإن» هنتنغتون «هو الآخر أيضاً كان ناظراً إلى الغرب في نظريته لصدام الحضارات، والفارق بينهما أن» غارودي «نظر إلى الغرب من الداخل وأراد أن يلفت النظر إلى أزمة الغرب الداخلية، في حين نظر» هنتنغتون «إلى الغرب من الخارج وأراد أن يلفت النظر إلى تحديات الغرب الخارجية، الأول أراد من حوار الحضارات أن يكون منظور الغرب إلى العالم، في حين أراد الثاني أن يكون صدام الحضارات هو منظور الغرب إلى العالم، وكلاهما كان ينطلق من خلفية إنقاذ الغرب من حضارته مع ما بينهما من اختلاف جوهري عميق.

فبينما يركّز غارودي في نظريته على الأبعاد الثقافية والأخلاقية والمعنوية، يركز» هنتنغتون «على الأبعاد السياسية والتكنولوجية والعسكرية، لذلك فإن نظرية حوار الحضارات حسب تفسير» غارودي «تنتمي إلى المجال الثقافي وتتحدد به، في حين تنتمي نظرية صدام الحضارات - حسب تفسير» هنتنغتون «إلى المجال السياسي وتتحدد به، وهذا ما يفسر اهتمام» هنتنغتون «بمفاهيم القوة والتفوق والدينامية والتحالف، ويدعو الغرب إلى إعادة النظر في أنماط رؤيته وعلاقته بالعالم، بالمحافظة على فرادته ووحدانيته وليس بعالميته وكونيته، العالمية التي يرى فيها» هنتنغتون «أنها قد تكون سبباً في الصدام بين الحضارات، وحسب تحليله فإن العالمية الغربية» خطرة على باقي العالم لأنها قد تكون سبباً في حرب بين الدول الرئيسية في الحضارات المختلفة، وخطرة على الغرب نفسه لأنها قد تؤدي إلى هزيمته، ومن ثَمّ فإن مسؤولية القادة الغربيين تكمن ليس في محاولة جعل الحضارات الأخرى على صورة الغرب ومثاله، وهو أمر أكبر من طاقاتهم، بسبب انحسار قوتهم، وإنما في الحفاظ على الخصائص الفريدة للحضارة الغربية وحمايتها وتقويتها « [٤].

لذلك فإن» هنتنغتون «قد حدد خطة واستراتيجية لنظريته في صدام الحضارات لصون الحضارة الغربية على حد تعبيره، وهذه الخطة تكشف بوضوح كبير البنية السياسية والدوافع السياسية لهذه النظرية، والانحياز التام للمصالح الغربية، ودورانها في الإطار السياسي والاستراتيجي الغربي، ومن ثمَّ فلا يمكن أن تفهم هذه النظرية أو تفسر إلا على ضوء تلك الخلفيات.

ولا يخفي» هنتنغتون «حقيقة خطته المقترحة ومكوناتها، بل يجاهر بها ويكشف عنها بصراحة تامة، حيث يقول: » ولصون الحضارة الغربية على الرغم من انحسار قوة الغرب، من مصلحـة الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية أن تنجز:

١ - الاندماج السياسي والاقتصادي والعسكري، وأن تنسق سياساتها لتمنع دولاً من حضارات أخرى من استغلال الخلافات في ما بينها.

٢ - أن تضم إلى الاتحاد الأوروبي وإلى حلف الأطلسي الدول الغربية في أوروبا الوسطى، أي دول قمة فيزغراد: بلدان البلطيق وسلوفينيا وكرواتيا.

٣ - أن تشجع تغريب أمريكا اللاتينية وجذب دولها بقدر الإمكان نحو الغرب.

٤ - أن تكبح نمو القوة العسكرية، التقليدية وغير التقليدية، للدول الإسلامية وللبلدان ذات الثقافة الصينية.

٥ - أن تمنع اليابان من الابتعاد عن الغرب والاقتراب من الصين.

٦ - أن تعدَّ روسيا الدولة الرئيسة في العالم الأرثوذكسي، وقوة إقليمية أساسية تملك حقوقاً مشروعاً في أمن حدودها الجنوبية.

٧ - أن تحافظ على التفوق التكنولوجي والعسكري للغرب على الحضارات الأخرى.

٨ - أخيراً وخصوصاً، أن تعترف بأن أي تدخل للغرب في شؤون الحضارات الأخرى سيشكل على الأرجح السبب الأخطر لعدم الاستقرار، ولنزاع شامل في عالم متعدد الحضارات « [٥].

التعامل مع عالم الحضارات بهذا المنظور السياسي والتخطيط الاستراتيجي، هو الذي أثار مخاوف العالم من مقولة صدام الحضارات، خصوصاً أنها جاءت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، لذلك فقد صدمت العالم في محاولتها لاصطناع انقسامات جديدة هي أشد عمقاً وخطورة من الانقسامات التي كان عليها العالم في مرحلة الحرب الباردة.

وحينما أراد» هنتنغتون «أن يدافع عن هذه النظرية أمام ردود الفعل العنيفة والواسعة حولها في مختلف مراكز العالم، حاول أن يصور هذه النظرية على أنها نظرية تفسيرية لما يجري في العالم من انقسامات ونزاعات وحروب على خلفيات دينية وثقافية وقومية، في حين أن الخطة السياسية والاستراتيجية التي يقترحها» هنتنغتون «يؤكد أن مقولته ليست مجرد نظرية تفسيرية فحسب، بل هي نظرية إنشائية أيضاً، وهذا هو مصدر الخوف منها، ويبقى الجامع المشترك بين نظريتي» غارودي «و» هنتنغتون «، هو الغرب ناظراً ومنظوراً إليه.

[٣]

العالـم الإسـلامي دون نظريـة !

منذ أن طرح السيد» محمد خاتمي «دعوته لحوار الحضارات في خطابه الذي ألقاه في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في أب / أغسطس ١٩٩٨م، وإلى هذا اليوم لم تتحول هذه الدعوة إلى نظرية واضحة ومتماسكة، بحيث يمكن القول: إن العالم العربي والإسلامي له نظريته في حوار الحضارات.

النظرية التي يفترض أن تستند إلى قاعدة معرفية وأساس منهجي وتراكم تاريخي، وتستجيب لحاجات الأمة الذاتية ومتطلباتها في التقدم والتمدن والحضارة، وعلى أرضية التواصل مع العالم والانفتاح على الحضارات المختلفة، أي النظرية التي تحدد شكل العلاقة مع الذات، ونمط العلاقة مع العالم، على أساس مفهوم التقدم والتمدن، العلاقة مع الذات لمعرفة حاجات الأمة إلى التقدم والتمدن، والعلاقة مع العالم على هذا الأساس أيضاً، لمعرفة كيف نكتسب عناصر التقدم والتمدن من حضارات العالم المتعددة.

في حين أن قضية حوار الحضارات عندنا مازالت تدور في إطار كونها مجرد دعوة عامة ولم تتحول إلى نظرية نعرف ماذا نريد منها لأنفسنا! لا قبل أحداث ١١ أيلول / سبتمبر ٢٠٠١م، ولا بعدها.

أما قبل هذه الأحداث فقد كانت الدعوة لحوار الحضارات تتصف بالعمومية والإطلاقية، وتنزع نحو العالمية والكونية، وتنطلق من الوضعيات والفرضيات السياسية والدولية، وتستهدف بصورة أساسية مواجهة مقولة صدام الحضارات، وتصوير أن الإسلام يدعو إلى الحوار والانفتاح والتسامح، وهذا الطرح بهذه الطريقة عادة لا يكون فعالاً ومؤثراً، ولا يلفت الاهتمام بصورة حيوية وجادة، وذلك لطبيعته العامة والإطلاقية، ولعدم قدرته على التراكم واستيعاب التطور في مسارات واتجاهات محددة، ولافتقاده لخطة استراتيجية واضحة المعالم، أو ارتباطه بمشروع فكري يساهم في تطوير الخطاب الفكري لهذه القضية وإنمائه وتواصله، ومن ثَمَّ فإن هذا الطرح إنما يعبر عن رغبات وطموحات، وعن قيم ومُثل أخلاقية نبيلة، لا يتأثر بها العالم ولا يصغي إليها، وهو الذي تحكمه معادلات القوة والسيطرة والتفوق والثروة.

أما بعد أحداث أيلول / سبتمبر التي صدمت العالم بهزة عنيفة، غيرت من صورته وانقلبت معادلاته وتوازناته، وأصبح الحدث الذي تؤرخ به الألفية الثالثة الجديدة، وتأثرت به التطورات والتغيرات اللاحقة ومازالت تتأثر به، وقد اعتبر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن في تقريره السنوي حول التوازن العسكري في العالم، أن عهداً استراتيجياً جديداً قد بدأ منذ أحداث ١١ أيلول / سبتمبر، فقد دفعت هذه الأحداث العالم ليعيش في أشد حالاته انفعالاً وتوتراً واضطراباً، وهيمنت عليه مفاهيم العنف والإرهاب والقوة، وأصبح المجتمع الإنساني أول مرة وكأنه يعيش صدام حضارات، المفهوم الذي أخذ العالم يتداوله على أوسع نطاق، وكأن» هنتنغتون «صدق في نبوءته حين بشر بهذا المفهوم سنة ١٩٩٣م، وأكده سنة ١٩٩٦م.

وفي الجانب الآخر فإن هذه الأحداث لفتت العالم مجدداً وبالذات في العالم العربي والإسلامي إلى مفهوم حوار الحضارات الذي أصبح له واقع فعلي، ولم يعد كما كان قبل هذه الأحداث مجرد فهم أخلاقي نبيل ويعبر عن طموحات ورغبات مثالية لا واقع لها ولا مصير، ولهذا فإن الربع الأخير من سنة حوار الحضارات، وتحديداً بعد أحداث سبتمبر شهد الوطن العربي أوسع نشاط واهتمام بهذا المفهوم، وأول مرة في تاريخ الجامعة العربية تدعو إلى عقد مؤتمر فكري حول حوار الحضارات، فبقدر ما لفتت هذه الأحداث الأنظار لمقولة» هنتنغتون «في صدام الحضارات، لفتت الاهتمام أيضاً إلى دعوة السيد» خاتمي «في حوار الحضارات، وأكدت قيمة هذه الدعوة والحاجة إليها في استشراف المستقبل، ومع هذه الأحداث كانت البداية الفعلية لحوار الحضارات على مستوى العالم، مع ذلك لم يحصل أي تقدم نحو صياغة نظرية أو بلورة خطاب متقن ومتماسك، فقد أصبح هذا المفهوم يوجه لوظيفة دفاعية الغرض منها مواجهة التشويهات والإسقاطات التي تعرضت لها الثقافة الإسلامية والحضارة الإسلامية في أوسع حملة تشويهية تحصل في الغرب خلال نصف قرن، وحسب هذه المهمة فقد تحول مفهوم حوار الحضارات إلى أشبه ما يكون بمفهوم إعلامي يست

هلك على أوسع نطاق في وسائل الإعلام المختلفة والمتعددة، من دون أن يرتكز على بناء فكري وتاريخي عميق ومنظم، ومن دون أن يكون له تأثيرات فاعلة وحقيقية في تغيير المفاهيم والذهنيات، أو الاتجاهات والسياسات العامة، لا في النطاقات الإقليمية، ولا في النطاقات العالمية، فهو مجرد مفهوم ساحر وجذّاب، يغري الآخرين بالحديث عنه وحوله، والتباهي به، من دون أن يكون له أي فاعلية أو تأثير.

والمشكلة تكمن في أن العالم الإسلامي ليس هو الطرف الذي يقنع العالم أو يؤثر في مساراته في قضية حوار الحضارات، لأن من يفتقد الحضارة والتحضر لا يمكن الاعتراف له بأن يكون شريكاً أو مؤثراً في قضية حضارية عالمية كبرى مثل قضية حوار الحضارات، وهذا ما يفتقده العالم الإسلامي الذي ينتمي لحضارة في الماضي وليس في الحاضر.

أما الذي يعوض العالم الإسلامي عن افتقاده للحضارة ويؤهله لأن يكون طرفاً حقيقياً في مشروع حوار الحضارات، فهو الدين الإسلامي الذي هو من أعظم الديانات السماوية وأكملها، وأكثرها توسعاً وانتشاراً في العالم وبين حضاراته المختلفة، إنه الدين الذي يتكامل معه العلم، وتتوافق معه الحداثة - أي حداثته المستقلة - ويترافق معه التمدن، وهو الدين الذي مازال يبعث أملاً بالمستقبل، وقدرة على التجدد والاجتهاد، كما أنه الدين الذي يتكامل فيه النقل والعقل، الشريعة والأخلاق، العبادات والسياسات، الفقه والإلهيات، والحقيقة التي هي بحاجة إلى إدراك عميق هي أن العالم الإسلامي لا يمكن له النهوض والتقدم بمعزل عن هذا الدين، وهذا ما ينبغي الانطلاق منه والتأسيس عليه.

[٤]

اجتهاد في بناء نظرية لحوار الحضارات

عندما طرح» فوكوياما «فكرته حول نهاية التاريخ سنة ١٩٨٩م، حاول اختبارها في مقالة قصيرة نشرها في مجلة» ناشيونال أنترست «الأمريكية، وبعد أن تصدرت هذه الفكرة العناوين الرئيسية في بعض المجلات الأمريكية الشهيرة مثل التايم والنيوزويك وغيرها، وتحولت في فترة قياسية كما يقول الكاتب الأمريكي» ألن ريان «إلى رعشة في كل العالم وأصابت الكثير من القراء بالذهول، وبسبب ما أحدثته هذه الفكرة من جدل وسجال على نطاق عالمي واسع، اندفع» فوكوياما «إلى تطوير هذه الفكرة بدراستها وتحليلها بشكل موسع في كتابه الذي صدر سنة ١٩٩٢م، بعنوان» نهاية التاريخ والإنسان الأخير «.

وحينما طرح» صامويل هنتنغتون «فكرته حول صدام الحضارات سنة ١٩٩٢م، حاول هو الآخر اختبارها في مقالة قصيرة نشرها بمجلة» فورين أفيرز «الأمريكية، وبسبب ما أثارته هذه الفكرة من نقاشات واحتجاجات ساخنة ومتواصلة بين مختلف ثقافات وحضارات العالم، وفجّرت حولها كما يقول الكاتب الأمريكي وأستاذ العلوم السياسية» جيمس كورت «، صداماً كبيراً بين الكتّاب [٦]، هذه النقاشات الاحتجاجية حرّضت» هنتنغتون «بالتوسع في دراسة هذه الفكرة والتأسيس لها فكرياً وتاريخياً، وجمع القرائن والأدلة والبيانات التي تعزز قناعته بهذه الفكرة، وذلك في كتابه الذي صدر سنة ١٩٩٦م، بعنوان» صدام الحضارات وإعادة صياغة النظام العالمي «.

أما حينما طرحت قضية حوار الحضارات في العالم العربي والإسلامي التي دعا إليها السيد» خاتمي «في خطابه سنة ١٩٩٨م، فلم يظهر من المثقفين والمفكرين والباحثين اهتمام كبير بتطوير هذه القضية فكرياً ومعرفياً، والاندفاع نحو طرحها والدفاع عنها والتأكيد عليها، ولم ترتبط هذه القضية بأسماء تتواصل مع العالم في هذا الشأن، ولم نقدّم إضافات فكرية متميزة ومهمة تساهم في إنماء هذه القضية وتجديدها وتراكمها.

كما إننا لم نبتكر لأنفسنا فهماً خاصاً بنا حول هذه القضية، الفهم الذي يستند إلى حقائقنا التاريخية ويرتكز على معاييرنا الفكرية، وينطلق من شروطنا الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ودون تكوين هذا القدر من الفهم المستقل لايمكننا أن نتواصل مع العالم في هذا المجال، لأن التواصل في جوهره عملية معرفية تنطلق من المعرفة ويفترض أن تنتهي إليها، والذي لا يستطيع إنجاز معرفة فإنه لا يمكن أن يقنع العالم بالتواصل، لأن المعرفة هي من أكثر البواعث تحريضاً وإقناعاً وقيمة، وفي هذا الجانب الحيوي بالذات يتحدد عامل الضعف الحقيقي عندنا في أننا لسنا مساهمين في رفد المعرفة وإنمائها وتراكمها على مستوى العالم، والعالم لا يعترف لنا بهذا الدور، وهو الدور الذي يفترض أن يتأسس على أساسه أي حوار بين الحضارات، لذلك من الصعب أن نمتلك القدرة على مواصلة حوار الحضارات، إذا لم نكتشف أو نطور إمكانيات التواصل مع العالم وطرائقه ومنهجياته في مجالات المعرفة، وهذا هو التحدي الحضاري أمامنا.

ومع أنّ قضية حوار الحضارات من قضايا العالم الكبرى، وهي شديدة الارتباط برؤيتنا وتفكيرنا لمسألتنا الحضارية ولمستقبلنا وعلاقتنا بالعصر والعالم، إلا أنه لم تتخصص لهذه القضية مجلة فكرية واحدة في الوطن العربي، تساهم في دراسة هذه القضية وتطوير المعرفة بها، وبناء التواصل بين المفكرين والباحثين حول الاهتمام بها، ولكي تكون من الصور الحسية في تجسيد هذه القضية، وبطموح أكبر كان يفترض أن ينهض لهذه المهمة مركز متخصص للدراسات والبحث يتعامل مع قضية بهذا المستوى بقدرات علمية رفيعة، وبطريق تجمع العقول المفكرة والمتخصصة، وبمنهج يراكم المعرفة ويطورها، خصوصاً وأننا أمام مشكلة حساسة وخطيرة وهي أن معارفنا عن حضارات العالم لا نكوّنها بأنفسنا، ولا نستقل بمعرفة خاصة بنا، وإنما نرجع فيها إلى دراسات الغربيين وبحوثهم الموسوعية والمهيمنة على هذا الحقل، والأشد من ذلك حساسية وخطورة أنه حتى معارفنا عن حضارتنا بدأنا نأخذها من دراسات الغربيين، فعمليات التنقيب والحفريات الأثرية والتاريخية في منطقتنا، لسنا من ينهض بها، وهكذا في عمليات البحث والتحقيق وصيانة المخطوطات المجهولة والقديمة والمتآكلة، بالإضافة إلى حماية الآثار والمواقع الأثرية والحفا

ظ عليها والعناية بها والتشجيع عليها، غالباً ما يأتي من الغربيين، فكيف ندخل في حوار بين الحضارات ونحن لا نعتمد على أنفسنا في تكوين المعرفة بحضارتنا، ونفتقد من جهة أخرى إلى معرفة بالحضارات في هذا العالم!

إذن لابد من وجود نظرية نرتكز عليها في مشروع حوار الحضارات لتحويل هذا المشروع إلى فلسفة للحضارة، وتحويل هذه الفلسفة لبرنامج حضاري ينهض بالعالم الإسلامي، وبناء هذه النظرية في اتجاهين متكاملين:

الاتجاه الأول: ويرتكز على تحليل المشكلات الجذرية والعميقة التي تمثّل المعوقات الحقيقية أمام نهضة وتقدم العالم الإسلامي، وفي مقدمة هذه المشكلات:

١ - النظر إلى مشكلة التخلف باعتبارها من أعظم المشكلات تأثيراً وامتداداً وشمولية على مختلف الأبعاد والجوانب في حياتنا، ولا سبيل إلى التمدن والتحضر إلا بمواجهة هذه المشكلة وتفكيك بنيتها الفعالة، وتحطيم الثقافة التي تكوّن ذهنية وخطاب ومقولات ومنطق التخلف في الأمّة.

٢ - البحث عن فلسفة فعّالة لبناء حضارة في هذا العصر، واكتشاف طريق لنهضة جديدة تضع الأمة في مسار التمدّن والتحضّر والتّقدم.

٣ - التركيز على تكوين وبناء الإنسان في جوهره لكي يتحول إلى طاقة فعّالة ومنتجة، وليكون صاحب دور ومسؤولية في بناء النهضة والتقدم.

٤ - التخلص من آفة الاستبداد السياسي التي تعطل وتشلّ إمكانيات الأمة عن المشاركة الفعالة، فالتقدم هو إنجاز الأمة، ولا يتحقق إلا عن طريق مشاركتها وانخراطها في مهام ومسؤوليات النهضة والتقدم.

هذه العناصر الأربعة تستجيب لمتطلبات أمة تحاول الانتقال والتحول من مرحلة التخلف إلى مرحلة تبحث فيها عن التمدن والتقدم والحداثة، وعلى أرضية التواصل والتفاعل مع العالم والعصر.

ومن خلال حوار الحضارات نحاول أن ننضج هذه الأبعاد ونبلورها ونعمّقها، عن طريق رفدها بالمعارف والأفكار، بالتجارب والتطبيقات، بالطرائق والمنهجيات، الأمر الذي يستدعي تحويل حوار الحضارات إلى مشروع بحث معرفي، يفترض ويتطلب أن يكون أضخم وأوسع بحث شامل ننهض به، على طريقة ما قام به الغرب حين نهض بأعظم عملية بحثية شاملة في تاريخه حول الشرق، العملية التي عرفت بحركة الاستشراق، والتي جاءت في فترة كان عالم الإسلام يمثل فيها مرحلة الحداثة بالنسبة للغرب.

الاتجاه الثاني في بناء النظرية: ويرتكز على تشخيص المتطلبات الأساسية في نطاق العمل، والتي تتكامل مع تلك الأبعاد وتستند إليها، وتحولها من عالم الأفكار إلى عالم الواقع الحي والمتحرك، وفي مقدمة تلك المتطلبات:

١ - العمل على تحويل العالم الإسلامي إلى كتلة حضارية وبشرية وجغرافية، متكاملة ومتماسكة، وإعطاء الأولوية والأفضلية بين هذه الدول في مختلف مجالات التعاون والتواصل والتضامن، وبالانطلاق من مفهوم الجامعة الإسلامية.

٢ - تعزيز موقعية وفاعلية مجموعة الدول الثماني الكبرى في العالم الإسلامي والتي تضم (ماليزيا وأندونيسيا وبنغلاديش وباكستان وإيران وتركيا ومصر ونيجيريا) وضرورة أن تؤدي هذه الدول أدوراً ريادية في نهضة وتقدم العالم الإسلامي، وفي بناء التكتل والتضامن الإسلامي.

٣ - التأكيد على دور وفاعلية ومركزية المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة» الإيسيسكو «وتطوير أنشطتها وتفعيل خططها واستراتيجياتها، وتحويلها لأن تؤدي دور العقل المفكر والجهاز المتخصص بقضية نهضة العالم الإسلامي.

٤ - إعطاء المصداقية والاهتمام الفعلي والجاد بالاستراتيجيات الأساسية والكبرى على مستوى العالم الإسلامي، والتي أعدتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، كالاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي، واستراتيجية تطوير العلوم والتكنولوجيا في البلدان الإسلامية، واستراتيجية الاستفادة من العقول المهاجرة، والحاجة إلى وجود استراتيجية اقتصادية اجتماعية تنموية لمعالجة مشكلات الفقر والمرض وتحسين نوعية حياة الإنسان في العالم الإسلامي.

٥ - الاتجاه نحو الشرق بتطوير العلاقات والاتصالات بالدول الرئيسية وهي اليابان والصين والهند والتركيز على مجالات التربية والتعليم والتكنولوجيا والبحث العلمي والمعلوماتية.

٦ - بناء علاقات جديدة مع الغرب بصورة تدريجية، تكون بعيدة عن مفاهيم الهيمنة والسيطرة، والاستحواذ على الثروة والترهيب بالقوة، والتبعية وانتهاك السيادة، وإنما على أساس الشراكة المتوازنة ومبادئ العدالة والمساواة في الحقوق، والتكافؤ في فرص النمو والتقدم، وضبط حركة العولمة وأنسنتها، هذه محاولة اجتهادية لبناء نظرية لنا في حوار الحضارات تنطلق من رؤيتنا لأنفسنا ولحاضرنا ومستقبلنا، وسعياً نحو اكتشاف طريق النهضة والتقدم على أساس التواصل مع العالم والعصر.

* رئيس تحرير مجلة الكلمة المملكة العربية السعودية

[١] حوار الحضارات، روجيه غارودي، ترجمة: د، عادل العوّا، بيروت - باريس: منشورات عويدات، ط١، ١٩٧٨م، ص٤٢.  

[٢] المصدر نفسه، ص١٨٦.

[٣] المصدر نفسه، ص٢٣ـ٢٤.

[٤] المراهنات والمخاض: احتمال اندلاع نزاع بين الحضارات، صامويل= =هنتنغتون، جريدة المستقبل، لبنان، الأحد ٢٨ تشرين الأول / أكتوبر ٢٠٠١م، العدد ٨٠٤، نقلاً عن جريد لوموند الفرنسية، ٢٢ تشرين الأول / أكتوبر ٢٠٠١م.  

[٥] المصدر نفسه.

[٦] تصادم المجتمعات الغربية: نحو نظام عالمي جديد، جيمس كورت، الثقافة العالمية، الكويت، السنة الثالثة عشرة، العدد، ٧٧ تموز / يوليو ١٩٩٦م، ص٧.



[ Web design by Abadis ]