ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 نحو معيار حضاري \ الدكتور علي عقلة عرسان رئيس اتحاد الكتاب العرب

إلى أي مدى يمكن لمجتمع ما، في دورة زمنية، أن يحقق تقدماً (حضارياً) متميزاً على أي صعيد، في ظل غياب أو فساد المعايير والقيم وأصول الأحكام ومبادئ الأخلاق والإفلاس الروحي العام؟

وهل التقدم التقني - أي تقدم تقني - هو حضارة أم معطى حضاري من معطياته بشكل عام ومجرد، أم أنه يكون بمقدار ما يخدم الرؤية الشاملة لأهداف الحياة ولأهداف الإنسان في الحياة ويحققهما؛ في إطار مفهوم متكامل لهذه الأهداف وغايات الوجود وماوراءه؟ ‍ … سؤال يواجه المرء كلما فكّر وتأمل في عالم اليوم، وتواصل مع ما قدمه وما يقدمه للبشرية من معلومات وتقدم تقني وثورة صناعية ومعلوماتية غيرت شكل العلاقات الإنسانية ومحتواها، وجعلت الإنسان أكثر معرفة واطلاعاً على ما يجري في الأرض، وأعمق إدراكاً لبعض قوانين الطبيعة والكون، ولكنه في الوقت ذاته أكثر بؤساً وربما مهدداً أكثر من أي وقت مضى‍ … وما يرافق ثورة العلم وفورة المعرفة وتطبيقاتهما من مخاطر تحيق بالإنسان وبالحياة على الأرض تجعل من التقدم التقني المذهل سلاحاً ذا حدين فهو من جهة امتلاك لقوة هائلة يتحكم بها الإنسان، ويحقق من خلالها اكتشافات مذهلة وانتصارات مدهشة، وهو من جهة أخرى مصدر خطر وقلق، بل مصدر تهديد بدمار وفناء للحياة وللأحياء على الأرض. فإذا نظرنا إلى ما حققته بحوث الذرّة والهندسة الوراثية وصناعاتهما، أو ما أنجزه الليزر من تقدم، وما وضعه ذلك كله من طاقة تدمير واحتمالات إفنا

ء بحوزة الإنسان، لعشنا الذهول والأرق والرهق، إلى جانب نشوة المعرفة والاعتزال بالإنسان.

ولا يخفى في عالم اليوم، أن الاستخدام الأكثر للذرّة وللطاقة النووية مثلاً هو ليس للأغراض غير السلمية، وأن الطاقة المصنعة لأغراض عسكرية أو شبه عسكرية من ذلك السلاح تكفي لتدمير الكرة الأرضية عدة مرات، الأمر الذي أصبح يؤرق البشرية، ويجعلها تعيش تحت تأثير كابوس مستمر هو كابوس الخطر النووي والأسلحة الكيمياوية والبيولوجية ذات القوة التدميرية الشاملة.

ويكفي أن نتذكر آخر الحوادث التي أثارت الذعر حادثة تشرنوبل أو الأسلحة الجرثومية المعتمدة على تطوير الجينات مثلاً لندرك مقدار التهديد والخطر، ومقدار الحرمان من الأمن والسعادة الذي يجره ذلك على البشرية، الأمر الذي يطرح قضية ارتباط العلم بالأخلاق، والتقدم التقني بالمفهوم الإنساني وبالمعنى الحضاري، وبمنعكسات التقدم أو الحضارة: / إيجابياً: أمناً وحرية ورفاهية وإحساساً بالأمن والسعادة / على الإنسان خلال فترة مد حضاري ما، وما يتركه ذلك من إيجابيات على التفاعل البنّاء للإنسان مع الماضي والحاضر، بكل غنى الماضي والحاضر، لتحديد آفاق المستقبل والإقبال على الدخول فيه بطموح وأمان واستمتاع.

وإثارة السؤال تهدف إلى محاولة إثارة موضوع (مكانة الخُلُقي والإنساني في تحديد المعيار الحضاري) من منجزات البشرية: المدنية والتقنية، ومن مقومات السلوك الفردي والجمعي للناس أنى كانوا، وتمثّل ذلك السلوك وتمثيله لقيم الحضارة.

لا شك في أنّ العلم يحمل قيمة خالدة لا يتطرق إليها الشك، ولا جدال في رقي المكانة التي احتلها في عالم اليوم ولدى إنسان العصر؛ ولكن توظيف العلم والبحوث والمخترعات والإنجازات العلمية: نظرياً وعملياً، لخدمة الإنسان والحياة والمعرفة والحضارة، وجعل ذلك كله ينعكس إيجابياً على حياة الإنسان وكيفية العيش ومستواه، ونوع الأعلى والأمثل فيه، وعلى بقاء النوع وسلامة البيئة والطبيعة والعلاقات الناظمة للكون، بما لا يؤثر في ديمومة البحث والاكتشاف والتطور من جهة والحياة والأمان والسعادة من جهة أخرى، هو ما ينبغي أن يدخل معيار قيمة، أو قيمة معيارية، لتحديد ما هو (حضاري) أو ما هو فعل حضاري يرتبط بالوعي المعرفي وبوعي الإنسان لوجوده وأهداف الوجود ومكانته مما يوجد ومسؤوليته حيال ما يوجد، وينتج عنهما؛ وما هو غير حضاري حتى لو كان إنجازاً علمياً كبيراً، إذا ما وضع في خدمة أهداف ضارة بالإنسان والحياة والحضارة.

ومما يؤسف له أشد الأسف في عالمنا، أن التقدم العلمي والتفوق التقني والتطور المؤهل لعصر ثورة المعلومات والعلوم والهندسة الوراثية، لم يوضع في إطار يحقق ما يمكن أن نسميه (تقدماً حضارياً) حقيقياً بالمعنى الإنساني والخُلُقي.

ففي هذا العصر حيث يموت الملايين جوعاً وتُهدَّد البشرية بكاملها، وتفترس أمراض كثيرة جماعات من البشر، ولا يتحقق للأطفال أمن من جوع وخوف؛ في هذا العصر تصرف ملايين الدولارات في كل دقيقة لأغراض الحرب والدمار وعسكرة الفضاء، وتخريب البيئة؛ ويتم اغتيال حقوق الإنسان وحريته وتستخدم سلعة وتوظف لخدمة المصالح؛ ويسحق الضعفاء والفقراء، ويفترس القوي الضعيف، وتموت الروح بموت القيمة والأخلاق والنزوع الإنساني، لترتفع معطيات أخرى هجينة وسقيمة، رغم الضجيج الضخم الذي يحيط بها فكرياً وإعلامياً، تلك التي لم تعط الإنسان أدنى درجة من درجات الكرامة في عالمه، وخربت روحه وتاجرت بكل شيء فيه، وحولته هو وحقوقه وحرياته وثقافته وعقائده إلى سلعة في السوق الرَّبوي المتضخم، ولاحقته بالرعب والأرق فلا هو آمن من جوع وخوف ولا هو قادر على أن يأكل ليعيش وليحقق في العيش أهدافاً وغايات تنقذ الروح والحياة دنيا وآخرة؛ بل حولته إلى مايشبه بهيمة الأرض، إلى كائن يعيش ليأكل، إلى مجرد معدة، تغذي نوعاً من الرّوبوت الذي يزرع الرعب أينما حل، ليحمي نفسه من الرعب الذي يلاحقه؛ ذلك أن معيار الحضارة الإنساني وانعكاسها الذي ينبغي أن يكون كذلك قد غابا أو غيبا في عصر أصب

حت فيه التكنولوجيا حضارة ومنظومات القيم والعقائد سلعاً ووسائل تكتيكية لخدمة التضخم المالي والهيمنة الاستعمارية، التي تتقن استخدام السلاح لإخضاع الإنسان وتهديده وتجريده من هويته وتميزه وفرادته.

وكل تقدم في المعيار الخُلُقي والحضاري السليم الذي يخدم الإنسان والحياة يكثفه محمد بن عبد الله عليه السلام حين لخص رسالته بقوله (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فجعل كلّ شيء يعيش له وعليه من علم وعمل في خدمة هذا الهدف النبيل؛ وقد بدأ رسالته بـ (اقرأ) مفتاح المعرفة، وهو يوظفها للمحافظة على سلامة الحياة وتوازنها، لأن الإنقاذ والبقاء والصلاح يكون بذلك؛ ولا يقبل فصلاً بين القول والفعل، الشعار والممارسة فـ (الدين المعاملة).

حوار الحضارات أم صراعها

الحوار بين الثقافات لا ينقطع، وينبغي له ألا ينقطع، لأنه كتيارات الماء والريح توفر للأجواء النقاء بالحركة، وتحقق التفاعل بالتداخل، وتكسب الوجود تنوعاً وغنى، والحوار يجعل الثقافة تفيض جدة وتجدداً، ويسبغ على الحياة لوناً من المتعة، ويعطي كل ما حوله جرعة من الأمل ودفقة من الحيوية.

وحوار الثقافات يؤدي إلى تواصل وتفاهم أفضل بين الشعوب، إذ تفضي المعرفة المتبادلة إلى تعارف أعمق وأشمل يزيل ما يعلق بالأذهان من أوهام وما يتكون في النفوس من ضغائن ينميها التباعد، ويؤسس الحوار للصداقة ويزيل بؤر التوتر والعداوة، التي غالباً ما يغذيها الجهل والذاكرة العامرة بترسبات الأفكار السلبية عن الآخرين، وبأحداث التاريخ المثقل بالخصومات وتراكم مخلفاته والمواجهات التي يحفظ تفاصيلها؛ وطالما قدمت المعرفة المشوهة عن شعب أو ثقافة أو شخص رصيداً لسوء الفهم والشك والخوف والحقد، وأسست من ثمّ للبغضاء والعداوة والحرب.

إن مراجعة بسيطة مثلاً لصورة الإسلام التي رسمها له رجال الدين المسيحي في العصور الوسطى وقدموها للشعوب الأوربية، على أرضية من الجهل به وبرسالته ورسوله، ومن التحامل الواضح عليه وعلى معتنقيه والطمع بأرضهم وخيراتهم والرغبة في قهرهم، تبين لنا كم أسس الجهل للحرب والحقد، وكم استفاد المستغلون والمغامرون من انقطاع جسور التواصل بين الشعوب ومن غياب الحوار البناء بينها، وكم أثّر ضمور الوعي المعرفي سلبياً في حياة الناس وعلاقاتهم.

أخلص من ذلك إلى أن الحوار بين الشعوب والثقافات ضرورة حياتية وعلمية وإنسانية، لأنه ينمي وعي الإنسان بمقومات الحياة وقيمها، ويعمق المعرفة بالآخر الشريك في الظرف والمصير الإنسانيين، ويقيم أسس التقدم الحضاري للبشرية ويزيده عمقاً واتساعاً، ويقرّب الصلات بين الجماعات والأفراد، ويزيل كثيراً من الأوهام والأمراض والمخاوف، ويمكّن من تبادل المصالح والمعارف بين الأمم والدول والأشخاص على أرضية من الثقة والاحترام المتبادلين، ويشكّل الأرض المشتركة التي يقف عليها بنو البشر جميعاً بأمان، ويستشرفون منها مستقبلهم ويصوغونه باطمئنان.

ومن القضايا التي أراها ملحة أكثر من سواها لتكون موضوعاً للحوار بين ممثلي الثقافات في عصرنا أذكر:

- مفهوم الإرهاب والفرق بينه وبين المقاومة.

- الخلافات بين الأديان والمعتقدات والشرائع والمذاهب، وصولاً إلى معرفة معمقة بالحدود التي يقيمها كل منها، وبنقاط الالتقاء والافتراق وبالحقوق التي يرتبها كل منها على الفرد والواجبات التي يفرضها عليه، تجاه الحياة والآخر فيها، وتحديد مكانة الشخص / ذكراً أم أنثى، صغيراً أم كبيراً / في الأسرة والمجتمع والدولة، ومعرفة ما له وما عليه، حسب نصوصها الأصلية وروح تلك النصوص، لمعرفة ما يفرق الناس وما يجمعهم بكل دقة وعمق ووضوح.

- استمرار الاستعمار الحديث، المباشر وغير المباشر، مهيمناً على سياسات دول ومكوناً لاستراتيجياتها البعيدة، الذي تشكو منه كثير من البلدان والشعوب، وما يتصل بذلك أو ينتج عنه من تبعية واستغلال ونهب لثروات الأمم، الأمر الذي يترتب عليه تفشي الفقر والجهل والمرض في كثير من البلدان، وبقاء قطاعات بشرية كبيرة خارج حدود المعرفة والحرية والسعادة والشراكة الفعلية في الحضارة والتقدم والعيش الكريم، وهو ما يشكل حقولاً خصبة ينمو فيها العنف والتعصب والحقد وربما الإرهاب، على أرضية الحرمان والجهل والشعور بالامتهان واستمرار العدوان؛ ويقود كل ذلك إلى عدم الاستقرار والتطرف والمناداة بالحلول الدموية، داخل حدود الدول وخارج تلك الحدود، وهذا يثير الأحقاد ويكوّن بؤرة الحروب؛ ويقتضي الحوار حول ذلك، بالضرورة، تحديد مفاهيم ومصطلحات، بموضوعية ودقة علمية بعيداً عن تأثيرالقوة وهيمنتها وإيحاءاتها، وفي ضوء الشرائع والتشريعات والقانون الدولي والمنطق الذي يرسخه العقل وتمليه المسؤولية ويرسخه الحوار وينضجه، مثل مفاهيم الإرهاب، والمقاومة الوطنية المشروعة ضد الاحتلال والاستعمار وأشكال القمع والقهر المنظمين، والأصولية باختلاف مفاهيمها ومرجعياتها الدلالي

ة والتاريخية في ثقافات الشعوب، لاسيما عند الغربيين والمسلمين - إذ هناك اختلاف جوهري لايراعيه الإعلام الذي يروّج مفاهيم الغرب عن ذلك المصطلح في العالم، ويحمل معطياته التاريخية الغربية ودلالاته على الآخرين دون تمييز - وغير ذلك من المفاهيم والمصطلحات المتداولة في الثقافة والسياسة والإعلام في عالمنا اليوم.

- علمية المثاقفة السلمية بين الأمم والشعوب، بعيداً عن أشكال الغزو والتخريب الثقافيين، وعن التعصب والانحياز الأعمى، على أرضية من الاحترام والثقة وتوافر الحد الأدنى من الإمكانيات والموضوعية والديمقراطية الفعلية الصحيحة، وبعيداً عما تفرضه القوة المهيمنة - وحيدة الطرف أو متعددة الأطراف - أو تحدثه في مجالات السلم أو في مجالات الحرب، من خلل في مناخ الحوار، وما تضفيه على الثقافات والشخصيات، ومن ثمَّ على الشعوب والدول، من صفات وظلال تقود إلى كثير من الغبن والخطأ والضلال.

- التنمية الاقتصادية في البلدان التي تعاني من الدخل المتدني، ومن كثافة سكانية كبيرة تترافق ونسبة مواليد عالية، وما ينتج عن ذلك من مشكلات لا تنحصر، ولا يمكن أن تنحصر، في نطاق جغرافي ضيق؛ واستمرار الدول المتقدمة صناعياً، والمسكونة، تاريخياً، بالرغبة في استغلال الآخرين ومحو قسمات وجوههم وخصوصياتهم الثقافية والقومية والحضارية وفرض الهيمنة عليهم، استمرارها بممارسة النهب والتضييق ومصادرة القرار أو السيطرة عليه، وإقامة أنواع من الحصار على الآخرين، وتعميق سياسات الإلحاق والتبعية وازدواجية المكاييل التي تعاني منها تلك المجتمعات والدول.

- المصادرة الكلية لحق بعض الدول في امتلاك العلم والتقانة المتطورة وتحويل ذلك إلى مقومات قوة تمتلكها لتدافع بها عن أرضها وشعبها وثقافتها ومصالحها وحقها في الوجود، دون تهديد للآخرين أو عدوان عليهم، ودون خضوع لعدوان الآخرين واستغلالهم وقهرهم؛ إن حق الإنسان في تطوير قدراته وملكاته وأدواته وطاقاته في كل مجال من مجالات العلم والعمل والحياة هو حق مشروع وينبغي احترامه وصيانته وتمكينه من ممارسته بحرية تامة دون إيذاء للآخرين، وكذلك حق الدول والشعوب والأمم، فلماذا يكون لدول عدوانية، تحتل أرض غيرها بالقوة وتطردهم منها وتشردهم في الأرض، مثل (إسرائيل)، فلماذا يكون لها حق امتلاك السلاح النووي وأسلحة التدمير الشامل الأخرى وحق تطويرها، بمساعدة وتغطية شاملتين من الغرب، ولا يحق لسواها من المكتوين بعدوانها واحتلالها وعنصريتها البغيضة حق امتلاك الأسلحة التقليدية للدفاع عن أنفسهم وحقوقهم؟ ولماذا يفرض على دول العالم، بأشكال ووسائل مختلفة، الانضمام إلى المعاهدة التي تمنع انتشار السلاح النووي، وتفرض مراقبة على من يمتلك ذلك السلاح، وتوضع (إسرائيل) خارج نطاق تلك المعاهدة وخارج حدود المراقبة، ويُحمى إصرارها على موقفها ذلك، بل يدعم موقفه

ا واقتصادها وقدراتها من أجل الوصول إلى المزيد من الإنجازات النووية والأعمال العدوانية؟

- قضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان، وحماية الأفراد والأسر والمجتمعات من التفتيت والتخريب والانحلال، وكذلك حماية القيم والتقاليد الإيجابية والخصوصيات الإثنية التي تحقق الغنى الحضاري من خلال التنوع.

أمّا أطراف الحوار في تلك الموضوعات، وسواها مما لم أشر إليه، فهم:

- رجال الدين والمثقفون ثقافة دينية وقانونية كافية من ممثلي الديانات والثقافات المختلفة في العالم، ومن يهتم اهتماماً كبيراً بهذه الموضوعات وبنتائج الحوار فيها وبانعكاسات ذلك على الحياة والناس.

- المفكرون والكتاب والأدباء والشعراء والفنانون والإعلاميون ممن يشكلون الوجدان والرأي ويساهمون في تشكيل الرؤى المستقبلية، ويمثلون الثقافات الرئيسية والمؤثرة في العالم، مع عدم إغفال حق مشاركة ممثلي الثقافات الأخرى جميعاً في مراحل من الحوار، وأرى التركيز على ممثلي الثقافة الأوربية كطرف رئيس مع ممثلي الثقافات الأخرى ولاسيما العربية، لأن الثقافة الأوربية شكلت وتشكل مركزية ذات تأثير في الآخرين منذ عصور الاستعمار المباشر حتى الآن - مع خليط من مشاعر الدونية والانبهار لدى بعض المستعمرين أو الذين كانوا مستعمرين - ويتوافق ذلك مع إحساس بالفوقية والتفوق من ممثلي تلك الثقافة في النظرة للشعوب الأخرى وثقافاتها لا يلبث أن يؤدي إلى تكوين المواقف والأفكار على أساس من الخطأ والظلم المتعالي، والاستلاب (المشرعن).

- الساسة ورجال الاقتصاد والقانون، والمسؤولون عن التنظيمات المهنية والسياسية التي تقود المجتمعات وتؤثر فيها، وتصنع القرارات وتساهم في وضع السياسات، سواء كانوا سلطة أم معارضة.

- الحكومات والمنظمات الدولية المعنية.

ولا يعني شمول المسؤولية والشراكة في الحوار هنا تضييعاً للموضوع بتوسيعه وتعميمه، بل يعني الأخذ بالاختيارات النوعية التي تشمل جوانبه المختلفة، والتركيز على أولويات حسب برنامج تستدعيه القضايا الأكثر سخونة وإلحاحاً.

وأرى أن الثقافة الغربية، والأوربية منها على وجه التحديد، مدعوة إلى القيام بمبادرات نوعية في هذا المجال لما لها من قدرة وتأثير من جهة، ولما يُتوقّع منها من عدم اهتمام كافٍ بالموضوع من جهة أخرى نظراً لمواقفها المسبقة من ثقافات الآخرين. وليس وهماً محاولات الغرب المستمرة لفرض وصايته وهيمنته على ثقافات الآخرين ونهبه لكنوزها وتشويهه لتاريخها وتنكره لعطاءاتها الكبيرة لفترات طويلة من الزمن؛ فكثير من سبق العرب والمسلمين - على سبيل المثال - في مجالات علمية ومعرفية أهمله الغرب ونسب الفضل لنفسه ولمن أخذ علوم العرب ونسبها لنفسه من أبنائه، وقد بدأت مسيرة الإنصاف من بعض علماء الغرب تشق طريقها وطريق الناس إلى الحقيقة منذ بعض الوقت.

أمّا نظرة الغرب للعرب والمسلمين، المشوبة بالتعصب المغطى بقشور (موضوعية وحضارية)، والمكشوفة في عدائيتها) وازدرائها في بعض الحالات فلا يمكن تجاهلها ولا تجاهل تأثيرها السلبي في الحوار معه أو في جديته في ذلك الحوار. وليس ذلك ضرباً من الأوهام أو التخرُّصات أو الشكوك؛ فما يوجه للعرب والمسلمين يومياً من اتهامات واستفزازات لا يمكن القفز فوقه - نقول هذا لنتبنى الحوار ونُقبل عليه بواقعية ومعرفة واضحتين - فهاهو الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نكسون يقول بعبارة واضحة وصريحة: (يميل كثير من الأمريكيين إلى تصور المسلمين على أنهم نمط واحد من الناس غير المتمدنين، غير النظيفين، وغير العقلانيين، وعلى الغالب لا يلفت انتباهنا فيهم سوى أن بعض زعمائهم لهم الحظ السعيد في أنهم يحكمون أقاليم تحتوي في باطن أرضها على ثلثي الاحتياطات المؤكدة من النفط في العالم. ) ويتابع قوله: (ليس هناك من شعب، حتى ولا الصين الشعبية، له صورة سلبية في ضمير الأمريكيين بالقدر الذي للعالم الإسلامي. ) وعندما وقع انفجار أوكلاهما سارعت أجهزة الإعلام الأمريكية والصهيونية إلى اتهام العرب والمسلمين جرياً على العادة، وكلما حدث عمل إرهابي في مكان ما من العالم سارع الغ

رب

وإعلامه وسياسيوه إلى توجيه أصابع الاتهام إلى العرب أو المسلمين وكل ما يقوم به المقاومون العرب ضد الاحتلال الصهيوني هو بنظر الغرب إرهاب وتخريب وليس دفاعاً مشروعاً ضد الاحتلال وذوداً عن النفس والحق والوطن.

ونحن نعرف جيداً نظرة اليمين الأوربي لنا، ممثلاً بهنري لوبين، كما نتذكر جيداً ما فصّله في هذا المجال رئيس تحرير جريدة لوموند الفرنسية ومن نحا ذلك المنحى من سياسيين ومثقفين غربيين وأتباع لهم مسحوقين تحت (ظلالهم العالية)، ولا سيما بعد نهاية حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفيتي مباشرة، إذ ارتفعت في الغرب أصوات الباحثين عن شيطان جديد، وأعداء جدد يوجهون إليهم قواهم وصواريخهم العابرة للقارات، وقاموا بنبش الحقد القديم المستديم فاختاروا العالم الإسلامي والإسلام عدواً، وحملت أغلفة بعض المجلات تصريحات تحريضية كذلك الذي كان لإدوارد جيريجيان على غلاف (الأيكومنست)، وكتلك المقولات التي كان أبرزها (أنه كما شهد القرن الحالي - العشرون - انهيار الماركسية والشيوعية سيشهد القرن القادم انهيار العروبة والإسلام)، وكتلك الصرخة الشامتة المتباهية بقوتها وغطرستها التي أطلقها ساسة غربيون وصهاينة أعداء تلك التي تقول (وداعاً للقومية العربية، وداعاً للوحدة العربية) هذا عدا سيل تحريضٍ وافتراءاتٍ صهيونية يومية ضد دول عربية إسلامية، يأخذ منحى التعميم على العرب والمسلمين، يتهمهم بالإرهاب والتعصب وغير ذلك من الاتهامات التي تغذي الحقد عليه

م وتستفز الرأي العام العالمي ضدهم.

إن كل هذا يجعل الحوار الذي لابد منه، صعباً ومحفوفاً بالشكوك، ويجعل من يخوضونه ويتصدون لمشكلاته، مثقلين بالقيود والأحكام والمواقف المسبقة، يتحركون في مناخ موبوء يحتاج إلى تنقية من كثير من الشوائب والعكر الغليظ.

فهل يملك الناس الشجاعة وتتسع أمامهم نوافذ الأمل لخوض معترك الحوار الثقافي بنجاح، في الوضع الراهن، مع أصدقاء وأصدقاء محتملين، ومع من تقوم بينهم علاقات طبيعية، ومصالح مشتركة على أرضية الثقة والاحترام المتبادل، وليس مع عنصريين ومحتلين لأرض الآخرين بالقوة، وذابحين للأسرى والمصلين والأطفال، ومشردين للشعوب من أوطانها شأن الصهاينة العنصريين آمل ذلك من كل قلبي، وقد تفتح أمامي منافذ مشجعة جراء مبادرات محمودة تقتضي الأمانة الإشارة إليها، مثل تلك التي يقوم بها علماء ومثقفون شجعان في الغرب وبعض المسؤولين، إذ يسعون إلى تحقيق شيء من الإنصاف والتعامل بموضوعية واحترام مع الثقافات والشعوب، وقد كان للثقافة العربية - الإسلامية وللعرب المسلمين، نصيب من تلك اللفتات الطيبة المشجعة التي لجمت فيض الحقد وتصعد مد الاتهام العشوائي، تأتي على رأسها محاضرة ولي عهد بريطانيا عن الإسلام وتروي كلنتون في بداية أحداث أوكلاهما، وبعض جهود ناشئة لسياسيين ومفكرين غربيين مما يستحق الأمر معه ركوب المركب الصعب لخير البشرية والحضارة ومستقبل الأجيال القادمة.



[ Web design by Abadis ]