ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 كلمة د. فيصل كلثوم *

حـوار الحضـارات

وصيانة الأمن العربي

أيتها السيدات، أيها السادة:

نلتقي اليوم في دمشق، أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، عاصمة سورية، مهد الحضارات التي كانت عبر تاريخها الموغل في القدم، وكما يشهد العالم لها ما تنفك أبداً وبكل تجلياتها عن التواصل البناء والفعال مع سائر الحضارات الإنسانية الأخرى.

فأمام مؤتمرنا هدف جليل، ألا وهو الوصول إلى إجابة مشتركة للتساؤل الدقيق الذي يطرحه المؤتمر كعنوان له: كيف نواصل مشروع حوار الحضارات؟ .

ويستمد هذا الهدف أهميته من الوضع الراهن الآن في عالمنا المعاصر مما يجعل عنوان مؤتمرنا سؤالاً من أكثر الأسئلة إلحاحاً على الإنسان المعاصر، والتي تحتاج إلى جواب دقيق رهيف واضح.

فمجريات الأحداث العالمية المذهلة والمريرة بآنٍ واحدِ، وما يتسق معها ويرادفها ويمهد لها أحياناً من طروحات فكرية، تستدعي وقفة للتأمل وإعمال الفكر وإيجاد الإجابات المناسبة، وذلك على شتى الصعد التي نعيشها، فبعد تحول العالم بالفعل إلى قرية كونية، وفرض التفاعل الحضاري نفسه كواقع لامناص منه، أخذت بعض الطروحات تجد طريقها إلى وسائل الإعلام المختلفة، مسلطة الضوء على حقائق منقوصة من جهة، بينما هي تعتمد إلغاء أو طمس بقية الحقائق، وهذه الطروحات ما هي إلا عبارة عن نظريات لا تعدو أن تكون مجسدة لمنطق الوظائفية السياسية المستندة إلى ما يمكن أن نسميه منطق القوة بدلاً من قوة المنطق، أو بتعبير أوسع من خلال ما يمارس اليوم في العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية: حضارة القوة بدلاً من قوة الحضارة.

إن ما طرحه ويطرحه بعض أعلام الفكر الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً بعد أن أصبح العالم ذا قطبية واحدة كأطروحة "نهاية التاريخ" لفوكوياما، و"صدام الحضارات" لهنتنجتون، وأخيراً وليس آخراً "خارج الإيمان" لنايبول الفائز بجائزة نوبل العام الماضي والذي يدعي بكل وقاحة أن الإسلام أسوأ من الاستعمار.

إن هذه الطروحات التي تسوّغ الصراع بدل الحوار وتخلق لنفسها عدو المستقبل دائماً هي الفكرة السائدة أمريكياً والتي تطرح بشكل مزيف ما تعدّه حقيقة ألا وهو أن الصراع بين أمريكا النازعة نحو السيطرة والهيمنة على العالم وبين الشعوب التائقة إلى الحرية والعدالة، وعلاقات دولية إنسانية، هو صراع بين حضارتين: حضارة الإنسان المتقدم، حضارة الحداثة والعلم والديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة، وحضارات التخلف والجهل والاستبداد من جهة ثانية.

إن مقولة: (إما معنا ومع الحضارة والتقدم الإنساني أو ضدنا مع التخلف والإرهاب) هي بكل بساطة ممارسة لإرهاب فكري فاضح وفج، يختزل ألوان الطيف الحضاري والفكري إلى الأبيض والأسود، ويعني فيما يعنيه رفض الاعتراف بالآخر، وإنكار الحق بالاختلاف.

ورغم أنه من غير الممكن إنكار خصوصيات الأمم والشعوب، والفروقات الفردية بين الحضارات، إذا جاز لنا استعارة تعابير علم النفس، فإن من غير الممكن أيضاً إنكار ما هو كوني وشامل بين الحضارات والشعوب، وما هو مشترك بين الأمم بانتمائها الإنساني.

وإذا كنت لا أريد أن أفصل في هذا الموضوع الذي سيتناوله عدد من المفكرين والباحثين في مؤتمرنا هذا، إلا أن التساؤل الذي يفرض نفسه علينا: أليس من مصلحة الإنسانية جمعاء تنمية ما هو مشترك بين الحضارات وتجاوز الخاص ليبقى فاعلاً في ميدانه فقط دون محاولة فرض هذه الخصوصية الذاتية على الآخر وصولاً إلى تهميشه وإلغائه؟ .

إن البديل عن ذلك مزيد من التمركز حول الذات، والسعي الدائم لإلغاء الآخر، وهو ما نلمسه واقعياً في السياسة الأمريكية والطروحات الفكرية المتسقة معها مما يضع موضع التساؤل حقيقة دعواهم كلها حول الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ويجعل من المشروع تماماً اعتبار كل هذه الدعاوي، كلمة حق يراد بها باطل.

هذا الواقع تحديداً يمثل الصعوبة في الإجابة على كيفية مواصلة مشروع حوار الحضارات، لذلك فإن ما سيطرح من أفكار مختلفة في هذا المؤتمر عليه أن يأخذ هذه المسألة بالحسبان بغية الوصول إلى نتائج موضوعية تساهم في التأسيس لمناخ عام تحكمه بالدرجة الأولى روح الحوار البناء، مناخ ينسجم تماماً مع الحوار الحضاري الذي طرحه الرئيس الإيراني السيد علي خاتمي منذ عدة سنوات، كرد متوازن ومقابل للطروحات الغربية التي سبقت الإشارة إليها، فالحوار بالأصل حوار بين طرفين أو أكثر انطلقوا من فكرة قبول الحوار، كما أن الحوار بطبيعة الحال لايمكن إلا أن يكون بين طرف

الغرب الراهن، فقد أصبحوا يقولون علانيةً (الإسلام يشكل أحد نماذج الخطر الأكبر الذي سيضطر الغرب للدخول في صراع محتوم معه مثلما كان مضطراً للدخول في الصراع مع الفاشية والشيوعية).

وهذا ما رآه السيد الرئيس بشار الأسد وعبرّ عنه أمام مؤتمر القمة التاسع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حين قال: (هذا العدو الجديد … هو ديننا الإسلامي الحنيف، دين الأخلاق والعدل والمحبة الذي تم تشويهه إعلامياً وتثقيفياً وتربوياً، ليغدو دين القتل والتطرف والإرهاب).

وفي هذا حقيقة نعيشها سواء في أفغانستان، أو على الحدود الهندية الباكستانية أو في العديد من دول العالم. وفي كل ذلك حملةُ تزداد شراسةً مع الأيام، ترمي إلى إثبات الطروحات السائدة في الدوائر الغربية والأمريكية خاصةً. ولعل ما يجري في فلسطين المحتلة من قتل وقهر وإذلال يومي، لكل من ينادي بحقه في العيش الحر الكريم، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع، أكبر دليل على صحة ما ذهبنا إليه.

إن كل هذا لا يخرج عن محاولات القطب الوحيد، للسيطرة على ميزان القوى العالمي، وفرض الهيمنة الأمريكية بتسمياتها المختلفة، وتمظهراتها العديدة، على مختلف شعوب العالم ودوله.

إن ما نشهده الآن على ساحة العالم أجمع، وما سبقت الإشارة إليه يشكل حافزاً كبيراً، للتأكيد على أهمية الحوار الفعال القائم على احترام خصوصية الآخر. والعمل على تنمية ما هو مشترك إنسانياً، وبذلك فقط يمكن أن تصل الأسرة الدولية لبناء عالم خالٍ من الصراعات، تسيره الرغبة الإنسانية الشاملة في التقدم والتطور.

إن ما تقدم يكشف لنا حجم المهام الملقاة على عاتقنا في مؤتمرنا هذا، الذي أتمنى من خلاله أن نوفق وننجح في الوصول إلى نتائج على قدر تلك المهام، تشكل منطلقاً صحيحاً لحوار حضاري مستمر.

* مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة دمشق



[ Web design by Abadis ]