ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 في حقلِ التنظيمِ‏ وإدارةِ الحركةِ الاسلامية

ذكرت اهتماماتي الثقافية المتجهة الى تقديم المفهوم الصحيح للاسلام على جميع المستويات خاصة بعد انتفاضة الامام الخميني في بداية الاربعينات. لقد دخل الاسلام بعد هذه الانتفاضة بقوة الى الساحة، وحرّك قاعدة جماهيرية ضخمة قدمت التضحيات الجسيمة. وبهذه الحركة الضخمة انسحب البساط من تحت أرجل اليساريين الذين طالما ادعوا احتكارهم لكل وعيٍ وحركةٍ جماهيرية وانتفاضٍ على الظلم والاستبداد والطغيان. وهنا لابدّ أن أشير الى سيطرة الفكر الماركسي اليساري على قطاع كبير من المثقفين الايرانيين الثوريين آنذاك. وكان نظام الشاه يشجع انتشار هذا الفكر بين الشباب بالمقدار الذي يستطيع أن يواجه الوعي الاسلامي ولايشكّل تهديدا لكيانه… كما ان نظام الشاه كان يستهدف ربط التوجّه الثوري بالتوجّه الماركسي كي ينعزل الثوار عن القاعدة الشعبية المسلمة.

كان صوت المثقف المسلم الايراني قبل انتفاضة الامام الاول ضعيفا لايتجاوز ظهور كتيبات ومقالات تعالج قضايا العصر وفق الرؤية الاسلامية، وبعد الانتفاضة بدأت تظهر في الجامعات والمراكز الثقافية قاعدة مسلمة مثقفة، ولكنّها تعيش في جوّ سيطرة الاتجاه اليساري المنظَّر والمنظَّم من جهة، وتعاني من عدم وجود النظرية الاسلامية المتكاملة ومن فقدان التحرّك المنظّم من جهة أخرى.

وطبيعة «المثقف» أنه يهوى المعاصَرة والتجديد والتطوير، ويودّ أن يعتنق فكراً متفاعلا مع آماله وآلامه، وهنا برزت الحاجة الملحّة في الساحة الاسلامية الايرانية الى تقديم النظرية الاسلامية المتكاملة، والى تنظيم ينسّق عمل الجماعة المسلمة المؤمنة ويوجهها نحو الهدف المنشود.

كانت الفكرة تخامر كلّ المهتمين بالقضية الاسلامية، ولكن تحتاج الى مبادرة جادّة، وبدأت المبادرة حين دار حديث بيني وبين بعض الاخوان في مشهد، وتواصل في الاتصال بالاخوة في طهران، واتخاذ قرار بعقد جلسات شهرية من أجل دراسة تقديم المشروع الاسلامي مبتدئين من إعلان «البيان الاسلامي» ليقابل المانيفست الشيوعي. كان ذلك في نهاية الاربعينات الهجرية الشمسية. وأقول هنا استطرادا إن تلك البدايات كانت في الواقع نواة «الحزب الجمهوري الاسلامي» الذي ذاع صيته بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران. طبعا لم تتمخّض تلك المحاولات عن عمل تنظيمي مطلوب، بسبب ما اعتراها من عوائق - كما سأذكر - لكنها صارت أساسا لتنظيم سياسي على أرضية فكرية إسلامية واضحة.

ضمّت تلك الاجتماعات السيد الطالقاني والمهندس بازرگان والدكتور السحابي ونجله المهندس السحابي والسيد البهشتي والشيخ باهنر والشيخ الهاشمي الرفسنجاني والدكتور پيمان والدكتور علي شريعتي والدكتور شيباني وأحمد زاده وجلال الدين الفارسي والموسوي الزنجاني واياي.

كانت الجلسة الاولى لها أهميتها، فقد جمعت أفرادا ألتقي ببعضهم لأول مرة رغم معرفتي بهم منذ أمد. كنت بينهم شابا، لكن متميّزاً بالجمع بين الثقافة الاسلامية الاصيلة القائمة على أساس القرآن والسنة والثقافة المعاصرة المتفهمة لأفكار العصر. والمستوعبة لطموحات جيل المثقفين الشباب.

طالت الجلسة ساعات تناولنا بعدها الغداء ثم واصلنا الحوار، وكان كله يدور حول متطلبات العمل الاسلامي في تلك المرحلة. وخرجنا من الاجتماع بقرار يقضي بضرورة تدوين «أسس التصور الاسلامي» كي يستطيع المثقف المسلم أن يفهم نظرة الاسلام الى الكون والحياة والمجتمع. وتقرر أن يكتب كل واحد من الحاضرين ما في ذهنه حول هذا الموضوع ويأتي به ليناقش في الجلسة التالية، كما تقرر أن يُمهل المجتمعون مدة شهر ونصف الشهر للكتابة ثم يعودون بعدها للاجتماع.

ذاع خبر هذا الاجتماع بين الشباب المسلم المتحمّس فاستبشروا به كثيرا مما دفع أحدهم وهو المرحوم محمد حنيف نجاد الى البحث عني والاتصال بي، وكان من قادة تنظيم «المجاهدين» آنئذ.

وفي الجلسة الثانية جئت بما كتبت، وكان ممن كتب أيضا أحمد زاده والطالقاني وبازرگان والدكتور سحابي وجلال الدين فارسي ولم يكتب الباقون.

في هذه الجلسة الثانية تقرر بعد مداولات أن نعطي كتاباتنا الى جماعةٍ منهم الشهيد مطهري لينظروا فيها ويبيّنوا رأيهم في محتواها. المطهري كتب على مادونته ملاحظاتٍ ذكر فيها ما تمتاز به كتابتي، وأعرب عن ابتهاجه بها، وأذكر أنه ركز على واحدة مما ذكرته في خصائص التصور الاسلامي وهي أنه «ضد الالحاد».

من البديهيات أن أهم خصائص العقيدة الاسلامية معارضتها للالحاد. ولكني انفردت في كتابة هذه الخصيصة. وهذا الانفراد له دلالته في الجوّ الفكري الذي كان مهيمنا على الفئة المثقفة الايرانية آنذاك. لقد كان من الطبيعي لكل واحد منا أن يذكر أنّ العقيدة الاسلامية تتعارض مع الاستثمار، والاستكبار، والاستعمار، وألوان الظلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فهذا يتناسب مع الجوّ السائد آنذاك، أما أنه يذكر معارضة العقيدة الاسلامية للالحاد فهذا مايبعث على خجل بعضهم، ولايتناسب مع جوّ الهزيمة النفسية أمام الفكر اليساري آنئذ. وبالمناسبة يخطر في ذهني أنّ واحدا من كبار الشخصيات الاسلامية الايرانية الحركية قال لي مرّة بصراحة في تلك السنوات: هل من المعقول أن يستطيع الفكر الاسلامي الوقوف بوجه الفكر الماركسي العملاق؟ !

تعملق أوربا في أنظار المسلمين أكبر مأساة منيت بها أمتنا بعد عصر السيطرة الاستعمارية، يتمثل تارة بالهزيمة النفسية أمام الليبرالية وتارة بالهزيمة النفسية تجاه الماركسية، وكلا الهزيمتين وجهان لعملة واحدة هي هزيمة الامة المغلوبة أمام الغالبين.

أعود ثانية لكتابتي التي قدمتها الى الاخوة وبيّن الشهيد مطهري رأيه فيها. لقد استقَيت مفاهيمَها من كتاب اللّه العزيز ومن السنة البنوية الشريفة واستفدت من آراء الاسلاميين من ذوي النظرة الواسعة، والفكرة الاصيلة واذكر أنني استفدت في كتابة تلك الكراسة بالذات من مؤلفات المفكر الجزائري المرحوم مالك بن نبي رحمه الله.

توالت الجلسات، وفي الجلسة الرابعة أو الخامسة قررنا تقليص حجم الجلسة وجعلها مقتصرة على أفراد معدودين. وهؤلاء الافراد مهمتهم أن يضعوا كلّ الكتابات أمامهم ويسقطوا منها المكررات، ويخرجوا بكتيب واحد يعكس رأي الجماعة بشكل منهجي ومنظم في التصور الاسلامي للكون والحياة ليكون البيان الاسلامي للجماعة المسلمة المتحركة. ثم يُطرح هذا الكتيب لمناقشته في جلسة عامة تضم كلَّ الاخوة. واختاروني أنا لهذه المهمة مع الشيخ الهاشمي والشهيد باهنر والدكتور پيمان.

وعقدنا جلسات مصغرة متوالية كثيرة ازدادت خلالها علاقتي بالدكتور پيمان، أنس بي وأنست به. كنت آتي لكل جلسة من مشهد الى طهران، وتستمر كل منها ٢٠ ساعة تتخللها فترة الصلاة والطعام وقليل من الاستراحة. وعقدنا تلك الجلسات في بيت پيمان وباهنر وفي بيت الدكتور شيباني الذي كنا نطلب منه أن يترك البيت هو وعائلته ليخلو لنا جوّ الجلسة، احدى تلك الجلسات عقدناها في بستان قريب من طهران دعانا اليه السيد الطالقاني.

بالمناسبة، كانت تربطني بالسيد الطالقاني علاقة وثيقة رغم فارق بيننا في السن يبلغ ٣٠ سنة. كان رحمه الله يحبّ الشباب العاملين ويعشق الذين يعيشون من أجل تحقيق مثلَهم الاعلى. وكانت لي معه جلسات تطول أحيانا ساعتين رغم كبر سنّه.

ذهبنا الى ذلك البستان متفرقين ثم اجتمعنا هناك، ضمن جلسات العمل على إعداد مشروع الاسلام للحياة ليكون أساساً لعمل تنظيمي اسلامي.

كنا في تلك الجلسات نعمل على تقميش الموضوعات المكتوبة، ثم بدأنا بعد تضيف العناوين بدراسة كل موضوع على حده.

توقف العمل لدى اعتقالي سنة ١٣٤٩ه. ش (١٣٩٠ ه. ق) ثم واصلنا العمل بعد إطلاق سراحي، لكني ما لبثتُ أن اعتُقلتُ سنة ١٣٥٠ه. ش (١٣٩١ه. ق)، وبعدها بقليل اعتقل آخرون منهم المهندس عزّة اللّه سحابي، وكان ذلك في بحبوحة مطاردة مجموعة «المجاهدين»، وكان المهندس سحابي على ارتباط بهم، وكان هو الرابط بيني وبين حنيف نجاد. وبعدها اعتقل - على ما أظن - پيمان، واعتقل سنة ١٣٥١ه. ش (١٣٩٢ه. ق) الشيخ الهاشمي. وحين رأى الاخوة أن الاعتقالات تتسع جعلوا كلَّ الكراسات في صندوق وأودعوها في مدرسة «رفاه» وهي مدرسة اسلامية للبنات أصبحت فيما بعد لمدّةٍ - كما ذكرت - ضمن مقرّ إدارة شؤون الثورة الاسلامية.

بعد ذلك أُفرج عنّي وعن الهاشمي، وذهبت أنا الى مشهد. وفي الصيف جاءنا الشهيد باهنر الى مشهد وحمل معه كراسات مما أعددناه عن مشروع تدوين خصائص التصور الاسلامي لأدرسها على انفراد، وكانت تلك الكراسات ترتبط بموضوعَي التاريخ وعلم الاجتماع. وقال: إن بقية الكراسات وزعت على الاخوة ليدرسوها بنفس الطريقة، وذكر أن الظروف لاتسمح بالا لتقاء.

بقيت تلك الكراسات عندي حتى اعتقالي سنة ١٣٥٣ه. ش (١٣٩٤ه. ق) وفي المعتقل طفقت أفكر في اختلاق قصة تبّرر وجودها عندي. وأذكر أني ذكرت في التحقيق: أن السيد شريعتمداري طلب أن أكتب موضوعات ترتبط بالعقيدة الاسلامية. وكان السيد قد طلب حقا مثل ذلك، وأنا رربطت بين الطلب ووجود الكراسات في محاولة لتبرير وجودها في بيتي.

مرت سنوات حالت زحمة الاعمال وأجواء الارهاب دون متابعة الموضوع حتى حان صيف ١٣٥٦ه. ش (١٣٩٧ه. ق)، وفي الصيف تصبح مشهد مجمع الاحباب والاصدقاء من داخل ايران وخارجها يؤمها النجفيون واللبنانيون وغيرهم، إضافة الى الايرانيين من مختلف المدن.

في الصيف المذكور اتفق أن ضمني مجلس بالجحتي الكرماني والشيخ محمد علي موحدي كرماني والشيخ الرباني الاملشي في بيت الشيخ الموحّدي. دار الحديث حول الاوضاع الراهنة وعدت في حديثي الى تاريخ محاولاتنا تقديم الاطروحة الاسلامية للكون والحياة وإقامة حركة منظمة على أساس هذه القاعدة الفكرية، ثم تحدثنا عن تشتت الساحة الاسلامية وتفرّق العاملين وحيرة الشباب وخرجنا بنتيجة تقضي بضرورة العمل الجماعي وإن كان بعض الحاضرين أعرب عن تحفّظه.

عزمنا أن نبدأ من تلك الساعة، فالظرف يتطلب إقداما عاجلا ولايسمح بالتأخير يوما واحدا. قررنا أن نوزع المسؤوليات في هذا التنظيم المصغّر ونبدأ بمفاتحة الآخرين، وعزمنا أن نضع - أولا - السيد البهشتي في الصورة، فهو في ذلك الصيف كان مقيما في مشهد.

ولا بأس أن أشير الى أنّ نهج السيد البهشتي وهكذا نهج الشيخ باهنر كان إبعاد الاخطار عنهما لكي يواصلا الدعوة الفكرية بين الشباب وأبناء الأمة، لكنا كنا نعدهما من أنفسنا ومن مجموعتنا.

في صباح اليوم التالي اجتمعنا للذهاب الى بيت السيد البهشتي. جعلت جميع الاخوة في سيارة فوكس واجن صغيرة وقدت السيارة نحو بيت السيد البهشتي، وكان يسكن في منطقة موسرة. وبالمناسبة كان السيد البهشتي مقيّدا بطريقة خاصة في حياته يعرفها كلُّ أصدقائه. فهو يعيش مثل معيشة الأعيان، يتكلّم مع الآخرين بوقار واتزان، ويتعامل مع الأصدقاء بنظام وانضباط. لايستقبل أحدا يوم الجمعة، فهذا اليوم يخصصه لأفراد عائلته، وربّما زاره صديق قادم من مكان بعيد دون موعد سابق، فلا يطلب منه الدخول الى بيته. كل ذلك اهتماما منه بالضبط الصارم في حياته اليومية. ولا يفوتني أن أذكر أنّ هذا الرجل المنضبط كل هذا الانضباط الحديدي، والملتزم بالبرنامج الدقيق في حياته اليومية والعائلية قد انغمر عند اندلاع الثورة الاسلامية في أعمال أَنْسَته الأهل والأولاد والبرمجة ولم يعرف ليلة من نهاره. هذا هو السيد البهشتي، فكيف بشخص مثلي لم تكن له مثل هذه الحسابات الدقيقة في حياته اليومية، بل كان الانهماك في العمل ديدنه قبل اندلاع الثورة الاسلامية؟ !

أعود الى كلامي. لقد اتجهت سيارتنا الصغيرة الحاشدة الى بيت السيد البهشتي. وإذ كنا نقطع الطريق عبر شارع الجامعة رأينا الشيخ باهنر وقد تسوّق لأهله ويحمل ما ابتاعه الى بيته. لم نكن نعلم أنه في مشهد. سررنا بهذه المصادفة. توقفنا عنده، ودعوناه الى مرافقتنا. ذهب الى بيته ووضع هناك مابيده ورافقنا. حين اقتربنا من بيت السيد البهشتي وجدناه يتحدث مع شخص عند باب البيت. ترجلنا من السيارة. تعجّبَ أن رأى هذا الحشدَ قد اتجه اليه دون سابق علم.

سلمنا عليه، فأجابنا بأسلوبه الهادئ الوزين ورحّب بنا، ثم سألنا: ما الذي جاء بكم؟ ! قلنا له: جئنا لأمر مهم. ولابدّ أن نلتقي بسرعة. قال: وماذا سيحدث لو عقدنا اللقاء غدا؟ !!

نظرنا بعضنا الى البعض الآخر، وشعرنا أن حماسنا الفائق لم يكن يتناسب مع موقف السيدرحمه الله. ولكن ماذا نفعل أمام هذا الانضباط الصارم؟ ! ماكان أمامنا إلا أن نستسلم لموعد يوم غد. ركبنا السيارة، وعدنا على أعقابنا.

طبعا كان لي فيما سبق أحاديث منفردة مع السيد البهشتي في هذا المجال، كما كان لي معه أحاديث ضمن جلسات يعود بعضها الى سنة ٤٨ و٤٩ ه. ش (٨٩ و ٩٠ ه. ق) وأذكر منها حديثا دار في بيت أحمد زاده وضمني أنا وبهشتي وشريعتي وهاشمي وأحمد زاده وتحدثنا فيه طويلا عن الهموم الاسلامية وعن سبل العمل الاسلامي. ولذلك كان من الطبيعي أن يقع اختيارنا الأول في المفاتحة على البهشتي.

أعود الى حديثي، لقد اجتمعنا في بيتنا في اليوم التالي، وأمسك البهشتي بزمام الحديث ووجّهه وجهة عملية، وكان يمتاز بأنه عملي في فكرة، ويقرّب الفكرة من العمل سريعا.

قال: لاحاجة الى الحديث عن ضرورة انبثاق جماعة عاملة منظمة تدير الساحة الاسلامية وتوجهها نحو هدف منشود. ولكن لابدّ أن نتفق على الاشخاص بالاسم. ولنعيّن معيارا لاختيار الأفراد، وهو قدرة الشخص المنتمي على الخروج من ذاتيته الفردية والذوبان في الجماعة. ثم خاطبني وقال لي: اكتب الأسماء وابدأ ببهشتي، وقولوا بصراحة ودون أدنى مجاملة هل يصلح لهذا العمل أم لا؟

كتبنا أسماءنا نحن المجتمعين إضافة الى أسماء أخرى أذكر منها: الشيخ المشكيني، والشيخ المؤمن، والسيد حسن الطاهري، والشيخ الطبسي، والشيخ الهاشمي (وكان معتقلا) وأخي السيد محمد، والشيخ المنتظري (وكان رهن الاعتقال) والشيخ الجنتي، والسيد الاردبيلي، والشيخ محمد جواد حجتي الكرماني.

تقرر مفاتحة الاخوة، وعقد أول جلسة لنا في بيت الشيخ باهنر في طهران.

عقدنا ٤ - ٥ جلسات في خريف عام ١٣٥٦ه. ش (١٣٩٧ ه. ق) ثم برزت في الساحة أحداث جسام مثل وفاة السيد مصطفى الخميني في النجف وما أحدثت من هزّة في أوساط المجتمع الايراني. وأعقب هذه الأحداث نفي كثير من العلماء من مشهد وقم، وكنت أنا من جملة المنفيين.

سبق أن ذكرت نفيي الى إيرانشهر، وكان قد نُفي اليها قبلي الشيخ محمد جواد حجتي الكرماني. وفي المنفى زارنا الشيخ باهنر، وأتحفنا بدفتر فيه بعض رؤوس نقاط البحوث التي تناولناها في جلساتنا. وقال: هذا سهمكما لدراسته وتنضيجه. وكانت بقية الموضوعات قد وزعت على الجماعة. وجاءنا أيضا بنسخة من كتاب الدروس الدينية الذي ألفه للتدريس في المدارس الحكومية. وقال لنا: تستطيعون من خلال هذا الكتاب أن تعرفوا مستوى المعرفة الدينية بين شباب المدارس، ولابدّ أن يكون العطاء الجديد الذي نعتزم تقديمه متقدما ومتفوقا على المستوى الموجود في هذا الكتاب.

وحدثنا الدكتور باهنر عن وجود بعض الحساسيات لدى الجهاز الحاكم تجاه هذا الكتاب. وكان باهنر قد حصل على نسخة سرية من تعليقات الرقابة على الكتاب، وعليها كتب أكثر من رقيب بأن الكتاب يحتوي على تعاليم متطرّفة، وأنّ بعض محتوياته خطرة. ولكن الكتاب في خضم انشغال السلطة بالاضطرابات هنا وهناك قد شقّ طريقة ونُشر بين الطلاب باعتباره كتاب تدريس رسمي في المدارس.

عكفنا مدة أنا وحجتي على دراسة ما أُوكل الينا من موضوعات. وكان الهدف - كما ذكرت من قبل - تجميع المواد بعد دراستها لاستخراج البيان الاسلامي ليكون مقابل «المانيفست الشيوعي». لكنّ الجوّ في المنفى لم يكن يساعد على العمل العلمي الجادّ. أنجزنا بعض العمل حتى بداية الربيع إذ نقل حجتي الى منفى آخر، وشغلت أنا بأمور لاترتبط بمسألة التنظيم، فالاحداث في الساحة الايرانية خلال مدة النفي تطوّرت، فقد كان انفجار مدينة قم وخروج مظاهرات وسقوط قتلى فيها، ثم توالت الأحداث الجسام في كل المدن الايرانية، مؤذنة بولادة كبيرة. وانقطع ارتباطي بالجماعة وعلمت بعد الافراج عنّي أنهم لم يجتمعوا في غيابي سوى مرة أو مرتين بسبب توتر الأحداث وحساسية السلطة.

لما كان الحديث يدور حول مسيرة التنظيم فأنتقل الى عودتي من المنفى الى طهران حيث التقيت السيد البهشتي وبعض الاخوان، ثم ذهبت الى مشهد وترددت مرارا على طهران لمواصلة المناقشات.

في إحدى الجلسات طرحت على الاخوة اقتراحا حظي بموافقتهم جميعا. قلت: نحن نتحدث عن مانيفست اسلامي، وعن عمل تنظيمي بعيد المدى، وهذا لايتناسب مع وضع الأحداث الملتهبة الراهنة (كان الامام قد ترك منفاه آنئذ في النجف الاشرف وذهب الى باريس)، ولابد من عمل يتناسب مع التحرك الاجتماعي الجديد.

وهنا أقف عند ظاهرة يفهمها كل الحركيين العاملين في الساحة الايرانية خلال عصر الطاغوت، وهي إن الامام ببياناته ومواقفه الصلبة كان يدفع بالمجتمع الايراني على طريق الاسلام دفعة تجعل خطط العاملين ومشاريعهم وتنظيماتهم متأخرة عن التحرك الجماهيري. وكلما حاول العاملون أن يخططوا للالتحاق بركب الجماهير تأتي من الامام دفعة جديدة هائلة تجعل الخطط الجديدة متأخرة ومتخلفة.

عجيب هذا الرجل! كان قائدا بكل ماتحمله هذه الكلمة من معنى… كان مثل طبيب أو فصّاد يضرب بمشرطه في الوقت المناسب جدا، وبشكل دقيق جدا، فيهدم ويبني، ويحرّك ويضبط ويفتق ويرتق، بشكل ماهر للغاية.

وكان كبار الشخصيات الثورية في ايران يحيرون في أمر الامام، وأذكر أنّ السيد الطالقاني قال لي مرة: «هذا السيد الخميني أمره عجيب. يتكلم بأمور كأنه يستمدها من عالم آخر غير هذا العالم. لقد قال السيد مرة أن الشاه لابدّ أن يسقط ولم يكن أحد يعقل هذا الكلام، ورفضناه جميعا في قلوبنا. ثم اتضح أنّ هذا الامر لابّد أن يتحقّق، ولابدّ أن نبذل في سبيله الجهود. إنه يتكلم من منشأ غير عادي».

والواقع أن الامام (رضوان اللّه تعالى عليه) كان لايعبأ أبدا واطلاقا بالمعادلات المادية المتحكمة في العالم، ولايعبأ أبداً واطلاقا بالقوى المهيمنة السياسية والفكرية، ولم يكن في نفسه أدنى تزلزل وأدنى هزيمة أمام العالم المتعملق. كان يؤمن بمل‏ء وجوده وفكره وعقله وعواطفه ومشاعره، وبكل خلية من خلال جسمه بأنه «لاحول ولاقوة الا باللّه العليّ العظيم». وبهذا استطاع أن يقود مثل هذا التحوّل الكبير.

أعود الى حديثي، لقد اقترحت على الاخوان وضعَ خطة جديدة تتناسب مع الأحداث المتفاقمة الراهنة، وكانت الخطة تقضي تشكيل مجموعة من عشرين شخصا، وهذه المجموعة بدورها تنقسم الى مجموعتين يضمّ كلٌّ منهما عشرة أشخاص. تتقدم الاولى، فتعلن قيام تنظيم جهادي (المقصود بالجهادي ليس المسلّح، بل المسؤول عن قيادة الحركة الشعبية)، ويوزع هؤلاء العشرة الاعمال بينهم، ويخططون وينفذون ويدخلون ساحة العمل الجماهيري. ثم إنهم سيتعرّضون للقتل أو السجن، وإذا حدث ذلك تأتي العشرة التالية لتعمل سراً في مواصلة المسيرة. وتطوعت لأن أكون في العشرة الاولى واقترحت أن يكون السيد البهشتي في العشرة الثانية.

وإذ كنا نهمّ بتنفيذ الخطة جاء بيان الامام قبيل شهر محرّم من تلك السنة ليضرم النار في الساحة، وليقيم قيامة لم تهدأ إلّا باقامة دولة الاسلام المباركة في ايران. بعد هذا البيان الذي أعلن فيه الامام بقوة وصرامة «أن الدم سيغلب السيف» استرخصت الجماهير دمَها وتدفقت تتحدّى كلّ إرهاب.

عندئذ لم يبق مكان لتنفيذ اقتراحي، لقد أردنا أن نعلن تنظيما جهاديا من عشرين شخصا فاذا بالامام يحرك أمة جهادية مضحية لمواجهة الطاغوت.

اقترح عليّ الاخوة أن أعود الى مشهد لاقضي العشرة الاولى من محرّم في هذه المدينة معتقدين أنّ غيابي عنها سيضرّ بالأوضاع هناك، ثم أعود بعدها الى طهران لنرى ماذا نفعل.

ذهبت الى مشهد، وبمجرّد ورودي مشهد شرعت بالعمل.

كنت أطرح كلّ أفكاري ومشاريعي على «الشيخ الطبسي» وعلى «السيد هاشمي نجاد» وغيرهما ممن لم يكن بمنزلتهما. كانا يؤمنان ويعتقدان بما أطرحه.

ومما خططت له إقامة مجلس عزاء حسينيّ خاص في مدرسة نوّاب. وهذه المدرسة لها مكانتها الهامة، وماكانت إقامة مثل هذه المجالس معهودة في المدرسة. كان مجلسا لايبلغه مجلس. الساحة تمتلئ بالناس وخاصة الشباب. وأُعدّت فيه منصة لالقاء الخطب والقصائد وأخبار النهضة الواردة من سائر أرجاء ايران، إضافة الى مراثي سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام.

كنت ألقي كل ليلة خطابا ولو قصيرا. ومن الغريب أن أشرطة هذه المجالس سلمت من الحوادث الجسام التي مرّت إبان الثورة ولاتزال موجودة.

استمرت الحالة بهذا الشكل والأحداث تتوالى وتتصاعد كما وكيفا، والمسيرات تخرج كل يوم تبدأ من المنطقة التي يقع فيها مبنى مدرسة نواب ومسجد الكرامة. كانت الألوية تعقد في هذا المكان. كل لواء (لافتة) يحمله رجلان ويسير خلفهما جمع غفير من الناس وهكذا تمتلئ الفواصل بين اللافتات بحشود الجماهير. وفي نهاية المسيرة أخطب أنا وطبسي وهاشمي نجاد، وقد يقتصر الخطاب على واحد أو اثنين منّا. كان الكلام يتفجّر على لساني. وكنت أندهش أنا أيضا مما أقوله، فكل شي‏ء كان خارجا عن إرادتنا حتى حركاتنا أثناء الخطاب. وأذكر أني كنت أفتح ذراعي لدى الخطابة مدة طويلة، وهذا ليس معهودا في خطاباتي العادية. وبلغت هذه المسيرات ذروتها يوم التاسع من محرّم، وفي هذا اليوم ألقيت خطابا ينطلق من واقع الساحة ويتجه نحو دفع مسيرة النهضة نحو أهدافها المرجوّة. وفي مساء نفس اليوم اتصل بي السيد البهشتي من طهران وأخبرني بخروج مسيرة عارمة في طهران وذكر لي أنه خطب في المسيرة، وبيّن لي ماذكره في خطابه من موضوعات كانت مشابهة لما ألقيته أنا دون سابق تنسيق! التنسيق طبعا كان موجودا في الشعارات، وكانت تؤخذ غالبا من طهران.

في صباح يوم تاسوعاء خطر في ذهني شي‏ء قبل المسيرة، أسررته لعدد من الاخوة، وقلت لهم: إذا وافقتم على ما أقول فاكتموا الخبر ولا تفشوه لأحد حتى يحين حينه. أجمعوا على الموافقة.

كانت الفكرة تتلخص بالسيطرة على صحن الامام الرضاعليه السلام والاخذ بزمام خطبة ليلة العاشوراء فيه.

والخطبة في مشهد مرسومة لكل متوفى، وتختلف باختلاف شخصية الميت. ومن الظواهر المشهودة في صحن الامام الرضا اجتماع عدد من الناس في زاوية من الصحن، يعلو المنبر فيهم خطيب، يلقي خطبة باللغة العربية يحمد فيها اللّه ويصلي على النبي وآله، ثم يذكر المتوفى بخير ويدعو له، ويأخذ من الناس الفاتحة على روحه.

ومثل هذه الخطبة تتُلى في الصحن الشريف ليلةَ العاشوراء لذكر الامام الحسين بن علي‏عليه السلام، وفي ليلة آخر صفر لذكر الامام الرضا عليه السلام وهي ليلة ذكرى وفاته. غير أن هاتين الخطبتين كانتا رسميتين، تغلق فيهما أبواب الصحن وتوزع بطاقات الدعوة على مدعويين خاصّين، يذكر فيها الشاه، ثم تتلى خطبة مسجّعة عن الحسين أو الرضا (عليهما السلام)، ثم تؤخذ الفاتحة.

لقد وجدت أن تلاوة مثل هذه الخطبة الرسمية حيث يذكر فيها الشاه لاتتناسب أبدا مع الجوّ الثائر الموجود في مشهد، ولابد أن نمسك بزمام الامور، ولابدّ أيضا من الكتمان، لأنّا إذا أعلنّا ذلك فسوف يغلقون أبواب الصحن أمامنا. بقي القرار في طيّ الكتمان، حتى انتهت المسيرة في ظهر يوم تاسوعاء وأُلقيت الكلمات، ثم قام عريف الحفل وأعلن أن فلانا وذكر اسمي سيلقي الخطبة هذه الليلة في الصحن الشريف، وطلب من الجماهير أن تسرع لتستلم أبواب الصحن والحرم.

تدفقت الجماهير على الحرم، واحتشدت عند الابواب، وملأت الفناء، وتوغّل الناس الى كلّ ثغرة في الصحن. كان ذلك بعد ساعة من الظهر، وبذلك سيطروا على الحرم بشكل كامل بما في ذلك الصحن الخاص بالشخصيات البارزة الذي كان يسمّى آنئذ «صحن المتحف» ويسمى اليوم بعد أن فتح لعامة الناس «صحن الامام الخميني»، وهكذا استولوا على السطوح و «البيوتات» التابعة للصحن.

بقي أمر استخدام شبكة بثّ الصوت غامضا على الاخوة لايعرفون كيف يشغّلونه. محمد خُجَسته (أو محمد آقا كما نسميه) أخو زوجتي يتمتع بنشاط خاص في حلّ مثل هذه المعضلات. اتصل بأحد العاملين في جهاز خدمة الحرم، وطلب منه أن يرشده في أمر شبكة البثّ. وهذا الموظف الصغير أرشده الى الحل. وهو بكل بساطة الارتباط بأي مفصل كهربائي من مفاصل الشبكة فاذا اتصلتَ بأحدها فقد اتصلتَ بالشبكة جميعها. اختاروا مفصلا مناسبا. وجاءني محمد فأخبرني بأن كلّ شي‏ء على مايرام. بقيت منهمكا في أعمال شتّى حتى الليل، ثم توجهت الى الحرم فرأيته غاصا بالناس بين زائر للحرم، وبين مترقّب للخطبة.

ذهبت الى حجرة خاصة معدَّة مطلة على الصحن، أستطيع أن أرى فيها الناس ولكن لايروني هم. كان في الغرفة محمد وابني مصطفى وعدد من الاخوان. أعلن أحدهم أن فلانا سيلقي خطبة ليلة عاشوراء. رأيت أنّ هذا الصوت - رغم انتشاره من عدد غفير من مكبرات الصوت المنتشرة داخل الصحن والشوارع المحيطة بالحرم - قد ضاع وسط همهمة الناس وصَخبهم وضَجيجِهم وزحامهم الشديد. وألفيت أن السيطرة على هذا الحشد الهائل من الناس صعب جدا. لقد كان صوتي يومئذ قويا عاليا. ومنحني اللّه سبحانه قدرة على أن أوصل صوتي دون مبكرة صوت الى مسافات بعيدة.

وقد اتفق بالفعل مرة أن انقطع التيار الكهربائي في مسجد الامام الحسن، وكان فيه مايقرب من خمسة آلاف مستمع، والمسجد واسع وليس له سقف، وكان يوما من أيام رمضان، وأنا صائم. أحسست أن ثمة مؤامرة في قطع التيار الكهربائي، فقد كنا نسي‏ء الظن في مثل هذه الحالات. تداركت الأمر بسرعة. طلبت من الجالسين أن يبقوا في أماكنهم وأن لايتحركوا، شققت الصفوف، ووقفت وسط المسجد وأتممت الخطبة دون مكبرة صوت!

ولكن هذا الموقف في صحن الامام الرضاعليه السلام يختلف. فالمنطقة شاسعة، وغاصة بألوان الناس. على أي حال توكلت على اللّه سبحانه وتعالى، وتوسلت اليه بثامن أئمة أهل البيت الرضاعليه السلام، وبدأت الخطبة بصوت عال وممتد. أنا لم أحفظ الخطبة التقليدية طبعا، لكني بدأت كلامي يجمل عربية مسجّعة فيها حمد اللّه وصلاةٌ وسلامٌ على رسول اللّه وأهل بيته. كانت همهمة الناس مستمرة في بداية الخطبة، لكني رأيتها تخف تدريجيا ثم خيّم السكوت على الجموع، فعلمت أن السهم قد أصاب. عندئذ غيّرت طريقة إلقائي ولغتي، وتكلمت بلغة فارسية، وبنبرة عادية، وخاطبت الامام الرضا وقلت: معذرة اليك يا ابن رسول اللّه، فقد كان الطواغيت يقيمون شعائر هذه الليلة جوارك وهم لايؤمنون بك ولا بجدك الحسين، ونحن الخراسانيون كنا ننظر الى مايفعلونه ساكتين مقهورين لاحول لنا ولا قوة.

ثم وجهت خطابي الى الحاكم العسكري والمحافظ العسكري، وقلت: أذكر كما بنقطة في تاريخ الثورة الفرنسية. الطواغيت المعادون للشعب الفرنسي الثائر آنئذ ماكانوا يتوقعون سقوط النظام. ولو نصحهم ناصح قبل عشرين يوما من الانتصار يدعوهم الى الاستسلام أمام إرادة الشعب لَلَجّوا في عتوهم وأخذتهم العزّة باثمهم، ولكن الثورة انتصرت رغما عنهم، وندموا على عدم استماع النصيحة، ولات ساعة مندم. والآن وقد أوشك صبح الانتصار على الانبلاج، ولم يبق على ذلك سوى شهر أو شهرين أوجّه اليكما النصيحة وأقول لكما: عاملوا الناس بالحسنى.

ولا يخفى مالمثل هذا الكلام من تصعيد لمعنويات الجماهير وإضعاف للخصم. واستمرت الخطبة ساعة تقريبا.

بعد انتهاء عشرة المحرم كان لابدّ أن أبقى في مشهد، فالاعمال متراكمة، والمسيرات مستمرة، والاحداث متفاقمة، وكنت ليل نهار منهمكا في أمور شتى.

أذكر أنني خلال خمسين يوما تقريبا لم استطع أن أذهب الى بيتي. ولم أرَ الأهلَ خلالها الّا مرّة واحدة. كنت في النهار أدير الامور في مسجد الكرامة. وهو مسجد لاتصل اليه يد السلطة بسبب احتشاد الجماهير حوله باستمرار. وفي الليل أبيت في أماكن متفرقة.

* * *

من الحوادث الهامة التي مرت على مشهد بعد عشرة محرم حادثة مستشفى الامام الرضا (كانت تسمى مستشفى شاه رضا).

كنت جالسا ذات يوم في بيت السيد حسن القمي بمناسبة انعقاد مجلس عزاء هناك، جاء أحدهم وأسرّ في أذني قائلا: بلغنا الآن أن جماعة من الشباب محاصرون بالجيش وهم في موقف خطر. أدهشني الخبر. نهضت من مكاني، وذهبت الى صالة البيت واستفسرت عن الحادث. علمت أن مجموعة من طلبة الكلية الطبية العاملين في المستشفى قد شاركوا الامة الثائرة في مواقفها الرافضة، مما استفزّ السلطة، فأمرت بتطويقهم. وهم محاصرون بالجيش، وحولهم اطلاق رصاص في الهواء، والموقف متأزّم، وبعثوا الينا من يخبرنا ويستعين بنا. قلقت كثيرا، لايمكن أن نقف مكتوفي الايدي، ولكن ما العمل؟ !

الشيخ الطبسي كان حاضرا في المجلس، ذكرت له الخبر، وتداولت معه سبل معالجة الموقف، وقررنا أن نستشير الآخرين أيضا. عقدنا جلسة التحق بها بعض من كان من العلماء هناك مثل الميرزا جواد الطهراني، والشيخ أبو الحسن الشيرازي، والسيد المرعشي، والشيخ المرواريد. وآخرون. خلال جلسة التشاور وصلتنا أخبار تؤذن كلها بتصاعد الخطر على الجماعة المحاصرة. وأَبلَغَنا أولئك الشباب أنهم يتعرضون لمذبحة حقيقية، واذا حضر العلماء في هذا المكان فسيحول ذلك دون ارتكاب مجزرة.

لم يكن أمامنا مزيد من الوقت للتشاور والدراسة. حَسَمتُ الامرَ وقلت: أما أنا والشيخ الطبسي فذاهبان الى المستشفى لمعونة هؤلاء المستضعفين سواء التحقتم بنا أم لم تلتحقوا. فما كان من العلماء، وفيهم الشيوخ الطاعنون في السن، إلاّ أن يلتحقوا بنا.

هذه الظاهرة تبيّن طبيعة الحالة النفسية السائدة آنذاك. جيش مدجج بالسلاح، وعازم باصرار على ارتكاب مجزرة لايستطيع أن يُرهب نفوسا استرخصت الغالي والنفيس، وارتفعت على كل سبل الارهاب والتحديات. إنني حين أفكر الآن بهذه الحالة النفسية العجيبة أندهش وأتحير، ولا أرى لذلك دليلا سوى إرادة اللّه سبحانه التي قوّت عزيمة الامة الى هذا الحدّ من التضحيات.

خرجنا من بيت السيد القمي، وسلكنا طريق الأزقة والشوارع الفرعية للوصول الى المستشفى، وطال سيرنا ساعة التحق بنا خلالها في الطريق جمع غفير من الناس، حتى وصلنا الى الشارع المؤدي الى المستشفى. رأينا على البعد طوابير الجنود وبيدهم بنادقهم وأيديهم على الزناد. خشيت أن يحدث تزلزل في السير أو تلكؤ في التقدم. الخطر قد اقترب… جعلت العلماء فى المقدمة بصف على عرض الشارع، وصرت في الوسط، وتقدمنا متعاضدين بخطى ثابتة قوية. وأذكر أن السيد هاشمي نجاد كان بجانبي. أكدت للجميع ضرورةَ عدم التردّد في التقدم أبدا، وأن لايحدث بطء في السير أبدا… حين وصلنا على بعد ١٠٠ متر من الجنود ساد صمت رهيب مؤذن بعاصفة… تقدمنا. كنت أرفع رأسي تارة وأخفضه ناظرا الى الارض تارة أخرى. وحين أصبحت المسافة بيننا وبين الجنود مترين رفعت رأسي فرأيت أن صف الجنود قد انشق أمامي مترين تقريبا، قد يعودانشقاق الصف أمامي بالذات الى عزمي وارادتي على التقدم. وكان من الواضح أن إرادة الجموع المتقدمة قد غلبتهم نفسيا. وكانت نقطة القوة في الوسط فحدث الانشقاق في الوسط أيضا.

واصلنا المسير لانلوي على شي‏ء. حاول الجنود منع تدفق الناس، فلم يفحلوا. وكان الشباب المحاصرون يتابعون كل ذلك من وراء السياج.

دخلنا المستشفى وهو كبير وذو شوارع طويلة. سرنا في أحد الشوارع ووصلنا الى ساحة في وسطها نصب تذكاري، يحوطه سُلّم. ارتقيت السلم، وبقيت انتظر الباقين ليلتحقوا بنا، والسكوت لم يزل مخيما على المنطقة. وفجأة سمعنا صوت إطلاق وابل من الرصاص. علمنا بعد ذلك أن الحاكم العسكري أبى الّا أن ينتقم. فأمر باطلاق الرصاص بوحشية على الناس. وحصلنا بعد ذلك على أعقاب الرصاص، وكانت من قياس. ٥٠ ملم، وهي تكفي لاطلاق الطائرات المتوسطة، وعرضناها على المراسلين الاجانب الذين زارونا في المستشفى بعد ذلك.

هذا الهجوم الوحشي الدموي أثار فزعا في الجموع. بعضهم جلس على الارض، وبعضهم فرَّ. قررنا أن نذهب الى إحدى بنايات المستشفى لنتشاور فيما نفعله. خطر في بالي أن نعتصم. جلست وكتبت بيانا وأعلنت فيه أن العلماء الموقعين أدناه سوف يقبعون فى المستشفى حتى يتغير الحاكم العسكري للمحافظة. وقّع جمع وتردّد جمع آخر في التوقيع. وبدأ الاعتصام، وشاء اللّه سبحانه وتعالى أن يكون منعطفا كبيرا في انتصار الثورة واندحار النظام الحاكم، كما كان تجربة جيدة استفدت منها في الاعتصام الذي اقترحته في مسجد جامعة طهران حين مُنِع الامام من القدوم الى أرض الوطن. وكان هو أيضا ذا تأثير كبير على انتهاء النظام البائد.

ثلاثة عشر يوما من الاعتصام في المستشفى زلزلت النظام في مشهد وحولت المستشفى الى مركز للاشعاع الثوري فى المدينة. وخلالها بعث الامام الراحل (رضوان اللّه تعالى عليه) برسالة من باريس الى المعتصمين.

لم نكن نحدس أن هذا العمل سيكون له كل هذه الثمار المباركة، ولكن ارادة اللّه سبحانه وتعالى شاءت أن تحوّل هذه الايام القليلة في حساب الزمن الى أشواط بعيدة طويلة على طريق تحقيق النصر النهائي.

شاع خبر الاعتصام بين الناس فتدفقوا على المستشفى، واحتشدوا في كل أماكنها معلنين الالتحاق بالمعتصمين. ولما كانت المستشفى تابعة لجامعة مشهد فقد كانت فئة الجامعيين أول من أصدرت بيانا تعلن فيه الالتحاق، ثم تواصل الالتحاق حتى أصبح جزء كبيرا من المستشفى مملوء بالناس ليل نهار.

توالت البيانات من المعتصمين. كنت أكتب البيان، وأسلمه الى ثلاثة أشخاص، وبعد ساعات يأتي البيان مطبوعا ومستنسخاً بمئات أو آلاف النسخ حسب حجم البيان. كانت أجهزة الاستنساخ عديدة ومحفوظة في مكان سرّي، ولكل منها مسؤول. وكانت تصدر بيانات أخرى من الشيخ عبد الله الشيرازي والسيد القمي، والجامعيين والمدرسين، فنسلمها الى هؤلاء الثلاثة للاستنساخ.

بالمناسبة، كان بينهم صبي صغير الحجم، خفيف الدم، حادّ الذهن، قويّ الفطنة، نسميه «چُغَك» وتعني فى اللهجة الخراسانية العصفور، سيمناه بذلك لصغره وخفته وفطنته. ويحضرني أنه بعد مرور ثماني سنوات على ذلك الوقت زرت بندر عباس لتفقد المرافق العسكرية، وزارني جمع من طلبة العلوم الدينية في المدينة، منهم المحليون، ومنهم الوافدون القادمون اليها في مهام القضاء أو الدعوة والارشاد. رأيت بينهم شابا معمما طويلا يبدي اهتمامه الشديد بي سألته: من أنت؟ قال: چُغَك!!

في المستشفى كان المنهج حافلا بألوان النشاطات… خطابات يومية مستمرة… اجتماعات موسعة ومصغّرة… لقاء بالصحفيين الايرانيين والأجانب. وجاء بيان الامام الراحل الى المعتصمين ليزيدهم عزما وتثبيتا ومضاء. قدمت وفود من مدن شتى لتعلن مساندتها للمعتصمين. كنا نقيم الصلاة جماعة في المستشفى، ويؤم الصلاة أحد العلماء المعتصمين… اقترح بعض الطلبة أن ننتقل الى بناية أخرى من المستشفى، فانتقلنا اليها.

في الليالي كان بعض المتقدمين في السن من العلماء وبعض الناس يذهبون الى بيوتهم. أما أنا فلم أخرج إلّا في قضية على غاية من الأهمية والحساسية.

وإذ أشرت الى قضية خروجي خلال مدة الاعتصام فلابدّ أن أُبيّن سببها ولابُدّ أن أذكر أولا موقف الثوار من الجيش خلال الثورة الاسلامية، لارتباط هذا الموقف بالقضية.

لقد سجلت الثورة الاسلامية بفضل اللّه ومنّه أروع صفحات الانضباط الاسلامي والابتعاد عن الدموية. وحين أقرأ ماجرى إبان الثورة الفرنسية والروسية من مجاوز دموية رهيبة أفهم فضل الاسلام في خلق هذا الانضباط الشديد لدى الثوار في التعامل مع من شَهَرَ بوجههم السلاح وأزهق الأرواح.

لقد جاء تأكيد الامام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) على ضرورة عدم الاساءة الى أي عسكري ليلتزم به الناس التزاما عجيبا، اللهم الّا في حالات الاستفزاز الشديدة وبصورة نادرة جدا، وكان هذا مما يزعج النظام ويحبط مخططاته التي تقضي بتصعيد حدة المجابهة بين الجيش والامة الثائرة. واذا اتفق أن وقع بيد الجماهير عسكري شهر السلاح بوجههم، نُسرع إلى إنقاذه من أيدي الناس كي لايصيبه أي مكروه. كان الناس عامة وقادة الثورة خاصة حذرين جدا من أن يصل العسكريين أي مكروه من الجماهير التي تتعرض بين الفينة والأخرى لمجازر دموية بيد هؤلاء العسكريين أنفسهم. كل ذلك إيمانا من الثوار بأنّ النظام الحاكم شي‏ء وهذا الجيش المأمور المغلوب على أمره شي‏ء آخر. فهو من الشعب، ولابدّ أن يعود الى أحضان الشعب، كما عاد بالفعل بفضل هذه المواقف الاسلامية الملتزمة الحكيمة.

أقول مرة أخرى إن النظام الحاكم كان منزعجا جدا من هذا الموقف السلمي المنضبط تجاه القوات المسلحة، وخائفا من أن يؤدي الى استمالة الجيش الى صفوف الثائرين. لذلك عَمَد الى خدش هذه العلاقة عن طريق قتلِ ٥ أو ٦ من رجال الشرطة في مشهد بشكل ملغوز مرموز، ثم توزيعِ بيانات على بيوت رجال الجيش والشرطة يعلنون فيها أنّ «المخرّبين» ! قتلوا هؤلاء، ويهمّون بقتل كل رجال الجيش والشرطة!!

أعود الى حديث خروجي من المستشفى، لقد بلغني أن اثنين من رجال الشرطة قُتِلا بيد مجهولين! سارعت لتطويق الحادث وتحجيمه، فأخذنا الجثتين ليلا وكانت ثمة جثة ثالثة لشهيد من شهداء مشهد، ودفناها معا، وَبقِيتُ هناك حتى ساعة متأخرة من الليل.

لقد كان تأثير الاعتصام في زلزلة أركان النظام واضحا من خلال مظاهر شتى. من ذاك التحاق مَن لم تكن لهم أدنى عُلقة بالحركة الاسلامية. بجموعِ المعتصمين، مما يدل على انقطاع أملهم ببقاء الاوضاع السابقة. حتى أن أحدا من الحاقدين على الثورة والثوار جاء الى المستشفى فأخبروني واستجازوني أن يطردوه، فرفضت وقلت: كل من يأتي يجب أن نحتضنه.

وأذكر أن معمما مرتبطا بالساواك جاء أيضا الى المستشفى وهو معروف لدى الناس بتملقه المبتذل الى جهاز أمن الشاه، وبتجسسه على الحركيين الاسلاميين. وكان له ظاهر علمائي: معّمم ومقبّى وملبّى ومعبّى (يلبس القباء واللبادة والعباءة، وهي من أردية علماء الدين). وكان نظام الشاه يستهدف الاستفادة من دناءة طبعه وضخامة هيكله ليجعله عالما في مشهد. وكان يتمتع بقسط كبير من الوقاحة تؤهله لهذا العمل! هذا الشخص دخل المستشفى أيضا طمعا في أن يجد له موضع قدم بين الثائرين أو بهدف التجسس. عرفه الشباب والتفوا حوله يهتفون: هذا الملّا الساواكي - لابُدّ من إعدامه… كنت مشغولا في مقر عملي بالمستشفى إذ أخبرني أحدهم بمجي‏ء هذا الشخص، وأخبرني أنه محاط بالناس ومن الممكن أن يُقتل. فزعت كثيرا، وقمت من فوري، وهُرعت اليه، وأنا أردّد: لايمكن أن يحدث ذلك! لا أسمح أن يُهرق دم! رأيت على البعد كتلة بشرية متراصة متحلقة حول سيارة هذا الشخص. شققت الطريق وسطَ هذه الجماعة المحتشدة ومعي «محمد آقا». رأيت الرجل مع سائقه في السيارة يرتجفان من الخوف. علوت سقف السيارة وبيدي مكبرة صوت يديوية. واللّه يعلم كم جاهدت لاسكات الناس أولا. ثم قلت لهم: من عرفني فقد عرفن

ي، ومن لم يعرفني فأعرفه بنفسي… حين وجدت الآذان صاغية قلت: أطلب منكم أن تتركوا هذا الشخص يذهب لشأنه. انشق الطريق أمام السيارة، وتبعها الناس يهتفون. قلت لهم: ارجعوا ولا تتبعوا السيارة، فتوقفوا في أماكنهم، وبذلت كل جهد لتفريقهم. اجتازت السيارة شوارع المستشفى نحو باب خلفي متروك مغلق. اجتهد محمد آقا وعدد آخر في فتحه، ففتحوه. قلت للسائق: أسرع!! وانحنى المعمم الساواكي ليشكرني، قلت له: إذهب… إذهب!!

وهنا أقف عند ظاهرة عجيبة سادت الجماهير الثائرة آنئذ، وهي الطاعة التامة للقيادة الدينية. هذا الذي ذكرته في حادث انقاذ المعمم الساواكي نموذج واضح لهذه الطاعة.

خذ بنظر الاعتبار الالتهاب العاطفي الثوري المتأجّج لدى الجماهير آنئذ… وتصوّرْ أنهم قبضوا على شخص طالما ارتكب جرائم فظيعة بالتجسس وباهانة حرمة لباس علماء الدين… وهي فرصة سانحة للانتقام، ومن حقهم أن ينتقموا. لكن انضابطهم أمام قيادتهم الدينية كان أكبر من كلّ هذه النوازع والدوافع.

أمثلة لاتحصى في ذهني تعبّر عن طاعة هذه الجماهير المسلمة وانصياعها التام لقيادتها الدينية.

جدير بالذكر أن هذه الطاعة كانت مقرونة بحب شديد. حين يلتقي بي الناس يحاولون بشتى السبل أن يعربوا عن حبّهم الصادق المتفجّر في أعماقهم تجاهي. كنت حين أمرّ في الشوارع والطرقات أُضطّر لوضع عباءتي على رأسي وأغطي وجهي كي لايعرفني أحد!

أين هذه الحالة من تلك التي سميتها «أزمة العمّة» في زمن رضا شاه وابنه؟ ! هذا التحول يعود - بعد عناية رب العالمين - الى شي‏ء واحد لاغير، وهو أن القيادة الدينية نجحت في تقديم الدين باعتباره المشروع الذي يحقق آمال الامة وتطلعاتها، كما نجحت في أن تثبت إخلاصها في السعي لتحقيق المثل الاعلى للامة. وفي خضم هذه الحركة حدث الفرز الحاسم في عقلية الجماهير بين علماء الدين الحقيقيين الرساليين وبين المتلبسين بلباس الدين الغارقين في ذاتياتهم الضيقة.

أعود الى ذكر المعمم الساواكي ففي ذكره رعبرة. سمعت أخيرا أنه كان مشغولا بارساء دعائم بناية ضخمة من عدة طوابق من أموال غير مشروعة. فصعد في ساعة خلوة الى القسم العلوي منها، وزلت قدمه، وسقط ومات من ساعته دون أن يعلم به أحد. وحين رؤيت جثته أُخِذَ الى بناية الطب القانوني تحت عنوان: «عامل أفغاني مجهول». ثم تعرّف عليه أهله وأخذوه!!

ونستجير باللّه من الخذلان وسوء العاقبة.

أدى الاعتصام عطاءه الكبير، وانتهى بنفسه مثل شمعة أضاءت وانتهت. وكانت النهاية متزامنة مع قضايا ضخمة لحقتها لاتقل أهمية عنها، ولكن ليست بنفس المستوى من الشهرة.

* * *

ومن الاحداث المهمة التي واجهتها ساحة الثورة في مشهد هجوم الجيش على المتظاهرين أمام مبنى مركز المحافظة.

ذكرت أن المسيرات كانت تنطلق من المنطقة التي يقع فيها مسجد الكرامة. وكان المسجد مكان عقد ألوية المسيرة. وهذه المسيرة تطوف الشوارع قاطعة شكلا رباعيا، ثم تعود من حيث بدأت، ويتلى في نهاية المسيرة البيان النهائي المعبّر عن إرادة الجماهير في إقامة دولة الاسلام، وفي إنهاء النظام الفاسد القائم آنذاك. وهذا الشكل الرباعي يكبر ويصغر حسب الظروف والقضايا. كانت المظاهرات العفوية مستمرة صباح مساء، أما هذه المسيرات المنظمة فكانت تتخللها عدة أيام.

في أحد الأيام اقترح أحدنا، ولا أتذكر من هو، أن نجعل نهاية المسيرة أمام مبنى مركز المحافظة. وتمّ الاتفاق على ذلك ولم نعلنه، بل أخبرنا الطلائع التي توجّه طريق المسيرة فقط. انطلقت المسيرة واتجهت الى الشارع المسمى بشارع طهران. ثم وصلت الى ميدان واستدارت يمينا الى الشارع الذي يقع فيه مركز المحافظة. حين دخلنا هذا الشارع أعلنا أن هدفنا التجمع أمام مركز المحافظة. وكان هذا الاقدام تحديا صارخا للسلطة. لأن مركز المحافظة يمثل كل الجهاز الحكومي الحاكم في منطقة خراسان، كما إن هذا المبنى يجاور ثكنة عسكرية حساسة في مشهد، وهو قريب من منطقة الترف والرفاه والتحلل في المدينة، حيث تكثر السينمات ومخازن الملابس الفاخرة، وكانت حتى ذلك الوقت معزولة عن أجواء الثورة. هذه كلها تحديات.

في هذه المسيرة اشترك مِن العلماء مَن لم يشاركنا من قبل، كان العلماء في مقدمة المسيرة، ولكنها المقدمة المفروضة طبعا، فمسيرة جماهيرية ضخمة لايمكن أن تضع لها مقدمة لايتجاوزها أحد. فقد كان قبل هذه المقدمة حشد هائل من الناس غير منتظمين في صفوف المسيرة. وما إن اقتربنا من بناية مركز المحافظة حتى حدث مالم نكن نتوقعه. لقد رأينا الناس قد اقتحموا الباب المؤدي الى حديقة المركز وازدحموا في هذه الحديقة أيما ازدحام. ماكان من المقرر أن يدخل أحد الحديقة، بل كان القرار أن نتجمع خلف السياج. أصبح الاخوة المسؤولون عن تنظيم المسيرة أمام أمر واقع، اضطروا الى نقل منصة الخطابة الى داخل الحديقة، ثم بدأت التأكيدات تصدر عنهم بضرورة عدم دخول أي فرد غرفَ المبنى وعدم التصرف بأي واحد من مرافقها، كان المبنى خاليا من المحافظ والموظفين.

كان الاخوة يهمّون أن يبدأوا بالبرنامج المقرر لنهاية المسيرة إذ جاءني أحد وقال: إن سيارة عسكرية من نوع جيب دخلت وسط الزحام والناس يحيطونها وركابها يتهددهم الخطر!! وجود سيارة عسكرية في هذا المكان ليس بالامر الغريب لأن الثكنة العسكرية قريبة. ولكن لماذا الآن؟ قالوا لي: أنت وحدك تستطيع أن تخلصهم من غضب الجماهير، والّا ربما استفزوا الناس وواجهوا مالا يحمد عقباه. تقدمت نحو مكان السيارة فوجدتها قد شقت الصفوف ودخلت الساحة، وبذلك أصبح من المتعذر عليها أن تخرج من مكانها. لماذا توغلت الى هذا الحد؟ هل الامر عفوي؟ هل الزحام هو الذي أرغم السائق على هذا التوغّل؟ هذه الاسئلة وعشرات الاسئلة بدأت تدور في ذهني وأنا أشق طريقي نحو السيارة لتخليصها من ورطتها.

حين اقترتب من السيارة رأيت فيها ضابطا شابا، وسائقا ومأمور لاسلكي. والثلاثة خائفون جدا. بذلت كل جهدي لتخليص السيارة من الزحام. استعنت بالمكبرة راجيا تارة وآمرا تارة أخرى، حتى استطعت أن أفك العقدة البشرية المستعصية المتجمعة أمام طريق السيارة.

بعد دقائق جاءني أحد الاخوة وقال: إن دبابة جاءت الى وسط الناس! طلبتُ أن يتابعوا خبر الدبابة ويضعوني في الصورة. لكن المعلومة كانت تصل متأخرة بمدة لاتقل عن عشرة دقائق بسبب عدم وجود لاسلكي بأيدينا، وبسبب الزحام الشديد. علمت أن الناس أحاطوا بالدبابة وهم يهتفون، ثم صعدوا الى أعلى الدبابة، وخرج من الدبابة جندي شارك الناسَ في هتافاتهم، وعمّت الجميع فرحة بهذه المشاركة!! ولكن الموقف كان غامضا. ماهدف هذه الدبابة؟ !

جاءنا خبر قدوم دبابة أخرى، ثم قطع علينا صوت الرصاص كل تفكير وتدبير… وسفكت الدماء، وتفرّق المتظاهرون، واشتكبوا مع الجيش، وغنموا بعض الاسلحة، واستمرت الاشتباكات يومين أو ثلاثة أيام بين جيش مدجّج بالسلاح وشعب أعزل. واجتزت أنا وجماعة شارعا فرعيا، ودخلت مكانا آمنا، ورحت أستذكر سيارة الجيب، وعلمت أنها لم تأت عفويا، بل كانت مأمورة لارسال المعلومات والتمهيد للمجزرة الوحشية. ثم علمت أن أحد الجنرالات قرر سحق هذه المظاهرة، وهو الذي أرسل السيارة ثم الدبابات.

بعد فترة خرجت الى الشارع فرأيت الناس غاضبين ساخطين، ويحاولون أن يعبّروا عن غضبهم بشتى الصور. أحرقوا دار سينما تابعة لأحد رؤوس النظام، ثم حاولوا أن يصبّوا جام غضبهم على المؤسسة العسكرية فهجموا على سوق عسكري، ونهبوا كلّ مافيه من مواد غذائية وتموينية. وأصابت القيادة العسكرية خلال هذه الأيام الثلاثة هستيريا عجيبة. بطشوا بالناس بشكل عشوائي، حتى اتفق أن قتلوا عددا من الناس الواقفين في طابور الخبز أمام المخبز!! والامام الراحل أشار في أحد بياناته الى ذلك حين قال: «وقتلوا الناس في الشوارع».

* * *

من الحوادث التي شهدتها مشهد وكثير من المدن الايرانية خلال هذه الايام هجوم «الاراذل والاوباش» (كما يسميهم الشارع الايراني).

حين فشل الجهاز الحاكم في مواجهة الناس بالجيش راح يفكر في مشروع يجعل فيه الصدام وكأنه جماهيري. أي إنه صدام بين مؤيدي الشاه ومعارضيه من الجماهير أنفسهم.

بدأ أولاً في اعلامه بترديد كلمة «الاكثرية الساكنة» ليموّه بذلك أن هَوى أكثرية أبناء الشعب مع الشاه، لكنها أكثرية ساكنة تخشى بطش المعارضين! ثم بدأ يحثّ مَن أسماهم الاكثرية الساكنة على أن يعلنوا موقفهم. وفجأة انتشرت في كل المدن تقريبا هذه الظاهرة: مجموعة تحمل العصيّ الغليظة والاعمدة الحديدية تسير في الشوارع وهي تعربد وتهجم على كل محلّ فيه صورة الامام الخميني وتمزّقها، وترغم السيارات على حمل صورة الشاه.

كانت هذه المجموعات تتشكل من ١٠٠ - ٢٠٠ شخص تظهر فجأة فتضرب وتحطّم وتهشّم في مكان معيّن ثم تختفي.

وهذه الظاهرة - مهما كان حجمها ضئيلا ومساحة حركتها محدودة صغيرة - تبثّ الرعب في النفوس وتثير مخاوف الناس الآمنين. ربما كان نظام الشاه يعتقد حقا بوجود أكثرية مؤيدة ساكنة خائفة، فبعث هؤلاء الاراذل ليكسروا حاجز الخوف.

كانت هذه المجموعات تتكون من بعض القرويين السذج الفقراء، أغراهم نظام الشاه بالأموال والأماني ودفعهم الى الشوارع. وكانت تظهر في الشوارع بجرأة وصلافة لأنها مدفوعة بالأموال، ولأن نظام الشاه يساندها، وفوق ذلك لأنها كانت واثقة من أن الجماهير الثائرة تتجنب أي اصطدام دموي، خاصة إذا كان هذا الاصطدام مع مجموعةٍ هي في الظاهر من عامة الناس لامن قوّات النظام.

استمرّ هذا الوضع ثلاثة أيام تقريبا، ثم جاءت فتوى الامام لتنهي هذه الظاهرة بشكل كامل. أعلن الامام جواز قتل هؤلاء الأراذل!

من يجرأ بعد هذه الفتوى أن يظهر من هؤلاء في الشوارع؟ ! راح كل منهم يبحث عن جحر يختفي فيه، وانتهت ظاهرة «البلطچية» في ايران تماما.

* * *

خلال تلك الايام أيضا بلغنا نبأ خروج مظاهرة موالية لنظام الشاه في طهران من بضعة آلاف من الرجال والنساء. تجمعوا أمام مجلس شورى الشاه وهم يطالبون «بختيار» رئيس وزراء الشاه أن يحافظ على منصبه وأن يبقى في «خندقه» !

وشاع آنئذ أن هؤلاء المتظاهرين من العسكريين بالملابس المدنية مع عوائلهم. وبعد انتصار الثورة قرأنا التعميمات السرية التي صدرت الى أفراد القوات المسلحة تأمرهم أن يشتركوا مع جميع أفراد عوائلهم بالزي المدني في المظاهرات المؤيدة. بعضهم خاف من عاقبة المخالفة فاشترك وبعضهم لم يشترك.

* * *

ويحضرني الآن أن بختيار حين أصبح رئيسا للوزراء استدعى صديقا له من الجبهة الوطنية في مشهد أن يقدم الى طهران. وكان هذا الرجل المشهدي صديقا لنا ومتعاونا معنا. جاءنا وأخبرنا بطلب بختيار. تشاورنا في الامر واتفقنا أن يذهب ليسمع منه ما يطلب، لأن الاطلاع على طلبات بختيار يكشف لنا عن مآربه وأهدافه، ولكن على أن لايستجيب.

قبل أن يغادر الرجل الى طهران قلت له: إن الشيخ الصدوقي كان له أخيرا اتصال بالامام في باريس، وطلب منه الامام أن يأتي الى باريس وأن يصطحبني معه. أخبرني الشيخ الصدوقي بذلك، وطلب مني أن أعدّ جواز سفري لنتوجه الى باريس. وأنا أخبرت الشيخ الصدوقي بأني لا أملك جواز سفر، لاني ممنوع من المغادرة خارج البلاد، حتى لم أستطع أن أذهب الى حج بيت اللّه الحرام.

قلت لصاحبنا هذا الكلام ثم قلت له: إذا قابلت بختيار فحاول أن تحصل منه على موافقة منحي جواز سفر. قال: هذا أسهل مايكون. أعطني جنسيتك (بطاقة الاحوال الشخصية) مع صور.

ذهب «محمد آقا» الى البيت وأحضر الجنسية والصور، ووضعناها في ظرف، وسلمتها الرجل المغادر لمقابلة بختيار.

كنت في الواقع يائسا من الحصول على جواز سفر… وعلى فرض الحصول لايمكنني السفر الى باريس، لان الأعمال والمهام متراكمة هنا بشدة، حتى لاتسمح لي أن أذهب الى طهران فما بالك بباريس؟ ! ولكن شوق زيارة الامام الراحل دفعني الى هذا الطلب.

غادر الرجل وهو يقول: سآتيك بالجواز بعد يومين.

بعد أيام عاد من طهران وهو يقول: عدت بخفي حنين، ولذلك قصة.

قلت له: كنت أحدس ذلك. وكنت أعلم أن سيكون لك قصص. إذ ليس من المقدر لي أن أسافر خارج الوطن في عصر الطاغوت.

قال: إسمع القصة. لما وصلنا طهران استقبلني أحد الاصدقاء في المطار. ودخلنا شوارع طهران، فاذا بمظاهرة حاشدة سدّت علينا الطريق. ماكان أمامنا الّا أن نترجّل من السيارة ونقفلها ونسير مع المتظاهرين. وحين عدنا الى السيارة، وجدناها في مكانها، ولم نجد فيها حقيبة السفر التي تركتها فيها.

قلت: وجنسيتي؟ !

قال: ذهبت مع الحقيبة!

ما كان أمر الحصول على جنسية أخرى صعبا، فقد كانت دوائر الدولة مرتبطة بنا، وتستجيب لطلباتنا، فحصلت على جنسية أخرى.

وبالمناسبة بعد انتصار الثورة الاسلامية كان أحد أعضاء الحزب الجمهوري يعمل في جهاز أمن الشرطة. اتصل بي يوما وقال: لك هنا في هذه الدائرة شي‏ء! قلت: لابدّ أن يكون ملفاً! قال: لا، جنسيتك. عرفنا أن الشرطة هم الذين سرقوا الحقيبة وما فيها، لا لشي‏ء، الا للاساءة الى سمعة المتظاهرين والجماعة الثائرة!!

* * *

خلال هذه الأيام وقعت قضايا في سجن مشهد. وقيل إن مأموري السجن عذبوا بعض السجناء وقتلوهم، ووقع آنئذ حريق مشهور في السجن مما أثار قلقاً شديدا لدى ذوي السجناء.

والرجل الذي ذكرت أنه ذهب لمقابلة بختيار استجاز بختيار أن يتفقد السجن فأجازه.

* * *

كنت خلال كل هذه الأيام أتنقل في المبيت من مخبأ الى مخبأ. وفي الصباح أذهب أنا والمرتبطون بي ارتباطا وثيقا الى مسجد الكرامة، وكان المسجد آمنا لأنه محاط بالجماهير ليل نهار، وكان يعتبر في الواقع مركز قيادة الثورة في مشهد. كنا منهمكين في إدارة أمور النهضة والبلد، نتسلم المعلومات، ونعطي التعليمات للناس والعلماء، ونصدر البيانات، وتتقاطر علينا المراجعات. هذا يقدم اقتراحا، وهذا يطرح مشروعا. وكنا نمثل القيادة المنبثقة من قلب الجماهير الثائرة.

اعتمادنا في ادار الامور كان - بعد اللّه سبحانه - على الشباب الطافح بالحماس، نوزّع عليهم المسؤوليات ونتلقى منهم المعلومات. كما كانت مراقبة التحركات العسكرية ومتابعة انفراط الجيش، واعطاء التعليمات للجنود الفارين من المعسكرات من مسؤولياتنا اليومية. نواصل العمل حتى الظهر، فنقيم الصلاة، ثم نواصل العمل بعد غداء بسيط وأحيانا بدون غداء حتى الليل. وفي الليل يتفرق الناس، ونحن نندسّ في الجموع المتفرقة، ونلجأ الى بيت أحد الاخوان. كان الاخوة يدعوننا لبيوتهم، ونبيت كل ليلة في بيت أحدهم. وخلال مدة شهرين - كما ذكرت - لم يكن لي أي اتصال بالاهل ولا أي خبر عنهم. كانوا هم أيضا في انتقال مستمر من بيت الى بيت خوفا من المداهمة.

* * *

في خضم هذه الاوضاع جاءتني رسالة شفوية من الشهيد مطهري (رحمه اللّه): أن أَقدمْ بسرعة الى طهران. استغربت من هذا الطلب، فالشهيد مطهري يعرف ما أحمله في مشهد من أعباء جسام. قلت للرسول: أنا لا أستطيع أن أبتعد عن مشهد لحظة واحدة. جاءتني بعد يومين رسالة أخرى تقول: لابدّ أن تأتي الى طهران، ولا مندوحة لك عن ذلك، أجبت أيضا: أنا لا أستطيع أن أترك مشهد أبدا، وهذا غير ممكن.

بعدها بقليل جاءتني رسالة هاتفية من الشيخ منتظري من باريس تقول: الامام طلب أن تذهب الى طهران! ربما الشيخ المطهري هو الذي أخبر الشيخ المنتظري بإبائي الذهاب الى طهران، وطلب منه أن يتصل بي مباشرة.

ثم تبعتها رسالة أخرى من مطهري تقول: عدم المجي‏ء الى طهران عصيان لأمر الامام. قلت: أعوذ باللّه أن أعصى للامام أمرا !!

أخبرت الاخوة بالامر، ففزعوا وقالوا بأجمعهم: هذا غير ممكن! الشهيد هاشمى نجاد فقد صوابه وراح يردّد: سوف أتحدث أنا مع مطهري وأخبره بالامر. سوف أذهب أنا الى طهران لمعالجة الموقف.

قلت لهم: فعلت كلّ ما بوسعي، ولكن الاصرار كبير، ولابد أن يكون ثمة أمر هام!

بعد نقاش طويل رضخ الاخوان للامر الواقع وقالوا: نوافق على شرط أن تعود الينا بسرعة.

قلت: أتعهّد أن لا أبقى أكثر من المطلوب.

خرجت من مشهد ومعي بعض الاخوة، أذكر منهم الدكتور روحاني (وهو متزوج من أخت الدكتور شريعتي)، وصفاريان (وكان يومئذ من أقرب أصدقائي).

وصلنا طهران، ثم ذهبنا الى «مدرسة رفاه»، وكانت مركزا لقيادة الثورة في طهران، مثل مسجد الكرامة في مشهد. اتصلت بالشهيد باهنر، فذكر لي أني مدعوّ اليوم في بيت الشهيد مطهري، سررت لهذه الدعوة، وحسبت أنها ضيافة أستطيع فيها أن أعرف سبب الاصرار على قدومي. ودّعت من رافقني من الاخوة، واتجهت الى بيت مطهري لأنّ الدعوة وجهت لي وحدي دون من يرافقني.

دخلت غرفة الاستقبال فاذا في الغرفة جمعٌ يجلس جلسة جادّة، فيهم السيد الطالقاني، والشيخ الهاشمي الرفسنجاني، والسيد البهشتي، والمهندس بازرگان، والجنرال قرني (لم اكن أعرفه حتى تلك اللحظة)، وعسكري آخر. قلت للشهيد مطهري: من هؤلاء؟ وما هذه الجلسة؟

قال: هذا مجلس قيادة الثورة! ثم أردف يقول: وأنت عضو في مجلس قيادة الثورة!

انكشف لي الامر… وبعد هذه الجلسة ودعت الاخوان بالتلفون، وبقيت في طهران حتى الآن!

في طهران انهمكت منذ الساعات الاولى بأعمال متواصلة. تلمّست على نطاق أوسع من مشهد أن الولادة الكبرى وشيكة الوقوع. وأن هذه هي الثورة بعينها. لقد قرأنا كثيرا عن الثورات العالمية الكبرى، ولم نكن نفهم مغزى مانقرأ. فأين المشاهدة من السماع؟ ! وهاهي الثورة بكل أبعادها تموج أمامنا لتنبئ بعصر جديد. كنا مغمورين في هذا الموج العظيم لانرى غيره، ولا نفكر بغير مهامّه. لقد سألني أحدهم يوما: ألم تكن تشعر بقلق في تلك الايام؟ قلت: لم يكن لي وقت الاحساس بالقلق!!

طبعا كان هذا شأن من يقرأ تلك الاحداث قراءة صحيحة، ويفهم مغزاها، وكان هناك من يعيش ذهنيته الخاصة المنغلقة المتقولبة في المعادلات الجافة الجامدة والنظريات الزائفة، فلا يرى مانراه. وأذكر أنه حين كنا معتصمين في المستشفى بمشهد جاءني أحدهم وقال: إن أحد قادة مجموعة المنافقين التي كانت تسمى آنئذ بالمجاهدين جاء الى مشهد من طهران ويريد أن يلتقي بي. وكان بيني وبينه نحو صلة عائلية. وافقت وطلبت من الشيخ الطبسي والسيد هاشمي نجاد أن يحضرا اللقاء. هيئنا مجلسا خاصا، وجاءنا الشاب وسأَلَنا عن رؤيتنا للاوضاع والقضايا التي تمرّ على إيران. وفي أثناء إجابتنا جرت على ألسنتنا كلمة «الثورة». وقلنا على سبيل المثال: إن الثورة يجب أن تتجه نحو هذا المسار، ونظير ذلك. قاطعنا هذا الرجل الزائر، وسألنا باستغراب واستنكار: أي ثورة؟ !

استغربنا جميعا وقلنا: هذا الانفجار الجماهيري العارم الذي تراه أمامك!!

قال: أنا لا أرى ثورة!!!

قلت: افتح عينيك لترى في كلّ شبر من هذه الارض ثورة بكل ما للكلمة من معنى.

ولكنه راح يصرّ على إنكار وجود ثورة، منطلقا من القوالب الماركسية المسيطرة على ذهنه. فالثورة لابدّ أن تكون إما عمالية بروليتارية، أو بصورة حرب عصابات مسلحةنظير ماجرى في كوبا وبعض بلدان أمريكا اللاتينية والّا فليست ثورة… وفارقنا وهو لايؤمن بوجود ثورة… ثم فارقنا وفارق الأمة… وهو قابع الآن في العراق!!

أعود الى حديثي عن مشاهداتي للثورة في طهران. ما أثار انتباهي أكثر في هذه المدينة مقاومةُ الجماهير وصمودها ووعيها ويقظتها. لقد شاهدت الشوارع ملطخة بالدماء دون أن يؤثر ذلك على إصرار الناس على المواصلة، وعلى الصراحة التامة في مواجهة السلطة.

رأيت الجماهير تسير في ذات الشوارع المدماة وهي تهتف:

بختيار… بختيار… يا خادما قد عَدِمَ الاختيار!!

وليس بعد هذه الاهانة إهانة برئيس وزراء الشاه، فهو خادم مطواع لأسياده، وليست له أية إرادة في تنفيذ ما يُملى عليه!

وبالمناسبة كانت المسيرات الجماهيرية منبثقا لذوق شعري رائع في صنع الشعارات. والشعار لايمكن أن يسري على الألسن الّا إذا كان معبّرا بأقصر عبارة وأسهلها عن أضخم دلالة وأعمقها. وكانت شعارات الثورة الاسلامية تتحلّى بهذا اللون من بلاغة الكلام. وكانت هذه البلاغة تتفجر على لسان الجماهير لتقول كلمتها في الوقت المناسب والعبارات المناسبة، ثم تشيع وتسري كما يَسري النار في الهشيم.

شعار الجماهير يومئذ:

استقلال آزادي (حريّة) جمهوري اسلامي‏

وهو شعار كان يعبّر عن كل طموحات الامة، باقصر عبارة وأبلغها، وأجمل موسيقى وأروعها.

ثم إن هذه الشعارات كانت تواكب كل مافي الساحة من قضايا، وتعرب عن وعي الجماهير في مواجهة الأحداث. فحين ظهرت بعض المجموعات الحزبية في الساحة محاولةً أن تركب الموجة وأن تنشر الصور واللافتات، ماكان من الجماهير الّا أن رفعت صوتها بشعار:

حزب فقط حزب اللّه رَهْبَرْ (قائد) فقط روحُ اللّه (الامام الخميني)

وبهذا الشعار أعلنت رفضَها لكل هذه الفئات ولكل تلك القيادات. وكان الناس يرددون هذا الشعار بالذات بحماس فائق للغاية، مما يدل على أن محاولات تلك المجموعات الصغيرة قد استثارتهم واستفزّتهم ودفعتهم بحماس لادانتها واحباطها.

كانت الامة المسلمة بمواقفها تتجاوز كل مايوضع أمامها من عقبات، وينصب لها من شِراك، ويُتَربّص بها من دوائر.

وإذ ذكرت وعي الأمة لابُدّ أن أذكر فضل ربّان السفينة في هذا الوعي. لقد كان الامام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) على مستوى رفيع من الحساسية تجاه تربصات الأعداء، وعلى مستوى عالٍ جداً من الحسم في اتخاذ الموقف الرادع الحاسم تجاه المتآمرين وخططهم. لقد تحوّل هذا الرجل بوعيه وبما ألهمه اللّه سبحانه من قدرة على مواجهة المواقف الصعبة الى أمة. لقد كانت الأمة والامام يسيران وكأنهما جسد واحد في معالجة المواقف الحاسمة. الامام يرسل البيانات التي تنسجم تماما مع تطلعات الجماهير، والجماهير ترفع الشعارات التي تصبّ بدقة في هدف الامام.

ولا بأس أن أشير الى موقف من مواقف الامام في تلك الأيام تجاه مخطّط إبقاء بختيار في‏السلطة.

لقد أُشيع أن بختيار يريد أن يذهب الى باريس لمقابلة الامام والاتفاق معه وكسب رضاه، وكانت هذه المحاولة تستهدف إبقاء بختيار في السلطة. حين وصل الخبر الى الامام أعلن أنه لابد أن يستقيل بختيار أولا من السلطة، ثم يأتي إن شاء الى باريس.

كنت في عصر أحد تلك الأيام جالسا في مدرسة رفاه مع بهشتي وباهنر وهاشمي وأردبيلي منهمكين في الاعمال كعادتنا إذ دخل علينا «حاج سيد جوادي» و «مدني» (كنت لا أعرف مدني آنئذ) وقالا: لقد اتصل بنا «يزدي» من باريس وأخبرنا أن الامام وافق على مقابلة بختيار دون شروط الاستقالة! وطلبا منّا أن نكتب بيانا عن هذا الموضوع ونعلنه للناس. استبعدنا جميعا ذلك. قال حاج سيد جوادي: تكذبونني أو تكذبون يزدي؟ ! قلنا: لا، ولكن الامر بعيد جداً عن أذهاننا.

تواصلت الاخبار حتى مساء ذلك اليوم تؤكد موافقة الامام. وممن ذكر لنا ذلك على ما أذكر أيضا صباغيان.

طلبنا من الشهيد مطهري أن يتصل بباريس ويستطلع الأمر بنفسه… اتصل … رفع السماعة يزدي… سأله عن الأمر، فأخبره أن الامام وافق على مقابلة بختيار دون شرط الاستقالة!

أخبرَنا مطهري بذلك. وقال أحدنا: لماذا نكون - كما يقول المثل الفارسي - طاسة أحرّ من الحساء؟ ! إذا كان الامام موافقا فعلامَ نخالف؟ ولكن كيف نعلن هذا الخبر للناس؟ ! القضية حساسة وتصطدم بعواطف الجماهير. قررنا أن نكتب بيانا نذكر فيه موافقة الامام على مقابلة بختيار بشروط، ولا نتعرض لشرط الاستقالة. كتب الشهيد بهشتي سطورا من البيان وأكمله مطهري.

وفي هذه الاثناء علمنا أن ثمة جلسة منعقدة في «مدرسة علوي» قرب «مدرسة رفاه» تضم العلماء القادمين من قم وبعض إخواننا لمعرفة تطور الاحداث. ذهبنا الى تلك المدرسة وقصّ بهشتي على الجمع ماسمع. فاذا بالجميع يستنكرونه! كلهم يقولون: غير ممكن! لأول مرّة أرى آراء في الوسط الثائر تتباين مع ماسِمَعته من رأي الامام! لماذا هذه الاصرار على الرفض ومطهري سأل باريس؟ !

تصاعد الموقف الى حدّ الشجار. بعد ساعتين رنّ جرس التلفون، وكان وراء الخط السيد أحمد الخميني نجل الامام الراحل من باريس. قال: بيان من الامام. وانشدّت القلوب والآذان تصغي. واذا بالامام يكذّب بشدّة مانسب اليه من قبول مقابلة بختيار دون استقالة!!

هذا الحادث كانت له دلالاته. فهو يدلّ أولا على تسرّب روح الامام في مسيرة الثورة بحيث أن المسيرة تبقى تشقّ طريقها بشكل سليم حتى ولو أحيط الامام بالمرجفين. كما إنه يدل على خطة مدروسة لتطويق اتصال الامام من باريس بطهران، لتوجيه الامور نحو إبقاء بختيار على مسند الحكم.

ومرت الأيام وهي قليلة في عمر الزمن لاتتجاوز عشرة أيام، غير أنها كانت، وأنا أراجع ذهني في أحداثها، تبلغ الشهور بل السنين فيما احتوته من كمٍ هائل عظيم من التطورات.

علمنا أن الامام يعتزم العودة من منفاه الى طهران. بعد أن وصلنا الخبر من باريس أعلناه على الناس، وكان من المقرر في نفس ذلك اليوم عقد تجمّع في مقبرة «بهشت زهراء» (أي جنة الزهراء، وفيها مثوى الشهداء). ذهبنا نحن المجموعة الخاصة (أنا وبهشتي وباهنر وهاشمي والاردبيلي) الى محل التجمّع. ألقى البهشتي كلمة، وأنا كتبت البيان النهائي وألقيته. وكان ذلك أول اجتماع جماهيري حاشد عظيم أشترك فيه بطهران، وأول خطاب ألقيته في الجماهير الثائرة. كان الخطاب طبعا على شكل بيان نهائي يعبّر عن إرادة الجموع في عودة الامام وإزاحة حكومة بختيار وإقامة حكومة إسلامية. لم تكن الظروف تسمح بالتشاور لاعداد البيانات النهائية للتجمعات والمسيرات، بل كانت تُعدّ غالبا بشكل يعبّر عن إرادة المتجمهرين.

بعد عودتنا الى مقرنا في المدرسة علمنا أنّ حكومة بختيار أغلقت المطار لمنع الامام من العودة الى أرض الوطن، جلسنا لندرس كيفية مواجهة الموقف. خطر في بالي تجربة الاعتصام في مدينة مشهد. اقترحت على الجماعة أن نتحصّن حتى يعود الامام من منفاه. وافق الجميع. ودار الحديث حول مكان الاعتصام، وأظن أني اقترحت (وربما اقترح غيري) مسجد جامعة طهران. وكان لهذا المسجد المقترح شَبَه بالمستشفى، فتلك المستشفى أيضا تابعة لجامعة مشهد. وافق الجميع على المكان أيضا. وقررنا أن نكتم القرار ولانتحدث به الّا مع الخواص من الجامعيين كي لاتسبقنا السلطة الى غلق أبواب الجامعة.

في فجر اليوم التالي ذهب جماعة أذكر منهم الشيخ الانواري ومهّدوا المسجد. ثم توجّهت أنا وبهشتي الى الجامعة، ووجدت هناك الشيخ الانواري مستبشرا يقول: كل شي‏ء على مايرام. ومنذ اللحظات الاولى لدخولنا الجامعة أعلنا الاعتصام، وأصدرنا البيان الاول، وتتابعت البيانات. وكانت هناك جماعة مسؤولة عن نشر خبر الاعتصام وتوزيع بيانات المعتصمين.

نجح الاعتصام أيّما نجاح. تقاطر الناس من كل حَدَب وصوب لتأييد المعتصمين. وكان طلبة الجامعة وحدهم كافين ليملأوا المسجد وما حوله، وأصبح المسجد مركزا لألوان النشاطات.

كنا نخطب في الجماهير القادمة لزيارتنا، ونلتقي بالصحفيين المحليين والاجانب، ولا أزال أحتفظ ببعض الصور عن تلك المقابلات. كما كنا نصدر نشرة نسحبها على الرونيو باسم «تحصّن» أي الاعتصام. وأحتفظ بعددين منها. وكل ساعات ليلنا ونهارنا مملوءة بالأعمال.

تواصل الاعتصام ٣ أو ٤ أيام حتى عاد الامام الى أرض الوطن.

ويحضرني من تلك الأيام أنه بلغنا ذات يوم أن الشرطة منعت جماعة كانت تعتزم دخول الجامعة لزيارتنا أو الالتحاق بنا. واشتبكت معها مما أدّى الى مقتل عدد منهم. حين وصلنا الخبر اقترح جمعٌ وأنا منهم أن نذهب الى محلّ الواقعة ونواجه الخطر بأنفسنا. والآن أسائل نفسي ما الذي دفعنا آنذاك لأن نلقي أنفسنا في أتون الخطر؟ ! هذا خلاف العقل، فالعقل يقضي بأن يُبعد الانسان نفسَه عن الأخطار. ولكن الحسابات آنئذ ماكانت عقلية، بل كانت تنطلق من شوق للتضحية ورغبة ملحة في العطاء. العطاء بدون حساب… هذه الحالة هي التي كانت مهيمنة على كل الجماهير الثائرة. اقتربنا من باب الجامعة، وهو محلّ الاشتباك، فهُرع جمع من الطلبة لصدّنا عن التقدّم، وأصرّوا على منعنا من مواصلة المسيرة، مؤكدين علينا ضرورةَ المحافظة على أنفسنا، ومرددين: إنكم قادتنا، ولابدّ أن تبقى القيادة بعيدة عن مواطن الخطر. وأعادونا في اتجاه المسجد بكل إصرار، وتابعوا معنا المسير حتى وصلنا الى السلّم المؤدي الى المسجد، فوقفت في أعلا السلّم وألقيت خطبة في المحتشدين، وهذه ثاني خطبة القيتها في الثائرين بطهران. ولي من تلك الخطبة صورة.

كنا نعقد أيام الاعتصام جلسات لدراسة شتى الامور المرتبطة بالنهضة، وفي إحدى تلك الجلسات عزمنا على دراسة مسألة عودة الامام ومواجهة القضايا المحتملة وتوزيع المسؤوليات. وكانت هذه الجلسات لاتقتصر على المجموعة الخاصة (انا وبهشتي وباهنر والاردبيلي وهاشمي) بل تضم أيضا عددا كبيرا آخر من الاشخاص.

في جلسة توزيع المسؤوليات تساور كلَّ إنسان رغبةٌ في تولّي مسؤولية أكثر أهمية وأكثر حساسية. وقد تتعارض الرغبات وتسي‏ء الى الجوّ السائد. جوّ التضحيات… وجوّ العطاء. بادرت الى القول: عندي طلب. قالوا: ماهو؟ قلت: أريد أن أعيّن مسؤوليتي بنفسي. ثم أردفت: أريد أن أكون مسؤولا عن صبّ الشاي في محلّ استقرار الامام. ضحك الجميع. فما كانوا يتوقعون منّي هذا الاقتراح وأنا عضو في مجلس قيادة الثورة، ولي مسؤوليات جسيمة في النهضة. قلت: أنا صادق فيما أقول: أحبّ الشاي، وأجيد إعداده وصبّه، وأنا أهل لذلك. وأزال اقتراحي كلّ تعكير محتمل، وكسر وأنهى كلَّ شي‏ء.

لا أذكر ماذا فعلنا في تلك الجلسة. هل قسمنا الامور أم لا. ولكن مسؤولياتي بعد ورود الامام انصبت على الامور الثقافية والاعلامية. من ذلك إصدار صحيفة لاتزال أعدادها موجودة عندي.

كان مقرّ عملي مدرسة رفاه، والامام حلّ في اليوم الاول من وروده في هذه المدرسة. ثم انتقل في اليوم التالي الى مدرسة علوي القريبة من المدرسة الأولى. وانتقل أكثر الاخوة الى مقرّ الامام أيضا. وبقيت أنا في مدرسة رفاه لأنها كانت توفّر لي الهدوء النسبي المطلوب لعملي. كما إن عملي لم يكن يتطلب أن أكون على مقربة من الامام. أذكر أنه بعد مرور ثلاثة أيام على قدوم الامام بلغني أن الاخوة مجتمعون في مدرسة علوي ويطلبونني. توجهت الى المدرسة بعد أن شققت الزحام بمشقة فائقة. حين وصلت وجدتهم يتشاورون في تنظيم إدارة مقرّ الامام. واقترحوا أن تشكل لجنة رئاسية لادارة المقرّ مكونة من ثلاثة أشخاص وأنا منهم. رفضت الاقتراح لأني مشغول بعملٍ أحسبه هاما. وهذه المسؤولية تعيق عملي. طبعا هناك أكثر من محفّز لقبول هذه المسؤولية. لكن عنوان الرئاسة يزاحم مشاغلي كثيرا، ولذلك رفضت.

أعود الى يوم عودة الامام. كان يوما مشهودا عظيما. حاولت لجنة الاستقبال أن تسيطر على الامور، وتنظمها، ونجحت في ذلك الى حدّ بعيد. ولكن ضخامة الحدث كانت أكبر من أن تخضع للسيطرة التامة. فالنشاطات كانت غير متمركزة غالبا، وكلٌّ يؤدّي المهمة التي يراها مناسبة لهذا الحادث الهائل. ومن أعمال لجنة الاستقبال تنظيم بطاقات الدعوة الى المطار، وسلّم لي الشهيد مطهري عددا من البطاقات فوزعتها وأبقيت واحدة لي. ثم اتفق أن رأيت الشيخ أبو الحسن الشيرازي (امام جمعة مشهد حاليا)، وهو عاتب على عدم حصوله بطاقة الدعوة، فسلمته بطاقتي.

طلب مني الشهيد مطهري أن ألقي خطبة الترحيب بالامام لدى دخوله الصالة. ناقشته في هذا الامر، وسألته: لماذا أنا؟ ! ولم يحسم النقاش. كنت في الواقع شاكا في مقدرتي على الكلام خلال تلك اللحظات العظيمة التي تحبس الانفاس في الصدور. ولم تكن الفرصة كافية لانتخاب شخص آخر. غير أن اليوم الموعود حان ولم تتح الفرصة لحسن الحظ لخطبة الترحيب. بل اقتصر الترحيب على تلاوة آي من القرآن الكريم، ونشيد، تلاه جمع من التلاميذ، وذاع صيته بين الناس، ورددته الألسن.

كان الجوّ في المطار عجيباً. فرحة ممزوجة بدهشة واستغراب مع عدم تصديق لما يحدث. أهذه رؤيا أم حقيقة؟ ! من كان يصدق أن الامام سيعود الى أرض الوطن في مثل هذا الجوّ الطافح بمشاعر غريبة، وفي وسط هذا الاستقبال الذي لانظير له في تاريخ العالم؟ ! ماذا سيحدث بعد هذا؟ ! ماذا ينتظر ساحة الثورة بعد قدوم الامام؟ هذه وغيرها من عشرات الاسئلة كانت تدور في الاذهان، وتبعث القلق والاضطراب في النفوس.

كانت صالة المطار مكتظة بالمستقبلين المدعووين. لكنهم جميعا جالسون بانتظام في انتظار دخول الامام. وكل جماعة منهم تمثل شريحة من شرائح المجتمع… العلماء… أساتذة الجامعة… طلبة العلوم الدينية… الطلبة الجامعيين … الاقليات الدينية… كل الانظار كانت مشدودة الى الباب الرئيسي للصالة. ولكن فجأة أطلّ الامام من باب غير ذلك الباب. ثم تبعه دخول المراسلين العالميين، وكان عددهم يزيد على ١٠٠ مراسل، من الباب الرئيسي. وخلال لحظات ماجت القاعة بالناس، وهجم الافراد باتجاه الامام. أحسسنا بالخطر، رفعنا صوتنا طالبين من الناس أن يبتعدوا عن الامام ويسيطروا على عواطفهم. وما كان مني أنا وجماعة من خواص الامام إلّا أن انسحبنا لنقف في مؤخرة القوم. ولم يبق جوار الامام من الخواص سوى الشهيد مطهري الذي كان قد صعد الى الطائرة ورافق الامام عند نزوله من السلّم، وعلى أرض المطار، والشهيد بهشتي الذي آثر أن يتجول في الصالة ولا يستقر في مكان معين. وباقي الملتفين حول الامام في الصالة لم تكن لهم صلة قريبة بالامام.

ولابد أن أذكر أن الامام حين طلع علينا من باب الصالة رأينا فيه العزم والارادة والقوة، ولم يكن في سحنات وجهه أي أثر لتعب أو سهر أو إرهاق. تكلم بعبارات قصيرة أذهبت كل ماكان يساور النفس من اضطراب، وبعثت فينا سكينة عجيبة. وهذه ثاني مرة يبعث كلام الامام فيّ مثل هذه الطمأنينة. كانت الاولى في ٢ فروردين ١٣٤٢ (١٥ شوال ١٣٨٣) حين هجم جلاوزة الشاه على مدينة قم، وكنت ممن تعرّض لهذا الهجوم الوحشي. ذهبت بعدها الى بيت الامام، وحان وقت الصلاة، صلينا بامامته، ثم ذهبنا معه الى حجرة ونحن في وضع نفسي سي‏ء للغاية. حدثنا بحديث قصير شعرت بعده براحة النفس واطمئنان القلب وهدوء الاعصاب.

مرّت اللحظات سراعا في صالة المطار، كانت لحظات عجيبة مدهشة أقل مايمكن أن يقال عنها أنها لاتقبل الوصف.

وخرج الامام وخرجنا خلفه، وجلسنا في الباصات المعدّة للمرافقين. دخلنا الشوارع فاذا هي كتلة بشرية متراصة هائجة مائجة… الشباب والشيوخ والنساء والاطفال… خرجت طهران عن بكرة أبيها، والتحق بالطهرانيين أمواج بشرية تدفقت من المدن صوب طهران لتشهد هذه اللحظات التاريخية.

شقّ موكب الامام طريقه وسط هذه الامواج البشرية بمساعدة الناس أنفسهم، وراح المستقبلون يركضون مع الموكب وأمامه وخلفه، يطلقون الشعارات، وينثرون الزهور، ويعبرون عن فرحتهم وتأييدهم وصمودهم في حالة غير عادية تماما. كانوا متشوقين الى كل من في السيارات السائرة خلف الامام. لقد اجتاز هؤلاء المستقبلون قبل ساعات نفس هذا الطريق متجهين الى المطار، فلم يحفل بهم أحد. أما الآن فالانظار كلها متشوقة لرؤيتهم، وكأنّ شيئا من الامام قد سرى الى كلّ المرافقين.

حين وصلنا الى الساحة المسماة اليوم ساحة «انقلاب» قررنا نحن المجموعة الخاصة أن نذهب الى بيت السيد الاردبيلي، وهو واقع في تلك المنطقة، لنتشاور في قضايا المستقبل، ولم نرافق الامام الى مقبرة «بهشت زهراء» فالبرنامج هناك مرتّب، وسوف يتم حسب المنهج المقرر.

ثم غادرنا بيت السيد الاردبيلي الى مدرسة رفاه، والتعبُ قد أنهك قوانا بشكل غريب. أياما متوالية قضيناها في غمرة أحداث وأعمال كنا نخوض فيها الاصعب والاشق من المهام. وما كان لي أنا بالذات بيت أستقر فيه، ولم أفكر حتى في النوم خلال وجودي في اعتصام مسجد الجامعة.

واصلنا في مدرسة رفاه دراسة تنسيق الامور وما يتطلبه الوضع القائم آنذاك. واستمعنا من المذياع الى الخطبة التاريخية التي ألقاها الامام في مقبرة الشهداء ثم مرّت الساعات في انتظار قدوم الامام الى مدرسة رفاه المعدّة لاقامته، ولم يأتِ. قيل لنا أنه توجه بعد القاء خطابه الى مقصد غير معلوم. ومضت الساعات وتفرّق الاخوة في البيوت المجاورة للمدرسة. وكانت هذه البيوت خلال الأيام السابقة والتالية معدّة للاستقبال. وبقيت أنا في المدرسة. وفي الساعة العاشرة مساء، حين كنت منهمكا في إعداد الصحيفة اليومية، أُخبرنا أن الامام قادم من الباب الخلفي للمدرسة. تطلعنا الى باب الصالة فاذا الامام يدخل وحده ولم يكن معه أحد. دخل بهدوء ووقار، وجال بنظره فينا بعينه التي تخترق حجاب القلب، والتي إذا وقعت على الانسان يحسّ بأن الامام يطلب منه شيئا!! وقفت مبهوتا صامتا. هممت أن أتجه اليه وأعانقه، لكن ذلك سوف يشجع الآخرين لأن يقبلوا صوب الامام ويزدحمون عليه. سيطرت على نفسي. سلّم على الحاضرين وكنا أقل من عشرة، ثم ورد الافراد من أبواب مختلفة، فأصبح العدد يقرب من الثلاثين. سلّموا عليه، وردّ عليهم السلام. واتجه نحو سلّم لولبي في وسط الصالة، ينتهي الى ا

لطابق الثاني. صعد السلّم، ورفع الحاضرون أصواتهم بالشعارات يحيون الامام ويعربون عن امتثالهم لاوامره. وحين استدار السلم، جلس الامام على أحد درجاته، وكانت إجابة لطيفة للشعارات. كان الجمع مدهوشين، وأنا أدهشهم في تلك الليلة. تكلم الامام بعبارات مقتضبة، حَمَدَ اللّه وأثنى عليه، وصلى على النبي وأهل بيته وشكر الجماعة وأوصاهم بالصبر والصمود، ثم ودّع وذهب.

وفي اليوم التالي انتقل الامام الى مدرسة علوي - كما ذكرت - وبقيت أنا في مدرسة رفاه.

وتوالت الاحداث سراعا، فكانت لسرعتها وتراكمها أصعب من أن تضبطها ذاكرة، كما إنّ كلاً منها كان كالجبل الراسي في ضخامته، يغشي الابصار والاذهان، ولايدع مجالا للتطلع الى عشرات الاحداث الضخمة الشبيهة المتزامنة معه. أضف الى ذلك فان كل ماكان فيها جديد كلّ الجدّة، وغريب كلّ الغرابة، ليس من نوع الاحداث المألوفة التي تأخذ مكانها في الذهن بسهولة. لمم نكن قادرين على أن نتمالك أنفسنا تجاهها، فنقف أمامها مبهوتين مذهولين، ثم حين نعود الى أنفسنا نستيقن أن قدرة اللّه سبحانه بكل مافيها من عظمة وجلال تتجلى في حركة الأمة، ولانلام إذا وقعنا أمام هذه التجلي الالهي مصعوقين.

أعود فأقول إن حوادث تلك الايام لايمكن أن يسردها لسان أو يخطها قلم، بل أقصى مايمكن إنما هو عرض مشاهد ولقطات عابرة من تلك الاحداث الجسيمة الهائلة.

* * *

أبرز ما يخطر في ذهني وأنا أستعيد ذكريات تلك الايام التهديدات الجادّة الرهيبة التي كانت تصدر من حكومة الشاه وجنرالاته من جانب، واصرار جماهير الأمة على تحدّي تلك التهديدات والاستهانة بها من جانب آخر. لقد كان كل شي‏ء ينذر بقرب هجوم جوّي أو أرضي مباغت يستهدف كل المنطقة التي فيها مقرّ الامام وحاشيته وأنصاره. وما من أحد يشك في جدّية هذه التهديدات، لأن ترسانة الشاه بكل قواها الارضية والجوية كانت بيد جنرالات النظام البائد. وهؤلاء القادة العسكريون الكبار قد ارتكبوا من قبلُ جرائم ومذابح جماعية في طهران والعديد من المدن، ومن هنا فان انتصار الجماهير يعني - في اعتقادهم - موتهم المؤكد. فماذا يمنعهم من ارتكاب مجزرة رهيبة أخرى يقضون بها على قلب الثورة وصحبه؟ ! سيّما وأن القوى الكبرى والصغرى في العالم كانت قلقة أشدّ القلق على مصالحها، بل على وجودها إذا انهدم نظام الشاه.

وأمام هذه التهديدات التي كانت تطرق كل أُذن ترى جماهير الامة تلتف حول مقر الامام كالتفاف السوار حول المعصم. الآلاف المؤلفة من النساء والرجال كبارا وصغارا يملأون كل الشوارع والطرقات المحيطة بمقرّ الامام. كانوا في الواقع قد شكلوا درعا بشريا، وربطوا مصيرهم وحياتهم بالامام والثورة. ولذلك جعلوا كل عملية عسكرية تستهدف المقرّ صعبة معقّدة، بل مستحيلة.

* * *

لقد نقلت مقرّ عملي في هذه الايام من مدرسة رفاه الى مدرسة مطلّة على شارع ايران هي مدرسة علوي اسلامي (بنات)، وكان الامام في مدرسة علوي (بنين)، والمقر الجديد يقع في طابق علوي، وله غرف عديدة حلّت لنا مشكلة ضيق المكان، وكنت كلما أردت أن أروّح عن نفسي أخرج الى الشرفة وأنظر لحظات الى الامواج البشرية التي تروح وتغدو في الشارع بين قادم ومغادر.

كانت الجماهير المحتشدة تشغل وقتها بالتكبير والتهليل والشعارات. وكانت أصواتهم تُشنف آذاننا ليل نهار. وفي يوم سمعت شعارات ذات إيقاع منظّم رتيب تختلف عمّا ألِفتُهُ من قبل. تطلعت من الشرفة فرأيت منظرا أدهشني للغاية. رأيت مجاميع من القوات الجويّة تمشي بانتظام وكأنها تسير في استعراض عسكري. وكلّ مجموعة تطلق شعارا ذا إيقاع ينسجم مع خطوات مشيها الرتيب، ثم تجاوبها المجموعة التالية، وهكذا…! وهذه المجاميع تتجه نحو مقرّ الامام، والناس حولهم يشجعونهم بحماس بالغ منقطع النظير. تركت عملي وأسرعت الى مدرسة علوي حيث مقرّ الامام لأرى مايحدث. دخل هؤلاء في ساحة المدرسة وملؤوها مصطفين بانتظام، وأنا دخلت مبنى إقامة الامام من طريق خاص، فرأيت الامام يتجه الى الشرفة المطلة على ساحة المدرسة حيث اعتاد أن يقف فيها ليحيّي الجماهير القادمة لزيارته. وقف على الشرفة ووقفت بجانبه، فاذا أفراد القوات الجوية يؤدون التحية العسكرية كأنهم أمام قائدهم، ورفع الامام يده على الطريقة العسكرية أيضا، وردّ عليهم التحية. يا اللّه! ماذا أرى؟ ! هذا يعني تصدّع المؤسسة العسكرية الطاغوتية أشدّ التصدع، وإعلان ولاء هذا القطاع العسكري الهام لقيادة الامام. في هذه

اللحظات الحساسة التقطت صور لهذا المشهد الغريب. ولكن من خلف هذه القوات، بناء على طلبهم. لأن جنرالات الشاه كانوا حتى ذلك الوقت مسيطرين ويهددون بالبطش والتنكيل. ونشرت الصحف في اليوم التالي نبأ المسيرة والصورة، فطاش عقل حكومة الشاه ومؤسسته العسكرية. وراحوا يحاولون تكذيب الخبر واعتبار الصورة كاذبة ملفقة من صورتين!! ولكن الخبر والصورة فعلا فعلهما في إنزال ضربة قاضية بمعنويات بقايا النظام البائد، وفي تسجيل دلالة أخرى على أن النصر قريب باذن الله تعالى.

ردّدت هذه القوات أمام الامام نشيدا تؤكد فيه ولاءها للثورة والامام، ثم سلمت الامام عريضة وقعت عليها على ما أظن بدمائها (وكان هذا اللون من التوقيع مألوفا آنذاك) تعلن فيه البيعة، ثم غادروا، بعد أن استمر وقوفهم أمام الامام نحو ساعة.

يخطر في بالي الآن أن أحد السياسيين المعارضين لنظام الشاه من غير الاسلاميين جاءني بعد انتشار الصورة وقال: لقد رأيت صورتك وأنت تقف الى يمين الامام أمام العسكريين. وهذا يعني شيئا هاما. قلت: وماذا يعني؟ لقد كان وقوفي الى يمين الامام بالصدفة. وحقا كان بالصدفة، فلم يكن هناك أي إعداد مسبَق للمشهد. لكن صاحبي أبى أن تكون تلك صدفة، وقال: إن وقوفك الى يمين الامام يعني في عرف العسكريين أن هذا نائب هذا!!

* * *

أعود الى مابقي في ذهني من لقطات تلك الايام العظام، ويتجسّد في ذهني الآن مشهد من أروع المشاهد، وهو تدفّق جحافل النساء على مقرّ الامام لتحيته. كان ثمة وقت مخصص للرجال وآخر للنساء لدخول مقرّ الامام والوقوف في ساحة المدرسة. والامام كان يخرج من شرفة مطلة على الساحة فيحيي القادمين يستمع الى شعاراتهم وأناشيدهم، ويبادلهم العواطف. كان هذا يحدث باستمرار. وعندما كانت تحين ساعة اللقاء الجماهيري كان الامام ملتزما بترك كل أعماله ومهامّه الجسام في قيادة الثورة. وهذه الصفة الجماهيرية في الامام الراحل كانت من أبرز سماته القيادية (رضوان اللّه تعالى عليه).

وساعة وفود النساء كان لها شأن آخر… فالجوّ يمتلئ بضجة عاطفية صاخبة صادرة من الأعماق، والشعارات تتداخل حتى كأنك ترى كل أمرأة تريد أن تعبّر عن عواطفها بنفسها وبشكل خاص للامام… مشهد لايوصف!!

وهنا لابدّ أن أشير الى دور المرأة في الثورة الاسلامية بشكل عام. لقد كانت المرأة لاتقل عن الرجل حماسا واندفاعا في الثورة، إن لم تكن قد فاقته في ذلك. وهذه المسألة لاتزال مشهودة حتى اليوم. أتلمسها من خلال زياراتي الرتيبة المتواصلة لعوائل الشهداء في بيوتهم، إذ أرى أمهات الشهداء أصلب وأجلد وأكثر تسليما لأمر اللّه سبحانه.

في الليلة الماضية كنت أتحدث مع والد أحد الشهداء، فحدثني عن ابنه وبكى. أما أمه فكانت تتحدث بافتخار وبانشراح وطيب خاطر، مؤمنة أنّ ابنها كسب وسام فخر أبدي، ونال جنات الخلد التي وعد اللّه بها الشهداء والصديقين.

هذا لايعني طبعا أن المرأة الايرانية أصلب من الرجل، وأقوى قلبا منه. فهي مثل كل أمرأة في العالم عاطفية شفافة رقيقة مرهفة الحس، بل يعني أنها أقرب الى العاطفة الدينية من الرجال. وهذا لا يختص بايران، بل إن هذا شأن المرأة في كل مكان. ولعل ذلك يعود الى أن عاطفتها الانسانية النبيلة، التي تفوق بها الرجل، تحول دون أن يلغظ الحسّ المادي فيها، ودون أن يصدّها الحمأ المسنون عن نفخة رب العالمين. وقد يعود ذلك أيضا الى عدم انغمارها في شؤون الحياة المادية وممارسات الامور المعيشية اليومية فتبقى بمعزل عن مؤثرات تضخّم الحسّ المادي وتبقى روحها أقرب الى الفطرة والى دين الفطرة. ومن هنا فان دين الفطرة حينما نادى أنصاره وقامت قيامته كانت المرأة أكثر استجابة وأكثر حماسا.

* * *

ليتني هممت بتسجيل وقائع أحداث تلك الأيام، ولو هممت ما استطعت بسبب عامل الوقت. وأستمدّ من ذاكرتي بعض ما اختزنت من بعض ما وقع آنئذ.

في اليوم الثالث من ورود الامام طلب أن يرى أعضاء مجلس قيادة الثورة. أخبروني بذلك. شققت زحام الناس بمشقة بالغة ودخلت المقرّ، واتجهت مع بقية الاعضاء الى غرفة الامام. انتظرنا قليلا خلف باب الغرفة لأن الامام (رضوان الله تعالى عليه) كان مشغولا بقراءة القرآن!

جرت العادة بين المؤمنين أن يُقرأ القرآن في وقت الفراغ، بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة المغرب والعشاء. وكان وصولنا الى غرفة الامام في وسط النهار. علمنا أن الامام يخصص وقتا بين مشاغله المتراكمة لقراءة القرآن. ولا يسمح لتلك المهام الجسام أن تأتي على وقت تلاوته لكتاب اللّه المجيد.

وحين دخلنا الغرفة رفع الامام رأسه من المصحف فرآنا، ثم أطبق القرآن باحترام بالغ، وبدأ يجيل النظر فينا ويردّ علينا التحية. لقد بَعُد العهد بيني وبين الامام. لقد كنت تلميذه في عهد الصبى. وطال الفراق بيني وبينه ١٥ عاما، وذهبت ملامح الصبى، وتغيّر الظاهر، وكان من الطبيعي أن لا يعرفني للوهلة الاولى. عرّفني الشهيد مطهري، وكان يبالغ في وصفي حين يعرّفني عادة. هشّ الامام، وأبدى من عطفه وحبّه ما أستشعر لذته حتى اليوم.

كان سؤال الامام الى أعضاء مجلس قيادة الثورة عن تركيب الحكومة الموقتة الجديدة. وأصرّ على ضرورة الاسراع في الاعلان عن الحكومة الموقتة حتى مع وجود حكومة بختيار على سدة الحكم. ماكنت أعلم أن الامام مهتم الى هذه الدرجة بتشكيل حكومة، وما كنت أعلم حتى ذلك الوقت أن الرأي قد استقرّ على تعيين المهندس بازرگان رئيسا للحكومة الموقتة. ظهر لي أن الأمر حُسِم في باريس أو في الساعات الاولى من وصول الامام. وأمام هذا الاهتمام الفائق والأوامر الصارمة عجل الاخوان في الاعداد لهذا الحدث الهام. وتم ترتيب كل شي‏ء في اليوم التالي.

مشهد عظيم يشكل منعطفا هاما في تاريخ الثورة الاسلامية. أُعدت قاعة خاصة لهذه المراسيم، احتشد فيها المراسلون القادمون من أرجاء العالم. ووضعت في صدر القاعة منصة جلس الامام في وسطها، وجلس المهندس بازرگان في جانب. وعُيّن الشيخ الهاشمي الرفسنجاني لتلاوة بيان الامام في تعيين الدولة الموقتة ورئيسها. ثم قام بازرگان وتوجه نحو الامام وألقى كلمة قصيرة ضمنها عبارة بالعربية اقتطفها من أذكار المعصوم هي: «وكم من ثناء جميل لست أهلاً له نشرته» مشيرا بذلك الى بعض ماجاء في بيان الامام.

ثم ألقى الامام خطابا هاما أعلن فيه عزمه على تسيير الاحداث في اتجاه إقامة الدولة الاسلامية المباركة. وأكد على عدم شرعية الحكومة القائمة، وأن الحكومة المشروعة هي هذه الحكومة الموقتة المنبثقة من إرادة الجماهير المسلمة ومصادقة قيادتها.

كانت الجماهير واقفة خارج القاعة لاتعلم مايجري داخلها. وأول من أعلن لها النبأ أحد الحاضرين الذي أخرج رأسه من نافذة رافعا صوته بشعار: بازرگان… بازرگان… نَخُست وزير ايران (رئيس وزراء ايران). وتجاوبت الجماهير مع هذا الشعار، وخلال لحظات انتشر الخبر والشعار في أرجاء طهران وفي كل أنحاء ايران. وكان الشعار الذي يرفع في طهران يسري عادة بسرعة الى كل مدن ايران، مع وجود شعارات خاصة بكل مدينة طبعا. ثم أعلن الامام رضى الله عنه يوما خاصا لتأييد الحكومة الموقتة، فخرجت الجماهير في كل المدن الايرانية تعلن تأييدها لحكومة بازرگان ورفضها لحكومة بختيار. وفي طهران اتجهت الجماهير الى جامعة طهران وألقى بازرگان كلمة فيهم.

* * *

من الحوادث التي كانت تتكرر كل يوم آنئذ قدوم موظفي الدوائر على شكل مجموعات لاعلان ولائم وتوقيعاتهم. وكانت القطاعات التي تحسّ في نفسها نوعا من خصوصية الارتباط بالسلطة أكثرَ اهتماما باعلان الولاء للثورة والامام.

كان أحد المنتسبين الى بيت الامام يخرج عادة الى هذه المجاميع ويستلم منها العريضة ويلقي فيها كلمة. وأنا خرجت عدة مرات لهذا الغرض، وألقيت كلمات مناسبة للظرف القائم آنذاك.

بعد قدوم الامام الى أرض الوطن سادت حالة من الهدوء النسبي في البلاد، وقلما وقعت اشتباكات بين الجماهير والقوات المسلحة. ولكن بعد تعيين الحكومة الموقتة عادت الحوادث الدامية تترى في كل حدب وصوب من البلاد. ولايكاد يمرّ يوم دون ممارسات قمعية دامية. وتواصلت هذه الحوادث حتى حُسِم الموقف بانتصار الامة الثائرة بعون الله وفضله وتسديده.

كانت الجماهير خلال الأشهر المتمادية من الثورة تواجه القوات المدججة بالسلاح بأيدٍ خالية وصدور عارية وشعارها: إن الدم سينتصر على السيف. وهو شعار مستل من أحد نداءات الامام‏رضى الله عنه، ويعني أن التضحية سوف تتغلب على قوة سلاح العدوّ. ولكن حدث في الأيام الاخيرة أن حصل بعض الناس على سلاح خفيف بسيط من مخافر الشرطة.

جدير بالذكر أن بعض الأفراد كانوا يأتون الى مقرّ قيادة الامام ويعرضون علينا شراء الاسلحة، وكنا نرفض عروضهم، ونردّها بقوة وإصرار، لأن القيادة لم تتصدّ إطلاقا لمواجهة مسلحة مع قوات الجيش والشرطة، ايمانا منها بأن هذه القوات - رغم قيادتها الفاسدة آنئذ - ستعود عاجلا أم آجلا الى أحضان الجماهير وتصبح جزء من الدرع الواقي للثورة ومكتسباتها، وهذا ماحدث بالفعل.

أقول كانت القيادة مصرّة على عدم حدوث مواجهة مسلحة، وكانت الجماهير عزلاء من السلاح. ولكن الاشتباكات الاخيرة حين تصاعدت وتصاعد الضغط على الجماهير حتى درجة الاختناق دفعت الناس دفعا دون خطة مسبقة الى أن يدافعوا عن أنفسهم، فاتجهوا الى مشاجب أسلحة بعض الثكنات (وكان أولها ثكنة القوات الجوية التي فتحوا مشاجبها بالتعاون مع نفس القوات)، وحصلوا منها على السلاح، ونصبوا المتاريس لمواجهة أي هجوم عسكري. ولم يكن للقيادة يد في الذي حدث.

* * *

ومن الحوادث الهامة التي حصلت في هذه الايام تحرك الشيوعيين بشكل طفولي أرعن لاثبات وجودهم الهزيل في الموجة الاسلامية العارمة. وإذ قلت أن وجودهم هزيل فانما أقصد وزنهم ورصيدهم في المجتمع، فهو أقلّ من هزيل، أما من حيث التنظيم والتخطيط والتكتيك فكانوا يتمتعون بخبرة واسعة وتاريخ طويل ودعم أجنبي قوي.

ولقد قُدّر لي أن أجابه أكبر تحرّك من تحركاتهم «البروليتارية» ! في مصنع يقع في أحد ضواحي طهران.

كنت منهمكا في أعمالي بين مدرسة علوي (مقر الامام)، ومدرسة علوي اسلامي (مقر عملي) إذ جاءني شخص وقال:

- أنتم غارقون فى أعمالكم ولا تدرون مايحدث في خارج دائرة أشغالكم!

- وماذا يحدث في الخارج؟ !

- الشيوعيون مشغولون باستقطاب العمال في أحد المصانع من أجل إثارة بلبلة في الصفوف، والمسألة خطرة جداً!

كانت الاخبار يومئذ تتدفق من كل حدب وصوب، ولايخلو بعضها من مبالغات، ولم تتضح لي آنئذ أهمية القضية. وافترقنا وذهبت الى سبيلي. وبعد ساعة جاءني آخر وطرح عليّ نفس القضية. وأصرّ على خطورة الموقف! عنذئذ أصابني شي‏ء من القلق… ماذا عسى أن تكون القضية؟ ! على أي حال أنا الآن مشغول ولا أستطيع أن أترك أي عمل من أعمالي المتراكمة. هممت أن أعود الى عملي، ولكن القلق حال دون ذلك. خشيت أن أندم إذا تركت الأمر وأهملت القضية.

دعوت بعض الشباب العاملين معي، وأذكر منهم السيد دعائي والشيخ هادي ومعهم ثالث لا أذكر اسمه الآن، وأتيت بسيارتي «البيجو» فامتطيناها ومعي عنوان ذلك المصنع الذي حوّله الشيوعيون الى وكر لهم. وطوينا الطريق الى ضاحية كرج، وهو طريق مملوء بالمصانع، حتى وصلنا الى المصنع المقصود. دخلنا المصنع فاذا نحن أمام ساحة كبيرة تنتصب فيها مكائن هنا وهناك، وفي مؤخرة الساحة صالة كبيرة يظهر الزحام من مقدمتها، فالناس بين داخل وخارج. اقتربنا من الصالة فاذا بها مكتظة بالناس الجالسين على كراس مصطفة، وفي صدر الصالة منصة ترتفع نصف المتر عن الارض، وفي جانبي الصالة مصاطب يجلس عليها شبان ذوو شوارب مفتولة تنم يومئذ عن انتمائهم اليساري.

لقد تعودنا حين ندخل تجمعا جماهيريا أن يحتفي بنا الناس … يرفعون الشعارات، ويصلون على النبي وآله. وهذا شأن الجماهير المؤمنة مع علماء الدين المعمّمين، وخاصة إذا كانت العمامة علوية سوداء. ولكن هذا التجمع لم يكترث بنا. ودخلنا دون أن يهتم بنا أحد. كان هدفي بالدرجة الاولى معرفة أبعاد القضية. جلست على كرسي وبدأت أستمع بدقة الى مايُلقى على المنصّة وما يرفع من شعار، وأتفرّس في الوجوه الحاضرة.

عرفت أن الجوّ تحت سيطرة الشيوعيين تماما. وعرفت أيضا أن الوجوه ليست عمالية بأجمعها. سألت: ما عدد العمال في المصنع؟ قيل: ٥٠٠ أو ٧٠٠ لا أتذكر بالضبط. ولكن عدد المتجمعين في هذه الصالة يقرب من ١٥٠٠ شخص. أيقنت أن الشيوعيين استنفروا أفرادهم للحضور في هذا المصنع، ثم عرفت أنهم ينتمون الى قطاعات مختلفة، منهم الموظفون، ومنهم الطلبة. وكلهم جاؤوا نساء ورجالا الى هذا المصنع لتنفيذ خطة معينة! عرفت أيضا من خلال تفحّصي للامور أن حركة الشيوعيين في الصالة تتم وفق تنظيم دقيق وخطة مدروسة. ولكن ماهي الخطة؟ ! هل هي مجرّد تجمع لاثبات الوجود؟ ! أبدا، لو كان الهدف هذا لعقدوا التجمّع في مكان جماهيري حاشد مثل جامعة طهران، أو ساحات المدينة. لماذا جاؤوا الى هذا المكان المهجور تقريبا بسبب تعطل المصانع عن العمل؟ ! لابدّ أن يكون الهدف هاما وخطيرا!

بعد أن قضيت مدة في المصنع تبين لي أن خطتهم تقضي ركوب موجة العواطف الجماهيرية الثائرة التي لايجمعها تنظيم، وتبدأ من هذا المصنع باستقطاب العمال تحت شعار الدفاع عن الحقوق العمالية، ثم تنتشر هذه الظاهرة في بقية المصانع المجاورة، ومن مجموع هذه التجمعات تخرج مسيرة تتوجه الى المدينة، ويلتحق في الطريق آخرون، وتتحول الى مسيرة من بضع آلاف، ثم تتوجه الى مكان حسّاس مثل مقرّ الامام، وهناك لابدّ أن تحدث واقعة، وتُتَخذ هذه الواقعة ذريعة لظهور قيادة تستند الى قاعدة عمالية مقابل قيادة الامام المستندة الى قاعدة متدينة. وهذه القيادة الجديدة بسبب مايسودها من تنظيم حزبي دقيق سوف تغلب القيادة الجماهيرية التي لاتستند الى حزب منظم!

والواقع أن هذه الخطة كانت مدروسة ومستندة الى وقائع تاريخية مثل الثورة البلشفية في روسيا حيث ركب البلاشفة، وهم مجموعة صغيرة، موجةَ الغضب الجماهيري ضد القياصرة واستولوا على مقاليد الحكم. فلماذا لا تتكرر التجربة في ايران؟ !

أحسست بالخطر، ولكن ماذا أفعل؟ ! الجوّ مكهرب بشعارات عماليّة رتيبة، تصحبها حركات موزونة باليد والجسم، وهياج متصاعد بشكل عجيب! الخطابات كلها تتجه نحو استثارة العمال للمطالبة بحقوقهم، وتدعوهم الى أن يتحدوا لاستعادة حقوقهم من الغاصبين!! انها عملية تحويل القضية الاسلامية الكبرى التي تستهدف استعادة كرامة الانسان وحقّه الى قضية عمّالية ترتبط بأجور العمال ورفاههم! هذا يعني استبدال القضية الشيوعية بالقضية الاسلامية!

وإذ أنا أتطلع في الجوّ والوجوه رأيت بارقة أمل، واعتبرتها إمدادا الهيا في هذا الجوّ المتوتر. رأيت على طرفي المنصة وجوها جامعيّة شابة اسلامية، عرفتها من سيماها ونظراتها، وعرفت أنها أيضا متحركة نشطة في القاعة. كانوا بضع أفراد، ولم اكن على علم بحضورهم، بل تعرّفتهم هناك، ولا أزال أعرفهم. أحدهم وقع في أثناء الحرب المفروضة في الاسر وعاش سنينا في معسكرات الاسر العراقي، وأحدهم أصبح محافظاً.

فكرت أن أطلب الكلمة والحضور على المنصة. لايمكن أن يرفضوا، لانهم دعاة حرية كما يزعمون، ولأن الجوّ العام في البلد مفعم بالانقياد للعلماء وعلى رأسهم السيد الامام. ومع ذلك رفض بعضهم قبول طلبي، وحاول أن يحول دون وقوفي على المنصة، ولكن دون جدوى. وقفت خلف الميكروفون وتكلمت بحديث قصير، غير أنه مؤثر ومهيّج ومثير للالتفات. ثم حانت فرصة أخرى وطلبت الكلمة، وهكذا تكرر حضوري عدة مرات أمام الحاضرين. هذا الحضور المتكرر لم يغيّر من عامّة الجوّ المسيطر على القاعة ولكن أخرج الزمام من احتكار الشيوعيين، ولو بعض الشي‏ء، وسجل للتوجّه الاسلامي وجودا فاعلا فيها.

كان الشيوعيون يحاولون أن يثبتوا وجودهم القيادي بشتى الصور ولذلك عزّ عليهم أن أحتلّ قسما من وقت المنصّة، وعزّ عليهم اكثر حينما تدخّلت لانقاذ حياة واحد من أعضاء مجلس إدارة المصنع. لقد ألقوا القبض على رجل الاعمال هذا، وشكلوا له محكمة، وحكموا عليه بالاعدام. كانوا يرومون تنفيذ الحكم لولا تدخلي من أجل إيقاف التنفيذ. ماكنت طبعا متعاطفا مع هذا الرجل، لأن مثل هؤلاء الافراد مرتبطون عادة بالجهاز الحاكم، ولكن رأيت أن قتله جريمة وأنه تجاوز على القيادات الدينية التي يجب أن تكون لها كلمة الفصل في كل مايجري في البلاد. وما كان الوقوف بوجه التنفيذ ميسورا فقد استغرقت محاولاتي يومين أو اكثر وبعدها وفقت لانقاذه من موت حتمي.

طال اليوم الاول حتى الليل، فرأيت أن الحاضرين عازمون على المبيت في المصنع. قررت أن أبيت معهم. ولكن قيل لي: أن المبيت هنا لايناسبك، فخرجت. وفي اليوم التالي عدت الى المصنع في وقت مبكر. تعجبوا من حضوري في هذه الساعة. اغتنمت فرصة وجودي هناك للتحدث مع مَن أتوسّم فيه أَنه عامل حقا. ووجدت أن أكثرهم - إن لم أقل جميعهم - يحمل عواطف دينية عميقة، لكن هذه العواطف قد لفّها ضباب الضجيج الذي أثاره الشيوعيون، وقد بدأتْ في البروز بمجرّد رؤيتي بينهم. وهذا ما شجعني أكثر لكسر الاحتكار الشيوعي للجوّ وإفشال الخطة.

فى هذا اليوم استطعت أن أقف على المنصة ٧ ساعات تخلّلها بعض القصائد والاناشيد، وكنت خلال القاء القصيدة والنشيد لا أعود الى مكاني، بل اتنحّى جانبا، وبعد انتهاء الالقاء أعود للتحدث الى الحاضرين. وكلّما أراد الشيوعيون أن يفتعلوا شيئا أطلب من الحاضرين أن يصلّوا على محمد وآل محمد، فتضجّ القاعة بالصلوات، وتفوت الفرصة على الكائدين.

كنت في كل حديثي لا أصرّح بوجود مؤامرة، بل أخاطب الحاضرين وكأنهم جميعا عمال، وأنهم الذراع القوي للثورة الاسلامية، وأن الثورة تستهدف رفع الحيف عن كل المظلومين والمستضعفين و… و… ولكن حدث أن دفعني الشيوعيون أنفسهم الى فضحهم. فقد قام أحدهم حين كنت واقفا أخطب، وقاطعني، وقال بلهجة حانقة غاضبة: ماذا تريدون أن تحققوا للعمال؟ ! ماهي خطتكم للقضاء على الرأسماليين؟ ! أنتم لاتختلفون في نظرتكم الى العمال عن الرأسماليين … و… واستمرّ يتهجّم وأنا ساكت، والناس واجمون ينتظرون ردّي. بعد أن سكت قلت له: أنت عامل؟ قال: نعم. قلت: أرني هويتك إن كنت صادقا. تلكّأ وحاول أن يتملّص قلت له بحزم: أنا لا أعتقد أنك عامل، والاّ فأرني هويتك الشخصية! ثم التفتّ الى الحاضرين وقلت لهم: بينكم أفراد ليسوا بعّمال، لقد اخترقوا صفوفكم، ولا أدري ماذا يريدون؟ ماذا يستهدفون؟ الامة خارج هذا المصنع تحمل أعباء الثورة وتقدم التضحيات الجسام من أجل تحقيق انتصارها، وهؤلاء جاؤوا الى هذا المصنع لحبس الطاقات فيه، ولا أدري ماذا يريدون! فَهِمَ العمال كلَّ شي‏ء. وفهم الشيوعيون أني دخلت معهم في مواجهة علنيّة من أجل فصلهم عن العمال، وإفشال خطتهم. ولذلك راحوا يفكرون

في احتوائي أو تصفيتي بأي شكل من الاشكال.

اشتدت معارضتهم ومقاطعتهم لكلامي، وتحولت القاعة الى أصوات متضاربة بين مؤيد ومعارض. ومن بين هذه الاصوات المتداخلة سمعت من خلف القاعة شعارات اسلامية، علمت أنّ مجموعة اسلامية قد قدمت الى المصنع لاسنادي، وعرفت بعد ذلك أنهم مجموعة من الشباب أرسلهم السيد «بادامجيان» وهو ممّن حثني على مواجهة الموقف في هذا المصنع.

عزمت بعد أن اشتدت المواجهة أن أفصل العمال عن الشيوعيين فصلا كاملا في صلاة المغرب والعشاء. وكنت واثقا أن خطتي، لو نجحت، سوف تحقق هذا الفصل. ومهّدت لنقل الميكروفون الى الساحة خارج القاعة كي يسمع المصلون تلاوتي في الصلاة، فهي مؤثرة كما عرفت من تجاربي السابقة، لأني كنت أمتلك - بفضل اللّه - صوتا حسنا ومؤثرا وقدرة على تلاوة كتاب الله في الصلاة بما تستحقه التلاوة، ولم يقتصر هذا التأثير على الايرانيين، بل إن العرب الذين سمعوني أعربوا عن إعجابهم أيضا. وأذكر أن سفير دولة عربية سمع تلاوتي في صلاة أذيعت من جامعة طهران فطلب شريطا يسجل هذه الصلاة، وأعرب عن إعجابه بالتلاوة. غير أن هذا الصوت الحَسَن شابته بُحّة حين تعرضت لحادثِ الاغتيال، ثم زالت هذه البُحَّة، لكن آثارها لاتزال باقية.

على أي حال أردت أن أستفيد من كل مامنحني اللّه سبحانه من قوة لفصل عباد اللّه عن أعداء اللّه. لكن واجهتني صعوبة نقل المكيروفون الى الساحة. ثم واجهتني مشكلة أخرى حين انقطع التيار الكهربائي من المصنع. ولعل ذلك كان متعمّدا. كانت معنا مكبرة صوت تعمل على البطارية. أخذتها، وبدأت في وسط الظلام أتحدث على المنصة لأسيطر على الموقف. ولكن الضوضاء كان أعلى من صوتي، تقدمت ووقفت على كرسيّ في الصف الاول من الكراسي. ولم يصل صوتي اليهم. ثم اجتزت صفوف الكراسي واحدا بعد آخر، حتى صرت في وسطهم، وبدأت أتحدث اليهم. واستمرت الحالة حتى عاد التيار الكهربائي. عندئذ عدت الى المنصة وناديت: أقترح على الجماعة المؤمنة التي لاتريد أن يمسك بزمام أمرها الشيوعيون وأعداء الدين أن يأتوا الى الصالة الاخرى لاقامة الصلاة. وكانت الصالة الاخرى هذه أصغر من الاولى، وربما كانت مصلّى العمّال في المصنع. فكرت في البقاء بعد الصلاة في هذه الصالة الصغيرة إن التحقت بي أكثرية العمال، ولكن لم يلتحق بالصلاة سوى مئة أو يقلون. ربما كانوا يخشون الشيوعيين المهيمنين على مقدرات المصنع. وبعد الصلاة عدت ثانية الى قاعة التجمع.

بعد العودة الى القاعة جاء شخص وهمس في أذني أن أغادر المصنع لخطورة الموقف. لم أعبأ به بل توجهت الى المنصة. وإذ أنا أتكلم لاحظت أن الشعارات ضدي تتعالى من هنا وهناك: ماذا فعلتم للعمال؟ ! ماذا فعل لنا الاسلام؟ ! أنتم تؤيدون الرأسماليين!! كما لاحظت أن هذه الجماعة التي ترفع الشعارات المضادة تتجه نحو المنصة بشكل منظم ومنسجم. أدركت خطورة الموقف، وتذكرت نصيحة الذي همس في أذني عند دخول القاعة. ناديت: إذا كنتم لا تريدون أن تسمعوا كلامي، فانا أنزل من المنصة وأنصرف. ثم نزلت من المنصة، وتوجهت نحو الباب، وكان مزدحما بالناس بين مغادر وقادم، ولاحظت أن الجماعة التي استهدفتني، لاحقتني وكأنها تريد الانتقام. كنت أحاول أن أحثّ الخطى وسط الزحام فاذا مجموعة من العمال رصّت صفوفَها وتشابكت أيديها وتحلّقت حولي تريد محافظتي. عندما رأى الشيوعيون هذا المشهد ازداد حنقهم وغيظهم، وازداد حرصهم على التقدم نحوي. واذا بأحدهم يصل اليّ وينزل ضربة قوية على كتفي! وكانت هذه الضربة عادة مؤشرا خطرا على بداية ضرب جماعي يستهدف حياةَ المضرب. خرجت بسرعة من الصالة ثم من الساحة وركبت السيارة ونجوت بحمد اللّه.

أذكر أني حين عدت الى مقرّ عملي سمعت في منتصف تلك الليلة مَن جاء يستغيث ويقول: أنقذوا القوات الجوية فقد داهمها حرس الشاه الخاص، ويريد أن يقتل هذه القوات ويبيدها بأجمعها بسبب موقفها المؤيد من الثورة، وكان ذلك في ليلة ٢١ بهمن.

في صباح اليوم التالي قررت أن أستشير الاخوة في أمر هذا المصنع، لأنهم لا يعلمون مايجري فيه، بل يعلمون فقط أني أذهب الى مصنع وأتحدث الى العمال. ولكن قبل أن أقابل الاخوة بلغني خبر يقول: إن المصنع بحاجة ماسة اليك، والجوّ قد صفا لك والاعداء قد طُردوا!!

استغربت من الخبر… كيف حدث ذلك؟ ! ولشدّة اشتياقي لرؤية الوضع الجديد أسرعت الى سيارتي فركبتها وذهبت الى المصنع، فاذا بجماعة العمال ينتظرونني عند الباب استقبلوني بالصلوات والهتافات، ورحّبوا بي، وأخذوني الى الصالة. وهناك قصّوا عليّ ماحَدَث:

لقد شاهدوا مافعله الشيوعيون بي في الليلة الماضية واستثارتهم مظلوميتي، فتأججت عواطفهم الدينية، واصطدموا مع الشيوعيين بالكلام أولا، ثم حملوا عليهم بالعصيّ وقضبان الحديد الموجودة في المصنع، وضربوهم ضربا مبرحا، ففر الشيوعيون بجلدهم تاركين المصنع للعمال المؤمنين.

لم يكن عدد الموجودين كبيرا، فقد طُرد الشيوعيون، وفرّ معهم العدد القليل من العمال الذين كسبوهم خلال هذه المدّة.

جلست مع هؤلاء العمال ساعة وتحدثت اليهم فيما ينبغي أن أتحدث. ثم ودعتهم وخرجت. ويحضرني أني حين ودعت العمال في اليوم الثالث توجهت الى مقرّ عملي، وإذ أنا في الطريق أستمع الى مذياع السيارة (وكان حتى تلك اللحظة تحت سيطرة حكومة بختيار)، فاذا بالبثّ يتوقف برهة، ثم يعود ليقول: هنا طهران… صوت الثورة الاسلامية. نحّيت سيارتي الى جانب الطريق بسرعة، ونزلت منها، ووقعت على الارض ساجدا للّه سبحانه وتعالى.

جدير بالذكر أن صداقة وثيقة توطدت بيني وبين هؤلاء العمال بعد ذلك، وتواصلت هذه الصداقة خلال مدة تولي رئاسة الجمهورية، زاروني وزرتهم عدة مرات، وكانوا يتعاملون معي كتعامل الابناء مع والدهم دون أدنى تكلف. وأذكر أني كنت في إحدى زياراتي للمصنع إذ سمعت انفجارا قويا. علمت بعد ذلك أن الانفجار حدث في مطار «مهر آباد» الذي لايبعد كثيرا عن مناطق المصانع، حيث جاءت طائرات النظام العراقي في أول هجوم له على الجمهورية الاسلامية، وفي أول أيام الحرب المفروضة الظالمة، وقصفت هذا المطار وعددا آخر من المطارات. وقد رأى الحراس المرافقون الطائرات المغيرة بأم أعينهم!

* * *

من القضايا الهامة التي مرت في تلك الأيام إعلان حكومة بختيار حالة الطوارئ في طهران صباحَ يوم ٢١ بهمن. وتقرر أن يبدأ العمل بها من ظهيرة ذلك اليوم. صدرت تحذيرات مشدّدة للمواطنين أن لا يغادروا بيوتهم. لم يكن أحد منا ومن عامة الناس يعلم بقصدهم من هذا الاعلان! علمنا بعد ذلك أن الجنرال «هايزر» الذي كان متواجدا في إيران آنذاك خطط لانقلاب عسكري. وما كان الانقلاب العسكري ممكنا مع وجود ملايين الناس في الشوارع. فلابد من إعلان حالة الطوارئ كي يقبع الناس في بيوتهم، وينفذ الجيش خطته، ثم يصبح الناس أمام أمر واقع.

بعد ساعتين من هذا الاعلان صدر من الامام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) بيان انتشر بسرعة خاطفة بين الجماهير يدعو الى أن يترك الناس بيوتهم ويتحدّوا الحكومة في إعلانها، وينزلوا الى الشوارع!!

كان هذا من المواقف العجيبة المهلمَة للامام، إذ - كما قلت - لم يكن يعرف أحد هدفَ حكومة بختيار من اعلان حالة الطوارئ. تدفقت الجماهير كالسيول في الشوارع والطرقات وفشلت المؤامرة!!

* * *

ومما حدث في هذه الايام أيضا أن أحد المعسكرات في طهران أعلنت التحاقَها بالثورة وانضمامَ أفرادها الى صفوف الجماهير. كان معسكرا تدريبيا للقوات الجويّة. وكان هذا المعسكر يقع على مقربة من معسكر للقوات البرية بإمرة جنرال حانق على الثورة الاسلامية. أمر هذا الجنرال قواته بالزحف نحو معسكر القوات الجويّة. خرجت قوات مجهّزة بالدبابات والاسلحة الثقيلة فحاصرت المعسكر الملتحق بالثورة، وحدثت بين الجانبين مناوشات حادة. ماكان أفراد القوات الجوية يمتلكون سوى أسلحة خفيفة فردية، ولذلك ماكان بامكانهم أن يدافعوا طويلا. وحين جنّ الليل استنجد المحاصرون بالناس، فتصاعدت الأصوات في المدينة أن أنقذوا القوات الجويّة من خطر الابادة التامة. وأنا كنت في تلك الليلة - كما ذكرت - قد عدت من المصنع وبتّ في بيت رجل مؤمن تربطني به صداقة قديمة، في شارع إيران. وكنت نائما إذ سمعت صراخا وضوضاء، خرج صاحب البيت وأهله ليستطلعوا ماحدث، وخرجت بعدهم، فاذا بالناس يصيحون بحماس: أسرعوا الى مقرّ القوات الجوية لانقاذهم، ورأيت الجموع تركض باتجاه المعسكر. عدت الى البيت، لأن كثرة الأحداث آنئذ ماكانت تسمح للفرد أن يشارك فيها جميعا، فلكل حدث رجاله وجماهيره الغف

يرة. علمت في اليوم التالي أن الناس هُرعوا الى معسكر القوات الجوية، وشكلوا حوله درعا بشريا حال دون أن تنفذ القوات البرية المهاجمة خطتها.

هذا الحادث دفع القوات الجوية الملتحقة بالثورة لأن تتعاون مع الجماهير في فتح مستودعات الاسلحة في معسكر القوات الجوية، ووقع السلاح بيد الناس لأول مرة، ثم توالت السيطرة على مستودعات المعسكرات الاخرى، كان ذلك ليلة ٢١ من شهر بهمن.

* * *

ومن ذكرياتي عن تلك الأيام وصول خبر عن هجوم مباغت ستشنّه قوات الشاه ليلا على المنطقة التي يسكن فيها الامام وصحبه في شارع ايران.

كان لنا في الليالي عادة اجتماعات في مدرسة علوي أو مدرسة رفاه أو بيوت المؤمنين المحيطة بالمدرستين في منطقة إقامة الامام نتداول فيها شتى المسائل الهامة المرتبطة بالقضايا الراهنة وبمستقبل الثورة، لأننا في النهار كنا منهمكين بأمور شتى لم تسمح لنا بالاجتماع.

في عصر أحد الايام شاع أن القوات البرية تستهدف الهجوم على منطقة إقامة الامام. جاءنا الشباب في بداية الليل وطلبوا منا أن نغادر المنطقة ونختفي. حين أبينا ذلك بدأوا يتوسلون الينا أن نقبل طلبهم. قلنا: إذن نبيت في نفس المدرسة التي يقيم فيها الامام لنكون حوله. قالوا: لايمكن ذلك، لأن الامام يجب أن يقيم حوله من يدافع عنه، وانتم بحاجة الى من يدافع عنكم! وافقنا على شرط أن لا نبعدَ كثيرا عن الامام. وفي تلك اللية تعالت لأول مرة أصوات اطلاق رصاص استمرت حتى الصباح من أنواع الاسلحة. ولكن لم يحدث الهجوم. قيل آنئذ: إن الرمي استهدف بيت الامام، وربما كان رميا عشوائيا لاثبات الوجود.

* * *

ومن الامور الهامة التي شغلت وقتنا في تلك الايام التشاور لاعداد مقدمات اعلان الحزب الجمهوري الاسلامي.

لقد ذكرت أنّ الإعداد لاقامة حزب اسلامي كانت قد بدأت قبل هذه الأحداث بسنين، والآن وقد اتجه كل شي‏ء لاعلان حاكمية الاسلام في هذا البلد، لابدّ من وجود تنظيم شعبي يستوعب الطاقات الاسلامية، وينظمها، ويقف بوجه المؤامرات المضادة.

لقد كنا منهمكين في أعمال جسام هائلة. وكنا نعمل بكل قوانا، لكن ذلك لم يصرفنا عن التفكير في مسألة التنظيم، لما كنا نتلمّسه من أهمية قصوى لهذه المسألة. وكنا نعتقد أن أيّ تراخ وتماهل في عملية إعلان الحزب سيؤدي الى كارثة.

كان لنا نحن الخمسة (بهشتي وباهنر والاردبيلي والهاشمي وانا) جلسات للتفكير بهذا الامر وتدارسه. وحينما حمي الوطيس، وأذن صبح الثورة بالانبلاج، قررنا أن يتفرغ اثنان منا ويعتكفان في مكان لتدوين النظام الاساسي للحزب. واختاروني أنا وباهنر ثم التحق بنا في بعض الجلسات الشيخ محمد جواد حجتي كرماني. اخترنا بيت الشهيد صادق اسلامي (من شهداء انفجار مقر الحزب الجمهوري الاسلامي) وهو بيت صغير كنت أحلّ فيه خلال أعوام كلما قدمت طهران. قلت لصاحب البيت: نريد أن نعتكف في بيتك زمنا، ولايدخل فيه أحد علينا الا لتقديم الطعام والشاي أو لايقاد نار الموقد (الكرسي). وكان الرجل رحمه الله متفانيا وهو وعائلته في سبيل اللّه ودينه. اختار لنا غرفة تبعد قليلا عن باب البيت، وأوصى عائلته بما يجب أن يوصيهم، وطال جلوسنا نهارين كاملين وليلة، خرج خلالها باهنر من البيت مرّة لبعض شأنه، وتردد علينا - كما ذكرت - حجتي كرماني، أما أنا فقبعت ولم أخرج من البيت حتى انتهينا من إعداد النظام الاساسي للحزب، وجئنا به الى الاخوة، وعزمنا أن يكون الاعلان بعد الانتصار. وهكذا تمّ، انتصرت الثورة باذن الله وفضله ومنّه في الثلث الاخير من شهر بهمن، ونحن أعلنا الحزب ف

ي بيان كتبته بنفسي ونشر مع النظام الاساسي في أواخر هذا الشهر.

* * *

وهنا لا بأس أن أشير الى مسألة كنا نعاني منها في تلك الايام (الايام القليلة التي سبقت الانتصار) هي التعارض بين مصلحة العمل الاسلامي والرغبات الفردية… مصلحة العمل الاسلامي تقتضي أن يأخذ كل فرد مكانه في المسؤولية بحسب قدراته وكفاءاته ومهاراته وخبرته إضافة طبعا الى صلاحه وتقواه وإخلاصه للّه سبحانه وتعالى… والرغبات االفردية تقتضي - غالبا - أن يكون الفرد في موقع القيادة والشهرة دون الاخذ بنظر الاعتبار تلك المؤهلات. وتشكل هذه الرغبة الفردية مشكلة جادّة حينما يكون وراءها رصيد من المواقف الجهادية ومن معاناة للسجن والتعذيب والنفي، فيرى صاحبها نفسه محقّا أن يكون في المركز القيادي دون أن ينظر الى مؤهلاته الفردية وطبيعته الاجتماعية.

وهذه المشكلة واجهتنا قبل الانتصار، يوم كنا أعضاء في مجلس قيادة الثورة، وأعضاء في قيادة الحزب المقترح، لقد كنا نخشى أن يطلع بعض الاخوة - ممن كانوا يرون لأنفسهم حقا وأولوية وتقدما - أن يطلعوا على عضويتنا في قيادة الثورة أو في قيادة الحزب المقترح. لقد كنا بعبارة أخرى نتقي هؤلاء الاخوة الذين نكِنّ لهم كل حبّ وكل ولاء، خشيةَ أن يثور ذلك التعارض الذي ذكرته.

وهنا لابدّ أن أسجّل اعترافي بوجود إخوة آخرين، كانت قد ذابت ذاتهم ورغباتهم في ذات اللّه، وعرفوا أنفسَهم كما عرفوا ربَّهم، فما كانوا ينظرون الى الثورة بأنها غنيمة باردة ولم يكونوا ينتظرون «حصتهم»، بل كانوا - رغم تاريخهم الجهادي الطويل - كالجنود المجهولين… لكنهم بعين الله … منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا.

وهذه المشكلة واجهتنا أيضاً بعد انتصار الثورة الاسلامية وبعد اعلان الحزب الجمهوري الاسلامي. أذكر أنه ممّن عارض الحزبَ شيخٌ كنا نكِنُ له رحمه الله كل احرام وإجلال لسنِّه ولتاريخه الجهادي ولما كانت لنا معه من صحبة في المنفى، ولكننا نعرف أنه لايستطيع أن ينسجم في العمل الجماعي. وهذه طبيعته، وليست نقصا فيه، بل كانت تمنعه من أن يتعامل مع الافراد داخل عمل جماعي. أخذ بمعارضة تشكيل الحزب. وأذكر أني حين كنت معه في المنفى سألته مرة: مارأيك في تشكيل حزب منظم؟ ! قال: هذا ضروري ولابد منه! عدت وسألته: وهل ستنتمي اليه إذا كان هذا الحزب بقيادتي؟ قال: سأكون أولَ المنتمين، وأول الموقعين على الانضواء تحت لوائه!

حين بدأ الشيخ فيما بعد يعارض الحزب ذكّرته بما دار بيننا من حديث في المنفى. قال: أذكر. قلت: فلماذا هذا الموقف؟ ! بدأ يتعلّل بوجود بهشتي وباهنر في قيادة الحزب قائلاً: إنهما لم يكونا في خط المواجهة الساخنة مع نظام الشاه. وما كانت لهما معاناة للسجن والمنفى والتعذيب!

والواقع أننا سمعنا مثل هذا الانتقاد من أفراد عديدين. ولم يكن هؤلاء ينظرون الى ماكان في هذين الشهيدين السعيدين من مؤهلات عظيمة، وخاصة السيد البهشتي الذي كان كبيرا جدا في فكره وتخطيطه وقراره ورؤيته. وما كان بامكان العمل التنظيمي الاسلامي أن يستغني عنه. سهام النقد ما كانت توجّه لي وللشيخ الهاشمي لاشتهارنا بالتنقل بين زنزانات السجون والمعتقلات، . وما كانت تُوجّه للسيد الاردبيلي لأنه كان ينظر اليه بأنه في الهامش. وكان الشهيدان باهنر وبهشتي مَعرَضا لتلك الانتقادات.

وأذكر أننا في الاسبوع الاول من إعلان الحزب دَعَونا الى عقد اجتماع في بيت الامام الراحل. وحضر جمع من العلماء والسياسيين يبلغ عددهم حوالي مائة شخص. وتحدثنا اليهم عن قصة تشكيل الحزب وعن أهدافنا وطريقة عملنا، وحين أراد الجمع الانصرافَ رفع أدهم - ممّن اختار الانزواء الآن - صوته قائلا: لماذا حصرتم المؤسسين في خمسة؟ لماذا لا أكون أنا أيضا من المؤسسين؟ ! بينما ذكرنا نحن في الجلسة قصة تأسيس الحزب. وأن لهذا التأسيس تاريخ! ثم إن الحزب ليس حِكرا على المؤسسين، بل يستطيع كل فرد مؤهل أن يتولى فيه المركز القيادي بمقدار مايبديه داخل الحزب من إخلاص ونشاط وإبداع وقدرة قيادية.

إن مطالبة هذا الرجل ليكون بين المؤسسين كمن يطالب أن يوضع اسمه على كتاب لم يشترك في تأليفه!!

ومقابل هذا الموقف نرى موقفا آخر في نفس تلك الجلسة وهو موقف الشهيد مطهري (رضوان الله عليه). فقد قام في المجلس وقال: إن كان عملكم للّه فطوبى لكم وإن كان لهوى في نفوسكم فالويل لكم!

كان الشهيد يعلم حقّ العلم ما تنطوي عليه نفوس المؤسسين من هدف سام ومن قصد وأخلاص للّه سبحانه وتعالى. لكه أراد بهذه الكلمة أن يوضح لنا وللجموع معيار الحكم على العمل الاسلامي وتقويمه.

* * *

أعود الى حديثي عن أيام إقامتي في طهران قبل انتصار الثورة الاسلامية فالخص مهامنا بمايلي:

أولا: النهوض بأعباء مجلس قيادة الثورة بماكان يتحمله المجلس من مسؤوليات واجتماعات ودراسات للموقف واتخاذ مايلزم والتخطيط للمستقبل.

الثاني: مايرتبط بالتخطيط للحزب وهذه المهمة كانت خاصة بالافراد الخمسة المؤسسين.

والثالث: معالجة المواقف الطارئة وما أكثرها! وكانت متوالية ليل نهار ولاهوادة فيها. وكان كل واحد منها - غالبا - من الجسامة بحيث يعدّ مسألة حياة أو موت.

والرابع: مسؤوليتي في إدارة الشؤون الثقافية والاعلامية لمقر الامام الذي هو في الواقع مقر قيادة الثورة الاسلامية.

وللّه الامر من قبل ومن بعد.

وسبحان ربك رب العزّة عما يصفون

وسلام على المرسلين. والحمد لله ربِّ العالمين



[ Web design by Abadis ]