ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مع العلوم‏ و الثقافة و الأدب‏

في حقل علوم الحوزة

شاء الله سبحانه أن أولد في بيت علم كما ذكرت. والدي عالم ومن أسرة علمية، والمرحومة والدتي فاضلة ومن عائلة علمية شهيرة أيضا. وذكرت اهتمام الوالد بدراسة أبنائه وشدته معنا من أجل المواصلة الجادة المستمرة… واجتمع هذا الاهتمام مع العمّة المبكرة التي توحي للابسها - عادة - مسؤولياته العلمية، ومع الجوِّ العلمي في مسقط رأسي «مشهد»، والشوقِ الشديد الذي تفجّر في نفسي منذ دراستي الابتدائية لطلب العلم. اجتمع كل ذلك بفضل اللّه ومنّه ليجعلني أنهي السطوح العالية (الرسائل والمكاسب والكفاية) وأنا في السابعة عشرة من عمري، واشتركت في درس الخارج سنة ١٣٧٦ه. ق.

وهنا لابدّ من الاشارة الى أنّ الانتقال في دروس الحوزة العلمية من السطوح العالية الى درس الخارج إنما هو انتقال كيفي يشعر الطالب بعده أنه دخل في عالم علمي فسيح يجب أن يخوضه بنفسه استناداً الى ملكاته وطاقاته الفكرية. ولذلك تتفجر الكفاءات في نفس الدارس الحقيقي ويحسّ بأنه يرتقي بسرعة واضحة سُلّمَ العلم. وهذه من خصائص المدرسة الفقهية الشيعية التي تفتح بابَ الاجتهاد أمام الدارسين. وكنت - وللّه الحمد - متفوقا في دروسي بسبب نَهَمي لطلب العلم وشوقي للاستزادة منه وولعي في البحث والمناقشة، حتى أنّ الوالد قال لي وأنا في سنٍّ مبكّرة: أنت مجتهد وقادر على الاستنباط. وإذا كان كلام الوالد يحمل جانبا من التشجيع فانه يحكي أيضا ماكان يراه فيَّ من مواصلة ونَهَم وشوق وجدّ في الدراسة العلميّة.

لقد اشتركت في درس الخارج على والدي وعلى السيد الميلاني كما ذكرت قبل رحيلي الى قم مدة سنة ونصف السنة، وكنت أكتب المحاضرات باللغة العربية. كما اشتركت في «مشهد» أيضا في درس الخارج للشيخ هاشم القزويني. وكان الشيخ مدرساً معروفاً للسطوح العالية، وأنا درست عليه بعض كتب السطح، ولكن تلاميذه أصرّوا عليه أن يدرّس الخارج في الاصول. واشتركت أنا أيضا في هذا الدرس، وكان الاستاذ الشيخ رحمه الله يتوسّع في الدرس توسعا كثيرا يكون غالبا على حساب الكيفية والمحتوى.

ولم أكن أرتاح لهذه الطريقة في التدريس.

حين ارتحلت الى قم لمواصلة دراستي في حوزتها العلمية كان من الطبيعي أن يجتذبني أول ما يجتذبني درسُ الامام الخميني (رضوان الله تعالى عليه). فدرسه معروف بالجدِّ والنشاط وبُعدهِ عن الفتور والعُطَل والتشريفات. يجلس على الارض في مسجد «سلماسي» ويلتف حوله حوالي ٤٠٠ طالب فيهم المجتهدون والعلماء والوجوه العلمية المعروفة من الطلاب والفضلاء. وكان السيد الاستاذ يلقي محاضرة في الاصول صباحا، ومحاضرة في الفقه عصرا، بأسلوب جادٍّ ملي‏ء بالاهتمام، تكثر فيه المناقشة والاسئلة والبحث المعمّق. كانت حلقته الدراسية مركزا مهما للبحث والنشاط العلمي. واشتركت أنا في الدرسين معا.

كانت دروس السيد الامام هي محور دراستي في قم، غير أني لم أُفوّت فرصة التزوّد من علماء آخرين في هذه الحوزة العلمية. من ذلك أني اشتركت في دروس السيد البروجردي.

قبل رحيلي الى قم بثلاث سنوات كان السيد الامام وزملاؤه من أمثال السيد الداماد والشيخ الحائري يشتركون في درس السيد البروجردي، فالسيد البروجردي استاذ لاساتذتي ولايمكن لمثلي أن يفوّت فرصة الاشتراك في درسه.

السيد البروجردي كان آنذاك زعيم الحوزات العلمية في قم والنجف ومشهد، ولم يكن أحد يرتاب في عظمته وتقواه وعقله. درسه غاصّ بالمجتهدين، وكان كثير الفائدة لمن له استعداد أن يواكبه. فالرجل فقيه رجالي محدّث مفسّر لايبارى. إنه صاحب مدرسة في الرجال، وله طريقة خاصة في الاستنباط لم تكن معهودة في القرون الاخيرة، وفيها شبه لطريقة الفقهاء القدماء. درسه معروف بالتطرق الى أحاديث الصحاح والمسانيد لدى أهل السنة. ويرى أن فهم أحاديث الشيعة يتوقف كثيرا على العلم بأحاديث أهل السنة. وهذا الدرس أول ما دفعني الى مراجعة كتب الصحاح والمسانيد. فالسيد يذكر الحديث - مثلا - من البخاري، ولابدّ أن أراجعه بنفسي. ومن خصائص طريقته الفقهية الاهتمام بتاريخ المسألة الفقهية. ومن خصائص طريقته الفقهية الاهتمام بتاريخ المسألة الفقهية. حين يطرح - مثلا - أحكام «ماء الحمّام» يبحث في تاريخ وضع الحمامات في زمن صدور النص، ومن خلال هذا البحث التاريخي تتضح كل الاصطلاحات الموجودة في النصوص بشأن هذه المسألة.

غير أن درس السيد البروجردي كان درسا «رئاسيا». فهو بحكم زعامته ومشاغله العامة لايواظب على التدريس. فكان درسه معطلا في أيام الاربعاء وفي بعض أيام السبت، والدرس لايزيد على نصف ساعة، بينما كان درس السيد الامام الخميني يستغرق ٥٠ دقيقة.

واصلت حضور دروس السيد البروجردي حتى وفاته رحمه الله سنة ١٣٨١ ه. ق.

واشتركت في دروس أخرى منها درس السيد الداماد لمدة سنة واحدة في الاصول، وفي درس الشيخ الاراكي، وفي درس خاص كان يعقده السيد شريعتمداري لعدد من الطلاب فاشتركت سنة وبعض السنة فيه، وكان يدرّس كتاب النكاح والطلاق.

اشتركت أيضا في درس الشيخ مرتضى الحائري، وكان آنذاك في بداية العقد الخامس من عمره، وهو شاب بالنسبة لمدرسي الخارج في الحوزة العلمية آنذاك. بيانه في‏الدرس لم يستَسِغه الطلاب فتركوا درسَه، وبقينا ثلاثة طلاب فقط. وكان زميلاي مشغولين بمشاكلهما العائلية، فكنت وحدي في درسه غالبا. وواصلت درس الفقه مع الشيخ الحائري حتى عودتي الى مشهد.

حين اشتركت في درس الفقه مع الشيخ الحائري، ما عاد لي وقت الاشتراك في درس فقه السيد الامام الخميني، فواصلت معه درس الاصول، واكتفيت بدرس فقه السيد البروجردي والشيخ الحائري.

واشتركت في «قم» في دورة دراسية أقامها السيد البهشتي‏رحمه الله. وكان آنئذ من معاريف علماء قم لما كان يتحلّى به من بعض الميزات. وفي هذه الدورة الدراسية انصب الاهتمام على «المعاصرة» في التدريس. وكان من بين الدروس درس اللغة الانجليزية ودروس في العلوم الطبيعية. واشترك فيها شباب وشيوخ منهم أنا وأخي السيد محمد والشيخ الرباني الشيرازي والشيخ السبحاني، غير أني لم أواصل هذه الدورة الدراسية بسبب عدم توفر الوقت الكافي.

وخلال مدة اقامتي في قم، رحلت - كما ذكرت - لأَشهُر الى العراق، واشتركت في دروس كبار العلماء في الحوزة العلمية في النجف الاشرف لأقارن بين دروسهم ودروس الحوزة العلمية في قم.

بعد عودتي الى مشهد سنة ١٣٤٣ه. ش (١٣٨٤ه. ق) كان لابدّ لمثلي أن يشترك في درس السيد الميلاني، فأنا أعيش الدراسات الفقهية، وأكتب فيها. وردسُ السيد الميلاني يُشبع الطموحَ العلمي ويأنس له طالبُ العلم.

حين اشتركت لأول مرة في درس السيد الميلاني قبل رحيلي الى قم كان السيد في أول كتاب الصلاة (باب أعداد الفرائض). بقيت معه سنة ونصف السنة، حتى وصلنا الى أفعال الصلاة. ثم ارتحلت الى قم، وحين عدت الى مشهد كان السيد لايزال في كتاب الصلاة، ووصل الى موضوع صلاة الجماعة. وبعد أن انتهى من صلاة المسافر وهو آخر أبواب الصلاة في الدراسات الفقهية واصلت معه كتاب الصوم وكتاب الزكاة وكتاب الخمس حتى سنة ١٣٤٩ه. ش (١٣٩٠ه. ق) إذ تركت درس السيد.

وفي قم اشتركت في دروس الفلسفة للعلامة الفقيد السيد محمد حسين الطباطبائي. حين اشتركت كان الاستاذ العلامة يدرّس الاسفار الاربعة للملاصدرا الشيرازي. ثم عطل تدريس كتاب الاسفار وبدأ بتدريس شرح الالهيات في كتاب الشفاء لابن سينا.

* * *

هذا بالنسبة لدراستي في علوم الحوزة العلمية. أما بالنسبة لتدريسي، فقد بدأت التدريس منذ أوان شبابي قبل رحيلي الى قم. فقد درّست «البهجة المرضية» وهو شرح السيوطي على ألفية ابن مالك في النحو والصرف، ودرّست كتاب «أصول الاستنباط» للسيد علي نقي الحيدري، في أصول الفقه. وكتاب «جواهر البلاغة» للهاشمي، وهذا الكتاب الاخير كان يُدرَّس أحيانا بدل «المطوّل».

كان تدريسي آنئذ يقتصر على بعض الطلبة من الحوزة أو ممن يروم التأهّلَ لدخول الجامعة. وبعضهم كان أكبر مني سنا بكثير.

وفي قم درّست كتاب «شرح اللمعة الدمشقية» في الفقه لجمع من الطلاب واستمر أكثر من سنة.

حين عدت الى مشهد راجعني بعض الطلاب لتدريس كتاب «الرسائل» فدرّسته، ثم اقترح عليّ بعضهم تدريس كتاب «المكاسب» فدرّسته عدة دورات. وفي الخمسينات كان درسي في المكاسب يحضره مايقرب من ٨٠ طالبا. وكان هذا الدرس وسيلةً لانتقاء من أعهد فيهم روحا وثّابة لدفعهم نحو العمل الاسلامي. وكان منهم ذلك الرجل الأفغاني الذي ذكرته سابقا.

وحين أوكلت اليّ المسؤولية الاخيرة، وهي مسؤولية ترتبط تماما بالفقاهة، اقترح عليّ بعض العلماء أن أتصدّى للتدريس. وقالوا: لابدّ أن تشرع بدرس الخارج.

تردّدت كثيرا قبل أن أقبل هذا التصدّي، كنت أقدّمُ رجلا وأؤخّر أخرى خوفا من أن لايتوفر الاخلاص في مثل هذا العمل.

وأمام اصرارهم وافقت، واقترح أحدهم أن نبدأ بكتاب الجهاد لأنه باب لم تهتم به الدراسات الفقهية. فبدأت بتدريس هذا الكتاب في ٣ أيام من أيام الاسبوع.

إجازات في رواية الحديث‏

أذكر بالمناسبة اجازاتي في رواية الحديث، فلي أربع إجازات الاولى: من السيد الميلاني.

وللتاريخ أذكر أن السيد الميلاني كان رجلا كبيرا في علمه واهتماماته الاسلامية وخُلُقه الكريم وزهده وتقواه وتديّنه، وأنا أذكره دائما وأترحّم عليه وأشعر بتقصير تجاهه. لقد كنا نتوقّع منه في أواخر حياته أن يكون له موقف سياسي كموقف الامام الخميني، وماكان توقُّعنا هذا في محلّه. لذلك كانت ثمة جفوةٌ بسيطة معه في أواخر حياته، وهذا مايدعوني دائما الى أن أذكره في دعواتي وأزيد من ترحّمي عليه.

هذا كان طبعا في السنوات الأخيرة من حياته، أما في سنوات تتلمذي عليه فكان بيننا ارتباط يزيد كثيرا على ارتباط أستاذ بتلميذه. كان يُفيض عليّ من حبّه ولطفه وحنانه كثيرا. كان السيد طبعا زميلا لوالدي في الدراسة ورفيقا له منذ الطفولة حينما كانا في تبريز.

أذكر أنه سمّاني مرّة على منبر درسه وأنا شاب لايزيد عمري على ١٨ عاما. وسبب ذلك أنه كان في درس الخارج يعالج موضوعا فقهياً، ثم فرّع عليه موضوعا، وطرح هذا الفرع على الطلاب ليعالجوه ويأتوا بالجواب في الجلسة القادمة. بعد انتهاء الدرس التفّ الطلاب حول السيد الاستاذ يسألونه ويستفسرون ويُبدون وجهات نظرهم، وبعد أن انفضّ الطلبة تقدمتُ اليه وقلت له: أرى أن الجواب على هذا الفرع الفقهي الذي طرحته على النحو التالي. ذكرت له الجواب وهو يُصغي اليه بدقّة ويَستحسن الجواب.

في الجلسة التالية لم يتقدم أحد من الطلبة بجواب. صعد الاستاذ المنبر وأشار الى تلك المسألة الفقهية وقال: لم يأت لي أحد بجواب سوى «سيد علي آقا» وكن يسميني بهذا الاسم، وأضاف: سوف أوضّح لكم جوابه باختصار ثم أكمله…

وليس من المعهود أن يذكر أستاذ بعظمة السيد الميلاني تلميذَه الفتى على منبر درس الخارج، خاصة وأنّ بين التلاميذ من ابيضّت لحيته.

وحين أردت مغادرة مشهد الى قم ذهبت لتوديعه، فتأوّه كثيرا وتأسف وقال: كنت أعقد الآمال على وجودك. ثم دعا لي خيرا. وفي جلسة التوديع هذه طلبت منه أن يجيزني في رواية الحديث. وبعد مضيّ شهر أو أقل وصلتني منه اجازة مكتوبة لطيفة ذكر فيها طرقَه، وذكر لقبي باسم (الخامنوي) بدل «الخامنئي».

الاجازة الثانية منحني إياها السيد المرعشي النجفي رحمه الله. وكانت في السنة الأولى من هجرتي الى قم سنة ١٣٣٧ه. ش (١٣٨٨ه. ق) لقد حدث أن تُوفّي جدّي لوالدتي السيد هاشم الميردامادي، فأقيم مجلس تأبين في قم حضره السيد المرعشي فيمن حضر من العلماء والمراجع. وفي هذا المجلس كان لي حديث معه سألني عن أمور في عائلتي تدل على توسّعِهِ الكبير في الأنساب. لقد سألني مثلاً عن ابنة عمتي وذكرها بالاسم مع أنه لم تكن له أية صلة بالعائلة. تعجّبت كثيرا رغم علمي بأنه نسّابة.

وفي هذا المجلس طلبت منه أن يجيزني رواية الحديث. وبعد شهر أو أكثر أرسل الى حجرتي إجازة لطيفة من بضع صفحات، أجازني فيها بطرقه الكثيرة، وكانت مفقودة، فوجدتها أخيرا.

والاجازة الثالثة شفوية من الشيخ حبيب الله ملكي العالم المعروف الذي ذكرت أنه عقد لوالدي وعقد لي أيضا في زواجي.

أما الاجازة الرابعة فقد وصلتني أخيرا من السيد مرتضى العسكري، وأجازني فيها بطرقة، وأهم هذه الطرق طريق جدّه الشيخ ميرزا محمد السامرائي، الذي ألف مستدركا للبحار يبلغ حجمه كما عرفت حجم «بحار الانوار». وسألت السيد العسكري عنه، فقال: أغلب الظنّ أنه ضاع في العراق. وما أكثر ماضاع من تراث علمي عظيم في العراق بسب تسلّط الجَهَلة على مهد العلم والحضارة الاسلامية مع شديد الاسف.

في الحقل الثقافي‏

منذ نعومة أظفاري لفت نظري تخلّف المسلمين، وأحسست بكل وجودي مأساةَ ماحاق بالأمة الاسلامية من انحطاط بعدما كانوا زمنا سادة الامم.

طالعت كثيرا ماكتبه المفكرون والكتّاب في هذا المجال مثل كتابات شكيب أرسلان والمودودي والندوي ومحمد فريد وجدي في دائرة معارفِهِ وأمثالهم، ثم توصلت الى نظرية طرحتها في المجالس منذ سنة ١٣٤٣ ه. ش (١٣٨٤ه. ق).

لقد توصلت الى أن الأمة المسلمة لم تفقد إيمانَها بالاسلام وليس الايمان هو الذي يعوز المسلمين. فالايمان بين المسلمين اليوم لايقلّ عمّا كان عليه يومَ كانت لهم شوكة وعزّة. والدلائل على ذلك كثيرة.

لقد أمعنت النظر في المجتمع الايراني باعتباره عيّنة من الامة المسلمة، فوجدت فيه أكثر من مظهر يدلّ على عدم هبوط منحنى الايمان فيه.

على سبيل المثال، إنفاق الأموال بدافع ديني. فالايرانيون يبذلون الأموال التي أَدارت أجهزةَ الحوزات العلميّة على مرّ العصور. والأموالُ التي تحتاجها الحوزات العلمية لإعالة طلابها وأساتذتها وإدارة مشاريعها العلمية والدَعوية ضخمةٌ، ومع ذلك لاتتقاضى قرشا واحدا من الدولة. وكل هذه الأموال يدفعها المؤمنون بدافع ديني. والاغلبية الساحقة التي تدفعها هي من الطبقة الوسطى. هذا الى جانب الأموال التي يدفعونها من أجل إقامة مجالس العزاء، والاحتفالات الدينية، وتجهيز المراقد المقدسة. وهذا ينمّ عن وجود إيمان ديني متعمّق في نفوس الجماهير المسلمة.

وعلى سبيل المثال أيضا تمسّك الجماهير بكل ماعرفوا أنه من الدين رغم تعرّضهم للأخطار بسبب هذا التمسّك. في زمن رضا شاه منع النظام ارتداء الحجاب، كما منع إقامة مجالس العزاء الحسيني. كان شرطة الشاه يضعون آذانَهم على حيطان البيوت علّهم يعثرون على صوت خطيب في مجلس عزاء، ومع ذلك كان المؤمنون يقيمون هذه المجالس قبل طلوع الفجر، وفي خبايا البيوت، ويضعون على الأبواب والشبابيك الستائرَ الضخمة كي لايتسرّب الصوت. وفي هذه المحاولات تعرّضوا لألوان المداهمات والسجون.

وأذكر أنّ العادة كانت في مدينة مشهد أن يُستقبل العائد من زيارة مرقد الحسين عليه السلام في كربلاء من مشارف المدينة، ثم يرفع منادٍ صوتَهُ مُعلنا قدومَ الزائر، فيُهرَعُ الناس من بيوتهم ومحالّ عملهم ليباركوا له ويتبرّكوا به في جوٍّ عاطفيّ ديني ملتهب، وأمثال ذلك كثير.

كل ذلك يدلّ على أنّ مايفتقده المجتمع الاسلامي ليس هو الايمان، بل المفهوم الكامل الصحيح للاسلام. ليس النقص في الايمان، بل في مايؤمِن به المسلمون.

سيّارة محركها قويّ ومزوّدة بالوقود، لكنها تحتاج الى معرفة الهدف والطريق كي تتحرك تحركا سليما.

لقد طرحت مرارا هذه الفكرة، وذكرت أننا إذا استطعنا أن نقدّم المفهومَ الصحيح الكامل للدين بشكل تتبناه الجماهير، فانهم سيندفعون نحو تحقيقه مهما كلّف الثمن.

ثم ماحصل خلال انفجار الثورة الاسلامية في إيران، وما أعقب ذلك من دفاع عن مكتسبات الثورة والمحافظة على الدولة الاسلامية، أيّد هذه النظرية كلّ التأييد.

إن الايمان عميق في النفوس، ومهما كان ابتعاد الأمة عن الاسلام طويلا وعميقا، تبقى جذور الايمان في الأعماق تتحيّن الفرصة لتعرب عن نفسها بشكل وآخر. وما يحدث اليوم من توجّه إسلامي فى الجمهوريات الاسلامية بآسيا الوسطى بعد ٧٠ عاما من الفصام بينها وبين الاسلام مظهر عجيب مُدهش يدل على ماذهبنا إليه.

* * *

انطلاقا من هذه النظرية كرست اهتمامي في أعمالي الثقافية على تقديم المفهوم الصحيح للاسلام على مستويات مختلفة. على مستوى عام… وعلى مستوى طلبة العلوم الدينية… وعلى مستوى الخواص من تلاميذي.

كان منطلقي في كل ماقدمته القرآن والسنّة، ولكن طريقة التقديم كانت منسجمة مع لغة العصر، ومع تطلّعات الانسان المسلم نحو حياة اسلامية حرّة كريمة، ومع الروح الحركية الرامية الى الثورة على الواقع الفاسد وتغييره.

وأذكر بعض هذه النشاطات الثقافية:

كان لي في وقت مبكر من حياتي اهتمام خاص بالقرآن… أقرأ وأحفظ وأتدبّر ماوفقني الله الى ذلك. وهذا الارتباط بالقرآن أطّر عملي الثقافي ووجهه وجهة قرآنية متميّزة.

على صعيد التلاوة حاولت نشر تلاوة القرآن في المجتمع على لسان أحسن المقرئين. وكان لي دور في نشر قراءات بعض القراء المصريين المجهولين في ايران بين أوساط الشعب الايراني.

وفي حقل التفسير كانت لي جلسات عامة في مسجد الكرامة لتفسير القرآن، وهي جلسات لها ميزتها الخاصة. فالقرآن في المساجد كان يقرأ لكي يكون مقدمة للخطبة، أي يبدأ المجلس بتلاوة من القرآن الكريم، وإمام المسجد والحاضرون جالسون ينتظرون انتهاء التلاوة كي تبدأ الخطبة. أما أنا فقد عكست الامر. جعلت حديثي مقدمة وتمهيداً للقرآن. أتناول آيات مختارة وأشرحها، وأبيّن مفاهيمها واقفا على الأرض أمام الميكروفون. وبالمناسبة كانت كل خطاباتي، بما في ذلك ذكر الحسين‏عليه السلام، ألقيها وأنا واقف.

ثم بعد أن ألقي المحاضرة التي تستغرق ساعة تقريبا أتنحّى جانبا، فيأتي القارئ ويجلس خلف المنضدة ويتلو نفس الآيات التي شرحتها، بعد التأكيد للحاضرين على أنّ كلامي يمهّد لكم فهمَ ما تسمعونه من آيات.

في حقل التفسير أيضا بدأت بأول درس تفسير في الحوزة العلمية بمشهد، ثم شرع بعدي «الميرزا جواد الطهراني» درساً في التفسير.

بدأ درسي هذا في التفسير منذ سنة ١٣٤٥ ه. ش (١٣٨٦ه. ق) عند عودتي من عمليات الانقاذ في «فردوس». فقد تعرفت هناك على الشيخين «فرزانه» و «كامياب»، وفي مشهد طلبا مني أن أبدأ درسا في «الاخلاق». قلت: أعتقد أن الأخلاق ليست علما بل عملا. وإذا كانت علما فليس لي باع في هذا العلم. قالا: إذن نبدأ بالتفسير، فوافقت.

بدأت بدرس التفسير في مسجد المرحوم الوالد المعروف بمسجد «الاتراك» أو مسجد «الصديقين». كان العدد لايتجاوز الخمسة عشر. وأتذكر أني شرعت بالآية الكريمة: «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود …» من سورة المائدة. ووضّحت أنواع العقود، وذكرت أنّ أهمّها العقود الاجتماعية. وجدت من الحاضرين اهتماما بالدروس. وبعد ازدياد عددهم اقترحوا نقل الدرس الى «مدرسة الميرزا جعفر» الدينية، وفيها «مَدَرس» كبير كنت قد دَرَست فيه سنوات متمادية. ازدحم الطلاب في هذا المكان وبلغ عددهم ٣٠٠ طالب، أكثرهم معمّمون، وفيهم غير المعممين من عامة الناس مثل «الشمقدري» الذي ذكرته سابقا، ومنهم موظف في الجيش يحمل ذهني عنه ذكرى لا بأس أن أذكرها لما فيها من طرافة.

هذا الرجل المدني العامل في الحقل العسكري كان نسيج وحده بين مجموعة الحاضرين في درس التفسير، لأن عمله يلقي عليه ظلالا من الشك تجعلني أنا والحاضرين في حيطة منه وحذر.

جاءني يوما وسلّم وقال: عندي أموال خُمس أريد أن أدفعها لحساب السيد الخميني. وما كان أمامي إلّا أن أستنتج من كلامه أنّ الرجل يريد أن يوقعنا في ورطة، ويأخذ علينا مستمسك ادانة. استرجعت فكري لأُفوّت الفرصة على الرجل وأتغلب عليه. قلت له: أنا على استعداد لأخذ المال، ولكن لا لحساب أحد. وحينما عرفت من لهجته أنه من مدينة «نجف آباد» قلت له: عندكم في نجف آباد من هو على اتصال بالسيد الخميني فلماذا لاتسلم المال له؟ ! قال: أعرف ذلك، ولكن نحن الآن في مشهد لا في نجف آباد. على كل حال أبيت أن آخذ المال منه بالشرط الذي ذكره وحسبت أني حققت انتصارا في هذا الموقف. ثم تبين بعد ذلك أنه من المخلصين جدا للامام الخميني ولحركته، وشارك بشكل فعّال في الثورة، وكان هو طريقنا الى الحصول على معلومات عن تحرك الجيش وخططه في مشهد أثناء الثورة الاسلامية.

أعود الى درس التفسير. فقد استمر حتى سنة ١٣٥٢ه. ش (١٣٩٣ه. ق) وخلالها كان الساواك يتدخل ويعطل الدرس بمختلف الأساليب، منها غلق باب «المدرس» بواسطة خادم المدرسة وبحجة غياب الخادم. وأذكر هنا أن خدّام المدارس الدينية كانوا غالبا مرتبطين بالأوقاف. والاوقاف كان في الواقع جزء من الساواك، وأنا ذكرت ذلك في محاضرة مطبوعة عن الحوزة العلمية في مشهد. أو كانوا يطفئون المدافي‏ء في ذلك الجوّ البارد القارس مما يتعذّر اقامة الدرس. ولكن الطلاب كانوا يُصرّون على المواصلة ولم يتفرّق جمعهم بسبب هذه المعاكسات، حتى تدخل الساواك علنياً بعد ذلك ومنع رسميا استمرار الدرس.

والواقع كان الساواك يتابع دروسي كالظل، فيراقبها ويحاول تعطيلها بشتى الصور. من ذلك أني شرعت سنة ١٣٥٤ه. ش (١٣٩٥ه. ق) درسا في العقائد في مسجديقع وسط المدينة في «الشارع الاسفل» كما يسمونه. كنت أشرح الباب الحادي عشر من منظومة الملا هادي السبزواري. وكان يحضره جمع غفير من الطلاب والمتدينين. ولكن لم يستمرّ طويلا، فقد تدخل الساواك وعطّله.

ومن اهتماماتي القرآنية تقديم المشروع الاسلامي الكامل للحياة من منطلق قرآني، وألقيت في هذا المجال ٢٩ أو ٣٠ درسا خلال شهر رمضان في مسجد الامام الحسن عليه السلام، وركزت في هذا الطرح على عرض الاسلام باعتباره منهجا كاملا للحياة وتحركا عمليا نحو تكامل الفرد والمجتمع.

نشر ملخّص هذه الدروس تحت عنوان: «المشروع العام في الفكر الاسلامي».

ومن دراساتي القرآنية التي مارستها وألقيت فيها محاضرات شرح «المصطلحات القرآنية» فان كثيرا من هذه المصطلحات قد شوّهتها الذهنيةالمتخلفة الراكدة، وكان لابدّ من توضيح المفاهيم القرآنية كما بينها القرآن وترجمتها السيرة. شرحت «الصبر» و «الصدق» و «التوكل» وغيرها من المصطلحات التي ابتُليت بسوء الفهم، ونشر منها كراس واحد تحت عنوان: «الصبر» سنة ١٣٥١ه. ش (١٣٩٢ه. ق) ثم وقع في يدي كتاب «المصطلحات الاربعة في القرآن الكريم» للمرحوم أبي الاعلى المودودي، فأحببته كثيرا لأنه يركز على ماكان في ذهني، وهممت بترجمته، ولكن ترجم فيما بعد.

ومن دروسي العامة في المسجد تدريس الحديث الشريف. وكنت أسعى لأن يكون الدرس موجزا جامعا هادفا. خصصت له مدة لاتزيد على ربع ساعة بعد الصلاة. أكتب الحديث على السبورة، ويستنسخه الحاضرون في كراساتهم، ثم أشرحه وأبيّن مفاهيمه بايجاز ووضوح. وبقي من هذا الدرس ١٠ كراسات لاتزال موجودة.

ومن الدروس التي ألقيتها في هذا المجال دروس في نهج البلاغة.

كان لي أيضا دروس في أصول الاسلام، وأثار تبويب هذا الموضوع في ذهني محمد فريد وجدي، فقد ذكر في دائرة المعارف الاسلامية اثني عشر أصلا، وأخذت هذه الأصول وعدّلتها وشرحتها شرحا حركياً أصيلا. ولحساسيّتها كنت أطرحها في جلسة لاتتجاوز ستة أشخاص بعد أن أكتب كل درس في كراسة، وأعطيهم الكراسة لكي يدرّسوها لتلاميذهم، ولكن بشرط أن لا تخرج الكراسة عن دائرة هؤلاء الستة. واستمر هذا الدرس في مشهد سنين. وطبع منها كراسة «التوحيد - رفض عبودية غير الله».

* * *

ومن اهتماماتي الثقافية تصحيح المفاهيم المرتبطة بالتاريخ والسيرة. فالذهنية الراكدة الجامدة مسخت كثيرا من وقائع التاريخ وسيرة الرسول وأئمة أهل البيت وغيرتها وفق ذوقها لتكون مبّررا لسكونها وسكوتها. وكان لابدّ من نفض الغبار عن الوجه الصحيح لتاريخ صدر الاسلام وخاصة مايرتبط بسيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

من أجل تحقيق هذا الهدف قضيت سنوات عديدة في دراسة حياة الائمة، استغرقت المرحلة الاولى من هذه الدراسة ٦ - ٧ سنوات، كتبت خلالها قماشات كثيرة ضاع أكثرها عند مداهمات الساواك. وكرست دراستي عن الأئمة من السجاد الى العسكري (عليهم صلوات الله أجمعين) ثم أتيحت لي بعد سنين فرصة دراسة كتاب «الاغاني» بجميع مجلداته دراسة دقيقة من أجل معرفة الوجه الآخر لحياة أئمة أهل البيت. من خلال الأغاني عرفت ماكان يضجّ به المجتمع الاسلام من ألوان الانحرافات، ومن خلاله تعرّفت الجوّ الفكري والثقافي السائد في حياة الأئمة، ثم فهمت الجهود الجبارة الضخمة التي بذلها أئمة أهل البيت للمحافظة على الاسلام وسط ذلك الجوّ الذائب المنحرف المنحدر الغارق في ألوان الرذائل والموبقات.

وفي هذا المجال ألقيت محاضرات كثيرة. وكان تلامذتي يأخذون هذه المحاضرات وينشرونها في أنحاء إيران. ومما طبع من هذه المحاضرات محاضرة عن الامام الصادق عليه السلام ألقيت في أحد مساجد طهران سنة ١٣٥٣ه. ش (١٣٩٤ه. ق) وسأذكر قصتها. وطبعت بعد الثورة الاسلامية كلمتين عن الامام الرضاعليه السلام ألقيتا في مؤتمر الامام الرضا بمشهد. ونشرت مقابلة جرت معي عن الامام السجاد في مجلة «پاسدار اسلام» / حارس الاسلام. وفي جلسات الحزب الجمهوري الاسلامي تحدثت عن الامامين الباقر وموسى بن جعفر (عليهما السلام) أُذيعت من المذياع.

وفي كل هذه الدراسات أحسبني اكتشفت في حياة الأئمة مسائل هامة ترتبط بنضالهم بالمعنى السياسي لم يقف عليها أحد من قبل. لقد نظرت الى حياة الائمة وكأنها حياة رجل واحد عمره ٢٥٠ سنة، ورأيت أنّ كلّ نشاطات الأئمة على تنوعها تستهدف أمرا واحدا. وفي ظل هذه النظرة الشمولية استطعت أن أكتشف أشياء كثيرة في حياة أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

* * *

ذكرت من قبل أن التوجه نحو فهم واع منفتح للاسلام‏دفعني لأن أقبل على مطالعة مؤلفات الكتاب الاسلاميين المصريين وغير المصريين، ووجدت سيد قطب يمتاز بينهم بالدقة والأصالة ووضوح الرؤية. لذلك اتجهت الى مطالعة كتبه أكثر من غيره. ومن أجل تلاقح الأفكار الاسلامية وإثرائها ترجمت بعض مؤلفاته وأضفت اليها تعليقات وقدمت لها مقدمات هامة مفيدة.

ومن اهتماماتي الثقافية تقديم الفكر الحركي للاسلام ليكون منهجا للنهضة الاسلامية وللعاملين في سبيل الاسلام. وسبق أن ذكرت أنّ مثل هذه الموضوعات كنت أطرحها في الجلسات الخاصة مع العاملين. كما كان لي بعض الاشراف على فكر أحد التنظيمات المسلمة في إيران التي كانت تراجعني فيما تكتبه في نشراتها. وذكرت ذلك من قبل.

ذكرت أن طريقتي في العمل الثقافي هي الدخول في كل الاوساط الاجتماعية: علماء الدين، وطلبة العلوم الدينية، والمثقفين، والجامعيين، وتلاميذ المدارس الثانوية، والكسبة، وعامة الناس. وكان لي مع كل فئة من هذه الفئات دروس تقوم على أساس خطاب متناسب يتميز بالأصالة والمعاصرة والهدف التغييري.

ولهذه الميزات في خطابي الثقافي كنت من القلائل الذين اخترقوا الجامعيين والاوساط المثقفة التي أُريد لها أن تكون علمانية وأُريد لها أن تتبرّم بالدين ورجاله.

وأذكر هنا أن الدكتور شريعتي استطاع أيضا بخطابه أن يدخل هذه الأوساط لكنه كانت تعوزه الأصالة في فهم الاسلام، فقد كان ينطلق في عرض الاسلام من خلال دراسته للمدارس الغربية في علم الاجتماع وعلم الأديان أكثر من دراسته للاسلام على أساس القرآن والسنة.

ومن محاضراتي التي ألقيتها على المثقفين في طهران تلكم التي ألقيتها في «المجمع الاسلامي للمهندسين»، فقد كان هذا المجمع يعقد جلسات تستمر ٦ أيام في السنة خلال العشرة الاولى من شهر محرم، وأنا ألقي في يومين منها محاضرتين، ويلقي في الايام الاخرى المطهري والطالقاني والهاشمي وأمثالهم.

يحضرني الآن أني تعرّضت في إحدى تلك المحاضرات الى شرح للحديث النبوي الشريف: «من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحُرَمِ اللّه، ناكثا لعهد اللّه، مخالفا لسنة رسول اللّه صلى الله عليه وآله، يعمل في عباده بالاثم والعدوان، فلم يُغيّر عليه بفعل ولاقول، كان حقا على اللّه أن يُدِخلَه مُدخَلَه».

وطالت المحاضرة ساعتين، التهبت فيها العواطف والمشاعر، وكان الحاضرون من أساتذة الجامعة والطبلة والخريجين والكتاب، وبعد انتهاء المحاضرة سارع «الدكتور پيمان» الى الاقتراب منّي وقال: أنت ألهبت نفوس هؤلاء الحاضرين وتركتهم، والفرصة الآن سانحة للشيوعيين كي يستوعبوهم في تنظيماتهم. ولابدّ من العمل لاستثمار هذا الالتهاب العاطفي لصالح التوجّه الاسلامي.

وأذكر أن السيد الطالقاني قال لي أيضا: نحن قرأنا هذا الحديث مرّة، فتعرّضنا للسجن والتعذيب، ، فماذا سيفعلون بك وأنت تناولته بالشرح والتفصيل؟ !

ومن تلك المحاضرات أيضا ما ألقيته بمناسبة وفاة الامام الصادق عليه السلام في طهران. وإنما أتعرّض لهذه المحاضرة بالذات لأنها هي وما رافقها من ظروف تلقي الضوء على أسلوب الخطاب وملابسات الوضع السائد آنذاك.

دعيت سنة ١٣٥٣ه. ش (١٣٩٤ه. ق) الى طهران لالقاء محاضرة بمناسبة وفاة الامام الصادق في مسجد «جاويد» حين كان امامه الشهيد مفتح (رحمه اللّه). وكانت تلك آخر سنة لإمامته في هذا المسجد، إذ اُعتقل في نفس السنة، وبعد الاعتقال انتقل الى مسجد «قُبا».

حين تلقيت الدعوة كنت في ظروف صعبة، لذلك أبيت القبول، لكنّ الشيخ مفتّح أصرّ عليّ، فقبلت كارها. بعد مدّة أخبرني أنّ الشرطة منعت إلقاء المحاضرة، فحمدت اللّه وشعرت بالراحة. لكنه مالبث أن اتصل بي ثانية وقال: رُفِعَ المنع، وطلب مني القدوم، وأصرّ عليّ بالحضور في الموعد المقرّر وقال: لقد أعلنا نبأ المحاضرة في الجامعات. حاولت أن أتعلل بصعوبة الحصول على التذكرة، لكنه أبدى استعداده لتوفيرها لي. قلت في نفسي: وماذا على المضطر الّا ركوبها.

غادرت مشهد بالطائرة، وقبل ساعات من بدء المحاضرة وصلت طهران، واتجهت من المطار مباشرة الى المسجد.

فرح الشيخ كثيرا حين رآني، وكان هو وما يقارب من ٢٠٠ شاب مستعدين للصلاة. أقام الشيخ الصلاة، والتحق في أثناء الصلاة جمع بالمسجد، فأصبح عددهم بعد الصلاة بضع مئات. وبعد دقائق تدفقت أفواج الطلبة فجأة على المسجد، فعلمنا أنها ساعة انتهاء الدروس في الجامعة.

غصّ المسجد وفناؤه والطرقات المجاورة له بالناس، وابتدأت بالمحاضرة بأن قسّمت المتحدثين عن الامام الصادق على قسمين: الاول - أعداؤه الذين يتهمونه بمداهنة الظالمين ومهادنتهم والركون الى الطواغيت (كان هذا منطق الشيوعيين واليساريين آنذاك في ايران). والثاني - أحبّاؤه الذين يقولون: إن الامام الصادق انصرف عن السياسة وشؤون الحكم، واتجه نحو تدريس العلم بين جدران البيت والمسجد (وهذا هو منطق المتدينين القاعدين الخامدين الذين يحاولون أن يجدوا مبررا لقعودهم في سيرة أئمة أهل البيت) ثم قلت: إن النتيجة في المنطقين واحدة وهي تخلّي الصادق‏عليه السلام عن الاهتمامات الاجتماعية وعدم اكتراثه بتسلط الطواغيت على الأمة. وهذا لايليق بالامام.

وقلت: أنا أسرد لكم نُبَذاً من حياة الامام الصادق، وأترك لكم التحليل والاستنتاج.

ثم واصلت قراءة الروايات حول حياة ومواقف الامام الصادق مما لم يكن معروفا عند عامة الناس، بل حتى عند العلماء وأهل المنبر.

من ذلك قول الصادق عليه السلام: «لَوددت أن الخارجي يخرج من آل محمد، وعليّ نفقة عياله».

ومن ذلك قوله لمعلّى بن قيس (استشهد بعد ذلك) حين قدم على الصادق ومعه شخص آخر، فقال لهما: «شفا اللّه صدوركما، وأذهب غيض قلوبكما، وأنالكما من عدوّكما، وكان لكما احدى الحسنيين». مما يدل على أنهما كانا عازمين على مهمة جهادية. هذا واضح من كلام الامام، إلّا أن الكثيرين لم يلتفتوا الى ذلك.

واستمرت المحاضرة ٣ ساعات، وخلالها تناولت بالشرح بضعا من الورقات الأربعين التي أعددتها مذكراتٍ لمحاضرتي. واختتمت المحاضرة رافعا الاوراق الاربعين الى الحاضرين مشيرا الى أني بيّنت قليلا من كثير مما أعددته لهذه المحاضرة.

كانت الجموع الغفيرة طوال هذه الساعات جالسة تستمع بدقة، وتكتب الملاحظات، رغم أن كثيرا منهم كان يفترش الارض في الطرقات المحيطة بالمسجد.

وأتذكر أني ذهبت مع الشيخ مفتح بعد المحاضرة الى منزل «أخوان فرشچي» وكان رجلا ثريا ينفق الاموال على تغذية روح الثورة والحركة الاسلامية، وكان قد أعدّ لنا عشاء والمدعوون ينتظروننا في بيته. حين دخلنا عتب علينا الاخوان بسبب التأخير، فالقى الشهيد مفتح بالائمة عليّ!

قصتي مع الأدب‏

لم يكن الأدب يوما في حياتي صنعة وكلفة، بل كان ينطلق دائما من ذوق أدبي أحسسته في نفسي منذ نعومة أظفاري، ولذلك كانت الكلمة الأدبية تفعل الأفاعيل في نفسي وتنقلني الى عالم لاينتقل اليه عادة الّا المتذوقون للأدب والمتفهّمون فطريا لروائعه ودقائقه وظرائفه. وما افترقت عن الأدب يوما افتراقا كاملا اللهم الّا في الظروف العصيبة التي ملأت كلَّ وقتي في بداية الثورة الاسلامية، قطعتني لا عن الأدب وحده، بل عن كلّ شي‏ء سوى مهامّ الثورة. ولا أزال حتى اليوم يصاحبني كتاب أدبي في فراش النوم، ولا استسلم للرقاد دون أن تكون لي جولة في عالم الأدب.

تذوّقي للادب تجده متبلورا في ارتباطي بالجمعيات الأدبية وبالأدباء والشعراء، وبمطالعة دواوين الشعر العربي والفارسي وإنشادي الشعر، ومطالعة الروايات الايرانية والعربية والأجنبية، وكتابة المقالات الأدبية حول اللغة والأدب عامة والشعر بشكل خاص.

ولعله لايخلو كتاب من كتبي الدراسية من أن يحمل خلف غلافه أبياتا من الشعر كنت أكتبها حينما أحسّ أني بحاجة الى الترويح عن النفس بعد عناء الدرس.

وكنت من شدة شغفي ببعض أبيات الشعر أطلب من خطاط أن يكتبها بخط حَسَن فأعلقها على جدران غرفتي. وكانت حجرتي في قم تحمل أبياتا لحافظ أذكر منها:

صراحي مى‏كشم پنهان ومردم دفتر انگارند

عجب گر آتش اين زرق در دفتر نميگيرد

ومنها:

در ين بازار اگر سوديست بادرويش خرسندست‏

خدايا منعمم گردان بدرويشي وخرسندي‏

ولو شئت أن أراعي التسلسل التاريخي في قصتي مع الأدب لزم أن أعود الى عهد الطفولة. لقد تذوقت الشعر، وحرّكَت موسيقاه عواطفي المكنونة وأنا طفل أصغي لأمّي وهي تترنّم بأشعار حافظ.

لقد كان لها ديوان حافظ مطبوع طبعة قديمة في الهند وعلى هوامشه تعليقات بخط جدّي السيد الميردامادي. يقول في أحد تلك الهوامش مثلا: قرأت هذه الابيات وأنا في السفينة في طريقي الى جدّة.

وأنا ذكرت ذلك في كلمة وجهتها الى مؤتمر حافظ بيّنت فيها عمق دخول أدب حافظ في الوجدان الشعبي الاسلامي في ايران. لقد كانت تترنّم بصوتها العذب الحلو بأبيات انطبعت في نفسي منها:

سحر چون خسرو خاور علم بركوهساران زد

بدست مرحمت يارم در اميدواران زد

وكانت تقول: إن سلطان المشرق هو رسول اللّه عليه أفضل الصلاة والسلام.

وكانت تردّد كثيرا:

دوش ديدم كه ملايك در ميخانه زدند

گل آدم بسرشتند وبپيمانه زدند

وفي المدرسة الابتدائية كانت لنا حصة خاصة بالأدب الفارسي، وكانت مدرستنا متميزة بهذه الحصة بين المدارس، ولها مدرّس خاص درسنا كتاب «گُلِستان» لسَعدي الشيرازي، وهو كتاب عظيم في الأدب الفارسي بنثره وشعره، وديباجته بشكل خاص من أجلّ ماكتب من النثر. كنت أستنسخ هذا الكتاب، ولذلك بقيت كل موضوعاته في ذهني على أني حفظت أكثره. ووالدي كان مولعا بكتاب سعدي ويحفظ بعضه.

وبعد گلستان أنست بغزل حافظ، وكانت نفسي تتشرب معانيه، وقرأت كثيرا للشاعر النظامي، أما كتاب «المثنوي» لمولانا جلال الدين الرومي فكان يحلق بي في عالم معنوي لايستطيع أن يبلغ قوته في التأثير أي كتاب آخر.

ومنذ الرابعة عشرة من عمري توجهت لمطالعة لون أدبي آخر هو «الرواية»، فقرأت الروايات المؤلفة بالفارسية وما ترجم منها من العربية مثل روايات جرجي زيدان وما ترجم من اللغات الاوربية لروائيين معروفين مثل ميشيل زواكو، والكسندر دوماس.

كان من الطبيعي، وأنا أحمل هذا الذوق الأدبي، أن أرتبط بأدباء مدينتي. وكانت البداية أن حضرت مجالس كانت تقام في «مدرسة نواب» ويحاضر فيها العلامة «الاميني» صاحب موسوعة «الغدير». وكان العاملون على إقامة هذه المجالس شخصيات أدبية معروفة في مشهد منهم «قُدسي» و «حكيمي».

في ليلة من ليالي تلك المجالس رأيت قدسي جالساً في الحديقة وفي يده سيجارة. اقتربت منه، وسلمت عليه، وقلت له:

هل أنت قائل هذا البيت:

شَبْ باگُل است وروز مَحو آفتاب‏

خوشت ز زندگاني شَبْ نَمْ نَديدَه ايم‏

أي: لاترى العين جمالا مثل مافي قطرات الندى‏

فهي في الليل مع الورد، وفي الصبح بنور الشمس تمّحي سُرَّ كثيرا لأَن يرى صبيّا معمماً يحفظ شيئا من شعره بتذوق وإعجاب. بدأ بيننا حديث، ثم توطدت صداقة وثيقة استمرت الى آخر لحظات عمره (رحمه اللّه تعالى).

وكان مما فعله قدسي أن عرّفني على «جمعية فردوسي» الادبية، وسأعود الى ذكر هذه الجمعية.

جدير بالذكر أني تذوقت الشعر العربي لأول مرة من خلال مطالعة فصوص منه في الكتب الدراسية وخاصة كتاب «المطول» للتفتازاني، ووجدت فيه خصائص من الاثارة العاطفية لايوجد لها نظير في الشعر الفارسي سوى النوع المعروف بالسبك الخراساني.

ومع أنّ الابيات التي كنت أقرأها آنذاك لم تَعدُ الشواهد الشعرية في البلاغة والنحو، لكني كنت أستذوقها وأتشرّبها في نفسي وأهضمها في وجدانى، لشدّة تأثّري بها، حتى كنت أترنّم بها وأخاطب أحياناً أصحابي ببعضها، من ذلك:

أسرب القطاهل من يعير جناحَهُ‏

لعلّي الى من قد هويت أطيرُ

والواقع أن أدباء اللغة الفارسية وحتى المتذوقين للأدب الفارسي على اطلاع بدرجة وأخرى على الأدب العربي. وكثير منهم ينظم باللغتين العربية والفارسية، بل لعل منهم من لاينظم الّا بالعربية، وهم قليلون طبعا.

مدينة مشهد فيها حركة أدبية قلّ أن يكون لها نظير في المدن الايرانية الاخرى، وفيها أدباء وشعراء لايرقى اليهم سائر شعراء ايران اللهم الّا الاكابر المشهورين مثل أميري فيروزكوهي، وجلال هُمائي، ورَهي مُعَيّري.

وكانت في مشهد جمعيتان أدبيتان مشهورتان، واظبتُ على الاشتراك فيهما:

الاولى: جمعية فردوسي الأدبية، وكان قُدسي كما ذكرت هو الذي عرّفني عليها وعلى أعضائها.

كانت هذه الجمعية منتدى أدبيا يعقد جلساته أسبوعيا في بيت «نِگارَنْدَه»، وهو عسكري، لكنه بعيد كل البعد عن السجايا العسكرية السائدة آنذاك بين العسكر. فهو أقرب الى العلماء منه الى العسكريين. مؤمن وتقي، ولطيف الاخلاق والمعشر، وله شعر قليل رقيق.

كان هذا المنتدى الأدبي يتميز بالبساطة والجدّية والبعد عن المظاهر. يحضره كبار أدباء مشهد آنذاك منهم: صديقي قُدسي، وكمال شاعر القصائد، ومحمد قَهَرمان من أحسن شعراء الغزل الأحياء، وباقر زاده المتخلص باسم (بَقا)، وصاحب كار شاعر الغزل المجيد، وشفيعي كدكني الذي يشتغل في التدريس الجامعي والتأليف اليوم، ونعمت آزرم، وآگاهي الشاعر المعروف بغزله، وعشقي، ومحمد رضا حكيمي وهو أديب وله شعر قليل، وخَديوجَم.

وكنت مواظبا على الاشتراك في هذا المنتدى بشكل نشط فعّال، ومبّرزا في النقد الأدبي، إذ كانت لي قدرة الوقوف على مافي الشعر من نقاط قوة وضعف، وكان أعضاء الجمعية يعترفون لي بهذه القدرة ويشيدون بها. وبسبب مكانتي هذه في النقد بين أعضاء الندوة لم أتل شعري عليهم، وأخفيت ما أنشدته، رغم أنّ بعض أعضاء المنتدى كانوا يحسّون بشاعريتي وبقدرتي على إنشاد الشعر، ويحدسون بأني لا أريد أن أعرض شعري. وكان ذلك خطأ مني طبعا، لأني لو عرضت شعري آنئذ، وتعرّض للنقد لاندفعت على طريق التطور في إنشاد الشعر.

لقد أنشدت الشعر منذ سنة ١٣٣٤ أو ٣٥ ه. ش (١٣٧٥ أو١٣٧٦ه. ق) ولم يكن شعرا هابطا، لكني ماكنت أرتضيه، ولا أسمحُ لنفسي باعلانه، غير أنه كان ينبئ بوجود قريحة شعرية في نفسي.

والثانية من الجمعيات الادبية في مشهد لم تحمل اسما معينا، كانت تعقد في بيت محمود فَرُّخ وهو من أعيان مشهد، وفي منزله مكتبة ضخمة تحتوي على مالايقلّ عن ٥٠٠٠ كتاب. وكنت أشترك فيها حتى بعد رحيلي الى قم متى ما تواجدت في مشهد. كانت هذه الندوة - خلافا لندوة الفردوسي - محاطة بظلال الارستقراطية والثراء. يجلس المجتمعون خلف طاولة كبيرة يتصدرها صاحب البيت. وكان يحضرها بعض أعضاء جمعية الفردوسي، كما كان يحضرها عدد من كبار الأدباء منهم: الدكتور علي اكبر فيّاض الاديب المؤرخ، والدكتور غلام حسين يوسفي وهو مؤلف فاضل، والدكتور على رجائي شاعر فاضل. وكان يحضر أيضا في المنتديين شعراء مشاركون من طهران وسائر مدن ايران.

بعد رحيلي الى قم ازداد ضغط الدراسة والبحث العلمي على وقتي فلم يدع للأدب إلّا وقتا قليلا، ولكن مع ذلك استطعت خلال مدة إقامتي في قم أن أطالع المجلدات الخمسة من كتاب «شعراء العجم» للعالم والمفكر الهندي شبلي النعماني، والكتاب مترجم من الانجليزية، وفيه بحوث أدبية قيّمة، من ذلك مقارنة بين فردوسي ونظامي، وبعد أن يتحدث باسهاب عن أوجه الشبه والاختلاف بين الشاهنامة للفردوسي والاسكندرنامة لنظامي ويخلص الى القول أن الفردوسي فردوسي والنظامي نظامي.

واستطعت خلال فترة إقامتي في قم أيضا أن أقيم علاقات مع فحول شعراء طهران واصفهان لقرب قم من المدينتين، فكانت لي علاقات مع الشاعر الاميري الفيروزكوهي، وجلال همائي، ومحمد عنقا، كما تعرفت خلال هذه البرهة بالذات على مجمع «كمال اسماعيل» في اصفهان.

أذكر أني تعرفت على شعر اليفروزكوهي مما كان ينشر في الصحف والمجلات، وكان لشعره تأثيره خاص في نفسي، أتعجّب من عظمة شاعريته، فشعره بالسبك الهندي، وهو سبك «صائب التبريزي» الغالب على شعراء مشهد. كنا نذكر هذا الشاعر في جمع من الاخوان، فقال أحدهم: أنا أعرف عنوان بيته في طهران. أخذت العنوان ولم أتوان في الذهاب الى بيته.

طرقت الباب، فجاء الخادم وفتح الباب، واستغرب أن يرى شابا معمماً يطرق باب بيت الفيروزكوهي، إذ لم يعهد الرجل أن يرى معمما يطرق هذا الباب. سألته عن الاميري الفيروزكوهي. قال: حضرتك؟ ! أخبرته. ذهب، ثم عاد وقال: غير موجود! ذهبت وعدت ثانية، وما إن فتح الخادم الباب حتى قال فوراً حين رآني: غير موجود!! أخذت قصاصة ورقة كانت في جيبي، وكتبت فيها سطورا لا أتذكر نصّها الآن، ولكنها كانت تعبّر باختصار عن معرفتي بالشاعر ورغبتي في لقائه، كما كانت العبارات تبيّن تذوق كاتبها للأدب. سلّمت الورقة للخادم وقلت له: سأعود في الوقت الفلاني. في الموعد المقرر طرقت الباب، خرج الخادم وقال فورا: تفضل! دخلت البيت فاذا أنا أمام رجل طويل نحيف في عينه بريق خاص تقرأ فيه الذكاء والحنكة والنجابة. احتضنني وعانقني وراح يردد عبارات الودّ والثناء. ثم سأل عنّي فعرّفته على نفسي، ومن ذلك الحين توطدت بيننا صداقة حميمة استمرت حتى وفاته (رحمه اللّه).

كنت أقرأ عليه شعره فيفهم من قراءتي أني أفهم شعره وأتذوّق كلَّ محاسنه. وكنت أقف أحيانا على بعض النكات البديعة في شعره فيطير فرحا. وطالما ردّد قائلاً: لم أرَ من يفهم النكات والدقائق في شعري مثلك. كان يراني التذّ بشعره، فيشعر من تلذّذي بلذّة أكبر وأعمق!!

إضافة الى شاعرية الرجل الرفيعة فقد كان متفاعلا مع القضايا العربية والاسلامية. نرى ذلك مثلا في قصيدته التي أنشدها في الفتاة الفلسطينية المناضلة «شادية ابو غزالة»، وقصيدته الغرّاء في المبعث النبوي، وهي القصيدة التي نالت الجائزة الاولى في مسابقة أقامتها «حسينية إرشاد» بمناسبة المبعث النبوي الشريف. وكان الشاعر يأتي في الصيف الى مشهد حيث يقيم شهرين في بيت ابنته وكنت أزوره هناك أيضا.

وتواصلت العلاقة بيني وبينه بعد الثورة الاسلامية أيضا وأرسل لي بمناسبة انتخابي رئيسا للجمهورية قصيدة تهنئة لم يحوها ديوانه المطبوع. لكن الديوان يحمل قصيدة غزلية وجهها اليّ.

والرجل على اطلاع واسع على الادبين العربي والفارسي وكان ينشد بالعربية أيضا، وفي السطور التي كتبها في دفتر مذكراتي بيت بالعربية:

أذوب غراما وهي بين جوانحي‏

وكان حاضر الذهن في قضايا الأدب وتاريخه. كنت أتحدث معه أحيانا بالتلفون كلما وقعت على نادرة أدبية ونكتة ظريفة في تاريخ الادب فأراه واقفا عليها. من ذلك أني كنت أقرأ في الاغاني عن سَلَم الخاسر وسبب تسميته بالخاسر لأنه استبدل عودا بمصحف ورثه عن أبيه. فاستظرفت الرواية ورفعت سماعة التلفون واتصلت بالاميري وقلت له: كنت أقرأ عن سلم الخاسر. قال فورا: هذا الخاسر الذي استبدل عودا بالمصحف؟ ! ويدل هذا على اطلاع واسع بالادب العربي أيضا.

والرجل يحتل في الواقع موقع القمة في الادب الفارسي المعاصر. وحين توفي كنت آنئذ أعربت فيه عن أسفي العميق لفقدانه، وقلت فيما قلت في ذلك النداء: إن الفيروزكوهي كان متربّعاً على أكبر صُفّة من الشعر، ونزل من الصفّة، ولم يأت أحد مكانه، وخربت الصفّة.

ومن مظاهر اهتمامي بالأدب خلال مدة بقائي في قم هو «دفتر الذكريات» الذي يضمّ كتابات لأكابر الأدباء مثل الفيروزكوهي وجلال همائي بخط يدهم.

وأذكر هنا أني كنت أجمع غرر القصائد التي أقرأها في كراسات. كانت لي كراسة بالقصائد، وأخرى بالقطعات، وأخرى بالغزل… وضاعت جميعا الاكراسة الغزل التي تحمل عنوان «سفينة الغزل».

يحضرني أني تعرفت على مجمع «كمال اسماعيل»، وكان فيه «صغير اصفهاني» وهو من أكابر شعراء إصفهان، ويقع في زاوية من «مدرسة چهارباغ» وتحت إشراف الدولة. قصدنا المجمع أنا وصديقي المرحوم «السيد جعفر القمي» فوجدنا فيه طاولة كبيرة تحيطها كراسٍ وثيرة. جلس الاكابر في المقدمة، وكنا معممين وضيوفا فجلسنا في الوسط. وكان الشعراء يقفون في مكان خاص وينشدون أشعارهم. وعرفنا منذ القصائد الاولى التي أُلقيت أن الفرق شاسع بين هذا المجمع ومجمع فردوسي في مشهد من حيث المستوى الشعري. فالقصائد كانت ضعيفة رغم ماكان يحيط بالجلسة من فخفخة وأُبّهة.

تشجّع صديقي السيد جعفر الذي كان ينشد شعرا لايرقى الى مستوى شعري، فألقى أبياتا أثارت استحسان الحاضرين. ثم حان دوري فتلوت غزلا أو غزلين من أشعاري، فقامت قيامة المجتمعين مستحسنين ومستعيدين، وصفقوا وهنّأوا. وكانت فرصة للتعرف على أدباء إصفهان.

بعد عودتي من قم الى مشهد كانت أمور النهضة التي فجرها الامام الخميني شغلي الشاغل، فانهمكت فيها وفي مواصلة دروسي، وأصبح أمر الأدب لي بالدرجة الثانية من الأهمية، لكنني لم أتخلَّ تماما إذ ليس ذلك من طبيعتي أبدا. غير أنَّ اهتماماتي الحركية دفعتني الى التوجه نحو الشعر الثائر.

حاولت في هذه الفترة تحريك الطاقات الشعرية لبعض شعراء مشهد وتوجيهها نحو الواقعية الثورية، وظهرت قصائد في الامام المنفي عن الوطن وفي بعض رموز المعارضة. وأصبح ارتباطي في هذه الفترة بالشاعر قدسي أوثق، والرجل أوقف جُلَّ شعره لخدمة قضايا النهضة الاسلامية.

وفي هذه المرحلة عدت الى الروايات بعدما انقطعتُ عنها تقريبا، ولكن الى نوع خاص من الروايات شاع في ايران خلال تلك الفترة، وهي الروايات الروسية التي تحمل طابعا متمردا على الواقع الاقطاعي والرأسمالي. وسبب شيوع تلك الروايات أنّ نظام الشاه فسح المجال، لأسباب لامجال لذكرها الآن، لتيار اليسار الايراني أن يمارس نشاطه في حدود المسائل الثقافية. ونشط هؤلاء في ترجمة روائع الادب الروسي سواء لمن كان منهم قبل الثورة الروسية أمثال دوستويفسكي وتشيخوف أو الذين كانوا بعد الثورة أمثال: غوركي، وماياكوفسكي، والكسي تولستوي، وشولوخوف، وقرأت معظم ماصدر من هذه الروايات إن لم يكن كله، ولكن لابذلك الاهتمام لاحتياج قراءة الرواية الى وقت وفراغ لم أكن أملكه قط في مشهد بعد عودتي من قم بسبب المهام الرسالية والعلمية.

ومع قيام الثورة الاسلامية ذهلت عن كل شي‏ء لاعن الأدب وحده. عن الاهل والاولاد والمعاش. ثم حين انتخبت رئيسا للجمهورية وجدتني أمام مسؤوليات جديدة. ومن مسؤولياتي توجيه الساحة الادبية والفنية في ايران وجهة رسالية. ولابُدَّ لمن يريد أن يتولى هذه المسؤولية أن يكون حاضرا في ساحة الأدب بل أن يكون من روّادها، فعدت الى قراءة دواوين الشعراء والاصدارات الادبية القصصية والروائية، واستجدّ لي اهتمام بالافلام السينمائية والوثائقية لأنها أصبحت جزء من حياة عامة الناس بعدما كانت الجماعة المؤمنة بعيدة عنها قبل الثورة الاسلامية.

اشتركت في معظم المهرجانات الادبية التي أقيمت في طهران وسائر مدن الجمهورية الاسلامية بحضوري فيها مباشرة أو بتوجيه نداء غني في محتواه الأدبي والعلمي. من ذلك اشتراكي في مؤتمر حافظ ومؤتمر سعدي ومؤتمر إقبال. وكان لي أحاديث مسهبة مع مجاميع الأدباء والمهتمين باللغة الفارسية والمشتغلين بالفنون. ولم تكن هذه المشاركات شكلية رسمية، بل كانت مشاركات علميّة جادّة، اعترف حتى المتخصصون في موضوعات تلك المهرجانات أني قدمت لهم ماهو عميق وجديد وجميل في موضوعه.

وأدباء ايران اليوم والفنانون الملتزمون يعلمون تماما أنّ على رأس النظام من هو مهتم أشدّ الاهتمام بأمورهم وبدفع عجلة مسيرتهم نحو النضج والتكامل.

ويعكف بعض الاخوان الآن على جمع ما كتبته أو تحدثت عنه في مجالات الأدب واللغة والفن لاخراجه في ثلاثة كتب.

ومنذ أمد قريب عدت الى انشاد الشعر، وقرأته على بعض الخواص، فتعجبوا مما سمعوا لأن الشعر يحتاج الى وقت، ويعرف من يعاشرني عن كثب أني لا أملك هذا الوقت. ثم أعربوا عن أسفهم لانقطاعي الطويل عن استجاشة مقدرتي الشعرية.



[ Web design by Abadis ]