ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 قيم الحوار و التعايـش في الرؤية الثقافية الإسلامية / الأستاذ الشيخ محمد علي التسخيري

حول الرؤية الإسلامية

الرؤية الثقافية رؤية هادفة، تنطلق من مرجعية مقدسة للحياة الإسلامية فتعطيها شكلها ومضمونها المتميزين. وتستبطن هذه الرؤية مجمل أسس عملية التغيير الاجتماعي الشامل؛ فهي الإطار الذي يجمع في داخله مختلف مجالات التغيير. ومهما اختلف علماء الاجتماع والنفس وعلم الإنسان والإعلام في تحديد مفهوم الثقافة أو الرؤية الثقافية، فإنهم يتفقون على دورها الأساسي في رسم تفاصيل حياة المجتمع والفرد وتحديد أنماطها أي أنها، بكلمة أخرى، العنصر المركب الذي يحدد الأفكار والسلوك والظواهر الاجتماعية ويعدّها الإمام الخميني (المصنع الذي يصنع الإنسان) و (طريق إصلاح المجتمع) [١]، أو أنها كما يقول المرحوم مالك بن نبي الدستور الذي تتطلبه الحياة العامة، بجميع ما فيها من ضروب التفكير والتنوع الاجتماعي [٢].

من هنا فالتصور الإسلامي يتلخص في تصور الإسلام للحياة، أو أنه (الإسلام حين يصبح الحياة) كما عبرت ورقة (الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي) [٣].

ولهذه الرؤية مرجعية تعطيها مشروعيتها ومضمونها ومنهجها في تطويع الحياة للإسلام، وتتمثل مرجعيتها في القرآن الكريم والسنة الشريفة، فهناك حقائق الخلق والكون، التي تشكل مصدراً معرفياً دائم الحركة.

ولكي تحقق هذه الرؤية نيّاتها ومقاصدها في بناء الحياة الإسلامية، فقد وضعت مهمة رسم خطابها العصري وتحديد مناهجها على عاتق أصحاب الاختصاص من فقهاء ومفكرين وخبراء ومثقفين إسلاميين، وعلى أسس عملية تتيح للأصالة استيعاب متطلبات المعاصرة: لكي يكون العصر الذي تعيش فيه المجتمعات الجديدة لصيقاً بالإسلام ورؤيته الثقافية.

ولا يمكن بلورة هذه الرؤية ومراجعتها باستمرار دون عقول أصيلة متحررة من الجمود على الفهم، وأجواء متفتحة على النقد البناء والحوار الهادف اللذين يمنحها مناخ الحرية الفكرية المتوازنة.

من هنا فالحوار والتعايش في الرؤية الثقافية الإسلامية، محكومان بقيم المرجعية الإسلامية الملزمة (القرآن الكريم والسنة الشريفة): فقيمهما الشرعية والعقلية والأخلاقية هي نفسها قيم الدين الحنيف، أو القيم الإنسانية العامة التي لا تتعارض معه.

أهميـة الحـوار

الاختلاف صبغة كونية أصلت للحياة ألواناً مختلفة من التفكير والسلوك، وجعلت التباين بين الناس في رؤاهم ونظرتهم للأشياء هو الأصل، بعد أن كانوا أمة واحدة (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا [٤] ومرد ذلك إلى الاختلاف في الطبائع الوراثية والتنشئة والتكوين والتجربة والأهواء وغيرها. فليس ممكناً في الواقع وجود شخصين متفقين في كل الأشياء بنسبة مئة بالمئة، كما لاوجود لشخصين مختلفين بنسبة مئة بالمئة أيضاً، فالاختلاف والاتفاق قضيتان نسبيتان تتراوح نسبتهما بين الواحد بالمئة والتسع والتسعين بالمئة. وهذا لا يعني عدم وجود حق مطلق، ولكن هذا الحق المطلق هو الذي يحدده الله تعالى فقط أو من يخولهم من عباده كالأنبياء والأوصياء والملائكة. وكذلك تعتبره الفطرة نافذة إلهية لمعرفة الحق كما لايعطي هذا الاختلاف حقوقاً متساوية لكل المختلفين في الانتساب للحق، بل إن للاختلاف مرجعية مطلقة ليست من اختراع المختلفين يقول تعالى: (إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون [٥]، و (إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ( [٦]، فالحكم لله في مواطن الاختلاف، وحكمه عبّر عنه في كتابه الكريم، الأمر الذي يلغي مفهوم التعددية في مرجعية الاخ

تلاف بالنسبة للمسلمين.

وهنا يأتي الحوار ليعطي للاختلاف بعداً إنسانياً يضعه في شكله الطبيعي، ولا يسمح له بالتحول إلى طاقة تدميرية، بل إن الحوار يخفض من مستوى سلبيات الاختلاف ويرفع من مستوى ايجابياته: ليكون الاختلاف في هذا الإطار رحمةً وخيراً ودافعاً للإطلاع والمراجعة المستمرة. وهذا البعد يمنح الحوار مضموناً مصيريـاً وموقعاً مهماً في استمرار الحياة بطعمها المستقر، وإبقاء الجنس البشري بمستوى ما حباه الله من عقل وقدرة على التفكير والاختيار.

إن الحوار أداة للكشف عن الحقائق والأشياء الخفية، ومن خلاله تتم الإجابة على كثير من علامات الاستفهام والإشكاليات العالقة في الذهن، أو تزيد من القناعات الذاتية، كما يمكن من خلاله كشف الباطل ودحضه وكشف مؤثرات بطلانه ودلائله. وبشكل مجمل فإن الحوار ينضج الأفكار والقرارات؛ ففي الجانب الفكري والثقافي - مثلاً ينمي الحوار الأفكار ويعمقها، ويشذبها مما يعلق بها من انحراف أو جمود أو شوائب، ويحرك العقل باتجاه الإبداع والتجديد والتحرر، في الحدود التي تفرضها مرجعية الاختلاف. وفي الجانب السياسي والاجتماعي، يؤدي الحوار الدور نفسه في تنضيج القرار الاجتماعي والسياسي وإشعار الآخرين بالمسؤولية وبأهمية الموقع الذي يحتلونه، بل إن بعض أنماطه تعدُّ في دائرة المسلمين لوناً من ألوان الشورى.

ومن ثمّ فإن الحوار في الإسلام يعبّر عن قيمة حضارية لأنه أسلوب الأنبياء في التبليغ والدعوة؛ فقد انتشر الإسلام بالدعوة والوعظ والمحاجة والقول الحكيم، والذي أوصله إلى أقاصي الدنيا، ولاسيما أفريقية وشرق آسيا وأمريكا، هو الحوار. هذه البلدان التي يقطنها اليوم مئات الملايين من الناس، دخلت الإسلام بالحوار، فالإسلام هو دين المحجة ودحض الباطل بأسلوب الحكمة (أُدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [٧] ولابد من الإشارة هنا إلى أن الحوار هو المنهج الوحيد في نشر الدين والدعوة والتبليغ، رغم أنه نهج الأساس، ورغم أنه موقف يتخذه المسلم أساساً في الحركة، إلا أن النهج يتغير بتغير موقف الطرف الآخر.

مجـالات الحـوار

تتنوع مجالات الحوار الإسلامي بتنوع أطرافها ووسائلها وموضوعاتها، ولهذا التنوع أكثر من معيار للقيم. فعلى أساس معيار أطراف الحوار يمكن تقسيمه إلى:

- حوار بين الأفراد (عامة الناس، أو النخب، علماء الدين ومفكرون وجامعيون ومثقفون وغيرهم).

- حوار بين الشعوب.

- حوار بين الجماعات.

- حوار بين المذاهب.

- حوار بين الحكومات (ثنائي أو في إطار المنظمات والمؤسسات).

- حوار مع الأديان الأخرى.

- حوار مع المدنيات والحضارات الأخرى.

كما ينقسم على أساس معيار الوسائل إلى:

- حوار مباشر، يتم بين أطرفه بحضور عامة الناس أو عبر وسائل الإعلام (التلفزيون، الإذاعة …. الخ)، وهو الحوار المباشر المفتوح الذي يصطلح عليه عادة (المناظرة)، أما الحوار المباشر المغلق، فهو الذي يجري بعيداً عن الآخرين، ويقتصر على المتحاورين وبعض المراقبين.

- حوار غير مباشر، عبر الصحافة أو الرسائل أو (المراسلات) أو عبر طرف ثالث.

وعلى أساس معيار المادة أو الموضوع، ينقسم الحوار إلى:

- علمي (فقهي، عقائدي، أو مختلف العلوم الإسلامية والإنسانية والاجتماعية أو البحتة والتطبيقية).

- سياسي (ما يرتبط بالشأن السياسي العملي أو النظري).

- فكري (ثقافي، اجتماعي وغير ذلك).

ومن خلال استعراض هذا التنوع في الحوار، نريد القول: إن لكل منها أساليبه الفنية وآدابه وقواعده ومنهجه، ومن ثمّ فإن القيم العلمية والأسلوبية تختلف إلى حد ما فيما بينها ‎. ولكن القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية تبقى قاعدة مشتركة لها جميعاً فقد ركزت المرجعية الإسلامية، من خلال النصوص، على هذه القيم، وفصلها وشرحها الفقهاء وعلماء الكلام والحديث والأخلاق، كل من زاويته ومدخله العلمي. ومع التطور الهائل والتغييرات المتسارعة في أنماط الحياة وأساليب الحوار التخاطب، دخلت معادلات قيمية جديدة في صياغتها، وليست جديدة في أصولها، وهي ما ينبغي اكتشافه وتعريقه وأسلمته.

عناصـر الحـوار

يمكن تقسيم أهم عناصر الحوار إلى الأطراف، الموضوع، الأهداف، الإدارة والتحكيم، الزمان، المكان، المنهج، الأسلوب والنتائج. ومن خلال استعراض هذه العناصر بشيء من التفصيل نأتي إلى البعد القيمي الإسلامي حيال كل منها، بالصورة التي تحقق غايات الحوار كالغاية الفنية المتمثلة بالاعتراف بحالة الاختلاف والتركيز على إيجابياتها وتفتت سلبياتها كما ذكرت:

١ - أطراف الحوار: ينبغي توافر مجموعة من المؤهلات في شخصية المتحاورين، على الصعد الذاتية والموضوعية، تكفل لنجاح الحوار مدخله الأساس، ومن أهم هذه المؤهلات:

أ - التساوي في الرغبة والتكافؤ في حرية الطرح، فلابد أن لا يكون أحد أطراف الحوار مقحماً أو مجبراً على الحوار أو مضطراً له تحت ضغوط التهديد، بأنواعه: الاجتماعي، والسياسي، بالسجن أو الموت أو الطرف أو تلبيس التهم، أو تحت ضغوط الحياة والانجرار، فمثل هذا الحوار مهما كانت نتائجه، ليست له قيمة علمية أو دينية أو أخلاقية؛ لأنه يفتقر إلى أبسط أسس الحوار الحقيقي وآدابه؛ لأن أطراف الحوار هنا لن تكون متكافئة في القدرة والحرية، فبعضها يحاور من موقع القوة والاقتدار والاستكبار والآخر من موقع الضعف والاضطهاد، فهناك إذن، فرق كبير بين الحوار (الثقافي والثقافي السياسي) بين أطراف متكافئة، والحوار بين الغازي (العسكري والثقافي والسياسي) والمنهزم أو المدافع، فالحوار الثقافي والحضاري الحقيقي مثلاً يدور في إطار الاحتكاك أو التبادل الثقافي، في حين أن الحوار في إطار الغزو ليس له أي معنى. فالغازي الثقافي يسلب من الحوار كل إيجابياته، ويمكن أن يجري الحوار حتى خلال المعارك العسكرية، فضلاً عن المعارك الفكرية والسياسية، بهدف إلقاء الحجة على الخصم، شرط ضمان عنصر التكافؤ في حرية الرأي، وألا يكون حواراً من طرف واحد.

وفي السيرة والتاريخ الإسلامي نماذج أقدمت على مواقف الحوار في أثناء الحرب؛ لإقناع الخصم ومحاجته؛ في محاولة لتجنب ويلات الحرب ولكف شرها عن المسلمين.

ب - التسلح بالعلم والمعرفة في موضوع الحوار، فهو أساس لدخول الحوار وكسبه موضوعياً: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم [٨]، فالحوار الحقيقي ينبغي أن توضع له مقدمات موضوعية ويسير وفق أسس علمية، ولا يتحقق هذا الجانب دون تخصص المتحاورين في موضوع الحوار وإحاطتهم الكافية بحقائقه، ويضرب الله تعالى مثلاً في من يحاور في أمر وجود الله ووحدانيته وهو لا يفقه شيئاً في هذا المجال (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير [٩]. وحتى لو كان الحق مع الطرف الضعيف علماً؛ فإن هذا الحق سيضيع بين ثنايا الجهل، وقد تترتب عليه آثار سلبية تؤدي إلى ظهور الباطل بمظهر المنتصر، مما يتسبب في تزييف الواقع وانحراف وجهات نظر عامة الناس. وإذا كان الهدف من الحوار تحقيق فائدة علمية، فينبغي كذلك أن تكون الأطراف ضليعة في مجال موضوع الحوار. وهنا يشترط الإمام الغزالي على طرف الحوار (أن يناظر من هو مستقل بالعلم ليستفيد منه إن كان يطلب الحق) [١٠].

ج - التحلي بسلوكية لائقة، فالغضب والتشنج والتهريج والحقد والرياء والفرج بمساندة الطرف الآخر والاستكبار عن الحق، ستنزع من الحوار كل قيمة وتدخله في دائرة المنازعات والصراع بينما الصفات المعاكسة كالهدوء والتروي وضبط النفس واللين والمرونة، عموماً التوازن في المشاعر، سترفع من مستوى الحوار إلى دائرة النجاح والتأثير وتحقيق أفضل النتائج.

وهنا يبين الله تعالى لرسوله الكريم قاعدة عامة في التحاور مع الآخرين، تقف على أساس اللين والمرونة والتسامح: (لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر [١١]. فالله تعالى يأمر الرسول (ص) بالتشاور مع من قد أساءوا إليه، بعد أن يعفو عنهم ويستغفر لهم كما أمر من قبل موسى وهارون (ع): (اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى [١٢] ونقل المفضل - أحد تلاميذ الإمام جعفر الصادق (ع) - حادثة تحمل دلالة قيمية مشرفة في هذا المجال: فخلال تحاوره مع أحد الزنادقة، تشنج الموقف وغضب المفضل عليه، فقال له الزنديق:

(إن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا خاطبتنا ولا بمثل دليلك يجادل فينا، ولقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت، فما أفحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا، وإنه الحليم الرزين العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا ويصغي إلينا ويتعرف حجتنا، حتى إذا استفرغنا ما عندنا وظننا أنا قطعناه وغلبناه، دحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير، يلزمنا الحجة ويقطع العذر ولا نستطيع لجوابه ردّاً فإن كنت من أصحابه فخاطبنا مثل خطابه) [١٣].

٢ - موضوع الحوار: ينبغي قبيل بدء الحوار تحديد نقاط الإبهام والاختلاف، والعادة التي يتعين التحاور فيها؛ ليكون الموضوع واضحاً ومحدداً، فالحوار قد ينحرف باتجاهات أخرى ويكون مضيعة للوقت إذا تمت لأطراف الحوار أنهم كانوا يتحاورون في موضوعين أو موضوعات مختلفة. وهذا العنصر أطلق عليه العلماء القدامى اصطلاح (تحرير محل النزاع) وقالوا بضرورة تشخيص أبعاد النزاع؛ ليكون الاستدلال مننتجاً وعدّوه شرطاً منطقياً لا حاجة للاستدلال عليه [١٤] ويفترض هنا لحظ جميع الجوانب ذات العلاقة بالموضوع، فهناك جوانب مهمة قد لا تلحظ، ولكنها تترك أثرها في النتائج.

فيجب إذن أن يكون الحوار والدعوة على (بصيرة) يقول تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ( (يوسف ١٠٨).

٣ - أهداف الحوار، تكمن قيمة الحوار في هدفيته، والمتمثلة في اكتشاف الحقيقة ومعرفتها وبلورة شكلها ومضمونها، على اعتبار أن (الحكمة ضالة المؤمن) وهذا الهدف يعطي للتجرد والنزاهة والموضوعية في الحوار معنى حقيقياً، بالصورة التي يطرحها القرآن الكريم: (وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [١٥] أما الحوار الذي لا يحمل هدفاً معيناً ولا يترك أثراً علمياً أو فكرياً، فهو عديم القيمة والفائدة وتنطبق هذه القاعدة أيضاً على الحوارات التي تدور حول أمور افتراضية وخيالية ولا علاقة لها بالواقع [١٦]. وتتنوع مناهج الحوار - كما سيأتي - بتنوع أهدافه، فهناك الحوار النقدي الذي يتلخص في تقويم كل طرف لممارسات الطرف الآخر وأفكاره بشكل نقد موجه. وللنقد من جانبه آداب وشروط، تبقيه في حدوده الشرعية والعقلانية، وتحافظ فيه على روح الانعتاق والتقويم الصحيح والمحاسبة الهادفة والنقد البنّاء. وهناك أيضاً المدارسة التي هي لون من ألوان الحوار، وهدفها يدور حول الموضوع فقط، وليست لها أهداف خاصة أو ذاتية، ومن ثمَّ الوصول إلى نتائج متفق عليها، ولا توجد لدى أطرافها أحكام نهائية سابقة. أما المحاجة فهي حوار الإقناع وإقامة الدليل، وهدفها تفنيد وجهات نظر الط

رف الآخر ومحاولة استيعابه وجذبه وهديه، أو إيصال رسالة إلى الآخرين وتنبيههم وتوعيتهم.

٤ - الإدارة والرقابة والتحكيم: هذا العنصر الغني ضروري جداً لتحسين أداء الحوار وضمان تحقيق أهدافه وتنفيذ نتائجه، فالإدارة لا تدخل طرفاً في الحوار، بل تتلخص مهمتها في تنظيم الحوار وضبطه وتوفير الفرص المتكافئة للمتحاورين ومراقبة أساليبهم ومناهجهم، ثم التحكيم بينهم في حالات معينة. وتفرض هذه المهام شروطاً ومواصفات في عنصر الإدارة والرقابة والتحكيم أهمها: المقبولة لدى أطراف الحوار كافة كاختيار المعيار والموضوعية والتجرد، وحساب النتائج بدقة، وعدم تغليب طرف على حساب آخر، إلا في حدود الحقيقة، وحتى ولو كان لهذا الجهاز أو بعض أفراده خلفيات فكرية وسلوكية ورؤية تتفق أو تختلف مع أحد الأطراف، فلا ينبغي أن يكون لها مدخلية في الإدارة والتحكيم. وهنا نشير إلى قول الإمام علي (ع) للحكمين بصفين: (انظر فإن كان معاوية أحق بها فأثبتاه وإن كنت أولى بها فأثبتاني) (١٧).

٥ - مكان الحوار: إن عدم وجود أي نوع من المؤثرات التي تنعكس سلباً على أحد الأطراف أو مجموعهم أو على المراقبين، هو ما ينبغي أن يكون عليه مكان الحوار، وقد يتمثل هذا المؤثر في أجواء استفزازية أو انفعالية أو صاخبة، أو مؤثرات العقل الجمعي، ومن أمثلة ذلك ما ذكره القرآن الكريم من أجواء الانفعال والاستفزاز التي كان المشركون يخلقونها للتأثير في مسير الحوار الذي يقوم به الرسول (ص)، ولا سيما بعد اتهامه - والعياذ بالله - بالجنون، فدعاهم الرسول (ص) إلى نبذ هذا التهويل والصخب، والتأمل في التهم التي وجهوها له بغية استئناف الحوار في إطار الموعظة الحسنة: (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة [١٨].

ولا شك أن التطور التقني أضاف إلى التأثيرات البشرية في المكان تأثيرات أخرى سمعية وبصرية وصوتية وهندسية، لا تقل أهمية وتعقيداً في خلق أجواء خاصة وتأثيرات نفسية هائلة في المتحاورين أو الحضور أو المراقبين.

٦ - زمان الحوار: وهو عنصر مهم في اختيار الموضوعات والأهداف وينبغي تحديد زمان الحوار لمراعاة ظروف أطراف الحوار من النواحي الاجتماعية والنفسية والاستعداد العلمي، وظروف انعكاس الحوار على الآخرين، وأهمية موضوع الحوار زمانياً؛ فربما يكون لموضوع بعينه أهمية خاصة في زمان ما، ثم تنعدم هذه الأهمية في زمان آخر.

٧ - منهج الحوار: وهو النظام الذي يسلكه الحوار وفقاً لمجموعة من القواعد العامة [١٩]. ومن بديهيات الحوار العلمي أن يكون منهجه واضحاً ومرسوماً، ويفترض بأطراف الحوار أن تكون متفقة على قواعده، لكي يكون ملزماً لها جميعاً، كما تذكر الآية الكريمة: (أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزّل الله بها من سلطان [٢٠]، فهذه الأسماء أراد المشركون أن يفرضوها جزءاً من منهج الحوار، ولكنها لايمكن أن تكون ملزمة لمن لا يؤمن بهذا الجزء من المنهج.

ومن ضروريات هذا المنهج أن تكون هناك مبادئ متفق عليها ومفروضات مسلمة إذا استطاع أي من المتحاورين أن يثبت قوله بها أو يرجع قول الطرف الآخر إلى التعارض معها فإن الحوار سينتهي إلى نتيجة، وإلا فإذا لم تكن هنا مفروضات مسبقة يتسالم عليها الطرفان عاد الحوار عقيماً ومن أساليب القرآن في التنبيه على هذه المسلمات قوله تعالى: (أم خلقوا من غير شيء أو هم الخالقون ( (لوكان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا (ومن هنا نجد القرآن الكريم يرد على أولئك المنكرين للبديهيات بتنبيههم على خطايا ما يعتقدون إذ يقول الله تعالى لأولئك المقلدين لآبائهم (دونما منطق) (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان أباؤهم لايعقلون شيئاً ولا يهتدون ( (البقرة ١٧٠) وبالطبع فإن الذي لا يعقل لا يتبع فالمقياس المتفق عليه هو العقل والهدى الفطري.

ونطرح هنا أهم معايير منهج الحوار العلمي في إطار الرؤية الثقافية الإسلامية:

أ - التعارف والتوعية والمقصود منه تعرف كل طرف على حدود معينة من حقائق الطرف المقابل ومعتقداته وآرائه، من مصادرها نفسها، وليس من مصادر غيره، ولا سيما أعدائه، بهدف التمكن من إلزامه بما ألزم به نفسه والاحتجاج عليه بمصادره نفسها. وكذلك مبادرة أطراف الحوار إلى التعريف بمعتقداتها ووجهات نظرها ويدخل في هذا الإطار مبدأ التوعية؛ فالإسلام دين التوعية والتربية، وهو بمقتضى واقعيته وفطرته يقرر لزوم القيام بتوعية كل إنسان يراد له أن ينضم إلى معسكره، وكل مجتمع يراد للإسلام أن ينفذ إلى عمقه … إنه يعرض جوهرته الثمينة؛ لأنه يعلم أن قيمتها ستنكشف بكل وضوح للجميع، ولذا فهو يرفض التقليد في العقيدة، ويرفض علمية الإكراه العقائدي، ويدعو أتباعه إلى أن يكونوا أقوياء في البصر والبصيرة ويأمر - في مجال التعامل مع الآخرين - بالدعوة البينة الواضحة قبل كل شيء) [٢١].

(ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين [٢٢] (قل هذا سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [٢٣].

وبالنسبة إلى الحوار مع غير المسلمين، فإن البداية تتم عبر التذكير بحقائق الرسالة ومعالمها الرئيسة، معززة بالحجج والبراهين، وفي إطار النقاش المنطقي السليم [٢٤]. وتنقل كتب الحديث أن الرسول (ص) حين بعث الإمام علي (ع) إلى اليمن قال له (يا علي لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه إلى الإسلام، وايم الله لأن يهدي الله عز وجل على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت) [٢٥].

ب - الوضوح: أي استخدام المنهج الصحيح بصورة واضحة دون لبس أو تورية أو التواء، وعدم الخلط بين الحق والباطل، حتى من أجل الوصول إلى الحق كغاية لبلوغ الوسيلة!

يقول الإمام الصادق (ع):

(لا تمزج الحق بالباطل، وقليل من الحق يكفي من كثير من الباطل). ومن أساليب الإبهام في الحوار كما يقول الإمام الجويني:

الاحتيال على المحاور حتى يحرجه عن محل تساؤله، وتوجيه كلامه إلى وجوه محتملة [٢٦]، إضافة إلى استخدام المغالطات واسطة في المنهج.

ج - الموضوعية: ومن أبرز عناصرها: التجرد ونبذ التعصب والابتعاد عن القناعات السابقة والمواقف المبيتة والأحكام المعدة سلفاً خلال تنفيذ الحوار، حتى لو كانت أطراف الحوار على يقين مطلق بمعتقداتها ووجهات نظرها. فهذا التجرد يخلق جواً من الصدق في الوصول إلى الحقيقة كهدف نهائي للحوار، مهما كانت هذه الحقيقة، على النحو الذي يدعو فيه النبي (ص) الآخرين: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [٢٧].

ومما يذكر أن الخوارج احتجوا على الإمام علي (ع) بأنه يشك في أحقيته عندما يقول للحكمين (انظر فإن كان معاوية أحق بها فأثبتاه) فيجيبهم (ع) بالاستناد إلى هذه الآية السابق ذكرها قائلاً: "إن ذلك لم يكن شكاً منه ولكنه أنصف في القول وذكر الآية وعقب عليها بقوله: (ولم يكن ذلك شكاً وقد علم الله أن نبيه على الحق) [٢٨] وهذه الدعوة هي قمة التجرد والاستعداد لتقبل نتائج الحوار مهما كانت وأينما كانت، رغم اليقين المطلق للرسول الأعظم (ص) بصحة معتقداته. يقول الفيض الكاشاني في حديثه عن شروط الحوار:

أن يقصد بها إصابة الحق وطلب ظهوره كيف اتفق، لا ظهور صوابه وغزارة علمه وصحة نظره، فإن ذلك مراء منهي عنه بالنهي الأكيد. ويضيف:

أن يكون في طلب الحق كمنشد ضالة، يكون شاكراً متى وجدها، ولا يفرق بين أن تظهر على يديه أو يدي غيره، فيرى رفيقه معيناً لا خصماً، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر الحق [٢٩].

وهذا يعني أن الموضوعية لا تتلاقى مع هدف استعراض القابليات العلمية خلال الحوار، أو القدرة على امتلاك أدوات الجدل، أو التنكيل بالخصم. ومن شروط الموضوعية في منهج الحوار تقديم الدليل على الرأي والفكرة برهاناً على صحتها وصدقها: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [٣٠].

والشرط الآخر هو التقيد بالحقائق والأفكار التي يعتقدها الطرف الآخر، والاحتجاج بها، وفقاً لقاعدة (إلزموهم بما ألزموا به أنفسهم)، وعدم الاحتجاج بما ينكر المحاور من حقائق الآخر، أو الاعتماد على ما ينقله الخصوم والأعداء. وهذا الشرط هو تتمة بمعيار التعارف، كما ذكرنا….

د - اعتماد المشتركات: فلابد، ابتداء من اكتشاف الحقائق والمرتكزات المشتركة بين الطرفين؛ لتكون قاعدة رصينة يتفق عليها المتحاورون، ومقدمات واقعية ينطلقون منها للوصول إلى حقائق كلية: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم [٣١].

٨ - أسلوب الحوار: ويقصد به آداب الحوار وسلوكيات المتحاورين. وقد قدمنا في الحديث عن أطراف الحوار قسماً من المؤهلات السلوكية التي ينبغي أن يكون عليها أسلوب الحوار، كاللين والمرونة وضبط النفس والتوازن في المشاعر وغيرها، إضافة إلى الانفتاح السلوكي المدروس على الطرف الآخر، واحترام مشاعره ومعتقداته، ومحاورته بالحكمة والموعظة الحسنة وبالتي هي أحسن، فهذه الأساليب كافية لتترك في نفسه انطباعاً جيداً عن شخصية المحاور وطبيعة أهدافه ومعتقداته. أما الأساليب السلبية، كالتحريض وإثارة الفوضى والشغب، والتحامل والتشنج والتعصب الأعمى والتكبر، واستخدام أسلوب المغالطة، والانكماش والتهرب، والاستهزاء والسخرية، فهي مرفوضة في الحوار المنشود، قد نهى الإسلام عن ذلك: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن [٣٢]، فكيف بالحوار بين المسلمين أنفسهم!، فقيمة الحوار في الرؤية الإسلامية لا تعرف المهاترات والسباب، لتسببها في انعكاسات سلبية حادة. يقول تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم [٣٣] وتدخل هنا قيم سلبية أيضاً، كالاتهام والافتراء والتفسيق والتهديد بالإخراج عن الدين والرمي بالارتداد، دون تمحيص وبحث عقيدي و

فقهي واف. فللارتداد والتكفير معايير وقواعد دقيقة جداً بحثها الفقه الإسلامي بعناية، بالصورة التي لا يكون فيها هضم لحق أحد وسلب لحقوقه الاجتماعية والإنسانية. فالتسرع في إطلاق الأحكام خلال الحوار، لتحقيق أجواء غير موضوعية، تتقاطع تماماً مع الرؤية الإسلامية، فضلاً عن أن هذه الأساليب (ولاسيما التهديد بالعدوان وسلب الحقوق الاجتماعية والحكم المتسرع وغير المدروس بالردة والكفر) تؤدي إلى وضع عكسي، ونجد أنها تسببت في بروز ردود فعل عنيفة ضد الدين، بالصورة التي حدثت حيال أساليب الكنيسة في التعامل مع الآخرين خلال عصور أوروبا الوسطى، ثم أدت إلى ظهور ألوان فاقعة من الإلحاد والانحراف والعلمانية والسقوط والتطرف.

(قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون ( (سبأ ٢٥) ففي محاولة القرآن لإغلاق صفحة الماضي والعناصر الأخرى التي لاتنفع الحوار يطرح فكرة أن كل طرف مسؤول بنفسه عن أفعاله ولكن الجمال في التعبير المؤدب يبدو في المقارنة بين عبارة (أجرمنا) وعبارة (تعملون) فإن مقتضى التقابل هو التعبير يتجرمون ولكن الاحترام للطرف الآخر أبدل العبارة بـ (تعملون).

والإسلام يأمر بعدم مواصلة الحوار عند تجاوز الطرف الآخر حدود الحوار وآدابه كممارسة الاضطهاد والتهديد والافتراء والتهريج: (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم [٣٤]، أو إصراره على عدم قبول الدليل والحجة والبرهان، رغم وضوحها وقاطعيتها: (وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن بك بمؤمنين [٣٥]، حينما يدخل الحوار مرحلة العبث وتضييع الوقت، ويستحيل خلالها تحقيق فائدة بالصورة التي يصف القرآن الكريم حوار رسول الله (ص) مع الكافرين: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة [٣٦].

من جهة أخرى ينبغي الاتفاق بين الأطراف على لغة حوار مشتركة [٣٧]، وعلى مستوى علمي وفكري معين من اللغة؛ لكي يحصل التكافؤ في إيصال الرأي والرأي الآخر، كما في الحديث الشريف: (نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم). والواقع أن الخطاب الإسلامي الجديد المتطور، ينبغي أن يسود لغة الحوار الإسلامي المعاصر، فلكل مرحلة خطابها ولكل مرحلة لغتها وأساليبها الفنية الناجحة في الحوار، على اعتبار أن هذا الجانب متجدد ويدخل في إطار المتغيرات، شرط أن لا يخرج التجديد عن الثوابت الأسلوبية في الحوار الإسلامي، وهذا التجديد تعبير عن حركية الإسلام وقدرته المطلقة على استيعاب كل متطلبات الزمان والمكان وتلبية حاجاتهما.

٩ - نتائج الحوار: وهي ما يترتب على الحوار بعد انتهائه من حقائق وأرقام جديدة تعلن عن تفوق أحد أطراف الحوار أو انتصاره أو براءته، وتؤدي بالطرف الآخر إلى التحول في الرأي كلياً أو جزئياً أو تدفعه لمراجعة ذاتية لآرائه ومعتقداته التي عرضت للنقد والاهتزاز والهزيمة، وكذلك مراجعة أخرى لأساليبه ومنهجه وخطابه. وقد ينتهي الحوار بتراضي الطرفين وتفاهمهما أو تساويهما في النصر والهزيمة، أو إقدامها على حلّ وسط جديد، والمهم هنا هو قبول كل أطراف الحوار بالنتائج مهما كانت، وعدم التعصب والاعتزاز بالخطأ. وبديهي أن يكون لجهاز الإدارة والتحكيم الدور الأساس في حساب النتائج، بالوسائل الموضوعية التي سبقت الإشارة إليها.

وقد يكون مفيداً هنا طرح تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مجال الحوار، فهذه التجربة دون شك غنية كماً ونوعاً ولعل نجاح الجمهورية الإسلامية في دفع هيئة الأمم المتحدة لإقرار مشروعها بتسمية عام ٢٠٠١م عاماً لحوار الحضارات، هو تعبير عن نضج تجربة الحوار فيها، وبناء على ذلك، تم تأسيس مركز علمي تخصصي في طهران يأخذ على عاتقه المساهمة في تنفيذ مشروع الحوار بين الحضارات. وسبق للجمهورية الإسلامية أن طرحت عدة مشاريع رائدة أخرى، تحولت بمرور الزمن إلى مؤسسات وأجهزة فاعلة، وفي مقدمتها مشروع الحوار بين المذاهب الإسلامية، الذي نشط منذ أوائل الثمانينيات، ثم تبلور في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وكذلك المؤتمر العالمي السنوي للفكر الإسلامي، ومشروع الحوار بين الأديان الذي تديره أمانة عامة دائمة تعقد ملتقيات ومؤتمرات دورية على مدار السنة. أما في الشأن الداخلي، فإن الحوار الدائم والمناظرات بين الجماعات السياسية والاتجاهات الفكرية والثقافية عبر وسائل الإعلام والصحافة أو في التجمعات والندوات، يكاد يكون النشاط الأساس الذي يميز الساحة الإيرانية. ولعل آلية الحوار والنقد التي أقرتها الثورة الإسلامية منذ اليوم الأول

ساعدت كثيراً في كشف السلبيات، وفي النظرة إلى المشاكل والمعوقات نظرة موضوعية وواقعية. ومازال الحوار والنقد البناء يعطيان لمناخ الثورة مرونة عالية في التعامل مع قضاياها؛ لتأتي المعالجات والحلول في إطار دراسات واعية تستوعب الرأي والرأي الآخر.

التعايش في الرؤية الإسلامية:

في أجواء الاختلاف يكون التعايش على أساس التعددية التي يرتضيها الإسلام، هو الحل الكفيل بتجنب مشاكل الصراع والتضارب في الرؤى والأفكار والمعتقدات بشتى ألوانها. ولا يعني التعايش القبول بشتى ألوان التفكير والسلوك، وصهر الجمع في بوتقته، كما لا يعني التنازل عن الحق أو توزيعه على المتعايشين بنسبة متساوية، وفقاً لمفهوم التعددية Pluralism الذي يفهمه الغرب، بل يعني أن يحتفظ كل طرف بوضعه الخاص، ويمارس نشاطه الديني أو المذهبي أو الفكري أو السياسي، في إطار الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الإسلام بمضامينها المتوازنة والمرشدة، والتي لا تسمح لأي طرف بسلب حقوق الآخرين أو الإخلال بأمن المجتمع، مهما بلغت قوة هذا الطرف عدة وعدداً والصورة المثلى للتعايش هي صورة دولة المدينة التي كان اليهودي والنصراني يعيشان فيها بأمان إلى جانب المسلم وفي كنف الدولة الإسلامية، وكان الحبشي والرومي والفارسي يتمتعون فيها بكل حقوق المواطنة كالعربي تماماً، وهكذا تعايش المهاجرون إلى جانب الأنصار، وتعايش الأوس والخزرج معاً، بل كان يعيش فيها أتباع التيارات الفكرية والسياسية التي تشكل لوناً من المعارضة، وفي المقدمة تيار المنافقين والمشركين: (قل يا أيه

ا الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين [٣٨].

لقد كان الجميع يدركون حقوقهم وواجباتهم، ويمارسونها بالصورة التي قننها الإسلام.

وتستند الرؤية الإسلامية في مجال التعايش مع الآخرين إلى أساسين رئيسين هما:

١ - المصلحة الإسلامية العليا على ضوء الواقع القائم.

٢ - الصلات والرحمة الإنسانية والعلاقات الأخلاقية.

ويُستقى التشريع الإسلامي في كل مجالاته من هذين المعينين فيعدّان من أهم سمات التشريع الإسلامي في شتى جوانبه. أما العناصر الرئيسية التي تحدد توعية العلاقة بين المسلمين وغيرهم كآلية للتعايش، فأهمها:

١ - الأمة المثال: يصف القرآن الكريم الأمة الإسلامية بالوسطية، ويريد به المثال الأسمى والأمة الشاهدة التي كانت خير أمة أُخرجت للناس، وهذا العنصر يدفع الأمة باتجاة السمو والتكامل في كل المجالات، والاستفادة الأكمل من تجارب الآخرين، ويعني ذلك الانفتاح على كل مجالات الحياة، وحمل رسالة إنسانية حضارية كبرى.

٢ - المبدئية: وتقضي بنوعين من التعايش، الأول بين المؤمنين، وهو تعايش أخوي، ويعني وحدة الأفراد في مجمل الشؤون. والنوع الثاني مع الآخرين، ويحدد طبيعته مقدار قربهم أو بعدهم عن المبدأ الإسلامي الذي يحدد مضمون التعايش معهم، كأن يكون ودّياً حسناً أو يشوبه القلق.

٣ - نفي السبيل على المؤمنين: ويعني أن أي تصرف أو وضع معاهدة تؤدي إلى تفوق الكافرين على المسلمين يعدُّ ملغياً من أصله (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا [٣٩]. وهذه القاعدة تعدُّ من القواعد الثانوية التي تستطيع الحكم على الأحكام الأولية بمجموعها. وهذا التوجه لايعبر عن نوع من التكبر، إذ تعمل هذه القاعدة على أساس معايير إنسانية.

٤ - التوعية والدعوة: فالتعايش لا يعني تجاوز حقائق الإسلام التي تؤكد استمرار التوعية والدعوة. ويقتضي التعايش المتوازن والعلاقات السلبية بين فئات المجتمع أن تركز النوعية على أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن: (فلذلك فادع واستقم كما أُمرت ولاتتبع أهواءهم [٤٠].

٥ - العدالة: يشكل العدل أهم أصول التصور الإسلامي للواقع، وأهم الأسس عند التعامل الاجتماعي (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله [٤١] ولعل الآية الكريمة (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى [٤٢] تعبر بدقة عن أهمية العدل في معادلات التعايش، حتى في حالات التوتر التي يكاد أن ينسى فيها العدل. ومن خلال النظر إلى طبيعة تعامل دار الإسلام مع غير المسلمين، ندرك البعد الإنساني في عنصر العدل. وهو ما يفسر أيضاً وقوف الإسلام إلى جانب المستضعفين والمحرومين في كل مكان.

٦ - تأليف القلوب: في الأجواء التي يحكمها تأليف القلوب، تنفتح النفوس على الحقيقة وتتقرب إلى الواقع. ويعود هذا العنصر إلى تشريع سهم المؤلفة قلوبهم في مصارف الزكاة، والذي فتح المجال للوقوف إلى جانب المستضعفين والدفاع عن قضاياهم واجتذابهم نحو الإسلام، والإنفاق عليهم بما يحقق مصلحة الإسلام العليا، وتعميق التعايش الإيجابي بين مختلف اتجاهات المجتمع.

٧ - الوفاء بالعهد: ويقصد به الوفاء بكل العهود والاتفاقات التي تعقد بين المسلمين وغيرهم (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا [٤٣]. ومن هذه العقود ما صرح به الإسلام وحدد لها قوانينها العامة، ومنها ما يرى ولي الأمر ضرورتها لتحقيق مصلحة إسلامية عليا. ومثال الأول: عقد الهدنة وعقد الأمان، ومثال الثاني: العقود الاقتصادية والعسكرية وغيرها.

٨ - التعامل بالمثل: مبدأ جزاء الإحسان بالإحسان، ومبدأ القصاص: مبدءان واقعيان يرتضيهما المنطق الإنساني والتعامل الفردي والاجتماعي [٤٤]، وهدفهما ردع الاعتداء واستقطاب القلوب، يقول تعالى:

(الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [٤٥]. وهو يعني باختصار التعامل مع الآخر بالمثل: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ( [٤٦].

ولعل تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مجال التعايش هي من التجارب المهمة على صعيد التطبيق؛ لما تمثله إيران من دولة تتميز بالتعددية في كثير من المجالات، فهناك أتباع ثلاث ديانات (النصرانية، اليهودية، الزردشتية) يعيشون إلى جانب المسلمين، وست قوميات (الفارسية، التركية، العربية، الكردية، التركمانية والبلوشية). وخمسة مذاهب إسلامية، فضلاً عن الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية التي أذعنت جميعاً لمعادلات الشورى وآلية الممارسة الديمقراطية هذه التجربة الفذة التي أبرزت الوجه المشرق للرؤية الإسلامية في مجالي الحوار والتعايش، جديرة بالدراسة والمراجعة المستمرة.

[١] ديدكاههاى فرهنكى إمام خميني (نظرات ثقافية للإمام الخميني)، إعداد: أكبر أسدي.

[٢] شروط النهضة، ص ١٣٠

[٣] أعدتها منظمة المؤتمر الإسلامي.

[٤] سورة يونس الآية ١٩.

[٥] سورة المائدة، الآية ٤٨.

[٦] سورة الزمر، الآية ٣.

[٧] سورة الزمر، الآية ٣.

[٨] سورة آل عمران، الآية ٦٦.

[٩] سورة الحج، الآية ٨.

[١٠] الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء في شرح إحياء علوم الدين للغزالي، ج١ ص١٠١.

[١١] سورة آل عمران، الآية ١٥٨.

[١٢] سورة طه، الآيتان ٤٣ـ٤٤.

[١٣] كتاب التوحيد للمفضل - انظر أيضاً في مجادل أدب المناظرة والحوار

ـ ما ورد عن النبي (ص) وأهل بيته في كتاب الاحتجاج للطبرسي.

[١٤] انظر الجويني، الكافية، ص٥٤٠، السعدي، قاموس الشريعة، ج٣، ص٦.

[١٥] سورة سبأ، الآية ٢٤.

[١٦] يقول الغزالي: إن المناظرة لابد أن تدور حول (واقعة مهمة أو مسألة قريبة من الوقوع). انظر المحجة البيضاء، ج١ ص١٠٠ ولذلك يقطع القرآن النزاع في مسائل لا يراها عملية أو ممكنة كالسؤال عن الروح وموعد الساعة والأهلة فإن الأفهام لم تكن بمستوى فهم حقائقها آنذاك.

[١٧] الاحتجاج ٢٧٦ - منشورات العماني.

[١٨] سورة سبأ، الآية ٤٦.

[١٩] انظر الصحاح في اللغة والعلوم (المعجم الوسيط)، مادة نهج.

[٢٠] سورة الأعراف، الآية ٧١.

[٢١] للكاتب نفسه، الأسس المهمة في النظام الإسلامي، ص ١٢٧.

[٢٢] سورة فصلت، الآية ٣٣.

[٢٣] سورة يوسف، الآية ١٠٨

[٢٤] الشهيد السيد محمد باقر الصدر، اقتصادنا ج٨، ص ٢٧٨.

[٢٥] رواها الحر العاملي في الوسائل، ج١١، ص٣٠.

[٢٦] الجويني، الكافية ٥٤٢ - ٥٤٩.

[٢٧] سورة سبأ، ٢٤.

[٢٨] الاحتجاج للطبرسي ص٢٧٨.

[٢٩] المحجة البيضاء، ج١ ص٩٩ - ١٠٠، وإحياء علوم الدين، ج١ ص٤٣.

[٣٠] سورة البقرة، الآية ١١١.

[٣١] سورة آل عمران، الآية ٦٤.

[٣٢] سورة العنكبوت، الآية ٤٦.

[٣٣] سورة الأنعام، الآية ١٠٨.

[٣٤] سورة النساء، الآية ٦٣.

[٣٥] سورة هود، الآية ٥٣.

[٣٦] سورة البقرة: الآيتان ٦ـ٧.

[٣٧] المراد هنا الجانب الفني في اللغة أو الخطاب، كاستخدام المصطلحات التخصصية، والمستوى العلمي في التعبير عن الرأي وأسلوب طرحه، والاستفادة من بعض المعارف والعلوم التخصصية، التي ربما يجهلها الطرف الآخر، فيكون الحوار حينها كحوار الطرشان - كما يعبرون ـ

[٣٨] سورة الكافرون.

[٣٩] - سورة النساء، الآية ١٤١.

[٤٠] سورة الشورى، الآية ١٥.

[٤١] سورة النساء، الآية ١٣٥.

[٤٢] سورة المائدة، الآية ٨.

[٤٣] سورة الإسراء، الآية ٣٤.

[٤٤] انظر للكاتب نفسه، الأسس المهمة في النظام الإسلامي، ص١٢٣ـ١٣٤.

[٤٥] سورة البقرة، الآية ١٩٤.

[٤٦] سورة الممتحنة، الآية ٨.



[ Web design by Abadis ]