ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 كلمة الدكتور عبد العزيز التويجري *

رؤيـة الإيسيسكو للحوار بين الحضارات

مدخـل:

اهتمت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، منذ وقت مبكر، بقضايا الحوار بين الحضارات، انطلاقاً من إيمانها القوي بأن الحوار هو خير وسيلة للتعايش بين الشعوب، ولإزالة أسباب التوتر في العلاقات الدولية، وللتغلب على المشكلات والصعاب التي تتسـبب في نشـوء الأزمات الدولية، وكان للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة دورها المتميّز بحكم اختصاصها ورسالتها، في بلورة مفهوم متكامل ومتوازن، للحوار في مستوياته الثلاثة:

١ - الحوار بين الحضارات.

٢ - الحوار بين الثقافات.

٣ - الحوار بين الأديان.

إن مفهوم الحوار في الفكر السياسي والثقافي المعاصر، من المفاهيم الجديدة حديثة العهد بالتداول، فليس الحوار من ألفاظ القانون الدولي، إذ لا يوجد له ذكر أصلاً في ميثاق الأمم المتحدة، ولا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولا في العهد الدولي الخاص بالخصوص المدنية والسياسية، ولا في إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي.

وتأسيساً على ذلك فإن الحوار مفهوم سياسي إيديولوجي ثقافي حضاري، وليس مفهوماً قانونياً.

وللحوار في تراثنا الثقافي والحضاري قيمة ضمن قيم الحضارة الإسلامية، وموقف فكري وحالة وجدانية، وتعبير عن أبرز سمات الشخصية الإسلامية السوية.

وفي رؤية الإيسيسكو، يستند الحوار إلى أسس ثابتة، وضوابط محكمة، ويقوم على منطلقات ثلاثة:

ـ الاحترام المتبادل.

ـ الإنصاف والعدل.

ـ نبذ التعصب والكراهية.

أهداف الحوار واتجاهاته:

انطلاقاً من رؤية الإيسيسكو للحوار، واستناداً إلى مفهومه الحضاري الذي أسهمت في تأصيله، فإن الحوار الذي يحقق الأهداف الإنسانية العامة، والذي يمكن أن يكون موضع الاهتمام من العالم الإسلامي، لابد أن يسير في هذه الاتجاهات الثلاثة:

أولاً: ربط أهداف الحوار بالمصالح العليا للأمة الإسلامية، بحيث لايقع أي تعارض بين الأهداف المرسومة لأي حوار بين الحضارات والثقافات يشارك فيه الجانب الإسلامي، وبين القضايا الرئيسة التي تجتمع حولها إرادة الأمة الإسلامية، والتي تعبّر عنها قرارات منظمة المؤتمر الإسلامي، سواء تلك التي تتخذ على مستوى القمة، أو على المستوى الوزاري.

ثانياً: الاتجاه بالحوار نحو الجانب الإنساني، فلا يبقى دائراً حول القضايا الفكرية والعقائدية التي لا تنفع طرفاً من الأطراف. ويدخل ضمن ذلك تحديدُ الموقف الإيماني الخالص من حقوق الإنسان، ومحاربة الظلم والعدوان والاضطهاد والإفساد بكل أشكاله، بحيث يقع الحرص دائماً على إصدار بيانات مشتركة في أعقاب كل جولةٍ للحوار تحدد مواقف أهل الإيمان مما يجري في العالم من انتهاكات لحقوق الإنسان في كل مكان، ومما يقوم به الظالمون والمعتدون والمفسدون في الأرض من بغي وعدوان، من وجهة نظر الحق والعدل والقيم الدينية المشتركة، وليس فقط من وجهة النظر السياسية والقانونية الوضعية، ومن مصالح الأقوياء وذوي النفوذ في العالم.

ثالثاً: التنسيق بين أطراف الجانب الإسلامي في كل ما يتعلق بالحوار بين الحضارات والثقافات، بحيث تقوم الجهة الإسلامية الرسمية أو الشعبية التي تدخل في حوار على هذا المستوى، بإبلاغ كل الجهات، أو أهمها وأكبرها وأوسعها نشاطاً وحضوراً في ساحة العمل الإسلامي العلمي والفكري والثقافي، بموضوعات الحوار، وبموعده، وبالأهداف المرسومة له، وبالجهة التي تنظمه، حتى يمكن الانضمام إليه والمشاركة فيه، لمن أراد وتوافرت له الأسباب.

فإذا سار الحوار بين الحضارات في هذه الاتجاهات، أمكن الوصول على نتائج إيجابية تخدم في المقام الأول، المصالح العليا للأمة الإسلامية وقضاياها، وتعزز الجهود المبذولة على مستويات كثيرة للدفاع عن هذه المصالح ولنصرة هذه القضايا، وتدعم العلاقات الدولية وتُثريها، وتُسهم في إقرار الأمن والسلم والاستقرار في العالم، وترفع من شأن قيم الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى، وبمبادئ التعايش بين بني البشر كافة.

أنشطة الحوار التي نقذتها الإيسيسكو أو شاركت فيها:

لقد نفذّت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة عدداً من الأنشطة في إطار خططها وبرامج التعاون التي وقعتها مع المنظمات والهيئات العربية والإسلامية والدولية. وقد ضمت هذه الأنشطة عدداً من الاجتماعات والندوات وإعداد مجموعة من الاستراتيجيات المتخصصة المتصلة بموضوع الحوار الإسلامي - الإسلامي، وتفعيل دور المسلمين في بناء الثقافة الإنسانية، وإصدار مؤلفات علمية رصينة تعالج الموضوع. كما شاركت في عدد من المؤتمرات والندوات المتخصصة التي عقدتها جهات أخرى. وساهمت المنظمة في السنة الدولية للحوار مساهمة متميزة كان لها أصداؤها الواسعة في المنتديات الدولية.

I - المؤتمرات والندوات والاجتماعات:

تمثّلت أهم المؤتمرات والاجتماعات والندوات التي تناولت قضايا الحوار بين الحضارات والثقافات داخل العالم الإسلامي وخارجه التي عقدتها المنظمة أو شاركت فيها فيما يأتي:

١ - المؤتمر العام الثامن للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة (مصر): ٢٤ - ٢٧ يوليو ١٩٩٦، شارك فيه المدير العام ببحث حول (الإسلام ومستقبل الحوار الحضاري). وقد نشر البحث في كتاب باللغات الثلاث: العربية والإنجليزية والفرنسية.

٢ - اجتماع دولي حول الحوار بين الأديان والحضارات: القاهرة (مصر): ٨ - ١٠ نوفمبر ١٩٩٨، دعا إليه المجلس الإسلامي الأعلى للدعوة والإغاثة.

٣ - اجتماع لجنة التنسيق الخاصة بالحوار الإسلامي - المسيحي، عمان (الأردن): ٢٢ - ٢٣ أبريل ١٩٩٨.

٤ - المؤتمر العام العاشر للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة (مصر): ٢ - ٥ يوليو ١٩٩٨، شارك فيه المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ببحث حول (الإسلام والتعايش بين الأديان في أفق القرن الحادي والعشرين). وقد نُشر البحث مكتوباً باللغات الثلاث: العربية والإنجليزية والفرنسية.

٥ - اجتماع فريق الصياغة للوثيقتين العالميتين حول الحوار بين الحضارات، جدة (المملكة العربية السعودية): ٥ - ٧ فبراير ٢٠٠٠، عقد في مقر الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي.

٦ - ندوة دولية حول الحوار والتعايش بين الحضارات والثقافات: برلين (ألمانيا): ٥ يوليو ٢٠٠٠، بالتعاون بين المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، ورابطة العالم الإسلامي، ومؤسسة الإمام الخوئي الخيرية. (المرفق: إعلان برلين حول الحوار بين الحضارات).

٧ - ندوة دولية حول إسهامات الحضارات الإنسانية في الارتقاء بقيم حقوق الإنسان ومبادئها، الرباط: ٢٥ - ٢٧ نوفمبر ٢٠٠٠، عقدتها منظمة العفو الدولية.

٨ - ندوة دولية حول الحوار بين الحضارات في عالم متغير، الرباط (المغرب) ١٠ - ١٢ يوليو ٢٠٠١، عقدتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالرعاية السامية لجلالة العاهل المغربي الملك محمد السادس. (المرفق: إعلان الرباط حول الحوار بين الحضارات).

٩ - ندوة دولية حوار الحوار بين الحضارات، طوكيو (اليابان): ٣ - ٦ أغسطس ٢٠٠١، عقدتها جامعة الأمم المتحدة واليونسكو، وشارك فيها المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ببحث حول (الجوانب السياسية للحوار بين الحضارات من منظور إسلامي).

١٠ - ندوة دولية حول الحوار بين الحضارات: التنظير والتنفيذ، تونس: ١٢ - ١٣ نوفمبر ٢٠٠١، عقدتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة برعاية فخامة الرئيس التونسي السيد زين العابدين بن علي. (المرفق: نداء تونس حول الحوار بين الحضارات).

١١ - ندوة دولية حول الحوار بين الحضارات من أجل التعايش. دمشق: ١٨ - ٢٠ مايو ٢٠٠٢، ستعقدها الإيسيسكو بالرعاية السامية لفخامة الرئيس السوري بشار الأسد وبحضور نخبة من كبار العلماء والمتخصصين في العالم في مجال الحوار بين الحضارات.

II - الاستراتيجيات المتخصصة والإصدارات العلمية:

قامت المنظمة في هذا المجال بإعداد ثلاث استراتيجيات تهتم بموضوع الحوار الإسلامي - الإسلامي، وسبل التقريب بين المذاهب الفقهية الإسلامية، ودور المسلمين في تصحيح صورة الإسلام في الغرب، واستفادة العالم الإسلامي من العلماء المسلمين في المهجر، من أجل تفعيل إسهام هذه العقول المهاجرة في تضييق الهوة الثقافية والعلمية بين الحضارات.

ونذكر من بين هذه الاستراتيجيات والإصدارات:

ـ استراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية.

ـ استراتيجية الاستفادة من العقول المهاجرة.

ـ استراتيجية العلم الثقافي الإسلامي في الغرب وآلياتها التنفيذية.

منشورات الإيسيسكو عن الحوار:

ـ الحوار والتفاعل الحضاري من منظور إسلامي (د. عبد العزيز بن عثمان التويجري)، وقد نشرت الدراسة باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية في ثلاث طبعات.

ـ الإسلام والتعايش بين الأديان (د. عبد العزيز بن عثمان التويجري) وقد نُشرت الدراسة باللغات العربية والانجليزية والفرنسية في ثلاث طبعات.

ـ آفاق مستقبل الحوار بين المسلمين والغرب (د. عبد العزيز بن عثمان التويجري) وقد نُشرت الدراسة باللغات العربية والانجليزية والفرنسية في ثلاث طبعات.

ـ الحوار من منظور إسلامي (د. عباس الجراري)، ونُشر الكتاب باللغات العربية والانجليزية والفرنسية في ثلاث طبعات.

ـ أدب الاختلاف في الإسلام (وقائع ندوة عقدتها المنظمة الإسلامية في تونس بالتعاون مع جامعة الزيتونة) باللغة العربية.

ـ الإسلام بين الحقيقة والادعاء: ردود على أهم الافتراءات المثارة ضد الإسلام (مجموعة من الباحثين) باللغات العربية والانجليزية والفرنسية في ثلاث طبعات.

ـ مفهوم التعايش في الإسلام (د. عباس الجراري) باللغات العربية والانجليزية والفرنسية في طبعة واحدة.

ـ ثلاثة كتب باللغات العربية والانجليزية والفرنسية، في تصحيح المغالطات والأخطاء عن الإسلام الواردة في الموسوعة الإسلامية الصادرة عن دار بريل في لايدن بهولندا، حول:

أ - القرآن الكريم

ب - السيرة النبوية.

ج - العقيدة الإسلامية.

- الفرنكوفونية والوطن العربي، حوار الثقافات (وقائع ندوة دولية عقدتها المنظمة الدولية للفرنكوفونية وجامعة الدول العربية ومعهد العالم العربي بباريس والتعاون مع الإيسيسكو (باريس ٣٠ - ٣١ مايو ٢٠٠٢).

- الكتاب الأبيض حول الحوار بين الحضارات: تم إعداده بمناسبة إعلان سنة ٢٠٠١ سنة الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات، يحتوي التوصيات والقرارات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وهيئاتها المتخصصة حول الحوار بين الحضارات، كما يحتوي على عدد من البرامج التنفيذية والتقارير الميدانية حول الأنشطة التي نفذت خلال عام ٢٠٠١ لتشجيع الحوار بين الحضارات وتطوير آلياته.

III - التخطيط المستقبلي:

انطلاقاً من ميثاق المنظمة الإسلامية الذي يدعو إلى تقوية الحوار المثمر مع الثقافات الأخرى لتحقيق التعايش الحضاري الذي يكفل احترام الذاتية الثقافية للشعوب كافة، ومن الخطة متوسطة المدى للسنوات ٢٠٠١ - ٢٠٠٩ التي أولت اهتماماً خاصاً لبرنامج الحوار والتواصل بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى، أدرجت المنظمة الإسلامية ضمن خططها الثلاثية للسنوات ٢٠٠١ - ٢٠٠٣، مجال عملٍ متكاملاً بعنوان (الثقافة الإسلامية الفاعلة والمتفاعلة)، تم تصوره من خلال نظرة شمولية لأسس هذا الحوار وآلياته ومقاصده.

وقد ركّز هذا المجال على أهم ما يميز الثقافة الإسلامية في عصورها المختلفة من تفاعل وتفتح على الثقافات وقابلياتها للأخذ والعطاء، حيث احتكت بالحضارات والثقافات الأخرى، هاضمةً ومستفيدةً من الثقافات الإنسانية المختلفة، دون أن تفقد خصائصها ومقوماتها الذاتية، فأنتجت ثقافة إسلامية فاعلة ذات بعد إنساني أثرت في مجرى الثقافات والحضارات الأخرى. وقد شهدت هذه الثقافة الإسلامية مظاهر أزمة ومؤشرات ضعف تفاوتت حدتها حسب العصور الزمنية والمناطق الجغرافية، كما واجهت تحديات جوهرية تمثَّل أهمها في المد الاستعماري الذي حاول بكل الوسائل إضعاف الحيوية الثقافية الإسلامية وطمس الهوية الإسلامية واستلابها. إلا أن العالم الإسلامي سرعان ما أخذ يسترد شيئاً فشيئاً دوره الحضاري الريادي بفعل الحركات التحررية والإصلاحية التي عملت على تحرير المجتمعات الإسلامية من سيادة التغريب والتجهيل، فاستعادت الثقافة الإسلامية صحوتها، واستردت نهجها الإسلامي المنافي للصراع والصدام، الحاثّ على التعاون والتعايش والحوار، باعتبار أن رسالة الإسلامي رسالة عالمية إنسانية، مصداقاً لقوله تعالى: وما أرسلناك إلاّ كافة للناس. (سورة سبأ، ٢٨).

وانطلاقاً مما جاء في الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي من أنه لا يمكن في وقتنا الحاضر لأية ثقافة أن تعيش مستقلةً بذاتها؛ حيث أصبحت التعددية الثقافية والترابط بين الثقافات حقيقة قائمة، وعملاً بما ورد في هذه الاستراتيجية من ضرورة ابتعاد العالم الإسلامي عن الخلافات الفقهية والمذهبية والحرص على أن لاتطغى هذه الخلافات بحيث تعوق مسيرة التعاون والعمل المشترك، ما دام الاتفاق حاصلاً وقائماً وراسخاً حول الأصول والثوابت، وفي ضوء ما أكدته الديانات والثقافات الأخرى وما كان لهذا الانفتاح الديني ولروح الحوار من آثار إيجابية على الثقافة الإسلامية التي تركت بدورها الأبواب مفتوحة لمنجزات إنسانية وثقافية عديدة أخذت عنها الكثير، تعتزم المنظمة الإسلامية مواصلة العمل في مجال الحوار الثقافي بين المسلمين داخل العالم الإسلامي وخارجه، الذي سيتوج بوضع استراتيجية للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وتعزيز الثقافة الإسلامية للأقليات والجاليات الإسلامية في إطار استراتيجية العمل الثقافي الإسلامي في الغرب التي أعدتها المنظمة الإسلامية، وتفعيل الحوار بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى الذي شرعت المنظمة تبلوره من خلال إعداد دراسات مرجعية و

بثها عبر الإنترنيت بلغات عمل المنظمة.

ومن بين المحاور ذات الصلة بمجال الحوار بين الحضارات، التي ضمها هذا المجال، نذكر المحور الأول الذي يتعلق بالتفاعل بين الثقافات، وآليات التواصل بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى، وآفاق التصدي للتحديات الثقافية التي تواجه العالم الإسلامي، في حين يركز المحور الثاني على مجالات التبادل الثقافي بين المسلمين ووسائل تعزيزه وسبل تطويره؛ خاصةً فيما يتعلق بتشجيع تبادل المنتوج الثقافي بين المسلمين والتعريف بمختلف أوجه الإبداع الفكري للأمة، وتفعيل دور الأقليات المسلمة في الخارج والعقول المهاجرة في تصحيح صورة الإسلام، ونقل نتائج التقدم العلمي والتكنولوجي إلى العالم الإسلامي.

المحور الأول: التفاعل بين الثقافات:

يعد الحوار بين الثقافات الإسلامية والثقافات الأخرى برنامجاً مستمراً في كل خطط عمل المنظمة، حيث تركزت جهود المنظمة على الدراسات والمنشورات المتعلقة بتصحيح الأخطاء الشائعة عن الإسلام والمسلمين الواردة في المنشورات التي تصدر في الغرب، وعلى الحوار بين الثقافات من وجهة نظر إسلامية وعلى ظاهرة الاستشراق عموماً. كما تركزت هذه الجهود كذلك على الموائد المستديرة التي عقدتها المنظمة في أوروبا من أجل تحسيس المسؤولين الغربيين بقيم الإسلام وتقديمه في صورته الصحيحية، وذلك انطلاقاً من أن الإسلام دين الحوار والتعايش السلمي بين الشعوب. مصداقاً لقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز: أُدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين  (سورة النحل، الآية ١٢٤). وقوله لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (سورة الممتحنة، الآية ٧).

وستتواصل الجهود في إطار هذا المحور لتنمية ثقافة الحوار عند الأطفال والشباب، وتوسيع اهتمامات الثقافة الإسلامية لتشمل التحديات الثقافية المعاصرة، إسهاماً منها في التصدي للانعكاسات السلبية للعولمة الثقافية، وتأهيل الموارد البشرية العاملة في ميدان الدراسات الاستراتيجية في المجال الثقافي.

I - الحوار بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى:

خصّصت الخطط السابقة للمنظمة عدة لقاءات عُقدت في إطار التعاون، كان من أبرزها ندوة الحوار والتعايش بين الثقافات والحضارات التي نُظّمت في شهر يوليو ٢٠٠٢ في برلين بألمانيا، كما تم إصدار عدد من المنشورات في هذا الموضوع، لتدارس سبل تشجيع الحوار بين الحضارات والديانات، وستعمل خطة العمل الحالية للأعوام ٢٠٠١ - ٢٠٠٣ على تنمية الحوار بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى، دون أن تغفل التركيز على التكامل والتضامن المصيري في مواجهة التحديات المشتركة التي تطرحها العولمة. وستتيح اللقاءات التي ستعقد لهذا الغرض الفرصة لممثلي الأمة لتبيان إسهامات الإسلام بوصفه حضارة للتسامح والسلام والتعايش السلمي. وهذا يعني أن البرنامج سيتطلب شراكة فاعلة من المؤسسات التابعة لمنظومتي الأمم المتحدة والمؤتمر الإسلامي، وكذلك المنظمات الدولية غير الحكومية العاملة في مجال الثقافة. وسيتم تعزيز قدرات الموارد البشرية في هذا المجال لتربية الأجيال على قيم الحوار بين الثقافات، وذلك بالتعاون مع اليونسكو والمؤسسات التابعة لمنظومة المؤتمر الإسلامي.

II - الثقافة الإسلامية والتحديات الثقافية:

يشكّل الإلمام بطبيعة التحديات الثقافية المعاصرة وأبعادها توطئة ضرورية لتنفيذ هذا البرنامج لتفادي هدر الطاقات في معالجة قضايا ثقافية ثانوية. وتكتسي هذه المرحلة أهمية قصوى، ولاسيما إذا تعلق الأمر بتحديات مشتركة تواجه الدول الإسلامية وتتطلب التشاور وتنسيق الجهود لمواجهتها بحزم. وهكذا، سيتم التشاور حول طبيعة التحديات وترتيب أولياتها في إطار الشراكة مع المؤسسات التابعة لمنظومة المؤتمر الإسلامي والمؤسسات والهيئات الأخرى، خلال اللقاءات الإقليمية في المناطق اللغوية الثلاث. وستوجه التوصيات الصادرة عن هذه اللقاءات إلى الدول الأعضاء ليتمكن كل بلد من الأخذ بها في سياساته الثقافية. ونظراً لأن العنصر البشري يكتسي أهمية قصوى في مجال التخطيط الثقافي والاستشراف المستقبلي، فإن المنظمة الإسلامية ستنظم دورات للتكوين مخصصة لتأهيل الموارد البشرية العاملة في هذا المجال.

المحور الثاني: التبادل الثقافي بين المسلمين:

منذ بزوغ فجر الإسلام، وحركة التبادل الثقافي نشطة بين المسلمين، وإن لم تكن دائماً تتسم بالتوازن، بين طرفيها، كما هو الحال دوماً. وإيماناً من الإيسيسكو بحتمية هذا التوازن ونظراً لأن مجال الثقافة لا يقبل المفاضلة، خاصة إذا تعلق الأمر بعلاقة تبادل داخل الحضارة نفسها، كما هو الحال بالنسبة للإسلام، خصصت المنظمة في خطة عملها السابقة أنشطة عديدة للتبادل الثقافي بين المسلمين ولأدب الاختلاف في الإسلام. كما اهتمت كذلك بالتقريب بين المذاهب الإسلامية، كما في استراتيجية التقريب، وردِّ الاعتبار للغات الشعوب الإسلامية عبر نشر معاجم للغات الأفريقية مثل الفلاَّني والسواحلي وغيرها. ونظمت أيضاً أنشطة أخرى لصالح الأقليات المسلمة في أوروبا. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنه تمت بلورة استراتيجية العمل الثقافي الإسلامي في الغرب التي اعتمدت في كرواتيا سنة ١٩٩٨، إضافة إلى مشروع استراتيجية الإفادة من العقول المهاجرة.

ومن جانب آخر، فإن المنظمة تعي كل الوعي ضرورة تقوية الوحدة والتكامل بين المسلمين باستمرار، سواء أكان ذلك داخل البلدان الإسلامية أم خارجها؟ كما تحرص المنظمة كذلك على تطوير الحوار الثقافي بين المسلمين وتفعيل التبادل الثقافي بين البلدان المسلمة والإفادة من الكفاءات المهاجرة. ومن هذا المنظور، ستعمل الإيسيسكو على تنفيذ البرامج المتعلقة (بالحوار الثقافي بين المسلمين) و (تعزيز الثقافة الإسلامية للأقليات والجاليات الإسلامية)، وتفعيل تبادل المنتوج الثقافي الإسلامي)، و (استراتيجية التعامل مع ظاهرة العقول المهاجرة والاستفادة منها)؛ وذلك في إطار التعاون مع مؤسسات منظومة المؤتمر الإسلامي، وغيرها من المؤسسات الإسلامية، والمراكز الثقافية للمجموعات الإسلامية.

I - الحوار الثقافي بين المسلمين:

يعدُّ الحوار الثقافي أعرق نوع من أنواع التبادل الثقافي بين المسلمين. وسعياً منها لتشجيع هذا اللون من التبادل، ستنكب الإيسيسكو، خلال اللقاءات الدولية والإقليمية، على تقييم الأبعاد الثقافية والفكرية والدينية المتضمنة في هذا الحوار، الذي لن يكون أداة للتفاهم المتبادل إلا بالاعتراف الصريح والإقرار بحق الاختلاف بين المسلمين. ولهذا الغرض، ستتم دعوة ممثلي البلدان الأعضاء والمجموعات الإسلامية لتعميق التفكير الذي شرع يعمل فيه خلال خطة العمل السابقة، في أدب الاختلاف في الإسلام وتأثيره في الحوار الثقافي. وفي هذا السياق نفسه، سيشكّل تنفيذ استراتيجية التقريب بين المذاهب جوهر ندوة دولية خاصة بالموضوع. أما التعاون في التنفيذ، الذي يكتسي أهمية خاصة في إطار الحوار، فسيتم تفعيله بمشاركة الشركاء التقليديين المنتمين لمنظومة المؤتمر الإسلامي، وغيرها من المؤسسات الإسلامية المتخصصة.

II - النهوض بالثقافة الإسلامية للأقليات والجماعات الإسلامية:

أولت الإيسيسكو عناية خاصة في خطط عملها السابقة للأقليات والجماعات الإسلامية، من خلال عقد العديد من اللقاءات الدولية والمحلية، بالتعاون مع جمعية الدعوة الإسلامية العالمية على وجه الخصوص، من خلال تقديم الدعم لمؤسساتها الثقافية. وستتم متابعة هذه الأعمال ودعمها بهدف إغناء الحوار الثقافي، وذلك في إطار التعاون مع الشركاء التقليديين من داخل منظومة المؤتمر الإسلامي وغيرها من المؤسسات الإسلامية المتخصصة. ولتحقيق ذلك، فإن الأنشطة المخصصة لهذا الغرض ستُستوحى من خطة العمل المصوغة انطلاقاً من استراتيجية العمل الثقافي الإسلامي في الغرب. وكمرحلة أولى، سيتم تنظيم اجتماعين لتنسيق الأنشطة الخاصة بالأقليات والجاليات، وصياغة توصيات توجه لجميع المؤسسات الثقافية للأقليات والجاليات المسلمة. كما سيتم أيضاً تقديم الدعم لهذه المؤسسات لتسهيل التعبير الثقافي لدى الأقليات والجاليات المسلمة. وفي هذا الإطار، ستولي عناية خاصة للنساء والأطفال الذي سيستفيدون من ورشات تدريبية في مجال الفن والحرف الإسلامية، ومن مخيمات صيفية لاكتشاف بعض البلدان الإسلامية، كما أن التكوين الموجه للنساء سيكون فرصة لهن لاكتساب مهارات فنية أو حرفية تساهم في إشعاع الح

ضارة الإسلامية.

III - تفعيل تبادل المنتوج الثقافي الإسلامي:

إذا كان برنامج الصناعات الثقافية يهتم بمبادلات المنتجات الصناعية الثقافية وحسب، فإن هذا البرنامج يهتم بكل المنتجات الثقافية، خصوصاً ما يتعلق منها بالفنون التشكيلية وفنون الخط والحرف التقليدية الفنية والتصوير الفوتوغرافي. ويتضمن تفعيل التبادل في هذا المجال من الثقافة ضرورة تجاوز عدد من الصعوبات. وتمهيداً لذلك، سيقوم خبراء من الدول الأعضاء بالتفكير في سبل تيسير حركة المنتجات الثقافية وتسهيلها، وذلك بالتعاون مع شركائنا المهتمين كاليونسكو والوكالة الدولية للفرانكفونية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

ومن جهة أخرى، سيتم التركيز على تشجيع الإبداع، حيث إن تفعيل التبادل رهين بتوافر منتجات ذات جودة عالية. وعليه، يجب إدماج أو تدعيم تعليم بعض الفنون الإسلامية، بخاصة فن الخط والزخرفة، في البلدان الأعضاء التي لم يتطور فيها هذا الفن إلا قليلاً أو تلك التي لم تعرفه أصلاً. ونخص بالذكر بلدان إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء. أما التبادل في حد ذاته، فسيتم تفعيله عن طريق إقامة المنظمة الإسلامية لمعرض للمنتجات الثقافية، بالتعاون مع البلدان التي يقع عليها الاختيار والشركاء من داخل منظومة المؤتمر الإسلامي والمؤسسات الإسلامية المتخصصة.

IV - استراتيجية التعامل مع ظاهرة هجرة العقول والاستفادة من الكفاءات المهاجرة:

تعدُّ هجرة العقول خارج وطننا الإسلامي ظاهرة ذات جذور اجتماعية واقتصادية وسياسية وعلمية تتجاوز إطار صلاحيات المنظمة الإسلامية. غير أن المنظمة عازمة على الإسهام في معالجة هذه الظاهرة من خلال وضع استراتيجية للاستفادة من الكفاءات المهاجرة، استجابة لتوجيهات المجلس التنفيذي في دورته العشرين، ولكون هذه القضايا تمس إشعاع الأمة الثقافي والفكري. لذلك، فإن المنظمة ستواصل دراستها للأسباب التي تكمن وراء ظاهرة هجرة العقول، وبحثها الموضوع خلال اجتماع الخبراء الذي نظم في بوتسدام بألمانيا في يونيو ٢٠٠٠، الذي شكّل أرضية انطلاق لهذه الاستراتيجية. كما تم النظر في مشروع هذه الاستراتيجية واعتماده في اجتماع رؤساء المراكز الإسلامية في الغرب المنعقد في غرناطة في ٥ - ٦ يوليو ٢٠٠١. وعلى هذا النهج، ستعقد المنظمة لقاءات دولية بالتعاون مع مؤسسات منظومة المؤتمر الإسلامي وغيرها من الهيئات الإسلامية، بغرض إتمام وضبط آليات تنفيذ الاستراتيجية المتعلقة بظاهرة هجرة العقول والاستفادة من الكفاءات المهاجرة، تمهيداً لعرضها على المؤتمر العام القادم للمنظمة، ثم على المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية، قبل أن تعرض على مؤتمر القمة الإسلامي القادم لإقرارها

والمصادقة عليها لتصبح وثيقة من وثائق العمل الإسلامي المشترك كغيرها من الاستراتيجيات السابقة.

* رئيس المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة



[ Web design by Abadis ]