ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 كيف حُرّرت هذه السطور

لم تكن الثورة الاسلامية في إيران حدثا طارئاً عارضاً، بل هي ذات جذور ضاربة في أعماق تاريخِ هذه الامة وأفكارها ومعتقداتِها وعواطفِها.

ولم يكن ظهور القادة الحقيقيين لهذه الثورة على الساحةِ وليدَ صدفة وفجاءة، إذ إن التحامَ الأمة بهم، وقدرتَهم على تفجيرِ الطاقات ودفعِها الى معركة الهدم والبناء، وصمودَهم أمام التحديات والمغريات إنما هو حصيلة مسيرة طويلة شاقة رفعتهم الى مستوى التفاني من أجلِ الرسالة، وحمل هموم الأمة، والتفاعل مع آلامها وآمالها، وجعلتهم أهلاً لأن يرفعوا صوتَ الاسلام في هذا العالم الصاخب الملي‏ء بضجيج الجاهلية الحديثة.

وصاحب هذه المذكرات واحد من أولئك الذين طوَوا هذه المسيرةَ اللاحبةَ، وساروا باصرار على طريق ذات الشوكة، فكان موقعُه من مفجّر الثورة الاسلامية - رضوان اللَّه عليه - كالضوء من الضوء والذراع من العضد، ثم شاء اللَّه أن يواصل مسيرة القيادة بعد الامام الراحل.

كل المتخصّصين في اللغة العربية وعلوم القرآن ممّن يعرفون عن كَثَب صاحبَ المذكرات يُلفت نظرهم فيه وَلعَه المتميّز بالقرآن واللغة العربية، وحين يستطلعون الامر يعرفون أنه عشق اللغة العربية من يوم أن عشق القرآن، وتذوّق حلاوتها وتشرّب بلاغتَها منذ نعومة أظفاره، حين كان في «الكُتّاب» يقرأ الجزء الثلاثين من كتاب اللَّه العزيز.

وبقي بعدها خلال كلِّ مراحلِ حياته يعيش أجواء هذه اللغة من خلال القرآن والحديث ونهج البلاغة والجيّد من الشعر العربي والنثر العربي.

كلما التقى من يُحسن هذه اللغة نظماً ونثراً ومحادثةً يحاول أن يعيش معه لحظات حوار ومناقشة في شتّى أمور الادب والحياة… يحسّ بلذّة وهو يستمع الى هذه اللغة… وبلذّة أكبر وهو يتحدّث بها.

بعد أن فُوّضت اليه المسؤوليات الاخيرة لم ينقطع شوقُه الى اللغة العربية وهيامُه بها.

نعم… هو لم ينقطع يوما في حياته العلمية عن هذه اللغة على صعيد المطالعة والبحث والدراسة والتدريس والترجمة… غير أنه يرى في عالم الادب العربي القديم والحديث، والمحادثة بالعربية في شتّى شؤون الحياة ما يجعل هذه اللغة حيّةً في النفس، جميلة في الذوق، قادرة على شدّ أجزاء الامة من المحيط الى المحيط.

من هنا كانت له - رغم تراكم الاعمال - جلسات أسبوعية يتحدث فيها بالعربية عن مختلف الامور، ويقرأ خلالها نصوصا من الادب العربي حديثِه أكثر من قديمه.

كان يعود في بعض كلامه الى ذكرياته عن السجون والمعتقلات والمنفى، وكانت مزيجا من تجارب شخصية وتجارب اجتماعية.

قيل له في بعض تلك الجلسات: إن تحرير هذه الذكريات ضروري، واطلاع المسلمين عليها مفيد. فاستجاب مشكورا للطلب وبدأ يملي مذكراته، من بداية حياته. وهذا الذي نقدمه للقاري‏ء هو الجزء الخاص بالسجون والمعتقلات فقط.

نشير مرة أخرى الى أن هذه المذكرات أمليت باللغة العربية، وسيطّلع عليها أولاً قرّاء اللغة العربية. وهذه عزّة للغة القرآن، ومفخرة أخرى من مفاخرها في مقدرتها على توحيد الامة المسلمة، وتجاوز كلّ الفوارق الجغرافية والقومية واللغوية بين المسلمين.

إن هذه الوثائق الهامة من تاريخ النهضة الاسلامية وقائدها ستعين كلَّ الباحثين في تاريخ الحركة الاسلامية المعاصرة على معرفة تفاصيل لا غنى لهم عنها، وستزوّد العاملين في سبيل اللَّه بتجارب ثرّة في حقول شتّى‏، وستكون لكلِّ قارئ جولة ممتعة مفيدة ذات معطيات فردية واجتماعية.

وبعد: فمن حقّ صاحب المذكرات أن ننوّه هنا الى خلوّ هذه الأمالي من الأسلوب الفني في التأليف، لأنها أُلقيت شفاها، كما أنها لا يمكن أن تكون مستوعبة لكل مفردات العناوين المطروحة، لأنها تضمّ فقط ما أسعفت الذاكرة لدى الحديث في تلك الجلسات بوقتها المحدود.

وملاحظة أخرى ترتبط بضبط الحوادث بالتاريخ الهجري الشمسي في هذه المذكرات، ويختلف عن التاريخ الهجري القمري باحدى وأربعين سنة تقريبا، والهجري الشمسي هو المستعمل في ايران بدل الميلادي الشمسي المستعمل في معظم العالم الاسلامي. ففي ايران تاريخان شمسي وقمري وكلاهما هجريان.

والحمد للَّه أولا وآخرا…

مقدمة

حين لبيت نداء الامام الخميني (رضوان اللَّه تعالى عليه) منذ انطلاق نهضته وأنا في عنفوان شبابي، ونهجتُ طريق مقاومة السلطة الغاشمة، كنت أعلم أنه طريق مفروش بالدماء والدموع، ولذلك كنت مستعدا نفسيا لتحمل كل ألوان البطش والتنكيل. وهذا الاستعداد بدا عليّ بوضوح حين واجهت التجربة الاولى في الاعتقال عندما قُبض عليَّ في مدينة «بيرجند». ونتيجة لهذا الاستعداد استطعت بفضل اللَّه ومَنّه وتوفيقه أن أواصل الطريق رغم توالي السجون والاعتقالات والتهديدات وألوان الحرب النفسية والتعذيب الجسدي.

ومنذ بداية النهضة الاسلامية سنة ١٣٤١ هجرية شمسية (١٣٨٢هجرية قمرية) حتى قيام الثورة الاسلامية في إيران كانت عدد المرات التي اعتُقلت فيها ثم سجنت ستاً. وفي مرة واحدة اعتقلت ثم نُفيت، واستدعيت مرات لا تُحصى الى مقر «الساواك» للتحقيق.

ولابدّ أن أذكر في المقدمة أن السجن لم تغفله الانظمة والشرائع القائمة على أساس الحكمة والمصلحة الانسانية، وله في الشريعة الاسلامية أحكامه الخاصة.

والسجن موجود في الجمهورية الاسلامية، ولكنه سجن يتجه بشكل عام - ولا أريد أن أنكر وجود بعض الاخطاء - الى إصلاح السجناء وتأهيلهم لحرفة يستطيعون أن يعيشوا بها - بعد اطلاق سراحهم - حياة كريمة. وفي سجوننا اليوم يشتغل السجناء غالبا بمختلف الحرف المنتجة، وتعود أرباح عملهم عليهم. وإذا دعت الضرورة العائلية أو غير العائلية لاطلاق سراح السجين موقتا يطلق سراحه لكي يعالج مشكلته ثم يعود.

أما في سجون الشاه فلم يكن الامر كذلك لان تلك السجون كانت إما للانتقام من الفرد، أو لحجزه كي لا يستطيع أن يفعل شيئاً. وهذا ما تلمسته بنفسي في كل ما عانيته من سجون نظام الطاغوت.

ثم لا بأس أن أذكر قبل سرد ذكريات السجون والمعتقلات أمورا:

منها أن معتقلات رجال الدين [١] لم تكن شديدة في البداية، فلم يكن المكوث فها طويلا، ولم يكن فيها التعذيب الجسدي، لكن كان فيها جميع ما ذكرته من خصائص سجون الشاه، ثم اشتدت بالتدريج مع تصاعد النهضة الاسلامية، فدخل فيها التعذيب وألوان الضغوط والاحكام الطويلة الامد وأمثالها من الممارسات العنيفة.

ومنها أن السنوات الست عشرة التي بدأت بسجني الاول وانتهت بخروجي من المنفى إبان الثورة الاسلامية كانت قد شهدت حملة اعتقالات واسعة لرجال الدين، وكان عدد رجال الدين المعتقلين فيها أكثر من عدد أية فئة سياسية أخرى من الجامعيين أو الكسبة نسبيّاً، بل كان في بعض الاحيان يفوق عدد جميع المعتقلين السياسيين من كل الفئات.

ومنها أن مجموع ما أمضيته في السجون خلال الاعوام المذكورة يزيد قليلاً على سنتين، ولكنها كانت تعادل أضعاف هذه المدة، لانني كنت في جميعها ملقى في الزنزانات. ولم أكن يوما في السجون العامة. والزنزانة بالنسبة الى السجن العام هي كالسجن بالنسبة الى خارج السجن. والانسان في الزنزانة يعدّ الايام لينتقل الى السجن العام، وكأنه يقبل على عملية إطلاق سراح. لكني لم أر السجن العام أبدا. وكنت أشتاق جدا لأراه، لما أسمعه من رفاقي عن هذا السجن وما يجدون فيه من فرصة للتعليم والتعلّم فيما بينهم والمعاشرة وبعض الالعاب الرياضية، وأنا كنت محروما منها.

بعد هذه المقدمات نبدأبذكريات السجن الاول.

السجن الاول‏

في خرداد سنة ١٣٤٢ هجرية شمسية (وهو الشهر الثالث من فصل الربيع، وفيه وقعت تلك السنةَ المجزرةُ العظيمة في طهران وبعض المدن الأخرى، وقُتل فيه آلاف المواطنين، وصادف شهر محرّم من سنة ١٣٨٣ه. ق) كنت في مدينة «بيرجند». وكان ذهابي الى تلك المدينة آنئذ ضمن خطة مرسومة استهدفت فضح أعمال السلطة وانتهاكها لحرمة علماء الدين في مدينة قم وفي المدرسة الفيضية بالذات، والكشف عن الخطط التي بيّتها النظام لمسخ الهوية الاسلامية للشعب الايراني المسلم.

* * *

وبمناسبة ذكر حوادث قم لا بأس أن أشير باختصار الى ماحدث في تلك السنة وفي السنة التي سبقتها.

بدأت حركة الامام خريف سنة ١٣٤١هجرية شمسية (١٣٨٢ه. ق) حين أعلن استنكاره لقرار حكومي بشأن تبديل القَسَم بالقرآن الى القسم بالكتب السماوية، وقرارات من أمثالها كانت تستهدف إضعاف شوكة الاسلام في ايران والتحرّش بعلماء الدين.

أمام الضجة التي سادت البلاد تنازلت الحكومة بعد شهرين عن قرارها، ولكن بيّتت خطة أخرى.

بعد هذا التنازل بشهر عرض الشاه ستّ لوائح في مواضيع شتى سميت «اصلاحية» وهي في الواقع مشاريع أمريكية. استنكر الامام مشاريع الشاه هذه أيضا.

أعلن الشاه إجراء استفتاء صوري على هذه اللوائح، فاستنكر الامام الاستفتاء كذلك.

وحينما اشتدت حدّة المجابهة عمد الشاه الى تحدّي الامام وكلّ علماء الدين. جاء الى قم… الى عقر دار علماء الدين. ووقف في ميدان يقع وسط المدينة (أمام مرقد السيدة فاطمة بنت الامام موسى بن جعفر)، وألقى خطابا متهتكا تهجّم فيه على علماء الدين، وأسماهم بالرجعيّة السوداء وكان متوترا في كلامه ومضطربا. وبذلك أقدم على مناورة خطرة.

لم ينثنِ الامام عن مواصلة الطريق، فراح يصدر البيانات يوميا، أو بين يوم وآخر، وهي تحمل لهجة حادّة صارمة.

في مثل هذا الجو أجري الاستفتاء، وكانت المشاركة الشعبية ضعيفة رغم حالة البطش والارعاب.

الامام صعّد الموقف بعد الاستفتاء فناقش العملية والنتيجة وفي خضمّ هذا التصاعد ظهرت بدايات الانفصال بين الامام بعض آخر من المراجع.

اقترب حلول السنة الهجرية الشمسية الجديدة، واعتاد الايرانيون على الاحتفال في رأس السنة باستقبال الربيع بفرح وبهجة وملابس جديدة وتزاور و… ولكن الامام أعلن قبل ذلك أننا في حالة حداد، وليس لنا عيد هذا العام.

وسبب هذا الاعلان هو الهجوم على مظاهرة سلمية في طهران ضمت مجموعة من المؤمنين وفيهم «السيد أحمد الخوانساري» وهو من مراجع ايران آنئذ. لقد كان اشتراك «مرجع» في مظاهرة شعبية أمرا عجيباً. والاعجب منه هجومُ جلاوزة الشاه على مثل هذه المظاهرة التي تضم هذا المرجع الكبير، واعتداؤهم على المتظاهرين بالضرب، حتى أصيب نفس السيد الخوانساري بضربات عديدة!!

بعد إعلان الحداد لبس كل طلبة العلوم الدينية الشباب ملابس سوداء كما جرت العادة في الحداد. بعضهم اكتفى بقميص أسود وبعضهم زاد على ذلك.

صادف اليوم الاولى من أيام السنة الجديدة يومَ ٢٤ شوال، واليوم التالي ذكرى وفاة الامام «جعفر بن محمد الصادق‏عليه السلام».

نظام الشاه بيّت خطة للانتقام من علماء قم في هذا اليوم بالذات. جاء الى قم مجموعة من حرس الشاه الخاص، وكانت خطتهم تقتضي إثارة فتنة في مجالس العزاء المقامة بمناسبة وفاة الامام الصادق‏عليه السلام، ثم بعدها يبدون سطوتهم وقوتهم، ويبطشون بالعاملين في الحوزة العلمية.

حوّلوا مجلس العزاء في «المدرسة الفيضية» الى مأساة كبيرة وسَمَت نظام الشاه بعار لا يفارقه. هجم الجلاوزة على الطلاب فضربوهم، وقتلوا بعضهم، ورموا بعضهم من السطح الى فناء المدرسة، وأخرجوا أثاثهم البسيط المتواضع من غرفهم وأحرقوه، وفعلوا ما فعلوا مما يطول شرحه.

على أثر حادثة الفيضية أثار الامام ضجّة كبرى، وأقام الدنيا ولم يقعدها. وكثّف أتباع الامام جهودهم لفضح ما ارتكبته السلطة في المدرسة الفيضية ولتوعية الناس على خطة النظام الرامية لقمع علماء الدين.

ثم خطط الامام لشهر محرم، (وهو الشهر الذي يتضمّن يوم «عاشوراء» … يومَ مقتل الامام الحسين عليه السلام وأولاده وأصحابه) وفي هذا الشهر تنشط الحوزة العلمية للاتصال بالجماهير في كل المدن والقرى من خلال مجالس العزاء الحسيني ومنابر الوعظ والارشاد التي تقام بشكل شعبي واسع خلال هذا الشهر.

وكانت خطة الامام تقضي أن يبدأ الخطباء بفضح أعمال السلطة على المنابر ابتداء من يوم ٧ محرم، وهيئات العزاء الجماهيرية تبدأ بهذه العملية من اليوم التاسع. وأُبلغ العلماء والمراجع بالخطة، وأنا كنت من رُسل ابلاغ الخطة، فقد بعثني - قدس اللَّه روحَه - الى مدينة مشهد لاخبار «السيد الميلاني» و «السيد القمي» بقراره. ثم في بداية محرم توجهت الى مدينة «بيرجند» لأقوم بمهمة فضح السلطة وفق خطة الامام.

* * *

اخترت بيرجند لأنها كانت قلعة «أمير أسد الله علم» الذي كان يشغل يومئذ منصب وزير البلاط على الظاهر، بينما كان في الواقع أكبر من هذا المنصب بكثير. كان رجلا مقتدرا في البلاد، ومذكرات «فردوست» [٢] تشرح في المجلد الثاني مكانةَ «علم» في ايران.

لقد اكتسبت أسرة «عَلَم» هذه المكانة جرّاء خدمتها المخلصة للبريطانيين، وكان لها دور كبير في شيوع الأفيون بمنطقة خراسان.

فهي أسرة عريقة في العمالة وفي خدمة الأجانب. كنت قد ذهبت قبل هذه السفرة مرتين الى بيرجند ورأيت سطوة هذا الرجل في تلك المنطقة. خطبة المواسم الدينية كانت تقرأ باسم «عَلَم». وكل علماء الدين يشاركون في المجلس، والويل لمن لايشارك. وفي شهر محرم من إحدى السنين كنت في بيرجند وسمعت الخطيب يتلو آيات الثناء بالعربية على «عَلَم» ولا أزال أتذكر عبارته يتلوها بصوت ممتد: «صاحب السيف والقلم… أمير أسد اللّه علم» !!

كان أغلب أعيان بيرجند من خدم «علم» وخَوَله بشكل مباشر أو غير مباشر. حتى المشاهير من أمثال رئيس جزيرة «كيش» السابق كانوا خَدَما لِعَلم.

والشاه إذا أراد أن يقضي فترة استراحة تامة يذهب الى بيرجند ويحلّ في أحد بساتين علم. وكانت هذه البساتين الخاصة معروفة بالخمور المعتّقة وبالمهرة من الطباخين.

كان لي في بيرجند أصدقاء تعرفت عليهم خلال السفرتين السابقتين. وصلت في ٣ محرم، وهو يوم متأخر بالنسبة لمن يريدون أن يعتلوا المنبر في منطقة من المناطق. فلابدّ أن يأتي الخطيب قبيل محرّم لكي يُرتَّب له مجلس، غير أن الاصدقاء وفّروا لي فرصة اعتلاء المنبر في عدة مساجد.

* * *

حان يوم ٧ محرم، وهو اليوم الموعود الذي أوصى فيه الامام الخميني أن يبدأ الخطباء بفضح السلطة. صادف هذا اليوم الجمعة، ورتبت الامرَ لأَن أُدعى الى مجلس كبير في «مسجد المصلّى‏». لم تسنح الفرصة لأن أبدأ بالخطابة حتى قُبيل المغرب، لأن خطيبا آخر كان من المقرّر أن يرتقي المنبر قبلي، أطال هذا الخطيب حديثه بشكل غير معهود، وكنت قلقا على ضياع الفرصة الثمينة، غير أنه أنهى وعظه قبل ٢٠ دقيقة من صلاة المغرب، فاعتليت المنبر. وفي هذا الاجتماع الحافل بالناس نفثت كلَّ مافي صدري، وقلت كلَّ شي‏ء. بدأت بذكر خطّة الاجانب في فصل الدين عن الحياة، وواصلت الكلام باستعراض مؤامرة النظام على الاسلام والمسلمين وعلى علماء الدين، ثم اختتمت بذكر ما جرى في المدرسة الفيضية وشرحت حوادث يوم الثاني من فروردين. ضجَّ الناس بالبكاء، وساد الجوَّ هياج عظيم، ثم اختتمت حديثي بذكر مصيبة الحسين بن علي عليه السلام على العادة الجارية، لكن بكاءهم على الحسين ماكان أكثر من بكائهم في ذكر مصيبة «الفيضية».

واصلت إلقاء مثل هذه الخطب حتى اليوم التاسع من محرم إذ ألقي القبض علي، وأُخذت الى مركز الشرطة، وهذه تجربتي الاولى مع أجهزة التحقيق البوليسي. لم أرَ قبل ذلك اليوم مركز شرطة. أدخلوني على ضابط شاب برتبة ملازم، فأخذ في تقريعي وتأنيبي بلهجة حادة وبأوداج منتفخة.

أجبته بهدوء تام: أنت لا تملك أكثر من إعدامي، وصلاحيتك لاتخولك أن تعدمني، ومابيدك أقل من الاعدام، فافعل ماشئت. فأنا مستعد… لأني حينما خرجت من بيتي أعددت نفسي للموت، فلا تتعب نفسك.

ماكان الضابط يتوقع هذا الردّ، فاستغرب وبَهُتَ، وهدأت ثورته، وتغيّرت لهجته، وراح يردّد: ماذا أقول لك؟ ! ثم سكت برهة وقال: هل لك أب أو أم أو زوجة؟ قلت: لي أب وأم ولست متزوجا. أعاد كلامه متحيرا: ماذا أفعل بك؟

قلت له: أنا مأمور وأنت مأمور: فأدِّ مهمّتك وأنا أؤدّي مهمّتي.

بقيت في مركز الشرطة حتى ظهر يوم عاشوراء. لم أكن أعلم بما يجري خارج المعتقل، علمت بعد ذلك أن الاوضاع في كل ايران كانت حُبلى بحوادث جسام. وفي نفس بيرجند كانت الأوضاع معرضة للانفجار حين اعتقالي، كما حكى لي فيما بعد «آية الله التهامي»، وهو الرجل المتميّز بين علماء بيرجند وكان فقيها أديبا خطيبا شجاعا.

قال لي التهامي: كان الناس متأهبين لمحاصرة مركز الشرطة من أجل إنقاذك من المعتقل، وكانوا على استعداد للاصطدام بالبوليس. والهيئات الحسينية كانت تراجعني في هذا الأمر.

يبدو أن المسؤولين علموا بذلك، وخافوا أن يحدث في بيرجند ماحدث في طهران وسائر المدن الايرانية من انفجارات شعبية عارمة. ولذلك عقدوا اجتماعاً طارئاً لمجلس أمن المدينة، وكان لهذا المجلس صلاحيةُ إصدار حكم النفي، فأصدر حكما بنفيي الى مدينة مشهد!! يبدو أن المسؤولين أرادوا أن يمتصوا نقمةَ الناس قبل النفي، فأطلقوا سراحي، واشترطوا عليَّ أن لا أرتقي منبرا.

كان الناس ينظرون اليَّ باستعطاف، وأنا كنت مسروراً بهذا الانشداد العاطفي بين جماهير هذه المدينة، المرهوبة من سطوة عَلَم، وبين دعاة الاسلام.

* * *

خلال الأيام التي قضيتها في بيرجند بين الاعتقال والنفي (١٠ - ١٥ محرم) كان الوضع في كل إيران يموج بحركة متفجّرة بوجه السلطة. في طهران تحولت مجالس العزاء الحسيني الى نياحات ثورية أرهبت الطاغوت. وفي العاشر من محرم ألقى الامام الخميني في قم كلمته التاريخية التي كانت بداية النهاية لنظام الشاه، وفي الثاني عشر من محرم (وهو يوم ١٥ خرداد المعروف في تاريخ ايران المعاصر) اعتقل الامام.

وخلال هذه الايام قَدِم محقق عسكري برتبة عقيد من مشهد الى بيرجند وطلب أن يراني. ولحدّ الآن لا أدري ماهي المهمّة التي جاء من أجلها. قال لي:

سوف نرسلك الى مشهد، لكن الأمور مضطربة هناك، واعتُقل عدد كبير حتى لم يبق مكان في سجون مشهد.

وأخذ يصوّر لي اضطراب الاوضاع في مشهد محاولاً إلقاء الرعب في نفسي. ثم قال:

من الأفضل أن تبقى بضعة أيام في بيرجند ريثما تستقرّ الأوضاع!

يبدو أن مهمة هذا العقيد كانت مقتصرة على إبلاغي كلامه المذكور. ولكن لماذا بعثوا شخصا من مشهد ليبلغني هذا الكلام، بينما كان بالامكان إبلاغه بواسطة عسكري من بيرجند؟ ! ثم لماذا برتبة عقيد؟ ! يبدو أن الاضطراب بلغ مداه في أجهزة الدولة وراح يُحسَب ألفُ حساب لكل شي‏ء.

في ١٥ محرم أرسلوني مخفورا الى مشهد يصحبني ٣ شرطة. والمسافة بين بيرجند ومشهد ٥٤٠ كيلومترا طوتها سيارة «الجيب» العسكرية التي أقلتنا بسرعة فائقة دونما توقف، اللهم الا وقفة قصيرة عند مقهى على قارعة الطريق لتناول الطعام، بينما اجتزنا في طريقنا عدة مدن منها «قائن» و «گناباد» و «تربت حيدرية».

كان الشرطة المرافقون في حالة ذعر وخوف. وحين وصلنا مشهد سلموني الى أحد مراكز الشرطة، وأمضيت ليلة صعبة هناك. كانت دوريات الشرطة تجوب الشوارع والأزقة على ظهور الخيل. وفي الليل امتلأ فناء المركز بالشرطة المناوبين الذين اغتنموا فرصة استراحتهم ليهجعوا فيه، وما بقي لي مكان للاضطجاع، فأخذوني الى غرفة ضيقة، وفي الصباح سلّموني الى مبنى الساواك، ومنه الى سجن المعسكر في مشهد. وكان فيه عدد من السجناء أكثرهم من الشباب لاشتراكهم في المظاهرات أو توزيع البيانات، أو من الخطباء وطلّاب الحوزة والجامعة. وأذكر منهم شخصيات دخلت بعد ذلك مسرح الكفاح السياسي والحركي، منهم «پرويز پويان» الذي أصبح في أواخر الاربعينات (الهجرية الشمسية) من قادة الحركة اليسارية المسلحة، وقتل في إحدى العمليات المسلحة. ومنهم «الشيخ فاكر» وهو الآن من أعضاء مجلس الشورى الاسلامي.

حين دخلت غرفة السجن التي لم تكن تشبه الزنزانات التي الفتها فيما بعد أَسست في الساعات الاولى بالغربة والوحدة، لم أكن أعرف من هم السجناء الموجودون في الغرف المجاورة ولا عددهم، ورغم أنهم يجاوروني شعرت أني بعيد عنهم كلّ البعد.

بعد فترة قصيرة سمعت صوتا من الغرفة المجاورة يتغنّى ببيت من الشعر، وفي الصوت من الايقاع وفي البيت من المعنى مايبعث السكينة في النفس والعزيمة على مواجهة الموقف. والبيت من شعر جلال الدين الرومي في ديوان المثنوي ويقول:

ما نداريم از قضا حقّ گله‏

عار نبود شير را از سلسله‏

أي (لا يحقّ لنا أن تعتب على القضاء

وليس القيد عار على الاسد)

عرفت صاحب الصوت، فهو من خطباء مشهد المشهورين وعلمت أنه أيضا قد سُجن.

تعرّفي على جاري السجين وسماع ما أنشده بعثا في شعورا بالراحة أزال عنّي وحشة الغربة.

* * *

لم يكن المبنى من سجن المعسكر الذي يعتقل فيه العسكريون، بل لم تكن سجنا أساسا، فقد مستودعا حوّلوه الى سجن على أثر الاوضاع المتفجّرة في البلد، فقد دفعت هذه الاوضاع السلطة الى إعداد سجون ومعتقلات مستعجلة، من هنا لم تكن الغرف صالحة للسكن أبدا، والغرفة التي أودعوني فيها في البداية كانت عالية الرطوبة بحيث اجتمع الماء في أرض الغرفة، ولذلك نقلوني بعد ساعات الى غرفة أخرى.

* * *

كنا نخرج صباح كل يوم الى أعمال السُّخرة، ومن ذلك قلع الأعشاب والنباتات الطبيعية من ساحة المعسكر. كانت الساحة مملوءة بالنباتات الطبيعية، وكنت أزمزم وأنا أقتلعها:

«مرا به كار گُل گماشتند، نَه همچُو اُستادِ فارسْ به كارِ گِل» [٣].

كانوا يجبروننا على تسطيح الممرات داخل المعسكر، وبَعد انتصار الثورة، زرت المعسكر نفسه، وألقيت فيه كلمة قلت ضمنها للعسكريين: أنا اشتركت في تسطيح أكثر ممّرات هذا المعسكر.

* * *

بقيت هناك أكثر من أسبوع، وخلاله حلقوا لحيتي، وهذه هي المرة الأولى التي حُلقت فيها لحيتي، وحُلقت ثانية في اعتقال آخر سأذكره في موضعه.

بالنسبة لحلق اللحية فقد كنت قد سمعت أن اللحية تحلق في المعسكرات حلقا جافا بالموسى دون استعمال الماء والصابون. وهي عملية فظيعة مؤلمة، لذلك كنت في الطريق من بيرجند الى مشهد أعوّد نفسي لاستقبال هذه اللحظات الرهيبة بايذاء بشرة وجهي. ثم حانت ساعة حلق اللحية. وجاء الحلاق، وكنت أنظر اليه مضطربا. فتح حقيبته، وأخرج منها ماكنة الحلاقة، تنفست الصُعَداء، وعلمت أن الأمر غير ماكنت أتصوره.

بعد الحلق، طلبت السماح لأذهبَ الى المرافق والى الوضوء. سمحوا لي أن أذهب مع عسكريين. وفي الطريق رآني ضابط شاب معروف بالوقاحة، فناداني من بعيد مستهزئاً: ياشيخ حلقوا لحيتَك؟ ! أجبته على الفور: لم أرَ ذقني منذ سنين، ولقد رأيته الآن والحمد للّه! وبذلك فوتُّ عليه فرصة التشفّي.

* * *

بعد مرور ثلاثة أيام على اعتقالي جاءني أحد ضباط السجن وقال: غدا سيطلق سراحك. تعجبت من الخبر وقلت في نفسي: لعلّ أحد الاصدقاء توسّط لدى من له ارتباط بالسلطة من أجل إطلاق سراحي. وإذ أنا أفكر في هذا الموضوع تفألت بالقرآن فكانت الآية الكريمة: «… لايستطيعون توصية ولا الى أهلهم يرجعون» (يس / ٥٠) … وحان اليوم التالي وحلّت الايام التالية فلم يطلق سراحي.

أيام هذا السجن مع قلّتها كانت رهيبة للغاية… فهي التجربة الاولى، ثم إنها كانت خلال أيام مخاض عظيم وصراع دموي عاشته البلاد. وكانت الأخطار محدقة بالحركة الاسلامية والدعاة المسلمين من كل جانب. والنظام يبطش دون رحمة.

وشاء اللّه أن يجعل «بعد عسر يسرا» واكتملت أيام السجن ثمانية أو تسعة، أطلق بعدها سراحي، مع سائر المعتقلين في ذلك السجن.

لا أنسى يوم الافراج، ففي عصر أحد الايام الاخيرة من شهر خرداد (وهي الايام الاخيرة من الربيع)، أطول أيام السنة) جاء أحد ضباط السجن وأخبرنا بنبأ الافراج. جمع كل منّا متاعه البسيط من ملابس وغيرها، ومكثنا ننتظر في غرفنا، ثم جمعونا في الدهليز الممتد بين الغرف، وفتحوا باب السجن، وقالوا: إذهبوا… هكذا بدون تسجيل أو مل‏ء استمارة مما يصحب عادة اطلاق السراح من السجن. ودّع بعضنا بعضا، واندفعت الى الشارع وطويته بخطى سريعة واتجهت الى دارنا التي لم تكن بعيدة كثيرا عن المعسكر.

كان يستولي عليّ شعور خاص وأنا متجه الى البيت، شعور هو مزيج شوق وخشية وخجل… الخجل من فقد لحيتي، والخشية من لوم والدي ربما سيقولان لي: لماذا تدخلت في أمور أدّت بك الى السجن؟ !

عندما وصلت البيت استقبلني الاهل أحرّ استقبال، تهلّلوا واستبشروا، وأول ما قالت لي أمّي - رحمها اللَّه - بعد أن جلسنا على بساط الشاي: إني أفخر بابن مثلك، يفعل ما فعلت في سبيل اللَّه… تنفّست الصعداء، وحمدت اللَّه، وكان لقولها هذا تأثيره في نشاطاتي على هذا الطريق.

السجن الثاني‏

كان اعتقالي الاول في أواخر ربيع سنة ١٣٤٢ هجرية شمسية (١٣٨٣ه. ق) وفي أواخر شتاء تلك السنة اعتقلت ثانية.

ولابد أن أذكر هنا شيئا عن نشاطاتنا التنظيمية التي رافقت نهضة الامام الخميني، لارتباطها بهذا الاعتقال.

أنشأنا خلال فترة النهضة منذ انطلاقتها حتى خروجي من قم (حوالي السنة ونصف السنة) أربعة تنظيمات، منها المتزامنة ومنها المتوالية.

- مجموعة علماء قم، وضمت عددا كبيرا من العلماء، وهي نفسها التي اتخذت بعد ذلك اسم «مجمع مدرسي الحوزة العلمية في قم» أو ما يعرف بالفارسية الآن «جامعه مدرسين». وكثير من أعضائها الحاليين لم يكونوا يعرفون دوري في تأسيس هذا التنظيم، وقد دُهش بعضهم حينما أخبرهم الشيخ ابراهيم الاميني بذلك. وطالما كرر الشيخ الاميني ذلك حين لقائي باعضاء «جامعة مدرسين».

- ومنها مجموعة الاحد عشر، وهم أنا، والهاشمي، وأخي السيد محمد، والمصباح اليزدي (وهو كاتب هذه المجموعة)، والاميني، والمشكيني، والمنتظري، والقدوسي، والآذري القمي، والرباني الشيرازي، وهم الآن جميعا أحياء يرزقون ومن كبار العلماء والمسؤولين السياسيين في الجمهورية الاسلامية عدا اثنين منهم وهما: الشيخ القدوسي الذي استُشهد سنة ١٣٦٠ هجرية شمسية، أي في السنة الثالثة من انتصار الثورة الاسلامية بيد الزمرة المجرمة المعروفة في ايران باسم المنافقين، والشيخ الرباني الذي توفي سنة.

كانت هذه المجموعة أهم التجمعات الحركية في قم يومذاك، وخطّت لنفسها أهدافا بعيدة، واستمرت بضع سنين.

وكان المصباح اليزدي يكتب محاضر الاجتماعات في دفتر بلغة رمزية اخترعها بنفسه تشبه خطوط العلوم الغريبة. ولزيادة التمويه كتب في أوله بالفارسية: «وجدت كتابا في العلوم الغريبة واستنسخته، وربما كانت تلك المدونات موجودة حتى الآن».

- كان هناك تجمع آخر يضم بعض أعضاء المجموعة السابقة إضافة الى الشيخ الرباني الاملشي، والشيخ على أصغر مرواريد، وكان مهمّته اتخاذ القرارات العملية بشأن أمور الدعوة، من ذلك وضعها خطة توزيع الافراد على المدن ليعتلوا المنبر في شهر رمضان الذي تلا «انتفاضة خرداد» من أجل فضح السلطة فيما ارتكبته من جرائم بمدينة قم. وأنا في هذا التوزّع قررت الذهاب الى «زاهدان» حيث كان فيها اعتقالي وسجني الثاني.

* * *

بعد قرار ذهابي الى زاهدان استخرت اللَّه في القرآن الكريم، فكانت الآية الكريمة: «لقد ابتغوا الفتنةَ من قبل وقلبوا لك الأمورَ حتى جاءَ الحقُّ وظهرَ أمرُ اللّه وَهُم كارهون» (التوبة / ٤٨) … وكانت بداية الصفحة التي فتحتها من المصحف كلمة «وقلبوا لك…» عرفت من الآية أنّ مهمتي الى زاهدان ستكون صعبة، ولكن سوف تقترن بالنجاح ان شاء اللَّه، وكانت كما حدست.

ما كنت أعرف أحدا في زاهدان. كنت أعرف أن الشيخ «الكفعمي» هناك، وهو عالم متميّز في المنطقة. كتبت الى السيد الميلاني في مشهد أن يكتب كتابا الى الكفعمي، يعرفني فيه، ويطلب منه مساعدتي فيما قد تواجهني من ظروف.

السيد الميلاني كان يومئذ من كبار العلماء في ايران، ومن الطبقة الاولى، أي من المراجع الذين يقلّدهم الناس في أمور دينهم، وكان يسكن مدينة مشهد. وكان الرجل يحبّني كثيرا، ويلطف بي كثيرا، وكان يعرف أن هدفي من السفر الى زاهدان هو أداء مهمة جهادية.

غادرت «قم» في يوم عصيب. كنت مع مجموعة من الأصحاب مطاردين لحادثة لا أذكرها بالضبط. خرجنا من باب خلفي غير معروف في «مدرسة خان» كائن في سرداب غسل الالبسة. ركبت باصا كان جلّ ركابه من طلبة العلوم الدينية والعلماء الذاهبين الى أمور الدعوة، وخرج الباص من قم متجها الى «كرمان» حيث مقصده الأخير الذي يبعد الف كيلومتر عن قم تقريبا. أكثر من ثلاثين مبلّغاً استقلوا الحافلة ونزلوا بالتدريج في المدن والقرى الواقعة على الطريق، وكان بين الركاب على ما أذكر «الشيخ السبحاني». حين وصل الباص اصفهان كان الليل قد حلّ، ولابدّ من استراحة للسائق والركاب. استأجرنا منزلاً صغيرا بكامله لكل المجموعة، وقضينا فيه ليلة جميلة، دارت خلالها بيننا أحاديث شتى هي خليط من السمر والهموم والآمال وشؤون التبليغ. وكانت مثل تلك الجلسات أحبّ الساعات الى نفوسنا.

حين وصلنا «يزد» التقينا عابرا بالشيخ الشهيد «الصدوقي» (رضوان الله عليه) الذي كان يومئذ من علماء يزد المعروفين، وأصبح من الوجوه البارزة في الثورة الاسلامية وكان الامام الخميني رحمه الله يحبّه كثيرا واستشهد سنة ١٣٦١ه. ش في محرابه بيد زمرة المنافقين المجرمة وهو في العقد الثامن من عمره. ثم وصلنا «كرمان» فنزل كل من في الباص، وعليّ أن أواصل الطريق في باص آخر من «كرمان» الى «زاهدان». في مسيرة تبلغ خمسمائة كيلومتر. كان لي في كرمان أصدقاء أعزاء أَبَوا عليَّ إلّا أن أُمضِيَ أياماً عندهم مثل «الشيخ محمد جواد الحجّتي الكرماني» زميلي في درس «الشفاء» عند المرحوم العلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه)، و «السيد كمال الشيرازي». والاثنان غادرا «قم» بعد الاحداث المؤلمة التي ألمّت بهذه المدينة. الشيخ محمد جواد موطنه كرمان، بينما السيد كمال اختار كرمان للسكن فيها قبل شهرين من وصولي المدينة وتزوّج هناك. وقضيت مع الأصدقاء في كرمان ثلاثة أيام هي من أجمل ماقضيته من أيام في حياتي، بصحبة زملاء العلم والدراسة والجهاد. وكان لابدّ أن أغادر كرمان في اليوم الثالث لأداء مهمتي في زاهدان، فالوقت قد تأخّر.

ومن الصعب جدا على نفس الانسان أن يترك صحبةً أَنِس بها أياما ووجد فيها لذّته النفسية والروحية وراحته الجسمية … خاصة وأني أترك كرمان وحيدا متجها الى مكان مجهول لاعهد لي به سابقا، مواجها مصيرا مجهولا لاأعرف عواقبه. اعتصر قلبي ألم شديد وأنا أودع الاخوان، ولا أزال أشعر بانقباض حين أتذكر تلك اللحظات الحزينة.

تحرّك بنا الباص ليلا نحو زاهدان، ووصلناها فجرا. فسألت أحد المارّة عن مسجد المدينة، دلّني على مسجد الشيخ الكفعمي فقصدته. كان في فنائه غرف بناها الشيخ لاقامة الدعاة والمبلغين القادمين الى المدينة. وضعت حقيبتي في إحدى تلك الغرف، وسألت عن بيت الشيخ الكفعمي وتوجهت اليه. طرقت الباب واذا بي أواجه لأول مرة شيخا مهيبا في الخمسين، طويلا بدينا ذا لحية طويلة وعمامة بيضاء ناصعة كبيرة. هشّ في وجهي وبشَّ وانطلق لسانه يرحّب بي بأجمل العبارات. وبعدها عرفت أن الرجل ذو سطوة ومكانة هامة في زاهدان.

قال لي: إن السيد الميلاني بعث لي رسالة، أوصاني فيها بك، ووضع داخلها رسالة خاصة لك. وكان لرسالة السيد الميلاني الموجهة لي معنى خاص. فهي تدل على اهتمام السيد بأمري وأمر مهمتي، ويريد بها أن يبين هذا الاهتمام للشيخ الكفعمي.

والسيد الميلاني كان رجلا كبيرا في اهتماماته الاجتماعية، إضافة الى أنه كان عالما وعارفا وشاعرا.

والشيخ الكفعمي كان رجلا نبيلا في خلقه الاجتماعي، ومقتدرا في إدارته للشؤون الاسلامية بزاهدان.

استلمت رسالة السيد الميلاني، فرأيت فيها بخطه الجميل قد كتب فيما كتب: أرجو لك طيب الاقامة في زاهدان.

عاتبني الشيخ الكفعمي على التأخير، لأن العادة جرت على أن يأتي صاحب المنبر قبل شهر رمضان لينتظم برنامجه مسبقا، وأنا وصلت في أول الشهر. وقال: المسجد تحت تصرفك ليل نهار… ولكن… ولكن جاء رجل من مشهد هو الشيخ «فلان» ليعتلي المنبر أيضا.

كنت أعرف الشيخ فلان، فهو رجل عميل للسلطة، اتخذ من اللوائح الست التي أعلنها الشاه موقف المؤيّد، وتهجّم على المعارضين لها.

فوجئت بالخبر، وقلت للشيخ الكفعمي: لابد أن تهمله وأن لاتفسح له مجال اعتلاء المنبر… وبينا نحن نتجاذب أطراف الحديث في هذا الموضع إذ دخل الشيخ، تغيّرت ملامح الكفعمي وبدا عليه الاضطراب. أما أنا فلم أعبأ به ولم يظهر عليّ أيّ تغيير، وكان الشيخ الكفعمي فيما بعد ذلك يذكر منّي هذا الموقف غير المكترث وغير المبالي‏من الرجل ويتحدّث عنه باعجاب.

الشيخ المذكور كان رجلا متملّقا، وما إن دخل حتى بدأ يسلّم عليَّ بملاطفة وابتسامة عريضة مصطنعة مع حركات تنمّ عن ملق زائف. أجبته ببرود ولم أقم من مكاني، ولم أنظر اليه. سارعت في مسك زمام الحديث مع الكفعمي وسيطرت على المجلس. جدير بالذكر أني كنت آنئذ في مقتبل الشباب، وكان الشيخ المذكور معلم الأناشيد لنا في الابتدائية.

ذكر لي الشيخ الكفعمي بعد ذلك أنه اضطرّ الى دعوة الرجل لأنه يملك أتباعا في زاهدان من المرتبطين بالجهاز الحاكم، وهؤلاء ضغطوا على الكفعمي لدعوته الى المسجد بعد وروده زاهدان. وكان مسجد الكفعمي هو مسجد الشيعة الوحيد في المدينة.

* * *

أصرّ الشيخ الكفعمي أن أقيم في بيته. عرفت بعد ذلك أن له زوجتين تسكن كل منهما في بيت. والبيتان متجاوران ومتشابهان تماما. كان يراعي العدالة في التعامل معهما بشكل كامل، ويتردّد على البيتين بنظام دقيق. يدخل البيت الاول في ساعة معينة، ويخرج منه للدخول في البيت الثاني في نفس الساعة من اليوم التالي. وهكذا يفعل مع البيت الثاني. إنفاقه على البيتين كان دقيقا في المساواة غاية الدقّة. وشاء اللّه سبحانه أن يعامله كما يتعامل هو مع البيتين، فرزقه من الاولى أربعة أولاد وثلاث بنات، ومن الثانية أيضا أربعة أولاد وثلاث بنات… بدقة… لا أكثر ولا أقل!! كان الشيخ الكفعمي يسمي كل بيت باسم الابن الاكبر له. فواحد بيت أم هاشم والثاني بيت أم قاسم. ونحن كنا نطلق على سَكَنة البيت الأول عشيرة هاشم وعلى الثاني عشيرة قاسم. والأصهار أيضا معروفون بانتسابهم الى البيتين، فالسيد العبادي، وهو اليوم إمام جمعة مشهد الموفّق والمبرّز، من عشيرة قاسم، والشهيد المزاري الذي استشهد سنة على يد الزمرة الاردبيّة الآثمة في بلوشستان، من عشيرة هاشم!

أقمت في بيت الشيخ الكفعمي، وتقرر أن يكون المنبر يوما لي ويوما لذلك الشيخ الوافد. ساءني هذا التقسيم، ولكن ماكان أمامي الا القبول. ثم طلب الشيخ المذكور مزيدا من الوقت للخطابة، لأنه كان يرى نفسه خطيبا محترفا. قال: اسمحوا لي أن أرتقي المنبر قليلا بعد منبر السيد (ويقصد منبري) لم يُرَدَّ طلبه، واستمرت الحال بهذا الشكل حتى حان ظهر يوم ١٥ رمضان وكان يوم جُمُعة والمسجد غاص بالمصلين. بعد الصلاة ارتقيت المنبر، وخصصت كلامي في علماء الدين، وذكرت أنهم على قسمين: عالم يعمل بواجبه، وعالم لايؤدّي مسؤوليته. أردت بهذا المجلس أن أُمهّد للموضوع الأصلي الذي جئت من أجله لألقية يوم ٢١ رمضان حيث تشهد المساجد أحشد جمع، لانه يوم عطلة وذكرى واستشهاد أمير المؤمنين علي عليه السلام، والناس يجتمعون في المسجد قاطبة هذا اليوم.

في محاضرتي هذه أثنيت على العلماء العاملين بمسؤولياتهم وحملت على العلماء المصانعين للجهاز الحاكم الظالم والمهادنين له والعاملين لصالحه.

كانت طريقة حديثي هي توجيه الخطاب الى شخص فرضي جالس أمامي من وعاظ السلاطين. تحدثت بلغة التقريع والتأنيب مع هذا الرجل الفرضي، ولُمته على مايرتكب من جريمة بحق الاسلام والمسلمين في تركه العمل بمسؤولياته، وفي رضوخه للظالمين.

كان الشيخ المذكور جالساً، والشيخ الكفعمي على سجادته عند المحراب. تكلمت بمنتهى الجرأة، وكان ذلك من جياد منابري، ثم قرأت ذكر الحسين عليه السلام، ونزلت من المنبر.

اعتاد الناس في الايام السابقة أن يجلسوا بعد منبري ليستمعوا الى الشيخ الفلاني، لكن الناس قاموا هذه المرّة من مكانهم، وأقبلوا عليَّ مستحسنين ومباركين ومؤيدين، ثم خرجت وخرج الناس معي. وتوجهت كعادتي الى إحدى غرف المسجد لأستريح.

قبل خروجي رأيت الشيخ المذكور قد وقف على العتبة الاولى للمنبر، ورجا الناس أن يبقوا ولو عشر دقائق. فقط عشر دقائق! واستمر في استعطافهم… ولكن الناس لم يكترثوا لطلبه فغادروا المسجد ومابقي سوى خمسين منهم تقريباً.

بعد ربع ساعة تقريبا وبينا أنا جالس في غرفة المسجد إذ سمعت رجلا يصرخ بصوت هادر متهجّمها ومؤنبا وشاتما. نهضت من مكاني، ونظرت من النافذة فاذا الشيخ الكفعمي يزأر كالأسد، وذؤابة عمامته لاتزال معلقة تحت حنكه، والناس وراءه. استغربت من المنظر، أطلت النظر فرأيت بعد دقائق الشيخ المشار اليه كفأر يخرج من الماء، يترك مصلّى المسجد بخطوات ثقيلة، وهو يجرّ أذيال الخيبة والهزيمة.

بعدها جاءني رجل نجار من أصدقاء هذا الشيخ، فقال لي:

إن الشيخ تحدث بحديث أغضب الشيخ الكفعمي، فقام الشيخ الكفعمي وقال للناس: حرام عليكم أن تجلسوا للاصغاء الى هذا الشخص، وخرج وخرج الناس معه.

عرفت بعد ذلك أن هذا الرجل السي‏ء ارتقى المنبر بعدي وتهجّم على ذلك النمط من العلماء الذين أثنيت عليهم وشتمهم، فما كان من الكفعمي الّا أن يواجه الموقف بما يتطلبه الواجب الشرعي. ففعل ما فعل. أيقنت أن الشيخ الفلاني قد انتهى في زاهدان بعد هذه الحادثة.

* * *

كنت في غروب ذلك اليوم مدعوا للافطار في بيت أحد المؤمنين، بعد الافطار عدت الى غرفتي في المسجد لاتهيّأ لمجلس الليل. سمعت صوتا يناديني من وراء الباب، فتحته فرأيت شابا أنيقا في ملابسه.

سلّم عليّ وقال: أنت فلان؟

- نعم.

- مدير الشرطة يطلبك.

- لماذا؟

- لاشي‏ء يريد أن يتحدث معك في أمور.

- أنا أعرف معنى هذا الاستدعاء. إنه ليس من مصلحتكم. أنا مدعوٌّ لارتقاء المنبر هذه الليلة، واذا عرف الناس بأني معتقل فستكون العاقبة وخيمة، خاصة بعد الذي حدث اليوم في المسجد.

لكن الشاب بيّن لي أنه لابدّ من مقابلة مدير الشرطة ولست مخيّرا في ذلك.

خرجت من المسجد فوجدت الشرطة والجيش قد طوّقوه. علمت أن السلطة جادّة فى اتخاذ موقف رادع. رافقت الشاب مضطرا الى مدير الشرطة. رأيت رجلا ضخم الجثة برتبة عقيد يجلس في مؤخرة صالة واسعة فخمة، لاكتلك التي شاهدتها في بيرجند، ويتربع خلف منضدة كبيرة.

حين دخلت عليه كان مشغولا بالكتابة، وهو انشغال مصطنع عادة يوحي للقادم عليه بأنه غير مكترث به، ويستهدف القاء الشعور بالضعف لدى الداخل. سلّمت عليه، فلم يردّ ولم يرفع رأسه. وما كان مني الّا أن أردّ عليه الصاعَ صاعين. ودون أن استأذنه جلست على أفخم كنبة في الغرفة، ثم أخرجت سيجارة وأشعلتها وبدأت أدخّن بارتخاء وبرود. علم الضابط أنه فشل في أن يهزمني نفسيا. رفع رأسه وقال:

- أنت فلان؟

- نعم.

- لما تثير الناس؟

- بل أنتم تثيرون الناس!

اعتدل في جلسته وكأنه لم يتوقع هذا الجواب، وقال:

- كيف؟

- أنا أشرح المسائل الدينية والأحكام الشرعية للناس، فما الاثارة في ذلك؟ لكنكم بفعلكم هذا تثيرون الناس.

ظهرت على أسارير وجهه أمارات الهدوء، وقال:

- نحن لا نريد أن نثير الناس. أنت في كلامك أسأت الى إصلاحات الشاه!

قلت: المعلومات التي وصلتكم كاذبة.

تغيّرت لهجة الرجل.

ومما قاله في أثناء كلامه: نحن أيضا مثلك مسلمون، ونحبّ السيد الخميني!!

لاشك أنه لم يكن صادقا في كلامه، بل يستهدف الخداع والتمويه. قلت في نفسي: اللهم لك الحمد أن جعلت هذا العسكريّ المتغطرس يضطر الى أن يصانع طالبا شابا فقيرا مقهورا في يده!!

وبدت فيها الرقة، وبدأ ينصحني، قال: أنت في مقتبل العمر، وفي ريعان الشباب، لماذا توقع نفسك في مشاكل وتخلق لك الاتعاب؟ !

مثل هذه النصائح تجعل المخاطَب يلين عادة، وإذا لان أخذوه بالشدّة، وأملوا عليه ماشاؤوا، لذلك لابد من مواجهتها بالكلمة القاطعة التي تخيّب ظنّ الناصح.

قلت له: سَبَق أن قُبض عليّ في بيرجند وأخذوني الى مدير الشرطة، وهناك قلت كلاما أعيده عليك… قلت له: أنت مأمور وأنا مأمور. عليّ أن أؤدّي رسالتي الدينية وأنت تستطيع أن تنفّذ ما أوكلت اليك من مهمة. أنت لا تملك أكثر من أن تقتلني وأنا أعددت نفسي للقتل. فِبِمَ تخوّفني؟ !

وَقْعُ مثل هذا الكلام على «أهل الدنيا» كوقع الصاعقة. هؤلاء يخافون من كلمة «الموت». هذا الضابط الذي فاته عهد الشباب يخاف من اسم الموت، وها هو يرى شابا في مقتبل العمر يقول له: أنا أعددت نفسي للموت ولا أخاف منه!!

دار رأسه، وبَهُت، وانهار، ثم استعاد رباطة جأشه، وعاد يقول لي بتلطف.

لا شي‏ء عليك إن شاء الله. فقط عليك أن تتعهّد بأن لا تعود لمثل هذه الاعمال. واذهب الآن الى الغرفة المجاورة للاجابة على بعض الاسئلة.

في الغرفة المجاورة انهال عليّ المحقّق بالاسئلة: ماذا قلت على المنبر؟ ولماذا قلت كذا؟ وماذا تعني بكذا؟ وكانت الاسئلة تدل على أن كل ماذكرته على المنبر قد وصلهم. عندما انتهى التحقيق أخذوني الى مكان آخر.

في هذا المكان وجدت وجوها كالحة خاصة، علمت منها أنّ المكان مقرّ الساواك [٤]. رئيس الساواك في زاهدان كان آنئذ من الأشرار المعروفين، إذ سبق له أن كان يشغل نفس المنصب في مشهد، ثم انتقل الى زاهدان، ومنها الى كرمان حيث ارتكب جرائم فظيعة، ومنها فرّ بعد اندلاع الثورة الاسلاميّة.

أُخذت الى غرفة، وأحاط بي عدد من الشباب، فتشوني بدقة، وفتحوا محفظة جيبية كانت معي، وأخرجوا منها صوراً، وسألوني عن أصحاب الصور، وحاولوا أن يحاربوني نفسيا عن طريق الاهانة والاستهزاء، فما انثنيت والحمد للّه، ولا هُنت أمامهم، وما انهزمت، لكني تألمت وتأذيت كثيرا.

بعد ساعة أخرجوني، وأركبوني سيارة، وذهبوا بي خارج المدينة. كان الجوُّ مظلماً وشديد البرودة، وكانت تلك السنة من السنوات التي اشتدت فيها برودة المنطقة حتى نزل الثلج بزاهدان التي لاعهد لها بالثلج عادة.

عرفت أن المكان الذي أخذوني اليه ثكنة عسكرية، أدخلوني في معتقل الحراسة. تفاجأ الجنود بهذا النزيل، فقد رأوا شابا نحيفا في مقتبل العمر، يرتدي عمامة سوداء، وعلى عينيه نظارة طبية، ويلبس لباس طلبة العلوم الدينية، وهذه المواصفات بمجموعها تستثير العواطف عادة. نهض الجنود من مكانهم، والتفوا حولي وسلّموا عليّ باحترام. اضطرب آمر الجنود حين رأى ما رأى من أفراده، وأسرع لأخذي الى مكان منفرد، لكنه هو أيضا عاملني بعاطفة خاصة تدل على تأثّره. فقد أخذني الى غرفة صغيرة فيها مدفأة مطفأة. ذهب ثم عاد، وأشعل المدفأة، وسألني بلطف: من أنت؟ وأخذ يسامرني، ثم جاء بالطعام، وغادر. ثم جاء مرة أخرى وجلس في الغرفة، وجلس معه آخر، ودارت بيننا أحاديث شيقة. وكان مما قاله لي: إن الذي جاء بك الى هذا المكان هو منكم! وعلمت ماذا يقصد. وما إن أطلّ الصبح حتى ودعني وذهب.

* * *

واستطرادا أقول: إن مظهري كان يلفت النظر في كل الاعتقالات. وأذكر أني في الاعتقال الاول حين دخلت المعسكر كنت واقفا عند باب معتقل الحراسة ريثما تتم الترتيبات الادارية اللازمة. في هذه الاثناء نزل من السلّم المقابل «الجنرال مين‏باشيان» وهو من أشهر جنرالات ايران آنذاك. وحين وقع نظره عليّ من بُعد، بقي ينظر اليّ وهو يقترب منّي. وحين وصل سألني: من أنت؟ لماذا جاؤوا بك الى هذا المكان؟ أجبته: يقولون إنك قلت شيئا مخالفا لمصالح البلد!! طلب ملفّي، وبدأ يقلّب أوراقه وهو يحرّك رأسه أسفا واندهاشا، ويردد القول: عجيب! لماذا فعلت هذا؟ ! لماذا قلت هذا؟ ! … ثم ذهب.

على أي حال، نقلت في الصباح الباكر الى مقرّ الساواك، وبقيت هناك حتى العصر. وفي أثناء هذه المدة تمّ التحقيق معي، واستغرق ساعات، وأدهشني أني رأيت المحقّق من أصدقاء الطفولة، وكنت أشاركه وإخوته في ألعاب الصبيان، وكان أبوه وبعض إخوته من العلماء والسادة الشرفاء. ثم جاؤوا بي الى المطار عصرا، وأجلسوني في الطائرة بصحبة مرافقَين اثنين، وأقلعت الطائرة نحو مقصد لا أعرفه. فهمت بعد ذلك أننا متجهون الى طهران.

* * *

كانت هذه أول رحلة لي بالطائرة، وماكنت ركبت طائرة من قبل. وبالمناسبة فان أول سفرة لي بالطائرة بعد انتصار الثورة الاسلامية كانت من أجل مهمة الى زاهدان. فقد أنفذني الامام الراحل‏رضى الله عنه بحكم (منشور في صحيفة النور) [٥] الى «بلوجستانَ». وكان معي «الشيخ راشد الذي كان منفيا معي في مدينة ايرانشهر من مدن بلوشستان سنة ١٣٥٧ه. ش». فاتجهت بالطائرة من طهران الى كرمان، ووصلت الى كرمان يوم الاستفتاء على نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية، (١٠ فروردين ١٣٥٨ هجرية شمسية، ١ ج ١ / ١٣٩٩ه. ق) ومنها ذهبت الى زاهدان. وكان في استقبالي في المطار عدد من مشايخ المنطقة. وهناك قلت لهم: هذا ا لمطار غادرت منه في أول سفرة لي بالطائرة في حياتي، وها أنا أقدم اليه في أول سفرة لي بعد انتصار الثورة الاسلامية.

* * *

على ظهر الطائرة التي أقلتني مخفورا الى طهران رحت أفكر في أمور شتّى… في مستقبل هذه النهضة الاسلامية المتفجّرة… في مفجّر هذه النهضة الامام الخميني… في الوالد الذي يحتاجني من أجل مواصلة العلاج في طهران. وكان بصره على وشك الزوال بسبب مايسمى بالماء الاسود. في المستقبل الذي ينتظرني… ثم تشاغلت عن التفكير في أمور لايعرف مصيرها الّا اللّه سبحانه… وأخذت مجلّة ورحت أتصفحها، فوقع نظري على أبيات غزل استحسنتها وكان دأبي أن أسجّل كل ما أستحسنه من الشعر في كراس خاص سميته «سفينة العزل». رأيت المرافقَين على جانبيَّ يمدان أعناقهما لينظرا ما أكتب. واصلا النظر وأنا أواصل الكتابة دون اكتراث لفضولهما. بعد الانتهاء من كتابة الابيات ذيّلتُها بهذه العبارة: «كتبت هذه الأبيات في الطائرة التي أقلتني من زاهدان الى مكان غير معلوم برفقة مأمورَين يتمتعان بأخلاق حَسَنة» ! كانت هذه العبارة ذات وقع إيجابي عليهما.

* * *

وصلت الطائرةُ أجواءَ طهران ليلا. وكان منظر تلألؤ مصابيح المدينة بهيجاً. رأيت المرافقَين مولَعين بمشاهدة منظر طهران، ويشعران بالبهجة لوصولهما الى العاصمة، خاصة أحدهما. فقلت له: إعرف قدري!. فبسببي جئت بالطائرة الى طهران. ولو كانَ المعتقَل غيري لبعثوك بالسيارة الى «خاش» [٦] ولقضيت ليلتك تطوي الفيافي والقفار، بينما ستقضي ليلة ممتعة في طهران! ضحك ضحكة عميقة تنطلق من إحساس كامل بالسعادة والارتياح.

نزلنا من سلّم الطائرة. وكانت سيارة الساواك في الانتظار عند السلّم، فانطلقت بنا تجوب شوارع طهران. كنت جالساً في الكرسي الخلفي للسيارة، وماكان النظر الى الخارج ميسورا، لكنني عرفت بعض الشوارع التي اجتزناها. كانت الليلة باردة جدا، وكان الثلج ينزل من السماء. وصلنا الى صحراء خالية من الأبنية، ساورني هاجس ضعيف، إذ شككت أنهم يريدون قتلي في هذا المكان الخالي.

بعد مدة وقفت السيارة سمعت صوت «قف» فعرفت أننا وصلنا الى ثكنة عسكرية. نزل أحد المرافقين، وسلم الحارسَ ورقة، فانفتح الطريق، ودخلنا. وعرفت بعد ذلك أنها ثكنة «سلطنت آباد».

ترجلنا من السيارة عند مركز الخفارة، فتشوني ثم استلمني ضابط الخفر من المأمورين المرافقين، وذهبَ المرافقان لشأنهما. جاؤوا بي الى حجرة نظيفة وكبيرة فيها سريران ومدفأة نظيفة.

سألني الضابط: هل تعشيت؟ قلت لا، وجاءني بعشاء، فأكلت وصليت ورحت بعدها أغطّ في نوم هادئ عميق. كان الظلام يحيط بالغرفة فلا أرى خارجها شيئاً.

في الصباح، استيقظت، وأديت مايجب عليّ أن أؤديه، ثم جاء أحدهم وقال: تريد الافطار؟ كنت غير صائم بسبب السفر، قلت: نعم. جاءني بفنجان كبير من الشاي، وخبز خاص بالجيش، وهو مخلوط عادة بشي‏ء من ا لسمن والسكر وشي‏ء قليل من الكافور! ويكون سميكا مطبوخا بالفرن، وله طعم لذيذ جدا، والى جانب الخبز قطعة من الزبد. كنت جائعا فاكلت كاملا، ثم دخنت بعدها سيجارتي وأحسست بالتذاذ!

نظرت من النافذة، فوجدت الثلج قد غطى كلّ مكان. عند وصولنا طهران كان الثلج يتساقط قليلا، لكنه طول الليل قد ألبس الارضَ حُلّة نقية بيضاء. ثم رأيت ضابطا يتردّد ذهابا وإيابا، فعلمت أن غرفتي مجاورة للسجن، والضابط كان خفيرا. بعد ساعة دعوني فرأيت أن مرافقَي السفر قد جاءا. جلست معهما في سيارة، وذهبنا الى مبنى في شارع «شميران» القديم (شارع شريعتي حاليا) وكان المكان من الأبنية السرية للساواك. ودعني المرافقان، ورأيت على وجههما مسحة من الرقة والشفقة. سألاني: هل لك توصية؟ قلت: بلّغوا سلامي للشيخ الكفعمي، وكنت أريد بذلك أن يفهم الشيخ بوجودي في طهران.

أدخلوني في غرفة كبيرة مكثت فيها مدة، جاء خلالها شخص وفتح الباب، ونظر اليَّ بِشَزَر، ثم ذهب، وجاء آخر وفعل مافعله الاول… وهكذا حتى جاء أحدهم وقال: تعال.

استغربت حين أجلسوني مرّة أخرى في سيارة برفقة اثنين من رجال الساواك، وانطلقت بنا تجتاز الشوارع دون أن أعرف المقصد. لاحظت أن السيارة اتجهت غرب طهران عبر شارع كرج (سمي بعد ذلك شارع اليزابيث! ثم بعد الثورة شارع كشاورز: أي الفلاح). كنت أعرف هذا الشارع جيدا، لأن القنصلية العراقية تقع فيه، وذهبت اليها سنة ١٣٣٦ هجرية شمسية (١٣٧٦ه. ق) لأخذ تأشيرة السفر الى العراق. اجتزنا هذا الشارع ثم انعطفت السيارة نحو الشمال الغربي حتى وصلنا الى منطقة خالية من كل مبنى. زاد استغرابي وتساؤلي مع نفسي عن المصير الذي ينتظرني. وبعد مسافة اتجهت السيارة نحو اليمين، وعبرنا حاجزا ارتفع خفير يقف عنده. رأيت في الجانب الآخر من الحاجز ميدانا مغطى بالثلج. وقفت السيارة في نقطة من الميدان، نَزَل المرافقان ونزلت معهما، رأيت في جانب الميدان قلعة كبيرة حولها جدار يرتفع ١٠ أمتار تقريبا، وفي الجانب الآخر أبنية منخفضة ذات لون عسكري أصفر، وفي جانب آخر عمارة جديدة. دخل أحد الرجلين البناية الجديدة، وبقي الآخر يلقي نظرة على محرك السيارة وعجلاتها، عرفت من حديثهما في الطريق أنهما يتكلمان اللغة التركية التي أُجيدها. أردت أن أعرف المكان الذي حللنا فيه. فقلت

للرجل الذي بقى معي بالتركية: «بورا هارا دي؟ » أي: أين هنا؟ وكان للسؤال بالتركية وقعه في نفسه. نظر يمنة ويسرة نظرة وَجَل وتحرّز وقال باللهجة التركية: «گيزيل گلعه» وتلفظ بالفارسية: «قزل قلعه».

وقزل باللغة التركية تعنى: أحمر أو ذهبي. نحن إذن في سجن القلعة المعروف (تحول بعد الثورة الى سوق للفاكهة والخضار). كنت قد سمعت بهذا السجن، وكان معروفا بصعوبة العيش وقسوة التعامل فيه.

عاد المرافق الثاني، وسارا وسرت خلفهما باتجاه القلعة. انفتحت بوابة السور الخارجي وخرج منها جنديّ يهرول على الثلج باتجاهنا. سأل: هو هذا؟ وأشار اليّ، فاجاب المرافقان: نعم هو. ثم التفت الجنديّ اليّ وقال: تعال معي. تبعته وتعرّفت عليه بعد ذلك. وكان شابا شيرازيا طيبا يقضي فترةَ الخدمة العسكرية الاجبارية.

دخلت البوابة، واذا بي أمام جدار مرتفع آخر على بعد بضعة أمتار، فيه بوابة أيضا. فتحت البوابة الثانية فرأيت ساحة كبيرة، تقع في وسطها بنايات السجن. توجهنا نحو قلعة السجن، ففتحت بوابتها وكانت بوّابة حديدية مهيبة مشدودة بالسلاسل الحديدية، بعد البوابة ممرّ ضيق تصطف على جانبيه الزنزانات. وأدخلوني إحدى تلك الزنزانات.

كنت أحمل معي المصحف ومسبحة وكراس «سفينة الغزل» وكتاب «تذكرة المتقين» وهي مجموعة رسائل وأذكار لمجموعة من كبار العلماء والفقهاء، وتدور كلها حول «العرفان الشرعي». الكتاب أعطاني إياه السيد كمال الموسوي في كرمان، وكان أنيسي في زاهدان. كما كان في جيبي أربعة تومانات وقرانان، إذ حين كنت في زاهدان كان كل مامعي ٥ تومانات، صرفت منها ٨ قرانات في شراء خبز وبيضتين حين كنت في ساواك زاهدان.

* * *

هذه الزنزانة كانت مربعة طول ضلعها متران. نصفها مرتفع قليلا أُعِدَّ منصَّة للجلوس والنوم. بُسط عليه فراش محشوّ بالتبن، أعطوني بطانيتين. ولأول مرة أواجه الاعتقال في مثل هذه الغرفة الصغيرة. جلست برهة متحيّرا. تلفتّ حولي فرأيت فتحة صغيرة في السقف يتردّد عليها حارس ليراقب السجين. كما رأيت في أعلى الباب فتحة صغيرة أُسدل عليها غطاء. وفي الجانب الآخر مصباح خافت قليل الضوء لاتزيد قدرته على ١٥ واطا.

بعد دقائق من ايداعي الزنزانة فُتح الباب، ودخل عسكري، عرفت اسمه بعد ذلك، وهو «استوار زماني» واستوار تعني بالفارسية: رئيس عرفاء. وبالمناسبة كان يتناوب حراسة السجن خمسة أشخاص في هذه الدرجة، اثنان منهما مشهوران جدا بين سجناء هذا السجن وهما «استوار زماني» المذكور، ورئيس هذه المجموعة وهو «استوار ساقي» وسأتحدث عنه فيما بعد.

دخل «استوار زماني» وقال: ماذا عندك؟

قلت: يمكنك أن تفتش!

بدأ يفتش. أخرج المصحف… نظر اليه، قال: هذا قرآن، لا بأس يمكن أن تبقيه عندك. ويبدو أنه تأثر حين رأى المبلغ الضئيل في جيبي ورقّ قلبه، ثم سألني عن كتاب «تذكرة المتقين» وقال: لعله كتاب دعاء؟ أراد مني أن أردّ عليه بالايجاب، كي يترك الكتاب عندي. لكني قلت له: هذا كتاب في العرفان و… قطع كلامي وقال: نعم، كتاب دعاء… كتاب دعاء… لابأس يمكن أن يبقى عندك. وكان هذا التعامل واضح الدلالة على أن الرجل يريد مساعدتي. لم يأخذ مني شيئا سوى مذكرة التلفونات. خرج وبقيت وحدي.

* * *

لجأت الى المصحف، وبدأت أتلو القرآن بصوت مرتفع. ولهجتي في التلاوة لايشوبها شي‏ء من الفارسية، وتُوهم أنَّ صاحبها عربي. وإذ كنت مشغولا بالتلاوة رأيت من يفتح غطاء النافذة الصغيرة على باب الزنزانة، وينظر اليّ. ثم ذهب وجاء آخر… وآخر… هذه النافذة الصغيرة خاصة بالتخاطب بين السجين والحرس. ظننت أنّ هؤلاء المترددين على النافذة من الحرس، غير أني عرفت أنهم ليسوا بحرس حين خاطبني أحدهم بلهجة عربية خاصة بأهالي خوزستان. لم أفهم مايقول، ولم أجبه. جاء آخر وقال بالعربية: أنت من الاهواز؟ قلت: لا، أنا من مشهد. فذهبوا ولم يعودوا.

عرفت بعد ذلك أنهم من تنظيم كان يسمى «جبهة التحرير العربية». كان وراءه في البداية عبد الناصر، ثم تبناه البعثيون العراقيون بعد ذلك واستخدموه لمجابهة الثورة الاسلامية!! وكان ذلك من عجائب الأمور أن يجابه هؤلاء ثورةً قضت على نظام الشاه المعادي للعرب والاسلام!

طبعاً لا بد أن أذكر أنّ العرب في خوزستان متدينون وموالون لأهل بيت رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله ولقد وجدت هذا التدين فيمن عرفته من الخوزستانيين قبل الثورة، وتلمست هذا التدين أكثر بعد الثورة، خاصة بعد إعلان الحرب المفروضة، إذ وقف الخوزستانيون رجالاً ونساءً موقف الابطال في الدفاع عن الوطن الاسلامي أمام عدوان النظام البعثي، وخيّبوا ظن البعثيين الذين كانوا يعقدون الامل على هؤلاء المواطنين الخوزستانيين. أثبت الخوزستانيون في الحرب المفروضة انشدادهم الرسالي بالدين وبدولة الاسلام، فقاوموا مقاومة الابطال، وقدموا قوافل الشهداء، وتحملوا مصائب التشريد من المدن المقصوفة بصبر واحتساب. ولذلك انعزلت المجموعة القومية العَلمانية المرتبطة بالبعثيين بسرعة منذ بداية الثورة الاسلامية عن جماهير خوزستان ولم يَعُد لها وجود يذكر.

بعد أيام من اعتقالي تساهلوا معي في الخروج من الزنزانة الى الممرّ. فتعرفت على هؤلاء، فانسوا بي كثيرا، وأنست بهم. كانوا جميعاً يعرفون الفارسية لأنهم إيرانيون، لكني كنت أتحدث معهم باللغة العربية، لانشدادي الخاص بهذه اللغة.

* * *

بمناسبة حديثي عن العرب والعربية لا بأس أن أقف قليلا عند تاريخ ارتباطي بهذه اللغة الحبيبة.

أمّي عربية النشأة، رحل جدّها من إصفهان الى النجف، وهو من أسرة «الميردامادي» المتوطنة في «نجف آباد» من أعمال إصفهان، ولها فروع في النجف الأشرف.

والدها من العلماء الفضلاء، ولغته عربية. فالوالدة نشأت في بيت يتكلم العربية. قبل بلوغها رحلَتْ الى إيران مع أسرتها، وكانت لذلك تعرف العربية الدارجة في النجف. وهي اللغة التي سمعتها من أمّي لأول مرّة.

وكانت الوالدة تتقن القرآن، وعلى علم بالحديث الشريف وبالكتب العربية…

هذه كانت البداية…

وفي المدرسة الابتدائية تعلمت قواعد اللغة العربية من خلال كتاب «جامع المقدمات» على بعض المعلمين المعممين في المدرسة.

في الحادية عشرة أو الثانية عشرة بدأت بدارسة علوم العربية بشكل جادّ متواصل، ودرست علوم اللغة العربية على أعلى المستويات، وكنت منشدا الى هذه العلوم ومتذوقا لها، ولقد كان انشدادي بشكل خاص الى كتاب المغني في النحو، والمطول في البلاغة وشرح السيوطي على ألفية ابن مالك، كما هو المتداول في الحوزات العلمية لطلاب العلوم الدينية في ايران.

كان العراقيون يزورون مدينة مشهد على شكل مواكب، ويتجمعون في صحن الامام الرضاعليه السلام، فيتلون الاشعار ويلقون القصائد. كنت في بدايات الشباب أقف ساعات طوالا مشدودا اليهم، استمع باصغاء شديد الى كلماتهم، وأستأنس كثيرا لأقوالهم.

يعتريني شعور خاص حين استمع الى اللغة العربية. اهتزّ من الاعماق لسماع هذه اللغة.

طالما تمنيت أنني ولدت في بلد عربي حتى استطيع التكلم بهذه اللغة الحبيبة اليّ. والواقع أن الايرانيين عامة والمتدينين منهم بشكل خاص يحبّون العرب واللغة العربية بدرجة وأخرى. والعلاقات الاخوية القائمة على مرّ التاريخ الاسلامي بين الايرانيين وجيرانهم العرب ليس لها نظير بين أي شعبين من شعوب العالم في سعتها وعمقها وشمولها. من هنا نستطيع أن نفهم فداحةَ الخسارة وعظمَ الجريمة في الموقف الذي اتخذه بعض العرب، باسم العروبة، في الدفاع عن العدوان الغاشم على دولة الاسلام في إيران، وهم على علم بما يحمله المعتدي من روح عدوانية، وبما يؤدي اليه موقفهم هذا من تبديد لهذه المشاعر الانسانية الفريدة ولابد لي أن أعترف بأن هذا الموقف المحزن أثّر تأثيرا بالغا على تلك المشاعر والعواطف المتميّزة، ولا يمكن إزالة هذه الآثار السلبيةة إلا بجهد متواصل وبخطاب عربي جديد تجاه الجمهورية الاسلامية يرأب الصدع ويرتق الفتق.

وارتباطي باللغة العربية دفعني لامارس الترجمة من العربية الى الفارسية، خاصة حينما كنت قابعا في زنزانات السجون.

ترجمت أكثر كتاب «شبهات حول الاسلام» لمحمد قطب، ثم علمت أنه تُرجم قبل ذلك مرتين، فتركته.

وترجمت كتاب «المستقبل لهذا الدين» لسيد قطب، وأثار هذا الكتاب في ذهني موضوعات كثيرة للتفكير والبحث قدّمت بها الكتاب وذيّلته، وكانت هذه الهوامش والتذييلات مبعث مزيد من الاثارة لجهاز الساواك.

وترجمت كتاب «الاسلام ومشكلات الحضارة» لسيد قطب أيضا مع مقدمة هامّة، كما ترجمت قسما من تفسير «في ظلال القرآن» وبعضا آخر من الكتب العربية.

وقرأت الموسوعات العربية الكبيرة في التاريخ وتاريخ الأدب وكتبت الهوامش والملاحظات على صفحات الكتاب.

كما كانت لي مطالعات في الادب العربي المعاصر، وقرأت لكبار الكتاب والشعراء المعاصرين المصريين والشاميين والعراقيين.

* * *

أعود الى حديثي عن سجن «قزل قلعة» والتقائي بمجموعة من السجناء العرب الخوزستانيين.

كان بينهم رجل متذوق للأدب، وله إلمام بالشعر يحفظ الكثير من الشعر، وحفظت عنه أبياتا كثيرة. كان مولعا بشعر «السيد الحبّوبي» ويردده دائما، واسمه «السيد باقر النزاري». وكان يردّد كثيرا هذا البيت:

أتت وحياض الموت بيني وبينها

وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل‏

وهذا البيت أيضا:

سأصبر حتى يعلم الصبر أنني‏

صبرتُ على شي‏ء أمرّ من الصبر

كما كان الاخوة العرب يرددون في السجن نوعا من الشعر العامّي يسمونه «الابوذية» ومما بقي في حافظتي منه:

البدر شعّ بجبينك واللَّه ليلَه‏

والبَرَد بشفاك يا ادعج واللَّه لِيلَه‏

مضت ليله بوصالك واللَّه ليله‏

عثر بيها الدهر وحواك ليَ‏

وكان بينهم شاب مثقف لقبه آل ناصر الكعبي. كنت اتحدث معه بالعربية كثيرا. كنت أعلمه شيئا من قواعد اللغة العربية، لانه ما كان يعرف قواعد اللغة رغم أنه عربي. كما طلب مني أن أعلمه اللغة التركية. وتعلمت منه شيئا من اللغة الانجليزية.

والسيد النزاري كان رجلا متعبّدا أيضا وأتذكر أنه كان يقرأ بصوت عال كلّ يوم «زيارة عاشوراء»، يسلّم على أهل البيت ويلعن أعداءهم، ثم يمشي في الممرّ وهو يواصل قراءة أذكاره.

وكان في الزنزانة المجاورة لي واحد من هؤلاء اسمه «الشيخ حنش» (وكلمة شيخ تبيّن مكانته من قبيلته). كما كان يجاورني من الجانب الآخر شاب من هذه المجموعة في العقد الثالث من عمره، اسمه الشيخ عيسى وسيم وقور، عرفت أنه وحيد أمه، وذو مكانة في قبيلته.

ومنهم أيضا «الشيخ دهراب الكعبي»، وكان أيضا شيخا في قبيلته ومحترما بين سائر الافراد، وأتذكر أن الأخوة الخوزستانيين في ساعات التجول في الهواء الطلق كانوا يتضاربون أحيانا عن مزاح، فيستجير بعضهم بدهراب، وعندئذ لايقترب منه أحد!!

ومنهم أيضا «عبد الزهراء البهشتي»، وكان في زنزانة مقابلة لزنزانتي.

لي عن هذا السجن ذكريات مع الاخوة الخوزستانيين أذكر بعضها:

* كان لي مع «آل ناصر الكعبي» جلسات خاصة. وجدت الرجلَ متميزا بين الآخرين، ويحترمه الجميع. كان حين يمرّ أمام أعضاء التنظيم يقومون له احتراما. لم يشترك في مَرَح أصحابه وضحكهم ومزاحهم ولهوهم، بل ينفرد عنهم انفراد سكينة ووقار لا انفراد تعال واحتقار. هذه الجلسات بدأت بمحاورات في اللغة، العربية والانجليزية والتركية، كما تخللتها دروس في قواعد اللغة العربية كما ذكرت… ثم تطورت الى الحديث عن مشاكل الاسلام المعاصرة، ومأساة سيطرة الطواغيت، ثم تطورت أكثر ففاتحته بالارتباط التنظيمي، وهو رحّب بذلك واستبشر به. طبعا لم تكن العلاقة قد تطورت بيننا الى درجة هذه المفاتحة، وكان ذلك مني ومنه خلاف الاحتياط.

بعد خروجي من السجن قرأت في الصحف نبأ إعدامه واعدام دهراب الكعبي والشيخ عيسى، وكان وقعه عليَّ مؤلما جدّا.

كان «آل ناصر الكعبي» طافحا بالشخصية والمروءة، وما أتذكره من كلامه قوله وهو يخاطبني: سيدنا يجب أن تكون المرأة كاملة الانوثة! هذه العبارة أثرت في نفسي لما فيها من دلالة في حدّ نفسها. ولصدورها من رجل متميّز في عقله وإربه.

* جاري حنش كان أيضا محترما بين قومه، وقورا، ربعة فى الجسم، وفي الستين، وما أذكر من كلامه: عندي ثلاث زوجات! وأخيرا تزوجت برابعة!! ولم أدخل عليها. وقررت - إذا لم يطلق سراحي حتى عيد الفطر - أن أطلقها كي لاتبقى معلّقة!… لكنه اُطلق سراحه قبل عيد الفطر.

بالمناسبة سألته يوما عن معنى «حنش»، فلم يجب. ثم طلب مني السيد باقر أن لا أعيد عليه السؤال. قلت له بتعجب: لِمَ؟ قال: لأن معنى كلمة «حنش» ليس بجيد. تعجبت أكثر وسألته عن سبب هذه التسمية. قال: ثمة اعتقاد بين أهل المنطقة أن الولد. إذا سمّي بأسوأ الاسماء يبقى حيا ويسلم من حوادث الدهر! اعتقاد غريب! والاغرب منه أن حنشا بقي حيا دون سائر إخوته الذين ماتوا!!

* كانت الليالي ليالي رمضان. والاخوة الخوزستانيون يجتمعون بعد الافطار في ممرّ السجن، يفرشونه بالبطانيات، ويعملون الشاي، ويشعلون «النارجيلة»، وأنا أنظر اليهم من الزنزانة. بعد أن سمحوا لي بالخروج الى الممرّ اشتركت معهم في جلساتهم. وتقرر أن أتحدث اليهم كلّ ليلة، ثم يقرأ السيد كاظم - أحد الاخوة الخوزستانيين، وكان حسن الصوت ينشد الشعر والمدائح والمراثي الدينية - بعدها رثاء الحسين عليه السلام على العادة الجارية. كان حديثي يتضمن، بغير صراحة، إدانة للنظام الحاكم. أتحدث عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب‏عليه السلام، وعن عدله، وعن صفة الحاكم الاسلامي. وكانوا يبتهجون لهذا الكلام ويُسَرّون به. ولا غرو في ذلك فالكلام يتناسب مع تطلعاتهم ومع مايحملونه من آمال وآلام.

مسؤولية الانفاق على الجلسة يتحملها كلَّ ليلة أحدُ أفراد الجلسة، الّا أنا، فقد كنت مفلساً تماما. معظم الانفاق يكون في شراء الشاهي والسكر.

* كان في السجن معنا أيضا أرمني اسمه «هاوانسيان» عرفنا بعد ذلك أنه من قادة «حزب توده» [٧]. كان يتمتع بين السجناء برفاه خاص. وتتوفر لديه من الامكانات مالا تتوفر للآخرين. هذا السجين الأرمني اقترب مرة من جلستنا الرمضانية، وأصغى الى حديثي، فانشرح كثيرا.

بعد ليال جاء واقترب منا وقال: هل تسمحون لي أن أتحمل مسؤولية الانفاق على الجلسة التالية؟ قلت: على الرحب والسعة.

والطريف أنه كان يعرف رأينا في النجاسات والطهارات، ويعرف أنه إذا مسَّ شيئا يتنجّس في رأينا (هذا هو الرأي السائد بين العلماء بشأن أهل الكتاب، وأشير استطرادا الى أني أعتقد بطهارة أهل الكتاب). لذلك فان الرجل قدم لنا الشاهي والسكر، وتركه عندنا ليعمله الاخوان بأنفسهم.

* كنا نتزاور في الزنزانات. الاخوة العرب كانوا يترددون عليَّ كثيرا، وأنا أزورهم أيضا. واتفق أن زرت ليلة «هاوانسيان» فقدّم لي مالا تمسّه يده!

كنت اهتمّ بنظافة الزنزانة اهتماما شديدا، لكن أصدقائي كانوا لايراعون ذلك، فقد اعتادوا أن يلقوا برماد السجائر وأعقابها على الارض. لذلك عملت نفّاضات من علب السجائر، وكنت حين أرى أحدهم يدخّن أضع تحت يده نفاضة… فينظر اليها مستغربا ويحوّل يدَه الى مكان آخر كي لايسقط الرماد في النفاضة!

* * *

قضيت شهرا ونصف الشهر في هذا السجن، مرّت عليّ فيه حوادث مضحكة مبكية!

في إحدى الليالي الاولى من سجني، إذ كنت قابعا في الزنزانة ولم يُسمح لي بالخروج منها، سمعت أصواتا جديدة تتحدث باللهجة الطهرانية. علمت أنهم نزلاء جُدد. أصغيت الى كلامهم فاستنتجت أنهم اعتقلوا قبل ساعات. فتح أحدهم نافذة زنزانتي ورآني. سألني عن اسمي، أخبرته، وقلت: أنا طالب ديني من مشهد. عرفوني على أنفسهم، وذكروا لي سبب اعتقالهم، ففهمت أنهم مجموعة من التجار الشباب العاملين في السوق. وفي داخل السوق يوجد «المسجد الجامع» المعروف. وفيه أروقة عديدة. وفي أحد الاروقة يؤمّ الناس في الصلاة عالم ثوري واع. وبعد الصلاة يرتقي المنبر عادة في شهر رمضان خطيب يعظ الناس. وإمام الجماعة هذا يدعو الخطباء الثوريين. وفي أثناء إحدى الخطب ارتفع الحماس عند هؤلاء الشباب فرفعوا أصواتهم بالهتافات، وهجم عليهم الشرطة واعتقلوهم ونقلوهم الى السجن. سُررت بهم كثيرا لأني لم أَك بعد قد أنست بالخوزستانيين. ثم بعدها ببضع ساعات سمعت أصواتا تدلّ على إطلاق سراحهم. سادني شعور بأني فقدت شيئا بذهابهم.

عند الغروب أقمت الصلاة، وجلست للتعقيب، فاذا بأحدهم يفتح نافذتي ويقول: «سيدنا أنا عدت». سألته عن الباقي، قال: أُطلق سراحُهم. عرفت أن الرجل استثنوه من بقية أصحابه وأبقوه في السجن ومكث فيه مدة طويلة، بعد أن فُتحت باب زنزانتي وسُمح لي بالخروج منها متى أشاء كان هذا الشخص يأتيني ويفطر معي. وعرفت من خلال معاشرتي له أنه بسيط وساذج الى حدّ كبير، خلاف أترابه من شباب الكسبة والتجار النشطين في التحرك الإسلامي في ايران، فقد كانوا غالبا أذكياء وشطّار.

وكان الرجل من بساطته وصفاء نفسه يطلب من المراتب المأمورين بحراسة داخل السجن أن يطلقوا سراحه! رغم أنه من الواضح تماما أن هؤلاء المأمورين لا يملكون القدرة على ذلك. وكان يلحّ عليهم ويصرّ في الطلب. حتى لايجد المأمور المسكين حيلة غير أن يعده باطلاق سراحه يوم كذا… عندها يستبشر صاحبنا بذلك ويطير فرحا، وقد يأتيني ويخبرني بما حصل عليه من وعد! ويعرض عليّ استعداده لأي خدمة خارج السجن.

وأخيرا أُطلق سراحي، وبقي هو في السجن، وسمعت بأنه أحيل الى المحكمة وحكم عليه بالسجن سنة أو أقل بقليل.

والغريب في الامر جريمة هذا الرجل… إنها مضحكة حقا… لقد وجدوا في مذكرته بيت شعر عاميا. سخيفا في معناه، وفي ركاكة لغته وفي وزنه، ومليئا بالاخطاء في قواعد اللغة، وفيه تعريض وطعن على رضا بهلوي والد محمد رضا الذي كان يومئذ على سرير الملك.

جمله بگوئيد از بُرنا وپير

لعنة اللّه رضاشاه كبير

بهذا الذنب الموهوم جدا حُكِمَ على المسكين البسيط بالسجن. والقضية تبين مدى سخافة الحاكم والمحكمة!

* * *

ذكرت أن خمسة عسكريين كل منهم برتبة رئيس عرفاء كانوا يتناوبون في حراسة السجن، رئيسهم «ساقي»، والاربعة الباقون اثنان منهم فظان غليظان والآخران لطيفان خلوقان.

«ساقي» عسكري طويل ضخم قوي البنية عريض مابين المنكبين، ذو إرادة وعزم وشخصية، لغته الفارسية تميل الى اللهجة التركية، من المراتب لكنه يوجّه الضباط ويأمرهم. وأنا رأيت ذلك بنفسي. ففي إحدى مرات استدعائي الى غرفة التحقيق كان المحقق - وهو برتبة عقيد - يطرح عليّ الاسئلة وأنا أجيب إذ دخل «ساقي» دون استئذان في الغرفة، وكان يتحدث مع العقيد بلهجة الآمر والناهي، وبلحن حادّ صارم.

ولاحظت مكانته بين الضباط في مناسبة أخرى، حين جاء رئيس الساواك «پاكروان» لتفقّد السجن. وكان برفقته عشرة ضباط لاتقل رتبهم عن عقيد. المتكلم الوحيد بين هؤلاء كان «ساقي» حين وصل «پاكروان» الى زنزانتي سألني بعض الاسئلة وأجبت. تدخل «ساقي» وقال بصوت هادر فيه شي‏ء من البُحّة وكثير من الاعتداد وهو يشير اليّ: هذا سجين هادئ أيها الجنرال!

كان رجلا ذا مروءة وشهامة، يحبّ من كان صامدا من السجناء ويوقّره ويحترمه. وبالعكس كان يتشدّد مع الضعفاء، وما إن يرى سجينا يستعطف أو يبكي حتى ينهال عليه بالشتائم ويوبّخه على فعلته التي جاءت به الى السجن.

أحد الاخوة حدثني كثيرا عن مروءة هذا العسكري ورجولته، وذكر لي أن «ساقي» دعاه الى بيته بعد إطلاق سراحه، ولبّى الدعوة، وتحدث معه في البيت حول كثير من القضايا!

بعد انتصار الثورة الاسلامية أُلقي القبض على رئيس العرفاء «ساقي» فيمن أُلقي عليه القبض من العاملين في السجون السياسية. كنت آنئذ في مجلس قيادة الثورة. وكان المجلس مجتمعا بأعضائه الكثيرين إذ وصلنا خبر اعتقال «ساقي». سادت حالة من التأثر على جميع أعضاء المجلس ! فأغلبهم كان قد مرّ بسجن «قزل قلعه» وعرف «ساقي». اتفقنا على أن نكتب شهادة نُعرب فيها عن رضانا عن هذا العسكري، ونوقّع عليها جميعا. وفعلنا ذلك.

* * *

بالنسبة الى استوار «زماني» اكتفي بذكر موقف له خلال زيارتي للشيخ الهاشمي الرفسنجاني حين كان معتقلا في معسكر «عشرت آباد» ويسمى الآن معسكر «وليّ عصر» بطهران سنة ١٣٥١ أو ١٣٥٢ هجرية شمسية (١٣٩٢ أو ١٣٩٣ه. ق).

عزمنا - أنا وزوجتي على زيارة الشيخ ولم تكن زيارة السجناء السياسيين بالأمر السهل، غير أني - بسبب تجاربي في السجون - تمكنت من تحقيق الزيارة لي ولزوجتي، دخلت هي المعسكر أولا، وأنا على الأثر بتدبير لطيف، وواجهنا الشيخ وهو يضحك فرحا من الاسلوب الذي تمكنّا به من زيارته.

كنت خلال حديثي مع الشيخ أرى عسكريا واقفا قربنا ينظر اليّ وهو يبتسم. بادلته الابتسامة والمجاملة. ثم رأيت أن الابتسامة لاتفارق وجه العسكري خلال مدة اللقاء وهو يرمقنا بنظرات حادّة! بعد خروج الشيخ الهاشمي من السجن قال: أعرفت الذي كان ينظر اليك ويبتسم؟ ! قلت: لا. قال: انه «استوار زماني» وأغلب الظنّ أنه عرفك.

نعم… أظنّ أنه عرفني. فقد كنت معه شهرا ونصف الشهر في سجن «قزل قلعه». ولكن لم أعرفه لانه سمن خلال هذه المدّة (١٠ سنوات) وتغيّرت ملامحه. لقد عرفني، لكنه لم يظهر ذلك ولم ينبس ببنت شفة!!

* * *

بلغني خلال أيام السجن أن أوضاع البلد تسير خلاف ما يرومه النظام الحاكم… فقد حدثت حملة اعتقالات على أثر تصاعد النشاط الاسلامي الحماسي أيام شهر رمضان في بعض المساجد.

وممّن اعتُقل في هذه الحملة عدد من زملائنا مثل الشهيد باهنر الذي استُشهد بعد انتصار الثورة سنة ١٣٦٠ه. ش حين كان رئيسا للوزراء على أثر انفجار أودى بحياته هو والشهيد رجائي رئيس الجمهورية، دبّرته الزمرة المنافقة. وبين المعتقلين أيضا عدد من خطباء طهران. ومع أن هؤلاء المعتقلين كانوا أيضا مودعين في سجن «قزل قلعة» أيضا، لم يتفق أن أزورهم في السجن لأنهم في قسم آخر منه.

* * *

كان مسؤولو السجن يسمحون لنا في بعض أيام الاسبوع بالتفسّح في الساحة لاستنشاق الهواء الطلق والاستفادة من نور الشمس لمدة ربع ساعة تقريبا. وهذا السماح يحدث طبعا بعد انقضاء أيام التحقيق التي تطول أو تقصر بحسب نوع الاتهام، وقد تطول الى شهرين أو أكثر.

في أحد أيام التفسّح رأيت في جانب من الساحة رجلا طويلا في العقد الخامس من عمره يتمشى بوقار وهدوء، تبدو على ملابسه الرتابة والنظافة مما يوحي بأنه من الشخصيات الهامّة المعتقلة. سألت عنه فعلمت أنه العميد قرني، وهو من كبار جنرالات جيش الشاه، وكان له نشاط حركي وربما ديني، واتصل بصورة غير مباشرة بالسيد الميلاني الذي كان يعتبر من المراجع الحركيين، وعرض عليه مشروع تزعّم حركة انقلابية يشتركان فيها معا. كنت قد سمعت ذلك من قبل ولم تكن المعلومات متوفرة لدينا عن موقف السيد الميلاني رحمه الله من هذا المشروع. غير أن كل شي‏ء انتهى بانكشاف الخطة والقاء القبض على الجنرال وعلى من كان يتوسط بينه وبين السيد الميلاني وهو أحد أقارب السيد، وحكم على الجنرال بالسجن لمدة ثلاث سنوات.

جدير بالذكر أن قرني هذا كان ممن عيّنه الامام الخميني رحمه الله قبل انتصار الثورة الاسلامية عضوا في مجلس قيادة الثورة الاسلامية، ثم بعد الانتصار أصبح وزيرا للدفاع، ثم استشهد بيد زمرة المنافقين الآثمة.

* * *

كنت جالسا في ممر السجن بعد صلاة ظهر يوم من الايام آكل وحدي طعام الغداء، وأذكر أنه كان حساء، واذا بشرطي يناديني وقال: أنت مطلوب في المكتب. ارتديت عباءتي وذهبت الى مكتب الضابط. وحين رآني قال: أنت مطلق السراح. إجمع أمتعتك واخرج! عدت الى الزنزانة وقلبي طافح بسرور مشوب بشي‏ء من الاسف على مفارقة هؤلاء الاخوة الذين أنست بهم كثيرا بعد تلك المعاشرة الحلوة في أيام السجن ولياليه.

كنت أجمع أمتعتي إذ رفع الشرطي صوته داخل السجن قائلا: فلان أطلق سراحه. فهبّ جميع السجناء من زنزاناتهم، وساعدوني في جمع الامتعة التي جاء بها بعض أهلنا في طهران الى السجن من بطانية وغيرها، ولم تكن شيئا يُذكر، فحملها الشرطي. ثم اجتمع الاخوة العرب، وعملوا «هوسة» عربية ردّدوا فيها معها: «ياسيّد جدّك ويّانَ» و «ويّان» تعني في اللهجة العامية: معنا.

بعد أيام حان موعد المقابلة الاسبوعية للسجناء. ولم يكن لي مقابلة مدة وجودي في السجن طبعا، إذ كنت ممنوعا منها. فاشتريت حلويات وذهبت الى السجن، فزرت الاخوة ووزعت الحلويات عليهم.

* * *

حين خرجت من السجن سمعت أن بعض العلماء الشباب المسجونين في المعتقلات المختلفة قد أطلق سراحهم قبلي بأيام. والساواك اصطحب هؤلاء الى محل الاقامة الاجبارية للامام الخميني في منطقة «القيطرية» بطهران، لمقابلة الامام. وكان يستهدف بذلك امتصاص بعض النقمة في نفوس هؤلاء العلماء.

هاج الشوق في نفسي وقلت: لأتوكّل على اللّه وأذهب أنا أيضاً الى مقرّ الامام لعلهم يسمحون لي بالمقابلة.

حصلت على العنوان ويمّمت وجهي نحو القيطرية، وكانت إذ ذاك خالية الا من بعض البيوت (أصبحت الآن آهلة بالسكان). اقتربت من بيت الامام، وكان الحرس يحيطون بالبيت. قلت لبعضهم: أنا خرجت أخيراً من السجن وأريد أن أقابل السيد كما قابله السجناء الآخرون. اختلفوا فيما بينهم. منهم من قال: هذا رجل بسيط تحمّل مشاق الطريق، ووصل الى هذا المكان، فلنسمح له. ومنهم من رفض. ثم اتفقوا على أن يسمحوا لي بالدخول لدقائق معدودات.

طرقت الباب، ففتحه المرحوم السيد مصطفى نجل الامام. فاندهش لرؤيتي.، وسألني: متى أُطلق سراحك؟ ! قلت: قبل يومين.

دخلت احدى الغرف واذا بالسيد أمامي. جاشت في نفسي أحاسيس مبكوتة، وتفجّرت أمامه عواطفي… ورحت أصف له حالة الامة والاحبّة عند غيابه، وبينت له أن موسم رمضان هذا العام ذهب هدرا دون عطاء… فلنخطط من الآن لموسم محرم… وخرجت بعد دقائق.

السجن الثالث‏

في بداية سنة ١٣٤٦ هجرية شمسية (١٣٨٧ه. ق) اعتُقلت وأودعت السجن. وهو سجني الثالث. وهذه السنة من السنوات القاسية المؤلمة للاسلاميين في ايران. ففيها شدّد نظام الشاه على علماء الدين. وقبل اعتقالي بأيام كان «السيد حسن القمي» الذي كان يومئذ من كبار العلماء في مشهد وهو الآن حي يرزق والحمد للَّه قد اعتقل ونُفي الى «زابل». وفي هذه السنة بالذات حدثت «نكسة حزيران» ومأساة حرب الايام الستة التي أدمت قلوب المؤمنين. وما كان يدمي قلوبنا أكثر في إيران الاعلام الحاقد الشامت الذي مافتئ يعرب عن فرحه بما حلّ بالعرب عامة وبعبد الناصر بشكل خاص. ولا أنسى ما كتبه «أميراني» في مجلة «خواندنيها» فقد قرأت مقالات هذا الرجل الحاقد - وأنا في المعتقل - وكان يشمت صراحة بما حدث من نكبة، وكان يتحدث بلغة تحزّ في قلب كل الاسلاميين وأبناء الشعب الايراني المسلم عامة.

* * *

وللتقديم أذكر أني انتقلت من «قم» الى «مشهد» سنة ١٣٤٣ هجرية شمسية (١٣٨٣ه. ق)، وتزوجت سنة ١٣٤٤ هجرية شمسية (١٣٨٤ه. ق) وبعد العودة الى مشهد بدأت بسلسلة جديدة من النشاطات الفكرية والسياسية، فقد كانت لي اتصالات متواصلة مكثفة مع العناصر الحركية وشخصيات المعارضة في مشهد. وهكذا مع الشباب من طلب العلوم الدينية والجامعات، وكانت لي أيضا جلسات تفكير وتخطيط وتدريس ودعوة. من ذلك عقد جلسات لتدريس المعارف الاسلامية التي ترتبط بالنهضة الاسلامية، لجمع من الشباب، ومن هذه النشاطات الحركية انشاء مؤسسة للطباعة والنشر بالتعاون مع «الشاعر الفقيد قدسي» و «الشهيد تديّن» ونفر آخر من خراسان، أسميناها «سپيده» (أي: الفجر). بدأنا من خلالها بنشر بعض الكتب الاسلامية. ذات المضامين الحركية ثم ترجمت كتاب «المستقبل لهذا الدين» لسيد قطب، وبدأنا بطباعته في «مطبعة خراسان» المعروفة. كانت طباعة الكتاب على وشك الانتهاء إذ رحلنا من مشهد مع الاهل والأقارب في رحلة سياحيّة. وكان ذلك في شهر فروردين سنة ١٣٤٥ هجرية شمسية (اواخر سنة ١٣٨٥ ه. ق) وابني «مصطفى» آنذاك ابن اربعين يوما. ذهبنا الى طهران ثم الى قم ومنها الى إصفهان، وبعدها عدنا الى طهران لنعود منه

ا الى مشهد. كنا في أحد فنادق طهران حين بلغنا خبر هجوم الساواك على مطبعة خراسان ومصادرة كل نسخ ترجمة كتاب «المستقبل لهذا الدين» والقاء القبض على مدير مؤسسة «سپيده». وقيل لي: إن الساواك يبحث عنك ليلقي القبض عليك. بعد برهة بلغني خبر اعتقال واحد آخر من أعضاء المؤسسة.

أيقنت أن الساواك جادّ في اتخاذ موقف متشدّد من الكتاب ومترجمه. طرحت الامر على زوجتي وأمها التي كانت ترافقنا. واقترحت أن يعود الجميع الى مشهد، ويجعلوني في صورة الموقف هناك، ويخبروني ما إذا كانت المصلحة تقتضي بقائي في طهران أو عودتي الى مشهد. بقيت وحدي في غرفة الفندق.

بعد أيام جاءني أحد الاخوة بخمسين نسخة من ترجمة الكتاب المذكور. عرفت أن الاخوة أحسّوا بالخطر، فاحتفظوا قبل هجوم الساواك بمائة نسخة من الكتاب.

سررت كثيرا بالكتاب، لأنه أول اثر يُطبع لي، وكانت طباعته جيدة، وتصميم غلافه جميل. وزعت بعض النسخ على الاصدقاء، وأودعت الباقي عند أحد أقاربنا، وأخبرته أن هذه الكتب محظورة وخطرة.

بعد بضعة أيام دعاني أحد الاصدقاء الى مسجد وُضع حجره الاساس ولم يُبنَ بعد. والمهتمون بأمر هذا المسجد أرادوا أن يستثمروا أرضَه في موسم «محرم» فأحاطوه بسياج موقت من صفيح، وغطوه بخيمة، وأعدّوه للصلاة والذكر. قبلت الدعوة وكنت أَوّم الناس في الصلاة وأصعد المنبر بعد الصلاة في العشرة الاولى من محرّم، ثم دعوت خطيبا للعشرة الثانية وخطيبا آخر للعشرة الثالثة. ذاك المسجد هو نفسه أصبح بعد بنائه مسجد أمير المؤمنين المعروف بشارع «نصرت» قرب جامعة طهران.

كنت أتمشى يوما في شارع قرب جامعة طهران إذ واجهت فجأة «الشيخ الهاشمي الرفسنجاني». رأيت الشيخ ينظر اليّ بدهشة واستغراب! قال لي: كيف تمشي في الشارع بهذا الشكل ولا تستتر؟ !

قلت: علام أستتر؟ أنا أؤم الناس في المسجد وأرتقي المنبر.

قال: أنت مُطارَد. وانكشفت مجموعة الاحدَ عشر. وأن الشيخ الآذري القمي قد ألقي القبض عليه، ونحن مطاردون في طهران. وذكر لي أنه كان راكبا في الباص، وعندما رآني ترجّل من الباص ليخبرني بالامر.

قلت: طيب، وماذا نفعل الآن؟

قال: عندنا اليوم جلسة مع بعض أعضاء المجموعة للتشاور فيما ينبغي أن نفعله.

وكان الميعاد في «شارع ايران» من شوارع مركز العاصمة، لأنه لم يكن لأحد من أعضاء المجموعة بيت في طهران، وماكنا نريد إحراج أحد الاصدقاء.

التقينا في الشارع وكنا أربعة: أنا والشيخ الهاشمي، والشيخ ابراهيم الاميني، والشيخ القدوسي.

وسبق أن الساواك كان قد استدعى الشيخ القدوسي قبل أيام، وحقق معه بشأن مسائل ترتبط بمجموعتنا الاحد عشر، وكان يهمنا الاطلاع على ماجرى من حديث في هذا التحقيق كي نعرف مدى انكشاف أمر المجموعة لدى الساواك، وهذا هو الموضوع الاصلي لاجتماعنا.

بقينا حائرين في انتخاب المكان الذي نجلس فيه للتشاور في هذا الامر الخطير. واتفقنا أن نذهب الى مطب «الدكتور واعظي»، وهو طبيب متدين من أهالي مدينة «نجف آباد» (نفس مدينة الشيخ الاميني)، ومطبه قريب من ميعادنا، فنجلس في غرفة الانتظار لنتشاور في الامر، والجلوس في غرفة انتظار الطبيب أمر طبيعي لايلفت النظر.

لسوء الحظ كان المطب خاليا من المراجعين، وماكان بامكاننا أن نجلس في غرفة الانتظار. فلا انتظار عند خلوّ المطبّ من المرضى! خرجنا من المطب.

* * *

وبالمناسبة أذكر قصة وقعت بشأن جلستنا هذه في غرفة انتظار مطب الدكتور بعد مضيّ اثنى عشر عاما عليها: في أحد الليالي كنا في بيت الدكتور واعظي بعد أيام قلائل من انتصار الثورة الاسلامية وكان «الشيخ محمد منتظري» حاضرا وبيت الدكتور مجاور لمطبّه في بناية واحدة. قلت للدكتور: سبق لي أن رأيتُ هذه البناية، ولكن لابهذه الحداثة، ويبدو أنك رمّمتها وأعدت بناء بعض أجزائها. كنت أتحدث معه سنة ١٣٥٧ هجرية شمسية (١٣٩٨ه. ق)، وقلت له: لقد دخلت هذه البناية عام ١٣٤٥هجرية شمسية (١٣٨٦ه. ق) أي قبل اكثر من ١٢ عاما، ثم ذكرت للدكتور قصة لجوئنا الى مطبه وخروجنا منه حيارى آيسين. حدث للدكتور مالم أكن أتوقّع ! فقد أصيب بصداع، وبكى، ودعا على نفسه بالويل والثبور، لأن مطبه لم يستطع أن يؤوينا، وبدأ يلوم نفسه!! سارعت لتهدئته، وندمت على ماقلت، وماكنت أقصد إلّا أن أسرد ذكرى ترتبط بالبناية التي نجلس فيها.

* * *

أعود الى حديثي… خرجنا من المطب، واقترح أحدنا أن نلوذ ببيت «الدكتور باهنر» وكان قريبا من شارع ايران. ذهبنا الى بيته فوجدناه وحده وزوجته خارجة. طلبنا منه أن يخرج من البيت ويتركنا لوحدنا! فتقبل الامر بصدر رحب ودلنا على مكان الشاي وخرج.

بدأ قدوسي بالكلام وشرح لنا ماجرى بينه وبين محقّق الساواك، وما طُرحت عليه من أسئلة وقال: إنهم خلال الاعتقال الموقت أروني قائمة بأسماء المجموعة الاحد عشر. ثم التفت اليَّ وقال: لقد كان اسمك في بداية القائمة!

كان الخبر مرعبا، إذ من المحتمل جداً أنّ الساواك أطلق سراح الشيخ القدوسي ليتابعه ويكتشف ارتباطاته على كل حال خرج الاجتماع بقرار يقضي ضرورة الاختفاء لمن يقدر على ذلك…

ماكنت قادرا على الاختفاء في طهران حيث لامأوى لي أطمئن اليه. والمسألة جادة، فكل الاسماء انكشفت! واثنان من أعضاء المجموعة وهما «الشيخ المنتظري» و «الشيخ الرباني الشيرازي» أُلقي القبض عليهما، لابسبب انتمائهما الى المجموعة طبعا، بل لارتباطهما بقضية أخرى. وقرار الاخوة يقضي الاستتار.

قررت أن أسافر الى مشهد وأستتر هناك. لم أُخبر أحدا بقراري. حزمت حقيبتي وركبت الباص، واتجهت الى مشهد. كنت أحتمل أن الساواك سيلقي القبض عليَّ حال وصولي مشهد. لأني كنت مطارداً بسبب قصة الكتاب التي أشرت اليها. ولذلك ترجّلت قبيل المدينة عند الشارع الفرعي المؤدّي الى قرية «أخلمد». وهي قرية مصيفية جميلة تبعد عن مشهد عشرة فراسخ تقريبا، وكنت قبل ذلك قد سافرت اليها مرّات للاصطياف. كان الربيعُ لمّا ينقض والجوّ لم يُصبح حاراً بعد. مشيت فرسخين تقريبا للوصول الى القرية مخترقا شعابا جبلية خالية تماما من المارّة، والظلام قد خيّم أكثر مما يقتضيه الوقت كما هو الحال في الشعاب والأراضي المنخفضة. وحين أتذكر الآن تلك اللحظات أشكر الله سبحانه أن مَنَّ عليَّ بتلك الجرأة آنئذ. إذ كل شي‏ء في الطريق القروي ذاك يبعث على الخوف.

كنت أتردّد على هذه القرية في الصيف، وأعرف بعض أهلها. وعهدي بها أنها مزدحمة بالناس، لكني دخلتها هذه المرّة وهي خالية، لأن الجوَّ لم يزل باردا فيها، ولم يؤمّها المصطافون بعد.

أردت أن لا ألتقي أحدا في القرية، فذهبت الى دكان شخص لا أعرفه، فسألته عن حجرة للاستيجار، رحّب بي واصطحبني الى بيته، ومكثت عنده ليلة أو ليلتين، وقررت أن أترك القرية لأَنّ الغريب فيها يُعرفُ بسرعة، سيّما وأنها خالية من المصطافين. غادرتها الى مشهد.

كنت في مشهد أبيت ليلة في بيت الوالد وليلة في بيت والد الزوجة، ولم يكن لي بيت مستقل. وكان تردّدي في وقت السحر أو ساعة متأخرة من الليل. بقيت ثلاثة شهور على هذا المنوال. أخي السيد محمد، الذي كان ايضا من مجموعة الاحد عشر، اختفى في بيت الوالد.

في صيف هذا العام (١٣٤٥ه. ش - ١٣٨٦ ه. ق) جاءنا الشيخ هاشمي الرفسنجاني وعائلته الى مشهد وهو أيضا كان تحت التعقيب كما سبق الحديث عن ذلك، وذهبنا الى المصيف، ولي عن ذلك ذكريات لاترتبط بموضوعنا هذا.

سئمت من حالة الاختفاء في مشهد، فقررت أن أخرج من هذه الحالة. جئت الى طهران حيث كانت سعة المدينة وازدحام الناس وعدم اشتهاري فيها يسمح لأن أقيم فيها بوضع عاديّ، فاستأجرنا بيتا مع الشيخ الهاشمي وبقيت هناك الى آخر هذه السنة الهجرية الشمسية.

حلت سنة ١٣٤٦ه. ش (١٣٨٧ه. ق). قلت في نفسي: التعقيب خفّ الآن، فلأذهب الى مشهد، ولكن دون الظهور في الاماكن العامة.

عدت الى مشهد، لكن مثلي لايمكن أن يبقى هامشيا غير مكترث بما يحدث في المجتمع. كنت أتردّد على السيدين «الميلاني» و «القمي» وأتحدث معهما عمّا يشهده المجتمع من انحرافات، وأسأل مستنكراً عن سبب سكوت العلماء… وأحثّ على اتخاذ موقف حاسم من السلطة الفاسدة. ويبدو أن كلامي هذا قد نُقل الى الساواك بحذافيره، فقد عرفت ذلك بعد الاعتقال. ولابدّ أن يكون في حاشية السيدين من نقل ذلك.

في ١٤ فروردين (٢٢ ذى الحجة سنة ١٣٨٦٦ ه. ق) توفي «الشيخ مجتبى القزويني»، كان من الافذاذ العظماء… رجل شريف عالم مؤمن عابد زاهد عارف محترم مرهوب الجانب يوقّره حتى السيد الميلاني. كان الحادث جللا، وماكان بامكاني أن أقبع في البيت. كنت من المهتمين بأمر التشييع. بعد دفن الشيخ وتفرّق الناس - وكان ذلك بعد الظهر بقليل - توجهت مع أخي «السيد هادي» الى بيت الوالد. كانت الوالدة آنئذ في الحج والوالد وحيدا… في وسط الطريق حاصرنا رجال الساواك.

قالوا لي: تعال الى مقرّ السواك.

قلت: لا آتي.

استعانوا بالشرطة فحملوني وأخي وألقونا في السيارة! في مقرّ الساواك أطلقوا سراح أخي وأبقوني لانني كنت أنا المستهدف.

ومن مبنى الساواك نقلت الى معتقل عسكري يقع في المعسكر، ويجاور مركز الخفارة، لأن مشهد لم يكن فيها آنئذ سجن خاص بالسياسيين … وسجني الرابع كان في هذا المكان أيضا. بعد ذلك أنشأوا سجنا خاصا للسياسيين، وكان اعتقالي الخامس فيه.

المعتقل كان مبنى نظيفا أبيض. كنا نسميه «القصر الابيض» ! أو «الفندق الابيض» ! فيه بعض الزنزانات الانفرادية وصالتان جماعيتان، إحداهما للجنود العاديين والثانية للمراتب، أما إذا كان السجين ضابطا فله غرفة خاصّة ليست طبعا مثل زنزانات السجناء السياسيين، بل فيها شي‏ء من الرفاه وبابها مفتوح.

كان نزلاء السجن عسكريين. ولم يكن فيه مدني سوى شاب من كسبة مشهد واسمه «قاسمي». فرح هذا الرجل كثيرا عندما رآني. ويبدو أن اعتقاله كان بسبب سفره الى العراق وعودته الى ايران ومعه أوراق ترتبط بالامام الخميني.

وكان في السجن آنئذ ضابط شاب اتهم بقتل زوجته، مودع في غرفة خاصة بالضباط، يخرج منها متى يتمش في أروقة السجن أحيانا بحالة فخر واعتزاز ولا يعبأ ببقية السجناء.

وكنا أنا وقاسمي أيضا في غرفتين انفراديتين ولكن لا كغرفة الضابط، فهي خالية من وسائل الراحة وأشبه بالقفص وكان الباقون في صالات جماعية.

لم يكن باب الزنزانتين مقفولا، وذلك يتفق أن نلتقي أنا وقاسمي رغم تعرّضنا أحيانا لنَهرِ الحرّاس وردعهم.

وهنا لابد أن أشير الى أنّ حالة السجون قبل الخمسينات (أي قبل سنة ١٣٥٠ه. ش) كانت تختلف تماما عمّا أصبحت عليه بعد الخمسينات بالنسبة للسياسيين. إذ كان اللقاء بين السجناء وممارسة المطالعة والكتابة واصطحاب بعض الكتب وأدوات الكتابة والمذياع أمرا ميسورا رغم أنها لم تخل أحيانا من صعوبة بسبب تشدّد بعض مسؤولي السجون. أما في الخمسينات فقد أصبحت هذه الامور محالة أو شبه محالة.

* * *

في الأيام الأولى من السجن حل شهر محرّم سنة ١٣٨٧ه. ق. وهو شهر يسود فيه جوٌّ ديني وتعقد المنابر للوعظ ولذكر الحسين عليه السلام. تعاون «قاسمي» معي على إقامة الشعائر الاسلامية في السجن، فحثّ السجناء على إقامة الجماعة. فكنت أؤمّ هؤلاء العسكريين السجناء، وأخطب فيهم، وأعظهم بعد الصلاة، و «قاسمي» يتولى بعدي ذكر واقعة كربلاء والنياحة على الامام الحسين‏عليه السلام.

واستمرّ الوضع على هذا المنوال. بضع ليال، وفي إحدى الليالي دخل الضابط المسؤول عن السجن، فرأى العسكريين السجناء يصلون خلف سجين سياسي!! توقّع - حين دخل السجن - أنّ الجنود سيقفون مستعدّين ويؤدون له التحية العسكرية. لكن الوجوه كانت متجهة الى القبلة ولم يكترث به أحد! فكبر عليه المشهد، وغادر السجن غاضبا.

بعد انتهاء الصلاة جاءني أحد مسؤولي السجن وقال.: أنت غير مأذون في إقامة الجماعة والتحدث الى العسكريين. وكان هذا المنع لصالحي، إذ ازداد تعاطف العسكريين معي. قلت لهم: واصلوا جلساتكم كل ليلة، وأقرأوا خلالها صفحات من كتاب: «آنجا كه حق پيروز است» (أي: هناك حيث ينتصر الحق)، وفيه تحليل لثورة الحسين عليه السلام وتراجم لشهداء كربلاء.

* * *

في أحد الايام جاؤوا بابني مصطفى الى السجن، وهو في الثانية من عمره.

جاء بعض الجنود وهو يركض قائلا: جاؤوا بابنك… وتطلعت الى باب السجن، فرأيت أحد الضباط يحتضن مصطفى ويتجه نحوي. أخذت مصطفى وقبلته لم يعرفني الطفل بسبب غيابي الطويل عنه في السجن، فنظر اليّ واجما مندهشا! ثم أجهش ببكاء شديد، ولم أستطع أن أهدّئه، فأعدته الى الضابط ليردّه الى الاهل المحظورين من لقائي. وترك فيّ ألما بقي يحزّ في نفسي حتى بعد ذلك اليوم.

* * *

في هذا السجن بدأت بكتابة المذكرات اليومية للسجن، ولكني لم أواصل الى النهاية… إذ اعترتني حالة سأم، تركت بعدها الكتابة، وآخر عبارة كتبتُها في هذا السجن: «الى هنا أتوقف عن الكتابة، إذ ما الفائدة التي يمكن أن تترتب عليها؟ !».

واليوم حين أعود الى تلك المذكرات آسف لعدم المواصلة لأنها لم تكن - كما كنت أظن - غير ذات جدوى.

* * *

في هذا السجن شرعت في ترجمة كتاب: الاسلام ومشكلات الحضارة لسيد قطب، وترجمت أكثر الكتاب لكنّ حالة الضجر، التي تصحب عادة طول البقاء في زنزانة صغيرة مظلمة تسودها حالة الرتابة والتكرار، حالت دون إتمام مهمة الترجمة وكتابة المقدمة، وبقي العمل ناقصا حتى أيام السجن الرابع حيث أكملته. فالعمل على الكتاب بدأ في سجن وأنتهى في سجن آخر.

* * *

وفيما دونته في هذا السجن من مذكرات صور عن الاوضاع الخلقية السيئة بين العسكريين والانحطاط السلوكي لدى بعضهم، وسوء معاملة الضباط للجنود.

وتحمل مذكرتي سطورا عن الضابط السجين. فهذا الضابط كان لحسن الحظ فيه روح دينية ورغبة في أداء الفرائض والواجبات. وبلاء السجن يزيد الفرد عادة إقبالا على الدين وتوجها الى الدعاء والتضرّع، فهو كالفلك التي قال عنها اللَّه سبحانه: «وإذا ركبوا الفلك دعوا اللَّه مخلصين له الدين…. »

السجن الرابع‏

أعتقلت سنة ١٣٤٩ هجرية شمسية (١٣٩٠ ه. ق) على أثر التقارير العديدة المرفوعة عليّ الى الساواك.

كنت في إحدى ليالي صيف تلك السنة جالساً أستمع الى «صوت فلسطين». وكانت الايام أيام أيلول الاسود، إذ تعرّض الفلسطينيون الى مذبحة فظيعة في الاردن. الحادث جَلَل والمأساة كبرى، وما كان لنا تجاه تلك القضية سوى أن ننشدّ بقلوب دامية الى إذاعة فلسطين نستمع منها الى آخر أنباء المذبحة.

أذكر أن الاذاعة في تلك الليلة كانت تبثّ برقية «ياسر عرفات» من الاردن الى مؤتمر القمة العربي المنعقد في القاهرة. كنت أكتب نصّ البرقية من المذياع من خلال تكرار المذيع لها.

لا أزال أتذكر بعض عبارات هذه البرقية لشدة وقعها في نفسي. وحين قدم ياسر عرفات الى طهران سنة ١٣٥٩ هجرية شمسية (١٤٠٠ ه. ق) ذكرت له بعض عباراتها، من ذلك عبارة: «بحر من الدم… وعشرون الفا بين قتيل وجريح…» فقال ياسر عرفات: «بل خمسة وعشرون الفا بين قتيل وجريح!».

كنت منهمكا في الكتابة والاستماع إذ دخل عليّ أخي سيد هادي مذهولاً مدهوشا، فقال: أنت جالس هنا؟ ! قلت: وأين عساني أن اكون؟ ! قال: ألم يلقوا عليك القبض؟ ! قلت: أنت تراني جالسا أمامك!!

جلس على الارض، واستعاد أنفاسَه، وقال: كنت في مسجد «گوهرشاد»، إذ سمعت أحدهم (وذكر اسمه وهو شخص حاقد على الحركة الاسلامية ومتعاطف مع اتجاه السلطة الظالمة) يقول: إن السيد علي خامنئي قد ألقي القبض عليه، فنهضت من فوري، وهُرعت الى بيتك.

بعد أن اطمئن أخي على وجودي في البيت غادرني، لكنه ترك ذهني مشوشا بعض الشي‏ء. ما اهتممت بالامر كثيرا. قبل ظهر اليوم التالي ذهبت على عادتي الى بيت والدي، إذ كنت أزوره يوميا، أقضي معه ساعة من الوقت، أتباحث فيها معه حول المسائل الفقهية والعلمية، وأُسلّيه. كنت جالسا عند الوالد إذ دُقَّ الباب. ذهبت الوالدة لفتحه، ثم جاءت بعد هنيهة مذهولة وقالت:

- اثنان من أفراد الساواك جاءا يسألان عنك.

- وماذا أجبت؟

- قلت: غير موجود.

- لماذا كذبت يا أماه؟ !

- هؤلاء ذئاب ويجب دفع شرّهم!

وراحت تلعن الساواك والساواكيين، وتصبّ غضبها عليهم.

الوالد تأثر، وعلت وجهه مسحة من الحزن والكآبة، ثم قال لي عاتبا: ماذا حدث؟ لماذا تعرّض نفسك مرة أخرى للاعتقال والمحاكمة؟ !

حاولت أن أسلّي الوالدين وأرفع عنهما الكدر، قلت: لابدّ أنهم جاؤوا الى البيت خطأً، ليس هناك أي شي‏ء!

ثم خطر في ذهني أن الساواكيَين سيذهبان الى بيتي، فلابدَّ أن أسبقهما وأخبر زوجتي كي لاتُفاجأ. ودّعت الوالدين وخرجت مسرعا. ولما وصلت البيت وجدت الوضع طبيعيا. ولم يأت البيتَ أحد. أخبرت زوجتي بما حدث.

* * *

ومن الوفاء أن أقف ولو قليلا عند دور زوجتي في حياتي، فهي - أولا - تتمتع برباطة جأش ومعنويات قوية، لذلك ما رأيت عليها يوما أي خوف أو ضعف أو انكسار رغم ما تعرّض له بيتنا مرارا من هجوم الجلاوزة، ورغم اعتقالي أمامها مرات، بل رغم تعرّضي للضرب أمامها في منتصف الليل عند مداهمة بيتي لاعتقالي كما سأذكر فيما بعد.

كانت تزورني في السجن بمعنويات عالية قوية. تبعث في نفسي خلال زياتها الثقة والاطمئنان. وما حدث أن أخبرتني وأنا في السجن بخبر يزعجني، ولا أتذكر أنها نقلت لي مثلا خبر مرض أحد الابناء! أو شيئا يسوؤني عن الأهل والعائلة والوالدين.

ثم أذكر ثانيا صبرها الكبير على تحمّل شظف العيش قبل الثورة، وإصرارها على بساطة المعيشة بعد انتصار الثورة الاسلامية.

بيتنا كان ولايزال - وللَّه الحمد - بعيداً كل البعد عما يوجد حتى في البيوت العادية من فضول العيش وبهارج الحياة. وللزوجة السهم الاوفى والدور الاكبر في ذلك. صحيح أني بدأت حياتي بهذا الشكل ووجهت الزوجة في هذا الاتجاه، وأيقظت في نفسها هذه الروح، ولكن أقولها بصدق أنها سبقتني كثيراً في هذا المضمار.

وفي ذهني صور كثيرة عن زهد هذه المرأة الصالحة، لا يحسن ذكر بعضها، ومما يمكن ذكره أنها لم تطلب مني يوما شراء ألبسة أبدا، بل كانت تذكر لي حاجة الاسرة الضرورية جداً من الالبسة، وتذهب هي وتشتريها بنفسها.

ولم تشتر يوما حليا لها أبداً، كان لها حلي من بيت أبيها ومن إهداء بعض أقاربها باعتها جميعا، وأنفقت أثمانها في سبيل اللَّه تعالى. وهي لا تمتلك الآن أية قطعة من الحلي، ولا حتى خاتما عاديا. وأذكر من حوادث بيعها الحلي أن الشتاء قرب في أحد السنين في مدينة مشهد حيث البردُ يشتد، والناس يقبلون على شراء وقود التدفئة، وهو يومذاك الفحم بصورة خاصة. وفي مثل هذه الاوقات يراجعني عدد من المؤمنين ويضعون تحت تصرّفي مالاً لاشتري به الفحم وأوزعه على المحتاجين. وكنت عادة اشتري الفحم من دكان الفحام، وأضع ما أشتريه عنده، ثم أعطي حوالة لمن يحتاج ليأخذ الفحم من الدكان.

وفي تلك السنة، لم يراجعني أصحاب المال، بل راجعني الفقراء الذين يطرقون عادة أبواب العلماء في مثل هذه الايام طلبا للفحم، لكنهم كانوا يعودون من بيتي خائبين، غمّني الامر كثيرا.

رأت الزوجة الحالة، فاقترحت عليَّ أن أبيع معصما كان أخوها قد أهداه لها بمناسبة مولد أحد أبنائها. أَبَيت، لكنها أصرّت. أخذتُ المعصم، وحاولت أن أبيعه بأكثر مايمكن، والصاغة عادة يشترون الذهب بالوزن ولا يحسبون أجرة صياغته. واتفق أن جاءنا الى البيت جار وصديق لنا. ذكرت له القصة ليتشجع على بيع المعصم بأكثر ما يمكن. ذهب وباعه بألف وبضع مئة تومان، وقال: أنا أيضا أضيف الى المبلغ مثله. فاجتمع عندي مبلغ جيّد اشتريت به الفحم، وزال هم الاسرة، وبات أبوهم من بشاشته أبا لضيفهم والأم من بشرها أمّا، كما يروى عن الحطيئة.

كان هذا التحرر من فضول العيش له أكبر الاثر في حياتي لأنه ما استعبد الانسان الا هذه الزوائد الخارجة عن حدّ الضرورة، وحقا ما يقوله الشاعر:

لقد دقّت ورقّت واسترقّت‏

فضول العيش أعناقَ الرجال‏

لا بأس أن أذكر لكم أن الشيخ الرباني الاملشي كان صديقا حميما لي وكان مباحثي في دروس الحوزة العلمية في قم لسنين. جاء في صيف أحد السنين الى مشهد، وكنت آنئذ أسكن في تلك المدينة، ولي بيت، غير أني تركت البيت في ذلك الصيف لأسابيع، وأقمت في مصيف قريب من المدينة. والحياة في مصائف مشهد بسيطة لا تكلّف شيئاً، ويستطيع طلبة العلوم الدينية في عطلهم الصيفية عادة أن يقيموا في بيوت أو غرف تلك المصائف بتكلفة هابطة قد تقلّ عن تكلفة الحياة في المدينة. قلت للشيخ الرباني يمكنك أن تقيم في بيتي وهو خال خلال الاسبوع عدا يومين. وكنت قد خصصت اليومين للجلسات مع الشباب القادمين من أرجاء ايران. وكان البيت يمتلئ بهم من الصباح حتى الظهر. سلمته مفتاح البيت، وبعد أيام رآني وقال بعد أن شكرني: ظننت أن بيتك مؤثث، وما علمت أنك أخليت أثاثه وأخذتها الى المصيف… ولو كنت أعلم بذلك لذهبت الى الفندق… واسترسل في كلامه عاتبا على نواقص الأثاث في البيت بلهجة تدل على العلاقة الوثيقة الحميمة بيني وبينه. عرفت القصة وقلت له: أنا لم آخذ من البيت شيئا سوى عدد من البطانيات وعدد قليل من الصحون وكأس واحد وعدد من الملاعق… أخذ ينظر اليّ بدهشة واستغراب وقال: ماذ

ا تقول؟ قلت: نعم هذا ماعندي وأثاثنا كلّها هي التي تجدها الآن في البيت، ولا يوجد لديّ أثاث أكثر من هذا. ساد الوجوم على الرجل وهزّ رأسه وقال في دهشة ممزوجة بأسف على عتابه وقال كلمة مشفقة لا أنال أتذكرها.

ومثال آخر من حياتنا المعيشية أذكره لكم من فراش البيت. كان بيتنا مفروشا بالسجاد كما هو المعتاد في البيوت الايرانية غالبا. لكني رأيت أن هذا السجاد من الزوائد فبعته، وأبقيت سجادتين فقط في غرفة ضيوف زوجتي، وقلت في نفسي: هاتان السجادتان بدلا مما كان في جهاز الزوجة من السجاد. حين عزمت على بيع السجاد، أخفيت الامر عن عائلة الزوجة، وكان إخوانها وأخوالها من تجار السجاد وأعلم أنهم يمنعونني من ذلك. دعوت أحد الاخوان وهو موجود الآن في مشهد وقلت له: خذ هذا العدد من السجاد وبعها واشتر لنا بدله بُسُط. والبساط في إيران فراش زهيد الثمن صغير الحجم. قال نعم، وكرامة. ذهبَ وجاء بالبسط، ففرش ثلاث حجر وبقي شي‏ء كثير منها، لعلّ الذي فرشنا به الغرف لم يتجاوز تسعة بُسط، وبقي منها ١٤ أو ١٥ بساطا. قلت لأحد تلامذتي وهو الشهيد كامياب: إجلس في سيارة حاج صفاريان (وهو الاخ الذي باع السجاد واشترى لنا البسط) ووزّع هذه البسط على طلابنا، وأعط كل طالب بساطا أو بساطين حسب حاجته… وفعل ذلك وربما لاتزال هذه البسط موجودة في بيوت بعض أولئك الاخوة.

ثم رأت زوجتي ما فعلت، ولم تزد على أن تقول: لماذا أبقيت السجادتين في غرفتي؟ ! قلت: هاتان بدل ماجئت به في جهازك. قالت: لا، بعهما أيضا. دعوت نفس الاخ وباع السجادتين. ثم فرشنا غرفة ضيوف الزوجة بقطعتين من الموكيت وكان في نظرنا آنئذ أفضل من البساط. ثم إن الزوجة أهدت أخيرا قطعتي الموكيت ولم يبق في بيتنا حتى اليوم سوى البسط التسعة المذكورة، ولا يوجد في البيت سجّاد اطلاقا سوى استثناء واحد سأذكره لما فيه من طرافة.

بعد أن بعنا السجاد جاء أخوال الزوجة وإخوانها ورأوا ما فعلت استغربوا ولاموني على ذلك، وقالوا إن السجاد يبقى والبساط يبلى، وهذا ليس بزهد، بل هو الاسراف بعينه. قلت لهم: أولا لا أعتقد أن الاقتصاد ينحصر في شراء السجاد دون البسط، ثم إني فعلت ذلك لأن هناك من يزعم أني قدوة له، ولذلك أفضّل أن أعيش على البساط أو الموكيت.

ثم قال أحدهم: يُوجد سجاد هو أرخص من البساط، فلماذا لم تشتر مثل هذا السجاد؟ قلت: وهل يوجد مثل هذا السجاد؟ قالوا: نعم، هناك سجاد يطلق عليه تجار السجاد اسم الاقرع، وهو الذي ذهب صوفه في بعض جوانبه، وبقيت خيوطه. واذا أردت القناعة فاشتر مثل هذا السجاد. ذهبت واشتريت سجادتين قرعاوين. ولا تزالان موجودتين حتى اليوم، وهذا هو ا لاستثناء الذي ذكرته. والسجادتان هاتان مفروشتان في مكتبتي. فالبيت الذي أسكن فيه اليوم من طابقين، طابق للعائلة والطابق العلوي فيه غرفة لعملي وأخرى لاستراحتي وفيه صالة للمكتبة. والسجادتان مفروشتان في هذه الصالة. وهما تاريخيتان! ومن الطريف، أني كنت في مدة رآسة الجمهورية أسكن في بيت متواضع خلف مجلس الشورى. وكانت السجادتان مفروشتين في البيت، فجاء أحد الاصدقاء ورآهما، فسأل الاولاد: لماذا قلبتم السجادتين على القفا؟ ! ضحك الاولاد وقالوا: ليس هذا قفاها بل هو وجهها. وإنما ظنّ أنه قفاها لكثرة ماذهب من صوفها وبقيت خيوطها.

قلت أن هناك أمورا في بيتنا لا يحسن لي ذكرها، وما استسيغ ذكره، وأكرر أن الفضل فيه يعود الى منّة اللَّه سبحانه وتعالى علينا والى هذه الزوجة الصالحة، فان مواقفها تجاه زخارف الدنيا وفضول العيش تحتاج الى نفس كبيرة منّ اللَّه سبحانه بها على هذه المرأة، وشملتنا هذه المنّة. في كل الظروف الصعبة التي واجهتها من سجن وتعذيب ونفي ومحاولة اغتيال، لم أر على وجهها علامة انكسار، بل كنت أستلهم من عزمها وإرادتها ما يعينني على مواصلة الطريق.

حتى والدتي رحمها اللَّه مع ما كانت عليه من الصبر والبصيرة والصلابة لم تكن بهذه الدرجة من التحمّل والصمود. أمّي، كانت شجاعة ومقدامة، وكانت تشجعني على مواصلة الجهاد، حتى أنّها وقالت لي بعد خروجي من سجني الاول: أنا أفخر بك يا ولدي وأسأل اللَّه لك التوفيق على هذا الطريق… ولكنها عند تكرر السجون والاعتقالات رقّت وبدأت تكلمني بما يشبه العتاب على انقضاء فترة شبابي في السجون والمعتقلات. أما الزوجة فلا، لم يبد عليها أي ضعف أو ضجر أو ملل.

* * *

أعود الى حديث عودتي من بيت الوالد الى بيتي. لقد بدأت زوجتي على الفور تساعدني في الاستعداد لدخول السجن. كنت حين يحدث ما يقوّي ظنّ اعتقالي أتهيّأ لدخول السجن باعداد بعض المستلزمات الضرورية. أبدّل ملابسي، وأقصّ أظفاري، وآخذ من شعر لحيتي وشاربي وأتنوّر، وفعلت كل ذلك.

الذي كان يدغدغ خاطري آنئذ عدم اكتمال ترجمة كتاب «صلح الحسن». لقد كنت مشغولا بترجمته، والناشر مهتم جدا في الاسراع بطباعته. ولقد أخذ مني ما ترجمته من الكتاب ودفعه الى المطبعة، وبعث لي بالنماذج للتصحيح. فبعض الكتاب مطبوع، وبعضه مترجم ويحتاج الى المراجعة، وبعضه غير مترجَم.

انشغلت بتنظيم الكراسات وفرزها وترتيبها، كي أستطيع أن أطلب ما أريد منها حين أدخل السجن، فلعلهم سمحوا لي باكمال عملي هناك.

ثم تغدينا وصلينا الظهر والعصر، وجلسنا ننتظر قدوم رجال الساواك. زوجتي غلب عليها الكرى وراحت تغطّ في نوم عميق.

دخلت المكتبة لأستخرج ما قد يُسمح لي بمطالعته من كتب داخل السجن، وهناك خطرت في ذهني فكرة… لماذا لا أتوارى عن الانظار، وأختفي في مكان آمن، لأُكمل الكتاب، ثم بعد ذلك ليحدث مايحدث. استخرت الله سبحانه في القرآن الكريم مرارا، فكانت الآيات الكريمات كلها مشجعة على الاختفاء، وأذكر منها الآية الكريمة: «فقال إني أحببت حبّ الخير عن ذكر ربّي حتى توارت بالحجاب» [٨].

شرعت في رزم الكراسات، وأيقظت زوجتي، وأخبرتها بعزمي. سُرّت، وقالت: الى أين؟ قلت: لا أدري، ولكن أريد أن أتمّ الكتاب. دعت لي بالسلامة، وودّعتها، وخرجت من البيت وأنا أحتمل أنّ البيت مراقب، ولكني لم أرَ أحدا.

توجهت الى بيت صديقي الشاعر المرحوم «غلام رضا قدسي» تعجّب حين رآني أطرق عليه الباب في حرّ الظهيرة. قصصت عليه ماحدث. رحّب، وسُرَّبي كثيرا، لأنه كان رجلاً يعيش ما أعيشه من هموم إسلاميّة. أصّر عليّ أن أبقى في بيته لأُكمل عملي هناك، ولكني أبيت، وقلت: لاطاقة لي بالبقاء بين جدران أربعة، وأريد أن أذهب الى مكان أستطيع فيه التحرك. وطلبت منه أن يدعو صديقي «السيد جعفر القمي»، لنتشاور معا في تعيين مكان إقامتي مستترا وكان هذا الصديق أيضا ممن يحملون هموم الحركة الاسلامية، وعاش التشرّد لسنين.

جاء السيد جعفر الى بيت قدسي، وبعد التشاور، استقرّ الرأي على قرية «أخلومد» مصيف قرب مشهد. استخرت اللّه سبحانه في الخروج من مشهد، ثم استخرته في الذهاب الى تلك المدينة وكانت نتيجة الاستخارتين جيدة ومشجعة.

استدعيت أحد أقاربي ممّن له سيارة. وأصرّ السيد القمي على اصطحابي كي لا أعيش الوحدة. بقيت هناك شهرا أو أكثر، فأتممت الكتاب، وأرسلته الى طهران حيث كان يطبعه الاخ «حسن طهراني نيّري».

عدت الى مشهد، وشرعت بحياة اعتيادية أتجوّل وأحضر المجالس. ولم أجد من يتعقّبني. قلت في نفسي. ربّما انصرفوا عن اعتقالي، ولم يكن الامر الذي حفّزهم مهمّاً. وإذ اطمأننت أعدت ماكنت أخفيه الى مكانه.

وماكان ظني صادقا، إذ عاد الساواك واعتقلني في شهر «مهر». وهذه واحدة من ثلاث مرات اعُتقلت في نفس هذا الشهر حتى سميته شهر «كين». ومِهر: في الفارسية تعني الحُبّ. وكين: تعني الحقد.

* * *

في أحد أيام الشهر المذكور كنت مدعوا في بيت والدي للغداء. ومعه ضيوف من العلماء. ذهبت مع مصطفى وهو إذ ذاك ابن أربع أو خمس سنين. جعلت مصطفى عند الوالدة، وذهبت عند والدي في الجناح الخارجي. وبيوت العلماء عادة - ولو كانت صغيرة - تشتمل على جناحين: الاول خارجي للضيوف، والآخر: داخلي للعائلة، ولكل جناح باب مستقل.

كنا تتغدّى مع الضيوف إذ جاء أحد إخواني وقال لي: الساواكيون دخلوا البيت! أسرعت نحوهم كي لايدخلوا جناح الضيوف. رأيت والدتي في فناء البيت أمام اثنين من رجال الساواك تجادلهم بشدّة. كانت متلفعة بحجابها، مغطية وجهها، واقفة أمام الرجلين كالاسد. وكان الذي يجادل والدتي بالذات أحد محققي الساواك المعروفين، قُتل بعد الثورة.

فهمت من خلال تبادل الكلام تبادل الكلام بين الوالدة والساواكي أن رجال الساواك جاؤوا أولا من باب الجناح الداخلي، فردتهم والدتي وقالت لهم: سيد علي غير موجود! وكلما حاولوا اقتحام البيت منعتهم الوالدة، وسدّت الباب في وجههم. بعد ذلك اتجهوا نحو الباب الثاني فدقّوه، وجاء أخي - وهو لايعلم بمن خلف الباب - ففتح لهم الباب، وهم دخلوا البيت، واحتدموا مع الوالدة في نقاش. وحينما رأوني نازلا الى الفناء قال أحدهما للوالدة: هذا سيد علي، لماذا تقولين إنه غير موجود؟ ! والوالده لم تتراجع، بل تجيبهم بشدّة!!

تدخلت في الكلام المتبادل، ووجهت كلامي الى محقق الساواك، وقلت: أتعلمون من هذه السيدة؟ ! ذكرت اسم الوالدة باجلال، ثم التفت الى والدتي وقلت لها: دعيني يا أمّاه أتكلم مع هؤلاء بنفسي واتركي الكلام معهم. ثم قلت لرجال الساواك: ماذا تريدون؟ قالوا: تذهب معنا. قلت: أنا جاهز. كان ابني مصطفى خلال كل هذه المدة ينظر الى المشهد مدهوشا، بل مذعورا. ودعته، وأودعته عند والدتي، ودّعت والدتي. وفي الطريق الى الباب أسمعني أحد الجلاوزة كلمة نابية ردا على كلامي بشأن الوالدة، فأجبته بحدّة. اقتادوني الى مبنى الساواك.

أدخلوني غرفة الرئيس، فاذا هي غرفة فخمة فيها أثاث فاخر، وفي مؤخرتها منضدة كبيرة يجلس خلفها الرئيس. كان مطرقا متشاغلا في أوراق أمامه على عادة رؤساء الساواك في المحاربة النفسية. وعلى طريقتي في الردّ تربّعت على كرسي وثير في الغرفة. ودون أن أستأذنه أخرجت الشطب من جيبي وأشعلته وبدأت أنفث الدخان في جوّ الغرفة بسكينة وهدوء. عندما شاهد ذلك، رفع رأسه وسألني: من أنت؟ وهو يعرفني طبعا تماما. وهل حالي على مثله نُكر؟ ! أجبته. قال: عجيب، اين كنت ياسيد خامنئي؟ فهمت من لهجة الاسئلة أن معلومات الساواك ناقصة الى حدّ اعتقادهم بأني كنت متواريا وأنهم لم يعلموا بعودتي الى مشهد، ولا يعرفون أنني أسكن في بيت مستقل بل يعتقدون أني أعيش في بيت والدي. وهكذا كان ذاك الجهاز الظالم السفّاك في معلوماته واستخباراته!

شرع في الحديث مبكّتا ومؤنّبا، وكنت أجيبه تارة بنفس الحدّة، وأسكت تارة سكوت غير مكترث بحديثه. وفي الاثناء دخل أحد المحققين وبيده ملفّ ضخم. وقف الى جانب الرئيس، وفتح الملف أمامه، وبدأ يشير بأصبعه الى مواضع خاصة في أوراقه والرئيس يحرّك رأسه متظاهرا بتأثره وانزعاجه مما يقرأ. وكانت حركة المحقق والرئيس واضحة الافتعال. فما كان الهدف منها سوى بثّ الرعب والخوف. ثم رفع الرئيس رأسه وقال بلهجة غاضبة: خذوه!

أخذوني الى غرفة فيها مجموعة من رجال الساواك يقفون بشكل دائري. أو قفوني وسط الدائرة، وبدأوا يتناوشوني بالكلمات النابية الجارحة. لقد مررت بتجربة مشابهة من قبل، وكنت هذه المرة اكثر استعدادا لمواجهتهم والردّ عليهم بشدّة وقوّة. طبعا لم يكن التعذيب البدني يمارَس حتى هذا الوقت.

لاأزال أتذكر أحد أولئك الساواكيين واسمه «نشاط» وهو اسم مستعار طبعا، وكان برتبة عقيد، لكنه يرتدي البزّة المدنية، خاطبني قائلاً: ماذا تريدون؟ ماتظنون أنكم فاعلون؟ أنظر ما فعله «الملك حسين». إنه مع ضعفه وعدم اقتداره قتل خمسمائة الف فلسطيني في يوم واحد!! ونحن بقوتنا واقتدارنا قادرون على قتل خمسة ملايين انسان بسهولة!!!

تعجبت كثيرا من كلامه، فالعدد الذي ذكره مبالغ فيه جداً. فهو إما جاهل مخدوع أو يريد أن يخدعني. وعلى كلا الاحتمالين فهو يدلّ على تفاهة الرجل.

هذا أولا، والامر الآخر أن هذا الكلام لايُخاطَب به طالب علم لايملك غير القلم والمنبر. نعم، لو كنت زعيم حركة جماهيرية مليونية منظمة لكان لتهديده بقتل خمسة ملايين معنى، أما وأنا بهذه الحال فلا دلالة على كلام الرجل سوى أنه أضعف مني بكثير. والحقُّ أنهم كانوا ضعفاء جدا في شخصيتهم ومنطقهم، لكنهم طبعا ضعفاء مجانين. والمجنون قد يصول على الانسان بغتة ويفتك به. لذلك كنت أنظر الى رجال الساواك بأنهم ضعفاء حقراء تافهون، لكني كنت أحسّ بشي‏ء من الخوف منهم بسبب ماذكرته.

فتشوا جيوبي وما وجدوا فيها شيئا ذا جدوى لهم. خرجوا وبقيت وحدي أكثر من ساعة. ثم جاء أحدهم وقال: تعال.

أركبوني سيارة اتجهت الى مبنى آخر. حينما دخلته عرفت أنه ذات السجن الذي كنت فيه قبل ثلاث سنوات. عرفت من جدرانه البيضاء أنه «الفندق الابيض» كما كنا نصطلح عليه. فالدار داري والمكان مكاني.

زجّوني فى إحدى الزنزانات. كان في السجن بعض العرفاء الناضجين الذين اجتمعوا حول باب الزنزانة وأخذوا يبدون احترامهم واهتمامهم بالسجين الجديد. كان باب الزنزانة مغلقا طبعا، ولم يكن يُسمح لي بالخروج.

بعد مرور أيام فكرت في إكمال ترجمة كتاب «الاسلام ومشكلات الحضارة» لسيد قطب. كنت قد ترجمت ثلاثة أرباع الكتاب في السجن الثالث وأوكلت ترجمة الربع الاخير الى أخي سيد هادي. طلبت من أخي ملازم ترجمة الكتاب، وأعدت النظر فيما ترجمه أخي ليكون منسجما مع ماقبله. ثم ترجمت الفصل الاخير وهو فصل قويّ في تعبيره وهجومه على الحضارة الغربية، وكتبت مقدمة جيّدة استعملت فيها تعابير ومصطلحات مبتكرة وضعتها بين فارزتين تمييزا لها عن بقية النص، ونظمت الصفحة الاولى من الكتاب، واستمرّ ذلك مايقرب من شهر ثم سلمته كاملا الى أخي سيد هادي، وذكرت له اسم الشخص الذي سيتولي طباعتَه.

في تلك الأيام أخبروني أن كتاب «صلح الحسن» وهو مما ترجمته من العربية، ويتضمن تحليلا تاريخيا لصلح الامام الحسن عليه السلام، للشيخ راضي آل ياسين. قد خرج من المطبعة. ثم جاؤوني بنسخة منه، وسررت به كثيرا.

* * *

بعد مضي أسبوعين على سجني سمعت أحد العرفاء المسجونين ينادي في السجن: البشارة… البشارة… مات عبد الناصر!! كان وقع النبأ عليّ مؤلما جدا.

وهنا لابد من الاشارة الى مفارقة عشتها وعاشها الاسلاميون المناضلون في ايران، وهي تعاطفنا الشديد مع «سيد قطب» وفكره الحركي وتعاطفنا أيضا مع قاتله «جمال عبد الناصر» ! لقد بكيت عند سماع خبر إعدام سيد قطب، وبكيت أيضا لدى سماعي نبأ موت عبد الناصر!!

انشدادنا بسيد قطب واضح لايحتاج الى بيان أسبابه، فالرجل بقلمه الادبي، وبمعاناته العملية، وبفكره المتوقّد القرآني قدّم الاسلام بصورة حركية معطاءة ذات آفاق بعيدة تبعث في الانسان المسلم شعورا بالاعتزاز بدينه وبالترفع على مايشغل الناس من توافه الامور. كما أنّ الرجل يتحدث في تفسيره بلغة إسلاميّة حركيّة لا يجد فيها المسلم - أيا كان مذهبه - تعارضا مع معتقدات مذهبه، اللهم إلّا يذكره من رواية موضوعة بشأن سبب نزول آية تحريم الخمر، فهي تتنافى مع اعتقاد من يؤمن بعصمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وكنت أعذره لأنه ممن لا يؤمن بعصمة الامام لاسيّما قبل حكم تحريم الخمر، وفي الجملة يدلّ نقل الرواية المفتعلة على عدم الاحاطة الكاملة بشخصية أمير المؤمنين‏عليه السلام أفضل صلوات المصلّين.

أما اعتزازنا بعبد الناصر فيعود الى أسباب نفسية لا عقائدية. لقد كنا نواجه في ايران عملية استكبارية هائلة ضخمة تستهدف إذلال الدين ورجاله. وكان لهذه العملية أثرها الكبير في خلق هزيمة نفسية لدى الشباب والمثقفين الذين تضخمت أمام أعينهم القوى المتفرعنة في العالم. وفي هذا الجوّ المهزوم أمام بطش الغرب وأمريكا كنا ننشدّ لكل صوت يتحدّى هذه القوى، ويطلق بوجهها كلمة قوّة وصمود. وكان عبد الناصر من أصحاب هذه الكلمة. كنا نشعر بالعزّة حين نسمع عبد الناصر يتحدى كلّ طواغيت العالم، ونتلهف لاستماع خطاباته من «صوت العرب». كنا ننشدّ لكل خطوة عملية تستهدف التحرر من نير السيطرة الاستعمارية البغيضة على العالم الاسلامي، بل على العالم الثالث بأجمعه. ومن هنا كنا متعاطفين أيضا مع كل الثورات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

أذكر أني حين سمعت نبأ قيام الثورة الليبية بادرت الى تأييدها فورا على المنبر في إحدى خطبي، وباركت للثوار تحريرهم ليبيا من حكومة من أسميته «ابليس» بدل كلمة «أدريس». وحين قابلت الشيخ الهاشمي الرفسنجاني بعد ذلك عرفت أنه هو أيضا بادر الى تأييد الثورة الليبية في مجالسه.

كنا في هذه المواقف ننطلق من شوق عميق في أنفسنا الى استعادة العزّة التي سحقها الطغاة والكرامةَ التي انتهكها المتفرعنون.

أضف الى ذلك كله أن اسم عبد الناصر كان في أذهاننا مقترنا بعزّة إخواننا العرب المسلمين وصمودهم ومقاومتهم أمام القوى الصهيونية والرجعية في المنطقة. رغم أنا كنا نتألم من نهجه الذي دفعه الى الاصطدام بالاسلاميين.

وبالمناسبة فان إعلام الشاه كان معبّئاً لخلق روح عدائية في ايران تجاه عبد الناصر.

وما آلمني أكثر لدى سماع نبأ موت عبد الناصر هو هذه الطريقة التي أعلن بها ذاك العسكري نبأ الوفاة. فهو فَرِح للنبأ، ولايدري بالتأكيد سبب فرحه، ولايعرف شيئا عن عبد الناصر، بل هو إعلام الشاه لاغير!!

كنت أملك مذياعا صغيرا… هذا المذياع وصل اليّ في نوبة المتسامحين من الحرس، وكنت أخفيه عن أعين المتشدّدين منهم. واستعمال المذياع على العموم محظور داخل السجن. بعد سماع نبأ موت عبد الناصر عكفت على استماع إذاعة صوت العرب. كان أكبر سلوة لي في تلك الايام ما أسمعه من تلاوات قرآنية في هذه الاذاعة، أذكرها الآن بتفاصيلها. أذكر مثلا أن كبار القراء المصريين مثل «عبد الباسط» و «مصطفى اسماعيل» و «محممود علي البنا» تلوا الآية الكريمة: «وكأيّن من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل اللَّه وما ضَعُفوا وما استكانوا واللَّه يحبّ الصابرين» [٩] وكان أحدهم يقرأ الآية ثم يعيد من «قاتل معه ربيون» وسجّلتُ خلف المصحف آنئذ أسماء من سمعتهم من قرّاء. وكنت من أول الليل استمع التلاوات حتى إذا انتهت في «صوت العرب» انتقل الى إذاعات أخرى بحثا عن الاصوات القرآنية.

* * *

واذ ذكرت ابتهاج ذلك الجندي بسماع خبر موت عبد الناصر بسبب ما كان يسيطر على الجيش بشكل خاص من إعلام، أذكر واقعة أخرى تحكي بوضوح الذهنية السائدة بين الجنود آنذاك.

كان بين السجناء في هذا السجن عريف من أهالي محافظة آذربايجان يتكلم التركية محكوم عليه بستة شهور لسبب تافه. ويبدو أنه كان فقيرا وبحاجة الى المال. سُمِحَ له أن يتخذ من حفرة قرب المرافق الصحية! مكانا لصنع الشاي وبيعه على السجناء. كنت أتكلم معه بالتركية وبذلك نشأ نوع من التوادد والتآلف بيننا. كان الجنود يلتفون حول تلك الحفرة فيشربون الشاي ولم أكن أشاركهم الجلسة تلك لاني كنت ممنوعا من الخروج من الزنزانة، ثم إني لم أكن أرغب في الذهاب الى ذلك المكان الوضيع، لكني كنت من زبائن هذا العريف… يأتيني بالشاي الى الزانزانة وأسلّمه الثمن نقدا، وهكذا جمع بيني وبين هذا الرجل: السجن واللغة المشتركة وكوني زبونا جيدا له.

في صباح أحد الايام كنت مع السجناء نتشمّس فقد كان يسمح لنا بذلك أحيانا. كنت أجلس عادة في زاوية من ساحة السجن فيحيط بي الجنود، وأنا أسلّيهم بأحاديث شتّى من قصص وأخبار وطرائف. انجرّ الحديث يوما الى الشيوعيين، ولم يكن لهم وجود واضح في تلك السنين، بل ظهرت بدايات نشاطاتهم في ذلك العام بالذات. وخلال وجودي في السجن جاؤوا بعدد من الشباب وأودعوهم السجن بتهمة الشيوعية، وكان النظام البهلوي يضخّم تلك النشاطات!!

العريف المذكور كان يشاركنا الحديث في إبداء استيائه الشديد من الشيوعيين وفي ادعاء أنه قتل عددا من الشيوعيين يوم أعلنوا دولة مستقلة في «آذربايجان» سنة ١٣٢٥ه. ش (١٣٦٥ه. ق). وكان يلقي باللائمة على الساواك لعدم أخذ الشيوعيين بالشدة، ويقول قاطعا: «إني أستطيع أن أقتل الشيوعيين واحدا واحدا دون أن يعلم بذلك أحد لو سمح لي الساواك بذلك! ولكن الساواك يتساهل مع هؤلاء فيودعهم السجن ليأكلوا ويناموا مرتاحين» ! ويكرر اللوم على الساواك لانه لايسمح له بقتل هؤلاء الشيوعيين المسجونين!!

خطر لي أن أمزح مع هذا الرجل. قلت له: وكيف إذا أمرك الساواك بقتلي؟ ! فاجاب على الفور وبلهجة صارمه: وجدّك أقتلك!

«وجدّك» ! يقسم بجدّي لعلمه بانتسابي الى رسول اللّه (عليه أفضل الصلاة والسلام) من عمامتي السوداء. ثم إن بيننا - كما ذكرت - مشتركات كثيرة… ومع ذلك يقول بكل جدّ: «أقتلك» !

هذا نموذج لنتاج غسيل الدماغ في‏أوساط العسكريين آنذاك.

* * *

خلال هذه الفترة دخل السجن مجموعة من الشباب الجامعيين، وهذه أول مرّة يقدم النظام على اعتقال شباب جامعيين في مشهد. فهمت من هذه الظاهرة أنّ ثمة تحركا جديدا في المجتمع، وهذا ما سرّني جدا، واشتقت كثيرا أن أعلم بما يجري خارج السجن، ولكن لا سبيل الى ذلك.

حين جاؤوا بهؤلاء الشباب الى السجن احتاجوا الى زنزانتي فأخرجوني منها ووضعوني في حجرة كبيرة لدى باب السجن معدّة لمقابلات السجناء، لأن الزنزانات كانت قليلة في هذا السجن، ثم إني أمضيت شهرين أو أكثر في الزنزانة ولم يكن من اللازم لديهم أن أبقى فيها أكثر.

* * *

حين كنت في الزنزانة (قبل انتقالي الى الغرفة الكبيرة) حلّ شهر رمضان، وغمرت قلبي فرحة بحلول هذا الشهر. فانا أحبّه كثيرا منذ طفولتي… إذ يتغير فيه وجه الحياة اليومية، ويحسّ الانسان الصائم فيه بلذة معنوية خاصة.

انقضى اليوم الاول من أيام الصوم، وحان وقت الافطار فما جاؤوا لي بشي‏ء لأن شهر رمضان لايحسب له حساب في المعسكر وفي سجن المعسكر. أديت الصلاة، ورحت أسرح في عالم ذكريات هذا الشهر، وخاصة بذكريات ساعة الافطار وفرحة الصائم لدى الافطار… تذكرت تلك الجلسات البهيجة المفرحة على مائدة الافطار مع الاهل وأمامنا «السماور» يغلي، وتذكرت تلك الاطعمة الخفيفة الخاصة بالافطار، وخاصة «الماقوت» (طعام معروف عند أهل مشهد ويبدو أنهم يختصون به) وهو أحبّ طعام اليّ في الافطار، ويصنع من الماء والنشاء والسكر، ويطبخ بشكل خاص، وزوجتي تجيد طبخه كما تجيد طبخ سائر الاطعمة. فجأة عدت الى نفسي، فاستغفرت اللّه، لعلّ الجوع هو الذي أثار في نفسي هذه الذكريات… ولعلها الوحدة… على كل حال لابدّ من الصبر.

بعد نصف ساعة من حلول المغرب حصلت على فنجان من الشاي. ثم بعد مدّة جاؤوا بالعشاء، ولم تكن تميل اليه النفس لردائته، ولكني أكلت شيئا منه واحتفظت بالباقي للسحور. وفي السحور تناولت ماتبقى على مضض، لأنه أساساً ردي‏ء وبعد بقائه أصبح أردأ. وهكذا مضى اليوم الأول.

وفي اليوم الثاني بعد الظهر أخبرني الحرس بأن هناك شيئاً مُرسَلاً اليك. تناولته وفتحته فاذا بألوان الأطعمة التي أشتهيها في الافطار قد أُرسلت اليّ في أطباق عديدة. الطعام يكفي لاشخاص وزوجتي قد أعدته واستطاعت أن توصله لي في السجن. وفي نفس اليوم أيضا جاؤوني من البيت بأدوات إعداد الشاي وتناوله، فكان إفطارا شهيا على مايرام أخذت منه كفايتي وأرسلت الباقي الى السجناء. وتكررت العملية كلّ يوم.

توفرت لي خلال ليالي شهر رمضان فرصة التلاوة والدعاء والذكر، ويحضرني أني أديت ليلة عيد الفطر الصلاة المسنونة حيث تقرأ بعد «الحمد» «سورة الاخلاص» ألف مرّة.

وهذه ثاني تجربة رمضانية في السجن. ففي السجن الثاني قضيت نصف شهر رمضان، وفي هذا السجن قضيت رمضان كلّه، وفي السجن الخامس أيضا قضيت كل شهر رمضان. وهي فرص - رغم ماكان فيها من معاناة خاصة في السجن الخامس على ما سأذكر - أفادتني كثيرا في ترويض النفس والتوجّه نحو ربّ العالمين، وتدبّر آيات القرآن ومفاهيمه السامية.

اكثر الذكريات التي دوّنتها في هذا السجن ترتبط بأيام الشهر المبارك.

في هذا السجن وفي السجن السابق تلمست بوضوح المأساة الخلقية بين السجناء العسكريين، وهي مأساة تدل على تخطيط اكثر مما تدل على إهمال. لقد وجدت المخدِّرات منتشرة بين السجناء العسكريين رغم الحظر الشديد على إدخال أي شي‏ء الى السجن ما لم يخضع لمراقبة شديدة!

بلغني أن بعضَهم يشرب الخمرة في سجن المراتب. ورأيت في هذا السجن وفي السجن السابق من يتناول «البنج» كمخدّر، يتحلّق السجناء ويتعاطون البنج، ويهذون في حالة شبيهة بالاغماء!

كان الشاب النظيف إذا دخل هذه السجون يفسد لامحالة. فقد كانت أشبه بمستنقع آسن يصيب بعَفَنِهِ من يدخله الّا من رحم ربي. على أنَّ هذا السجن عسكري خاضع لانضباط دقيق. فما بالك بالسجون المدنية!!

لذلك كنت أحاول فيما أحاول داخل السجن أن أنقذ من أمكن إنقاذه في هذا الجوّ الوبي‏ء. وقبيل حلول شهر رمضان جمعت السجناء ووعظتهم وذكّرتهم بالموت والآخرة والحساب، فأوعدوني أن يصوموا وأقسموا على ذلك. وبالفعل فقد صاموا اليوم الاول، وفي اليوم الثاني تحملوا الصوم الى الظهيرة، لكن إرادتهم كانت رخوة بفعل جوّ السجن الفاسد، فانتهى أثر موعظتي بينهم وأفطروا ! وكتبت في مذاكراتي أسماءهم، من صام في اليوم الاول فقط، ومن واصل الصوم الى ظهر اليوم الثاني ثم أفطر.

* * *

كان ملفّي في هذا السجن مطروحا أمام القضاء العسكري. والمحكمة العسكرية موجودة في وسط المعسكر، وعلاقتي بالمحكمة كانت متواصلة طيلة أيام السجن. إما أن تستدعيني للاجابة على الاسئلة، وإما أن أكتب اليها معترضا على جملة أمور فتستدعيني أيضا للاجابة على اعتراضاتي. اعترضت على عدم إطلاق سراحي بكفالة مع أنّ القانون يجيز ذلك. واعترضت على عدم السماح لي بلقاء الاهل والاصدقاء، واعترضت على إبقائي في زنزانة انفرادية رغم اكتمال مراحل التحقيق… وكنت أعلم أنّ المحكمة لاتستطيع أن تسمح لي بشي‏ء مما طلبت، ولكن كنت استهدف تسجيل موقف أمام مخالفاتهم القانونية. ويحضرني أن رئيس المحكمة في مرة قال لي مجيبا على طلب من طلباتي: يجب أن أراجع الساواك!! وكانت فلتة خرجت من لسانه، أخذتها عليه. وأبديت تعجبي من قوله، وقلت:

- كيف تكون المحكمة تحت نفوذ الساواك!!

فغيّر كلامه بسرعة، وبدأ يثني على رئيس الساواك في مشهد ويذكر سجاياه!

تعيّن يوم المحاكمة، وطلبت ملفي لمراجعته ولإعداد الدفاع. كانت المحكمة قد عيّنت لي محاميا عسكريا، لكني أعلم أن دفاعه شكلي لايغني من جوع. كتبت دفاعا يقع في ٣٠ صفحة.

وفي يوم المحاكمة دخلت القاعة، وفي صدرها تربّع الرئيس واثنان من القضاة والمدعي العام والمحامي، وكلهم عسكريون، يحملون رتبهم العسكرية البرّاقة على أكتافهم ونياشينهم على صدورهم في جلسة منتفخة منتفشة. وبنبرة قوية، ولهجة حازمة، قرأت لائحة الدفاع. وكانت كسابقتها في السجن السابق، مستندة بدقة الى المواد القانونية ومنظمة تنظيما منطقيا.

لم يتوقعوا أن يسمعوا من طالب علوم دينية مثل هذا الكلام ولا أن يروا منه هذا الموقف. فالصورة التي كانت منطبعة في أذهانهم عن الدين ورجاله صورة متخلفة ممسوخة. كنت أرى في ملامح أعضاء المحكمة أمارات الاعجاب، وتبادل النظرات المعبّرة.

وفي أثناء استراحة المحكمة صرّحوا لي بأعجابهم، وأثنوا على انتخاب الالفاظ والمعاني، وعلى كيفية الالقاء.

بعد انتهاء المحكمة طلبوا مني أن أخرج من القاعة وأنتظر عند الباب. وبقيت أعدُّ اللحظات شوقا الى معرفة القرار. يوم المحاكمة صادف يوم لقاء السجناء بعوائلهم. والعائلة جاءت لتلتقي بي، وبقيت عند البوابة تنتظر، والمحكمة بعيدة عن البوابة، فهي في وسط المعسكر. وطال بها الانتظار حتى الظهر. بعضهم ذهب، وبقي بعضهم، كان الحكم قد صدر طبعا، ولكن لابدّ من طباعته على الآلة الكاتبة على الاوراق الخاصة، ثم إعلانه بحضور أعضاء المحكمة والمتهم، وكنت في انتظار إعلان الحكم.

تعطّل الدوام، وخرج أحد أعضاء المحكمة، وحين وصل بابَ المعسكر، وجد عائلة تنتظر سجينها، فعرف أنها عائلتي، فأخبرها بصدور حكم إطلاق سراحي، وبذلك علمت العائلة بقرار المحكمة قبل أن أعلم به أنا.

وحين طال الانتظار قال لهم بعض حرس المعسكر: إذهبوا وسيأتي هو بعد اطلاق سراحه، فعادوا الى البيت.

بعد ساعتين من الظهر طلبوني، وأعلنوا قرار المحكمة بسجني أقلَّ مما أمضيت في السجن فتقرر اطلاق سراحي لحين انعقاد المحكمة الثانية، وهي محكمة إعادة النظر التي تعقد عادة بعد شهور من المحكمة الاولى.

رئيس المحكمة أمر جنود الحراسة أن يضعوا أسلحتهم على أكتافهم في علامة على أن من يرافقهم ليس بسجين، ويساعدوني لانجاز بقية الاجراءات الادارية اللازمة لخروجي من السجن. بعدها ذهبت الى غرفتي، وكانت عند باب السجن كما ذكرت، وجمعت أثاثي وودعت السجناء، وكانت قد مضت ساعة من الليل.

الفصل شتاء، والجوّ بارد، وهو في الليل أبرد. عند بوابة المعسكر رأيت عددا من الشباب من أقاربي يقفون في انتظاري ومعهم سيارة. أخذوا أمتعتي، وأردت أن أركب السيارة إذ جاءني ضابط وقال: لاتستطيع أن تذهب. تعال معي! أركبني في سيارة كان يجلس فيها عدد من العسكريين، واتجهت - كما عرفت من الطريق - الى مبنى الساواك. أكان إطلاق سراحي من المعسكر صوريا؟ !

أيريدون أن يأخذوني الى الساواك ومنه الى طهران؟ ! هذه الاسئلة وأمثالها كانت تدور في ذهني والسيارة تطوي طريقها وسط الظلام والبرد نحو مصيري المجهول.

أنزلوني عند مبني الساواك. واجهني المحقق الذي عرفته في السجن الثالث والرابع وهو «غضنفري». قال لي بلهجة ممزوجة بالغرور والمكر:

- لمَ جئت؟

- أنا لم آتِ، ولكن جاؤوا بي الى هذا المكان.

- لا، إذهب، ونحن أمرنا باطلاق سراحك!

خرجت، وأنا لا أعرف سبب تصرفهم هذا، الى الشارع المظلم البارد أطلب سيارة توصلني الى البيت. ولو كانت أمتعتي بيدي لكانت مشقة الخروج في هذه الساعة من الليل أكبر، لكني أعطيتها لمن جاء يوصلني عند باب المعسكر.

فجأة وقفت أمامي سيارة، أمعنت النظر، وجدت نفس الشباب الذين انتظروني عند المعسكر، وعرفت أنهم تابعوا رحلتي من المعسكر الى الساواك في انتظار المصير.

وصلت البيت، رأيت زوجتي جالسة قد تسمّرت عيناها نحو الباب، والاطفال أعياهم طول الانتظار فغلب عليهم النوم.

* * *

لا أنسى أني بعد عودتي الى البيت توجهت في نفس الليلة الى الحرم الرضوي للتشرف بزيارة الامام الرضاعليه السلام، وللصلاة في مسجد «گوهرشاد». كانت الساعة متأخرة وصحن الروضة خاليا تقريبا، لكني رأيت عن بُعد صديقين من زملائي في العلوم الدينية أحدهما تربطني به علاقة خاصة، وبيننا شَبَه في الملامح حتى يظن من لايعرفنا أننا شقيقان. فرحت كثيرا لهذه الصدفة لانني لم أتوقع أن أرى أحدا هناك. توجهت نحوهما يحدوني الشوق لزيارة وجوه حال بيني وبينها السجن. وكنت أتوقع أنهما ما إن يرياني حتى يُقبلا عليّ ويفرحا برؤيتي بعد هذا الافتراق.

غذيت السير نحوهما، واقتربت منهما، وأوشكت على السلام إذ وجدتهما يعرضان عنّي!! وكأن أحدهما قال لصاحبه: لقد خرج من السجن الآن، ولعله مراقَب، فلنُعرض عنه! كان وقع الموقف عليَّ شديدا. سجين مثلي أُطلق سراحه قبل ساعات يتوقع من أصدقائه وخاصّة من الذين يُفترض بهم أن يحملوا نفس الهموم الاسلامية ونفس الآمال الاسلامية غير هذا الموقف!

والحق أني رأيت من مثل هذه المواقف من بعض رجال الدين كثيرا! بينما كان الشباب - سواء من طلبة العلوم الدينية أو من الجامعيين - على العكس يزدادون التفافا حولي والتصاقا بي كلما دخلت سجنا ومتى ما تعرّضت لاضطهاد السلطة.

* * *

وهنا لابد أن أقف قليلا عند تعامل علماء الدين مع العاملين في ساحة الجهاد الاسلامي في إيران. لاشك أنّ علماء الدين كانوا في طليعة مقارعة السلطة الغاشمة على مرّ العصور.

من ذلك في العصر الحديث موقف «الميرزا القمي» تجاه الروس، فقد أصدر فتواه الشهيرة في رسالته المعروفة باسم «الرسالة العباسيّة» في زمن «عباس ميرزا» ابن «فتح على شاه» حين كان يحارب الروس. وعباس ميرزا كان مخلصا نسبيا، ولم يكن خائنا لوطنه.

ومن ذلك موقف المرجعية الدينية في «حادثة التنباك».

ومن ذلك موقف علماء الدين في «حركة المشروطة».

ومن ذلك موقف المرجعية من الغزو البريطاني للعراق في ثورة العشرين.

خذ أيضا على سبيل المثال موقف المرحوم «المدرس». لقد رشحه علماء إصفهان كأحد الفقهاء الخمسة في المجلس ممن لهم حق نقض القانون إن كان مخالفا للشريعة الاسلامية.

وفي الدورة الثانية رشح نفسه عن مدينة طهران، فكان الاول في عدد أصوات الناخبين.

وهكذا في انتخابات الدورة الثالثة والرابعة… وفي الدورة الرابعة حدث أن انتقلت السلطة من القاجارية الى البهلوية. فعارضها المدرس، وعارض تصرفات «رضا بهلوي». وتأتي انتخابات الدورة الخامسة، ويرشح المدرس نفسه، فتخرج النتيجة دون أي صوت لصالح المدرس!! ويرفع المدرس صوته قائلاً: لقد صوتت لنفسي، فأين صوتي إذن؟ !

من هذه الامثلة نعلم أن علماء الدين كانوا يتمتعون بنفوذ اجتماعي عظيم، وكانوا ينطلقون في مواقفهم من مبادئ تؤمن بها الأمة وتقدسها، وتسترخص الحياة في سبيلها. وهذه المبادئ ترفض الظلم والسلب والنهب والخضوع للاجنبي. لذلك كان لابدّ للطغاة أن يخططوا من أجل عزل علماء الدين عن المجتمع، وفصلهم عن كلّ جوانب الحياة، بما في ذلك الحياة السياسية. ولجأوا الى كلّ السبل من أجل تحقيق هذا الهدف، ولو تطلب الامر قتل العلماء وسجنهم ونفيهم.

في سنة ١٣١٤ هجرية شمية (١٣٥٤ه. ق) حدثت مأساة مسجد «گوهرشاد». في مشهد فقتلوا من قتلوا من الناس واعتقلوا كثيرا من العلماء، منهم: السيد هاشم نجف آبادي الميردامادي جدّي لوالدتي؛ والسيد علي اكبر الخوئي والد السيد الخوئي، وكان يكبر والدي بعقدين تقريبا، وكان صديقا لوالدي؛ والشيخ حبيب اللَّه ملكي، وهو أيضا من أصدقاء والدي، ومن تلاميذ «الآخوند الخراساني» وعدداً آخر من العلماء والخطباء المعروفين في مشهد، وقد كان الحاج آقا حسين القمي ذهب الى طهران لنصيحة رضاشاه!! فأخذ ونُفي الى خارج ايران.

نعم… اعتقلوا ما يقرب من عشرين عالما في حادثة گوهرشاد، وأنا بعد الثورة طلبت صورهم من ملفاتهم، الموجودة في مركز الشرطة، وفرأيت تحت كل صورة بعد اسم صاحبها عبارة: «الجريمة: السياسة»، أي: التدخل في السياسة!

كان محور نظام بهلوي الفصل بين الدين والمجتمع، ومذكرات «فردوست» توضح ذلك بجلاء.

ولقد توّج الامام الراحل (رضوان الله عليه) جهادَ أسلافه بأن قاد أعظم ثورة في التاريخ المعاصر أسقط فيها أعتى جبار في المنطقة مسنود بأضخم قدرة في العالم، معلنا قيام دولة الاسلام في ايران.

ولا غرو أن يكون علماء الدين كذلك لانهم ورثة الانبياء والمصلحين على مرّ التاريخ. ولكن المشتغلين بأمور العلوم الدينية لم يكونوا في ايران جميعا على هذا المستوى من الشعور بالمسؤولية، ولذلك أسباب لامجال لذكرها الآن.

كان منهم من يتخذ موقف المؤيد للعاملين الاسلاميين فقط دون أن يدخل الساحة بنفسه. وكان منهم المحايد تماما! لايذكر الحركة الاسلامية بخير ولاسوء. ولكن كان هناك أيضا من يتخذ الموقف السلبي من الحركيين الاسلاميين. وكان هذا الموقف السلبي متباينا شدة وضعفا. منهم من كان يطعن في الحركة الاسلامية حين يدور الحديث حول هذا الموضوع. ومنهم من كان يتصدّى للطعن في مناسبة وغير مناسبة.

ولا بأس أن أذكر حادثة خطرت في ذهني قبل أيام، حين سمعت بوفاة الشيخ «ذبيح اللّه القوچاني» من علماء «قوچان». وتذكرت ماواجه المدينة من سيل ضخم سنة ١٣٥٥ه. ش (١٣٩٦ه. ق) وكنت مشاركا في عمليات الانقاذ والاغاثة في هذه المدينة. وفي قصة لامجال لذكرها بالتفصيل الآن أمرتني السلطات أن أترك المدينة فورا! كنت - حين أبلغني ضابط الشرطة بالحكم - داخل رواق كبير في المسجد الجامع للمدينة، حوّلناه الى مستودع عظيم فيه مواد الاغاثة المهداة الى المتضررين، وقد رُتّبت المواد بشكل دقيق مضبوط ضبطا رائعا، قلما يستطيع أن يفعله أمثالنا من غير المتخصصين في أمر الإغاثة. توجهت الى حجرة في جنب الرواق كان الشيخ ذبيح اللَّه وعدد من أصحابه جالسين فيها، وقلت بلهجة تنمّ عن ألم ومرارة: لقد أمروني أن أترك المدينة… عَلَت وجوهَ الجميع مسحة من عدم الارتياح. وما إن رأى أحدهم (وهو أحد الاثنين اللذين التقيتهما في صحن مشهد الرضا بعد السجن) تعاطفَ الجالسين معي حتى بادر فورا الى القول: هؤلاء لم يأتوا للانقاذ والاغاثة. هؤلاء مفسدون ومخرّبون!!

الى هذا الحدّ كان بعضهم يحمل حقدا دفينا على كل العاملين في الساحة الاسلامية!!

* * *

قبيل المحاكمة الثانية، وهي محاكمة إعادة النظر ثمة إجراءات إدارية لابدّ أن أنجزها، ولابدّ من مراجعة القضاء العسكري في ذلك. أثناء متابعتي لهذه الاجراءات رأيت أن ضابطا شابا في دائرة القضاء العسكري يطيل النظر اليّ كأنما يريد أن يحدثني بشي‏ء. اقتربت منه فقال:

- أريد أن أقول لك شيئاً.

- تفضّل!

- تجنّب إلقاء خطابات كتلك التي ألقيتها في المحاكمة الاولى، فانهم إذا تلمسوا منك ذكاء وقوّة شخصية يتشدّدون معك. ومن مصلحتك أن تظهر بمظهر الانسان البسيط الساذج المغفّل المتخلّف.

شكرته وانصرفت وأنا أعلم بعدم قدرتي على التظاهر بهذا المظهر أمام المحكمة المتغطرسة المستهينة بعلماء الدين. وحين دخولي قاعة المحاكمة الثانية وجدت ذلك الضابط الشاب كاتباً للمحكمة.

رئيس المحكمة هذه المرة رجل معروف كان يشغل سابقا منصب الادعاء العام ثم أصبح رئيسا للمحكمة. وبدأت الاسئلة تنهال عليَّ من رئيس المحكمة عن رأيي في شتى الامور وأنا أجيب. ثم التفت الى مستشاريه الجالسين على جانبيه وقال: هذا الرجل يحتاج الى عشر سنين من السجن ليتفرغ خلالها للكتابة والتأليف والبحث!!

قلت: إنا للّه وانا اليه راجعون.

قالها رئيس المحكمة مازحا طبعا، ولكن لمزاحه مدلول يؤيد ماذهب اليه الضابط الشاب في نصيحته. وانتهت المحاكمة بتأييد قرار المحكمة السابق.

لم يمض طويلا على إطلاق سراحي حتى أُلقي القبض عليَّ ثانية في شهر مهر أيضاً!! ودخلت سجني الخامس. كان اعتقالي الرابع في ٢ مهر سنة ١٣٤٩ ه. ش (٢٤ رجب، ١٣٩٠ه. ق) والخامس في ٦ مهر سنة ١٣٥٠ ه ش (٧ شعبان، ١٣٩١ه. ق).

السجنُ الخامس‏

في ليلة صيف قائظ من سنة ١٣٥٠ه. ش (١٣٩١ه. ق) أحسستُ بضَجَر لم أعرف له سببا. استعذت باللّه، ولُذت بالمطالعة، لكن التيار الكهربائي انقطع كما كان يحدث عادة في اكثر الايام خلال تلك السنوات. ازدادت همومي وبدأت تثقل على صدري. أردتُ الخروج من البيت، فما وجدتُ في نفسي رغبة في الخروج. لم يكن في البيتِ سراج جاهز ليعوّض عن نور الكهرباء. تُرى ماذا أفعلُ في هذا الظلام؟ ! وبينا أنا في هذه الحالة إذ دُقَّ باب البيت. وعلى عادتي ذهبتُ بنفسي لفتح الباب دون السؤال عن الطارق. فاذا به أحدُ أصدقائي الطهرانيين. فرحتُ من الأعماق بهذه الزيارة فى الوقت المناسب. استقبلته بكل انشراح غير أني وجدته لايبادلني الانشراح. لم أهتمّ بذلك. طلبت منه أن يدخل. وفي حركة مفاجئة رأيت صاحبي قد أدخل يده في جيبه وأخرج منه شيئاً…! هذه الحركة هي كلمة السرّ بيني وبين منظمة جهادية سرية مسلحة كنت على اتصال برئيسها وبأحد أعضائها. وكنت أطلع على ماتصدره المنظمة من نشرات وبيانات قبل توزيعها للاطمئنان على صحة توجهاتها.

ازداد سروري لحركته هذه، وقلت له مبتهجاً:

- كنتُ قبل مجيئك ضجرا مثقلا بالهموم. لقد جئت في الوقت المناسب وأظأت ليلتي المظلمة هذه.

وبدون أن أتوقّع قال:

- ستزداد هماً!!

ماعبئت بكلامه كثيرا… أجلسته وأحضرت له الشاي، ثم قلت له: بتعجّب:

- أنت من أعضاء المنظمة؟ !

ردّ على الفور:

- أسكت! لعلّ البيت فيه لاقطة!

تعجبت من كلامه وقلت ساخراً:

- أنا طالب علم، ومن يهتم بوضع لاقطة في بيتي؟ !

- لا، الامر اكبر من أن تتصور، وسأوضح لك ذلك. ثم طلب شيئا من العجين ليضعه في ثقوب الاتصالات الكهربائية في الغرفة!

وبدهشة ممزوجة بشي‏ء من القلق أتيت له بالعجين. وبعد أن سدّ الثقوب جلس، وسارعت أنا الى القول:

- إحك! ما الذي حدث؟

أطرق برهة، ثم رفع رأسه وقال:

- انتهى كل شي‏ء!

- ماذا تعني؟ !

- انكشف التنظيم، والاخوة انكشفوا، وألقي القبض على بعضهم!

ثم تبين لي من حديثه أنّ من كانا على اتصال معي لم يلق عليهما القبض. ومما قاله: أنا رسول اليك لأطلب منك تفريغ البيت من كل مايرتبط بالتنظيم. ثم بدأ يتحدث بالتفصيل عن النشرات التي كانت قد أرسلت اليّ لأنظر فيها: إتلف تلك النشرة… وأبقِ تلك النشرة وأرسلها الى فلان في طهران. قلت: أنت تذهب بها الى طهران؟ قال: لا، إبعثها أنت بطريقتك الخاصة!

جلست أنظر اليه واجما وهو يملي عليّ ما يجب أن أفعله، فأخذ الهمّ مجامع قلبي، وتركني على هذه الحالة وانصرف.

* * *

كان ذلك في أواسط الصيف… ومرّت الايام، وجاء الخريف، وراح الطاغوت يُعِدُّ لاحتفالات مرور خمسة وعشرين قرنا على الامبراطورية الشاهنشاهية!! وتصاعد التوتر الامني، واشتدت الضائقة على الاسلاميين.

وحلّ شهر «مهر» وكان عندي أحد علماء «قم» قد حَلَّ وعائلته ضيوفا علينا. كنت والضيف جالسَين في حجرتي الخاصة بالضيوف الى جوار غرفة المكتبة، وبين الغرفتين باب مغلق، وأمامنا مائدة غداء، إذ دُقَّ جرس الباب، وبعد لحظات دُقَّ بابُ الحجرة. نهضت وفتحت الباب فاذا بزوجتي تقول: الساواكيون خلف الباب! تعجبت من كلامها وقلت: ومن أين عرفت أنهم ساواكيون؟ ! بدأت تُقسم بأنهم هم! قد تكون رأت أشباحهم خلف زجاج الباب المشجّر، لكن الاشباح لا توضّح طبيعة الافراد… كانت تتحدث بنبرة جادّة، وبثقة كاملة وتقول وتكرر القول: أنا متأكدة أنهم ساواكيون! ربما أُلهمت بذلك!

ذهبت وفتحت الباب فاذا هم مجموعة من أفراد الساواك. تعالت ضحكتهم حين رأوني. ربما توقعوا أني متوار، وقد وقعت في شباكهم، فسرتهم رؤيتي. اقتحموا الدار، واجتازوا دهليز البيت، وأول مالفت نظرهم في نهاية الدهليز المكتبة. دخلوا المكتبة وبدأوا جميعا يقلبون الكتب ويورقونها. وتوجّه أحدهم لجمع كل مافي الغرفة من أوراق وكراسات. وفي عملية الاقتحام هذه ضاع كثير من كتاباتي ومذكراتي ولم أسترجع منها ورقة واحدة.

كنت واقفا أنظر اليهم… ليتهم يكتفون بتفتيش المكتبة، ولا يفتحون الباب المؤدي الى غرفة الضيف كي لايروعونه ولايؤذونه. بينا أنا أتمنى ذلك إذ فتح أحدهم الباب، واتجه نحو الضيف وجلس جواره يطرح عليه السؤال تلو السؤال!

فحصوا جميع الكتب، ثم فتشوا كل مكان في البيت، ولم يتورعوا حتى عن فتح دولاب ملابس زوجتي… وأذكر أن أحدهم اقترب من مهد ابني «مجتبى» وكان طفلا جميلا وديعا ابن ٩ او ١٠ شهور وأخذ ينظر اليه ويترحّم عليه!! ثم أخذوني من البيت مع مجموعة كبيرة من الأوراق. أركبوني سيارة توجهت الى مقرّ الساواك، وكان قد انتقل الى محل جديد. بقيت جالساً في إحدى غرف المقرِّ ساعة دون أن يسألني أحد شيئاً. ثم شدّوا عيني وأركبوني في سيارة بدون نوافذ، وراحت تطوي الطريق نحو هدف أجهله.

وقفت السيارة وأنزلوني، ورفعوا العصابة عن عيني فاذا بمكان واسع يعلوه سقف مرتفع، وفي أطرافه بضع عرف صغيرة.

المكان أشبه بمستودع كبير… عرفت بعد ذلك أنه جزء من اسطبل كبير يقع في مؤخرة معسكر مشهد الذي سبق أن كنت معتقلا فيه. اجتزنا المستودع، وكان في نهايته بوابة كبيرة انفتحت على مستودع كبير آخر، في وسطه بناية طويلة منخفضة، يبلغ طولها عشرين مترا تقريبا، وعرضها خمسة أمتار ونصف المتر تقريبا، وفي ضلع الطول توجد عشرة أبواب صغيرة من كل جانب من الجانبين. الزنزانات الجديدة المبنية داخل هذا المكان القديم.

ذكرت من قبل أن مدينة «مشهد» لم يكن فيها سجن خاص بالسياسيين، وكان اعتقالي الثالث والرابع في سجن العسكريين المجاور لمركز الخفارة. وفي ذلك العام انشأوا سجنا للسياسيين في مؤخرة المعسكر وفتحوا له بابا مستقلة، وها أنا ذا أدشّنه.

مجموع الزنزانات عشرون. وعلى جانبي المبنيين حنفيات ماء ومرافق صحية صغيرة ومتواضعة. أدخلوني الزنزانة الرابعة. لم أرَ قبل ذلك غرفة بهذا الصغر، مربعة ضلعها متر ونصف المتر. لم يكن فيها منفذ أبدا ولاسراج. الظلام بها مطبق، ولايرى الجليس النور الّا حينما تُفتح باب الزنزانة، أو يفتح غطاء المنفذ الصغير الموجود على الباب، حين يريد الحارس أو أحد مسؤولي السجن أن يتحدث مع السجين.

أعطوني بطانيتين، وكان الجوّ يتجه الى البرودة، والشمس اقتربت من المغيب، ولم اكن قد أدّيتُ الصلاة. طلبت منهم أن أتوضأ، فسمحوا لي أن أذهب الى الحنفيات لاسباغ الوضوء. وحين كنت أمرّ على أبواب الزنزانات أحسست أن فيها سجناء. وأحسست أيضا أنهم يحاولون مشاهدتي من بعض شقوق الباب والنافذة الصغيرة التي كانت على الباب، وبينا أنا أمرّ من أمام أحد الأبواب سمعت صوتا هامسا مرتعشا يقول: أنا فلان… فاذا هو أحد رفاق النضال، وكان قد اعتقل في نفس اليوم أو اليوم السابق، وما كنت أعلم باعتقاله حتى تلك اللحظة… علمت أنّ معنويات السجناء ضعيفة جداً، فبدأت أتكلم مع الحرس بصوت عالٍ لأُسمع السجناء صوتي، وأعيد لهم بعض المعنويات. أسأل تارة عن مكان الوضوء، وتارة عن اتجاه القبلة… أذكر أنه حين سألت عن القبلة أجابني أحدهم: باتجاه الزاوية (ويقصد زاوية الزنزانة). فقلت بصوت مرتفع: نعم، زاوية الزنزانة قبلة دائما! وهي كناية عن انشداد قلوب المؤمنين بغير ذي الزرع من الوديان!

طلب مني أحد الحرس أن أنزع عمامتي، رفضت، قال: قوانين السجن تقتضي ذلك. قلت: أنا أرفض هذه القوانين. أنا لم أسلّم عمامتي حتى الآن لأحد في السجون السابقة. اذهب وأسأل رئيسك عن ذلك.

كنت في كلامي أرفع صوتي ليسمعني من يقبع في الزنزانات تقوية لمعنوياتهم، فمثل هذا الكلام يثبّت عادة النفوس المرهوبة. جهرت في الأذان والاقامة وأذكار الركوع والسجود. بعد أن انتهيت من الصلاة عدت الى نفسي… وبدأت أغطّ في تفكير عميق. لماذا اعتقلوني؟

هناك دواع كثيرة لسجني، فايٌّ منها دفعهم الى القاء القبض عليّ؟ ! وأيّ الأمور انكشفت لهم؟ !

لقد كانت لي جلسات سرية عديدة… جلسات لطلاب العلوم الدينية، اكتب فيها درسا من الدروس، ثم أشرحه وأسلّمه الى الطلبة ليستنسخوه. وكانت الدروس تدور حول مفاهيم حركية اسلامية، نستخلص منها الفكر الحركي للنهضة.

كان يشترك في احدى تلك الجلسات ستة طلبة، وفي أخرى ثلاثة، وفي ثالثة طالب ديني واحد. وكان هذا الطالب أفغانيا استشهد فيما بعد بيد النظام الشيوعي الافغاني الذي قتل عددا كبيرا من علماء أفغانستان.

وكانت لي جلسة مغلقة أخرى مع شباب المدارس والجامعات، وجلسة أخرى مغلقة أيضا مع الكسبة، وجلسات عمل مع بعض طلاب العلوم الدينية، نتدارس فيها الحالة السياسية، ونتخذ الموقف اللازم منها كاصدار المنشورات وإرسال منشورات الى «قم»، أو استلام منشورات من هذه المدينة.

وكان لي أيضا - كما ذكرت - ارتباط بالمجموعة السرية التي تبنّت الجهاد المسلح ضد السلطة.

ترى هل إن واحدة من هذه الجلسات قد انكشفت؟ أم إن اعتقالي يعود الى دروسي العامة التي ألقيتها في التفسير والمفاهيم الاسلامية؟ !

الهاجس الذي كان يزيد في قلقي هو الجلسات السرية لأنها لاتقبل الدفاع أمام أجهزة الأمن بالمرّة.

استغفرت اللّه، وتوكلت عليه، وعذت به سبحانه… نظرت الى أطرافي في الغرفة، وعادت بي الذاكرة الى السجون السابقة، فوجدتني قد اعتدت على جوّ السجن وألِفتُهُ. وما كنت أعرف حتى تلك الساعة الفرقَ بين هذا السجن والسجون السابقة.

بعد بُرهة جاء أحد الحرس، وطلب مني أن أجمع أثاثي، وذهب بي الى الزنزانة الرابعة عشرة في الطرف المقابل. كانت أكبر من الزنزانة السابقة بقليل، لكنها أحلك ظلمة، حتى ماكنت أرى المسبحة في يدي! وفي اليوم التالي تعرّفت على الامور اليومية في السجن. تفتح باب الزنزانة ثلاث مرات لتسليم الوجبات، ثم تفتح مرة أخرى للنظافة، يسلمون فيها السجين مكنسة للتنظيف.

مرّت ساعات صباح اليوم التالي وتغدّيت ونمت قليلا، ثم استيقظت وناديت الحارس، فجاءني، وقلت له: عندي مبلغ من المال، أعطيه لك واشترِ لي بطيخة. قال: حسناً. ثم جاء بعد قليل بالبطيخة. سألته: هل معك سكين؟ قال: نعم. دخل الزنزانة ومعه السكين. وهذا العمل ممنوع طبعا في قوانين السجن، لأن السجين قد يستغلّ وجود السكين فيأخذه ويهجم به على الحارس. لكن هذا الحارس مثل كثير ممّن واجهتهم في سجوني السابقة لايخطر في ذهنهم أنّ رجلا مثلي يصدر عنه عمل كهذا. كان الحارس منشغلا بشق البطيخة، وباب الزنزانة مفتوح، إذ مرّ أحد أفراد الساواك. رأى المشهد وانزعج أشدّ الانزعاج، ونادى الحارس، وأخذ يؤنّبه ويوضح له خطورة مثيل هذا التصرّف. ثم قال للحارس:

- خذ نظارته، وَضعُ النظارة ممنوع في السجن!

أخذ الحارس نظارتي وأغلق الباب.

حين كان باب الزنزانة مفتوحا رأيت أن الوضع غير عاديّ في ممرّ السجن. حركة ذهاب وإياب لم أعهدها فيما مضى من ساعات. ثم استمرت الحركة بعد غلق الباب. أصوات أبواب الزنزانات تفتح وتغلق. وبينا أنا أُنصت الى هذه الاصوات واذا بعويل وصراخ يرتفع من بعيد ويُنبئ أنّ شخصا يُنزَل به أشدُّ الوانِ التعذيب. بعدهنيهة سمعت صوت رجل يقتادونه الى زنزانته وهو يئن أنينا موجعا. حاولت أن أنظر من بين شقوق الباب، فوقعت عيني على شيخ أعرفه، يقتاده الجلاوزة وقد حُلقت لحيته، وعُذّب حتى لم يَعُد يستطيع السير على قدميه!

بعد برهة فتح أحدهم زنزانتي وقال: أنت فلان؟ تعالَ معي! اصطبحتُه الى المستودع المذكور ثم الى حجرة تقع في أحدأركانها. دخلت الغرفة وكان فيها ٦ أو ٧ أشخاص. لم أستطع أن أتعرّفهم لا فتقادي النظارة. أَحسستُ بالخطر، وبدافع العادة أو الغريزة ابتدأت بالهجوم الكلامي. اعترضت على أخذ النظارة: لماذا أخذتم نظارتي؟ لا أستطيع أن أرى بدون نظارة… وإذ أنا أرفع صوتي بالاحتجاج تقدّم أحدهم. فلما اقترب عرفته أنه الذي حقق معي في سجني السابق، وكتب التقرير عنّي الى المحكمة (قتل بيد الجماهير قبل انتصار الثورة الاسلامية). كنت قد أدنته في المحكمة دون أن أذكر اسمه، وحملت عليه، وقلت فيما قلت: إن كاتب التقرير جاهل. دنا مني وقال بلهجة غاضبة ساخرة:

- أتظن أن هذه محكمة فتسمح لك أن تتكلم على هذا النحو؟ !

ثم أخذ ينطق بأصوات غليظة مقلدا فيها صوتي بسخرية واستهزاء، وأوقع الضربة الاولى على وجهي. تمالكت نفسي، ولكنه أعقبها بضربة ثانية أسقطني فيها. وقعت على سرير كان في جانب الغرفة. أردت أن أنهض، قال أحدهم: ابق في مكانك!، لقد سقطت في المكان المناسب!! علمت أنه سرير التعذيب. شدّوا رجلي بالسرير، وأخذ أحدهم دِرّة من الدِرّات المعلقة على الحائط، وكانت مختلفة في الضخامة، بضخامة إصبع أو إصبعين أو أكثر، وانهال بالضرب على قدمي. وواصل الضرب حتى تعب، فأخذ السوطَ آخر، وبدأ يضرب حتى تعب، وأخذه ثالث وهكذا…

وكان لكل منهم فرصة استراحة الا أنا، فلم يتركوني أستريح قليلا! وفي تلك الحالة التي لايمكن وصفها كنت أستغرب من خباثة بعضهم. لقد كان واجبهم أن يرفعوا السوط ويضربوني. هذا أمر طبيعي. وكان واجبهم أيضا أن يضربوني حتى أنهار أمامهم، ولذلك فمن الطبيعي أن يوالوا الضرب. لكن بعضهم كان يبدي خباثة خاصة. كان يأخذ السوط بيده، ويسحب سير السوط خلف ظهره بيد أخرى ويوتّره ثم يضرب ليكون أشفى لغليله!

وفي أثناء الضرب كان يأتي أحدهم عند رأسي، ويطلب مني أن أتبّرأ من فلان أو من النهضة الاسلامية. كنت أعلن رفضي، وهم يستمرون في الضرب حتى أُغمي عليّ.

خلال هذه التجربة العملية المُرّة عرفت أنّ الضرب على باطن القدمين هو أشدّ ألوان التعذيب لأنه يمكن أن يستمرَّ ساعات قبل أن يُغمى على الشخص. ثم هو يؤثر تأثيرا فظيعا على الاعصاب. وسمعت أنّ هؤلاء المعذِّبين قد اجتازوا دورات في التعذيب تحت اشراف خبراء اسرائيليين، ولذلك كانوا محترفين في كسب الاعتراف وماهرين في عملهم.

* * *

من الطريف أني قبل أن أدخل التجربة الاولى هذه من التعذيب الجسدي كنت أتحدث مع الاصدقاء في جلساتنا الخاصة عن أساليب التعذيب وسبل مواجهتها وعن الاضراب عن الطعام داخل السجن. وقلت في مرة من المرات: إن إضرابي عن الطعام لايطول. وتعذيبي لايطول أيضا. لأني إذا أضربت عن الطعام سأمرض بسرعة بسبب ضعف معدتي وأُنقل من السجن الى المستشفى وبذلك يتحقق نجاح الاضراب عاجلا. كما ان التعذيب معي لايطول لأن جسمي ضعيف، وسرعان ما يُغمى عليّ وينقطع التعذيب.

وبادرني أحد الجالسين باشارة عملية بيده، صوّر بها أنّ كأسا من الماء سيُرشّ على وجهي فافيق.

وفي هذه التجربة الاولى للتعذيب الجسدي وجدت ماقاله الصديق عمليا. لقد أحسست بأنه يُغمى عليّ، وها أنا ذا أنتقل من هذا العالم الى عالم آخر. وفي هذه اللحظات فوجئت بأحد المعذّبين يحمل بيده كأسا من الماء يرشّ به وجهي، وما إن فِقت حتى رشَّ الباقي على رجلي ليكون الضرب أوجع وآلم!

* * *

وكما إن كل شي‏ء ينتهي ويزول… التعذيب… المحنة… اللذة… كذلك انتهت هذه الوجبة من التعذيب، وفتحوا رجلي، فقُمت أترنَّحُ لا أقدر على المشي. قدماي تورّمتا، والالم يملأ كل وجودي. قال لي أحدهم: إذهب الى زنزانتك وسنعيدك الى هذا المكان حتى تعترف.

حين عدت الى الزنزانة ودخلتها أحسست براحة عجيبة! شعرت بنوع من الأمن والاطمئنان! لقد كانت الجدران الاربعة التي تحيط بي، والباب الذي أُوصد بعد دخولي تخلق في نفسي نوعا من الارتياح النفسي بعد ذلك الارهاب الوحشي والتعذيب البشع الذي تلقيته في غرفة التعذيب!

حمدت اللَّه أن جعل لي زنزانتي - التي هي عادة محلّ وحشة وغربة - مبعث ارتياح واطمئنان. جلست على الارض، وأحسست بلذة وأنا أمُدّ رجلي دون أن أتعرّض للتعذيب، وأسند رأسي الى الحائط دون أن تصك مسامعي كلمات التقريع.

* * *

كانوا يلجأون الى ألوان الضغط لأخذ المعلومات من الشخص. من ذلك أنهم كانوا يعطون أوراقا بيضاء الى السجين ويطلبون منه أن يكتب اعترافاته على شكل سؤال وجواب. ويسشدّدون عليه أن يكتب، وحَذارِ أن يسأل السجين: ماذا يكتب! ينهالون عليه بالضرب والشتم ويقولون له: اكتب… اكتب… وقد يكتب السجين صفحتين أو ثلاثا، فيأخذها المحقق وينظر اليها باحتقار ويمزّقها أمام السجين، ويشدّد عليه أن يكتب الكثير!

لا أستطيع أن أتحدث عن كل تفاصيل التعذيب، فهي أكبر من أن يستوعبها بيان… ولا داعي لسردها فوقعها مؤلم، ولكن أنتقل من هذه المشاهد المؤلمة الى مشهد آخر أروّح فيه عن أنفسكم، وأسلّي خاطركم، على أنه يحمل العبرة لمن أراد الاعتبار.

* * *

بعد انتصار الثورة الاسلامية بخمسة أو ستة أشهر ذهبت في مهمة من طهران الى مدينتي مشهد، وكنت آنئذ عضو مجلس قيادة الثورة، وممثّل مجلس قيادة الثورة في وزارة الدفاع، ومندوب الامام في العديد من أجهزة الدولة.

لقد شاء الله سبحانه أن أدخل هذه المدينة بعد سنين عجاف من الظلم والاضطهاد والاستضعاف، وأنا أشعر بعزّة الاسلام والمسلمين، وبعزّة المجاهدين في سبيل اللّه.

طلب مسؤولو مدينة مشهد أن أزور مبنى «اللجنة الثورية المركزية». اللجان الثورية تولّت يومئذ إدارة معظم شؤون مدن ايران. وكانت بناية حزب «رستاخيز» في مشهد قد اتُخذت لهذا الغرض. وهي بناية فخمة وكبيرة وذات طوابق عديدة بناها حزب الشاه ليتخذها مقرا له، فأكملها، ولكن اللّه مزّقة شرّ ممزّق، ووقعت البناية بيد الثوار فاتخذوها مقرا لعملياتهم، وأصبحت بعد الانتصار المقرّ المركزي للجنة الثورية في مدينة مشهد.

قالوا لي: إن الطابق الاخير مخصص للسجناء الخطرين. ذكروا لي أسماءهم وكنت أعرف اكثرهم ومنهم «برومند» وله لقب آخر هو «بابائي» ولا أدري أي اللقبين هو الحقيقي! وكان من المعذّبين في سجني الخامس.

قلت: سبحانه اللّه ولا حول ولا قوة الا باللّه.

وتوجهنا الى المبنى يرافقني «الشيخ الطبسي» رئيس اللجنة الثورية ومندوب الامام في سدانة الروضة الرضوية، وكذلك محافظ المدينة. وكان هذا المحافظ معي في هذا السجن، وعذّب أيضا.

ذهبنا الى الطابق العلوي، فوجدت غرفا كبيرة يجلس فيها المعتقلون. وفي الغرف شبابيك كبيرة تطل على الشارع، وليست موصدة بمحجر حديدي. ألفيت أن هذه الغرف لاتصلح للاعتقال لأن المعتقَل الخطر يمكن أن يلقي بنفسه من النافذة الى الشارع، ولكن يبدو أن مسؤولي اللجنة الثورية يعرفون أن هؤلاء المعتقلين «أحرص الناس على حياة» ! ولا يُحتمل أن يجازفوا بحياتهم، فتركوهم في تلك الغرف الفارهة ذات الشبابيك الواسعة.

فتحوا لي إحدى الغرف وجدت فيها جماعة جالسين. عرفت بعضهم. سلمت عليهم، ونصحتهم بأن يدلوا بمعلوماتهم، ويتعاونوا مع الثوار، وأن لا يعقدوا أيّ أمل على عودة النظام المنهار، وأن هذه الثورة قد انتصرت وستواصل انتصاراتها باذن اللّه، فما عليهم الا الاعتراف والتعاون.

رأيت في زاوية الغرفة رجلا يصلّي، عرفت أنه «برومند»، قلت للمعتقلين، هذا برومند؟ قالوا: نعم. قلت: عجيب ! لي معه ذكريات طويلة. توجهت الانظار اليه وهو يواصل صلاته الركعة بعد الاخرى دون أن يُسلّم!! كان يتوجّس مني خيفة ويحسّ بشرّ… ولذلك أشغل نفسه في صلاة كاذبة حتى لايواجهني.

ذهبت الى غرفة أخرى، تفقدت المعتقلين فيها، ثم عدت الى الغرفة الاولى. فتحتها فجأة، فبهت برومند حين رآني، وأصيب بالذهول والانهيار، وأخذ يتوسّل بي ويُقسم الأيمان المغلّظة بانه كان فتى طائشا غُرّر به وخُدع. ووقفت أستمع الى كلامه دون أن أجيبه. ثم قلت له: أتذكر كيف كنت تعاملني في السجن؟ أذكرك بواحدة فقط… أتذكر أنك كنت تأخذ بلحيتي في غرفة التعذيب فتلقيني على الارض، ثم ترفعني من لحيتي وتسمعني كلمات جارحة وتضربني على الارض. وهكذا؟ ! قال: نعم أذكر ذلك.

وفي هذه الاثناء استشاط من كان يرافقني غيظا، وهمّوا بالاجهاز عليه لولا أن هدأتهم. ثم واصلت الكلام وقلت متحديا:

أنا مستعد لتخليصك… وأنت تعرف أني قادر على ذلك… ولكن بشرط واحد… وهو أن تدلنا على مكان اختفاء رئيسك.

وهذا الرئيس الذي سألت برومند عنه شخصية ساواكية خطيرة، فهو الذي بنى الساواك في مشهد، وبقي من أول تأسيسه الى ساعة انهدامه، مع تغيّر الرؤساء باستمرار. وتتمركز فيه كل المعلومات المرتبطة بمدينة مشهد بل محافظة خراسان.

ومع علمي أن برومند يدري بمكان رئيسه، لأن هذه الزمرة كانت مترابطة، وعلى اتصال خلال أيام الثورة الاسلامية، فقد أصرَّ على أنه لايدري بمكانه. ثم قال: أظنّ أنه فرّ من ايران.

على كل حال حوكم برومند وأُعدم. وكان قد ارتكب جرائم يستحق على كل واحدة منها عقوبة الاعدام. ثم أُلقي القبض أخيرا - وبعد سنوات من الاختفاء - على رئيس سجن الساواك المذكور، وأودع السجن.

* * *

أذكر الشي‏ء الكثير عن صلافة «برومند» ووقاحته في سجني الخامس. في اليوم التالي لتعذيبي الذي ذكرته جاء هذا الرجل الى زنزانتي، وعرفته رغم الظلمة المبطقة. جلس على الارض، والجلوس داخل الزنزانة ممنوع لغير السجناء. بدأ حديثه بالسؤال عن حالي بلغة توقير واحترام!!: كيف حال سماحة السيد؟ ! أرجو أن لايسوءك السجن! وواصل كلامه: عندي لسماحتكم نصيحة… وهي أن تتفضلوا بالادلاء بكل ماعندكم من معلومات، وتجيبون على كل الاسئلة بصراحة… والّا فانه لاسمح اللّه… لاسمح اللّه… قد يفعلون بكم مالا يتناسب مع مكانتكم وشخصية سماحتكم!! بهذه اللهجة الوقحة يحدثني من مارس بحقي أمس أسوأ الوان التعذيب الجسدي والنفسي!

ضحكت من كلامه ولم أجبه شيئا… فانصرف.

كان اعتقالي في أواخر شهر رجب أو اوائل شهر شعبان… ومرت الايام وأوشك الشهر الكريم على الحلول. سمعت رئيس مجموعة المحققين يتجوّل في الممرّ. حين اقترب وقع أقدامه من زنزانتي ناديته. فتح الباب وسألني عن حالي. وكان يناديني: «شيخ»، والعادة أن يدعى مثلي: «سيد»، كما كان لِلؤمٍ في نفسه يكسر شين الشيخ!

قلت له: لقد اقترب شهر رمضان، وأنا لا أستطيع أن أؤدي واجبات هذا الشهر الكريم من صوم وصلاة ودعاء في هذه الزنزانة، فافرجوا عني في هذا الشهر.

قال: عجيب ! سيحلّ شهر رمضان؟ ! هنا أنسب مكان للصوم. هذا مسجد (وأشار الى الزنزانة) وهذا حمّام (وأشار الى حمامات السجن). إبق هنا وصلِّ وصُمّ!

كنت أعلم أنه لايُفرج عنّي، لكني طلبت منه الكبير ليقبل بالطلب الصغير.

بادرت على الفور فقلت له: طيب، اسمح لي بالحصول على مصحف.

قال: لا بأس.

أذن لي بمصحف جاؤوا به من بيتي.

كانت قراءته متعذرة في الظلام الدامس. قلت للحارس: أريد أن أقرأ القرآن، فافتحوا لي اللاب قليلا.

ذهب واستأذن، فأذنوا بفتح الباب قدر عشرة سانتيمات، وكانت كافية للقراءة، فقرأت في هذا الشهر كثيرا وحفظت ماشاء اللّه أن أحفظ، وكان اقتران التعذيب بالتلاوة والصوم قد أضعف بصري أكثر.

* * *

من ذكريات هذا السجن قصة حلق اللحية!

فاللحية، إضافة الى كونها سنة متبَعَة، هي بالنسبة للروحانيين جزء لايتجزّأ من زيهم العلمي الديني. ولقد كان حلق اللحية بالنسبة لي كارثة في السجن الاول، ولم يتكرر في السجون التالية، وماكان الحلق متعارفا في سجون مشهد. وفي هذا السجن رأيت أحد العلماء قد حُلقَت ليحتُه، فعرفت المصير الذي تنتظره لحيتي!

كان للحلق يوم معيّن فى الاسبوع، وحان ذلك اليوم… وكنت أسمع أصوات خروج السجناء واحدا بعد آخر لغرفة الحلق… وسيحين دوري بعد قليل.

ماذا أفعل؟

هل أستسلم أم أقاوم؟

تضرّعت الى اللّه أن يفرّج عنّي.

حان دوري… فُتحت الزنزانة. وما إن وقع نظر مدير السجن عليّ حتى قال: لا، إبقَ… وأُغلقت الباب!!

لم أكن أتوقع ذلك… شكرت اللّه… تكرر الامرُ كلَّ أسبوع. كانوا يجتازونني في الحلق… وأنا الوحيد الذي أُعفيت من ذلك.

وأذكرهنا حادثة فيها عِبرة… وتبيّن أنّ دخول السجن لوحده لا ينمّي شخصية الانسان. فهو كغيره من تجارب الحياة تزيد البعضَ تجربة، وتصقل عزيمته، وتنمّي شخصيته، ولاتؤثّر في بعضٍ آخر لاسلبا ولا إيجابا. وقد تؤدي لدى آخرين الى السقوط! المسألة ترتبط بمدى سموّ نظرة الفرد وهدفه في مواجهة تجارب الحياة.

كان في إحدى زنزنات هذا السجن صديق من علماء الدين اكبر مني سنا مبتلى بمرض الحسد - وقانا اللّه وإياكم منه - ابتلاء شديدا. حان دوره في حلق اللحية، وعلم أنني أُعفيت من حلقها. فتحوا باب زنزانته لأخذه الى الحلق. فقال - وأنا أسمع صوته - : أنا غير مستعد لحلق لحيتي. لماذا لاتحلقون لحية السجين في الزنزانة ١٤ (ويقصدني طبعا) … وراح يكرر اعتراضه على حلق لحيته، ودليله على هذا الاعتراض إعفائي أنا من حلق اللحية!! تألمت كثيرا، وتعجبت من هذا التصرف الذي يعرّضني فيه للخطر. من حقّه أن يعترض، ومن حقّه أن يذكر شتّى الاسباب لاعتراضه… لماذا يعرّضني أنا للخطر؟ !

وعاود الكرّة قائلا للحارس: اذهب وقل للمسؤولين: إن السجين في الزنزانة ١٤ لايأتي للحلق، وأنا أيضاً لا آتي!

اضطربت وتوسلت الى اللّه أن يخلّص لحيتي من الابادة!!

بعد برهة جاء مسؤول السجن، وفتح باب الشيخ المذكور وشتمه وأهانه ودفعه لحلق لحيته. وراحوا يخرجون السجناء واحدا بعد آخر، وكنت أتوقع أنهم لايجتازونني هذه المرّة بعد تصرّف الشيخ… غير أنهم ما إن وصلوا الى زنزانتي حتى تركوها الى الزنزانة التالية، تنفست الصعداء، وحمدت اللّه سبحانه.

* * *

من ذكرياتي المؤلمة في هذا السجن ماشاهدته من تعذيب بعض تلامذتي. فقد كان في هذا السجن اكثر من عشرة معممين اكثرهم من طلابي، كما كان فيه عدد من تلامذتي الجامعيين. في هذا السجن شاهدت تعذيب عدد من خواصهم ممن كانت لي معهم جلسات سرية.

منهم «السيد عباس الموسوي القوچاني» (استُشهد بعد ذلك في الحرب المفروضة). وكان في الزنزانة ١٥ بجواري، و «الشيخ الصادقي» في الزنزانة ١٣ بجواري أيضا. كان الاثنان قد اعتُقلا في قضية توزيع بيان. وأنا طبعا اعتقلت بسبب قضية أخرى لاترتبط بهما.

الشيخ الصادقي اعترف تحت سياط التعذيب أنه استلم البيان من السيد الموسوي. والاعتراف تحت سياط تعذيب هؤلاء الوحوش أمر طبيعي لايلام عليه الفرد، غير أن «الموسوي» ماكان بمقدوره أن يعترف، لأن اعترافه كان يؤدي الى كارثة كبيرة، تعرّض للخطر أفرادا في مستويات عليا من النهضة. الامر خطير جدا. وما كان أمامه الا المقاومة.

الصادقي ضُرب على كف قدمه حتى ترك الضرب فيها حفرة قد يكون أثرها موجودا حتى الان. أما السيد الموسوي فقد ضُرب اكثر وعُذب اكثر… كان يعود من التعذيب وهو يئن أنينا يمزّق نياط القلب. وكانوا يعذّبونه بطريقة وحشية لانظير لها. أخذوه يوما فعذّبوه ثم أرجعوه، وبعد ساعة أخذوه ثانية وعذّبوه وأرجعوه، وما إن حانت ساعة الاستراحة والنوم ليلا حتى استدعوه فعذّبوه وأرجعوه، وفي منتصف الليل أخذوه ايضا لغرفة التعذيب. وكنت أسمع صراخه وأنينه ليل نهار وقلبي يتفطّر لكل أنّة تصدر عنه. وحشية وبشاعة منقطعة النظير!

كانت سلوة السيد الموسوي الوحيدة في هذا السجن هي أنه حين يعود من غرفة التعذيب يسمع صوتي وأنا أتلو آيات من القرآن، اختارها اختيارا خاصا كي تكون بلسما لجروحه، وسكنا لقلبه، وتثبيتا لعزمه. وكنت أحيانا أتكلم معه بالعربية بنفس لحن تجويد القرآن وأوصيه بالحق وأوصيه بالصبر.

قرر مسؤولو السجن أن يبعدوا السيد الموسوي عن الشيخ الصادقي، فأخذوه الى مجموعة الزنزانات المقابلة. فأصبح غريبا لايجد من يسلّيه. ولذلك كان يلجأ الى ألوان الحيل ليقترب مني ويسمع صوتى.

كانت رجله مجروحة، من التعذيب، ولايقوى على المشي، ولذلك يذهب الى المرافق الصحية زاحفا على مقعده. وهناك مرحاضان. أحدهما قريب من زنزانته والآخر قريب من زنزانتي. ومن ألوان تحايله للاقتراب مني أنه كان يقول للحارس: أنا رجلي مصابة كما ترى، ولا أستطيع أن استفيد من هذا المرحاض (مشيرا الى القريب منه)، ولابّد أن أذهب الى ذاك (مشيرا الى القريب مني) !

والحارس عادة من الجنود البسطاء المتعاطفين غالبا مع السجناء، وخاصة المصابين منهم، حتى رأيت أحدهم يحمل السيد الموسوي على ظهره ليوصله الى المرافق الصحية. سمح له الحارس أن يأتي الى المرحاض القريب من زنزانتي. وحين خرج قال للحارس: أريد أن أتيمّم، لانه لايستطيع الوضوء بسبب جراحه! ثم قال له أيضا: إن هذا التراب الموجود قرب المرحاض نجس، وأريد أن أتيمم هناك (مشيرا الى الارض المقابلة لزنزانتي). سمح له الحارس أيضا. اقترب وبدأ يتيمّم ويتحدث باللغة العربية بلحن يشبه تلاوة الادعيّة، فيخال من يسمعه ولايعرف العربية أنه منشغل بالدعاء!

وما أذكره من أقواله مثلا:

يا سيدي… السلام عليك ورحمة اللّه وبركاته… أنت لاتعرف مايحلّ بي من عذاب… فهل إذا مِتّ في هذه الحالة اُحسَبُ شهيدا؟ !

بعد أن انتهى من التيمّم مدّ رجله، وأصبح كأنه لان يستطيع الحركة! قال له الحارس: أسرع… أسرع!! أجابه: لا أستطيع… اسمح لي استرح قليلا.

ماكان أمام الحارس الا أن يسمح له. وبدأتُ بعد انتهاء كلامه أجيبه بالعربية وبنفس لحن دعائه وقلت: اصبر أيها السيد الجليل. اصبر… حتى ييأس منك هؤلاء المجرمون… ولاتقل شيئا، فاللّه منجيك حتما… وواصلت كلامي معه حتى تزوّد ورجع الى زنزانته. وقد تكرر منه هذا التحايل مرارا.

هذا نموذج واحد من نماذج تلامذتي الذين عُذّبوا في هذا السجن، وثمة نماذج كثيرة.

* * *

ومن ذكرياتي في هذا السجن إقامة احتفالات مايسمى، بمرور ألفين وخمسمائة عام على قيام الشاهنشاهية (الامبراطورية) الايرانية!! لقد كانت هذه الاحتفالات اكبر تحدٍ للاسلاميين وللنهضة الاسلامية. فالشاه بانفاق الملايين على هذه الاحتفالات ومارافقها من بذخ واسراف لايوصف أدمى قلوب كل الذين يحملون همومَ الشعب ومعاناته من أجل لقمة عيشه، وهمومَ الملايين من الايرانيين الذين لايتمتعون بابسط مقومات الحياة الحديثة كالماء الصافي والكهرباء والطرق المعبدة والخدمات الصحية والتعليم.

ثم إنه بهذه الاحتفالات أراد أن يقطع صلة تاريخ ايران بالاسلام، ويضفي على إيران ماقبل الاسلام عظمة وكبرياء وانتفاخا وانتفاشا ليوحي بشكل غير مباشر أن الاسلام قضى على مفاخر ايران وعظمتها!!

وكان هذا الكلام يقال مباشرة وبكل صراحة طبعا في كتب التاريخ المدرسية وعلى لسان الكتّاب المتزلفين للبلاط.

ثم إنه أراد أن يركز على وجود ثقافة إيرانية لاترتبط بالاسلام، وتستمد جذورها من حضارة عريقة تمتد الى العصر الا خميني!!

وبالفعل، فقد ألغى الشاه بعد ذلك بقليل التاريخ الهجري الشمسي وأبدله بالتاريخ الشاهنشاهي فأصبحت سنة ١٣٥٠ هجرية شمسية فجأة ٢٥٥٠ شاهنشاهية. وهذا التغيير له مدلوله الكبير!

ومن المضحك المبكي أن وفود كثير من البلدان العربية اشتركت في هذه الاحتفالات مباركة للشاه هذه الاهانةَ الكبرى بالاسلام وبالفتح الاسلامي وبكل ما يربط ايران بتاريخ العرب والعالم العربي.

نعم… الاسلاميون بذلوا كلّ جهد لفضح خطة تلك الاحتفالات، وفضح أرقام الاموال التي أُنفقت عليها، وقاومت تغيير التاريخ الهجري، حتى اضطر الطاغوت الى التنازل بعد سنوات عن هذا التغيير، وألغى رسميا التاريخ الشاهنشاهي! قبل انتصار الثورة الاسلامية بأشهر قلائل.

وواصلت الامة المسلمة في ايران جهادها ضد كلّ النعرات العنصرية التي أثارها الشاه من أجل أن يقطع صلة ايران بالتاريخ الاسلامي والعالم الاسلامي… حتى تحقق النصر الكبير باذن اللّه سبحانه، وعادت ايران الى حضيرة الامة الاسلامية. وحاولت الثورة منذ اللحظات الاولى لانتصارها أن تقضي على كل الحواجز التي تفصلها عن إخوانها العرب. ولكن… ماذا لقيت مقابل ذلك من الحكام العرب هدانا اللّه وإياهم؟ ! الحديث ذو شجون!!

على كل حال، في هذا السجن كنا نسمع ونحن في الزنزانات أصوات جانب من هذه الاحتفالات، وكان السجناء رغم جوّ الارهاب المهيمن على السجن يعلنون سخطهم ورفضَهم مترنمين بابيات لاحد الشعراء تبدأ على النحو التالي:

شَبِ دَدْ، شَبِ بَدْ، شَبِ أهْرِمَنْ‏

وقاحَتْ بِشادي گُشودِه دَهَنْ‏

أي: ليلةُ وحشٍ… ليلة سوءٍ… ليلةُ شيطان‏

إنها الوقاحه… تتمشدق بغباوه… مثل شخص فرحان‏

السجنُ السادس‏

كان هذا السجن سنة ١٣٥٣هجرية شمسية (١٣٩٥ه. ق) وأنا آنئذ في وضع اجتماعي يختلف كل الاختلاف عن وضعي قبل السجن الخامس. كانت لي ارتباطاتي الاجتماعية الواسعة عن طريق إمامة المسجد. بدأت الصلاة أولاً في «مسجد الامام الحسن»، وهو مسجد صغير يقع في زقاق فرعي، ثم انتقلت الى «مسجد الكرامة»، وهو مسجد كبير، وأهميته ليست لكبرة فحسب بل لأنه في موقع حساس لقربه من مركز المدينة الديني حيث حرم الامام الرضا٧ والمدارس الدينية ولقربه من جهة أخرى من القسم الحديث من المدينة حيث الجامعة والسينمات، كما إنه ليس ببعيد عن السوق حيث الكسبة والتجار، لذلك كان ملتقى فئات طالما افترقت وتخاصمت: الكسبة… وطلبة العلوم الدينية… وطلبة الجامعات.

وتطور النشاط في هذا المسجد فأثار حساسية الجهاز الحاكم الذي تدخل ومنع إقامتي الصلاة فيه.

بعد ثلاثة أشهر على هذا المنع عدت الى مسجد الامام الحسن وهو لصغره وموقعه النائي لم يكن موضع اهتمام جهاز الامن. وما إن بدأت الصلاة في هذا المسجد الصغير الذي هو «مفحص قتاة» بتعبير الحديث الشريف حتى توافد عليه الطلبة والكسبة فضاق بهم المسجد، واضطر القائمون على أمر المسجد الى توسعته فاصبح اكبر من مسجد الكرامة. ولإبعاد الحساسيات أو تقليلها كنت أقيم الصلاة فيه ليلةَ السبت فقط وألقي درسا في نهج البلاغة يحضره عدد غفير.

إضافة الى إمامة المسجد كان بيتي مقصدا للمراجعين تفد اليه الفئات المختلفة تسأل وتطلب وتقترح وتناقش… أقابل كل المراجعين برحابة صدر حتى أن المراجعات تتواصل أحيانا الى منتصف الليل. لم تكن المراجعات من مشهد فحسب، بل من مختلف المدن الايرانية.

كنت أُدعى لالقاء محاضرات في أنحاء البلاد منها العاصمة طهران استجيب لبعضها وأعتذر عن اكثرها لضيق الوقت. ومن الدعوات التي استجبت لها دعوة الشهيد مفتّح لالقاء محاضرة بمناسبة وفاة الامام الصادق، وسأتحدث عنها فيما بعد. وبعد عودتي من طهران اعتقل الشيخ المفتح، وكنت أتوقع اعتقاله. واستجبت لدعوات من «همدان» و «كرمان»، وكنت أهمّ بالسفر الى «أراك» لالقاء محاضرة إذ أُلقي القبض عليّ لاعتقالي السادس.

ورغم زحمة المراجعات والدعوات كنت أُلقي درسين في الاسبوع من دروس الحوزة العلمية واحدا في الفقه والآخر في أصول الفقه. وهذه الدروس قد بدأتها طبعا منذ عودتي من قم الى مشهد سنة ١٣٤٣ ه. ش (١٣٨٣ه. ق).

في شهر آذر (آخر أشهر الخريف) من السنة المذكورة إذ مال الجوّ الى البرودة، شعرت بتعب وارهاق شديدين، ومالت نفسي الى قسط من الاستراحة. فاتحت زوجتي برغبتي في السفر لأيام من أجل الراحة والاستجمام فرفضت. أعدت عليها رغبتي في الايام التالية، حتى اتفقنا أن نذهب الى محافظة «مازندران» في شمال ايران.

كان أبناؤنا آنئذ ثلاثة، اكبرهم مصطفى تلميذ، والاثنان لم يبلغا سنّ المدرسة. أودعنا مصطفى عند جدّته، ودعوت خال زوجتي، وهو رجل كاسب بيني وبينه أواصر صداقة قويّة، يأخذ بيدي في أيام الحرج والشدّة ويخدمني كثيرا وله سيارة ومحرم مع زوجتي. فجاء هو وزوجته وأطفاله وذهبنا معا الى مازندران، حيث أمضينا ثلاثة أيام، وأصررت على العودة بعدها الى مشهد لأدرك جلسة المسجد ليلة السبت، ولكن قبل حضور الجلسة اقتحم رجال الساواك بيتي واقتادوني الى السجن.

وثمة ذكريات لي في هذه السفرة يحسن ذكرها لانها تبين موقعي في المجتمع الايراني قبل اعتقالي السادس.

كنت في مدينة «ساري» (مركز محافظة مازندران)، دخلت قبيل المغرب مع ابني مجتبى وهو طفل في «المسجد الجامع» (وهو اكبر مساجد المدينة)، وجلست في أحد أروقته منتظرا حلول وقت الصلاة. اقترب منّي شاب فأمعن النظر فيّ وسلّم عليّ وجلس على مقربة مني دون أن يتكلم. ثم جاء شاب آخر وجلس بجانب الاول، وجاء ثالث ورابع، وما إن اقترب المغرب حتى بلغ عددهم عشرين شابا. توجست منهم خيفة فلم أسألهم خشية أن يكونوا من رجال الامن.

بادرني أحدهم بالسؤال: أنت فلان؟ قلت: نعم. ثم طلبوا مني أن أؤمهم في الصلاة. قلت: ثمة جماعات متعدّدة تقام في أروقة المسجد (وهذه التعددية ظاهرة مؤسفة)، فلماذا لاتشتركون فيها؟ قالوا: لانعترف بأئمتها جميعا. وهذه كانت حالة كل الشباب المؤمن في ايران. يحبّون علماء الدين الثائرين المضحين الصامدين بوجه السلطة، ولا يستسيغون من لايفكر كما يريدون ولايتحرك كما يحبون حتى ولو كان يحمل في نفسه عواطف ايجابية تجاه الحركة الاسلامية، ماكان الشباب يقنعون من العلماء بالمشاعر والعواطف بل كانوا يطالبونهم بالحركة والتضحية والصمود.

قلت لهم: وماذا تفعلون كل ليلة؟

قالوا: نصلّي خلف فلان (وذكروا لي اسم أحد أصدقائي) وهو ذهب الآن الى طهران، ورواقه خال… واصرّوا عليّ أن أذهب الى ذلك الرواق. أقمت الصلاة والتحق بالجماعة عدد آخر. وبعد الصلاة توجهت الى المصلين وتحدثت اليهم في تفسير سورة الحمد، وقسّمت مفاهيم الفاتحة على أقسام، وتحدثت في كل قسم. ثم اختتمت حديثي ونهضت لاودعهم. ألحّوا عليّ أن أقيم بينهم أياما. قالوا: شيخنا ذهب الى طهران، وليس لنا أحد يوجهنا ويؤمنا في الصلاة. قلت: لابدّ أن أسافر لأدرك مجلس ليلة السبت. تأوّهوا وقالوا: ياليت شيخنا يهتم بنا كاهتمامك بأفراد مسجدك، فهو يتركنا كثيرا ويذهب الى طهران لبعض شؤونه.

في نفس السفرة دخلت مخزن بيع كتب في مدينة «شاهي» (قائم شهر حاليا) مع مجتبى، وكنت أتصفّح أحد الكتب إذ جاءني شاب وقال: أنت فلان؟ ظننت أنه من الساواك، لكنه بعد أن تحدث اطمأننت اليه، وصاحب ذلك المخزن عرفني أيضا.

عدنا الى مشهد بعد أن حملنا معنا سمك بحر الخزر، وكان قد أهداه إيانا صيادون مررنا بهم على ساحل البحر، وما إن رأونا حتى أسرع أحدهم ليقدم لنا مما اصطادوه. أصررنا أن ندفع الثمن فأبى، ودفع الينا السمك وهو مستبشر بالبركة لأن الصيادين يستبشرون كثيرا إذا مرّ بهم «سيّد» وشاركهم في عطاء الصيد.

وصلنا مشهد في ساعة متأخرة من ليلة الجمعة، وفي صباح اليوم التالي ذهبت زوجتي الى بيت أمها حيث يمكث مصطفى، وأنا أيضا توجهت ظهرا اليه حيث نزلنا ضيوفا في الغداء، وعدت الى البيت لأُعدّ لمحاضرة ليلة السبت.

كنت أقرأ في صلاة الجماعة بعد الحمد من كل ركعة سورة من سور الجزء الثلاثين من القرآن الكريم. فالمصلي وفق فقه أهل البيت: يقرأ سورة كاملة بعد الحمد. وغالبا ما يقرأ الناس بعد الحمد سورة الاخلاص أو القدر أو دونها في الطول. وكنت أختار بعد الحمد سورا أطول ذات طابع حركي يستهدف صياغة المحتوى الداخلي وبناء الشخصية الاسلامية. كنت في عصر تلك الجمعة أردّد مع نفسي آيات سورة المطففين استعدادا لقراءتها في الصلاة إذ دُقّ جرس البيت، فتحت الباب فاذا الوجوه التي كنت أعرفها جيدا لدى كل اقتحام. دخلوا البيت دون استئذان، وتوجّهوا مباشرة الى مكتبتي حيث الكتب والاوراق والكراسات، وبدأوا بجمع كل مايتصورونه أنه مستمسك إدانة. رُفع أذان المغرب، وكانت عادتي أن أدخل المسجد قبيل الاذان فأسلم على المصلين وأتبادل معهم العبارات الطيبة. فقلت لرجال الساواك: إن وقت الصلاة قد حان، ولابدّ أن أكون في المسجد لأؤمّ الناس، واذا تأخرت في الصلاة فسيكون مردود ذلك سيئاً عليكم.

أجابوا ببرود: لا تقلق علينا ياسيّد. في هذه الاثناء جاء أحد إخوان زوجتي بعد أن استبطأني في المسجد. قلت له: لا أستطيع اليوم أن آتي الى المسجد. ففهم كلّ شي‏ء.

أجلسوني في سيارة، ولا أتذكر هل شدّوا عيني أم لا. ثم زجّوني في نفس السجن السابق (سنة ١٣٥٠ه. ش - ١٣٩١ه. ق) حيث الزنزاناتُ المظلمةُ إلّا من خيوط نور تخترق الثقوب. وأدخلوني إحداها، دون أن ينتزعوا عمامتي وملابسي كما هي العادة.

جلست في الزنزانة أستعيد ذكريات الايام الماضية وإصراري على الوصول الى مشهد في الوقت المناسب. ليتني قبلت طلب شباب مازندران ومكثت عندهم أياما.

في اليوم التالي جاء أحدهم قبيل الظهر وقال: اجمع أمتعتك. ظننت أنهم يريدون إطلاق سراحي، إلّا فما معنى جمع الامتعة في أول نهار لي في السجن؟ !

أركبوني سيارة، وأنزلوني عند محطة القطار. علمت أني عازم على سفر خارج مشهد. لماذا القطار؟ لماذا لم يَجُد هؤلاء الاخسّاء بتذكرة طائرة؟ ! استلمني في‏المحطة اثنان من رجال الشرطة باللباس المدني وكنت أعرف أحدهم لأنه يسكن في حارتنا واراه كلّ يوم، وكنت أحدس أنه مرتبط بجهاز الامن.

جلسنا في قطار متجه الى طهران، وكانت المقصورة من الدرجة الثانية، وتسع لست أشخاص. معي في المقصورة المرافقان، إضافة الى ثلاثة ركاب عاديين. حاول المرافقان أن يتظاهرا أمام الركاب بأننا نحن الثلاثة أيضا ركاب عاديون، ولم تصدر منهما حركة تنبئ بأني معتقل، لكني خشيت على الركاب أن يتحدثوا معي بشي‏ء يعرّضهم لمشكلة سياسية، وليس ذلك بمستبعد، لأن الناس عادة كانوا يبثون شكواهم لعلماء الدين، وخاصة الشباب منهم، مما يحيط بهم من الاوضاع السيئة. لذلك بادرت الى القول بابتسامة وهدوء، وبوجه طلق مخاطبا الركاب: هذان الرجلان مأموران. وأنا معتقل لديهما، ويريدان تسليمي الى الساواك في طهران.

ارتسمت على وجه الركاب علامات تعاطف لم تفارقهم طول مدة السفر، وكانوا يطيلون النظر اليّ وفي أعينهم ألم ممزوج بغضب صامت.

وصلنا محطة قطار طهران في الصباح الباكر. أخذني المأموران الى دكة خاصة بالشرطة في المحطة، وأسروا الى الشرطة بالمعلومات الخاصة بمهمتهم، اتصلوا بالهاتف، وبعدها بمدة وجيزة جاء بعض الافراد وطلبوا مني أن اصطحبهم. أركبوني سيارة، وشدّوا عيني، وعاملوني بغلظة وفظاظة. راحت السيارة تطوي شوارع طهران، وكلما توقفت السيارة بسبب الزحام أمروني أن أضع رأس على مسند الكرسي المقابل. وقفت السيارة في مكان واقتادوني منها بضع أمتار. ثم رفعوا العصابة عن عيني فاذا أنا في حجرة وفيها بعض المأمورين، وفيها أيضا المرافقان اللذان اصطحباني في رحلة القطار. تهامسوا مع بعضهم ثم قال لي أحدهم: إخلع ملابسك: العمامة، والعباءة، والقباء، واللبادة و… ولم يبق لي سوى القميص والسروال. سلموني لباسا خاصا بالسجن يتكون من قميص وسروال خاصين. لبستهما. وقع نظري على المرافقَين فرأيتهما ينظران اليّ بحزن وأسف وتفجّع. ويبدو أنهما ماكانا يتوقعان أن يرياني بهذا الوضع. ابتسمت بوجههما. ثم أمرني السجانون أن أخلع قميص السجن وأضعه على رأسي مغطيا به وجهي وأخرجوني من الغرفة وأنا لا أعرف المكان. اقتادوني الى بوابة سمعت صوت سلاسلها التي فصلت لفتحها. ثم أخذوني الى مكان أحسست

أنه صالة كبيرة، وأوقفوني عند باب فتحوه، وألقوني خلفه، ثم أوصدوا الباب. رفعت القميص فوجدتني في زنزانة نصف مظلمة فيها مصباح ضئيل النور مغطى بحاجز. وجدت في الزنزانة شابا سرّ بقدومي جدا. سألني عن اسمي، حين أخبرته اهتز من الاعماق، وراح يردّد مرارا: حقاً أنت فلان؟ وراح يغمرني بقبلاته من قمة رأسي حتى أخمص قدمي. وأخبرني أنه مسجون منذ عشرين يوما، وكان خلالها وحيدا. بادلته العواطف، ولكن لم انفتح أمامه. وهذه هي طريقة التعامل عادة في السجون السياسية. إذ كل شي‏ء محتمل… وربّ رجل سجين يبدي لك الاخلاص في الودّ وهو يريد تفريغ معلوماتك. كنت أجلس معه وأسامره وأسليه. وبقي معي حوالي الشهرين ثم نُقل الى زنزانة أخرى أو الى السجن العمومي، وكان سجينا سياسيا، غير أنه لم يكن من الرساليين الاسلاميين.

كان ذلك السجن يعرف بسجن «الكميته» أو سجن اللجنة. وقد تأسس في ذلك العام أو العام السابق له، وإنما سمي بهذا الاسم لأنه خاضع للجنة ثلاثية مكونة من الساواك والشرطة والدرك. واستحدث هذا السجن بعد حوادث كثيرة ظهر فيها عدم وجود انسجام بين نشاطات تلك الجهات الثلاث، بسبب التنافس على التزلف للشاه، خاصة بين الساواك والشرطة. فجمعا في لجنة أمنية واحدة وأُلحق بهما الدرك لأن بعض الحركات الثورية كانت تبتعد عن المدن، وتتخذ من الغابات مقرا لها. والدرك هو المسؤول الامني عما يقع خارج المدن.

* * *

تواصلت الايام أمضيها في الزنزانة، وهي أيام ثقيلة جدا لايفهمها الّا من عاناها. يوم واحد في الزنزانة يعادل شهرا من البقاء في السجن العام. ولا أقلّ من أن يقال: الاشهر الثمانية التي أمضيتها في زنزانة هذا السجن تعادل ثماني سنين في السجن العام. وبالمناسبة فان الشهيد رجائي أمضى ٢٨ شهرا في احدى زنزانات هذا السجن الرهيب.

طول الزنزانة ٤٠ / ٢ متر، وعرضها ٦٠ / ١متر، وفي هذه الزنزانة الصغيرة عشت وحدي أحيانا، ومع سجين أو سجينين أو ثلاثة. أربعةُ أشخاص في مساحة تقل عن أربعة أمتار مربعة.

وياليت المشكلة تقتصر على ضيق المكان… اذن لهان الامر. ولكن ثمة الارهاب النفسي والتعذيب الجسدي.

ضجيج المعذَّبين يقرع آذاننا في النهار ويمتد في بعض الليالي حتى الصباح… وكانت طريقتهم في التعذيب مدروسة متفننة… وكل شي‏ء في هذا السجن كان يستهدف تحطيم شخصية الفرد كي ينهار نفسيا، حتى في عملية أخذ الافراد الى المرافق الصحية. لقد كانت المراحيض داخل صالة السجن. وما إن يدخل السجين المرحاض حتى تعلو أصوات الحرس: هيّا… هيّا… أخرج… أخرج بسرعة… وكانوا يدفعون في بعض الاحيان باب المرحاض لفتحها على السجين.

أنواع الاهانات باليد واللسان كان يمارسها حرس السجن بحقّ السجناء. والكلام بين السجناء داخل الزنزانة الواحدة ممنوع أيضا، فكان التحادث بالهمس أو بالاشارة أحيانا. واذا أحسّ الحارس بهمسنا ينهرنا بصوت غاضب أجشّ. والطعام في الغالب من أردأ مايكون. واذا اتفق أن وضع المطبخ فيه قطعة من اللحم يلتقطها الحراس لانفسهم. وطريقة تقديم الطعام للسجناء كان فيها شي‏ء كثير من الاهانة، تحسب أنهم يقدمون الطعام للحيوان، مع أن اكثر السجناء علماء ومفكرون وجامعيون.

ماكان يسمح للسجين أن يخرج من الزنزانة الّا للمراحيض أو غرفة التحقيق، ذكرت أن الذهاب الى المراحيض كارثة، أما التحقيق فشي‏ء لايوصف. قلت: ان بقاء الشهر في الزنزانة يعادل سنة من السجن العمومي. وأقول هنا: إن يوما من أيام التحقيق تعادل شهرا في الزنزانة المنفردة.

في مرة من المرات استدعوني للتحقيق وكان معي في الزنزانة ثلاثة أشخاص. أخذوني في الصباح وماعدت الى زنزانتي حتى المساء. رفاق الزنزانة ظنوا أني متُّ تحت التعذيب فاضطربوا كثيرا. والطريف أني حين عدت اليهم لم يعرفوني، فقد غادرتهم بلحية طويلة، وعدت بدون لحية، حين تكلمت معهم عرفوني فبكى بعضهم.

كان لي صاحب في الزنزانة (وهو أحمد أحمدي سبط العالم الشهير الشيخ محمد علي الشاهابادي أستاذ الامام الخميني في الفلسفة والعرفان) وكان حينما يأخذوه الى الاستجواب يعود زاحفا على مقعده بعد أن يفقد قواه على المشي. واستمرّ معه التعذيب حتى استشهد في هذا السجن. وكان حين يعود الى الزنزانة يسيطر علينا ألم شديد يعتصر قلوبنا فيسارع الى تخفيف آلامنا وتسليتنا وبثّ الطمأنينة في قلوبنا.

أذكر مناظر وحشية التعامل ولكني لا أستطيع تصوير عمق المأساة. لقد كان المسؤولون في هذا السجن على درجة عالية من الخباثة واللؤم. كان صوت تعذيب السجناء يسمع حتى الصباح. لا أكاد أغفو حتى استيقظ على صوت أنين ولا أدري أهو صوت حقيقي أم شريط مسجّل.

ومشكلتي الكبرى في هذا السجن كانت «أمي». إنها - كما ذكرت - كانت تتحلى بشجاعة فائقة وصمود لايلين. لكنها قالت لي قبيل اعتقالي هذا ما ينبى‏ء أن صبرها قد نفد بسبب كثرة ما تحملته من مصائب ولدها. قالت لي يوما وكنت في بيتها: لو سجنت مرة أخرى فسوف أموت!! حاولت حينها أن أُطمئنها وأقول لها: يا أماه، لماذا أسجن مرة أخرى؟ ! ماذا فعلت؟ ثم لو قُدّر أن يحدث ذلك، لماذا هذا الشعور؟ لماذا هذا الكلام الذي لا أعهده منكِ أبداً؟ ! لكني وجدتها جادّة فيما تقول. كانت كلمات الوالدة تقرع أذني وتقلق نفسي منذ أن اعتقلت، وبقيت في هذه الحالة مدة ستة أشهر لا أعلم ماذا دهى والدتي. بعد ستة أشهر سمحوا لي أن يكون لي اتصال تلفوني واحد فقط. فضلت أن أتصل ببيت الوالد. كان الوالد وراء الخط. أول سؤال وجهته اليه: كيف حال والدتي؟ أجابني: بخير. لم أطمئن، قلت له: أين هي الآن؟ قال: خرجت من البيت. لم أطمئن، سألت: اين ذهبت؟ قال: ذهبت الى مجلس ذِكرٍ في بيت فلان. تذكرت مجلس الذكر الذي تواظب الوالدة على حضوره. فارتحت. وهدأت نفسي، ثم سألت عن الزوجة والاولاد.

والواقع أني، مع قدرتي على البيان، لا أستطيع أبداً أن أصف مايجري على الانسان في هذا السجن، فقد رأيت فيه من البشاعة مالم أر ولم أسمع بمثله حتى اليوم.

* * *

طبيعة الانسان أن يتمرّد على وضع لايستسيغه، واذا همّ بالتمرّد تنفتح أمامه طرق للابداع والابتكار، وفي هذا السجن كانت أفكار السجناء تتجه لتجاوز عقبتين: الاولى - عقبة الحرس وأكثرهم أميون مأجورون تغلب عليهم البساطة. والثانية - عقبة رجال الأمن. وكان السجناء يخططون عادة للتغلب على العقبة الاولى، وينجحون فيها غالبا. وأذكر من ذلك قضايا لاتخلو من طرافة:

الكلام داخل الزنزانة الواحدة ممنوع كما ذكرت، فما بالك بالكلام مع سجناء الزنزانات الاخرى. هذا عمل خطير يؤدي الى ارتباك أوضاع التحقيق وعمليات الحصول على معلومات، خاصة اذا كان المعتقلون متهمين في قضية أمنية واحدة. ومع هذه الخطورة كان «المورس» أداة التخاطب بين السجناء. كان بيني وبين زنزانة «رجائي» فاصلة زنزانة واحدة. كنت أخاطب الزنزانة المجاورة بالمورس فيذهب النداء الى زنزانة رجائي ويعود الجواب.

لقد تعلمت لغة المورس في هذا السجن. بدأت القصة من ضربات على الجدار أسمعها من زنزانة جاري ولا أفهم معناها. عرفت أنه يريد بهذه الضربات شيئاً. وذات يوم كنت أتطلع الى جدران الزنزانة، وهو عمل يعمد اليه السجين عادةً كي يشغل نفسه بشي‏ء جديد. فقرأت فيما قرأت ذكريات السجناء ومطايباتهم ولطائفهم. وإذْ كنت أحدّق في جدار يقع جوار الباب لايصل اليه ضوء الا بالكاد، رأيت جدولا فيه حروف ورموز. وبسبب معرفتي قليلا ببعض العلوم التي تمارس بالحرف والعدد بدأت أتفهم لغة الجدول فاذا هي رموز المورس. بدأت أتعلمها، وبدأت أتفهم ضربات جاري على الحائط. ثم في مرة من المرات حاولت أن أجيبه ولو ببطء. فهم الجار جوابي وفرح كثيرا. بدأ تبادل الحديث بيني وبينه، هو يخاطبني بسرعة ومهارة وأنا أجيبه على مكث، ويحاول هو أن يساعدني، فما إن يسمع الحرف أو الحرفين من الكلمة، حتى يشير اليّ بأنه فهم الكلمة ولاداعي لبقية الحروف.

وبالتدريج ازدادت مهارتي في الحديث بالمورس حتى أصبحت أضرب بالمورس بحيث لايفهم من معي في الزنزانة أني أفعل ذلك. أتكئ على الحائط مسندا رأسي اليه واضعا يدي خلف ظهري، ثم أنقر بظفري على الجدار وأتحدث بشكل طبيعي مع رفيقي في زنزانتي دون أن يفهم أني أتحدث بحديث آخر بالمورس مع جاري في السجن. ولايرى مني حركة غير طبيعية سوى أنه يشعر بشرود ذهني يبدو عليّ، وهو مايبدو بشكل طبيعي أيضا على كل سجين. وربما ضربت على الجدار بأصابع رجلي وأنا مضطجع مع بقية السجناء. والاستماع في مثل هذه الحالة صعب لابتعاد الاذن عن الجدار.

الحديث مع الجار يدور حول كل شي‏ء… نتبادل الاسئلة حول شتى الامور: هل أخذوك اليوم الى الاستجواب؟ ماذا فعلت اليوم؟ ماذا رأيت في المنام؟ عرفت أنه طالب جامعي ولم أعرف عنه اكثر من ذلك. حتى اسمه الحقيقي كتمة عليّ. وهذا طبيعي. فالكتمان ضرورة لازمة للسجناء السياسيين. وكان هذا الشاب يتحلّى بخفة دم فائقة وشطارة عجيبة. يحاول بشتى الصور أن يتطوع لغسل مراحيض السجن. والسجناء طبعا يتسابقون لهذا العمل كي يخرجوا ولو لدقائق من الزنزانة. ثم يغتنم فرصة خروجه ويقوم بأعمال تدل على سرعة حركته ولباقته.

في مرة أرسل الحارس بذكائه الى مكان بعيد عن الزنزانات، وفي خفة وسرعة توجه الى زنزانتي ورفع غطاءها المسدول على النافذة الصغيرة الموضوعة على كل أبواب الزنزانة ودعاني ثم طبع قبلة على فمي وعاد الى محل عمله في المراحيض دون أن يلتفت اليه أحد.

وفي مرة رأى وهو يمارس عمله في النظافة أن كمية من الزُبد والمربّى موضوعة على قالب الثلج داخل كوز الماء الكبير (الحِبّ) في ممرّ السجن. الكوز كان مغطى طبعا، لكن صاحبنا فتحه للحظة ورأى مارأى فيه. علم أن هذه الكمية من الزبد والمربى هي مما سرقه الحارس المناوب من فطور السجناء، فالطعام في عشاء ذلك اليوم ردي‏ء لايعجب الحارس، ولذلك أعدّ عدته، ووضع ماسرقه على قالب الثلج كي يستفيد منه في العشاء. طمحت نفس صاحبي الى هذا الطعام المسروق، خاصة وهو صائم في ذلك اليوم. وفي خفة متناهية فتح باب الكوز وأخذ مافيه من الطعام واتجه الى الزنزانة، وأخبرني بالمورس بما فعل. قلت له: كله في الافطار هنيئا مريئا. وحين حلّ المساء أقبل الحارس بشهية فائقة الى الكوز ليأخذ ما أودعه فيه. فجنّ جنونه حين رأى أنّ مافيه قد سُرِق. لم يصدّق أنّ السجين يستطيع أن يفعل ذلك. سأل بقية الحراس، ولما أيقن أن ذلك من فعل السجناء عزم على تفتيش الزنزانات مع بقية الحراس. كان صاحبي قد أكل قسما من الطعام وبقي قسم. فاتصل بي فزعا يسأل عمّا يفعل بالباقي وهو وحيد في زنزانته. قلت له: كل ما استطعت وضع الباقي تحت البساط واخف آثار الجريمة! وتم تفتيش الزنزانات، وفتشت زنزان

ة جاري أيضا، ولكن لم يعثروا على شي‏ء، ومرّت القضية بسلام لتبقى في سجل ذكريات هذا السجن دلالة على تمرّد الانسان السجين على واقعه.

* * *

لقد رافقت في هذه الزنزانة ألوان الافراد فيهم الشباب المؤمن المتحمّس. وأحدهم شاب من «نهاوند» ينتمى الى «مجموعة ابي ذر» الثانية. وكانت المجموعة الاولى قد أُبيدت بأجمعها. فشكل شباب مدينة نهاوند هذه المجموعة الثانية. وإنما ذكرت هذا الشاب بالذات لأني رأيته أخيرا. فقد زارني مجموعة من المؤمنين وسألت عن أسمائهم فذكَرَ لي أحدُهم اسمَه. فتوقفت عند هذا الاسم قليلا. ثم سرعان ما أسعفتني ذاكرتي بأنه هو نفس رفيق الزنزانة من مجموعة أبي ذر الثانية [١٠].

وكان بين من صاحبته في هذ الزنزانة شيوعيون. أحدهم شاب لم يذكر لي أنه شيوعي. وقد حلّ في الزنزانة ونحن ثلاثة فأصبح رابعنا. وما كان حلوله في الزنزانة حلولَ من يريد أن يستقر فيها، بل مثل شخص يهمّ بالرحيل. عندما سألته عن نفسه لم يكن صريحا، تحدث في أمور هامشية. تلمست فيه شيئا من الطيبة، وقلت له يوما: أجد فيك توجها نحو المعنويات. لم يلبث طويلا فقد أُخرج من الزنزانة الى حيث لا نعلم. وقبيل الثورة اتصل بي هاتفيا، وقال: أنا اشتغل في الصحيفة الفلانية. وكرر عليّ مرارا عبارتي التي قلتها له في السجن. ثم عرفت أنه من أعضاء حزب «توده» الشيوعي. وعثرنا على وثيقة تدل على عضويته في الساواك! وفي حوادث انهيار الحزب الشيوعي، أُلقي القبض عليه فيمن اعتقل من أعضاء حزب توده. وكانت زوجته تكتب لي راجية اطلاق سراحه، وتذكرني أيضا بما قلته لزوجها في السجن. وبقي معتقلا ثم أُفرج عنه.

والشيوعيون ليسوا في حقدهم على الدين وخبث سريرتهم على نمط واحد. فهذا الرجل لم يكن شديد التعقيد، لكني ابتُليت بخبيث حاقد من الشيوعيين في هذه الزنزانة، كان آية في الدناءة وانحطاط الاخلاق.

حين أودع الرجل الزنزانة كنت جالساً مع أحد السجناء نتلو أذكار تعقيبات صلاة المغرب. وعادتي في الصلاة داخل السجن أن أتعمّم ببعض ملابسي البيضاء وارتدي بطانية بدل العباءة، فيخيل لمن يراني في ظلمة الزنزانة أني أرتدي ملابس رجال الدين.

كنت - كما ذكرت - جالسا مع رفيقي بعد صلاة المغرب إذ فُتح باب الزنزانة فدخل رجل طويل القامة. لم يرشيئا في أول الامر لأنه دخل من مكان مضي‏ء الى مكان مظلم. بعد برهة وقع نظره عليّ وعلى صاحبي فاكفهرّ وجهه وقبع في زاوية من الزنزانة حزينا بائساً كئيبا. اقتربت منه وشرعت أعامله كما أعامل كلّ نزيل جديد، محاولا رفع الكآبة عنه وتسليته. قلت له: أنت جائع أو عطشان؟ لكن الوجوم لم يفارقه. حسبت أنه منكمش بسبب مايعانيه من ضغوط نفسية. شرعت أمسح بيدي على كتفه ورأسه وعنقه، حاول أن يمتنع عن الاجابة عن أي سؤال. ثم علمت أنه القي القبض عليه صباح ذلك اليوم ولم يتناول طعاما بعد الاعتقال وربّما ضرب أيضا.

كنت قد اعتدت على إبقاء شي‏ء من طعام الافطار لاتناوله بين الوجبات بسبب إصابتي بالقُرحة في هذا السجن. قدّمت له خبزا وشيئا من المربّى. أبى أن يأكل، فأطعمته بالاجبار وسقيته، فانفتحت أساريره قليلا. لم أقم لصلاة العشاء مراعاة لحاله، ولِما رأيت فيه من انكماش شديد. واصلت معه حديث تسلية ومواساة. وبعد أن رأى مني شدة الاهتمام ظنّ أنني أفعل ذلك لاعتقادي أنه من السجناء السياسيين الاسلاميين، أو إنني أفعل ذلك لاكسبه الى صف الاسلاميين. رفع رأسه وقال بلهجة لاتخلو من جفاف: اسمح لي أن أعترف بأنني لا أدين بأي دين!

فهمت مادار في خلده، وطفقت أبحث عن عبارة مناسبة لذهنيته ومنطقه وظروفه. قلت له: إن الرئيس الاندنوسي «سوكارنو» قال في «مؤتمر باندونغ»: إن الملاك لاتحاد الشعوب المتخلفة ليس وحدة الدين أو وحدة التاريخ والثقافة وأمثالها، بل وحدة الحاجة. ونحن الآن تربطنا معا وحدة الحاجة. القضايا واحدة والمصير غير معلوم، ولاينبغي أن يفرق الدين بيني وبينك.

ماكان يتوقع مني هذا الجواب. وجدت التغيير واضحا على وجهه. انفتح كثيرا، واختلط بنا. ثم قلت له: استرح أنت ونحن نصلي.

كانت زوجته تقبع في زنزانة أخرى بهذا السجن. وطالما استفدت من خبرتي الطويلة في هذا السجن لايجاد ارتباط بينه وبين زوجته. وأبديت له كل حبّ وخدمة.

بقي معنا شهرين، وفي أحد الايام قال لي: حين وقعت عيني عليك شعرت بالمأساة. قلت في نفسي: ابتلينا بالملّا. وأقول لك الآن: لم أر في عمري شخصا مثلك في سعة الصدر وعدم التعصّب.

لكن كل مواقفي هذه لم تغيّر من خُبث سريرة الرجل التي تلمستها فيما بعد. كان يغتنم كل فرصة للاستهزاء بالدين ورجال الدين. يحاول بشتى الطرق أن يستهين حتى بالعادات والتقاليد التي تمت الى الدين بصلة بشكل يثير التقزز والاشمئزاز.

أتذكر أني أصبت يوما بمغص في الامعاء واحتجت الى المرافق باستمرار. وماكان الذهاب الى المرافق ممكنا الا ثلاث مرات في اليوم فقط. وكانوا يصادرون أحيانا بعض النوبات فنقول: صادروا مرحاضنا. واللغة الفارسية تقول: أكلوا مرحاضنا!

في يوم اصابتي بالمغص كان الحارس - لحسن الحظ - فيه شي‏ء من الطيبة. فتح لي باب الزنزانة عدة مرات، وما تبعني الى المرحاض، بل وقف منتظرا عند باب الزنزانة. عدت في احدى المرات فوجدت صاحبنا الثالث في الزنزانة على هذا الشيوعي. وعرفت أن هذا الانسان المعقد أخذ يسخر منّي أمام الحارس! وإهانة السجين أمام الحارس من قبل سجين آخر ذنب لايغتفر في عرف السجناء.

قلت له مرة: هل تذكر أنك قلت لي: لم أر في عمري شخصا مثلك في عدم التعصب وفي سعة الصدر؟

قال: نعم.

قلت: وأقول لك بدوري: لم أر مثلك رجلا في التعصب وشدة العناد!

والواقع أن موقفي كان ينطلق من عقيدتي. وموقفه أيضا نابع من عقيدته.

الاسلام يحث أتباعه طبعا على الالتزام الصارم بأحكام الاسلام. والانسان المسلم وقّاف عند حدود اللّه. لكن هذه الاحكام نفسها تدعو الى الانفتاح على غير المسلم واللين معه والابتعاد عن الجزمية والحدية في الحديث مع المخالفين.

منطق الاسلام توضحه نصوص القرآن الكريم حيث يقول سبحانه: «فَبشّر عِبادِ الَّذينَ يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَه» (الزمر - ١٧ و ١٨)

ويقول:

«ادعُ الى سبيلِ ربّك بالحكمةِ والموعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلهُمْ بالّتي هي أحْسَنُ إنّ ربّكَ هو أعْلَمُ بمن ضَلَّ عَنْ سبيلِهِ وهو أعلَمُ بالمهتدين» (النحل - ١٢٥)

ويقول سبحانه:

«… وإنا أو إيّاكُم لَعَلَى هُدَىً أو في ضلالٍ مبين…. » ! (سبأ - ٢٤)

ويقول جلّ من قائل:

«لاينهاكُمُ اللّهُ عن الذينَ لم يُقاتلوكُم في الدينِ وَلَم يُخرجوكُم من ديارِكُم أن تَبَرّوهُم وتُقسطوا اليهم إن اللّه يحبُّ المقسطين».

(الممتحنة - ٨)

وهكذا نصوص السنة تدعوالى ذلك. والحثّ على طلب العلم ولو في الصين له دلالة كبيرة على هذا الانفتاح الكبير. كلّ العلوم يمكن أن يتلقاها الانسان المسلم عن غير المسلم ويوجهها الوجهة التي يريدها الدين.

أما الشيوعيون فهم أصحاب نصوص جامدة، وقوالب معدّة لاروح فيها ولا عاطفة، ولاقيم فيها ولا أخلاق. وهذا هو الطابع السائد على تعامل كل أصحاب الافكار المادية.

ومن المؤسف أن المسلمين اليوم يوسمون بالاصولية، ويُقصد بهذه الكلمة التعصب والجزمية. وهو ظلم كبير ما بعده ظلم.

* * *

تخطر في ذهني الآن حوادث تبدو لمن لايعرف حياة الزنزانة المظلمة المغلقة المقطوعة عن العالم الخارجي أنها عادية. ولكن هي بالنسبة لسجين مثل هذه الزنزانة حدث هام، يبقى في الذاكرة بوضوح كامل لأهميته. من ذلك حادثة إشراق حزمة من نور الشمس داخل الزنزانة. ذات يوم لفت نظري نور ضئيل استطاع أن يخترق كل ما علا نافذة الزنزانة الصغيرة من عتمة وغبار، وينفذ الى داخل الزنزانة. لم أتمالك نفسي من البهجة، فصحت ياجماعة البشارة… الشمس… الشمس… وتسمّرت عيوننا الى هذا النور الذي يربطنا بالفضاء الحرّ الطليق. وبقينا ننظر اليه مسرورين حتى غاب عنّا بعد نصف ساعة أو أقل. وفي اليوم التالي ازدادت الحزمة وطالت مدة ضوئها، وبقي الامر على هذا المنوال أسابيع حتى أصبحت الشمس في زاوية لايصل الينا عطاؤها المتواضع هذا.

وفي يوم من الايام استيقظت على صوت عصافير تزقزق خارج الزنزانة. كان صوتا بهيجا يبشر بحلول فصل الربيع، ويربطنا بما وراء الزنزانة من طبيعة حرّة طليقة. عرفنا أن خلف الزنزانة أشجارا. ولعلها أورقت لتوّها وبعثت في الجوّ بهجة غنت لها العصافير. كل هذه الصور الجميلة كانت تبعثها في أذهاننا أصوات العصافير، فتنشرح لها نفوسنا وتبعث فينا نشوة ولذة.

ومما يراود ذهني غالبا حتى الآن من هذا السجن صوت أذان الصبح. لقد كان صوتا ضعيفا جدا. ولابدّ أنه يأتي من مكان بعيد. استطاعت أمواج هذا الأذان أن تغتنم فرصة هدوء المدينة والهواء الصافي لدى الفجر لتتسلّل الى داخل الزنزانة، ولتلتقطه أذني باشتياق تام، ولتبعث في نفسي لذة أنتشي بها حتى الآن متى ماتذكرتها. ولبعد الصوت كنت أسمع منه كلمات وتغيب كلمات، ولكن لا انقطع عن انتظاره والاستماع اليه فجر كلّ يوم.

* * *

كل شي‏ء في هذا السجن له أهميته ودلالته لأنه يشكل معلما هاما من معالم حياة الزنزانة المغلقة المنعزلة عن الحياة العامة، ومن ذلك «الرؤيا» نشغل بعض وقتنا في الحديث عما رأيناه في المنام. وكانت لي في هذا السجن رؤى صادقة مدهشة. منها:

نمتُ بعد صلاة الصبح يوما فرأيت فيما يرى النائم أني واقف في صحراء قفراء وأمامي نهر متروك جاف لاماء فيه. وعلى ضفافه أشجار قد شاخت وهرمت وتجردت من الاوراق. ثم ظهر على البعد فجأة كلب كبير الجثة، رهيب المنظر، ينبح نباحا مسعورا ويُسرع نحوي، ولكن من الجانب الآخر الذي كان بيني وبينه النهر. استولى عليّ خوف شديد. وبقيت متحيرا ماذا أصنع، نظرت يمنة ويسرة أطلب ملاذا ولات حين ملاذ. وما إن أصبح الكلب مني على بعد ١٠ أمتار حتى خفّت سرعته، ثم انخفض صوته بالتدريج حتى سكت ثم سكن تماما. وبقي يحمحم، ثم انصرف عني وولّى مدبرا. دُهشت، وفرحت فرحا عظيما. وحين استيقظت لم يبق من هذه الرؤيا شي‏ء في ذهني. بعد هنيهة فتح الحارس باب الزنزانة وفي يده ورقة وقال: من هو علي؟ وهذه طريقتهم في السؤال عن الشخص. يذكرون اسمه دون ذكر لقبه حفاظا على سرية الاسماء، لانه من المحتمل أن يخطئ الحارس رقم الزنزانة ويذهب الى غير زنزانة الشخص المطلوب، عندئذ إذا ذكر لقب الشخص كان كمن أعلن وجود هذا الشخص في السجن لأهل تلك الزنزانة التي جادها خطاً. ولتعدّد الحرس وتبدّلهم وعدم معرفتهم للمسجونين بأشخاصهم، كانت هذه الطريقة تمارس في جميع مرات استدعاء السجين الى خارج

زنزانته.

قلت: أنا. قال: أيّ عليّ؟ قلت: علي خامنئي. قال: غط وجهك واخرج معي. وكانت هذه عادتهم عند استدعاء الشخص. لابدّ أن ينزع قميصه ويلقيه على وجهه، ثم يقتادونه الى المكان المطلوب. عرفت من منعطفات الطريق أني أتجه الى غرفة التحقيق. وبالمناسبة فاني تعرفت بالحدس على كلّ أجنحة السجن ورسمت على الورق ما ارتسم في ذهني. من هندسة البناية بعد خروجي منها. ثم زرت السجن بعد الثورة فاذا هو غير بعيد عمّا تصورت، وإن لم يكن منطبقا تماما.

أدخلني الغرفة وأجلسني على كرسي وقال: إرفع رأسك. وهي عبارة تعني الامر برفع القناع. رفعت الغطاء فرأيت المحقق المسؤول عن ملفي (وكنا نسميه انور السادات لما بينهما من شبه في الملامح) واقفا أمامي. وشرع يطرح أسئلته المعتادة وأنا أجيب. وفي هذه الاثناء فتح باب الغرفة رجل وأدخل رأسه وخاطب المحقق وقال: عندك شاي دكتور؟ وكلمة «دكتور» وهكذا كلمة «مهندس» يتخاطب بها المحققون. وهي لاتنم الّا عن عقدة الحقارة والضعة في نفوس هؤلاء. الجهلة القريبين من الأميّة. ثم السؤال عن الشاي «شنشنة أعرفها من أخْزَمِ» وبها يريد السائل أن يتظاهر بأن حضوره طبيعي ليس عن قصد مسبَق.

دخل، ثم قال وكأنه تفاجأ عند رؤيتي: ماهذا؟ وهو سؤال معروف في السجن. إذ لم أسمع محققا يقول عن السجين: من هذا؟ ! أجابه المحقق: هذا خامنئي من مشهد. فقال الرجل الداخل وكأنه اندهش لسماعه اسمي: عجيب! هذا هو؟ هذا الذي يريد أن يكون خميني مشهد؟ ! وهذه عبارة مذكورة في ملفي مرارا: يريد أن يكون خميني مشهد. وأردف قائلا: دكتور! إنه رجل خطير!! ثم هزّ الرجل رأسه وخاطبني قائلا: خامنئي! إنك لن تنجو من هذا المكان. ثم قال: أسألك عن معنى «التقية» ومعنى «التورية». وبدون أن ينتظر جوابا مني التفت الى المحقق وقال: إن هؤلاء يتظاهرون في عمل غير عملهم الواقعي ويسمونه التقية، ويقولون مايبدو في الظاهر غير حقيقته ويسمونه التورية.

يبدو أنه كان منزعجا جدا من تقيتنا، ومن حقه أن ينزعج لانا كنا نتقي الجهاز الحاكم، وكانت التقية خندقا لجهادنا. والجهاز الحاكم عجز عن مقابلتنا في هذا الخندق.

كنت طول هذه المدّة مطرقا، ثم رأيت إصراره على تعريف المصطلحين. أجبته وأنا مطرق بجواب ساذج يتناسب مع المقام.

قال: لا، ليس الامر كذلك. وشرع في تهديدي.

أحسست بخوف منه منذ وروده، لأني شعرت بأنه يحمل مهمة إيذائي. وزاد خوفي عندما ازداد تهديده. وفي هذه الحال رفعت رأسي في وجه هذا الرجل المهدّد رأيت عجبا… هو نفس الكلب الذي رأيته في المنام! بنفس الملامح تماما!

استعاد ذهني بسرعة صور ذلك الحُلُم. اسراع الكلب نحوي… ونباحه الشديد المتواصل… ثم توقفه دون أن يؤذيني. فجأة غمرت نفسي طمأنينة عجيبة، وارتياح كامل. وأيقنت أن الرجل لن يصيبني بأذى، وهكذا كان. طالت هذه الجلسة ساعات التحق خلالها بهذين الاثنين آخرون من زملائهما فبلغوا تسعة. وأحاطوني من جميع الجهات. ولكن لم يصلني منهم أذى.

عرفت بعد ذلك صاحب وجه الكلب واسمه «كمالي». وله بعد الثورة قصة طريفة تدلّ على حظّه المنكود. فقد فرّ وتوارى عن الانظار، ثم بعد عدة أشهر راجع بنفسه المسؤولين في سجن «ايفين» وطلب مرتباته المعوّقة التي لم تصرف له خلال الاشهر الماضية!! وسمّى نفسه. رحبوا به! واستدعوه الى الداخل! ثم حققوا معه، وحاكموه محاكمة علنية عرضت على شاشة التلفاز. وطلبت المحكمة مني شهادة بشأنه، ولكني لم أفعل لأنه لم يؤذني. وذهب آخرون وشهدوا على جرائمه، وأعدم.

وهذه الجلسة من التحقيق تلتها طبعا جلسات تحقيق أخرى مشابهة. تعرّضت فيها للضرب باليد والى ألوان التعذيب النفسي والى حلق اللحية. ومن عادة المحققين أن الجلسة إذا طالت ووجدوا من السجين صلابة يعمدون الى هزيمته نفسيا. فيجتمع في غرفة التحقيق ٥ أو ٦ أشخاص أو اكثر ويحيطونه ويحتوشونه بالاهانات والسب اللاذع. المحقق الاصلي واحد طبعا والباقون يدخلون بالتدريج متظاهرين بأن دخولهم طبيعي غير مقصود. ويجمعهم دائما طلب الشاي من فضيلة الدكتور!!

احتوشني هؤلاء مرات، وكنت لا أتردد في الاجابة على كل أسئلتهم. وأهتم في الاجابات أن تكون خالية من كل مايشكل مستمسك ادانة عليّ.

في واحدة من هذه الجلسات سألني محقق اسمه «كوچِصْفَهاني» بتهكّم وغرور وبلهجة موهنة:

- سيدّ… تعرف السيد سعيدي؟

- نعم انه كان صديقي.

وهذه مسألة لاتخفى على رجال الامن، فكلانا خراسانيان. ثم قال:

- تعرف أنه مات في السجن!

- نعم.

- هل تعرف أن التحقيق جرى معه في هذه الغرفة؟

وكان كاذبا فيما تضمّنه هذا السؤال… سكتّ ثم واصل كلامه:

- قلت لسعيدي: أفرغ ماعندك من معلومات. أجابني: لابُدَّ أن أتفأل بالقرآن حتى أرى أخيرا ذلك أم لا. قلت له: هذا تطير لاتفأل… ولم يسمع كلامي وأصابه ما أصابه.

وهنا سكت كوچصفهاني قليلاً ثم قام من مكانه واقترب منّي وأخذ قلما من نهايته وجعل يضرب بنهايته الاخرى على رأسي كما يفعل بعض المعلمين المتغطرسين المتعالين مع تلاميذهم ثم قال:

- سيد هذا تطيّر … هذا تطيّر…

ضحكت في نفسي لحماقته واختلاقه الكذب والمشاهد المصطنعه لتهديدي، ولم يكن لكلامه أي وقع ولا أدنى تأثير في نفسي.

أعود الى حديث الرؤى الصادقة في السجن. واتذكر الآن اثنين منها، إحداهما رأيتها بنفسي والاخرى رآها من رافقني في السجن.

الرؤيا التي رأيتها بنفسي هي أنني رأيتني في أحد مساجد مشهد. وهو مسجد أعرفه، ولايزال موجودا الآن، ويقع في وسط السوق وإمامُ ذلك المسجد السيد علم الهدى من تلاميذ السيد الميلاني المقربين ومن خواص حاشيته وقد عينه السيد الميلاني إماما لهذا المسجد. ورأيت على طرفي باب المسجد رجلين كانهما ملكان، ويبلغان من طول القامة بحيث أرى رجليهما ولا أرى أعاليهما. ثم رأيت أنَّ فراش المسجد قد جُمع تمهيدا لتعميره، ورأيت أن بعض أحجار ازار الجدران قد تساقط وانتشر التراب والاحجار على أرض المسجد.

عندما استيقظت قلت لصاحبي وأنا أستذكر ما رأيته في منامي: إما أن يكون السيد علم الهدى قد توفي أو السيد الميلاني.

في نفس اليوم أو اليوم التالي استدعيت للتحقيق، ذهبوا بي الى حجرة أخرى غير حجرة التحقيق المعتادة. رأيت رئيس المحققين واسمه «كاوه» في انتظاري، حقق معي. وكان مما قاله لي في هذا التحقيق:

- لابدّ أنك عرفت أن السيد الميلاني قد مات!

- ومن أين لي أن أعرف؟

- نعم إنه مات.

كان ذلك في أوائل سنة ١٣٥٤هجرية شمسيّة (١٢٩٥ ه. ق).

أما رؤيا صاحبي (وكان من رجال الدين ومن آخر من رافقني في هذا السجن، وفيه شي‏ء من الركون الى السلطة الظالمة، ولكن مع ذلك سُجن وضرب ولعله أُرسل الى زنزانتي للحصول عن طريقه على معلومات، غير أنه أطلق سراحي وبقي هو في السجن) فأرويها عن لسانه، قال:

رأيت أني ذهبت بصحبتك الى حرم السيد عبد العظيم الحسني في مدينة «الري». قلت لي وأنت تنظر الى المئذنة المرتفعة في الحرم: أنا أريدُ أن أذهب الى قمة هذه المئذنة. قلت لك: ذلك غير ممكن. قلت لي: بل ممكن… وفجأة رأيت أنك علوت من الارض وارتفعت الى قمة المئذنة. وعندما وصلت الى قمتها ناديتني من بعيد وأنت تلوّح بيديك مودعا: أرأيت أني أستطيع أن أفعل ذلك؟ ! بقيت واجما أنظر اليك بدهشة واستغراب، فاذا أنت ترتفع من أعلى قمة المئذنة وكأنك تطير. ثم ودعتني بيدك وارتفعت الى السماء!

بعد أن قصّ على رؤياه قلت: لابّد أنها الشهادة!

ولم تكن كذلك فقد كانت اطلاق سراح… إذ لم تمض الا أيام قلائل حتى أطلق سراحي.

بمناسبة حديثي عن الرؤى الصادقة فان ذهني يحتفظ برؤى عجيبة أذكر إحداها. كانت على ما أظن سنة ١٣٤٦ أو ١٣٤٧ ه. ش (١٢٨٧ أو ١٢٨٨ه. ق).

كان الوضع السياسي في مشهد آنذاك في ذروة الشدّة، والمحنةُ قد بلغت بالاسلاميين مبلغا عظيما، فلم يبق معي في الساحة الا أشخاص قليلون من الاصحاب، والباقون آثروا ترك ساحة الجهاد.

في تلك الظروف رأيت فيما يرى النائم أن السيد الامام الخميني توفي ونعشه سُجّيَ في بيت من بيوت مشهد يقع قرب بيت والدي. اجتمع أناس كثيرون للتشييع وأنا بينهم يعتصرني الألم ويطغى عليّ الحزن. أخرجنا التابوت من البيت ورفعناه على الاكتاف، ثم راح المشيعون وهم جمع غفير يسيرون خلف الجنازة، وفيهم عدد كبير من علماء الدين وأنا أسير معهم. كانت الجنازة تسير أمامنا - كما هو المعتاد - ويمشي خلفها المشيعون واكثرهم العلماء، وأنا أمشي معهم وأبكي بكاء عاليا، وأضرب بيديَّ على رجليّ من شدة التألم والتأثّر. كان الذي يزيد من ألمي وحزني أني أرى بعض العلماء (ولا أزال أتذكر وجوههم) يتكلمون ويضحكون، دون أن يتذكروا أو يعتبروا، ودون أن يبدو عليهم شعور بالألم. وماكان لي الّا أن أصبر والألم يحزّ في نفسي.

وصلت الجنازة الى نهاية المدينة فعاد اكثر المشيعين، وواصلت الجنازة طريقها خارج المدينة، وواصل السير معها عدد يتراوح بين ٢٠ - ٣٠ مشيعا وأنا معهم.

ثم وصلت الجنازة الى هضبة. بقي اكثر المشيعين في أسفلها، وواصلت الجنازة طريقها الى قمة الهضبة ومعها ٤ - ٥ مشيعين وأنا منهم، أسير خلف الجنازة حتى وصلنا القمة.

قمم الهضاب تبدو عادة من الاسفل صغيرة حتى إذا اعتلاها الانسان وجدها منبسطة كبيرة، لكن تلك القمة التي ارتفعنا اليها كانت - كما ترى من الاسفل - صغيرة تشبه سريرا. فوضعنا عليها التابوت.

ذهبت الى طرف الرِّجل لأودّع السيّد وأنا أرى وجهَه. فلما وقفت عند جانب الرِّجل أنظر الى وجه المسجّى في التابوت. واذا يدُه اليمنى تتحرك الى الأعلى، وقد مدَّ سبّابته!! تملكتني دهشة عظيمة! ثم رأيت أن السيد شرع ليستوي قاعدا وعيناه مغلقتان، حتى وصلت سبابته الى جبيني، فمستها أو قربت من مسها وأنا أنظر متعجبا مندهشاً ثم فتح شفتيه وقال مرتين بالفارسية:

تو يوسف ميشي … تو يوسف ميشي (أي: ستصبح يوسف… ستصبح يوسف).

استيقظت من المنام، وكل تفاصيل الرؤيا في ذهني، كما هي في ذهني حتى الآن. قصصت رؤياي على كثير من الاهل والاصدقاء منهم أمي التى سارعت - رحمها اللّه - الى تفسير الحُلُم بالقول:

- نعم تصبح يوسف، بمعنى أنك دائماً في السجون!

وممن نقلت له هذ الرؤيا وتفسير الوالدة «الشيخ جواد الحافظي»، ونحن في الزنزانة سنة ١٣٤٩ه. ش (١٢٩٠ه. ق) في مشهد.

بعد أن انتخبت رئيسا للجمهورية جاءنى الشيخ الحافظي وقال:

- كنت يوم انتخابات رئاسة الجمهورية في مكة. لأَنَّ الانتخابات اقترنت بموسم الحج. وحين اتجهت الى صندوق الاقتراع في بعثة الحج الايرانية أجهشت في البكاء وأنا أتذكر الرؤيا وتفسير والدتك لها، إذ علمت أنّ الامر لم يكن السجن وحده.

أعود الى السجن وأذكر أنّ الجوّ فيه كان مُفعما بألوان الارهاب الجسدى والنفسي، مسؤولو السجن فى غاية القسوة والفظاظة والبطش والتنكيل بالسجناء الاسلاميين، ومع ذلك ثمة ظاهرة عجيبة تلمتسها في هذا السجن وهي «عزة الاسلام» رغم ماكان يتصف به أتباعه من استضعاف وأعداؤه من قوّة.

* * *

لقد بلغت المحنة في سنوات اعتقالي الاخير هذا ذورتَها حتى ماعاد أحد يحتمل ظهورَ الاسلام في الساحة الاجتماعية. كنا نتصبّر بقراءة البشائر القرآنية، ونكرر في الصلاة قراءة سورة «الكوثر» ونلقّن أنفسنا أن الكوثر لابدّ أن ينتهي بقيام الدولة الاسلامية. كل المحاسبات المادية كانت تنبئ باستحالة العودة الاسلامية.

في خضم هذه المحنة دُعيت يوما الى غرفة التحقيق في هذا السجن. لم يأخذوني الى الغرفة المعهودة، بل الى غرفة أخرى. جلست أنتظر المحقق واذا برئيس المحققين «كاوه»، الذي فرّ بعد الثورة، يدخل والابتسامة ترتسم على وجهه، وأخذ يتحدث معي ببشاشة، ويسأل عن حالي ويتطلف بي. استغربت! فهذا الرجل كان قد ضربني بنفسه. وهاهو الآن بهذا اللين! راح يتحدث عن بساطة اتهامي، وسهولة القضية. في هذه الاثناء دخل محقق ملفّي واسمه «مشيري»، وجلس قريبا مني وكاوه (وكان شابا ومع ذلك يترأس جمعا من المحققين منهم محقّق ملفّي) خلف المنضدة، واسترسل كاوه في الحديث وقال مشيرا الى محقق الملف: إنه يستطيع أن يساعدك.

كان واضحاً أن كاوه يريد بحديثه هذا أن يبشّرني بقرب الافراج وأن يلقي عن كاهله مسؤولية مانزل بي حتى الآن ويوجّه تبعة ذلك على هذا المحقق الصغير!

لم يفوّت مشيري فرصة الردّ على كاوه فقال بلغة لبقة:

- نعم نسأل اللّه أن يكون أمر ملفّك سهلا، ولكن اعلم أن الامر موكول لرئيسنا (وأشار الى كاوه) وهو - وإن كان شابا أصغر مني سنا - له مستقبل كبير وضّاء.

عرفت أنهم يريدون إطلاق سراحي، ولكن لماذا هذا التملّق؟ ! لماذا هذا الجدل بين المحقق ورئيسه أمامي؟ ! لماذا يريد كلّ منهما أن يبرّئ نفسه؟ ! هؤلاء يملكون الآن قتلي بكل سهولة. فانا أعزل لاحول لي ولاقوّة.

ومن قبل هذين الاثنين قابلني المحقق «كوچصفهاني» وراح يتحدث عن تدينه، ومما قاله:

- أنا منذ طفولتي كنت ملتزما لمنبر الواعظ حسام (وكان الشيخ حسام من مشاهير وعاظ مدينة «رشت» من محافظة گيلان).

يا الهي! يريد أن يتظاهر بالتدين… لماذا؟

لم يكن وراء كل ذلك شي‏ء سوى «عزّة الاسلام». فالانسان المسلم كبير في نظر هؤلاء مهما بلغوا من القوة والبطش، ويشعرون أمامه بالصِغَر والضعف.

في يوم من الايام كنت في الزنزانة مع صاحبين: أحدهما رجل الدين الذي ذكرته، والآخر من المجاهدين المخلصين الذي أشرت اليه سابقا وذكرت أنه سبط الشيخ مهدي الشاهابادي، وأنه استُشهد في الحرب المفروضة.

جاء المأمور على عادته وقال:

- من علي؟

- أنا علي.

- علي ماذا.

- علي خامنئي.

- غطّ رأسك واتبعني.

أخذني الى حجرة كاوه. وما إن رآني حتى قال لي:

- أنت مطلق السراح!

تعجبت كثيرا… خرجت من غرفته وأنا لا أصدّق ما سمعت من رئيس المحققين. لأول مرة أرى ممرّ السجن لعدم وجود قناع على وجهي. فقد سُمح لي هذه المرّة أن أخرج من غرفة المحقق دون قناع.

كل من سمع بعد ذلك باطلاق سراحي تملكته الدهشة، وكان سؤاله الاول: لماذا أطلقوا سرحَك؟ !

وكنت أجيب على الفور: اعترضوا على مسؤولي السجن.

ذهبت أولاً الى الزنزانة فوجدت أحد الصاحبين، وكان الآخر قد خرج لبعض شأنه. فرح باطلاق سراحي، وودعته، ثم أُخذت الى غرفة الملابس، وهي الغرفة التي بقيت فيها ملابسنا بعد أن خلعناها عند دخولنا السجن. الوقت يميل الى المغرب، والجوّ لايزال حارا لأن إطلاق سراحي اقترن بأواخر الصيف، بينما ملابسي شتوية لأني اعتُقلت في الشتاء.

لبست القباء واللبادة والعباءة والعمامة، ولكن لم يبق لي سروال. سروالي قد تمزّق داخل السجن، وسروال السجن أخذوه منّي. وبدون سروال خرجت من بوابة السجن، فكان كل شي‏ء جديدا، وكل ما أراه مثيرا… الناس… الحركة بدون حارس… المصابيح التي أخذت تؤلم عيني بعد أن ألِفت الظلام الطويل.

طالما رأيت مشهد اطلاق سراحي في المنام وأنا في السجن، وهكذا شأن بقية السجناء يرون مايحنّون اليه في منامهم، فهل هذا حُلُم أيضا!!

توجهت الى منطقة «الطوبخانة» القريبة من السجن، وكان معي شي‏ء بسيط من النقود. اشتريت أولاً سروالاً، ثم شعرت بالجوع، فاشتريت شيئا من الطعام وأكلته دون التفكير فيما يجب أن يلتزم به مثلي من عدم الاكل على قارعة الطريق.

من حانوت بيع السراويل اتصلت ببيت «الدكتور بهشتي» (الشهيد). ماكاد يصدق… هذا أنت؟ خرجت؟ كيف أطلق سراحك؟ ثم قال: أنا على أشدّ الانتظار.

ذهبت الى بيت بهشتي، وكان هناك أيضا الاخ «شفيق» الذي كان ينوي مغادرة بيت بهشتي حينا تلفنت، فبقي كي يراني.

أول مالفت نظرهما من شمائلي لحيتي المحلوقة. تعجّبا، قلت: حلقوها، وستعود كأولها. بقيت ساعة، وأخذت مبلغا، وذهبت الى بيت أخي الاكبر، وكان يسكن طهران. وهناك اتصلت بمشهد. ثم سافرت اليها.

* * *

الأهل قصّوا عليّ بعد ذلك الاعاجيب مما عانوه من ألم ولوعة ويأس خلال مدة سجني، ذكرت لي زوجتي أن والدتها كانت تأخذ ابني مجتبى وكان آنذاك طفلا فيه كثير من مظاهر البراءة والوداعة والاتزان والحبّ والحنان والالتزام ببعض العبادات، كانت تأخذه الى حرم ثامن أئمة أهل البيت الرضا عليه السلام، وتقول له: توسّل بالامام الرضا الى اللّه سبحانه أن يطلق سراح والدك. والطفل يتجه ببراءة الى الامام عليه السلام ويتوسل به. وذات ليلة ذهب مجتبى مع جدته وتكرر المشهد، ولكن هذ المرّة بدت على مجتبى علامات تأثر كبير، فبكى وانتحب وخاطب الامام الرضا عليه السلام بلهجة تدل على نفاد صبر الطفل وشدة لوعته، وكان يتحدث مع الامام كأنه ماثل أمامه ويذرف الدمع بغزارة، حتى أن جدّة الطفل ندمت على ما فعلته وعزمت أن لا تعيد الطلب على مجتبى.

وبعدها بيومين… رنّ جرس الهاتف في البيت ليسمعوا صوتي أتصل بهم من بيت أخي في طهران وأنا مطلق السراح.

النفي الى ايرانشهر ثم الى جيرفت‏

في سنة ١٣٥٦هجرية شمسية (١٣٩٧ه. ق) ساد البلاد توتّر عام. في هذا العام توفّي السيد مصطفى الخميني نجل الامام الخميني في النجف في ظروف غامضة، فأثارت وفاته حالة من ألم عميق بين الناس تحول الى مجالس سخط واعتراض على السلطة.

بعد وصول نبأ وفاة السيد مصطفى (رضوان اللّه عليه) خططنا في مشهد لاتخاذ الموقف اللازم. ذهبت الى دائرة البريد والبرق فكتبت أربعة برقيات واحدة باسمي والاخرى باسم الشيخ الطبسي وثالثة باسم الشيخ المحّامي والرابعة باسم السيد هاشمي نژاد (الشهيد).

حين سلمت البرقيات الى موظف البريد استغرب وراح يريها أصدقاءه، فساد الموظفين جوّ من الدهشة، فقد كانت نصوص برقيات التعزية تضم عبارات تحدٍ للسلطة لما فيها من إجلال لشخص السيد الامام، ومواساة عميقة لما يحمله من هموم. وظن موظف البريد أني سأتراجع حين يحسب لي تكلفة المخابرة، لكنه فوجئ بتسليمه عملة من فئة ١٠٠٠ تومان، وكانت باهظة على أمثالي.

ثم حاولنا إقامة مجلس فاتحة في أحد المساجد، فمنعته السلطات وأغلقت المسجد. وفي قم أقام المؤمنون مجلس فاتحة، ولكنه انتهى باعتقال عدد منهم.

كانت تلك الايام حافلة بنشاط إسلامي منقطع النظير عمّ كل المدن الايرانية وكنت وأمثالي منهمكين في العمل السياسي والتنظيمي بينن طلاب الحوزة العلمية والجامعات، وفي تدوين نشرات الفكر السياسي، وفي الاتصالات السرية، وكذلك في عقد مجالس تفسير القرآن الكريم، وتوضيح المفاهيم الحركية الاسلامية وغيرها كثير كثير.

في تلك الايام اتصل بي الشيخ الخلخالي من قم وقال لي: لقد ألقي القبض على جمع من المؤمنين ولابد أن يحين دوري ودورك! قلت لماذا؟ ما السبب؟ ماذا فعلت حتى يلقى القبض عليّ؟ !

وفي ساعة متأخرة من إحدى ليالي شتاء ذلك العام كنت نائما إذ دُقّ الباب. استيقظت من النوم، وعلى عادتي ذهبت بنفسي لفتح الباب دون السؤال عن الطارق. كانت قد بقيت ساعة على الفجر وأفراد العائلة نائمون في الفناء الداخلي. فتحت الباب فاذا بشباب يحملون بيدهم رشاشات ومسدسات! خطر في ذهني فجأة أنهم يساريون يريدون تصفيتي، إذ أخبرني السيد البهشتي يومذاك أن اليساريين يقودون حملة تصفيات الاسلاميين، وطلب مني أن أكون على حذر. فقد اقتحموا بيت «السيد الموسوي القهدريجاني» في كرمانشاه ليلاً، وأوثقوه وهمّوا بقتله لولا أن فرّ في حادثة عفوية ونجا من الموت. والمسألة لاتزال غامضة لم نتصدَّ لكشفها.

وما إن خطر في بالي ذلك حتى أسرعت لغلق الباب. حاولوا أن يحولوا دون إغلاق الباب ولكن خوف الموت قوّاني فغلبتُهم وأغلقت الباب. ثم خطر في ذهني أن هؤلاء قد يتسورون الجدار أو يدخلون من منفذ آخر، وإذا بهم يضربون على الزجاج السميك الموجود في باب البيت بأسلحتهم، فهشّموه وبينا أنا أفكر في طريق للخلاص إذ صاح أحدهم: افتح الباب باسم القانون، عرفت من كلامهم أنهم من رجال الساواك. حمدت اللّه أنهم ليسوا من اليساريين كما ظننت. اتجهت الى الباب ففتحته، فهجم ستة اشخاص وشرعوا بضربي بعنف وقسوة بين باب البيت وباب الفناء الداخلي. عندها استيقظ مصطفى وهو آنذاك ابن ١٢ عاما وأخذ ينظر مدهوشاً الى مشهد ضرب والده من خلف الزجاج الرقيق الذي كان بيني وبين مكانهم ويصرخ. واصلوا ضربهم بالايدي والارجل دون رحمة وتعمّدوا ضربي برؤوس أحذيتهم على ساقي. ثم وضعوا القيد في يدي، وأمروني أن أتقدمهم الى داخل البيت. قلت لهم: ليس من المروءة أن يراني أهلي مقيدا، افتحوا القيد. فتحوه، ودخلت البيت فوجدت زوجتي واجمة وحولها أبناؤها الاربعة بين نائم ومستيقظ، وأصغرهم ميثم وكان ابن شهرين. قلت لهم: لاتخافوا، ضيوف!!

راح رجال الساواك يبحثون في البيت حتى المطبخ ودار الخلاء! بادرت زوجتي مبادرة رائعة. دخلت غرفتي التي أستقبل فيها الناس، وكان لها بابان: باب يفتح على مكتبتي، والآخر على الفناء الداخلي للبيت. فجمعت ماكان فيها من بيانات سرية، ولا أدري كيف عرفت بوجودها في الغرفة. ولا أدري كيف استطاعت أن تدخل دون أن يفهم رجال الامن بدخولها. حتى أنا لم ألتفت الى مبادرتها حتى أخبرتني هي بعد ذلك. جَمَعَتْ هذه البيانات ووضعتها تحت السجادة، ولم يعثر عليها الساواكيون، دخلوا المكتبة وفتشوها وأخذوا شيئا كثيرا من كتبي ومكتوباتي وأوراقي وعددا من كتبي ولاتزال مفقودة.

بقوا ساعة أو أكثر يفتشون كلّ زوايا البيت وخباياه، حتى دخل وقت صلاة الصبح. قلت: أريد أن أصلي. رافقني أحدهم الى مكان الوضوء. توضأت وعدت الى المكتبة حيث صليت. ثم صلّى أحدهم ولم يصل الباقون بل واصلوا تفتيش البيت، ولم يتركوا شبرا فيه الّا ونقبوه. وأظن أني طلبت من أم مصطفى شيئا من الطعام، ثم طلبت منها أن توقظ مجتبى ومسعود، اللذين استولى عليهم النوم ثانية بعد استيقاظهم، لأودعهم. وقيل للأولاد عند توديعهم: أبوكم عازم على سفر. قلت: لاداعي للكذب. وأخبرت الاولاد بالواقع.

حينما خرجت من البيت وجدته محاصَرا من قبل أفراد آخرين. جاؤوا بسيارة الى داخل الزقاق الضيق الذي يقع فيه بيتي. وكانت سيارة «جيب» عادية، وبدون أن يشدّوا عيني أجلسوني في السيارة. وكان أحدهم يردد خلف اللاسلكي: عُقاب… عُقاب… عقاب… أخذناه… أخذناه.

كان ذلك قبل انتصار الثورة بعام واحد فقط!!!

أخذوني الى مركز الساواك في مشهد وأنزلوني الى سردابه. وكان فيه ممرات ضيقة، وعلى جانبيها زنزانات. بقيت هناك ساعات، تفألت خلالها بمصحف كان معي، فطالعتني آية فيها بشرى، سارعت الى تدوينها خلف المصحف. جاؤوني بغداء، بعد تناول الطعام أجلسوني في سيارة انطلقت خارج المدينة، لا أدري ماذا يريدون أن يفعلوا، فالامر يختلف عن المرات السابقة. السيارة عادية. وبدون شدّ العيون… والتوجه الى خارج المدينة!!

توقفت السيارة عند مركز شرطة الدرك. فعلمت أنهم يريدون نفيي لاسجني، بقيت في مركز الدرك خمسة أيام جاء خلالها الاهل والاصدقاء لزيارتي أكثر من مرّة. كان في مركز الدرك سجن عسكري ولكن لم يدخلوني السجن، بل وضعوني في حجرة ضابط الخفر. كان رئيس المخفر رجلا برتبة عقيد يتمتع بشي‏ء كثير من الشخصية والنجابة، فلم يكن يتعامل معي تعامل سجّان مع سجين. كان لي نوع من الحريّة، أخرج من الغرفة في الصباح الباكر وأمارس الرياضة في الهواء الطلق.

أُخبرت أن منفاي مدينة «ايرانشهر»، استبشرت بالخبر لعلمي بأن صديقي الشيخ محمد جواد حجتي كرماني منفي الى هذه المدينة. وفي يوم الرحيل جاء الاهل والاصدقاء لتوديعي، ولم تكن لحظات الوداع مزعجة، فانا مقبل على نفي هو أخفّ بكثير مما مرّ عليّ من سجون. ركبنا في محطة الباصات باصا متجها الى زاهدان لنذهب منها الى ايرانشهر. رافقني في هذه الرحلة ثلاثة أحدهم برتبة ضابط والآخران من المراتب. وتوقفت السيارة في مدينة «گناباد» للصلاة وتناول الطعام. وبالمناسبة فان أهل گناباد كانوا يعرفونني لزيارتي هذه المدينة أكثر من مرّة. إذ ينتمي اليها عدد من طلابي منهم الشيخ فرزانه، والشهيد كامياب والصادقي الگنابادي وغيرهم، وارتباطي بطلابي عادة أكثر من ارتباط أستاذ بتلميذ، فبيني وبين هؤلاء الطلبة علاقات عاطفية عميقة، ولذلك اشتركت في حفلات زواجهم في هذه المدينة وتعرّفت بذلك على أهاليها وعرفوني. حين ترجلنا من السيارة أقبل نحوي شاب وقال: سيدنا استخرلي (والناس هنا عادة يستخيرون اللّه في أمورهم بواسطة علماء الدين)، وإذ كنت أهمّ أن أستخير له والمرافقون يراقبونني عن كثب، همس الشاب قائلا: ماللاستخارة أتيت، بل أردت أن أعرف سبب مجيئك الى المدينة مخفو

را. قلت له: وهل تعرفني؟ قال: نعم ثم ذكرت له مسيري وطلبت منه أن يخبر الاخوة بتوجهي نحو منفاي في إيرانشهر.

وصلنا زاهدان فجر اليوم التالي. ذهبنا الى مسجد فصليت، ثم تناولنا طعام الفطور، وبقينا في المدينة ساعة أو أكثر، وبعدها ركبنا باصا آخر واتجهنا الى ايرانشهر. أخذوني أولا الى مركز حاكم المدينة فقيل لهم: خذوه الى مركز الشرطة. وفي مركز الشرطة فتحوا لي ملفا وأخذوا مني تعهّدا بعدم ترك المدينة وبالحضور في المركز يوميا للتوقيع.

خرجت وحدي أطلب مسجداً. فدلوني على مسجد «آل الرسول» وعرفت أنه مسجد الشيعة الوحيد في المدينة، وهناك مساجد أخرى للاخوة أهل السنة. والمسجد الذي دخلته في غاية الروعة والجمال، مفروش بالسجاد الفاخر الثمين، وفي ساحته الاشجار الباسقة والمياه الجارية العذبة التي لاتقل عذوبة عن ماء طهران المشهور في ايران بعذوبته. شعرت بنوع من السرور والانشراح، فالجوّ دافئ لطيف في المدينة يتناسب مع طبيعة جسمي التي لاتتحمل البرد القارس الشتوي. والمنظر بهيج. تحللت من ملابسي، ووضعتها في زاوية، ثم توضأت، ووقفت الى الصلاة، وشعرت بحالة من الانقطاع لا أزال أتحسّس حلاوتَها… فانا في تلك الساعات منقطع عن الاهل والاولاد والاصدقاء ومتجه بكل وجودي اليه سبحانه، وفي هذا الشعور لذة مابعدها لذّة.

خرجت من المسجد حاملا حقيبتي، فرأيت الناس ينظرون اليّ نظرتهم الى منفي جديد قدم الى مدينتهم فالمدينة معروفة بأنها منفى السياسيين. ذهبت الى الشارع الأصلى للمدينة، وكان عندي عنوان أحد المؤمنين واسمه «رؤوفي» فدلوني على دكانه. وجدته مغلقا. تجولت ثم عدت فألفيته لم يزل مغلقا. وقفت لحظات أنظر الى المحل من خلف زجاج الواجهة، ثم تحولت عن الدكان فرأيت سيارة «فوكس واگن» تقف الى جانبي وفيها شخصان. سألني أحدهم: من تريد؟ قلت: رؤوفي. قال: هل تعرف رؤوفي؟ قلت: لا، ولكن عرّفني عليه فلان. نزل من السيارة وقال: أنا رؤوفي وهذا أخي. فتعانقنا، وركبت السيارة، وكان وقت صلاة المغرب أوشك على الحلول فاتجهنا الى «الفاطمية»، وهو مكان للذكر والصلاة سمّى باسم الزهراء (عليها السلام)، صليت المغرب، شعرت بتعب شديد، قلت: أريد أن استريح. خيّروني بين الاستراحة في ذلك المكان أو الذهاب الى البيت، ففضلت أن أضطجع في ذلك المكان. بعد ساعة استيقظت والنوم لايزال يثقل جفوني. فرأيت وجوها غريبة لا أعرفها تجمّعت في الفاطمية بمناسبة شهر محرم. ثم رأيت بعدها الشيخ الحجتي الكرماني وذهبنا الى بيت رؤوفي.

بقيت في بيت رؤوفي ٣ أو ٤ أيام ثم عزمنا أنا والشيخ حجتي على الانتقال الى منزل آخر، رغم إصرار رؤوفي على أن نبقى في بيته. وجدنا البيت وكنا نهم بالانتقال اليه إذ جاء وفد من زاهدان لزيارتنا من ٢٠ شخصا وعلى رأسه الشيخ «معين الغرباء». وهو من العلماء المعروفين يومئذ في زاهدان أخبرناهم بعزمنا على الانتقال، فاشتركوا معنا في تنظيف البيت وتجهيزه. بقينا في هذا البيت شهورا ثم انتقلنا الى بيت أفضل.

كان معين الغرباء هو ثاني من زارنا في المنفى، والاول كان «كريم پور». فقد جاءنا في منتصف الليل ونحن في بيت رؤوفي، فدُقّ الباب، ولم يكن صاحب البيت موجودا. انتابني شعور خاص حين سمعت دقّ الباب. وكان هذا الشعور الشبيه بالخوف يساورني كلما دُقّ باب البيت ليلا، بشكل لاشعوري بعد المداهمة الليلية في مشهد. ذهب الشيخ حجتي وفتح الباب فاذا بشاب وديع أنيق. عرفنا أنه من أقرباء رؤوفي وأنه متعاطف لدرجة غريبة مع السجناء والمنفيين. يحمل همة فائقة للعمل في سبيل اللّه، وطَرَحَ علينا خطة للعمل الاسلامي، وقد استشهد في الحرب المفروضة رحمه اللَّه تعالى.

أول من زارني من مشهد «الحاج علي شَمَقْدري»، وهو يمثل شريحة خاصة من تلامذتي، ويتميز أفرادها بأنهم من «العامة» بالمعنى السائد، لكنهم كانوا مزوّدين بثقافة اسلامية رفيعة، وبمعلومات عن حقيقة الاسلام قد لايعرفها المثقفون وأهل العلم… تشربت نفوسهم بالمفاهيم الاسلامية الحركية فأصبحوا يعيشون الاسلام بكل وجودهم. والحاج علي هذا كان يتابع جميع جلساتي في مشهد بدقة واهتمام ويكتب - بخطه الردي‏ء للغاية رداءة تبعث على الضحك - المفاهيم الاسلامية العميقة. زارني الرجل في اليوم الثاني من الانتقال الى البيت الاول مع أولاده الصغار وإخوته. وبالمناسبة فقد استشهد ابنه وأخوه في سبيل اللّه والدفاع عن دين اللّه.

وممن زارنا في المنفى حين كنا في البيت الثاني «الشيخ الصدوقي» (الشهيد بعد انتصار الثورة الاسلامية) ومعه جمع بينهم «الشيخ راشد» وكان ذلك قبيل النوروز وفي أواخر شهر اسفند (الشهر الاخير من أشهر السنة الشمسية)، ثم غادروا الى «چابهار» حيث كان الشيخ «ناصر مكارم الشيرازي» منفيا فيها، ثم عادوا وباتوا عندنا ليلة أخرى لانجذابهم الينا أنا وحجتي.

والشيخ راشد يزدي معروف بأنه لطيف المعشر حاضر النكتة، فكه لاتفارق الابتسامة شفتَه والطريفةُ لسانَه على ما يحمله من علم وأدب. أنست به وتعرّفت عليه لأول مرّة، وهو أيضا أنس بي وأُعجب بي فكان يردّد لدى عودته الى يزد: كم أودّ أن أُنفى الى ايرانشهر لابقى الى جوار السيد خامنئي.

ومن الطريف جدا أنّ الاخوة غادرونا، ولكن بعد أسبوعين‏تقريبا جاءني ضابط شرطة وبيده ورقة سلمها إياي، فرأيت سطورا بتوقيع الشيخ راشد بخبرني فيها أنه في مخفر الشرطة. أسرعت الى المخفر فوجدت الشيخ جالسا ويحوطه ٨ ضباط، ينكّت لهم وهم غارقون في الضحك! سألته عمّا جاء به، فعلمت أنه صعد المنبر في يزد يوم ١٠ فروردين (٢٠ ربيع الثاني ١٣٩٨ ه. ق) المصادف لاربعين شهداء تبريز في مجلس فاتحة عقد بهذه المناسبة، وقال ماقال، فاعتقلوه ووضعوه في سيارة إسعاف واتجهوا به مباشرة الى ايرانشهر. ذهبت به الى منزلي وكان بيننا تعاون فيما قمنا به بعد ذلك من نشاط في هذه المدينة.

وأذكر هنا أن الشيخ حجتي قد غُيّر منفاه في أوائل أيام النوروز (قبل مجي‏ء الشيخ راشد) ونقل من ايرانشهر الى سنندج حيث الجوّ اللطيف البارد. وكان وهو في سنندج يبعث لي برسائل يقول فيها: حرام عليّ هذا الجوّ اللطيف وأنتم تسكنون في حرّ ايرانشهر.

وفي شهر فروردين وهو أول أشهر الربيع ارتفعت حرارة الجوّ في هذه المدينة، والعائلة جاءت لزيارتي خلال تلك الايام، وكان ميثم ابن ٥ - ٦ أشهر. وما كان بامكان الاسرة أن تبقى معي في ايرانشهر، فحرارة الجوّ ترتفع منذ أوائل الصيف ارتفاعا شديدا تبلغ ثلاثا وخمسين درجة مئوية، والبيت لا تتوفر فيه وسائل التبريد، ولا وسائل الراحة، وفي الاسرة أطفال صغار. ولذلك عادوا الى مشهد بعد أن أمضوا في المدينة أسبوعين.

* * *

في البداية لم يكن لنا تعامل مع أهل المدينة. كنا نجلس مع رؤوفي وأخيه وعدد قليل آخر من الافراد ونعقد جلسة مصغرة ونطالع ونتحاور. وبين مدة وأخرى يزورنا أشخاص من زاهدان وقم ومشهد. ثم بدأت بالاتصال الفردي بالاشخاص وخاصة الشباب.

أول من تعرفت عليه من شباب ايرانشهر شاب باسم «آتش‏دست». والده من صغار الكسبة في المدينة. كان آنذاك طالبا في الثانوية لايزيد عمره على ١٦ سنة. وعن طريقه تعرفت على أمثاله من الشباب. وعقدنا معهم جلسة تواصلت حتى خروجي من ايرانشهر. وأذكر استطرادا أن آتش دست واصل دراسته ودخل الجامعة، وجاءني مرة بعد انتصار الثورة الاسلامية مع عائلته وخطيبته، وأجريت صيغة عقد زواجه، ثم بعد ذلك اشترك في جبهات القتال واستشهدرحمه الله، ولايزال والده يتردّد عليّ.

حاولت أن أوسع دائرة عملي الى خارج المدينة. إذ لا يسمح بذلك في داخلها. جاءت مبادرة من أهالي «بزمان» تبعد ١٠٠ كيلومتر عن ايرانشهر. ذهبنا اليها في سيارة أحد الاصدقاء مع الشيخ حجتي ثم تواصلت زيارتنا للمدينة أسبوعيا أو مرة لكل أسبوعين. كنت أقيم الجماعة هناك وألقي خطابا قصيرا، ثم تحسست السلطات المحلية، فضغطت على سائق السيارة، ولم يخبرنا صاحب السيارة بذلك، ولكن عرفنا أنه في موقف حرج فانقطعنا عن بزمان.

ومن أول اهتماماتي في ايرانشهر إحياء «مسجد آل الرسول». فالمسجد كان معطّلاً، ومشكلته أنّ مَنْ بناه لم يسكن في ايرانشهر بل يأتي العشرة الاولى من محرّم كلّ سنة فيقيم مجلس ذكر الحسين عليه السلام ثم يرحل ويبقى المسجد دون استفادة تذكر.

* * *

التقسيم الطائفي في ايرانشهر اقتضى - مع الاسف - انفصال مساجد السنة عن مساجد الشيعة. وكان للسنة مساجد صغيرة لكل منها نفر من المصلين، وللشيعة مسجد واحد (مسجد آل الرسول) وهو معطل طوال السنة!! اقترحت إحياء المسجد فأيدني كثيرون، وبدأت إقامة الجماعة فيه بالتعاون مع الشيخ راشد. وبعد الصلاة أتحدث الى الناس مدة ١٠ - ١٥ دقيقة أضمّن حديثي ماقلّ ودلّ. كانت الصلاة والخطبة القصيرة تبثان من مكبرة الصوت، وكان لذلك دور هام في إحياء الروح الدينية لدى الشيعة، كما كان له أثر إيجابي لدى المؤمنين من أهل السنة لما كانوا يرون من التزام بالصلاة والقراءة الفصيحة فيها، وتنوع السور القرآنية لدى القراءة.

ثم اقترحت على المؤمنين أن نقيم الجمعة، فأقمناها، وكان الحضور فيها جيدا بحيث كانت أكبر جمعة في ايرانشهر. وكان الشيخ راشد لشدة اهتمامه بهذه الصلاة يتصدى بنفسه لرفع الأذان.

توطدت لنا بالتدريج علاقات طيبة مع علماء السنة، ورحت أفكر في خطة عملية لازالة الحواجز النفسية بين أهل السنة والشيعة في المدينة من خلال تعاون ديني مشترك. فتحت الحوار مع أحد علماء السنة في ايرانشهر واسمه «المولوي قمر الدين». وكان إمام «مسجد النور» وقلت له: إن المسؤولية الاسلامية تفرض علينا أن ننظر الى مستقبل الاسلام وما يتهدده من أخطار، وما يقف أمامه من عقبات. والمسلمون جميعا في هذه النظرة المستقبلية يتحملون مسؤوليات جساما بغض النظر عن انتمائهم المذهبي. أما إذا عكفنا على نبش الماضي والبحث في كتب الاقدمين عن مواضع الخلاف فلا يؤدي ذلك الا الى اشتداد الضغائن وهياج العواطف، ولامصلحة في ذلك للاسلام والمسلمين. قلت له أيضا: هذا لايعني أن نقطع صلتنا بالماضي. فوجودنا الفكري والعقائدي مرتبط بهذا الماضي، ولكن تعاوننا ينبغي أن يكون على أساس المستقبل والنظرة المستقبلية.

وهذا في الواقع محور حديثي مع كل الاخوة الذين التقيتهم من علماء السنة، ووجدت عند المخلصين منهم استجابة حسنة لهذه الفكرة.

وفي إطار هذا التصوّر وضعت خطة عملية متواضعة وهي إقامة مهرجان مشترك بين أهل السنة والشيعة خلال الايام من ١٢ ربيع الاول وهو تاريخ مولد الرسول‏صلى الله عليه وآله برواية أهل السنة، الى ١٧ منه وهو تاريخ المولد الشريف برواية الشيعة. واتفقنا على ذلك.

* * *

أعددنا مسجد آل الرسول لاقامة المهرجان، وكان أيام صيف قائض. وبالمناسبة، تبلغ درجة الحرارة في ايرانشهر ٦٣ درجة مئوية في الشمس، و٥٤ درجة مئوية في الظل، وكان من أصعب الامور علينا أن نذهب في الظهر الى المرافق، فقد كانت في مؤخرة ساحة البيت، وعلينا أن نجتاز ٢٠ مترا للوصول اليها. فحرارة الشمس لاتطاق تشوي الوجوه وتحرق البشرة، ويبقى الجو ملتهبا طول اليوم، وفي الساعة العاشرة ليلا يحسّ الانسان بخيط رفيع من نسيم لطيف، ثم تزداد الخيوط وتجتمع ويصبح الجوّ لطيفا منعشا، غير أن الارض تبقى ملتهبة لايمكن الجلوس عليها بارتياح مهما وضع عليها من وثار.

أما في عصر يوم المهرجان فكان الجوّ يختلف تماما. تصاعدت سحب في السماء فحجبت لهيب الشمس، ثم هبّ نسيم لطيف غير معهود في تلك الساعات تبعتها زخات مطر خفيفة، وتوقعنا أن تكون ليلة المهرجان ليلة ممتعة.

يوم عيد المولد النبوي، ويوم مهرجان، اقترن بطيب الجوّ واعتداله وزخات المطر، فخرج الناس أفواجا ليتمتعوا بالجوّ وليتوجهوا الى مسجد آل الرسول الذي غصّ بالمصلين فامتلأت المقصورة والايوان حولها. والمقصورة كما ذكرت مفروشة بالسجاد الثمين. وقفت لصلاة المغرب أؤم المصلين. وفي الركعة الثانية من الصلاة سمعت صوتا غريبا يشبه صوت عربة تجرّ سعفاً كثيرا ينسحب أطرافه على الارض. غير أن صوت الخشخشة هذا لم ينقطع، ولو كان عربة لمرّت وانقطع الصوت. بعد لحظات سمعت صوت تلاطم المياه فعرفت أنه «السيل».

بعد انتهاء الصلاة وجدنا أن السيل قد غمر المدينة، وقد طغى الماء حتى وصل الى إيوان المسجد رغم ارتفاعه مقدار نصف متر عن سطح الارض. رفعت صوتي طالبا من الناس أن يواجهوا الكارثة. طلبت أولا أن يجمعوا سجاد المسجد ويضعوه على مكان مرتفع كي لايتلفه الماء. ثم طلبت منهم أن يتخذوا الاحتياطات اللازمة لحماية الاطفال والنساء. استمرّ تدفّق السيول ساعتين أو ثلاث، وخلالها كنا نسمع أصوات انهدام البيوت واحدا بعد آخر، حتى خشيت أن ينهدم المسجد. كل شي‏ء كان رهيبا. الظلام بسبب انقطاع التيار الكهربائي… والسيول الجارية الجارفة… وانهدام البيوت واستغاثة الناس.

وفي مثل هذه الحالة الحرجة المرعبة يجول ذهن الانسان باحثا عن أية وسيلة لمواجهة الموقف. وكانت ذاكرتي تختزن مسموعةً مفادها أن تربة سيد الشهداء الحسين بن علي‏عليه السلام يمكن التوسل بها - باذن اللّه تعالى - لدرء مثل هذا الخطر المحدق. أخرجت من جيبي قطعة أحتفظ بها من التربة التي شرّفها اللّه بريحانة رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله، فتوكلت على اللّه جلّ وعلا، ورميت بها في السيول المتدفقة، وما هي الّا لحظات حتى توقّف السيل بفضل اللّه ومنّه.

بعد أن توقف السيل بادرت الى تشكيل لجنة لاغاثة المنكوبين. وماكان بالامكان القيام بنشاط مهم في تلك الليلة، فاوكلنا الامر الى صباح اليوم التالي.

توجهت الى البيت، وكان يتكون من بيتين، بينهما باب مشترك، وأسكن أنا والشيخ راشد في أحدهما، وفي الآخر السيد رحيمي والسيد الموسوي الشالي (وهما أيضا نُفيا الى إيرانشهر بعد الشيخ راشد. السيد رحيمي استُشهد بعد انتصار الثورة الاسلامية حين كان نائبا في مجلس الشورى الاسلامي). وجدت البيت سالما لم يدخله الماء، بل وصل الى مقربة منه.

شاع في المدينة أن بيت المنفيين لم يدخله الماء وحسبوا ذلك لنا كرامة. ولكني أوضحت الامر للناس وقلت لهم: إن عدم دخول الماء الى بيتنا يعود الى موقعه في مكان مرتفع لم يرق اليه السيل وليس في الامر كرامة.

في صباح اليوم التالي ذهبت ومعي رحيمي وراشد الى خارج المدينة لنرى البيوت التي جرفها السيل في وادي المدينة. وهي البيوت التي لها السهم الاوفى في تسبب الكارثة. لأن المدينة كانت على مرّ التاريخ عرضة للامطار وكانت مياه الامطار تشقّ طريقها عبر الوادي وتجتاز المدينة، وبقيت المدينة سالمة على مرّ القرون. لذلك كان كلّ بناء على طريق هذا «المسيل» ممنوعا لأنه يؤدي الى سدّ طريق المياه وتدفقها الى داخل المدينة. غير أن نفرا من الباحثين عن الارض المجانية يجازفون في بناء بيوتهم في الوادي، ولايزال بعضهم يفعل ذلك في بعض المدن دون علم منه بأنه لايعرّض نفسه للخطر فحسب، بل يعرّض المدينة بأجمعها للخطر.

ذهبنا الى الوادي فوجدنا تلك البيوت المبنية فيه أصبحت أثرا بعد عين. وإذ كنا واقفين هناك رأينا على البعد عائلة بلوشية قادمة فيها نساء ورجل وأطفال. وفي يد الرجل طفل نائم، والنساء يبكين وينتحبن. حين اقتربوا منا عرفنا أن الطفل المحمول بيد الرجل ميت. هزّني هذا المنظر من الأعماق. ورحت انتحب عاليا.

وأنا لي حساسية خاصة بالنسبة للاطفال والنساء. لا أستطيع إطلاقا أن أتحمّل أية إساءة تنزل بطفل أو بامرأة. ولقد قلت مرارا لأصدقائي: أنا لا أصلح للقضاء بين رجل وامرأة، لأني أنحاز الى المرأة قطعاً. وهكذا الاطفال لا أطيق أن أرى مصيبة تنزل بهم حتى في المشاهد التمثيلية في الافلام. لذلك شعرت بحزن شديد حين رأيت الطفل الميت في كارثة السيل، وأجهشت بالبكاء بشدّة. فهمت العائلة بكائي وتأثري، وقال لي راشد: إنهم اندهشوا حين رأوك متأثرا أكثر منهم. وانتشر خبر بكائي بين البلوش.

عدنا الى المدينة فأخبرتنا لجنة الاغاثة التي شكلناها أن ٨٠ بالمائة من بيوت المدينة قد انهدمت، والتي لم تنهدم دخلها الماء حتى غمرها جميعا، وأكثر بيوت ايرانشهر من طابق واحد.

خطر لي فجأة أن الناس في المدينة لم يتناولوا وجبة طعام منذ غداء يوم أمس، ولابد أنهم جياع. رأيت الخبازين قد أغلقوا حوانيتهم بسبب السيل. الماء دخل المحلات ودخل المستودعات وأن الامر سيستمر أياما. فالمدينة يتهددها الجوع. قلت لأصحابي: لنرفع شعار: «أنقذوا المدينة الجائعة»، ولنعمل على توفير الطعام بأي طريق ممكن. رأيت الناس متفرقين في الطرقات مبهوتين قد أذهلتهم الكارثة عن الاحساس بالجوع. رأيت في جانب من الطريق دكان بقالة استطاع أن ينجو من الغرق بسبب ارتفاع محله، وصاحبه واقف عند بابه يتلفت يمينا ويسارا لايدري مايفعل. جئته وقلت له: هل يوجد في محلك شي‏ء يقتات منه الناس؟ قال: فقط بسكويت. قلت: هات ما عندك. اشتريت منه كل صناديق البسكويت ولم تكن كثيرة، ووزعتها في نفس المكان على الناس المشردين. هذه جرعة مسكنة فقط وموضعية وليست علاجا لمدينة جائعة.

ذهبت الى إدارة البريد، واتصلت هاتفيا بالشيخ الكفعمي الذي مرّ ذكره في زاهدان وهو العالم الكبير المعروف في جميع محافظة بلوشستان. حدثته عن أبعاد الكارثة، وقلت له: نحتاج الى خبز وتمر، واذا أمكن فالجبن أيضا بأقصى سرعة وبقدر المستطاع. وطلبت منه أن يتصل بالشيخ الصدوقي في يزد، وأن يتصل بمشهد وطهران ويخبر الجميع بحاجتنا الى الطعام. كررت عدة مرات بصوت عال: قل للجميع أنا أنتظر بفارغ الصبر الخبز والتمر.

حين وضعت سماعة التلفون رأيت الناس خلفي يستمعون الى استغاثتي وشدة اهتمامي مندهشين. ينظر بعضهم الى الآخر باعجاب واستغراب. وكان من الطبيعي أن ينتشر خبر إقدامي هذا في المدينة خلال أقل من ساعة. وانشدّت قلوب الأهالي الى محاولاتي لانهم كانوا على علم بعدم قدرة علمائهم وبعدم قدرة المسؤولين الرسميين على الاغاثة العاجلة. فالعلماء غير قادرين والرسميون غير مهتمين… بل كانوا عاجزين.

ذهبت الى مسجد آل الرسول لاعداده كي يكون مركزا للاغاثة. واتجهت كل الانظار الى المسجد. وماهي الا ساعتين أو ثلاثا حتى جاءت شاحنة ضخمة مملوءة بالخبز والتمر والبطيخ والجبن. فتحنا مكبرة المسجد على تلاوة من القرآن الكريم، ثم أعلنا أن مسجد آل الرسول أصبح مركزا لدعم الناس وإمدادهم بما ينجيهم من الطعام. قلت لاخواني: أعطوا الطعام لأي شخص جاءكم، واذا قال: هذا قليل. أعطوه أكثر. واذا قدم عليكم ثانية أعطوه ولاتقولوا له: سبق أن أخذت… حتى نتجنب إثارة حرص الناس. طبعا كنت مطمئنا بأن الاخوة في المدن الاخرى سيدعموننا. وهكذا بدأنا عملية الاغاثة.

قسّمت الاعمال بنفسي بين الاخوة بدقة، وأصبح عندنا تنظيم جاد، واستفدت من تجربتي السابقة في «فردوس» [١١] سنة ١٣٤٧ه. ش (١٣٨٨ه. ق) واستمرت العملية ٥٠ يوما، قمنا خلالها بزيارة الناس في البيوت والصرائف والخيام، وعملنا إحصاء لعدد أفراد الاسر. كانت الارقام التي تُعطى لنا غير دقيقة أحيانا، لكنا كنّا نحملها على الصحة ولم ندقّق. ودخلنا في أعماق مشاعر هؤلاء الناس.

جعلنا التوزيع حسب مادونّاه من إحصاء، وعملنا بطاقات تموين، تستلم كل عائلة حصتها حسب البطاقة. ووزّعنا خلال هذه المدّة أعدادا كبيرة من الفوانيس والبطانيات والاواني. والمفروشات وسائر مستلزمات المعيشة البسيطة، إضافة الى المواد الغذائية التي كانت توزع بين حين وآخر. وكان هناك من زيّف بطاقة التوزيع وقلّد توقيعي عليها، غير أن توقيعي، وإن كان بسيط الظاهر، يحمل رمزاً أعرفه أنا. كنت أعرف تزييف التوقيع، ولكن لا أجاهرهم بذلك.

خلال تلك الايام (أيام الاغاثة) جاء الشيخ حجتي من سنندج الى ايرانشهر. فقد مرض في منفاه الثاني (سنندج) وطلب إجازة للمجي‏ء الى كرمان فسمحوا له، ومنها جاء الى ايرانشهر لزيارتنا. كان قدومه فرصة جددنا فيها اللقاء، وسهرنا حتى الصباح. وفي الصباح دعوته للذهاب الى المدينة والتجوّل فيها بسيارتي. أجلسته بجانبي وقدت السيارة، فثارت دهشته حين رأى الناس رجالاً ونساء وأطفالا يرفعون أيديهم الينا محيين حين يرون سيارتنا. استغرب وقال: تتذكر أن الناس في البداية كانوا يبخلون علينا حتى بالسلام؟ ! قلت: نعم أتذكر، ولكن هكذا يكون موقع الفرد في قلوب هؤلاء الناس حين يشاركهم في سرائهم وضرائهم.

وفي نهاية خمسين يوما من الاغاثة وبعد تجاوز ما أمكن تجاوزه من آثار السيول عملنا حفلا كبيرا، وخطبت فيه، ولايزال تسجيل الخطبة وصور الاحتفال موجودة.

* * *

حلّ شهر رمضان وحلّت معه فرصة الارتباط بالناس أكثر من بقية الشهور. وكان رئيس الشرطة مستاء جدا من هذه الشعبية، ولايدري كيف يتصرف تجاهنا نحن المبعدين في المدينة، وحاول مرات أن يبدي لنا سريرته الخبيثة. وحين حلّ شهر رمضان كان رئيس الشرطة هذا لحسن الحظ في إجازة استمرت أسبوعين، وجاء مكانه ضابط شاب متزن متعقل تُشمّ من حديثه معنا رائحة التودّد والتعاطف وكان أول لقائنا به في المسجد. ومجي‏ء رئيس الشرطة ليلتقي بنا في المسجد أمر غير عادي.

كنت في ليلة ماشيا في شارع ومعي اثنان من الاخوة المنفيين. وقفت سيارة الى جانبنا ونزل منها الضابط الشاب، وطلب أن يختلي بي ليُسرَّ لي أمراً. افترقت عن الأخوين، ومشيت معه قليلا، فأخبرني أن المنفيين سيتوزعون على ثلاث مدن، أحدهم الى «جيرفت»، والثاني الى «ايذه» والثالث الى «اقليد» (والرابع كان قد أطلق سراحه قبل ذلك)، وطلب حصر الخبر في إطار المنفيين. أخبرت الاخوة بالامر. كان الضابط الشاب آنئذ على وشك الرحيل من ايرانشهر فقد عاد رئيس الشرطة من الاجازة. ولم يمض طويلا حتى أُخبرنا بضرورة التهيّؤ للانتقال الى منفى جديد. وبعدها جاء الشرطة ليلا وطلبوا من السيد رحيمي أن يتهيأ للمغادرة، ثم قالوا لي: سوف تغادر أنت أيضا بعد ساعتين. حاولنا أن نقنعهم بارجاء موعد السفر الى الصباح، ولكن وجدناهم مصرين على السفر ليلا، وعرفنا سرّ الامر. فقد دخلنا المدينة ونحن غرباء وهانحن نخرج منها ليلا لأن السلطة تخشى ردّ فعل أهالي المدينة!!

كان رحيمي مشغولا برزم حقائبه والشرطة يستعجلونه. وحينما ازداد ضغطهم على رحيمي انفجر رحمه الله أمام الشرطة ورئيسهم وألقى خطابا صغيرا حماسيا لاتزال كلماته ترنّ في أذني، قال لهم: «لاتغترّوا بهذه القدرة الزائلة فانها سوف تأفل لامحالة وسوف تبزغ قدرة الاسلام». واسترسل في هذه الكلمات الحماسية التي كنا نحسبها آنذاك شعارات لا أكثر. وأنا بدوري شعرت بالخجل من حماس ظننت أنه في غير محله.

على كل حال، أخذوا رحيمي، وحان دوري، فقلت لهم: عندي سيارة، ولابدّ أن أذهب بسيارتي. قالوا: هذا غير ممكن. قلت: إذن أمتنع عن الذهاب وافعلوا ماشئتم. وماكان أمام رئيس الشرطة الا أن يوافق. وأما قضية امتلاكي السيارة فلها قصة طريفة أقف عندها قليلا.

* * *

كنت قبل النفي أتردد على طهران لأداء بعض المهام التي ترتبط بالعمل الاسلامي، وأحتاج هناك الى الحركة المستمرة، ولابدّ من سيارة شخصية. اقترح علي أحد إخواننا المناضلين المخلصين وهو «صادق إسلامي» أن يجعل سيارة أحد أقاربه وهو «الحاج أحمد قديريان» تحت تصرفي عند سفري الى طهران. قبلت ذلك. وصادق اسلاميم استشهد في مأساة انفجار مقرب الحزب الجمهوري الاسلامي بيد الزمرة المنافقة، حيث ذهب ضحيته كوكبة من أركان النهضة الاسلامية وشخصيات الثورة البارزة، وعلى رأسهم الشهيد السيد أحمد الحسيني البهشتي، والحاج أحمد قديريان تاجرا قبل الثورة، وبعد انتصار الثورة الاسلامية طلّق كلّ عمله التجاري وثروته، وأصبح في خدمة أجهزة الدولة والثورة، وهو حيّ يرزق والحمد للَّه.

وللحصول على السيارة اتصل لدى ورودي طهران في كل مرة بقديريان ويأتيني هو بنفسه أو ابنه بالسيارة وتبقى تحت تصرّفي أسبوعا أو أسبوعين، ثم حين المغادرة أضع السيارة في موقف المطار أو موقف محطة القطار، وأضع مفتاح السيارة تحت عجلتها، وأتصل بقديريان فيأتي ويأخذ السيارة. كانت السيارة التي اعتدت على قيادتها في طهران من نوع بيجو ٤٠٤ صالون، وهي واحدة من سيارات قديريان. فالرجل كان تاجرا في السوق وله سيارات عديدة. وبالمناسبة فانه بعد الثورة طلّق كلّ عمله التجاري وثروته وأصبحَ في خدمة أجهزة الثورة والدولة، وهو واحد من كثيرين ممن تركوا كسب الدنيا ليتاجروا مع اللّه في خدمة الثورة الاسلامية بعد انتصارها، وهناك طبعا ممن اتخذ من الثورة دكان كسب لمعاشه.

كنت أحتاج الى السيارة في ايرانشهر لأتردد على أطراف المدينة ولاتصل بمطار زاهدان، لأنه المطار الوحيد في المنطقة، وكنت أذهب اليه بالزي البلوشي لاستقبال من يأتي لزيارتي من الاهل والاولاد. وبالمناسبة كان لباسي البلوشي يتناسب مع سحنات وجهي ولحيتي، وكان ارتداؤه في تلك الظروف أفضل من ارتداء لباس علماء الدين بسبب الحظر على خروجي من ايرانشهر. ولا أزال أحتفظ بهذا الزي وأرتديه أحيانا.

وبسبب احتياجي للسيارة اتصلت بقديريان وقلت له: إذا كنت تعتبر أهمية ايرانشهر كأهمية طهران فابعث لي بسيارة. بعد أيام جاءني شخص وقال: أنت فلان؟ فأجبته. قال: أتيت لك بسيارة. وأراني سيارة بيجو ٤٠٤ ولكن ليست صالون. قلت له: هل بعث بها قديريان؟ قال: نعم. قلت له: ولكن المعهود أن سيارة قديريان من نوع صالون. قال: لا أدري، أنا مكلف بتسليم هذه السيارة لك. وكانت سيارة نظيفة وجديدة، استعملتها في المنفى بايرانشهر وجيرفت. وبعد النفي أودعت السيارة عند أحدهم، وقلت له: إذهب بها الى قديريان. وكانت السيارة قد أصابها ما أصابها آنئذ من جراء استعمالها في المناطق الحارة والوعرة. ولكن بعد مدة من وصولي طهران (في طريق العودة من المنفى الى مشهد) جاء شخص وأعاد لي السيارة بعد تعميرها وتنظيفها حتى أصبحت كالجديدة. قلت له: ماهذه؟ قال: هذه سيارتك، وقديريان اشتراها منذ البداية لك. فوجئت بالخبر، قلت: لماذا لم يخبرني من البداية حتى لا أكلفه التعمير والتنظيف؟ !

بقيت السيارة عندي، وبعد انتصار الثورة كنت بسبب الظروف الامنية أركب سيارة خاصة وضعها الحرس الثوري تحت تصرّفي، وما وجدتني أحتاج الى سيارتي، فبعتها بثمن بخس لرخص أسعار السيارات آنئذ. ثم انتقلت من بائع لمشتر خمس مرات أو أكثر، حتى رآها أحد الاخوة في يد أحدهم فاشتراها منه ونظفها وأعادها اليّ قبل سنتين أو ثلاث، وهي الآن موجودة تحت تصرّفي.

* * *

أعود الى حديث الانتقال الى المنفى الجديد. بعد أن وافق الشرطة على استعمال سيارتي ركبت خلف المقود، وجلس الى جانبي أخو زوجتي «حسن خجسته» الذي اعتدنا على تسميته «حسن آقا»، وكان آنئذ قد جاء الى ايرانشهر ليمضي معي أياما، وكان يتردد على ايرانشهر لنقل رسائلي الى الاخوة المنفيين في المناطق المختلفة والى يزد وشيراز ويأتيني برسائلهم. وكان يؤدي هذه المهمة معه «اصغر پور محمدي». جلس في المقعد الخلفي للسيارة مأموران يحمل كل منهما بندقية كبيرة قديمة. وسارت خلفنا سيارة شرطة أكل الدهر عليها وشرب، تجرّ نفسها بصعوبة، وكان من الطبيعي أن أسبق سيارة الشرطة، لذلك طلبوا مني أن أسير خلفهم. وبعد مدّة عدلوا عن رأيهم ووجدوا أن المصلحة تقتضي أن أسير أمامهم، وهكذا كانوا في حيرة من أمرهم تارة يتقدمون وتارة يتأخرون. ثم حصل في سيارتي عطب أدى الى غليان مائها. فكنت بين الفينة والاخرى أتوقف وهم يصرون عليّ أن أواصل، ولكنهم كانوا يرون واقع المشكلة. وقبل أن نصل مدينة «بم» (في الطريق بين ايرانشهر وجيرفت) ملأت مستودع السيارة بالماء، وانطلقت بسرعة نحو المدينة، وكي أختصر المدة وأتخلص من أتعاب سياقة تلك السيارة التي لا تبقي الماء فيها في ذلك الجوّ

الحارّ الملتهب. وبدأت سيارة الشرطة خلفي تعطي الاشارة تلو الاشارة لأَتوقّفَ، وأنا لا أعبأ بهم. ثم التفت الشرطيان الموجودان في السيارة الى ابتعادي عن سيارة الشرطة، وطلبا مني أن أتوقف، ولكني لم أكترث، واكتفيت بالقول: إننا متوجهون الى مركز الشرطة، وسيارة الشرطة سوف تلتحق بنا في المركز. ووصلت الى المركز ووصلت بعدنا سيارة الشرطة وأفرادها يلهثون من شدة العناء والتعب ومحاولة الالتحاق.

كان الجوّ حارا، وأنا في غاية التعب. رأيت في غرفة قريبة من باب المركز أَسِرَّة من طابقين، فقلت لحسن: إذهب الى «الحاج صديقي» (وهو شاب يزدي ساكن في مدينة بَم وسائق شاحنة ويتمتع بهمة عالية في مساعدة المنفيين، وكان يزورنا مع جماعة في ايرانشهر). قلت لحسن: إذهب اليه وأخبره بوجودي في مركز الشرطة. وبدون استئذان استلقيت على أحد هذه الاسِرّة، واستسلمت لنوم عميق لم يطل، إذ جاء أخونا اليزدي، ورحبّ بنا كثيرا، قلت له: سيارتي معطوبة، وأمامنا الى جيرفت ١٢ فرسخا، والطريق جبلي وعر وضيّق بحيث لا تستطيع أن تمرّ في بعض مناطقه أكثر من سيارة واحدة (أصبح في عهد الجمهورية الاسلامية من الطرق الجيدة) فلو أوصلتنا بسيارتك وجعلت سيارتي لدى التعمير. قال: حبا وكرامة، وذهب وجاء بسيارته، وكان يملك سيارة شخصية صغيرة.

جلس صاحب السيارة خلف المقود وأنا بجانبه، ثم جلس حسن آقا واثنان من الشرطة في المقعد الخلفي، وثلاثة شرطة تبعونا في سيارتهم خلفنا. قرب الظهر وصلنا الى مقهى. والمقهى يقع في مصيف جميل مزدان بالبساتين والاشجار الغنّاء وجوّه لطيف وماؤه عذب، وهو معروف لكل من يتردد على هذا الطريق، لأنه محل استراحة المسافرين وتناول طعامهم. نزلت من السيارة، واتجهت الى المقهى وخلفي أصحابي، اثنان من المدنيين والباقون شرطة. سألت أولا عن مكان الوضوء فدلّوني على مكان يقع خلف المقهى. ذهبت اليه فاذا هو بستان جميل. توضأنا، وقلت لمن معي: دعونا نُقِم الصلاة في هذا المكان. كان من المفروض أن يعترض الشرطة على هذا الاقتراح لأنه مكان مكشوف مُعرّض لرؤية المارّة في الشارع. لكنهم لم يفطنوا الى ذلك، وفطنوا اليه فيما بعد. ما إن وقفنا لصلاة الجماعة حتى انشدّت الينا أنظار أهل القرية. فالناس عامة، والقرويون خاصة، يحبون «السادة» و «العلماء» و «المظلومين» و «المعارضين للسلطة القائمة آنذاك»، وكل هذه الخصائص كانت ملحوظة في عمامتي السوداء والزيّ الديني ووجود الشرطة ورائي. بعد أن انتهت الصلاة كانت على قارعة الطريق مجموعة من القرويين قد تجمعت وهي تنظر الينا بدهشة

وإعجاب. تغدينا، وقلت للشرطة: أريد أن أستريح قليلا. حاولوا أن يقنعوني بمواصلة المسير، فأبيت، وقد اعتادوا أن يتنازلوا أمام طلباتي لأنهم أنِسوابي أولاً، ثم إنهم وجدوا مني عدم تنازل لطلباتهم. رضخوا للامر فاضطجعت، ووقف الشرطة حولي خشية أن أفلت من قبضتهم. وبعد هجعة قصيرة نهضت وتهيأنا للمغادرة. حين اتجهنا الى السيارة رأينا عشرات الافراد يحيطون بها ويرفعون أصواتهم بالصلاة على محمد وآل محمد. وهو شعار ديني يعبّرون فيه عن تعاطفهم. فبادلت هؤلاء التحية والعواطف، لكن الشرطة ذُعروا ودُهشوا، فعطفت عليهم لما وقعوا فيه من موقف حرج. وركبنا السيارة، واتجهنا الى جيرفت، بعد أن تركت فينا هذه الواقعة المعبّرة عن طبيعة الامة أطيبَ الاثر وأحسنَ الوقع.

وصلنا جيرفت. ومدينة جيرفت في الواقع بستان كبير… يخيل اليك حين تراها أنها كانت فى الاصل بستانا ثم بنيت فيها البيوت وشيّدت المحلات ومُدّت الشوارع. جوّها حارّ مثل جوّ ايرانشهر غير أنه مشبع بالرطوبة ومملوء بألوان الحشرات والهوام، بينما هواء ايرانشهر خفيف ونقي وخال من الحشرات.

أخذوني الى مركز الشرطة، وكان بناية ضيقة خانقة تركها المسؤولون ليستريحوا في بيوتهم. طُلب مني أن أجلس ريثما يعود الشرطة الى محلّ عملهم. قلت: لا أطيق البقاء في هذا المكان وأفضّل أن أجلس خارج البناية. فرشت عباءتي جوار الشارع المار أمام المركز، وكان خاليا الّا من بعض المارّة الذين كانوا يستغربون لرؤيتي أمام مركز الشرطة. أرسلت حسن آقا ليبحث عن بيت الشيخ الرباني الأملشي. وكان الشيخ قد نُفي قبل وصولي بشهرين الى هذه المدينة، وأعلم أنه أستأجر بيتا فيها واصطحب أهله.

علاقتي بالشيخ الرباني الأملشي رحمه الله قديمة تعود الى ١٣٣٦ه. ش (١٣٧٧ه ق) حين التقيت به لأول مرة في مدينة كربلاء، حيث كان هو والشيخ الهاشمي الرفسنجاني هناك. ثم توطدت بيننا علاقات وثيقة أحبني وأحببته واشتركنا في مباحثة علمية في أحد الدروس لمدة سنتين.

بعد انجاز الامور الادارية في مركز الشرطة اتجهنا الى بيت الشيخ الرباني، فلما رآني سُرَّ بشدة، وقال: ما الذي جاء بك الى هنا؟ قلت: هكذا قُدّر لي.

كنت المنفيَّ الثاني بعد الشيخ الرباني الى هذه المدينة، ثم التحق بنا المرحوم «الشيخ الرباني الشيرازي» والتحق آخرون بينهم كسبة حتى بلغَ عددنا تسعة. فقد اقتضت سياسة النظام الحاكم آنئذ جمع المنفيين المنتشرين يومئذ في بضعة عشر مدينة إيرانية داخل عدد قليل من المدن كي لاينتشر نشاطهم في مناطق عديدة. فالمنفيون كانوا يمارسون أينما حلّوا نشاطاً شعبياً إسلاميا.

أذكر أن أحد كسبة «قُم» المنفيين جاء بعدي بأيام قلائل وحلّ في بيت الشيخ الرباني أيضاً. وكان هذا البيت مقصد كل المنفيين، تجمّعنا فيه ثم تفرقنا بعد أن استأجرنا عدة بيوت. ولا أزال أتذكر ساعة وصول هذا الكاسب الذي جاؤوا به من منفاه الاول في ضواحي خراسان الى جيرفت. لقد كنت نائماً في بيت الشيخ الرباني إذ سمعت أصواتاً عند الباب، نهضت وفتحت الباب فوجدت أن هذا المنفي وصل مع اثنين من الشرطة في سيارة مليئة بالاثاث والمتاع، كان الرجل قد اصطحب كل ذلك معه الى منفاه الجديد. ولفت نظري منذ اللحظة الاولى نشاط الرجل وهمّته وشجاعته وشطارته (وهي ظاهرة يتميّز بها أهل قم بشكل عام)، طلب من الشرطيين أن يقفا على مسافات قريبة بينهما، ثم بدأ يناول أحدهما الأثاث، وهذا للثاني، كي يضعها عند باب البيت. وكان يقوم بذلك بسرعة وخِفّة. وكلما ناول الشرطي قطعة أثاث يقول له: «بگو مرگ بر شاه» أي: قل، الموت للشاه! والشرطيان لايعبآن بكلامه بل يضحكان مما يدلّ أنه استطاع أن يجتذبهما الى جانبه بشدّة. وبعد ذلك عرفت أنه طلب من الشرطيين المرافقين أن يعرجا على مدينته «قم» في الطريق من خراسان الى جيرفت، واتفق معهما على أن يمضي أياما بين أهله، ثم يلتقي

بهما بعد ذلك ليتوجهوا الى جيرفت. وتمّ له ذلك ! ولابدّ أن أذكر هنا أن أهالي «قم» بخفة دمهم وذكائهم وشطارتهم خدموا الثورة كثيرا، حتى علماء الدين الذين أمضوا ردحا طويلا من عمرهم في الاقامة بهذه المدينة اكتسبوا هذه الصفة بدرجة وأخرى.

بعد أن اكتمل عددنا بدأنا باقامة جلسات في المسجد الجامع. كان شيخ المنفيين سنا الرباني الشيرازي نقدمه أمامنا ونمشي نحن خلفه. وكان الجمع يتكون من سبعة علماء وكاسبين. وذهابنا بهذه الصورة الجماعية الى المسجد كان يشكل تظاهرة تلهب عواطف الاهالي. ثم يرتقي أحدنا المنبر كل ليلة ويلقي كلمة تتعالى خلالها الهتافات والشعارات. وأول هتاف تصاعد في المسجد كان من جانب النساء خلف الستار.

طلائع أخبار الثورة وصلتنا ونحن في ايرانشهر. فقد وقعت حادثة «قم» في ١٩ دى ١٣٥٦ هجرية شمسية (٢٠ محرم ١٣٩٨ه. ق). ثم توالت الاحداث. وبمناسبة أربعين شهداء قم وقعت حادثة تبريز، وبمناسبة أربعين شهداء تبريز وقعت حادثة يزد وحوادث جسام في مدن أخرى.

حين وصلتنا أخبار قم أتخذنا منها موقف اندهاش ممزوج بعدم تصديق. فالجوّ السياسي كان خانقا ولاينبئ بتحرك اجتماعي جماهيري. ثم من غير المتوقع أن يصعد الموقف الى حدّ المجابهة والاستشهاد. لم يكن لهذه الواقعة مقدمات تجعلنا نصدّق بوقوعها، بل وقعت مفاجئة. كانت في الواقع حدثا كبيرا بحدّ ذاته، ولد فجأة، دون سابق ارهاص.

بعد أن تتابعت الاحداث أدركنا أن ثمة حادثة عظيمة على وشك الوقوع. ورحت أتابع الاحداث بدقّة. وكان هناك من الشباب من يجعلني في صورة كل مايحدث بتفاصيله. منهم الشيخ الصالحي، وهو من قم، وكان آنئذ في مقتبل شبابه ونشطا وفيه خفة حركة.

في خضمّ تلك الاحداث بعث لي الشيخ الصدوقي من يزد رسالة صغيرة طلب فيها مني أن أراسله بشأن مايحدث في البلاد. وجدت الفرصة سانحة لأن أخاطب علماء الدين في البلاد من خلال الشيخ الصدوقي، وأعطيهم تحليلا معمقا عما يجري وعمّا يجب أن يتخذوه من مواقف وتدابير، لأن علماء الدين دخلوا بالفعل ساحة قيادة الامة، وهذه القيادة تحتاج الى عناصر نضج وعمق وقراءة للاحداث ورسم المستقبل والحذر من المؤامرات، وهي عناصر قلّما تتوفر في العلماء القاطنين في غير حوزتي قم ومشهد وفي غير العاصمة طهران آنذاك، إذ لم يسبق لأغلبهم أن خاضوا غمار قيادة أحداث سياسية، خاصة وأنها بمثل تلك الضخامة.

كتبت للشيخ الصدوقي رسالة في صفحتين كبيرتين ضمنتها رأيي في الاحداث الجارية من منظور سياسي وإسلامي. كتب لي الشيخ ثانية، وشكرني، وطلب المزيد. فكتبت له ثماني صفحات كبيرة عن «مسؤولية العلماء تجاه الثورة الاسلامية ومقابل مؤمرات الاعداء»، ونشر في كرّاس ووزع بغير اسم في مشهد ويزد ومناطق أخرى.

حين رأيت الآثار الايجابية لمثل هذه الكتابات وأهميتها في تنضيج الموقف القيادي من الاحداث واصلت الكتابة. من ذلك أني أغتنمت فرصة وقوع الاحداث الجسيمة في شيراز فكتبت رسالة في ٤ - ٥ صفححات الى «السيد الشهيد السيد عبد الحسين دستغيب» خاطبته وكل علماء شيراز. ومن جيرفت كتبت رسالة الى «السيد شريعتمداري». وسبب كتابتي الى السيد شريعتمداري تصريح له نُشر في الصحف آنذاك أشار فيه الى مَنْ أسماهم «المتطرفين».

وكان دأب السيد شريعتمداري أن يطلق تصريحات يحاول فيها أن يرضي السلطة والجماهير معا. ولابدّ أن تكون الكفة الراجحة في هذه التصريحات رضا السلطة، لانها تفهم معنى التصريحات وتتخذ منها الموقف الحازم. أما الجماهير فيمكن أن تُخدع بموقف ضعيف مهزوز. وتعبير «المتطرفين» له خطورته الكبيرة، لأنه لو سَرى على الألسن لتحوّل كل السائرين في خط الثورة السائرين على نهج الامام الخميني أعلى اللَّه مقامه. الى متطرفين مدانين. فكتبت اليه وحذرته من مغبة إصدار مثل هذه التصريحات. وقلت له: إن مثل هذا الكلام سيعطي للسلطة المبرر لقتل الجماهير الثائرة باسم القضاء على التطرف، وتتحملون وزر كل ذلك. وبعد أن أنهيت كتابة الرسالة ووقعتها، بلغني - قبل أن أبعثها - نبأ وقوع مجزرة «الجمعة السوداء» (١٧ شهريور ١٣٥٧ه. ش - ٥ شوال ١٣٩٨ه. ق) في ميدان جاله (ميدان الشهداء حاليا) بطهران، فكتبت على هامش الرسالة: هذه بداية عمليات القضاء على المتطرفين!!

كان وصولي الى جيرفت مقرونا بعزل «جمشيد آموزگار» عن رئاسة الحكومة ومجي‏ء «شريف امامي». وهي حادثة آذنت بالاسراع في مسلسل الاحداث. فقد عمّ التوتر البلاد، واتجهت الامور الى الانفلات من يد السلطة، وخفت الضغوط. والانفلات هذا عمّ المنفيين، فمنهم من ترك جيرفت بدون إذن فنجا بعضهم تماما واعتقل بعضهم في طهران. ومنهم من أبى أن يأتي الى منفاه الجديد في جيرفت مثل الشيخ محمد جواد حجتي كرماني، فقد كان منفيا في سنندج ثم نُقل الى جيرفت، وحينما مرّ على طهران أبى أن يواصل سفره، وبقي في طهران، واعتقل على أثر ذلك لأيام. أما أنا فقد بقيت في جيرفت كي لايقال عني أنه فرّ أو تعب من المنفى. وما أردت أن يلقى القبض عليّ فاراً كما أُلقي القبض على بعض الاخوة، إذ لايتناسب ذلك مع شأني، وبقيت حتى يصدر أمر انتهاء نفيي بشكل رسمي، وكنت أعلم أن ذلك لا يطول.

* * *

وفي ليلة جاء رئيس الشرطة وقال لي: أنت مطلق السراح. لم أُبدِ أي تعجب أو سرور، وتلقيت الخبر دون اكتراث به، تعجب كثيرا من موقفي. ثم قلت له: أريد أن أبقى في جيرفت، استغرب اكثر وألحّ عليّ أن أغتنم الفرصة وأترك المدينة. قلت له: لا، سوف أبقى. وكان لي هدف من كلامي، لأني احتملت أن يكون في إطلاق سراحي مؤامرة تستهدف حياتي في الطريق. ولقد سمعت أن بعض المنفيين قد تمت تصفيتهم في طريق عودتهم بواسطة اصطدام مصطنع. استمعت الى هذا الخبر من اذاعة طهران التي كانت تنقل آنذاك وقائع مجلس الشورى. وجاء هذا الخبر على لسان أحد أعضاء المجلس. وكان المجلس آنئذ يموج بفوضى عجيبة، ويحاول بعض نوابه مَلَقاً أن يدافعوا عن الثوريين. ثم إن إصرار رئيس الشرطة قوّى هذا الاحتمال.

قررت أن يكون خروجي من جيرفت دون علم من السلطة. بعثت لصاحبي «صديقي» سائق الشاحنة في «بم» ولشخص آخر في تلك المدينة وهو «الحاج يزدان پناه» من يدعوهما الى المجي‏ء الى جيرفت. جاءا وقلت لهما: أريد أن أفرّ من جيرفت وحكيت لهم القصة. قالا: سنذهب بك ليلا، ولتبق سيارتك وأمتعتك في جيرفت كي لاتشعر السلطة بخروجك منها. كان معي في البيت أمتعة كثيرة جاء بها غالبا الاخوان الذين زاروني، أخذت الضروري منها وتركت الباقي، وقلت للاخوان: هذه الامتعة وقف على المنفيين الى جيرفت. ولكن - لحسن الحظ - لم يستفد منها أحد، فالثورة اندلعت باذن الله تعالى وانتصرت بفضله ومنّه.

خرجت من جيرفت في السحر وذهبنا الى بَمْ. ثم جاء أحدهم بسيارتي الى بم، بقيت في هذ المدينة يومين التقيت فيهما بالاهالي، ثم اتجهت الى مدينة كرمان وكانت سفرة ممتعة مليئة بذكريات جميلة طوينا فيها الطريق ليلا، وكان ثمة اكثر من داع للاحساس بسرور عميق… الحرية… وتصاعد الحركة الجماهيرية الاسلامية…. وصور المستقبل المشرق… هذا الى جانب متعة السفر الليلي في طريق بهيج.

القينا العصا في مدرسة من مدارس العلوم الدينية بكرمان، ثم توجهت الى السوق لشراء حذاء وجوارب. لأني كنت أكتفي بالنعال العادي في ايرانشهر وجيرفت دون جورب لشدّة الحرّ فيهما، وهذا الوضع لايناسب كرمان. غير أني وجدت سعر الحذاء لايتناسب مع ما أملك، فأعرضت عن شرائه واكتفيت بشراء الجورب.

كان من المنفيين في كرمان «الشيخ عباس پورمحمدي» وهو من أهالي رفسنجان من أعمال كرمان، وكان مبعدا الى «بندر لنگه» ثم نقل بسبب مرضه الى كرمان للمعالجة. وكان يسكن في بيت كبير مشجّر لأحد تجار كرمان. ولما علم بوجودي في المدينة دعاني الى ذلك البيت، وأصرّ عليّ أن أقيم فيه، فوافقت، وبقيت يومين في هذه المدينة. وكانت فترة مليئة بالزيارات واللقاءات، فلقد سبق أن عرفني أهل كرمان، فتوافدوا عليّ. وكنت استقبل الجماعات الزائرة القادمة الى البيت منذ الصباح حتى المساء.

وخلال مدة إقامتي القصيرة في كرمان بلغنا نبأ ضغط النظام العراقي على الامام الخميني في النجف، ومحاصرة بيته.

ذهبت بعد كرمان الى يزد فرأيت الشيخ الصدوقي قائدا للمدينة بكل مالكلمة القيادة من معنى. يعيّن للناس موقفهم وواجبهم في كل الامور النضالية والسياسية والاقتصادية، ويعلمهم كل شي‏ء. يعيش ساحة الثورة بكل جرأة، ويخوض المعركة مع النظام كالاسد الهصور لايخاف شيئا ولايهاب أحدا. يقطع الشوارع والطرقات فى الساحات المتأخرة من الليل دون حراسة. وفي يزد سمعت أن الامام اتجه الى باريس. ومن يزد سافرت بالطائرة الى طهران ومنها الى مدينة مشهد.

بقيت في مشهد أنهض بأعباء الثورة حتى استدعيت الى طهران بامر الامام الراحل في قصة لامجال لذكرها للاشتراك في مجلس قيادة الثورة الاسلامية، وفي (٢٢ بهمن ١٣٥٧) انتصرت الثورة الاسلامية وفي (اوائل ١٣٦٠) انتخبت رئيسا للجمهورية، وكان بين إطلاق سراحي من المنفى وانتخابي عضوا لمجلس قيادة الثورة حوالي شهرين. وبين اطلاق السراح وانتخابي رئيسا للجمهورية أقل من ثلاث سنوات.

وللَّه الأمر من قبل ومن بعد. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وسبحان ربك رب العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد للَّه ربّ العالمين.

………………………. ) Anotates (…………………….

١) أقصد برجال الدين المعمّمين المشتغلين بأمور دراسة العلوم الدينية وتدريسها وأمور الدعوة.

٢) -

٣) أي: «سخّروني في عمل بين الأزهار، لا كما سخّروا أستاذ فارس في عمل الطين». واستاذ فارس شاعر القرن السابع المعروف سعدي الشيرازي. وعمله في الطين له قصة ملخصها: أن الشيخ أُسر وهو في فلسطين في إحدى غارات الحروب الصليبية ثم أُخذ الى أرض الروم، وهناك سخّروه للعمل على أرض طينيّة.

٤) الساواك: هو الاسم الاختصاري لجهاز أمن الشاه، والعرب يذكرونه باسم «السافاك» والصحيح ما ذكرناه.

٥) صحيفة النور: مجموعة كل ما صدر عن الامام الراحل‏رضى الله عنه من خطب ونداءات وأحكام، طبعتها وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي.

٦) من مدن محافظة بلوشستان.

٧) هو الحزب الشيوعي الايراني المنحلّ.

٨) ص / ٣٢.

٩) آل عمران / ١٤٦.

١٠) هذا الشاب المؤمن هو الآن نائب نهاوند في مجلس الشورى الاسلامي في دورته الاخيرة، واسمه محمد رضا علي حسيني كسبي.

١١) مدينة جنوب خراسان، ضربها الزلزال في تلك السنة وأسرعت أنا وجماعة من الاخوة للاغاثة، وبقيت هناك أكثر من شهرين حصلنا خلالها على تجارب قيّمة في التعامل الشعبي، وفي تعبئة طاقات الناس، ولي من تلك الأيام ذكريات رائعة.



[ Web design by Abadis ]