ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دراسات فقهية

الهدنة

الامام القائد السيد علي الحسيني الخامنئي‏

نشرنا في العدد ١٥ بحثا فقهيا للسيد الامام حول حكم الصابئة وهذا درس آخر من سلسلة دروسه في الفقه حول «باب الجهاد» ألقاه أيضاً على طلب الدرس الخارج (أعلى مستوى الدراسة في الحوزة العلمية). ومن الضروري أن نعيد التذكير أن السيد الاستاذ كتبه باللغة العربية وبأسلوب الفقه الاستدلالي الاصولي.

والحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى وآله أئمة الهدى‏

تعريف الهدنة

وممّا ينتهي به‏الجهاد والقتال، المهادنة والهدنة

وهي في الأصل: السكون، ويستعمل في الصلح والموادعة بين المتحاربَين، إلاّ أنّ في اصطلاح الفقه الإسلامى يستعمل في الصلح الموقّت بين المسلمين وطائفة من الكفار الحربيين. ولذا يطلق عليها الموادعة والمعاهدة الظاهرتان في عدم الدّوام.

قال الشيّخ في المبسوط: الهدنة والمعاهدة واحدة وهو وضع القتال وترك الحرب الى مدّة. [١] وقال العلامة رضى الله عنه‏في التذكرة: المهادنة والموادعة والمعاهدة الفاظ مترادفة معناها وضع القتال وترك الحرب مدّة [٢] ومثله في المنتهى، وقريب منه في التحرير والقواعد.

فانقطاع المدّة وعدم الدّوام قد أُخذ في معنى الهدنة وتعريفها. وقد جعلوا ذلك أحد وجوه الفرق بينها وبين عقد الجزية كما ذكروا له وجوهاً أخر - راجع التفصيلَ في القواعد للعلامّة رضى الله عنه وبعض آخر من كتبه وكتب غيره - وإن كان التحقيق أنّ ما ذكروه من الفارق ليس هو الفارق الأصلي بين ماهيّتهما، بل إنما هي من قبيل العوارض والعلامات. والفرق بينهما جوهريّاً هو أنّ الطرف المقابل في عقد الجزية هو العدوّ المغلوب الّذي قد ظهرالمسلمون عليه وفُتحت أرضه واُسقطت دولته والحال يُجعل عليه شي‏ء عوض الضرائب الموضوعة على‏المسلمين، فهومن جملة مواطني المسلمين ولكن على غير دينهم، وأمّا الطرف المقابل في المهادنة فهو العدو المستقر على أرضه والباقي على دولته ونظامه المدني، وربما يكون قويّاً وغالباً على أمره بل أقوى أحياناً من المسلمين. ففي صدر الإسلام كانت الجزية على أهل الكتاب القاطنين في الشام بعد ما فُتحت وصارت من أراضي الإسلام ولكن الهدنة انعقدت مع قريش مكة ولم يفتحها المسلمون بعد.

والحاصل أن عقد الهُدنة ينعقد مع الدّولة المحاربة بما يتبعها من شعبها، وعقد الجزية ينعقد مع ناسٍ من أتباع دولة الإسلام. هذا هو الفارق الجذري وأما غيره من الفوارق فهي فروق في المظاهر والأحكام.

ثم إننّا نُواصل البحث في هذا الباب ضمن أمور:

حكم الهدنة

الأمر الاوّل في حكمها، وهي جائزة في الجملة باجماع المسلمين. ومرادنا من الجواز: الجواز بالمعنى الأعم أي الذي يشمل الواجب والمكروه، في مقابل عدم الجواز بمعنى الحرمة. ونريد بقولنا في الجملة: إن الجواز مشروطٌ بشروط، وما لم تتوفر الشروط، تكون المهادنة محرّمة، وسوف نذكرها بتفاصيلها.

والدليل على ذلك - مضافاً الى كونه متسالماً عليه بين المسلمين - آياتٌ من الذكر الحكيم، منها قوله تعالى: «الاّ الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً…. » الآية وقوله تعالى: «الا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام» الآية … ومنها قوله تعالى: «الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم» الآية.

فهذه الآيات بدلالتها اللفظيّة تدلّ على جواز عقد المعاهدة مع الكفار وتُقرّر ما صدر عن المسلمين من المعاهدة معهم. والمعاهدة وإن كانت غير مختصّة بما يرتبط بالهدنة وترك القتال، الاّ أن هذا هو القدر المتيقن منها.

ومنها قوله تعالى: «وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها…» فهو يدل على جواز الجنوح للسّلم حينما يجنح لها العدوّ، وهذه الآية وإن كان مفادها أضيق دائرة من المدّعى في الباب حيث أنّ الجواز فيها مشروط بمبادرة العدوّ الى الصلح، مع ان المدعى فيما نحن فيه هو الاعم، إلاّ أنّ دلالتها على الجواز في الجملة ممّا لايقبل الإنكار. والمناقشة في دلالتها بأنّ: المراد من السلم هو ترك القتال فعلاً، دون قرار ومواضعة بين الطرفين، موهونة جداً، إذ الظاهر من الأمر بالجنوح الى السلم خصوصاً مع الاقتران بما سبقة من الشرط - أي جنوح العدو لها وما لحقه من الأمر بالتوكّل على اللَّه، إنّه أمرٌ بعملٍ إيجابيّ يحتاج الى عزم وحزم وتوكّل، دون أمر سلبيّ يتّفق كثيراً في الحروب بغير تمهيد وعزم مسبق، بل ما من حرب دامية مستمرّة في برهة من الزمن الاّ ويتخللها وقف الحرب مرّات بغير قرار وعقد واتّفاق، وورود الأمر بالجنوح الى مثل ذلك مقترناً بمثل هذا التمهيد وذاك التعقيب، شي‏ء لاينبغي نسبته الى الذكر الحكيم.

ويدّل عليه أيضا ما في نهج البلاغة في عهده عليه السلام الى مالك الأشتر من قوله‏عليه السلام: «ولا تدفعنّ صلحاً دعاك اليه عدوٌك، للَّه فيه رضىً، فإنّ في الصّلح دعة لجنودك…. » الحديث، وقد رواه في المستدرك عن تحف العقول، كما روى قريباً منه في الالفاظ والمعاني عن دعائم الإسلام عن عليّ عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله [٣].

كما يدل عليه ما نقل من السيرة النبويّة القطعيّة من معاهداته صلى الله عليه وآله مع الكفار من مشركهم ويهودهم ونصاراهم. وكلّها راجعة - إما بالمطابقة وإما بالملازمة - الى ترك القتال واستقرار الهدوء والصلح الموقت.

فالأمر بحسب الدليل واضح كمال الوضوح، بحيث يبدو أنّ ما فعله أصحابنا من إرساله إرسال المسلّمات وعدم التصدّي كثيراً للاستدلال عليه، أمرٌ صحيحٌ حقاً.

ثم إنّ العلاّمة رضى الله عنه - وبتبعه البعض من متأخري المتاخرين - استدلوّا لذلك بحرمة إلقاء النفس في التهلكة في جنب أدلة وجوب الجهاد، زاعماً أن نتيجة تقابل الدليلين هو التخيير والجواز، وفيه من وضوح الإشكال ما يغنينا عن الايراد عليه.

اشتراطها بوجود المصلحة

الأمر الثاني يشترط في جواز الهدنة أن يكون فيها مصلحة في الجملة. والظاهر وضوح حكم العقل بأنّ هذا مقتضى الحكمة، كما أنه المستشعر من المناسبة بين‏الحكم والموضوع، فبعد ما ورد عمومات كثيرة في الأمر بالجهاد والحثّ على مقاتلة الكفار مع ما في لسان بعضها من التهديد والتوعيد على تركه [٤] ثمّ ورد في آية أو آيات الأمر بالصّلح، ففي مثل هذا الظرف لامعنى للقول بأن الصّلح والسّلم أمر جائزٌ في كلّ زمان ولومع عدم الحاجة اليه وفقد مصلحةٍ فيه، فضلاً عن صورة وجود مصلحة في تركه، إذ لازم ذلك لَغويّه ذاك الحثّ والتوكيد والتهديد والتوعيد، وتكون النتيجة هي أنّ تلك الاوامر الأكيدة بالجهاد في آيات الذكر الحكيم لا تحمل حكماً الزامياً، بل إنما هي مسوقة لبيان جواز قتال العدو وكونه أمراً راجحاً غير ممنوع عنه! وهذا خلاف مقتضى الحكمة في كلام الباري الحكيم عزّ اسمه. فتلك الآيات وهكذا المناسبات العرفية بين الحكم والموضوع بنفسهما كافيتان لإثبات أنّ الاقدام على السلم مع العدوّ المحارب ليس أمراً جائزاً ومباحاً في أيّ وقت وعلى أيّ حالٍ، بل جوازه متوقف على وجود ما يكفي في تبرير الاقدام عليه من الشرائط والأحوال التي يعبر عنها بالمصلحة. هذا مضافاً ا

لى ما يدلّ بظاهره على المنع من السّلم والمداراة والتودد مع الاعداء المحاربين، كقوله تعالى: «ولا تهنوا وتدعوا الى السّلم» وقوله تعالى: «انما ينهاكم اللَّه عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من ديارهم أن تولوّهم» وقوله تعالى: «لاتتخذوا عدوّى وعدوّكم أولياء تلقون اليهم بالمودّة» وغيرها من الآيات الكثيرة في هذا الباب.

فحاصل الأدلة بمجموعها أن وجود المصلحة في قبول الصلح أو اقتراحه على العدوّ شرط شرعاً في جواز ذلك.

ثم إنّ المصلحة في هذا الباب لاتنحصر فيما ذكره الفقهاء رحمهم الله من ضعف المسلمين وقلتهم عن المقاومة أو رجاء دخول الكفار في الاسلام أو الحصول على المال الذي يبذلونه للمسلمين. فهناك مصالح أخرى تناسب ظروف العالم في كلّ عصر، منها تحسين سُمعة النظام الإسلامي كنظام يقترح الصلح على مناوئيه، ومنها تخويف عدوٍّ آخر طامع في بلادالمسلمين من جهة كونهم مشغولين بالحرب، فاذا رأى ذاك العدوّ أنّ الإمام بصدد الصّلح مع مقاتليه يخاف ويقطع طمعه، ومنها غيرذلك ممّا يعرفه الذي بيده أمر تشخيص المصلحة في كلّ زمان ومكان.

ثم لا يخفى أنّ المصالح تختلف أهميّة، كما أنّ مصاديق الجهاد تختلف كذلك، ومن المعلوم عدم إمكان التحديد بالنسبة الى مراتب الأهمية سواءً في المصالح أو في عمليات الجهاد في سبيل‏اللَّه، وإنّما الامر في ذلك - أي في تشخيص أهمية المصلحة الداعية الى الهدنة في كل موردٍ أو أهمية عمليّة الجهاد المفروض في ذلك المورد، وكذا مراتب الأهمية كلّها - بيد من اليه أمر الجهاد.

وبناءً على ذلك - أي على فرض وجود مراتب للمصلحة وأنّ المناط في الانتماء الى المهادنة في كل مرحلة هو كون المصلحة فيها أهمّ من العملية الجهادية التي هي موضوع تلك المرحلة - فلا مناص من الالتزام بوجوب الهدنة أحياناً - كما صرح بذلك العلاّمة في القواعد وارتضاه في الجواهر - لأن مراتب الرجحان تابعة لمراتب الاهميّة، فربما وصلت أهمية الصّلح والهدوء مرتبةً يُحكم معها بوجوبه وعدم جواز التخلّف عنه.

إلا أنّ ظاهر بعض وصريح آخر عدم وجوب الهدنة بحال. قال العلاّمة في المنتهي والتذكرة: والهدنة ليست واجبة على كل تقدير سواءٌ كان بالمسلمين قوة أو ضعف لكنّها جايزة [٥] وقال المحقّق في الشرائع: وهي جائزة إذا تضمّنت مصلحة للمسلمين … - الى آخر كلامه وظاهره عدم وجوبها في حالٍ من الأحوال، اللّهم الا أن يكون مراده الجواز بالمعنى الأعم الشامل للوجوب.

وكيف كان فالمستفاد من كلام العلامة رضى الله عنه في وجه عدم وجوبها بحال، هو أنّ دليل الهدنة وهو قوله تعالى: «وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها» وكذا قوله تعالى: «ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة» يحمل على الجواز دون الوجوب، بقرينة ما دلّ على‏الأمر بالقتال حتى يلقى اللَّه شهيداً، كقوله تعالى: «يقاتلون في سبيل‏اللَّه فيَقتلون ويُقتلون» وكفعل مولانا الحسين‏عليه السلام والنفرالذين وجّههم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الى هذيل، فقاتلوا حتى قتلوا، ولم يفلت منهم أحد الاّ حبيب فانّه اُسر… فالمكلّف بمقتضى الدّليلين القرآنييّن مخيّر بين القتال والصّلح، وقد وقع كلا الخيارين من النبي صلى الله عليه وآله والأئمةعليهم السلام. فمن الاوّل: ما وقع من النبي‏صلى الله عليه وآله والحسن عليه السلام، ومن الثاني: ما وقع من الحسين عليه السلام…. الى آخر ما ذكره العلامة رحمه الله وارتضاه صاحب الجواهر عند تقرير كلامه، فراجع.

وأورد على هذا الاستدلال المحقق الكركي في جامع المقاصد [٦] بأنّ الأمر بالقتال، مقيّد بمقتضى: «ولاتلقوا بايديكم الى التهلكة» - انتهى محل الحاجة من كلامه - ولازمه وجوب الكفّ عن القتال إذا فرض كونه إلقاءاً في التهلكة، وهذا يعنى وجوب الصّلح والهدنة. ولايخفى أنّ الأخذ بهذا التقييد، لازمه حرمة القتال في كل مورد يوجب التهلكة، فيشمل ما لو استلزم تهلكة فرد أو أفراد، فيحرم القتال حينئذ عليهم أو عليه، وإن كان واجباً على غيرهم من المسلمين المقاتلين، وبناء عليه فلا يختص حكم وجوب التقصّي عن الهلكة بما إذا انطبق ذلك على الصلح، بل يشمل أيضا الفرار وكلّ ذريعة أخرى الى النجاة من الهلكة، فلا بد أن يكون الفرار أيضا واجباً في هذه الصّورة كالصلح! وفي هذا الكلام ما لا يخفى من الغرابة! والظاهر أنّ لدفع هذا الاستلزام علّق صاحب الجواهر رضى الله عنه على كلام المحقق المذكور بانّ: الخروج عن أدلّة حرمة إلقاء النفس في الهلكة يُقتصر فيه على القدر المتيقن كالفرار ونحوه.

أقول: نتساءل: ما الوجه في الخروج عن أدلّة حرمة القاء النفس في الهلكة بأدلّة حرمة الفرار؟ وأيّ قرينة على تقدّم أدلّة حرمة الفرار عليها؟ فلوالتزمنا بحكومة أدلّة التهلكه على أدلّة الجهاد لِم لانلتزم بحكومتها أيضا على أدلة حرمة الفرار؟ وهل أدلة حرمة الفرار أقوى دلالةً وأكثر تعداداً وأوضح مفاداً من أدلة الجهاد؟ كلاّ… فان التزم أحدٌ بتقدّم أدلة التهلكة على أدلة الجهاد - مع مالها من الكثرة، وقوة الدّلالة والتأكيد، والتوعيد على تركه، وقال إنها تقيَّد بتلك الادلّة - كما صنعه الكركي رحمه الله - فليلتزم بمثله بالنسبة الى أدلة الفرار أيضاً كما يستفاد ذلك من ظاهر كلامه رضى الله عنه، فلا وجه لما استدركه صاحب الجواهر رضى الله عنه.

والحقّ أنّ الأمر بالعكس، بمعنى أنّ أدلة وجوب حفظ النفس وحرمة إلقاء النفس في الهلكة هي الّتي تُقيَّد بأدلة الجهاد، وذلك لوضوح أنّ خروج ما يوجب إلقاء النفس في الهلكة من مصاديق الجهاد الواجب، يوجب تخصيص الأكثر، بل خروج تلك الفريضة الإلهيّة عن وضعها ومكانها بالكليّة…

والحق في الاجابة عن كلام العلاّمة رحمه الله بالنسبة الى دليل حرمة القاء النفس في التّهلكة فبما قلناه آنفاً، وبالنسبة الى دليل الصّلح فبأنّ سياق أدلة الحكمين - أعني الجهاد والصلح - وهكذا مناسبة الحكم والموضوع في الموردين، تحكم بكون الصلح استثناءً لدليل الجهاد، مقيّداً بما إذا كان فيه المصلحة، فان بلغت المصلحة الى حدّ الالزام قدّم على الجهاد والاّ يعمل بمقتضى ما تقتضيه المصلحة واللَّه العالم.

وأما ما ذكره من فعل الامام الحسين عليه السلام فمضافاً الى أنه من الجهاد الدفاعي - على وجهٍ فتأمّل - فانه قضيةٌ في واقعةٍ وهو من السّنة الفعليّة التي ليس لها لسان الاطلاق والتقييد ولذا لا يمكن الأخذ باطلاق الحكم المستفاد منها وهكذا القول في تقرير النبي‏صلى الله عليه وآله لجهاد النفر الذين وجّههم الى هذيل، كما هو واضح.

في اشتراط المدّة

الأمر الثالث: لاخلاف ظاهراً في اشتراط المدّة في عقد الهدنة، ويُعلم ذلك من أخذهم قيد الزمان في تعريف الهدنة، كما في المبسوط والشرائع والمنتهى والتذكرة والقواعد وغيرها، ومن دعوى الإجماع على اعتبار مدة خاصّة، كما في المنتهى وغيره بالنسبة الى عدم الجواز لاكثر من سنة، ويستفاد ذلك أيضا من عدم ذكرهم في مقام الاستدلال على اعتبار المدة، سوى أن عدم ذكرها يقتضى التأبيد، والتأبيد باطل، فيشبه إرسال المسلّم، والايكال على وضوح الأمر.

وهو كذلك، إذ الإطلاق في عقد الهدنة وعدم ذكر المدّة يقتضي وجوب الوفاء به ما لم يظهر نقض من العدوّ، سواء في مدة حياة من تصدّى للعقد أو بعده، وهذا خلاف المصلحة قطعاً، إذ لازمه تعطيل الجهاد، ومن المعلوم ضرورة من الدين عدم رضا الشارع به، مضافاً الى الاستبعاد القريب من الاستحالة أن تبقى الظروف دائماً على غِرار واحد، فالعقد المقتضي للتأبيد خلاف المصلحة قطعاً، ومنه يعلم بطلان العقد المصرّح فيه بدوام الهدنة بطريق أولى. ثم إنّ اشتراط صحّة الهدنة بالتوقيت، لا يعني استلزام ذلك لحكم تكليفيّ في البين، أي حرمة عقدالهدنة بدون التوقيت أو حتى مع التصريح بالتأبيد، وعلى هذا فلوفرض قيام مصلحة عظيمة في الغاء ذكر المدّة في الهدنة، كما إذا فرض انّ العدوّ لايقبل تقييد الهدنة بمدّة ولايقبلها إلاّ مطلقة أو مؤبّدة، وفرض أنّ في استمرار الحرب ضرراً عظيماً على‏الاسلام والمسلمين، فلا مضايقة على‏الامام حينئذ أن يعقد الهدنة بغير ذكر المدّة، ولايكون ذلك حراماً عليه، وإن كانت الهدنة في الواقع فاسدة غير منعقدة، فيستفيد المسلمون من متاركة الحرب ما يحتاجون اليه، ويكون الإمام بالخيار في أمر الحرب متى شاء… والحاصل أنّ اشتراط الهدنة بالمدّة مما لا

كلام فيه.

إنّما الكلام في مقدار المدة وأنه هل يوجد لها حد للأقل وللأكثر؟ فقد ذكروا في ذلك تحديداً في طرفي القلة والكثرة، ولابد من التعرّض لذلك والفحص عن دليله حتى يتضح الحال.

١ - ذكروا لطرف القلة - أعني القدر المتيقّن من جواز الهدنة في زمانٍ، فيما كان في المسلمين قوّة مدة أربعة أشهر. فتجوز الهدنة لأربعة أشهر فما دون. وأدعى عليه الإجماع في غير واحد من كتب الأصحاب، واستدلّ له الشيخ رحمه الله بقوله تعالى: «فسيحوا في الارض اربعة اشهر». وعليه فلوهادنهم المسلمون لهذه المدّة تجوز ذلك وإن كان بالمسلمين قوة. والظاهر لزوم رعاية المصلحة في هذه الصورة أيضا بمعنى أنّ عدم الحاجة الى وجود المصلحة من ناحية ضعف المسلمين ليس يعنى الغناء عن وجود ساير المصالح، ولعلّ هذا هو المراد من كلام الشيخ في المبسوط حيث قال: فاذا هادنهم في الموضع الذي يجوز، فيجوز أن يهادنهم أربعة أشهر. انتهى [٧] ولم يصرّح بذلك غيره فيما اطّلعنا عليه من كلماتهم.

وكيف كان، فالاستدلال بالآية يتم بضميمة ما هو المعلوم من: أنها نزلت عند مُنصرف رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من تبوك وقدكان في أقوى ماكان.

وقد ناقش فيه في الجواهر بأنه خارج عن محل الكلام، إذ لم يكن ذلك مهادنة لهم بمدة أربعة اشهر، بل كان اِمهالاً لخصوص من عاهدوا من المشركين على وجه التهديد والتوعد. وهو في محلّه مضافاً الى أنّ فرض القوّة أيضا غير معلوم تماماً وإن كان هو كذلك على مافي التاريخ، إذ ربما كان في أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله تعباً وملالاً ممّا وقع عليهم في تبوك مع بُعد المسيرة وحرّ الصيف، وقد كانت غزوة تبوك نفسها وقعت بعد غزوة أخرى قريبة منها (على ما ببالى فليراجَع) فأراد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله استعادة قوة أصحابه ورفع تعبهم بسياسة الهيّة، وهي إمهال المشركين أربعة اشهر… فالحقّ مع صاحب الجواهر رضى الله عنه حيث قال: العمدة حينئذٍ في إثبات ذلك على جهةالعموم، الإجماع إن تمّ…

أقول: ولن يتمّ، لعدم ذكره في كلمات الشيخ ومعاصريه، وإنّما فيها الاستدلال للحكم بالآية فيقوى أنّه من‏الاجماعات المدركية الّتى يبدو أنّ الغرض من ذكرها ليس الاّ بيان شيوع القول وعدم مخالفة أحدٍ له لا الإجماع المصطلح الذي هو أحد الادلّة الاربعة.

والذي لا ينبغي الريب فيه هو أنّ المهادنة لاربعة أشهر فما دون جايزة مع المصلحة ولومع قوّة المسلمين، لانّها القدر المتيقّن من إطلاقات أدلّة المهادنة مع عدم رادع عنها في الكتاب والسنّة. ومعها فلا حاجة الى ما ذكر من الاستدلال بالآية الشريفة في كلام الشيخ رضى الله عنه. ومنه تعرف مافي كلام صاحب الجواهر رضى الله عنه من أنه على فرض عدم تماميّة الإجماع فالحثّ على قتلهم والقعود لهم في كل مرصد يقتضي عدمه.

٢ - ذكروا لطرف الكثرة - أعني القدر المتيقّن من المدة التي لا تجوز الهدنة في الاكثر منها مع فرض قوة المسلمين - أيضا حدّاً وهي سنة كاملة، فلا تجوز في الأكثر منها.

قال المحقق في الشرائع: ولا تجوز أكثر من سنة على قول مشهور. وقال العلاّمة في التذكرة: إذا كان في المسلمين قوة، لم يجز للإمام أن يهادنهم اكثر من سنة إجماعاً [٨] وقال في المنتهى: إذا اقتضت المصلحة المهادنة وكان في المسلمين قوة، لم يجز للإمام أن يهادنهم أكثر من سنة إجماعاً [٩].

هذا، ولكن الأمر في كلام الشيخ رحمه الله يختلف عن ذلك، فانّه قال: ولايجوز الى سنة وزيادة عليها بلا خلاف. انتهى. [١٠] فمقتضى هذا التعبير هو عدم الجواز لسنةٍ أيضا مع أنّ ظاهر كلام من نقلنا عنهم آنفاً عدم‏الجواز لازيد من سنة، وكلام الشيخ أوفق بما استدلّوا به من الآية الشريفة أعني قوله تعالى: «فاذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين…» الآية. حيث فهموا منها وجوب الجهاد في كلّ سنة قمريّة عند انسلاخ الأشهر الحرم ومعلومٌ أنّ الهدنة في تمام السّنة تنافي وقوع الحرب في بعضٍ منها ولوبيوم. ويحتمل أن يكون مراد المحقق والعلامة (رحمهما الله) أيضا ما يوافق كلام الشيخ رحمه الله وإنما ذكروا التحديد بالسّنة تسامحاً.

وكيف كان فالدليل على الحكم على ما في كلماتهم أمور:

الاوّل: الإجماع كما ادعاه العلاّمة رحمه الله وغيره، وادعى الشيخ رحمه الله في المبسوط عدم الخلاف. الا أن المحقق‏رحمه الله عدل عن ادّعاء الاجماع الى نسبة القول الى المشهور، وهذا ما يضعّف دعوى الاجماع، إذ الظاهر أن وجه العدول، عدم تحقق الإجماع عنده كما استظهره الشهيدالثاني في المسالك.

الثاني: قوله تعالى: «فاذا انسلخ الأشهرالحرم فاقتلوا المشركين» - الآية - والاستدلال بالآية الشريفة يتمّ بتقريبين:

أحدهما: ما في كلام الشيخ رضى الله عنه في المبسوط من انها اقتضت قتلهم بكلّ حال، خرج عنه قدر الأربعة أشهر بدليل الآية الأولى، أعني قوله تعالى: (فسيحوا في الأرض اربعة اشهر…» وبقي ما عداه على عمومه [١١].

وثانيهما ما هو المستفاد من كلام الشهيد الثاني رضى الله عنه في المسالك من أنّ الآية تدل على وجوب الجهاد عند انسلاخ هذه الأشهر وهو متحقّق في كلّ سنة مرّة، ثمّ أورد رحمه الله على‏الاستدلال بأنّ الأمر لايقتضى التكرار [١٢].

هذا، وقد استشكل في دلالة الآية الشريفة على المدّعى‏، المحقق ضياء الدين‏رضى الله عنه في شرحه على التبصرة، بانّ غاية مفاد الآية هو وجوب القتال في السّنة بحسب المصلحة الأوليّة، وذلك لاينافي جواز تركه لعقد الهدنة معهم لمصلحة أقوى… الى أن قال: وحينئذٍ لامجال لتوهّم المعارضة بين دليل القتال بعد انقضاء الأشهر الحرم كما هو مفاد آية: «إذا انسلخ» التي هي الدليل على وجوبه في كلّ سنة، وبين آية الصّلح والهدنة [١٣].

أقول: أما عدم دلالة الأمر - لا بمادّته ولا بهيئته - على المرة والتكرار، فنوافق عليه كلام صاحب المسالك رحمه الله وهو ممّا لايختلف فيه المحققون من متأخري الاصوليين، الاّ أن دعوى دلالة الآية الشريفة على وجوب القتال بعد انتهاء الأشهر الحُرم في كلّ عام ليست - في رأي القائلين بها - من ناحية دلالة الأمر على التكرار، بل من ناحية دلالة القضية الحقيقية على فعليّة الحكم عند تحقق الموضوع في أيّ زمان وأيّ مكان، فبناءً على أنّ الدلالة على الحكم في قوله تعالى: «فاذا انسلخ الأشهر الحرم …» الآية، على نحوالقضية الحقيقية - كما هو مدّعى القائلين بوجوب الجهاد في كلّ سنة، وكما هو المعهود من أدلة الأحكام الشرعيّة، بل من القوانين والأحكام المدنية والشخصيّة سواء الديني منها والعرفي - فموضوع وجوب الجهاد عبارة عن انسلاخ الأشهر الحرم، أينما وقع ومتى ما وقع، فكلّما تحقّق هذا الموضوع خارجاً فلا مناص من الحكم بوجوب ما اُمر به في الآية الشريفة معلّقاً على هذا الموضوع، وهو استئصال المشركين… الى آخر الأية. فيكون الحكم هنا كالحكم بوجوب الصوم المتعلق بحلول شهر رمضان، فوجوب الجهاد في كل سنة على رأي القائلين به أجنبيّ عن حديث المرة والتكرار

في الاوامر.

هذا، ولايخفى أنّ الذي ذكرناه، مبنيٌّ على أن يكون انسلاخ الاشهر الحرم في الآية الكريمة، مأخوذاً كشرط للحكم، أعني وجوب قتل المشركين، نظير ما مثلناه به من حلول شهر رمضان بالنسبة اِلى وجوب الصوم. وذلك ما يقتضيه ظاهر الكلام وسياق الآية الشريفة، ولكن ربما يحتمل أن يكون المراد بيان حكم الجهاد في غير الأشهر الحرم بعد بيان حكمه فيها، بحيث لايكون ذكر انسلاخ تلك الأشهر الاّ توطئة وتمهيداً لبيان ذاك الحكم الكلّي، دون بيان ما يجب في كلّ سنة بعد انتهاء الأشهر الحرم، وبناء على ذلك فغاية مفاد الآية هي وجوب الجهاد في غير الأشهر الحرم من دون دلالة على وجوب استمراره وتكراره في سنة واحدة أو في كلّ سنة، إلاّ إذا التزم بدلالة الأمر على التكرار. فليكن هذا هو مراد صاحب المسالك رحمه الله. ولكن لايخفى بُعد هذا الاحتمال عن ظاهر الآية. وكيف كان فهذه كلها بناء على أن يكون الحكم في الآية على نحو القضية الحقيقيّة وأما بناءً على أن يكون الحكم فيها على نحو القضية الخارجيّة - كما هو المختار لدينا وسوف نلقى الضوء عليه عن قريب - فالامر يختلف عن ذلك ويكون تكرار التكليف الوارد فيها في ما بعدالسنة الاولى متوقفاً على دليل يفيد التكرار، من قرينة ل

فظيّة أو عقليّة تنضمّ الى مفاد الآية، وبدونها فمقتضى اطلاق الامر، كفاية تحقق المأمور به ولومرّة.

وأما ما أفاده المحقق العراقى‏رحمه الله فيمكن تقريره (بحيث لايرد عليه الاشكال بأنّ الاحكام الشرعيّة وإن كانت في عالم الثبوت نتيجة للكسر والانكسار بين المصالح والمفاسد الكثيرة المجهولة غالباً لدى المكلّف، إلاّ أنها في عالم الإثبات تابعة للادلّة الشرعية - العقلية والنقليّة - المؤديّة اليها، ولايمكن تقييد إطلاقاتها بالمصلحة كما تُقيّد بالضرورة) بانّه لمّا كانت الهدنة في جميع الموارد التي يختارها وليّ أمر الحرب والسّلام، قائمة على المصالح المقتضية أو الموجبة لها، المكافئة لمصلحة الجهاد والراجحة عليها وبذلك ترجّح على حكم الجهاد الثابت بالادلّة الشرعية الكثيرة، ويكون دليلها حاكم على أدلّة الجهاد أو مقيدة لها. ففي موضوع آية الانسلاخ أيضا إذا فرض وجود مصلحة راجحة على مصلحة الجهاد، يمكن القول بتعيّن الهدنة عندئذ وعدم وجوب ما توجبه الآية المذكورة من القتال عند انتهاء الأشهر الحرم. فحكم هذه الآية حكم ساير آيات الجهاد في تقيّدها بعدم وجود مصلحة في تركه فائقةٍ على مصلحة الجهاد، فاذا فرض مثل تلك المصلحة فالمورد لايكون مورد الجهاد، بل مورد الهدنة. وتكون النتيجة أنّ الهدنة حينما كانت ذات مصلحة أقوى من مصلحة الجهاد، جاز استم

رارها حتى بعد انسلاخ الأشهر الحرم.

فما أورده هذا المحقق‏رحمه الله على الاستدلال بآية الانسلاخ لاثبات عدم جواز الهدنة لاكثر من سنة، يبقى سليماً عن الإشكال الذي أشرنا اليه، الاّ أن هناك إشكالاً آخر وهو أنّ آية الانسلاخ أخص من دليل الهدنة، فتُقدّم عليه بيان ذلك أنّ: الظاهر من آية الانسلاخ - بناء على كون الحكم فيها على نحوالقضية الحقيقيّة - أنّ مدلولها ليس منحصراً في أصل حكم وجوب الجهاد كما هو الحال في عمومات هذا الباب، بل الخطاب فيها متكفّل أولاً وبالأصالة لبيان أمر آخر وهو وجوب قتل المشركين بعد انسلاخ الأشهر الحرم، بمعنى انّ لهذه البرهة الزمانية خصوصية في نظرالشارع لإجراء عمليّة القتال، بحيث لايرضى بتأخيره عنها، فيكون انتهاء الأشهر الحرم شرطاً في توجّه هذا الجانب الاصلى من مفاد الآية الشريفة، وتكون النتيجة أن المبادرة الى الجهاد عند انسلاخ الأشهر الحرم في كل عام الى ما قبل حلول تلك الاشهر من العام القادم يُعتبر امراً مطلوباً في نظرالشارع المقدس، وبهذا البيان يتمّ استدلال مَن استدل بهذه الآية على عدم جواز التخلي عن الجهاد في جميع طول السنة كما لايخفى. فحاصل هذا البيان أن آية الانسلاخ أخص من دليل الهدنة، لاختصاصها بما بعد انتهاء الاشهرالحرم، فتُ

قدم الآية على دليل الهدنة، وتكون مقيّدّة له بالنسبة الى الزمان المأخوذ فيها. ولا تصل النوبة الى ملاحظة المصلحة وتفاضلها في بابي القتال والصلح، والنتيجة هي أنّ الهدنة إذا كانت ذات مصلحة، فهي جائزة الاّ في مورد آية الانسلاخ أعني القتال بعد انتهاء الأشهر الحرم.

والمحصّل من جميع ما ذكرنا في الكلام عن ما أشكل به الشهيد الثاني والمحقق العراقى‏رحمهم الله على الاستدلال بآية: «فاذا انسلخ» - الى آخرها انّ الاستدلال بها على عدم جواز عقدالهدنة الى سنة فما زاد، صحيح لا يرد عليه شي‏ء ممّا أوردا عليه.

هذا، ولكن هناك إشكالاً آخر على هذا الاستدلال لم يتعرض له أحدٌ فيما نعرف، وهو أن مبنى هذا الاستدلال، هو أنّ مفاد الآية. قضيّة حقيقيةٌ تصدّى لبيان حكم كلّي جارٍ في جميع الأزمنة وبالنسبة الى جميع الكفار، مثل غيرها من آيات الجهاد كقوله تعالى: «قاتلوا الذين يلونكم من الكفّار»، فانّها ليست تشير فقط الى الكفار الذين كانوا يلون المسلمين يومئذ، أو قوله تعالى: «وقاتلوا في سبيل‏اللَّه الذين يقاتلونكم…» فانها لاتعني قتال فئة خاصة تقاتل المؤمنين في ذاك الوقت، بل تتصدّى كل منهما لحكم كلىّ سارٍ وجارٍ في جميع الأزمنة والأمكنة وبالنسبة الى جميع طوائف الأعداء، فكلّما وجد الموضوع في أيّ زمان وأيّ مكان، وقع عليه الحكم، شأنَ جميع القضايا الحقيقيّة. هذا هو مبنى الاستدلال بالآية الشريفة على وجوب الجهاد عند انسلاخ الاشهرالحرم في كلّ عام، ومن الطبيعى أنّ المراد بالأشهرالحرم في الآية بناءً على هذا، هو الأربعة المعروفة، أو الثلاثة المجتمعة منها بالذّات.

لكنّك عرفت مما قلناه في الأبحاث السابقة [١٤]، ضعف هذا المبنى، وعدم الإعتراف منا بكون المراد من الأشهر الحرم تلك الاربعة المعروفة، ويتّضح ذلك من النظر الى الآية الشريفة عن كثَبٍ، والى الربط المنطقي عرفاً بينها وبين التي قبلها من‏الآيات، واليك النظرة الاجمالية اليها:

لمّا اعلن تعالى براءته وبرائة رسوله من المعاهَدين من المشركين، أمهلهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض، ثمّ قرَنَ التوعيد والتهديد لهم في قوله تعالى: «واعلموا أنّكم غير معجزي اللَّه»، بترغيبهم وحثّهم على‏الإيمان في قوله تعالى: «فان تبتم فهوخير لكم»، ثم بعد ذلك التفت الى‏المؤمنين وبيّن لهم حكم معاملة المشركين المعاهَدين: من لم ينقض منهم عهده ومن نقض، فامّا من راعى العهد ولم ينقضه، فأمر المؤمنين بأن يُتمّوا عهدهم الى مدّتهم ولايتخلفوا عما عاهدوهم عليه، وأما من نقض العهد وأظهر العداوة في أثناء مدة المعاهدة، فأمرهم بأن يقتلوهم بعد تمام الاربعة أشهر التي أمهلهم فيها، ويبيدوهم حيث يجدوهم ويأخذوهم ويحصروهم ويقعدوا لهم كلّ مرصد، وأن لايحدّثوا أنفسهم بالمعاهدة معهم بعد ذلك، إذ كيف يكون لهم عهد عنداللَّه وعند رسوله والحال أنهم إن يظهروا على‏المؤمنين ويقدروا على إيذائهم والتحامل عليهم لايرقبوا في مؤمن الاًّ ولا ذمّة… الى آخر الآيات.

هذا هو مضمون الآيات في أوّل سورة البراءة، وهي كما ترى تتَصدّى لحكم خاصٍ بالنسبة الى فئة خاصة من‏الكفار وهم مشركوا مكّة وما حولها من البلاد في الحجاز في زمانٍ خاصٍ، وليس حكماً عاماً لكلّ فئات الكفار ولجميع الأزمنة، فهي قضيّة خارجية تَعَلّق الحكم فيها بموضوع معيّن خارجى، ولذا ترى أنّ حكم عدم المعاهدة مع المشركين الذين يُظهرون الرّفق ويُبطنون البغض والعناد، لم يُفتِ به‏الفقهاء، مع أنّه مذكور في الآيات، وليس ذلك إلاّ من أجل أنّ الحكم في الآية ليس على سياق القضية الحقيقية.

وفي جوّ هذا الاستظهار من‏الآيات الشريفة، يتمكن الإنسان أن يعرف بوضوح أنّ المراد من‏الأشهرالحرم في الآية، ليست هي الاربعة المعروفة، بل المراد منها هي الاربعة التي أمهلهم اللَّه تعالى أن يسيحوا فيها آمنين وحرّم على المؤمنين أن يتعرّضوا لهم فيها.

إن قلت: قد جرى ذكر الأشهر الحرم في الكتاب المبين في غير موضع، والمراد منها في الجميع هو تلك الأربعة المعروفة، مثل قوله تعالى: «منها اربعة حرم…» وقوله تعالى: «الشهرالحرام بالشهرالحرام…» فما الصارف عن هذا المعنى هنا؟

قلت: أوّلاً ذكر اللفظ بمعنىً في مواضع من القرآن الكريم، لايستلزم كونه بعين ذاك المعنى كلّما استعمل في الكتاب العزيز، ما لم تصل كثرة موارد الاستعمال الى حدٍّ تحصل به حقيقة شرعية لهذا اللفظ، أو تكون قرينة صارفة له عن غيره من المعاني. وهذا لا يُقطَع به في ما نحن فيه وبالنسبة الى الشهرالحرام في هذه الآية.

وثانياً: سلّمنا بذلك، لكن ذكر الاربعة أشهر التي جُعلت حراماً بالنسبة الى هؤلاء المشركين في الآيات السابقة المرتبطة بهذه الآية، وكون الآيات بصدد بيان حكم قضيّة خارجيّة يكفي صارفاً لها عن تلك المعنى.

وثالثاً: فرضنا الشك في ذلك كلّه، فالحكم بوجوب القتال بعد الاربعة أشهر المعروفة استناداً الى الآية مع فرض الشك في المراد منها غير سديد.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الآية الشريفة التي اُستدلّ بها على عدم جواز الهدنة في سنة وأزيد، اجنبيةٌ عن مرامهم، ناظرةٌ الى أمر آخر، لايمكن الاستدلال بها على ما ذكروه، وحينئذٍ فاطلاق دليل الصلح أعني قوله تعالى: «وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها» وسائر ما استدل به في الباب، يشمل الصلح في أكثر من سنة، فيجوز إذا كانت فيه مصلحة، على ما هو المقرّر من اشتراط جوازه بالمصلحة.

الثالث مما استدل به على عدم جواز المهادنة في أكثر من سنة قوله تعالى: «ولا تهنوا وتدعوا الى السّلم وانتم الأعلون واللَّه معكم» [١٥] وقد استدلّ به العلاّمةرضى الله عنه في المنتهى ولم اَرَ من استدل به غيره، وتقريب الاستدلال حسبما ذكره العلاّمة رحمه الله: أنّ مقتضاه النهي عن ابتداء المسألة عن الموادعة، إلاّ أنّا خصصنا ما دون السنّة للادلّة، فيبقى الباقي على العموم [١٦].

ويرد على الاستدلال أنّ الآية الشريفة لا تنهى عن السَّلم وإنما تنهى عن الدعوة اليه، فهي أجنبيّةٌ عن ما نحن بصدده، أو قل: إنها أخصّ من المدّعى‏. ثم إن الاستدلال بها على عدم الجواز في سنة وأكثر أيضا مبنيّ على المسامحة إذ الدليل المخصّص إنّما يخصّص أربعة أشهر فما دون، فالباقي الذي يبقى تحت العموم هوما يزيد على أربعة أشهر، وهذا غير المدّعى.

ثم إنّ الإجماع المدّعى على الحكم، مما لايمكن التعويل عليه، أوّلاً من جهة أنّ اختلاف كلمات الشيخ والمحقّق والعلاّمة رحمهم الله في التعبير عنه (فعبّر عنه الاوّل بعدم الخلاف والثاني بالشهرة والثالث بالإجماع) يوجب وهن الدّعوى‏، وثانياً من جهة أنّ الظاهر من تعابير الشيخ وغيره، استناد فتوى الُمجمعين الى الآية الشريفه: «فاذا انسلخ…» قال في المبسوط بعد قوله: بلاخلاف: لقوله تعالى «فاذا انسلخ الاشهرالحرم» الآية [١٧] وقريب منه ما في المنتهى. ومن المعلوم أنّ اتفاق العلماء في استنادهم الى دليل شرعىٍ أو عقليّ في حكم من الأحكام، ليس هو الإجماع المصطلح الذي يُعدّ أحد الادلّة الأربعة.

وعلى ذلك فالعمدة في الاستدلال على عدم جواز المهادنة في سنة وأكثر، هي الآية الاولى، وقد عرفت عدم كفايتها للاستدلال، فالصحيح ما ذكره بعض الأعاظم‏رحمه الله في منهاجه من أن: ما هو المشهور بين الفقهاء من أنه لا يجوز جعل المدّة أكثر من سنة فلا يمكن اتمامه بدليل [١٨]. فالأقوى جوازه إذا كان فيه مصلحة.

ثم إنه وقع البحث - بناءً على عدم الجواز الى سنةٍ - في جواز الهدنة فيما دون السنة وأكثر من أربعة أشهر، فقال الشيخ رضى الله عنه في المبسوط بعدم الجواز استناداً الى آية: «فاذا انسلخ…» بناءً على كيفيّة استدلاله بها - وقد تقدم ذكره - وحاصله: أنها اقتضت قتلهم بكلّ حال. ونسب الى الشافعي في أحد قوليه: الجواز، تمسكاً باطلاق قوله تعالى: «وإن جنحوا للسّلم» الآية، والمشهور بين أصحابنا هو مراعاة الاصلح.

ولايخفى عليك أنّ الأمر بالنّسبة الى مابين أربعة أشهر والسّنة - بناءً على ما ذكرناه في الاستظهار من الآية الشريفه: «فاذا انسلخ الأشهرالحرم…» الخ - لا يختلف عنه بالنسبة الى غير هذه المدّة، بمعنى أنّ الصّلح أمر جائز في الجميع.

وأمّا ما عن المشهور من مراعاة الأصلح، فهويجرى في جميع الموارد إن فُرض قيام دليل عليه.

وعمدة ما يمكن أن يستدلّ به على ذلك هو ما قلناه سابقاً من أن مناسبات الحكم والموضوع تقتضي أن ينُظر الى الصّلح كاستثناءٍ في باب الجهاد، فبملاحظة ما ورد في باب الجهاد من الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: «الذين آمنوا يقاتلون في سبيل‏اللَّه…» الى قوله تعالى: «فقاتلوا أولياء الشيطان…» وقوله تعالى: «ان اللَّه اشترى من‏المؤمنين انفسهم واموالهم بانّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللَّه فيَقتلون ويُقتلون…» وقوله تعالى: «قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة»، وقوله تعالى: «أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم…» الى الكثير الكثير من النصوص القرآنيّة وأشباهها في الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله والائمّة عليهم السلام… فبملاحظة ذلك كلّه يحصل القطع بأنّ الأصل في معاملة الاعداء الحربيّين هو الجهاد، ولكن هناك استثنائات ومنها المهادنة، وقد سبق أنّ الشرط الاصلي فيها هو اشتمالها على مصلحة للمسلمين، ومن المعلوم أنّ المصلحة ليس المراد منها مطلق المصلحة ولوكانت ضعيفة غير قابلة للاعتناء اليها بنظر العقلاء وأهل الحزم والاستصلاح، كما أنه ليس المراد منها الضرورة التي تقدّم على أدلّة جميع الاحكام في جميع الأبواب،

بل المراد هو المصلحة الفائقة على مصلحة الجهاد في كلّ مورد، ولذلك قلنا سابقاً إنّ الصلح - بناءً على ذلك قد يكون جائزاً وقد يكون واجباً، على حسب المصلحة الموجودة فيه.

فبناءً على ذلك يكون كلام المحقّق رضى الله عنه في الشرائع والذي وافقه عليه العلاّمة والشهيد الثاني والكركي وصاحب الجواهر رحمهم الله وغيرهم وهو مراعاة الأصلح، متيناً مقروناً بالدّليل من دون فرق فيه بين الاقل من سنة والاكثر منها.

إن قلت: هذا الذّي تقولون من لزوم رعاية المصلحة بين دليلي الجهاد والصّلح، إنما يستقيم إذا كان الدليلان متكافئين، وليس هكذا الحال، إذ دليل الصّلح أخصّ من دليل الجهاد، فان هذا أعم من صورة جنوح العدوّ الى الصلح وعدمه، وذلك مخصوص بصورة جنوحه الى الصلح، فيقدّم عليه مطلقا من دون رعاية المصلحة.

قلت: أخصيّة دليل الصلح من عمومات الجهاد وإن كان مقتضى ظاهر هذه النصوص ولا يبعد الأخذ بذلك كما سيأتي - إلاّ أنّ القول بجواز الصلح عند جنوح العدوّ اليه مطلقا ولوكان خالياً عن المصلحة - خلاف مقتضى الحكمة وموجب لتعطيل الجهاد في غالب موارده، وبشكلٍ خاصٍ في الموارد التي يكون وقف الجهاد فيها بمصلحة العدوّ، واستمراره خلاف مصلحته … وهو معلوم البطلان، فلا مناص من القول بلزوم رعاية المصلحة حتى في صورة جنوح العدو الى السّلم.

٣ - لا خلاف في جواز تحديد مدّة الصلح لأكثر من سنة عند ضعف المسلمين وحاجتهم الى ذلك، ولايبعد أن يكون المراد كون المسلمين في اضطرار لذلك، والاّ فلا دليل - بعد تسليم تمامية دليل حرمة الهدنة لأكثر من سنة - على أنّ صِرف الضَّعف يوجب جواز ذلك، إذ من المتصوّر أن يستمرّ القتال بدون هدنة لعلّ اللَّه يحدث بعد ذلك أمراً.

وكيف كان فقد ذهب الشيخ رضى الله عنه الى أن الهدنة تتقدّر حينئذٍ بعشر سنين لا أزيد، قال في المبسوط: فاما إذا لم يكن الإمام مستظهراً على المشركين بل كانوا مستظهرين عليه لقوّتهم وضعف المسلمين أو كان العدو بالبعد منهم وفي قصدهم التزام مؤن كثيرة، فيجوز أن يهادنهم الى عشر سنين لأن النبي صلى الله عليه وآله هادن قريشاً عام الحديبيّة إلى عشر سنين ثم نقضوها من قبل نفوسهم. فان هادنهم الى أكثر من عشر سنين بطل العقد فيما زاد على العشر سنين وثبت في العشر سنين - انتهى - [١٩].

وقريب منه ما في فقه القرآن للقطب الراوندي [٢٠].

وقال العلاّمة في القواعد: ولوعقد مع الضعف على أزيد من عشر سنين بطل الزائد [٢١] وقد نُسب هذا القول الى ابن الجنيد أيضا.

واستدلّ له الشيخ رضى الله عنه في المبسوط بفعل النبي صلى الله عليه وآله في الحديبية، حيث هادن قريشاً الى عشر سنين، ثم نقضوها من قِبل أنفسهم - انتهى - وحيث أنّ نفس فعل النبى‏صلى الله عليه وآله لايدلّ على أكثر من جواز هذا العمل أعني مهادنة عشر سنين، وليس له دلالةٌ على عدم جوازه في أكثر من تلك المدّة، تمّم العلاّمة رحمه الله في المنتهى الدليل المذكور، بضميمة عموم قوله تعالى: «اقتلوا المشركين» - الآية - خرج منهم من صولح معهم عشر سنين بمصالحة النبي‏صلى الله عليه وآله فيبقى الباقي على العموم [٢٢] الاّ انه رحمه الله بعد ما نَقَل خلافَ أبي حنيفة في ذلك واختيارَه الجواز على ما يراه الإمام واستدلالَه بامورٍ يُناسِب مسلكَه في القياس، قوّى اختيار أبي حنيفة [٢٣]، وفي التذكرة نفَى البأسَ عنه، [٢٤] فمختاره - بناء على ذلك جوازُ الهدنة لأكثر من عشر سنين إذا رأى الإمام مصلحةً في ذلك. ومن العجب أنّ الشيخ الكركي رضى الله عنه نسب الى العلاّمة في المنتهى والتذكرة، الجواز مع الضرورة وقال: وليس بذلك البعيد…. إذ ليس في كلامه‏رضى الله عنه تعرّض لحال الضرورة، إلاّ أن يقال إنّ محلّ الكلام في كلمات الأصحاب هو حال الضرورة كما نفينا البُع

د عنه قبل ذلك.

وكيف كان فما قوّاه العلاّمة في المنتهى والتذكرة واختاره صاحب الجواهررضى الله عنه وغيره أعني عدم تقيّد زمان الهدنة بعشر سنين عند حاجة المسلمين اليها، هو الّذى يساعده إطلاق أدلّة لصلح من حيث‏المدّة، والوجه الوجيه للجمع بينها وبين إطلاقات باب الجهاد على ما تقدّم.

٤ - تقدّم سابقاً أنّ جعل المدّة من شرائط صحّة الهدنة بل ممّا له دخلٌ في المفهوم عن هذا العنوان، في الاستعمالات الدارجة في السنة الفقهاء رحمهم الله، فلا يجوز الهدنة مع التأبيد أو الإطلاق، أعني اِهمال ذكر المدّة. لكن في بعض الكلمات مضافاً الى ذلك اشتراط تعيين قدر المدّة، فقد صرّح نفرٌ من الفقهاء بمانعية جهالة المدّة، فلوقال مثلاً: أهادنك الى مدّة أو قال: أهادنك الى ما لايقصر عن عشر سنين، أو الى أقلّ من عشرين سنة وأمثال ذلك لم تنعقد الهدنة، من أجل عدم تعيين المدّة فيها.

وعلى هذا فمراد من اعتبر تعيين المدّة، ليس اعتبار كون الهدنة ذات مدّة فقط، بل مراده مضافاً الى ذلك تعيين مقدار المدّة طولاً وقصراً، وضربُ أجلٍ لزمان الهدنة، كسنة أو عشر سنوات أو أقل أو اكثر.

فممّن صرّح بأن جهالة المدة تضر في عقدالهدنة العلاّمة رحمه الله فقال في القواعد: ولا بدّ من تعيين المدّة، فلوشرط مدّة مجهولة لم يصحّ - انتهى - ويعنى بذلك عدم صحّة العقد، وعلى فرض كون المراد بقوله: «لم يصّح» عدم صحةالشرط، فذلك أيضا، ينتهى الى عدم صحّة العقد، بناء على ماهو المشهور من أنّ فسادالشرط في خصوص المهادنة، يوجب فساد العقد. وسوف يأتي الكلام في ذلك.

وقال في الإرشاد: ولو هادنهم على ترك الحرب مدّة مضبوطة وجب، ولا تصحّ المجهولة - انتهى - وفي المنتهى: وكذا لا يجوز الى مدّة مجهولة [٢٥] وقال المحقق في الشرائع: ولا تصحّ الى مدّة مجهولة ولامطلقا [٢٦].

إلاّ أن كلام الشيخ رضى الله عنه في المبسوط ليس بتلك المثابة من الوضوح، فانه قال: ولا بدّ أن تكون مدةالهدنة معلومة، فان عقدها مطلقة الى غير مدّة كان العقد باطلاً لانّ إطلاقها يقتضي التأبيد - انتهى - فانّ مافرّعه على لزوم معلوميّة المدّة إنما يناسب أصل اشتراط المدّة - في مقابل التأبيد - لامعلوميّة قدرها، وهذا يوجب سلب ظهور كلامه فيما نحن فيه، فربما يكون مراده أصل ذكر المدّة الذي هو خارج عن محل الكلام. إلاّ أن يقال: إنّ جعل المدة في العقد، لاينفك موضوعاً - في رأي الشيخ‏رضى الله عنه - من كونها معيّنة، فإهمال مقدار المدّة وعدم تعيينه، يساوي في نظره مع إطلاق العقد وعدم جعل المدة له رأساً.

وعلى أيّ حال، فالكلام في الدليل على ذلك.

ربما يستدل له بأنّ العقود غير صحيحة مع الجهالة، كما هو المعروف في البيع والإجارة وغيرهما، صرّح بذلك المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد [٢٧].

ولايرد عليه الاشكال بأن الجهالة المانعة عن الصحة في أمثال البيع والاجارة، إنما هي جهالة العوضين فيهما، وأين هذا من جهالة المدة في مثل‏الهدنة؟ إذ يمكن الاجابة عنه بأنّ قيام عقد الهدنة بالزمان، ليس باقل من قيام البيع والاجارة بالعوضين، فكما أنّ جهالتهما فيهما توجب كون العقد فيهما على أمرٍ مجهول فكذلك جهالة المدة في الهدنة توجب وقوع العقد فيها على أمر مجهول، وهذا هو الذي يبطل العقد به.

ولكن مع ذلك يمكن تضعيف هذا الاستدلال بأنّ عدم صحّة العقود مطلقا بالجهالة غيرمعلوم، بل معلوم العدم لوجود معاملات مبنيّةً على نوع من الجهالة كالمزارعة والمضاربة والجعالة وغيرها، مع أنّها شرعيّة بلا إشكال.

بل حتى لزوم معلوميّة العوضين ومانعيّة الجهل بهما في البيع والاجارة أيضا غير متفق عليه إلاّ فيما انجرّ جهالتهما الى‏الغرر. فقد ذهب جمع من الفقهاء الى أنّ جهالة العوضين في نفسها لاتضرّ حتى في مثل البيع والاجارة، وناقشوا في دلالة ما يدّعى دلالته على ذلك من‏الرّوايات. والعجيب أن المحقق الاردبيلي نفسه من جملة هؤلاء الذين لايرون اعتبار العلم بالعوضين في البيع، ويجوّز البيع الجزافي كبيع الصُبرة ويضعّف الدليل المدّعى على اعتبار معلومية العوضين [٢٨].

وحينئذٍ فالمناقشة في صحّة الهدنة من جهة مجهولية المدة فيها، غير وجيهة لاسيما من مثله. نعم مانعيّة الغرر عن صحة العقد، أمر متفق عليه، إلاّ أنّ القدر المتيقن في ذلك هو الغرر في عقد البيع الذي ورد فيه الحديث المشهور المتلقّى بالقبول بين علماء الاسلام، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن بيع الغرر، وهو معقد الاجماعات المنقولة في باب مانعيّة الغرر، ولوتعدّينا عن البيع الى غيره من جهة تنقيح المناط القطعي، فلا نتعدّى عن عقودٍ من قبيل الاجارة وأمثالها التي تشابه البيع في كثير من أركانه وإنما تختلف عنه ببعض الخصوصيات، وأمّا الهدنة فهي بمعزل تماماً عن جريان الحكم المنصوص عليه في البيع، لان حقيقتها ليست مبادلة شي‏ء بشي‏ء، بل اتفاق من الطرفين على أمر واحد فيما بينهما وهو ترك نائرةالحرب.

والحاصل أنّ جهالة المدة في الهدنة لا تكون مضرّة بصحة العقد من هذه الجهة، ولايقاس عقد الهدنة بعقد البيع في أحكامه مع ذاك الفرق الشاسع بينهما.

هذا، وقد سلك صاحب الجواهر رضى الله عنه، في إثبات مانعيّة جهالة المدّة في الهدنة، مسلكاً آخر فانة بعد ادّعاء عدم الخلاف في المسألة قال ما محصّله: إنّ مثل هذا العقد ذومفسدة فبطلانه مقتضى الأصل، هذا أولاً وثانياً إنّ الأجل في كلّ عقد اشترط فيه الأجل لابد أن يكون معلوماً، وذلك حتى في مثل الصلح الذي يقع على المجهول، وهذا من مسلّمات الفقه بل ربما يمكن دعوى الإجماع عليه. انتهى محصّل كلام صاحب الجواهررضى الله عنه.

أقول: أما الأمر الاوّل فهو دعوى صغرويٌّ لا نناقش فيها من حيث كبراها، إذ من المعلوم بطلان كل هدنة تكون فيها مفسدة، ولكن المناقشة في الصغرى لها مجال، إذ ربّ هدنة مجهولة المدّة يكون فيها صلاح كبير للمسلمين. فالأمر موكول في كلِّ مورد الى ملاحظة حاله بخصوصه.

وأما الثاني فهو كلام متين لابدّ من الخوض في مغزاه. وما أفاده رحمه الله من أنّ كلّ عقد اشتمل على أجل فانّ الاجل فيه لابدّ أن يكون معلوماً، قد سبقه في التفطّن لذلك الشهيد الثاني، حيث قال مستدلاً لبطلان العقد في مجهول المدة: أما في المجهولة المدة فلانه عقد يشتمل على أجل فيشترط فيه العلم كغيره (راجع‏المسالك ذيل كلام‏المحقق في هذه المسألة) وهو كلام يصدّقه التتبّع في الأبواب المختلفة في الفقه مثل: المزارعة والمساقاة والإجارة والمتعة وغيرها فراجع كلمات الفقهاء في ذلك وله سرٌّ نتصدّى لبيانه بعد قليل.

ثم إنّ صاحب الجواهررضى الله عنه فرّع على ذلك أنه: لو اشترط الإمام الخيار لنفسه مع جعل المدّة مجهولة، لايجدى ذلك في تصحيح عقدالهدنة، وردّ كلام المحقق والشهيد الثانيين حيث مالا الى صحّته، معلّلين بانتفاءالجهالة بعد حصول التراضي منهما، وأوكل إبطال كلامهما الى وضوحه بقوله: وهو كما ترى…. ولعلّه أراد بذلك أنّ الأجل مع هذا الشرط أيضا يبقى غير معلوم، على ماهو المفروض من عدم علم الطرفين بأنّ الامام متى يشاء النقض ويختاره.

أقول: يبدو أنّ الجهالة في هذا الباب لم تُقصد بمعنى واحد في كلام المورد والمورد عليه، أعني المحقق والشهيد الثانيين من جانب وصاحب الجواهر من جانبٍ آخر، وتبيين الحق في ذلك يتمّ بالتفريق بين قسمي الجهالة. فنقول:

تارة يراد بجهالة الأجل، عدم علم الطرفين أو أحدهما به مع تعيّنه في الواقع، كما لونَسَيا المدّة مثلاً أو كتباه في كتاب ثم ضاع الكتاب. لا شكّ في أنّ مثل هذه الجهالة لاترتفع بجعل الخيار للإمام، إذ عدم علم الطرف الآخر - على الاقل - بالأجل، باقٍ بحاله مع ذلك. وكما أوكل صاحب الجواهررضى الله عنه الأمر في ذلك الى وضوحه فهو واضح لايحتاج الى الاستدلال.

وأخرى يراد بها الجهالة، بمعنى عدم تعيّنه رأساً من أوّل الأمر، وهذه الجهالة، هي الجهالة في مقام الثبوت ونفس الأمر، فالمدّة المجهولة على هذا المعنى هي الّتي لم تعيّن من قبل المتعاملين، مع ذكر عنوان المدّة وجعل المعاملة مقيّدة بها، كما لوقالت في المتعة مثلاً: زوّجتك نفسي الى مدّة، ففي موارد الجهالة بهذا المعنى لاشك في أنّ جعل الخيار لاحدالطرفين أو لكليهما يوجب ارتفاع الجهالة بذاك المعنى، لأنّ المدّة تعيّنت في الواقع ونفس الأمر وإن لم تتعيّن في علم المتعاملين.

هذا هو الفرق الموضوعي بين النوعين من الجهالة، ثم بعد ما اتضح ذلك فلابدّ من نقل الكلام الى أنّ الجهالة التي أفتى العلماء في جميع أبواب الفقه بكونها لا تلائم جعل الأجل - في كلّ ما اشترط فيه الأجل - وإنّ الأجل لابدّ وأن يكون معلوماً دائماً، أريد بها أيّ النوعين من الجهالة.

لا ينبغي التأمّل في أنّ الجهالة بالمعنى الثاني تضرّ دائماً في كلّ عقد اشترط فيه الاجلٍ، بمعنى أنّ الأجل في أيّ بابٍ من أبواب الفقه لا يحتمل مثلها، والسرّ في ذلك أنّ الجهالة بهذا المعنى تنافي معنى‏الأجل وحقيقته، إذ الأجل عبارة عن نهاية المدّة فكل شى‏ء لم تعيَّن له نهاية فليس يصدق عليه أن له الاجل، مثال ذلك: الأجل في باب القرض والمتعة والنسيئة والسّلم وغير ذلك، فلو كانت النهاية معيّنةً بتعيينٍ من قِبل من له التعيين في المدّة المأخوذة في العقد، فذلك هو الأجل، ولوفرض كونها مجهولة لدى بعض اطراف القضيّة أو جميعها، وأما إذا فرض عدم تعيينها واقعاً من قبل من له تعيين ذلك، فهذا لايصدق عليه الأجل، وهذا هو سرّ ما عرفت سابقاً من الشهيد الثاني وصاحب الجواهررضى الله عنه من أنّ كلّ أجل اشتمل عليه عقد فانّه لابدّ وأن يكون معلوماً.

فحاصل الكلام أنّ الجهالة بالمعنى الثاني تضرّ دائماً في جميع العقود التي اُخذ فيها أجلٌ وهي الجهالة النفس الأمريّة، أعني بقاء الأمد مجهولاً في الواقع وعدم تعيينه من ناحية من له حق التعيين. وأما الجهالة بالمعنى الأوّل أعني عدم علم أحد الطرفين أو كليهما بالأمد مع تعيينه واقعاً، فتلك وإن كانت تضرّ في بعض العقود كالمتعة وغيرها، وذلك إنما يكون بدليل خاص في كلّ مورد، إلاّ أنه لا دليل على كونها مضرّة في جميع العقود، إذ لا دليل على مانعيّة الجهالة في العقود كلّها.

ولو شككنا في مورد خاص في أنه هل تضرّ الجهالة فيه بصحّة العقد، فمقتضى القاعدة هو عدم إخلال الجهالة بهذا المعنى في العقد، على ما هو المقرر في محلّه في حكم الشك في الشرطية والجزئية والمانعية للعقود.

وفيما نحن فيه أي في باب الهدنة لاينبغي التأمل في أن مجهوليّة المدّة بالمعنى الثاني، أي بقاءها مجهولة في العقد وعدم تعيينها رأساً مضرٌّ في صحّة العقد، لما أوضحناه آنفاً، بخلاف المجهولية بالمعنى الأوّل أي جهالة الطرفين أو أحدهما بها بعد تعيينها واقعاً.

وحينئذٍ نقول: تعليق الهدنة وتأجيلها الى أن يشاء الإمام، يرفع الجهالة بالمعنى الثاني، فالأقرب صحة العقد المؤجّل به وبيان رفع الجهالة به قد سبق فلا نكرّر، واللَّه العالم.

٥ - هل يجوز أن يشترط في عقد الهدنة خيار النقض أم لا؟ وهذا وإن كان أحد جزئيات مسألة الشرط في المهادنة - التي سنوافي الكلام فيها - إلاّ أنه لما كان له نوع صلة بمسألة المدّة وقد تعرّض له العلماء في هذه المسألة، رجّحنا بيانه هنا.

ومحلّ الكلام فيه لايختصّ بما إذا كانت المدّة معلومة كما ادّعاه في الجواهر، بل يجرى أيضا فيما كانت المدّة فيه مجهولة فانّ نفس تعيين اختيار الإمام للنقض، أمداً للهدنة، تكون بمنزلة تعيين المدّة لها وترتفع بذلك الجهالة المضرّة في الأجل كما بيّنّا ذلك آنفاً.

والظاهر جواز ذلك في الجملة، لعموم أدلّة الشروط، وعدم مانع منه، وقد نُسب المنع عنه الى بعض العامّة، مستدلاً بأنّها عقد لازم فلا يجوز اشتراط نقضه، والجواب أنّ العقد لوكان جائزاً لم يكن نقضه محتاجاً الى الاشتراط في العقد، بل يجوز نقضه بدون الاشتراط، فنفس تعليق جواز النقض باشتراطه حين العقد، من أمارات لزومه ومن لوازمه، مضافاً الى أنّ العقود اللاّزمه كالبيع وغيره أيضا جُعل فيها الخيار وهذا أيضا نوع من الخيار كما قاله العلاّمة رحمه الله.

ثم إن القدر المتيقن من جواز ذلك، هو فيما جُعل خيار النقض للإمام - أي للطّرف المسلم - وقد استدل له العلاّمةرضى الله عنه في المنتهى بأنّ: فيه المصلحة، فيجوز. وقد ذكرنا آنفاً أنّ الجواز مقتضى عموم أدلة لشروط مع عدم ورود رادع عنه. وقد نقل في ذلك حديث وهو ما رواه في السنن الكبرى: «لما فتح خيبر عنوة بقي حصن فصالحوه على أن يقرّهم ما أقرّهم اللَّه، فقال لهم نقرّكم ماشئنا» [٢٩].

أما بالنسبة الى اشتراط النقض لمن شاء من الطرفين فقد منع ذلك العلاّمةرضى الله عنه في المنتهى بدعوى أنّ ذلك يفضي الى ضدّ المقصود [٣٠]. ولكن في الجواهر استنكار ذلك مدّعياً أن فيه منعاً واضحاً، ضرورة اقتضاء العمومات الجواز، فيفي لهم ماداموا على العهد.

أقول: وضوح منع كلام العلاّمة رضى الله عنه في محلّه إن كان مراده من الإفضاء الى ضدّ المقصود أنّ مثل هذا الشرط مخالفٌ لمقتضى العقد، وذلك لانّ هذا المقدار من المخالفة لمقتضى العقد لا يُدخل الشرط في عداد الشروط الممنوعة، كما في اشتراط الخيار من الطرفين في البيع.

وأما إن كان مراد العلاّمة رحمه الله أنّ مثل هذا الاشتراط يُخرج عقد الهدنة من عنوان كونه ذا مصلحة، فيوجب فساده من هذه الجهة، فله وجهٌ. بيان ذلك: إنّ الإقدام بقبول الهدنة من قِبل إمام المسلمين لابدّ وأن يكون في مورد يحتاج المسلمون الى اختتام الحرب والحصول على الصّلح والهدوء، اما من جهة ضعفهم عن المقاومة، أو استلزام الحرب خسائر كبيرة تنافي مصلحة المسلمين، أو غير ذلك من‏المصالح التي أشرنا اليها في أوّل البحث، فلوفرض أنّ عقد الهدنة يقترن بما يهدّد حالةَ الصّلح ويجعله عرضةً للانتقاض في كلّ زمان، فأيّ مصلحة فيه يعتمد عليها في المبادرة اليه؟ فنفس اشتراط مثل هذا الشرط تنافي وجود المصلحة في عقد الهدنة، الذي هو شرطٌ في صحّته. وما ذكره صاحب الجواهر رضى الله عنه في مقام التخلّص عن هذا الإشكال من أنّ وليّ أمر المسلمين يفي للكفّار ماداموا على العهد، لاينهض لذلك، إذ المفروض أنّ نفس العود الى حالة الحرب مخالف لمصلحة المسلمين، فمقابلة المسلمين للكفّار في عدم الوفاء وعودهم الى الحرب لا تكفي في حفظ المصلحة التي روعيَت في الإقدام بعقد الهدنة.

هذا مضافاً الى أنّ مثل هذا الشرط يجعل المسلمين في حالة الانفعال وترصّد الخطر، ويجعل الكفار في حالة المبادرة والتسلّط، وعليه فلا يبعد التمسّك لعدم جواز هذا الشرط بأمثال قوله تعالى: «لن يجعل اللَّه للكافرين على المؤمنين سبيلا».

هذا كلّه فيما لوكانت المصلحة التي لوحظت في عقد الهدنة، من قبيل ضعف المسلمين وأمثاله، ممّا يرجع الى كون الحرب خلاف المصلحة لهم، وأما في غير ذلك من المصالح المفروضة مثل حسن السّمعة في الأوساط العالميّة أو إتمام الحجة على الكفار الأعداء أو فسح المجال للكفار رجاء ميلهم الى الإسلام وما الى ذلك من المصالح، فجَعْل هذا الشّرط، غير مُفضٍ الى ضدّ المقصود، فلا يتأتى ما ذكرناه في توجيه كلام العلاّمة رحمه الله‏

فحاصل الكلام أنّ اشتراط نقض الهدنة لمن شاء من الطرفين لا يجوز فيما ينجرّ الى ضدّ المقصود وخلاف مصلحة المسلمين كما ذكرنا ولا يشمله حينئذٍ عموم أدلّة الشروط في المعاملات، وأولى منه في عدم الجواز ما لواشترط نقض الهدنة للكافر دون ولي أمر المسلمين.

وأمّا إذا لم ينجرّ الشرط الى ذلك كالامثلة التي ذكرناها أخيراً فيجوز في الموردين، وإن كان إشكال تسلّط الكافرين على المؤمنين باق بحاله، في بعض الفروض فلا يجوز فيها واللَّه العالم.

الامر الرابع في الشروط التي يُذكر في عقد الهدنة ويُلزم بها بعض المهادنين البعض.

ولا إشكال في جوازها وإلزامها، لادلّة وجوب الوفاء بالشروط، وعدم الفرق بين الهدنة وغيرها من العقود المشترطة بالشروط، ولا خلاف في ذلك في الجملة على ما في المنتهى والجواهر. وقد استثنى من ذلك شرط الأفعال المحرّمة، وهذا أيضا مما لا كلام فيه كما في سائر العقود والدّليل عليه الأخبار المعتبرة الدالّة على عدم جواز كل شرط خالف كتاب اللَّه ولا بأس بذكر جملة منها، فمنها: صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام، قال سمعته يقول: من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب اللَّه فلا يجوز له، ولايجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب اللَّه عزّوجل - انتهى - [٣١].

ولا ينبغي الشك في أنّ أحكام الشريعة كلّها داخلة في عنوان كتاب اللَّه وإن ثبتت بالسنّة، اِمّا من جهة قوله تعالى: «ماآتاكم الرسول فخذوه»، فالأخذ بقول الرسول وأوصيائه المعصومين عليهم السلام - الملك الحق المبين - أخذٌ بما ورد في الكتاب ولو إجمالاً، واِمّا من جهة أنّ المراد بكتاب اللَّه ما كتبه اللَّه تعالى على الناس لأخصوص ما هو مكتوب في القرآن.

ومنها: صحيحته الأخرى عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: المسلمون عند شروطهم الاّ كلّ شرط خالف كتاب اللَّه عزّوجل فلا يجوز [٣٢] والمراد من عدم الجواز، في الحديثين عدم المضيّ والنفوذ كما هو واضح.

ومنها: صحيحته الثالثة عن ابن سنان، قال: سألت أبا عبد اللَّه‏عليه السلام عن‏الشرط في الاماء لاتباع ولا توهب، قال: يجوز ذلك غير الميراث؛ فانّها تورث لأَنّ كلّ شرط خالف الكتاب باطل [٣٣].

ومنها: رواية الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في رجلين اشتركا في مال وربحا فيه ربحا وكان المال دينا عليهما، فقال أحدهما لصاحبه: أعطني رأس المال والربح لك وماتوى فعليك، فقال‏عليه السلام لابأس به إذا اشترط عليه وإن كان شرطاً يخالف كتاب اللَّه عزوجلّ فهو ردّ الى كتاب اللَّه عزوجل الحديث [٣٤] وعلي بن الحديد في سند هذه الرواية ممّن روى عنهم ابن أبي عمير كما أنه من رواة أسانيد ابن قولويه في كامل الزيارات، فهوممّن يعتمد عليه لولا ما هو المعروف من تضعيف الشيخ رحمه الله إياه في غير موضع من الاستبصار والتهذيب ولكن المضمون ليس مما انفرد به هذا الراوي ولا يعارضه شي‏ء ممّا ورد من الطرق المعتبرة، فالأخذ بقوله غير محظور.

ومنها غير ذلك من الأخبار المنتشرة في الأبواب المتفرقة، وقد عمل بمضمونها الفقهاء في المعاملات وغيرها، وأفتوا بها في عقد البيع وغيره، وليس فيها ما يصرفها عن مثل عقد الهدنة، وقد ذكروا تفاصيل في بيان معنى الأمر المخالف للكتاب، فليراجع اليها في بحث الشروط من كتاب التجارة.

إلاّ أنّ الفقهاء رحمهم الله تعرّضوا في هذا الباب لأِحدى صغريات تلك المسألة بالخصوص، وهي شرط ردّ النسوة المؤمنات الى الكفّار، وافتوا ببطلان هذا الشرط وفساده، قال في المبسوط: وإذا وقعت الهدنة على وضع الحرب وكفّ البعض عن البعض، فجاءتنا امرأة منهم مسلمة مهاجرة لايجوز ردّها بحال، سواء كان شُرط ردّها أو لم يشرط، وسواء كان لها رهط وعشيرة أم لم يكن لأنّ رهطها وعشيرتها لايمنعوها من التزويج بالكافر وذلك غير جايز… - الى آخر كلامه [٣٥] وقال المحقق - بعد التمثيل لما لايجب وفائه من الشرط في الهدنة بالتظاهر بالمناكير وإعادة من يهاجر من النساء - : فلوهاجرت وتحقّق إسلامها لم تُعَد - انتهى - . ومثلهما في التصريح بالحكم بغير خلاف في ذلك العلامة رضى الله عنه وكذا شرّاح كتبه وكتب المحقق من المتأخرين رحمهم الله.

والمستند في ذلك الآية الشريفة: «يا أيّها الذين آمنوا إذا جائكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهنّ اللَّه أعلم بايمانهنّ فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهنّ الى الكفار» الآية [٣٦] وقد نزلت - كما في التفسير - بعد الحديبية وعند ما لجأت الى المسلمين نفر من نساء المشركين، وطلبها أهلها، فامتنع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من ردّهنّ.

إلاّ أنّ في بعض الروايات - وكلّها عاميّة السند - أنه‏صلى الله عليه وآله استدلّ لذلك بأنهنّ غير مذكورات في عهد الصلح بخلاف الرجال، ممّا يوهم أنّه لوكنّ مذكورات لوجب ردهنّ، ولكن صريح الآية يدفع هذا التوهم، كما يدفع إطلاقها بعض ما قيل في فروع المسألة، مثل: إن جاءت صغيرة ثم بعد بلوغها لم تقم على‏الاسلام ردّت. أو جاءت مجنونة فلمّا أفاقت فان ذكرت أنها مسلمة أعطى المهر ومنع منها، وإن ذكرت أنها لم تزل كافرة ردّت اليه - كما ذكر الفرعين في المنتهى فانّ إطلاق الآية يشمل الصغيرة والمجنونة، إذا اُحرز إيمانهما حين مجيئهما.

وملخّص الكلام في باب الصغيرة أنّ غير البالغ الذي يُظهر الإسلام ويُقرّ بالشهادتين، يُبنى على كونه مسلماً في الفقه، وذلك للعمومات الدالّة على كفاية الشهادتين في الحكم باسلام الشخص وإجراء أحكام المسلم عليه، ومن المعلوم أنّ المراد بالمؤمنات في الآية الشريفة ليس الاّ الّلاتي يطلق عليهنّ المسلمة، دون ذوات الإيمان بالمعنى الأخصّ. كما أنّ الظاهر أنّ المراد بامتحانهنّ في قوله تعالى: «فامتحنوهنّ» ليس هو الامتحان في المدة الطويلة التي يظهر فيها الايمان الواقعي عن الصوري، بل المراد هو السؤال عن الداعى الذي جاء بهنّ الى دارالهجرة وطلب الشهادتين منهنّ وأمثال ذلك ممّا يحصل منه الوثوق العادى باسلام الشخص. كما أنّ مقتضى الحديث المعروف: «كلّ مولود يولد على الفطرة» الخ …. عدم الحكم بكفر غير البالغة لاسيّما بعد إظهارها الايمان وإقرارها بالشهادتين، وبناء على ذلك فلا يبقى مجال للشك في صدق المؤمنة على‏الصغيرة وشمول إطلاق «المؤمنات» في الآية الشريفة لها. فيمكن الجزم بعدم رد الصغيرة، وأمّا لوفرض إظهارها الكفر بعد بلوغها فهذا يوجب إجراء أحكام المرتدّة عليها، على إشكالٍ في ذلك.

وأمّا المجنونة: فإمّا أن يُعلَم سبقُ إسلامها على الجنون، فهذه يشملها إطلاق الآية ولا يجوز ردّها الى‏الكفّار، ولا وجه للخدشة في صدق الهجرة على مجي‏ء المجنونة بادّعاء أن النبي صلى الله عليه وآله كان يسأل عن الدّاعي القلبي للمهاجرات، ويحذّرهنّ أن يكون مجيئهن الى دار الإسلام بغضاً لازواجهنّ أو حبّاً لأحد المسلمين أو أمثال ذلك، وإنما كان يقبلهنّ حينما يظهر له أن الدّاعي لهنّ الى الهجرة، حبهنّ للَّه ولرسوله‏صلى الله عليه وآله فالهجرة أمر متوقّف على نيّة ومعرفة في هذا المستوى، فكيف تصدر عن مجنونة؟

وجه عدم توجّه هذه الخدشة - على فرض تسلّم ما نقل من فعل‏النبي‏صلى الله عليه وآله تاريخيّاً - أوّلاً: إنّ سؤال النّبي صلى الله عليه وآله واختباره للنساء دليلٌ على انّ المجي‏ء الى دار الإسلام بدواعٍ ماديّة - كالّتي ذكرت في ذلك النقل - ليست هجرة، ولا يدل على أنّ الهجرة تتوقف على وجود دافع وداعٍ أكثر من الإسلام والنجاة من الكفّار، وهما موجودتان في المجنونة. وثانياً: إنّ الذي ذكر في ذاك النقل بعنوان ما يصدق معه الهجرة، أعني الحبّ للَّه ولرسوله، يتناسب مع المجنونة أيضا فالحبّ ليس من الأمور المتوقّفة على كمال العقل، كما أنّ بواعث الحبّ للَّه ولرسوله ليست منحصرة فيما تتوقف على الاستدلال العقلاني.

واِمّا أن يُعلم عدم سبق إسلامها، بأن كان بدء جنونها في حالة الكفر، فصدق الإسلام على ما تبدي من اللجوء الى المسلمين والقبول لهم، محلّ اشكالٍ، كما أنّ عدم ثبوت الإسلام الصحيح في التي لا نعلم بسبق اسلامها لجنونها أمرٌ واضح. فلا يمكن الحكم باسلام المجنونة في الصّورتين الأخيرتين.

هذا، ولكنّ اهتمام الشريعة الإسلامية بالمؤمنين وعدم رضا الشارع المقدس بتعريض المؤمن للفتنة والانحراف، وهو المستفاد من مجموعة من النصوص والأحكام الإسلاميّة، يثير احتمالاً آخر في تلكما الصورتين أيضا وهو: عدم ردّ المجنونة فيهما والترصّد لبرئها من الجنون وما سوف تبدي بالنسبة الى الإسلام والكفر بعده، والعمل على وفقه، ولاشك في أن هذا أسكن للنفس وأقرب الى الاحتياط، واللَّه العالم.

ثمّ إنّه يجب ردّ مهر المرأة الى زوجها أو وكيله بشرط مطالبته له، والظاهر أنّ الحكم متفّق عليه بين من تعرض للمسألة من فقهائنا. وقد نقل الخلاف في ذلك عن أبي حنيفة والمزني، مستدلاً بأنّ المهر ليس عوض البضع الفائت عن الزوج حتى يلزم دفعه.

وعمدة الاستدلال على الحكم هو التمسك بقوله تعالى في ذيل الاية السابقة: «وآتوهم ما انفقوا»، وهذا وإن كان عاماً بالنسبة لجميع ما أنفقه الزوج على زوجته، الاّ أنّ المتفق عليه، تفسيره بالمهر، ولم أجد من أفتى بوجوب رد غير المهر مما أنفقه الرجل على زوجته، وهذا لو أضيف اليه عدم وجود نصّ فيما بأيدينا من الاخبار على هذا التفسير فانه، يشبه نوع إجماع من العلماء على ذلك ممّا لا يجترئ فقيه على مخالفته، حتى أنّ بعض الأعاظم من معاصرينارحمه الله مع كونه غير معتنٍ بالشهرة الفتوائية ومع عدم اعترافه بانجبار الحديث الضعيف بعمل الأصحاب، لم يُفتِ في المسألة بوجوب ردّ جميع ما أنفقه الزوج على امرأته المهاجرة المسلمة. قال بعد الفتوى بعدم جواز إرجاع النساء المؤمنات الى دارالكفر: نعم يجب اعطاء ازواجهنّ ما انفقوا من المهور عليهنّ - انتهى - [٣٧] وعبارته تشعر باستناده الى الآية الشريفة: «وآتوهم ما انفقوا…» الآية… ولكن مع إطلاق الآية وعدم وجود قرينة في الكلام تدل على صرفه الى خصوص المهر، خصّ الحكم بالمهور، وليس هذا الاّ من جهة فتوى العلماء بذلك. اللهم الا إنْ يقال: انّ مناسبة الحكم والموضوع موجبةٌ لصرف ظهور رد الإنفاق، في الآية الى إن

فاق ما كان واقعاً في قبال الزوجيّة المنعدمة والمنقطعة بسبب الهجرة، دون سائر ما أنفقه الزوج على زوجته كالنفقة والكسوة والهدايا وأمثال ذلك وليس ببعيد.

ومثل هذا الإتفاق وقع أيضا بالنسبة الى اختصاص الحكم - أعني وجوب ردّ ما أنفق على المرأة المهاجرة - بالزوج، دون غيره من ذويها من الرجال، كأبيها وإخوتها، ولعلّ هذا ممّا يمكن استفادته من الآية الشريفة أيضا، حيث أنّ الظاهر أن مرجع الضمير أمر واحد في كلٍّ من قوله تعالى: «وآتوهم ما أنفقوا»، وقوله تعالى قبل ذلك: «لاهُنّ حلٌّ لهم ولاهم يحلّون لهنّ»، بمعنى أنّ الذي يستحقّ ما أنفق، هو نفس الذي قيل فيه أنّه لايحلّ لتلك المرأة ولا هي تحلّ له، وهو الزوج، إذ لامعنى لبيان حرمة محارم المرأة لها مع أنهم كانوا قبل إسلامها أيضا محارم، فيختص الحكم بالحرمة بالزوج، الذي كان حلالاً لها قبل إسلامها وهجرتها.

ثم إن ردّ المهر على الزوج، يختص بما إذا كان الزوج قد دفعه الى زوجته، وكان ذا قيمة في الشريعة الاِسلامية وأما إذا لم يدفعه، أو كان مما ليس له قيمة كالخمر والخنزير، فليس على المسلمين شي‏ء. في ذلك صرّح بذلك الفقهاء ووجهه واضح، إذ ما لم ينفق لايتعلّق به حكم الردّ، قال تعالى: «وآتوهم ما انفقوا…».

ثم إنّ المهر في موارد وجوب دفعه، يدفع من بيت المال، هكذا ذكر الفقهاء في كتبهم، مستدلاً بانّ بيت المال معدٌّ للمصالح، وهذا من المصالح.

هذا كله بالنسبة الى النساء، وأما بالنسبة الى الرّجال، فحكم جواز اشتراط عقد الهدنة بردّهم، منوط بجواز ردّالرجال اللاّجئين الى معسكر الإسلام، وعدم المنع منه شرعاً، فلابدّ أوّلاً من تنقيح ذلك.

وليُعلم أوّلاً قبل الورود في البحث أنّ الهدنة بنفسها لاتقتضي ردهم، لانّها ليست الاّ إعلان ختم الحرب بأحد الأوجه المتصورة له، وهذا أجنبيٌّ عن ردّ الاشخاص، بل لاتقتضي ردّ الكفّار أيضا إذا أرادوا الإقامة بين المسلمين، فجواز ردّ الرجال أو عدمه يحتاج الى ما يدلّ عليه، وليس هنا دليل لفظي واردٌ في خصوص الموضوع، مثل ما كان في ردّ النساء، فلابدّ من التماس دليل آخر، من العمومات أو الأصول.

ربما يمكن الاستدلال على عدم جواز الردّ بأمور ثلاثة:

الاول: حرمة الظّلم وهذا ظلم، والكبرى لاتحتاج الى كثير محاولة لكونها من واضحات الإسلام، ووضوح الصغرى أيضا غنيٌ عن البيان، فأيّ ظلم أعظم من التصرّف في أمر المسلم بمثل هذا؟

الثاني: عموم لا ضرر ولا ضرار في الاسلام، سواء كان بمعنى عدم تشريع الحكم الضرري في الإسلام، أو كان بمعنى حرمة الإضرار والنهي عنه، وانطباق الإضرار على أخذ المرء المسلم وتسليمه الى العدو، أمرٌ واضح.

والثالث: عدم جواز التصرف في نفس المؤمن، وعدم الولاية عليها لأحد، وهذا مع كونه من المرتكزات العامّة في عرف المسلمين بحيث يكاد يكون من الضروريّات، بل لا يبعد أن يقال: إن تحريم التصرف في ماله إنّما هو من جهة كون ذلك أحد أنحاء التصرف في نفسه، أو يقال: إنّ حرمة التصرف في النفس، مدلول عليها بفحوى حرمة التصرف في المال، فمضافاً الى ذلك كلّه، يمكن الاستدلال عليه أيضا ببعض الادلّة اللفظية كقوله تعالى: «النبيُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم…» حيث انّ اثبات أولويّة النبي‏صلى الله عليه وآله بالمؤمنين من أنفسهم، يدلّ بالالتزام أو بالاقتضاء على عدم أولويّة أحد غير انفسهم عليها، والاّ فلابدّ من ذكره، ومثله: ادلّة ولاية الأب والجد على الصغير وعلى الباكرة، حيث أنها تدل بدلالة الاقتضاء على عدم ولاية أحدٍ آخر عليهم.

هذا، ولكن يمكن أن يقال: إنّ صدق العناوين الثلاثة على مباشرة ردّ الرجل المسلم الى الكفار، لا كلام فيه. ولكن محلّ البحث ليس هو الردّ بهذا المعنى، فانّ ذلك مما تسالموا على حرمته كما في المنتهى والجواهر وغيرهما، وإنّما الكلام في الردّ بمعنى التمكين من استرداد العدوّ إياه وعدم دفعه عن ذلك، وهذا لا يمكن الجزم بصدق العناوين الثلاثة عليه. أمّا العنوان الثالث أعني التصرف في نفس المؤمن فأمره واضح، إذ الوقوف والنظر الى من يحاول العدو لردّه الى بلد الكفر، ليس تصرفاً في أمره، بل هو عدم التصرّف فيه.

وأما عنوانا الظّلم والضّرر، فربما يبدو أنّ الظاهر من كلّ من اللفظين أنه الأمر الإيجابي الذي يورد على أحدٍ ظلماً أو ضرراً، بالمباشرةأو بالتسبيب، فهو المبادرة بالامر، لا الأمر السلبي بمعنى عدم التصرّف بنحوٍ من الانحاء، والمعلوم أنّ عدم المبادرة بشي‏ء في قبال ردّ العدوّ، الرجل المسلم الى بلاده، ليس أمراً ايجابياً بحيث يصدق عليه الظلم أو الضّرر (بمعناه المصدري).

نعم، قد ورد في بعض التعابير عن الظلم، ما يوهم خلاف ذلك، لكنّه لا يخلو عن ضرب من التأويل، مثل ما يستفاد من مفهوم قول الشاعر: ومن يشابه أَبَهُ فما ظلم، فيستفاد منه أنّ من لم يشابهه فقد ظلم! أو إطلاق «الظلم للنفس» على ترك الواجبات وأمثال ذلك.

والظاهر تسالم العلماء على أنّ الضرر الناشي‏ء من ترك العمل والاقدام، لا يدخل في إطلاق قوله صلى الله عليه وآله: «لاضرر ولاضرار في الإسلام»، الاّ في مورد ينتهي ترك العمل، الى ذهاب نفس‏المؤمن، الذي ثبت حرمته، أو وجوب حفظ نفوس المؤمنين من غير طريق دليل الضّرر.

والحاصل أنّ شمول العناوين العامة الثلاثة على الردّ بمعنى التمكين وعدم المجابهة عند رد الكافر المسلم الى بلد الكفر، محلّ ترديد بل منع.

ويمكن الاستدلال على حرمة الرد بهذا المعنى بما ذكره صاحب الجواهر رضى الله عنه: من كونه لازم وجوب الهجرة من دار الحرب، التي لايتمكّن المسلم من إقامة شعار الإسلام فيها.

وتقرير الملازمة - بعد كون دلالته على حرمة الرجوع والإرجاع اليها واضحاً - اِمّا بوجوب النهي عن المنكر الفعلي (في مقابل النهي اللساني) بمعنى أنه يجب على كلّ أحد النهي عن هذا الرجوع أو الإرجاع - الذي لا كلام في كونه منكراً - بالمنع عن ردّه وإرجاعه، وعدم جواز التمكين والسلبيّة في ذلك، واِمّا من جهة العلم بعدم رضا الشارع بوقوع هذا الأمر فيجب إيجاد العرقلة دونه والمنع منه، كمانقول مثل ذلك في بعض الموارد الاخرى، ولعلّه يمكن الاستدلال لذلك ببعض آي الذكر الحكيم كقوله تعالى: «تعاونوا على البرّ والتقوى‏…» ومن هذا القبيل ما ذكره صاحب الجواهررضى الله عنه في مقام التنظير لما نحن فيه أعني وجوب إعانة المرأة المسلمة - بل المسلم المستضعف - لوطلبا العون في خروجهما من عند الكفّار [٣٨].

هذا، ولكن يشكل ما ذكرنا بما اشتهر من السنة الفعليّة النبوية صلى الله عليه وآله في قصة الحديبيّة، فانّه صلى الله عليه وآله التزم في الهدنة مع الكفار في تلك القصّة، بردِّ من التجأ اليه من المسلمين، وردَّ فعلاً أبا جندل بن سهيل بن عمرو، وهذا النقل مضافاً الى أنه ثبت [٣٩] بالطرق المعتبرة بحسب‏الموازين المعمولة في نقل الحديث - كماسيجئ فقد شاع في كتب المؤرخين وأصحاب السير، وتلقاه المحدثون والفقهاء بالقبول، بحيث لا يبعد ادعاء حصول الاطمينان بصحّته، وعليه فلا مناص من‏الالتزام بجواز الرد في الجملة، وعدم المجال لمنع ذلك على الإطلاق كما استفدناه من الدليل الاعتبارى المذكور آنفاً.

ولكن معذلك فليس في فعل النبي‏صلى الله عليه وآله - كساير الادلّة غير اللفظيّة - دلالةٌ على جواز الرّد بقول مطلق، حتى يشمل الرّجل المستضعف الذّي يقدر العدوّ على قهره وتفتينه عن الدين، لانّ عمله صلى الله عليه وآله إنّما وقع على وجهٍ ما وفي ظروفٍ ما، وليس فيه دلالة أزيد من جواز ذاك العمل في مثل تلك الظروف وعلى مثل ذاك الوجه، فلا يستفاد منه الجواز مطلقا أي في مطلق الظروف وعلى شتّى الوجوه.

ومن هنا تعرف الإشكال في ما اختاره ابن قدامة الحنبلي في كتابه: المغني، من استفادة الإطلاق من عمله صلى الله عليه وآله، فانه بعد ما نقل تفصيل الشافعي: بين من كان له عشيرة تحميه ومن لم يكن له ذلك، فيجوز الردّ في الاوّل دون الثاني، قال: ولنا (أي على الجواز بدون قيد العشيرة) أنّ النبي‏صلى الله عليه وآله شرط ذلك في صلح الحديبيّة ووفى لهم، فردّ أبا جندل وأبا بصير، ولم يخصّ بالشرط ذا العشيرة… - انتهى - [٤٠] ويمكن تقرير كلامه (بحيث يستفاد معه إطلاق الحكم من فعل النبي صلى الله عليه وآله ولم يرد عليه الاشكال: بأن الرجلين كانا ذاعشيرة، فلعلّ شرط النبي‏صلى الله عليه وآله كان مختصاً بأمثالهما) أنّ النبي صلى الله عليه وآله قد أطلق في كلامه الذي شرط به للكفار بردّ من أتاه، ولم يقيّده بذي العشيرة، ونعلم أنّه‏صلى الله عليه وآله كان عازماً على الوفاء بشرطه، بدليل ردّ الرجلين، فيستفاد من ذلك أنّ مراده المدلول عليه باللفظ المطلق، كان مراداً جدياً، وهذا يكفي في استكشاف جواز الرد مطلقاً. ولايخفي أنّ على هذا التقرير يكون الاستدلال باطلاق قوله‏صلى الله عليه وآله فيما اشترط به على الكفار، لا بإجمال فعله فيما فعله بعد ذلك.

وجه الإشكال على كلامه - بعد استبعاد هذا التقرير عن ظاهركلام ابن قدامة - هو أنّ المراد الجدّي له‏صلى الله عليه وآله غير معلوم لنا مع ذلك، إذ من الممكن انّ رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله كان يعلم باِلهامٍ من اللَّه أو بقرينة مقامية وحالية، أنّ الآتي اليه من المشركين لايكون الاّ من ذوي المنعة والقدرة، ولا يأتي اليه من غيرهم أحد، ولكن أطلق القول في الشرط، دفعاً لإيراد العدوّ أو لجهة أخرى لم نعلمها، فمراده الجدّي صلى الله عليه وآله‏يمكن أن يكون هذا القسم من الآتين لا كلّهم، وهذا الاحتمال يمنع من الاستدلال بعدم التقييد في كلامه عند المعاهدة.

فحاصل الكلام في الاشكال على ابن قدامة: أنّ عدم التقييد في صيغة المعاهدة لا يدل على الإطلاق في المراد، إذا احتمل أنّ المتكلم يعلم بعدم تحقق مصداق المعاهدة الاّ من بعض الأفراد. فعلى هذا لايمكن استكشاف الإطلاق في مراده الجدّي‏صلى الله عليه وآله من إطلاق الشرط في صلح الحديبيّة.

مضافاً الى أنّ كلامه صلى الله عليه وآله في هذا المجال، غيرمنقول بالضبط في الروايات، حتى نتمكّن من الأخذ باطلاقه، كماهو الشأن في نقل أغلب القضايا التاريخيّة، التي يتركّز الاهتمام فيها، في بيان الحادثة لا ذكر ما صدر فيها عن المعصوم عليه السلام في مقام المحاورة.

هذا، ولكن نقل الشيخ رضى الله عنه في المبسوط: أنّ آية سورة الممتحنة: «فلا ترجعوهنّ الى‏الكفار…» إنّما نزلت ردعاً للنبي صلى الله عليه وآله عمّا عقد عليه الصلح في الحديبيّة، قال - بعد ذكر بطلان شرط ردّ العبيد وأمثاله في عقد الصلح - : لانّ النبي‏صلى الله عليه وآله عقدالصلح عام الحديبيّة على أن يردّ اليهم كلّ من جاء مسلماً مهاجراً، فمنعه اللَّه تعالى من ذلك ونهاه عنه بقوله عز وجلّ: «يا أيها الذين آمنوا إذا جائكم المؤمنات مهاجرات» الآية… [٤١]

فان صحّ ذلك أعني أنّ نزول هذه الآية، كان في مقام الردع عن مضمون المعاهدة - فلا يبعد أن يقال: إنّ الرّدع عن ردّ بعض طوائف النّاس أي النساء، يفيد أمرين:

الاول: إنّ مراد النبي صلى الله عليه وآله في معاهدته، كان ما يشمل هذا المردوع عنه أعني النساء، والا كان الردّع لغواً فلا مجال لاحتمال أنّ قصده صلى الله عليه وآله كان الى بعض طوائف الرّجال فقط - كذوي المنعة مثلاً - فانّه صلى الله عليه وآله إذا كان يعزم ردّ النساء، فعزمه صلى الله عليه وآله على ردّ الرجال مطلقا - وإن لم يكونوا ذا منعة وعشيرة - أولى.

الثانى: إنّ هذا الرّدع بمنزلة إمضاء الباقي، لا من جهة الدلالة المفهومية، حتى يخدش في اعتبارها، بل من جهة دلالة الاقتضاء التي هي من الدلالات العقليّة بنحومن الأنحاء، إذ لولا إمضاء الباقي لكان الرّدع عن البعض لغواً فتأمّل.

فلوثبت ما ادّعاه الشيخ رضى الله عنه من ورود آية الممتحنة في هذا المقام، يكون نتيجته: أنّ مراد النبي صلى الله عليه وآله‏في شرط ردّ الرجال في عقد الصّلح بالحديبيّة، كان عامّاً لجميع أصناف الرجال، سواء كانوا من ذوي العشيرة والمنعة أو غيرهم، وحيث أنه‏صلى الله عليه وآله كان بصدد الوفاء قطعاً فيكون فعله هذا دليل جواز شرط ردّ الرجال.

فلابدّ حينئذٍ من الرجوع الى ما ورد في ذيل الآية حتى يتّضح الحال، فنقول:

أمّا ورود آية الممتحنة في مقام الرّدع والنهي، فلم أعثر على أثر صحيح يدلّ على ذلك، ولم أجد الاّ ما رواه - الطبرسي‏رضى الله عنه - في مجمع البيان عن ابن عباس بغير اسناد متّصل، وليس منه في مجاميعنا الحديثية عين ولا أثر.

وأما ما ورد في بيان الواقعة - واقعة الصلح - فبعضها فيه التصريح بأنّ الشرط كان مخصوصاً بالرجال من أوّل الأمر، وبناءً عليه فلامجال لما ادُّعى من أنّ آية الممتحنة نزلت في مقام الردع عن ردّ النساء. وبعضها ظاهر في الأعمّ من النساء، واليك عمدة ماورد في الباب.

فمنها: ما في تفسير القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن يسار عن أبي عبد اللَّه‏عليه السلام وفيها: وقالوا له تردّ الينا كلّ من جاءك من رجالنا، ونرّد اليك كلّ من جاءنا من رجالك، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله‏من جاءكم من رجالنا فلاحاجة لنا فيه - الخبر [٤٢].

ومنها: ما في روضة الكافي عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير وغيره عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللَّه عليه السلام وفيها: وكان في القضيّة أن من كان منّا أتي اليكم رددتموه الينا…. ومن جاء الينا منكم لم نردّه اليكم - الحديث - [٤٣].

ومنها: ما في البحار عن أعلام الورى عن الصادق‏عليه السلام وفيها: ومن لحق محمداً وأصحابه من قريش فانّ محمداً يردّه اليهم ومن رجع من أصحاب محمد الى قريش بمكّة… - الحديث - [٤٤].

ومنها: ما في صحيح البخاري باسناده الى عروة بن الزبير، أنه سمع مروان بن الحكم و… وفيها: وكان فيما اشترط سهيل بن عمرو أنه قال لايأتيك منّا أحدٌ وإن كان على دينك الاّ رددته إلينا وخلّيت بيننا وبينه، وأبى سهيلٌ أن يقاضي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الاّ على ذلك الحديث - [٤٥].

هذه عمدة ما ورد في ذلك من طرق الفريقين، وفيها ما يصرّح بأنّ موضوع الشرط هو الرجال لاغير، وهو ما نقلناه عن تفسيرالقمي‏رضى الله عنه. وما لعله ظاهر في اختصاص القضيّة بالرجال، وهو رواية أعلام الورى، حيث أنّ تعبير «الأصحاب» ربّما يكون ظاهراً في الرجال دون النساء. وما هو ظاهر في الأعم من الرجال كصحيح الكافي وحديث البخاري.

أمّا حديث أعلام الورى، فلا يكون حجة، من جهة عدم كونه مسنداً، وأولى منه بعدم الحجيّة حديث البخاري، الذي في سنده من لا نعرفه من الرواة، بل فيه من نعرفه بالفسق وعدم الوثاقة وهو مروان بن الحكم. فيبقى لدينا حديثا القمى والكليني، والظاهر تعدّد الحديثين وعدم اتحادهما، وإن كان الكافي أيضا ينقل حديثه عن القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير، الاّ أنّ وجود كلمة «وغيره» في سند الكافي، واختلاف الراوي المباشر فيهما (الذي هو معاوية بن عمار في الكافي وابن يسار في التفسير) والتغاير الفاحش بين متن الحديثين - سواءً في محّل الشاهد وغيره - يورث الظنّ باختلاف الروايتين وعدم كونهما واحدة.

ثم إنّ ابن يسار في سند القمي غير معروف، واحتمال كون المراد منه سعيد بن يسار المعدود من الطبقة الخامسة وإن كان غير ممتنع من جهة الطبقة، بل حتى لايمتنع كونه فضيل بن يسار المعدود من الرابعة وكون رواية ابن أبي عمير عنه بواسطة - ويكون السند مع ذلك معتبراً لمكان حكم مرسلات ابن أبي عمير - إلاّ أنه مع ذلك يبعّد هذين الاحتمالين إنّا لم نجد في الأحاديث الكثيرة التي يرويها هذا الراوي الجليل، حتى رواية واحدة عن هذين، ولذا لم يُعدّ أيُّ منهما في عداد من يروى عنهم ابن أبي عمير. كما أنه يبعّد الاحتمال الثاني مضافاً الى ذلك، أنّ النقل عن من يُنقل عنه بالواسطة، لابد وأن يكون مع التصريح بها ولوبقوله: عن رجل، فاذا لم يذكر الواسطة فظهور النقل يأبى عن كونه نقلاً بالواسطة.

وبناءً على هذا فالمتعيّن وقوع الحذف أو التصحيف في الكلمة. فمن المحتملات في ذلك أن يكون الصحيح: ابن عمّار، وقد نقل في تعليقات البحار أنّ في بعض نسخ التفسير: ابن عمار، بدل: ابن يسار، فبناءً على أن يكون المراد به: معاوية بن عمّار، يكون السند مشابهاً تماماً لسند رواية الكافي، لكن يبعّده أن تصدر روايتان من إمام واحد، عن طريق راوٍ واحد ورواة عنه متحدين، في واقعة واحدة، بمضمونين والفاظ مختلفة. اللّهم إلاّ أن يكون المراد بابن عمار، اسحق بن عمار…

ومن المحتملات - ولعلّه أقواها - أن يكون الصحيح: ابن سنان، وهو عبد اللَّه الذي يروي عنه ابن أبي عمير كثيراً. ويويّده أنّ الموجود في تفسيري البرهان ونور الثقلين: ابن سنان بدل ابن يسار، وقد نقلا جميعاً الحديث عن تفسير القمّي، وحيث انّ مؤلّفيهما معاصران - فقد توفّي أحدهما بضع سنين بعد الآخر - والمظنون أنهما لم أحدهما مطلعا على كتاب الآخر. فيُظنّ أن الشايع في نسخ التفسير كان ما ذكراه. ومن جملة المحتملات أن يكون الصحيح: ابن أخي ابن يسار، كما وقع في بعض آخر من الروايات، والمراد به: الحسن أو الحسين بن أخي سعيد بن يسار… وحاصل الجميع أنّ سند الرواية يصبح ضعيفاً، لتردّد الراوي المباشر بين ثقة وغير موثق. ولكن لوبنينا على عدم الاعتناء بالاحتمال الأخير، لكونه ضعيفاً جدّاً، فدوران الامر يكون بين الثقتين أعني: عبد اللَّه بن سنان واسحاق بن عمار، فيكون المورد، مورد الجمع الدّلالي بينهما، ولمّا كانتا واردتين حكايةً لواقعة، لا إنشاءً لحكم، فلا مجال للقول بما يقال في الدليلين المثبتين، الواردين في مقام إنشاء الحكم، من عدم التعارض الموجب لعمليّة تقييد الدليل المطلق بالدليل المقيّد، فيحكم بمضمونهما جميعاً، وذلك لانّ وحدة الواقع

ة هنا تحكم بوحدة المراد من الدليلين فلايبقى مناص من حمل أحدهما على‏الآخر، ولمّا كان اختصاص القضية بالرجال وعدم شمولها للنساء في الدليل الاخص، أوفى ظهوراً من شمولها للنساء في الدليل الاعمّ، فيحمل ذلك عليه، كما هو مقتضى الجمع العرفي دائماً.

ولكنّ الذي يسهّل الخطب أنّ ما ذكره الشيخ رحمه الله في المبسوط وتبعه في نقله العلاّمةرحمه الله في المنتهى، من نزول آية الممتحنة وهي قوله تعالى فيها: «فلا ترجعوهنّ الى الكفار» - الآية - في مقام ردع النبي‏صلى الله عليه وآله عمّا عاهد عليه الكفار، فيستفاد منه إطلاق مراد النبي‏صلى الله عليه وآله وشموله لمطلق الرجال - ذوي المنعة وغيرهم - لا يستند الى دليل معتبر، وبناء على ذلك فاختلاف الحديثين لا يؤثر شيئاً إذ لافارق بينهما من جهة عمومهما لفظاً لمطلق الرجال، وقد عرفت سابقاً في مقام الإشكال على كلام ابن قدامة أنّ هذا الشمول اللفظي لايكشف عن شمول مراد النبي‏صلى الله عليه وآله بالنسبة الى مطلق الرجال.

فحاصل ما ذكرناه في المقام، هو أنّه: إن تَمكّنّا من إثبات وجوب الدفع عن من يريد الكفّار إرجاعه اليهم، يكون هذا هو الأصل في المسألة، وتكون السنّة الفعلية النبويّةصلى الله عليه وآله استثناءً منه، ولابدّ من الاكتفاء بالقدر المتيقّن في الاستفادة منها. ولكن الظاهر أنّ إثبات وجوب الدّفع بالنسبة الى ما عدى الحاكم الإسلامي، مشكلٌ جداً، وإن كان رجحانه شرعاً ممّا لا كلام فيه، إلاّ أنه ينبغي الجزم بذلك بالنسبة الى الحاكم ووليّ أمر المسلمين، فانّ الحكومة الاسلامية والجهاز الحاكم على المسلمين، يجب عليها الدفع عن آحاد المسلمين، وهي مسؤولةٌ عن شؤونهم الأساسيّة، التي منها: كونهم وبقائهم في بلد الإسلام، وعدم مقهوريّتهم في النقل الى بلد الكفر وتحت حكم الكافرين، وهذا ممّا تشهد عليه الادلّة الواردة في بيان معنى الولاية والحكومة الإسلامية، والحقوق المتقابلة بين الراعي والرعية في الإسلام. بل ممّا يصدّقه ويحكم به ارتكاز المسلمين.

وبناء على ذلك فالأصل حرمة ردّ الرجال اللاّجئين الى المعسكر الإسلامي. ولكن بمقتضى السنة النبوية المأثورة عنه صلى الله عليه وآله في قصة الحديبيّة، نحكم باستثناء موردٍ مّا عن هذا الاصل، والمستثنى بمقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع - لايكون الاّ من يكون قادراً على‏الدفاع عن نفسه ودينه، ولايُخاف قهره وافتتانه في أيدي الكفار، بأن يكون ذا عشيرة تمنعه وأمثال ذلك، فيجوز ردّه - بمعنى التمكين من ردّ الكفار إيّاه - ولايجوز ردّ غيره، وهذا ما أفتى به المشهور، بل ادّعى بعضٌ نفي الخلاف فيه، وإن لم نجد من ذكر له وجهاً بالتفصيل.

ثم إنّ حكم الصغير والمجنون، بعينه هو حكمهما في باب النساء، وما ذكرنا هناك بالنسبة الى الصغيرة والمجنونة جارٍ هنا بلاتفاوت.

هذا، وبعد ما عرفت حكم ردّ النساء المسلمات والرجال المسلمين الى الكفار، يتضح لك الحكم في مسألة اشتراط عقد الهدنة بذلك، وقد قلنا سابقاً إنّ كلّ شرطٍ سائغٍ، نافذٌ وجايزٌ في الهدنة، بخلاف الشرط غيرالسائغ. وبناء على ذلك لو شرطوا في الهدنة ردّ النساء، أو الرجال المستضعفين، أو أطلقوا الردّ بحيث يُراد شموله لهم كأن شرطوا ردّ الرجال مطلقا، أو ردّ كلّ من جاء الى المسلمين، بطل الشرط وفسد ولم ينفذ، وهذا مما لا إشكال فيه ولا خلاف.

انّما الكلام في الهدنة المشتملة على مثل هذا الشرط، أو أيّ شرط آخرٍ مخالف لكتاب اللَّه وغيرها من‏الشروط الفاسدة، فهل يفسد عقد الهدنة بفساد الشرط؟ أم يكون العقد صحيحاً؟

ربما يبدو أنّ لازم ما ذهب اليه المحقّقون في باب البيع والنكاح، من عدم فساد العقد بفساد الشّرط الذي يتضمّنه، عدم فساد الهدنة أيضا بفساد الشرط الذي اُخذ في ضمنها، ولكن فتوى كثير من الفقهاءرحمهم الله بما فيهم بعض من ذهب الى عدم فساد العقد بفساد الشرط في عقد البيع، صريح في خلافه هنا، أي القول بفساد عقد الهدنة بسبب فساد الشرط.

قال في المبسوط: وإن شرط رد من لاعشيرة له كان الصلح فاسداً، لانّه صلح على ما لايجوز، فان أطلق ردّ الرجال ولم يفصّل كان الصلح باطلاً فاسداً…. [٤٦].

وقال العلاّمة رضى الله عنه في المنتهى: وفاسد الشرط يبطل العقد مثل أن يشترط ردّ النساء - الى أن قال - فهذه الشروط كلّها فاسدة تفسد عقد الهدنة [٤٧].

وقال في التذكرة: لو صالحناهم على ردّ من جاء من النساء مسلمةً، كان الصلح باطلا [٤٨].

وقال في القواعد: لوشرط إعادة الرجال مطلقا بطل الصّلح [٤٩].

وقال المحقق الكركي رضى الله عنه فى ذيل هذه العبارة من القواعد - بعد أن ذكر احتمالين في المراد عن قوله: «مطلقا» أوّلهما: أن يكون المراد وقوع الشرط مقيداً بالاطلاق، الذي يقتضي عموم الإعادة - : ولا ريب في البطلان في الاوّل، لانّه صريح في تناول من لاتجوز إعادته… [٥٠]

وقال الشهيد الثاني رضى الله عنه في المسالك، - في ذيل عبارة الشرايع: «ولوشرط في الهدنة إعادة الرجال مطلقا، قيل يبطل الصلح» - ذاكراً نفس الاحتمالين في المراد من الإطلاق في عبارة المحقق رضى الله عنه: ولو أريد بالاطلاق، اشتراط إعادة من يؤمَن افتتانه ومن لايؤمَن، مصرّحاً بذلك، كان الشرط فاسداً قطعاً، يتبعه فساد الصلح على الأقوى‏… (ثم أشار الى التردّد في ذلك في عبارة الشرائع بقوله: ويمكن أن يكون نسبة البطلان الى القيل، بناءً على التردّد في فساد العقد المشتمل على شرط فاسد… (٥١)

وقال صاحب الجواهر رضى الله عنه: فلو وقع الصلح من بعض نوّاب الامام‏عليه السلام على ذلك، كان باطلا، بل الظاهر بطلان العقد من أصله لاخصوص الشرط، لكون التراضي قد وقع عليه (وقال في موضع آخر): نعم الظاهر فساد عقد الهدنة باشتماله على ما لا يجوز لنا فعله شرعاً، كردّ النساء المسلمات… (٥٢)

فهذه العبارات صريحة كلّها في تبعيّة العقد للشرط في الفساد في باب الهدنة، مع أنّ من أصحابها من يقول بعدم إفساد الشرط الفاسد، العقد المشتمل عليه في باب البيع، كصاحب الجواهر رضى الله عنه وكالشيخ رضى الله عنه على ما حكى عنه في الجواهر، نعم خيرة العلاّمة والمحقق والشهيد الثانيين‏رحمهم الله يوافق ما اختاروه في البيع أيضا (٥٣).

كما أنّ الظاهر من كلام بعض أعلام العصر رحمه الله وصريح ما ذكره بعض آخر من المعاصرين هو عدم فساد العقد هنا، وفقاً لما أفتيا به في البيع. قال الاوّل في كتابه: منهاج الصالحين: ولا يجوز اشتراط أمر غير سائغ، كارجاع النساء المسلمات الى دار الكفر وما شابه ذلك. (٥٤) وأما إذا اشترط ذلك (أي ردّ الرجال) فحينئذ إن كانوا متمكّنين …. والاّ فالشرط باطل - انتهى كلامه… (٥٥) فعدم ذكر بطلان عقد الصلح المشتمل على هذا الشرط، ظاهرٌ في الجزم بعدم بطلانه، كما لايخفى.

وقال الثاني في كتابه: مهذّب الأحكام (في ذيل قوله في المتن: ولوشرط مالايجوز فعله يلغو الشرط): لبطلان كلّ شرط مخالف للكتاب والسنّة، ولكن لا يوجب ذلك بطلان العقد كما ثبت في محله (٥٦).

ثم بعد سرد كلمات الفقهاء رحمهم الله لابدّ أولاً: من نظرةٍ عابرة على أصل مسألة تاثير الشرط الفاسد، في فساد العقد المشتمل عليه، أو عدم تأثيره، وبيان مقتضى الدليل فيها، ثم بعد ذلك: بيان التحقيق فيما نحن فيه، وأنّه هل هنا شي‏ء يوجب الفرق بين عقد الصلح وغيره من العقود؟ حتى يلتزم بفساد العقد هنا وإن لم نقل به في عقد البيع وغيره، أم لا؟

فنقول: عمدة ما يمكن الأعتماد عليه في القول بصحة العقد مع فساد شرطه، أمور:

الاوّل: عمومات أدلة ّلعقود، وأدلّة نفس العقد المبحوث عنه، كقوله تعالى: «أوفوا بالعقود»، وقوله تعالى: «أحلّ اللَّه البيع»، وقوله تعالى: «وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها وتوكّل على اللَّه» وغيرها… فانها بعمومها أو إطلاقها تدل على نفوذ وتماميّة كل عقد وكل بيع وكل سلم وليس هناك شي‏ء يدلّ على تقييدها أو تخصيصها بما عدا المتضمّن لشرط فاسد، وأدلّة فساد الشرط المخالف للكتاب وساير الشروط الفاسدة، لايدلّ على ازيد من فساد نفس الشرط، وليس فيها شي‏ء يدل على حكومتها على أمثال تلك العمومات.

الثاني: الأخبار الواردة في أبواب البيع والنكاح، الصريحة أو الظاهرة في صحة العقد مع فساد الشرط المأخوذ فيه، واليك بعضها:

فمنها: مارواه الصدوق باسناده عن الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام أنه ذكر أنّ بريرة كانت عند زوج لها، وهي مملوكة، فاشترتها عايشة فاعتقتها، فخيّرها رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله: إن شاءت تقرعند زوجها وإن شاءت فارقته، وكان مواليها الذين باعوها قد اشترطوا ولاءها على عائشة فقال رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله: الولاء لمن أعتق (٥٧).

وطريق الصدوق الى عبيداللَّه بن علي الحلبي، صحيح.

ومنها: صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: قالت عايشة لرسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله إن أهل بريرة اشترطوا ولاءها، فقال رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله: الولاء لمن أعتق (٥٨) ودلالتهما مبنيّة على أن الشرط كان في ضمن عقد بيع البريرة لعايشة، فقرّر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله البيع والعتق، وردّالشرط.

ومنها: رواية الوشاء عن الرضاعليه السلام قال: سمعته يقول: لو أنّ رجلاً تزوّج المرأة، وجعل مهرها عشرين ألفا، وجعل لابيها عشرة آلاف، كان المهر جائزاً، والذي جعله لابيها فاسداً (٥٩).

وقد نقله في الوسائل عن الكليني‏رضى الله عنه بسندين، أحدهما من طريق الحسين بن محمد الاشعري الذي هو أحد مشايخ الكليني الموثقين، وفيه معلى بن محمّد الذي لم يرد فيه توثيق بالخصوص، بل نسب اليه النجاشي‏رضى الله عنه الاضطراب، فالطريق به ضعيف، والطريق الثاني محمد بن يحيى العطاّر عن أحمد بن محمد وهو طريق صحيح. ودلالته على فساد ما شرط لابيه مع صحة النكاح دلالة جيّدة.

ومنها: رواية محمد بن قيس عن أبي جعفرعليه السلام في الرجل يتزوّج المرأة الى أجل مسمّى، فان جاء بصداقها الى أجل مسمى فهي امرأته، وإن لم يأت بصداقها الى الاجل فليس له عليها سبيل وذلك شرطهم بينهم حين انكحوه، فقضى‏عليه السلام للرجل: إنّ بيده بضع امرأته، وأحبط شرطهم (٦٠).

والحديث منقول من الكافي والتهذيب، فامّا سند الكليني فمبدوء بعدةٍ عن سهل بن زياد ومختوم بمحمد بن قيس، أما الاخير فالظاهر - بقرينة قوله فقضى للرّجل الخ - أنه أحد شخصين: إما محمدبن قيس أبي نصر الاسدي، أو محمد بن قيس البجلي الثقتين، اللذّين ذكر النجاشي‏رضى الله عنه لكلّ منهما كتاباً في قضايا أمير المؤمنين‏عليه السلام، وبقرينة رواية عاصم بن حميد الثقه عنه، يقوي كونه الاخير، فلا يضرّ اشتراك محمدبن قيس بين أشخاص عدة، بينهم مجاهيل أو ضعاف، فلا بأس بالسند من هذه الجهة. وأما سهل بن زياد، فالظاهر فيه ما أبداه بعض الاعاظم من أهل التدقيق من معاصرينا في كتابه: «قاموس الرجال» من أنّ أخبار سهل في الكافي، معتبرات اختارها الكليني‏رحمه الله لكتابه، فلا ينافي ذلك ما عليه الاكثر من أئمة الرجال من جرحه وتضعيفه. وبناءً على ذلك فالرواية معتبرة. وأما طريق الشيخ فباسناده عن محمد بن علي بن محبوب (وهو إسناد صحيح) عن أحمد بن محمد عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد، وعلى هذا فالسند صحيح.

وأمّا دلالتها على صحّة العقد المتضمّن للشرط الفاسد فواضحة وظاهرة.

ومنها: معتبرة محمد بن قيس الاخرى عن أبي جعفر عليه السلام «أنه قضى في رجل تزوج امرأة، واصدقته هي واشترطت عليه أنّ بيدها الجماع والطّلاق، قال: خالفَت السنّةَ، ووَلِيَتْ حقاً ليست بأهله، فقضى أن عليه الصداق وبيده الجماع والطّلاق، وذلك السنّة». (٦١) ودلالتها كسوابقها جيّدة.

ومنها: صحيحة محمد بن قيس الثالثة عن أبي جعفر عليه السلام: في رجل تزوّج امرأة، وشرط لها؛ اِنْ هو تَزوَّج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سُرِّيَة (على وزن ذُريّه، جمعها سرارى على وزن ذرارى: الأمة التي تُقام في البيت) فهي طالق، فقضى في ذلك أنّ: شرط اللَّه قبل شرطكم، فان شاء وفى لها بما اشترط وإن شاء أمسكها واتخذ عليها ونكح عليها (٦٢).

رواها الشيخ باسناده الى محمدبن على بن محبوب ومنه بسند صحيح الى محمدبن قيس، وطريق الشيخ‏رضى الله عنه الى‏ابن محبوب صحيحُ.

ومنها: رواية زرارة عن أبي جعفرعليه السلام قال: كان الناس بالبصرة يتزوّجون سرّاً، فيشترط عليها أن لا آتيك الاّ نهاراً، ولا آتيك بالليل ولا أقسّم لك، قال زرارة: وكنت أخاف أن يكون هذا تزويجاً فاسداً، فسألت أبا جعفرعليه السلام عن ذلك، فقال: لاباس به - يعنى بالتزويج - إلاّ أنّه ينبغي أن يكون مثل هذا الشرط بعد النكاح، ولو أنها قالت له بعد هذه الشروط قبل التزويج: نعم، ثم قالت بعد ماتزوّجها: إني لا أرضى الاّ أن تقسّم لي وتبيت عندي فلم يفعل كان آثماً (٦٣).

وأمّا سندها: فهي رواية الشيخ باسناده الى محمد بن أحمد بن يحيى وهو إسناد صحيح، عن محمد بن الحسين - وهو ابن أبي الخطاب الثقة - عن الحسن بن علي - والظاهر أنه ابن فضّال الثقة - عن علي بن ابراهيم عن محمد الأشعري. هكذا في الوسائل. وقال المجلسي رحمه الله في شرح التهذيب في ذيل هذا السند: إنّ هذا تصحيفٌ ظاهر، واستظهر كون السند هكذا: عن الحسن بن على عن إبراهيم بن محمد الأشعري - وهو الذي يروي عنه الحسن بن فضّال كثيراً كما في مشتركات الكاظمي - عن عبيد بن زرارة (٦٤) وبناء عليه يكون الخبر موثقاً بابن فضّال.

ومثلها أخبار أخرى…. ومضمون الكلّ أنّ فساد الشرط في العقود المذكورة في تلك الروايات، لا يوجب فساد العقد. ودعوى اختصاص الحكم بالبيع والنكاح، وإن كان مقتضى ورود الروايات فيهما دون غيرهما، إلاّ أنه مخالف لما يُتذوق من أكثر الاخبار الواردة في البابين، من أنّ الجواب غير ناظر الى خصوص المورد، بل ناظر الى أمر كلّي عامٍّ في جميع العقود، وهو أنّ الشرط الفاسد لا اعتبار له حتى يؤثّر في العقد المتضمّن له، فوجوده كالعدم، فقوله عليه السلام في حديث محمد بن قيس: شرط اللَّه قبل شرطكم، فان شاء وفى لها بما اشترط وإن شاء…. - الحديث - ومثله التعبير الوارد في رواية محمد بن قيس الأولى: وأحبط شرطهم… معناه - واللَّه العالم - انّ هذا الشرط حيث خالف شرط اللَّه فهوغير مؤثر في الالزام وغير معتنى به، فيكون العقد المتضمن له كأنه خال عنه، وهذا أمر غير منحصر بالنكاح والبيع، إذ لا خصوصيّة لهذين العقدين في ذلك، بل هذا أمر عام بالنسبة الى سائر العقود.

هذا، ولكن قد يذكر في المقام إشكالات، تعرّض لها في الجواهر وكذا في كتاب المتاجر للشيخ الأعظم - رحمهما اللَّه - راجعة كلّها الى: أنّ فساد الشرط يوجب الخَلل في العقد، إما من جهة عروض الجهالة في العوضين، أو من جهة عدم بقاء الرضا المعتبر في العقد في فرض فساد الشرط وعدم اعتباره شرعاً، وحيث أنّ فساد العقد في صورة فقده لأركان الصحة، الناشئ من فساد الشرط، أمرٌ مفروغ عنه، فالنتيجة: أنّ فساد الشرط يوجب فساد العقد. وبناء عليه فلا مناص من الاكتفاء في القول بصحة العقد عند فساد الشرط، بموارد النّص أعني البيع والنكاح.

إلاّ أنّ المحقّقين من الفقهاء تصدّوا للجواب عمّا ذُكر من الإشكال، وها نحن نذكر بعض ما قيل في هذا الصّدد، مشفوعاً بما هو الحق لدينا في دفع الإشكال.

أما الإشكال بعروض الجهالة في العوض بتقريب أنّ «للشرط قسطاً من العوض، فاذا سقط لفساده، صارالعوض مجهولاً»، الذي ذكره الشيخ الأعظم نقلاً عن المبسوط، وتصدّى له بأجوبة متعدّدة، فالظاهر أنّه غير متأتٍّ في ما نحن فيه، إذ العقد في باب الهدنة ليس عقداً على تبادل العوضين، بحيث يجعل شيئا في مقابل شي‏ء عوضاً عنه، كالبيع والإجارة وأمثالهما، بل هو عقد على التّسالم فيما بين الطرفين على شي‏ء واحد، وهو ترك الحرب، ولوفرضنا أنّ هذا الامر المتسالم عليه ينحلّ الى أمرين يكون أحدهما مقابلاً للآخر على نحو العوضيّة، كترك حملة أحد الطرفين في مقابل ترك حملة الآخر، فاعتبار عدم الجهالة فيهما مثل ما يعتبر في العوضين في باب البيع والإجارة، أمر موهومٌ غير واقعي، ولامعنى لحصول الغرر بالجهالة في هذا العقد، كما يحصل غالباً في البيع، ولا معنى لأن يقال إن الشرط واقعٌ مقابل جزءٍ من المتاركة من أحد الطرفين، فاذا انتفى، انتفى عوضه ويكون الباقي مجهولاً. وخلاصة القول أنّ هذا الإشكال لا ربط له بباب الهدنة ولا يتأتّى فيه أصلاً.

إن قلت: وقوع المال في مقابل الهدنة، بأن يتقبّل أحد الطرفين شيئاً من المال في مقابل الرضا بالهدنة من الطرف الآخر، غير عزيز في هذا الباب، وبناء عليه فالإشكال المفروض في المعاملات المالية مثل البيع والإجارة جار هنا أيضا بلافرق في البين. قلت: المال المجعول في هذا الفرض ليس أحد العوضين، بأن يقع التبادل بينه وبين الشي‏ء الآخر في المعاملة، بل هو شي‏ء في مقابل أصل المعاملة التي ليس فيها عوضان متبادلان، فهومثل المال الذي يبذل في مقابل أصل البيع أو الإجارة - عند ما يفرض أن صاحب المال يمتنع عن بيعه، فيُبذل له مالٌ معيّن حتى يقبل وقوع المعاملة على ماله - فهذالمالُ واقع في مقابل أصل الهدنة، وليس أحد ركني المعاوضة فيها، وذلك لما بيّناه من أن الهدنة ليست في طبيعتها معاوضة بين شيئين، بل هي قرارٌ بين طرفين، على وقوع أمر مشترك بين الطرفين، وتسالمٌ بينهما على ذلك. وبناءً عليه فالشرط الواقع فيها لايكون في مقابل جزء من العوض حتى يقال: فقده يوجب الجهالة والغرر في العوضين.

وأمّا الإشكال بوقوع الخلل في التراضي عند تعذّر الشرط وفساده، فقد أجيب عنه في باب البيع بوجوه:

الاوّل: ما في الجواهر من أنّ: مدخليّة الشرط في التراضي، لا يوجب بطلان العقد بفساد الشرط، كما انّ مدخليّة الثمن والمثمن لا يوجب ذلك، بل أقصاه ثبوت الخيار للتضرّر، ولا بأس بالتزامه (٦٥) ثم أجاب رحمه الله عن إشكالٍ ربما يورد على عدم تأثير فساد الشرط على العقد، وهو أنّ: التاثير لازم معنى الشرط، وهو الربط بنحوٍ من التعليق، فأجاب عنه بانّ: التعليق مبطل للعقد، وتضمنّ الشرط للتعليق، معناه عدم جواز الاشتراط في المعاملة رأساً. فحاصل الجواب: إنكار التعليق في معنى الشرط، ولازم ذلك عدم البأس بنفي تأثير فساد الشرط على العقد.

الثاني: ما في متاجر الشيخ رحمه الله وحاصله: أنّ القيود المأخوذة في أحد طرفي العقد وفي جميع المطلوبات العرفيّة على أقسام، فمنها مايكون ركناً للمطلوب، ككون المطلوب حيوانا ناطقاً لا ناهقاً، وككون المطلوب للشارع، الغسل بالماء للزيارة لاجل التنظيف، حيث لا يقوم الحمار مقام العبد، ولا التيمّم مقام الغسل، ومنها ما لا يكون كذلك، ككون العبد صحيحاً، والغسل كائناً بماء الفرات، فان العرف يحكم في هذه الموارد بكون الفاقد للوصف نفس المطلوب، والظاهر أنّ الشروط المأخوذة في المعاملات من هذا القبيل لا من قبيل الاوّل، فلا يكون التصرّف الناشئ عن العقد بعد فساد الشرط تصرفاً لاعن تراض، نعم غاية الامر ثبوت الخيار (٦٦).

والفرق بينه وبين ما عرفت من الجواهر أنّ هذا البيان لا يشتمل الاعتراف بدخالة الشّرط في الرضا المعاملي، وذاك يعترف بذلك، ولكن لا يرى ذلك موجباً لفساد العقد وإن كان موجباً للخيار. فبناءً على مبنى الشيخ رحمه الله لايكون التصرّف المترتّب على العقد بعد انتفاء ما ارتبط به من القيود من النوع الثاني - الّتي ذكر أنّ الشرط من جملتها - تصرّفاً لا عن تراض جوّزه الشارع تعبّداً وقهراً على المتعاقدين، بل الرضا المعاملي - الذي هو المناط في صحة المعاملات المتوقّفه على الرضا - حاصل ولومع فساد الشرط وانتفائه.

ولبعض الأعلام من المعاصرين بيانٌ في توجيه عدم دخالة فساد الشرط في انتفاء الرضا المعاملي ومحصّله أنّ الرضا المعاملي إنّما علّق على‏التزام المشروط عليه، بايجاد الشرط، لا على نفس وجود الشرط وتحققه خارجا، قال: إنّ الرضا المعاملي عند الإنشاء لم يعلّق على وجود الشرط في الخارج، والاّ لكانت المعاملة باطلة لأنه من التعليق المبطل، وحتّى لو فرضنا صحة التعليق تكون المعاملة باطلة فيما نحن فيه لعدم حصول ما علّق عليه في الفرض، والمعلّق ينتفي عند فقد المعلّق عليه لا محالة، وهذا من غير فرق بين الشروط الصحيحة والفاسدة، ولازمه بطلان العقود والإيقاعات عند الاشتراط مطلقا… الى أن قال: والالتزام بايجاده لمّا كان حاصلاً عند المعاملة وهما يعلمان بوجوده فلا يكون التعليق على مثله مبطلاً، ومن الظاهر أنّ الالتزام بايجاد الشرط في المقام حاصل، لانّه التزم به على الفرض وتكون المعاملة تامّة ومتحقّقه، وكون ذلك أمراً محرّماً لم يمضه الشارع، مطلبٌ آخر، غير مربوط بحصول المعلّق عليه للمعاملة كما هو ظاهر، نعم ربما يكون البائع بحيث لوكان عالماً بحرمة ذلك الشرط أو كان عالماً بعدم إمضاء الشارع له لما أقدم على المعاملة، وإنّما أقدم عليها باحتمال أ

نّ الشارع يُمض الشرط المحرّم في المعاملة، تقصيراً أو قصورا، إلاّ أنّ ذلك من باب تخلف الدواعي وهو لا يستلزم البطلان … الى أن قال … والوجه في ذلك أنّ تخلف الدواعي لا ربط له بالرضا المعاملي أبداً، فالرضا موجودٌ لتحقق ما عُلِّق عليه وهو الالتزام، ويشمله عموم: «أحلّ اللَّه البيع» وغيره من العمومات، ومعه فلا وجه للبطلان. انتهى محل الحاجة من كلامه نقلاً عن مصباح الفقاهة وهو تقريرات درسه‏رحمه الله.

أقول: هذه هي الوجوه الثلاثة التي ذكروها لإثبات أنّ تخلّف الشرط لايوجب بطلان المعاملة المشروطة به.

فامّا ما ذكره صاحب الجواهر رحمه الله فلعله يمكن المناقشة فيه أولاً: بانّ ما سلّم من مدخليّة الشرط في الرّضا - إن أريد منه الرضا المعاملي الذي يكون بمعنى تسليم كلّ من الطرفين لوقوع المعاوضة - لا نعترف به دائماً، وإنّما الشرط موجودٌ دائماً فيما يتراضى عليه، وهذا أعمّ من كونه ذا مدخليّة في الرضا، فانّ من يشتري ثوباً مشروطاً بكونه نظيفاً وعليه الأزرار بقدر الحاجة وأمثال ذلك، فصحيحٌ أنّه يجعل الرضا المعاملي متعلّقاً بالثوب واجداً لهذه الشروط، إلاّ أنّ هذه الشروط غير دخيلة غالباً في حصول هذا الرضا، فوجود الشي‏ء في مجموعة ما يتراضي عليه، لا يلازم دائماً مدخليّة هذا الشي‏ء في الرضا المعاملي. وثانياً: لا يبعد أن يقال: إنّ الشرط الذي له مدخليّة في الرضا المعاملي - وقد قلنا إنه بعض الشروط لاجميعها - يؤثر انتفاؤه في انتفاء المعاملة كما قال نظير ذلك الشيخ رضى الله عنه في القيود التي تعتبر ركناً للمقصود، فمثلاً: لواستأجر - أو اشترى داراً في موسم الحج في مكة المكرّمة، مشروطاً بكونها خالية من الساكن الغاصب أو غير الغاصب، فاتفق كونها مشغولة به، فانّ كون الشرط في مثله ركناً للمطلوب - بل هو نفس المطلوب في نظر العرف - ممّا

لا شبهة فيه، فلم لا يقال ببطلان المعاملة في مثل هذا المورد، دون صحتها مع خيار الفسخ للمشترى أو المستأجر؟ والنقض بعدم بطلان المعاملة في صورة تبعّض الصفقة، غير متجّه، لنقل الكلام في تلك الصورة أيضا، إذ الخيار في صورة تبعّض الصفقة انّما يتّجه إذا لم يكن الجزء المفقود ركناً في المطلوب، والاّ فلا بُعد في القول ببطلان المعاملة هناك أيضا. نعم هذا خلاف المشهور، على ما يبدو بحسب الميسّر من كلمات القوم لديّ وما ببالي منها، وتحقيق المطلب يتوقف على فحص وتأمّلٍ أكثر.

وأمّا ما ذكره الشيخ قدس سره من تقسيم القيود المذكورة للمطلوب، الى ما هو ركن فيه وما ليس ركناً فيه، فمتين جداً يشهد به فهم العرف من الأوامر والإنشاءات المعامليّة وغيرها، إلاّ أنّ ما أفاده من عدم كون الشرط مطلقا من القيود الدخيلة في المطلوب، محلّ نظر بل منع، ضرورة دخالة بعض الشروط المذكورة في المعاملات في المقصود بنحو الركنيّة بل يمكن أن يقال إن منها ما هو المقصود والمطلوب بالذات من المعاملة والمؤثر الاصلي في تحقق الرضا المعاملي، دون ما يقع عليها المعاملة مباشرة. فصاحب البندقية النفيسة التي لايرضى ببيعها مثلاً، إذا احتاج الى قوت في الصحراء وهو لايقدر على الصيد بنفسه، يرضى لا محالة ببيعها لمن يقدر على‏الصيد بها، فيبيعها بشرط أن يصيد بها ويناوله من الصيد. فهذا الشرط لا يمكن القول بخروجه عن المطلوب، بل هو المطلوب بالحقيقة من البيع، دون الثمن الذي ليس محتاجاً اليه ولم يكن يرضى ببيع بندقيته به في الحالة العادية. فاذا فرض كون هذا الشرط حراماً ككون الواقعة في الحرم أو بأيّ نحوآخر فهل يمكن ادّعاء عدم سراية فساد الشرط الى المشروط، بادّعاء أنه قيد خارج عن المطلوب ولا يؤثر فساده وانتفاؤه في الرضا المعاملي؟ مقتضى الإنصاف

أنه لايمكن مثل هذا الادّعاء. كما لا يمكن القول بأنّ تناول لحم الصيد - في هذا المثال - ليس أكثر من الدّاعي لهذه المعاملة، والداعي لايمكن الالتزام بتأثيره في نتيجة المعاملات والقول بأنّ تخلّفه موجب لبطلان المعاملة - كما أفاد في مصباح الفقاهة في مطاوي الكلام الذي نقلنا عنه - إذ هناك فرق واضح بين الداعى في مسألة ارتفاع القيمة، والدّاعي في المثال المذكور آنفاً، فانّ الثاني هو الركن في المعاملة، والحال أنّ الاوّل ليس أكثر من جهة تعليليّة لها وبعبارة أخرى: ففي الاوّل يُقدِم المكلّف على المعاملة برجائه، وفي الثاني يُقدم عليه دون غيره.

وحاصل الكلام: أنّ من الشرط ما يكون ركنا في المعاملة، فاذا افتقد افتقدالمطلوب، وإذا امتنع - خارجاً أو اعتباراً شرعاً - امتنع المطلوب، والحكم فيه يختلف حسب الموارد، فاذا وقعت المعاملة على الكلي، فأتى بالفرد الفاقد لمثل هذا الشرط، فهولم يأت بما وقعت المعاملة عليه ويكون مديوناً، وإذا وقعت على الشخص بزعم أنه واجد، فبان فاقداً، فسدت المعاملة وهكذا في سائر الفروع المترتبة على المسألة.

وأما ما ذكره بعض الاعيان من المعاصرين رحمه الله من أنّ القول ببطلان العقد عند فساد الشرط، مشكل ثبوتاً، لانّ هذا إنما يكون بمعنى تعليق العقد على الشرط، فان كان التعليق على وجود الشرط خارجاً، فهومن التعليق المبطل ولولم يكن الشرط في نفسه فاسداً، لانه تعليق على أمر غير موجود. وأما إن كان التعليق على الالتزام بالشرط فهو حاصل حتى في صورة فساد الشرط، فالعقد صحيح حتى في هذه الصورة (وقد مرّ بيان كلامه آنفاً).

فيمكن الخدشة فيه أولاً: بأنّ تصوير الشرط كما ذكره، أعني التعليق على الالتزام، تصويرٌ بعيد عن الواقع العرفي، غيرمؤيّد بفهم الناس المُقدمين على‏المعاملات المشروطة، إذ لا شبهة في أن من يشترط أمراً في معاملة، إذ علم أنّ الطرف الآخر سوف لن يقدر على تحقيق الشرط، لم يحصل منه الرضا المعاملى ولم يُقدم على المعاملة، حتى ولو التزم ذاك الطرف بتحقيقه في حين العقد. فليس الالتزام بايجاد الشرط، في نظر الذي يشترط الشرط، الاّ امارة أو ذريعة لحصول الشرط، فهو الدّاعي للرّضا المعاملي، لا المتعلق له.

ثانياً: بأنّ ما افترضه رحمه الله من انّ جعل الشرط في المعاملة - بناء على تأثير بطلان الشرط في بطلان المشروط - مردّه الى تعليق العقد على شي‏ء فتارة يكون المعلّق عليه هو نفس الشرط المحقق خارجاً وتارة يكون الالتزام به وجعله في العهدة، فهو باطلٌ من أصله، بمعنى أنّ الشرط ليس تعليقاً أصلاً، بل هو نوع الزام وإنشاء في المعاملات، وِزانه وِزان نفس المعاملة، فقد يكون الشرط في الحقيقة صفةً لمتعلّق المعاملة، كما إذا اشترط كون الثمرة ناضجة، والقماش محاكاً بالصوف، والبناء فارغاً وأمثال ذلك، فاذا قال: اشتريت منك البطيخ بشرط أن يكون ناضجاً، فهو في قوّة قوله: اشتريت منك بطيخاً ناضجاً…

وقد يكون الشرط أمراً خارجاً عن متعلق المعاملة كأن يقول: اشتريت منك الدابة بشرط أن تخيط لها جُلاًّ، فهذان شيئان جرى عليهما إنشاءٌ واحد، وكلا هما مطلوبان، ومجرّد وجود الربط بينهما في نظر المنشئ لايوجب تعليق الرضا بأحدهما على الآخر دائماً، والحكم ببطلان المعاملة بفقد أحدهما، متوقّف على كون هذا المفقود ركناً في المقصود، كما أفاده الشيخ رحمه الله في كلامه السابق.

ثم إنّ حاصل جميع ماذكر: أنّ الإشكال على القائلين بصحة العقد مع فساد شرطه، بوقوع الخلل في التراضي، ليس وارداً على جميع الصور، نعم هو وارد على بعض الصور، وهو ما إذا كان تحقق الشرط دخيلاً في الرضا بأصل المعاملة ولامناص في هذا البعض من الالتزام بفساد المعاملة عند فساد الشرط أو امتناعه، بحسب مقتضى‏القاعدة. وعلى هذا فالرّوايات المذكورة سابقاً - والمستفاد منها صحة العقد في صورة فساد الشرط - إمّا أن تحمل على صورة عدم دخالة الشرط في تحقق المعاملة بنحو الحيثية التقييدية، أعني عدم كونه ركناً في المقصود من المعاملة، وإمّا أن يُتوقّف في مضمونها على مورد النصوص أعني البيع والنكاح ولا يتجاوز عنهما الى غيرهما.

وممّا ذكرنا يعلم أنّ ذهاب أكثر الفقهاء الى بطلان الهدنة بفساد الشرط المأخوذ فيها - على ماعرفت في ما ذكرنا سابقاً من عباراتهم - لا يمكن الاستدلال عليه بشي‏ء من الكتاب والسنة وغيرهما من الأدلّة، إلاّ إذا فرض أنّ محلّ كلامهم هو ما إذا كان هذا الشرط دخيلاً في الهدنة على نحو دخالة الشروط المقوّمة للرضا المعاملي في باب البيع وساير المعاوضات، وإن كان خيرتهم غالباً في باب المعاوضات، عدم بطلان المعاملة حتى بفساد مثل ذاك الشرط. فيكون مختارهم هنا أي في باب الهدنة على طبق القاعدة، وهناك أي في البيع وسائر المعاوضات مستنداً الى الرّوايات الخاصّة.

هذا ولكن ربما يقال: بأنّ هناك فرقاً بين الشرط في باب المعاوضات وبينه في باب الهدنة - كما أفاده المحقق العراقي رحمه الله - وحاصله: أنّ الشرط هناك يعتبر من باب تعدّد المطلوب، بخلافه هنا، إذ المعاوضة إنما تقع على أمر غير الشرط، وأما الشرط فهو شي‏ء زائد على أصل المعاملة، فاذا انتفى الشرط فليبق ذاك الأمر بحاله، وهذابخلاف الصلح، فانّ شرائط الصلح كلّها داخلة فيما يُتصالح عليه، وليس هنا ما يقع عليه العقد إذا انتفي الشرط، فاذا فسد الشرط فقد انتفى ماقد وقع عليه العقد. والنتيجة هي أن تفريق المشهور بين بابي الهدنة والمعاوضات والقول بفساد العقد لفساد شرطه في الاوّل دون الثاني، يكون على وفق القاعدة.

أقول: يرد على ذلك أوّلاً: أنّ الصلح أيضا - حينما يراد به المهادنة - يمكن اعتبار الشرط والمشروط فيه بنحو تعدد الموضوع والمطلوب، إذ موضوع الصّلح بهذا المعنى هو حصول السّلم وارتفاع حالة الحرب، والشرط أمر خارج عن ذلك كائناً ما كان، فصار من هذه الجهة كالمعاوضات. وثانياً: إنّ ما ذكر، على فرض تسليمه غير فارق، إذ على فرض وحدة الموضوع أيضا يمكن القول بعدم بطلان العقد بفساد جزء موضوعه وإنما ذلك يوجب الخيار، كما في خيار تبعّض الصفقة.

فالحلّ هو ما ذكرناه: من الفرق بين أقسام الشرط في جميع الموارد، والقول ببطلان المعاملة بفساد شرطها، فيما لوكان الشرط مقوّماً للمقصود منها، وعدمه في غيره.

ثم لا يخفي أنّ ما يقال من وحدة الموضوع في باب الصلح، ربّما يعترف به في باب عقد الصّلح الذي هو من العقود اللاّزمة في أبواب المعاوضات وقد شرّع للتصالح على معاوضة بين طرفين، حيث أنّ الموضوع فيه - وهو الأمر المتسالم عليه بين الطّرفين - يشمل جميع القيود والشروط المأخوذة في العقد، فليس هناك شيئان: شي‏ء يقع عليه الصلح وشي‏ء يشترط هذا به، بل الشرط والمشروط كلاهما داخلان في موضوع التسالم، فهما جميعاً بمنزلة موضوع الصلح، والعقد يقع عليهما معاً، وهذا بخلاف البيع المشروط بشي‏ء، حيث أنّ موضوع العقد هو نفس المعاوضة، والشرط أمر خارج عن مضمونه متعلق به. الاّ أن يقال - كما قلنا سابقاً - : إنّ الشرط أيضا يرجع في قسمٍ من الشروط، الى تقييد الموضوع بوصف خاص.

وأما الصلح المبحوث عنه هنا أعني المهادنة، فلا يجري فيه ما ذكر في عقد الصلح بذاك المعنى، إذ الظاهر انّ عقد الهدنة ليس من مصاديق عقد الصلح في أبواب المعاوضات، وهما يختلفان موضوعاً ودليلاً واعتباراً، فالصلح في باب الهدنة - كما ذكرنا مراراً - هو التصالح على أمر خاص وهو ترك القتال، فهذا هو موضوعه الذي شُرّع له، كالمبادلة بين عين وعينٍ في باب البيع، وتكون الشروط اللاّحقة به، أموراً خارجة عن الموضوع متعلقة به، وهو مقيّد بها كما في جميع الشروط في أبواب المعاملات فيتأتّى فيه جميع ما يتأتى في مبحث الشروط في باب المعاملات.

نعم ربما يمكن التفريق بين تخلّف الشرط في باب المعاملات وتخلّفه هنا، حيث أنّ مدار البحث هناك إنما هو على التخلّف عمّا تعلّق به الرضا المعاملي، وقد تصدّى القوم لبيان أن بطلان الشرط لا يوجب بطلان العقد من هذه الجهة، وقد قلنا ما ارتضيناه في ذاك الباب. وأما في ما نحن فيه من مسألة الهدنة، فليس فيه للرّضا المعاملي بذاك المعنى مجالٌ، إذ الأمر فيه متعلّق بمصالح الجماعة ومصير الأمة، وليس في مثل ذلك لرضا المباشر والعاقد محلٌّ ومجال. فتخلّف الشرط لا يوجب إشكالاً من هذه الجهة حتى يحتال للتخلص منه بما ذكر في باب المعاملات، بل الأمر هنا موكول الى المصلحة، فلتُراع ولتكن المناط في الصّحة والفساد. هذا، ولكنّ الوجه المذكور للفرق، موهونٌ بأنّ البيع أيضا ربّما يمكن أن يتصوّر وقوعه هكذا، أي عن جماعة وشعب، كما في كثير من‏البيوع الصادرة عن الحكومات والدّول، ولازمه الخدشة في اعتبار الرضا المعاملي فيها، والحلّ في الكلّ انّ المُقدم على أمثال تلك البيوع، يُقدم عليها كأنّه الوكيل من الشعب والجماعة، فيقع رضاه موقع رضاهم، ويكون هو المناط في تحقق الرضا المعاملي وعدمه، فالتخلف عن ما تعلق به الرضا المعاملى يتصوّر في الهدنة وأمثالها. ويكون ف

ي كل مورد بحسبه.

بقية أحكام الهدنة

الأمر الخامس - في بقية أحكام الهدنة، ونذكرها في طىّ مسائل:

الاولى: أنّ أمر الهدنة بيد الإمام أو من نصبه بالخصوص لذلك. ذكره في الشرائع والمنتهى وغيرهما، وقال الأخير: لا نعلم فيه خلافاً، ولعله كذلك بعد وضوح المسألة استدلالاً في الجملة وعدم نقل الخلاف فيها من أحد، إلاّ أنّ تمام الكلام في جوانب المسألة يقتضى الالتفات الى أنّ: إثبات الأمر للإمام تارة بمعنى عدم الخيار لأحد في عَرضه، فلا يجوز عقد الهدنة من قوّاد الجيش، ورؤساء أصقاع البلاد، والفقهاء وعدول الناس، وغيرهم من الأعيان فضلاً عن السوقة وعامّة الناس، وهذا هو الذي تسلّم عند الأصحاب وتسالم عليه الكلّ ظاهراً. والدّليل عليه أوّلاً: أنّ أموراً بهذه المثابة من الأهميّة، والتي ترجع الى تدبير البلاد وتؤثر في مصير العباد إنما تتوجّه الى رئيس المسلمين ومدير أمورهم دون غيره، ومن هذا القبيل الجهاد وسائر شؤون الحكومة العليا. وهذا ممّا يعترف به جميع أعراف العالم. وثانياً: أنّ تدخّل غيره فيه ينجرّ الى تعطيل الجهاد وإبطاله، إذ ما من حربٍ الاّ ولبعض الناس داعٍ الى إنهائها والمهادنة للعدوّ فيها، وثالثاً: إن ذلك يوجب الهرج والمرج في البلاد وعدم استتباب أمنه واستقراره.

وأخرى: بمعنى عدم الخيار في طول الإمام - أي مع فرض عدم وجوده أو عدم حضوره - الاّ لأشخاص معيّنين، وليس يُتخطّى منهم الى غيرهم من آحاد الناس. وحينئذ يقع الكلام في تعيين هؤلاء الأشخاص أعني من يملك التصدّي لهذا الأمر، في غيبة الإمام المفروض طاعته، فاَمّا بناءً على القول بولاية الفقيه في زمن الغيبة، فولايته ولاية الإمام بل لا يبعد أن يكون المراد بالإمام في بعض كلمات الفقهاء رحمهم الله الاعمّ منه، وهذا بالنسبة لمن يجوّز الجهاد الأبتدائى في زمن الغيبة أوضح، لفحوى أدلّة تشريع الجهاد، إذ امر الجهاد الأبتدائي أهمّ وأعظم من المهادنة بكثير - كما لايخفى حيث أنه إشعال للحرب وهذه إطفاءٌ لها. وأما بالنسبة لمن لايرى الجهاد الإبتدائي في زمن الغيبة، فيكفيه أدلّة ولاية الفقيه. وهذا ما يظهر من كلام صاحب الجواهررحمه الله.

وأما غيرالفقيه من طبقات ولاة الغيبة - بناءً على القول بولاية غير الفقيه في صورة فقده، من جهة الحسبة - فهو أيضا يقوم بذلك بدليل الحسبة، وليس لأحد في عرضه التدخل في ذلك من عامة الناس، والظاهر أنّ هذا هو مراد كاشف الغطاء رحمه الله حيث يقول: وليس لغير الإمام أو نائبه الخاص أو العام أو الأمراء والحكّام مع عدم قيام من تقدّم، المهادنة لانّ سائر الرعيّة لا يرجع اليهم أمر الحروب - انتهى - بل لعلّه المراد من اطلاق صاحب الجواهر رحمه الله في التعبير بنائب الغيبة في كلامه (راجع كلامه في ج ٢١ ص ٣١٢).

وأما غير ولاة الغيبة من السلاطين والأمراء المتغلّبين على‏الحكم، فالأمر فيهم يحتاج الى مزيد كلام.

أما صاحب الجواهررحمه الله فنفي البُعد عن جريان (حكم الهدنة) على مايقع ويصدر منهم، واستدلّ له أولاً: برواية الصدوق عن الرضا عليه السلام في استمرار ما حكم به عمر على بني تغلب (٦٧) وثانياً: بسيرة العلماء وجميع المسلمين على تناول الجزية من الحكّام كتناول الخراج… - الى آخر كلامه - وذكرالجزية في استدلاله، مع كونها مخصوصة بأهل الذمّة وعدم ارتباطها بالعدوّ الذي يهادَن معه، لعلّه من باب ذكر الأمثال والمشابهات في هذا الباب، لتقريب أنّ خيار الحاكم في أمثال هذه الأمور، لم يكن محلَّ مناقشة بين صنوف المسلمين من العلماء والعوامّ. وكيف كان، فمن المحتمل أن يكون هذا الذي ذكره صاحب الجواهر، هو المراد من كلام كاشف الغطاء المذكور آنفاً، ولازم ذلك حرمة كل ما يعدّ نقضاً للهدنة المنعقدة من قبلهم من أحد من الناس…

أقول: يرد على الاستدلال بالرواية، أوّلاً: أنها مرسلة ولا يعتمد عليها من جهة السند، وما قيل: من أنّ مرسلات الصدوق إذا كانت بنحو نسبة القول الى الإمام عليه السلام فهي في قوّة الحديث المسند، اعتماداً بالصدوق‏رحمه الله، ممّا لا يساعده المبنى المعروف والمرضي في باب حجية خبر الواحد، وليس هناك ما ينجبر به ضعف سند الرواية.

وثانياً: إنّ موضوع الحديث هو التصالح بين الخليفة وبعض أهل الذمّة في أمرٍ ماليٍّ، واين هذا من الهدنة التي هي ختم الجهاد، والصلح مع العدوّ المحارب، فالحاق ما نحن فيه بمورد الرواية لا يتمّ الاّ بالقياس المردود لدى الإماميّة.

وثالثاً: ما صدر عن عمر وإن كان نافذاً كما بيّنه الامام الرضا عليه السلام إلاّ أنّ من المحتمل أنه كان قضيةً في واقعة، فلعلّ نفوذه كان من جهة تنفيذ أمير المؤمنين عليه السلام له أو شي‏ء من ذاك القبيل، فصحّة ذاك التصرّف لا تدلّ على صحة التصرفات الصادرة عن الحكّام والأمراء كما يدّعى صاحب الجواهررضى الله عنه.

ورابعاً: من المحتمل أنّ قوله عليه السلام في المرسلة: «فعليهم ما صالحوا عليه ورضوا به…» إمضاءٌ لما صدر من عمر المترائي أنّه كان معمولاً به الى زمانه عليه السلام وذلك لعلّه لحاجةٍ لبعض الشيعة في تعاملهم مع بقايا بني تغلب، فأرادوا صحّة معاملتهم معهم، فأجاز الإمام وأمضى - كولي لأمور المسلمين - القرار الذي وضعه عمر قبل عشر سنين، وعلى هذا الاحتمال الذي لا يبعد كثيراً عن لحن الحديث، فصحّة الفعل الصادر عن الخليفة أيضا غير مقبول ولو بنحو القضية في واقعة. ويؤيّد هذا الاحتمال قوله‏عليه السلام في آخر الحديث: «الى أن يظهر الحق» حيث أن هذه الفقرة تناسب كون الحكم وَلَويّاً من الامام الرضا عليه السلام.

وحاصل الكلام أن التمسك بمثل هذه الرواية لما رامه من إثبات نفوذ الهدنة إذا صدرت من غير الإمام عليه السلام، بمعزل عن الصواب جدّاً وأما السّيرة المدعاة فليست بأشفى وأوفى من الرواية المذكورة ويظهر وجوه الاشكال فيها بتأمّل يسير.

هذا والقول بعدم نفوذ الهدنة الصادرة من الحكام غيرالمحقّين مطلقا وبدون أيّ استثناء، أيضا ينجرّ الى ما لايلتزم به ذواعتبارٍ فضلاً عن فقيه، إذ ربما يكون في الهدنة المصلحة التامّة للمسلمين ولبلادهم ومصيرهم، وفي استمرار الحرب ضررٌ عليهم وهدرٌ لدمائهم وتلفٌ لأموالهم، بل مفروض الكلام في نفوذ هدنة الجائز وعدم نفوذها، هو ما إذا كانت الهدنة ذات مصلحةٍ للمسلمين، والاّ فالهدنة باطلة ولومن الامام العادل، فحينئذٍ إما أن يُقدم الجائر على الهدنة أو تفوت الهدنة ومافيها من المصلحة عن المسلمين، ولا أظنّ فقيهاً يلتزم ويفتي بتورّط المفسدة وفناء النفوس المحترمة وتلف الأموال وغير ذلك ممّا يترتب على الحرب الدّامية، وعلى هذا فالظاهر أنّ قبول الهدنة من الجائر وترتيب الأثار عليها فيما يترتّب على تركه‏المفسدة، ممّا يحكم به الارتكاز الشرعي والذهن المتعارف المتشرّعي، وإن كان نفس العمل من الجائر تصرفاً فيما لا يحق له التصرف فيه وهو حرام عليه شرعاً واللَّه العالم.

المسئلة الثانية في شرط العوض المالي للمهادنة، مقتضى القاعدة جوازه، إذ ليس في مفهوم الهدنة ما يمنع من ذلك ولذا ترى أنّ صاحب الجواهر صرّح في شرح معنى الهدنة بوقوعها بعوض وغير عوض، واوَّلَ كلام من قيّدها في التعريف بكونه بغير عوض، كالشيخ في المبسوط والعلامة في القواعد، أنّه يراد منه عدم اعتبار العوض فيها، لا اعتبار عدم العوض، هذا أولاً، وثانياً: لكونه مقتضى إطلاق أدلّة المهادنة كقوله تعالى: «وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها» فانه يشمل كونه بعوض، ومثله الادلّة الأخرى.

وكذا مقتضى إطلاقات اعتبار الشرط وهي معروفة. فجواز شرط المال في الهدنة في الجملة ممّا لا إشكال فيه. الاّ أنه ربما يفرّق بين مالٍ يستلمه المؤمنون من الكفار، وبين ما يدفعه اليهم، أما الاوّل فهو جائز بلا إشكال لما ذُكر، وللاولويّة بالنسبة للهدنة بغير مال، وأما الثاني فقد حكى المنع عنه مطلقا عن أحمد والشافعي (٦٨) ولم أعرف في أصحابنا من صار الى هذا القول، الاّ أن فيهم من فصّل بين حال الضرورة وغيره، فمنعه في غيرالضرورة، وهو العلاّمة رضى الله عنه فقال في التذكرة في عداد الشروط الفاسدة: أو دفع المال اليهم مع عدم الضرورة الداعية الى ذلك (٦٩) وقال في المنتهى: وأما إذا لم يكن الحال حال ضرورة فانه لايجوز بذل المال بل يجب القتال والجهاد لقوله تعالى: «قاتلوا الذين لايؤمنون باللَّه…» الى قوله - «حتى يعطوا الجزية» (٧٠) ولانّ فيه صغاراً وهواناً، اَمّا مع الضرورة، فانّما صير الى الصغار دفعاً لصغار أعظم منه، من القتل والسّبي (٧١).

وقد عدل بعض آخر من الأصحاب من شرط الضرورة الى شرط المصلحة.

قال كاشف الغطاء رحمه الله: ولووقعت مشروطة بعوض قلّ أو كثر… أو بسائرالشروط الشرعيّة، اتّبع الشرط، ويشترط فيها موافقة مصلحة المسلمين (٧٢) والظاهر أن مرجع الضمير في قوله «فيها» هو «الشروط» ولوكان مرجع الضمير الهدنة، دلّ أيضا على اشتراط اعتبار الشرط بكونه موافقاً للمصلحة، وقال صاحب الجواهر رضى الله عنه بعد نقل ما في المنتهى من دليل اشتراطه بالضرورة: بل لا يبعد الجواز مع المصلحة للإسلام والمسلمين أيضا (٧٣) وقال السيدالخوئي رضى الله عنه في منهاجه: ولا فرق في ذلك بين أن تكون مع العوض أو بدونه، بل لابأس بها مع إعطاء وليّ الأمر العوض لهم إذا كانت فيه مصلحة عامّة (٧٤).

أقول: أما اشتراط كون دفع المال موافقاً للمصلحة فهو أمر واضح لا مرية فيه، ولا يمكن لأحد أن يلتزم بجواز دفع المال الى الكفار في الهدنة مع كونه خلاف المصلحة، وذلك لان صحة أصل الهدنة ومشروعيتها أيضا متوقفة على موافقة المصلحة، فكذا هذا الشرط وغيره من الشروط. وأما اشتراطه بالضرورة كما عرفته من كلام العلامة وبعض علماء السنّة، فهو يعني أنّ دفع المال الى الكفار حرام ولومع كونه ذا مصلحة، وإنّما يرتفع حكم الحرمة لدى الضرورة مثل بقية المحرّمات، فمرجع هذا القول الى القول الاوّل، أعني عدم الجواز مطلقا، إذ القائل بالحرمة أيضا يستثني منها حال الضرورة لا محالة. ويقع التساؤل هنا: ما الدليل على حرمة دفع المال الى الكفار؟ وقد ذكر العلامة له أوّلاً الآية وثانياً استلزامه الصغار، وأنت خبير بقصورهما عن الدلالة على ذلك، أما الآية فهي قد خصّصت بدليل الهدنة، والاّ يلزم أن لا تكون الهدنة جائزة مطلقا، فبعد ما تسلّم تخصيصها بدليل الهدنة فلنرجع في تنقيح موضوع الجواز الى أدلّتها، وقد قلنا إنّ عموم أدلّة الهدنة تشمل ما كانت مشروطة الاّ شرطاً خالف كتاب اللَّه، ولم يثبت كون هذا الشرط مخالفاً لكتاب اللَّه.

وأما الصَّغار، فترد الخدشة على صغرى الاستدلال به وكبراه. أما الاوّلى: فلان دفع المال لا يكون صغاراً دائماً، فربّ قوىّ يدفع المال الى من هو أضعف منه، دفعاً لشرّه، وفي دفع النبي صلى الله عليه وآله المال الى عيينة بن حصين، لفصله عن أبي سفيان يوم الأحزاب - الذي نقله الإسكافي وبعض أهل السنّة على ما ذكر صاحب الجواهر رضى الله عنه مثالٌ واضح لذلك (٧٥).

وأما الثاني: فلأن مطلق ما يلزم فيه الصغار لا يمكن الالتزام بحرمته، إذ رُبّ صغار يستتبع مصلحة كبيرة للإسلام والمسلمين، وحرمته في تلك الموارد غير معلوم، ولعلّ أحد أمثلته التاريخيّة ما وقع للمسلمين في وقعة الحديبيّة، حيث قبلوا ما ألزمهم به الكفار من محوبسم اللَّه الرحمن الرحيم، وعنوان رسول اللَّه عن اسم النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وقد بارك اللَّه تعالى في صلحهم هذا الذي تحمّلوا في طريقه مثل تلك الأمور، حتى نزل فيه قوله تعالى: «إنا فتحنا لك فتحاً مبينا» (على القول بنزوله في تلك الوقعة).

المسألة الثالثة: هل يجوز اقتراح الهدنة من المسلمين؟ أو يخصّ الجواز بما استدعاه الطرف الكافر؟ ظاهر الفقهاء - حيث لم يعنونوا المسألة - هو عدم الفرق بين الصورتين، إلاّ أنّ هناك أموراً ربما تُلقى على الذهن أنّ أدلّة الجواز تختصّ بصورة اقتراح الكافر. بل ربما يستفاد من بعض الادلّة حرمة الدعوة الى السّلم. فنقول: أما ما يستفاد منها اختصاص المشروعية بصورة طلب الكفار لها، فقوله تعالى: «وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها»، حيث أنّ الامر بالجنوح للسّلم وقع مشروطاً بجنوح الكفّار له، فيختصّ الجواز بهذه الصورة، إذ الأصل في معاملة الحربيّ هو الجهاد، وإنّما أدلّة الصلح تخصيصٌ لذلك الأصل، وموجب للخروج منه، فيُكتفى فيه على مقدار دلالة هذه الأدلة ولا يُتجاوز عنها.

وأمّا الآيات الآمرة باِتمام عهد الكفّار الى مدّتهم، فهي ناظرة الى ما وقع من العهد بين النبي صلى الله عليه وآله والكفار، وليس فيها التعرض لكيفيّة وقوع هذه العهود، وليس في الروايات الحاكية لتلك العهود ما يوضّح لنا أنها كانت بطلب من المسلمين، فلا إطلاق فيها بالنسبة لصورة ابتداء المسلمين بدعوة الهدنة.

وممّا يترائى منه اختصاص مشروعيّة الهدنة بصورة طلب الكفار، ما سبق الاستدلال به من قول أمير المؤمينن عليه السلام في عهده للأشتر: ولا تدفعن صلحاً دعاك اليه عدوّك، للَّه فيه رضى… الذي نقل عنه عليه السلام في نهج البلاغة ومثله في تحف العقول ودعائم الإسلام (٧٦) وجه الاختصاص أنّ النهي إنّما هو عن دفع صلح يدعو اليه العدوّ، فالمنهيُّ أوّلاً: هو دفع الصلح، وهو عدم قبوله لا عدم اقتراحه، وثانيا: هو ردّ الصلح الذي يدعو اليه العدوّ، فهذا هو شرط مشروعيّة الصلح، وفيما عداه يبقى حكم وجوب الجهاد بحاله.

والحاصل أنّ أدلّة مشروعية الصلح بين ما هو مهملٌ ومجملٌ بالنسبة الى شموله لصورة ابتداء المسلمين به كعمل النبي‏صلى الله عليه وآله مع كفار عصره، والآيات الدالّة على اعتبار العهود المعقودة مع الكفّار، فلا إطلاق فيه، وبين مافيه دلالة ما على اختصاص الحكم بصورة اقتراح العدوّ للهدنة دون غيرها، فتبقى صورة اقتراح المسلمين للصّلح خارجةً عن شمول الأدلّة وباقية تحت حكم وجوب الجهاد.

هذا كلّه مضافاً الى ظهور الآية المباركة: «ولا تهنوا وتدعوا الى السّلم وأنتم الاعلون واللَّه معكم» - الآية - في حرمة الدّعوة الى الصّلح، وبناء عليه فلو فرض وجود إطلاق في المقام يدل على مشروعية الصّلح في كلّ صورة من الصّور، فهويقيّد بهذه الآية المباركة، كما هو الواضح من النسبة بين كلّ دليلين من هذا القبيل، فضلاً عن عدم إطلاق من هذا القبيل في البين.

فحاصل ما عرفت: أنّ الصّلح المشروع إنما هو ما يُقترح ويُستدعى من طرف العدو، لا غير، لانّ غيره غير مدلولٍ عليه بأدلّة جواز الصلح، بل مشمول لدليل النهي عنه، وهو الآية الشريفة.

هذا، ولكن ترد بعض الخدشة على ما استظهر من الأدلّة، اما آية الجنوح فلأن الجنوح بمعنى الميل، وهو اعمّ من الاقتراح، فربّ من يجنح لشي‏ء بدون أن يقترحه، فقوله تعالى: «فان جنحوا…» بمعنى أنه إن مالوا الى السّلم فمِل أنت أيضا اليها، وليس فيها تعرّض لمفهوم الاقتراح، وأنه من أيّ جانب لابدّ أن يكون. فالآية - واللَّه اعلم - بصدد بيان أصل مشروعية الصّلح وأنه مشروع فيما يميل اليه العدوّ ولا يستنكف منه، ومعلوم أنه لولم يقبل العدوّ ولم يمل الى الصّلح فلا يمكن الصلح للمسلمين. ويمكن تقرير الاستدلال بنحو آخر، وهو أن يقال: إنّ شرط مشروعية الصلح بناءً على الآية هو ميل العدو، وإذا لم يمل هو، فالصلح لايكون الاّ بالتماس وطلب ذليلٍ من ناحيه المسلمين، وهذا هو الخارج عن المشروعيّة، لاالصلح الذي يكون باقتراح المسلمين من دون ذلّة، فجنوح العدوّ شرط طبيعى - لاشرعي - للصلح، ولعلّ وجه ذكره مع ذلك، أنّ الآية بصدد بيان أنه: إذا حصل لك فرصة التحصّل على الصّلح، بأن جنح اليه عدوّك، فلا وجه حينئذٍ لاستمرارك الحرب وتحمّلك أعبائها، فاجنح أنت أيضا لها، وتوكّل على اللَّه في آثارها وتبعاتها. فأداة الشرط هنا في الحقيقة استعملت بمعنى «اذا» التي هي

أيضا أداة أخرى للشرط، وقد سيقت لبيان الأرضية الطبيعيّة للسّلم.

وأما قوله تعالى: «ولا تهنوا وتدعوا…» فيمكن الخدشة في دلالتها بأنّ: متعلق النهي فيها ليس شيئين غير مرتبطين مع بعضها البعض، بل شي‏ء واحد يترتب بعضه على بعض، بيان ذلك: أنّ وقوع شيئين في حيّز النهي يكون على وجهين، فتارةً يكون كلّ منهما متعلقاً للنهي مستقلاً كقولنا إذا صُمت فلا تأكل ولا تشرب، وفي مثله لابدّ من تكرار أداة النّهي، ومن هذا القبيل قوله تعالى: «ولا تهنوا ولا تحزنوا…» فان الوهن والحزن أمران مستقلاّن، لا يترتب أحدهما على الآخر ولذا تكرّر ذكر أداة النهي فيهما. وتارة يكون متعلّق النهي أمراً واحداً، وإنما ذكر الشي‏ء الآخر كنتيجة لذلك الأمر، كقولنا: إذا كنت صائماً فلا تأكل وتفطر، وفي هذا القسم فمتعلّق النهي هو الأكل، وإنما ذكر الإفطار كنتيجة له، وفي مثله لا شبهة في أنّ الشي‏ء المذكور ثانياً هو أيضا أمر مرغوب عنه، الاّ انه لم يقع متعلق النهي مستقلاً، بل ذكر حتى يعلم أنّ هذا مترتب على الاوّل ومحكوم بحكمه، ولذا لا تتكرّر فيه أداة النهى.

ومن هذا القبيل قوله تعالى: «ولا تهنوا وتدعوا الى السّلم» فما هو الواقع في حيّز النهي هو الوهن في قبال العدو، والمراد به هو اختلال العزم على الجهاد والثبات، واستشعار الضعف والهزيمة، ثم إن الذي يترتب كنتيجة له هو الدعوة الى السّلم، أو بعبارة أخرى: التماس السلم من العدوّ وطلبه عن موقع الضعف والوهن، وهذا - دون شك أمرٌ مرغوب عنه إلا أنّ الوقوع فيه إنما يتأتي من ناحية الأمر الاوّل الذي وقع في حيّز النهي، أعني الوهن، فالنهي عن الدعوة الى السّلم - التي لم تجعل في حيّز النهي في ظاهر الكلام بل هي منهيٌّ عنها بقرينة المقام - إنما وقع تبعاً للنهي عن الوهن. وعلى هذا فحاصل مراد الآية - واللَّه أعلم - : فلا تهنوا حتى ينتهي بكم الوهنُ الى الدعوة الى السّلم، ويستفاد منه أنّ الدعوة الى السلم إذا كانت ناشئةً عن الوهن فهو مبغوض للشارع، وهو كذلك اعتباراً، إذ ليس شي‏ء أضرّ بكرامة الاسلام وعزّة المسلمين من مثل هذه الدعوة التي هي في الحقيقة التماس للصلح وسؤال له من موقعٍ ذليلٍ لا يناسب شأن الإسلام والمسلمين. لكن أين هذا من حرمة الدعوة الى الصلح مطلقا؟ وقد عرفت أن طلب الصلح ربما يكون عن رفعة وعزةٍ وقدرة، فليس الصلح دائماً ممّا يح

تاج اليه الضعاف، بل ربّ قوّي يطلب الصلح ويراه مصلحة له، والمثال الواضح لذلك ما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله في اقتراحه الصّلح على عيينة بن حصين في مقابل مال كثير، مع كونه صلى الله عليه وآله أقوى منه بكثير. وبناءً عليه فلا دلالة في الآية الشريفة على ما ادُّعي من حرمة السلم إذا كانت ابتداءً من المسلمين وبطلب منهم مطلقا.

ويؤيّد ما استظهرناه من الآية تعقّب النهي بقوله تعالى: «وأنتم الأعلون…» الذي ذكر بمثابة علّة لذلك النهى. فانّ العلّة إنما تُناسب عدم الوهن وعدم الطلب الناشئ منه، ولا يناسب الدعوة الى السّلم إذا لم تكن ناشئة عن الوهن والضعف كما لايخفى.

وأما قول أمير المؤمنين عليه السلام: ولا تدفعنّ … الخ فالامر فيه أوضح، إذ ذكر دعوة العدوّ للصلح ليس لبيان شرط جوازه، بل هو بيان لوجه امره‏عليه السلام لقبول الصّلح، وذلك بقرينة ما تعقّبه من الجمل أعني قوله عليه السلام: فان في الصّلح دعةً لجنودك وراحةً من همومك وأمناً لبلادك الحديث. فهو بمثابة أن يقال: إذا دعاك العدوّ بنفسه الى الصّلح فما الوجه في استمرار القتال ودفع مثل هذا الصّلح؟ مع أنّ فيه من المنافع كذا وكذا…

وإن أبيت الاّ عن دلالة هذا الحديث على مشروعيّة الصلح الذي هكذا صفته، فدلالته على عدم جواز غيره من الصلح لايكون الا بناءً على اعتبار مفهوم الوصف أو اللقب وهو كما ترى.

وحاصل الجميع أنّ الهدنة جائزة سواء كانت باستدعاء واقتراح من الكافر أو بطلب ودعوة من المسلم، من غير فرق بينهما. نعم إذا كانت متوقفة على ذلّة المؤمنين وكسر شأنهم وعزّتهم فلا تجوز بمقتضى ما استظهرناه من الآيتين الكريمتين، ولا يُجوّز مثل ذاك الصلح كونه ذامصلحة، إذ كما قلنا سابقاً أنّ اطلاقات أدلّة الاحكام الشرعية لا تقيّد بالمصالح التي نستشعرها في القضيّة، فالمصلحة في الحرام لا ترفع حرمته، والمصلحة في ترك الواجب لا توجب رفع الوجوب، نعم تقيّد أدلّة الاحكام بالاضطرار حيث أنّ دليله حاكم على أدلّة الأحكام كما هو معلوم ومبيّنٌ في محله.

المسألة الرابعة: في موارد جواز نقض الهدنة

وهذا يعنى التسّلم لحرمة نقض الهدنة التي وقعت صحيحةً، وقد مرّت في الفصل الرّابع ادلّة حرمة الغدر الذي هو بمعنى نقض العهود والقرارات المتّخذة مع العدوّ، وعدّدنا تلك الأدلّة كتاباً وسنّةً وغيرهما، بل أشرنا هناك أنّ القدر المتيقّن والمنصوص به من بعض آيات الذكر الحكيم هو نقض عهدالهدنة، وإنّما يصارُ الى الحكم المزبور في العهود الأخرى من باب الغاء الخصوصيّة، وذلك مثل قوله تعالى: «الاّ الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً» الآية وقوله تعالى: «فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم» الآية (٧٧) والروايات مذكورةٌ في الباب ٢١ من أبواب جهاد العدوّ من كتاب الوسائل فراجع. وقد ذكر العلاّمة رحمه الله في التذكرة حديثاً عن رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله وهو أنه صلى الله عليه وآله قال: «من كان بينه وبين قوم عهدٌ فلا يشدّ عقدةً ولا يحلّها حتى تنقضي مدّتها أو يُنبذَ اليهم على سواء» (٧٨).

ثم بعد تسليم حرمة نقض الهدنة نقول: لا شبهة ولا خلاف في أنّ نقض الهدنة يكون جائزاً إذا ابتدأ العدوّ بنقضها، وذلك أولاً بمقتضى نفس أدلّة اعتبار العهود مع العدو، حيث جعل اعتبارها فيها مغيّى برعاية العدوّ لها، مثل قوله تعالى: «فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم» بل لأنّ نقض العدوّ للعهد يوجب انتفاء ما كان الوفاء به واجباً، لأنّ العهد القائم بين طرفين، أمرٌ اعتباري يدوم بدوام كلٍ منهما له، فاذا نقضه أحدهما زال وانتفى الأمر القائم في البين، فيتنفي بالنقض من أحد الطرفين، موضوع وجوب الوفاء من الطرف الآخر فتامّل.

وثانياً لقوله تعالى: «وامّا تخافنّ من قومٍ خيانةً فانبذ اليهم على سواء، انّ اللَّه لا يحب الخائنين» (٧٩) والحكم في الجملة من المسلّمات كما يساعده الاعتبار في مقتضى حفظ مصالح الإسلام والمسلمين. الاّ أنّ هنا بعض الفروع المذكورة في كلمات الفقهاءرحمهم الله لعلّها محتاجة الى البيان.

الاّول: أنّ الخوف في الآية ليس بمعنى ما يحصل في نفس وليّ الأمر، بصرف ظنّ مجرّد عن الشواهد والقرائن، بل هو ما تؤكّده القرائن، صرّح بذلك العلاّمة رحمه الله في التذكرة والقواعد، قال في التذكرة: ولا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتى يكون عن أمارة تدلّ على ما خافه، ولا تنتقض الهدنة بنفس الخوف، بل للإمام نقضها الخ (٨٠) وقال في القواعد: ولو استشعر الإمام خيانةً جاز له أن ينبذ العهد اليهم وينذرهم، ولا يجوز نبذ العهد بمجرّد التهمة - انتهى ما في القواعد على ما نقله عنه في الجواهر - وعلّق عليه صاحب الجواهر قوله: وهو كذلك، ضرورة وجوب الوفاء لهم، بخلاف ما إذا خاف منهم الخيانة لأمور استشعرها منهم، فانه ينبذ العهد حينئذٍ لقوله تعالى: «واما تخافنّ من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء، انّ اللَّه لايحب الخائنين» (٨١).

أقول: أما عدم كفاية الخوف بمعنى الحاصل بالتّهمة، فهوما يحكم به الاعتبار، إذ نقض العهد والرجوع الى حالة الحرب بمجرّد التهمة، يجعل غالب عهود الهدنة كاللّغو، فانّ مثل هذا الخوف متوفّر غالباً - إن لم نقل دائماً - في مقابلة الأعداء، ولعلّه المستفاد من التأكيد في قوله تعالى: «وإمّا تخافنّ …» واما ما في التذكرة من أنّ ذلك لا يوجب انتقاض العهد بنفسه، بل يوجب حقّ النقض للإمام، فهوأيضا ممّا يساعده الاعتبار بل يحكم به، إذ ربما لا يكون النقض العملي موافقاً لمصلحة المسلمين، فاللاّزم هو نبذ العهد بمعنى إعلام العدوّ بأنه ليس في ما بعدُ عهدٌ في البين، بل يمكن أن يقال إنّ النبذ أيضا ليس بواجبٍ، بل الأمر في قوله تعالى: «فانبذ إليهم» بمعنى جواز ذلك لإمام المسلمين لا وجوبه عليه، فيجوز له حين استشعاره الخيانة وحصول الخوف، أن ينبذ اليهم على سواء، وإن كان ذلك بعيداً عن ظاهر الكلام، واما النقض عملاً فهو تابع للمصلحة والإمام مختار فيه. مضافاً الى أنّ هذا هو مفاد الآية الكريمة، إذ النبذ في قوله تعالى: «فانبذ اليهم على سواء»، ليس بمعنى النقض، بل بمعنى نبذ العهد اليهم الذي يوجب إعلامهم بأنّ العهد القائم بينهم قد انتفى وانتهى ولي

س فيما بينهم وبين المسلمين عهد بعد ذلك. ولذا قال في القواعد بعد قوله: جاز له أن ينبذ العهد اليهم: وينذرهم.

ثم إن عبارة القواعد فيما طبع منه في عداد «الينا بيع الفقهية» وكذا في متن جامع المقاصد، هكذا: ولا يجوز نبذ الجزية بمجرد التهمة… بدل: نبذ العهد… (كما في الجواهر) وعلى هذا فالعبارة مسوقة لبيان الفرق بين الجزية والهدنة، وإن الجزية لا تنبذ بمجرد الخوف، وقد تصدى الكركي‏رحمه الله في شرحه، لبيان ما قيل في وجه الفرق بينهما والمناقشة فيه، والظاهر أنّ إشارته لما قيل، الى قول العلاّمة نفسه في التذكرة فراجع.

وبناءً على هذا فاما أن يراد من التهمة، اعمّ من الخوف المقارن لقرينة، لا خصوص التهمة الصِّرفة وتكون النتيجة أنّ: عقدالجزية لا تُنبد بمجرّد الخوف وإن كان هناك قرائن تؤيّده، بخلاف الهدنة فانها تنبذ مع الخوف المقارن للقرائن، وإما أن يقال: إنّ نظره في القواعد على أنّ مجرد التهمة في باب الهدنة يكفي لنبذ العهد وتكون النتيجة انّ التهمة الصِرفة، توجب نبذ الهدنة، دون عقد الجزية. والثاني بعيد جداً، وإن كان الاوّل مستلزماً لتكلّف في العبارة.

وحاصل الكلام في ما تنتهي به الهدنة أنّه: لونقض العدوّ عملياً العهد، بأن شرع في الحملة، فلا شبهة في جواز مقابلته بالمثل، وهذا إمّا من باب الدفاع، أو انتفاء ما يوجب الكفّ عن العدوّ كالعهد.

وأما لولم ينقضه عملياً، بل عمل ما يُخاف معه على العهد، بمعنى صدور ما يمكن أن تُعدَّ قرينة على خيانته، فيجوز أو يجب نبذ العهد اليهم، بمعنى إعلامهم بأنّ العهد قد انتهى، وليس بينهم وبين المؤمنين ما يمنع عن وقوع الحرب، ومقتضى الارتكاز العرفي حينئذ أنه لو تمكّن العدوّ من إثبات أنّ الإمام قد أخطأ في فهم ما حسبه قرينة على الخيانة، وأنه لم يكن بصددها ولم يعمل لها أبداً، واقتنع الإمام بذلك، فالأمر يرجع الى ما كان عليه قبل ذلك وتكون الهدنة بحالها، ولايلزم تجديد العقد ثانياً.

وأمّا لولم يكن هناك قرينة على الخيانة من أوّل الأمر، بل حصل للإمام خوفٌ بغير قرينة، فالحكم بقاء الهدنة من أول الأمر.

الثاني: لونقضوا العهد ثم تابوا عنه، نقل العلاّمة رحمه الله في التذكرة عن ابن الجنيدرحمه الله: القبول منهم، ولم يعلّق عليه هو بنفسه، وعلّق عليه صاحب الجواهر رحمه الله بقوله: ولا بأس به. إلاّ أن مقتضى القاعدة عدم القبول، لانّ العهد السابق قد انتقض بخيانتهم، والعهد الجديد يحتاج الى عقد جديد. وبهذا يفرّق بين هذا الفرض وبين ما ذكرنا آنفاً، من صورة خطأ الإمام في استشعار الخيانة منهم، حيث أنّ العقد السابق كان باقياً بحاله هناك، دونه هنا. نعم يمكن أن يختار الإمام عدم التحامل عليهم إذا رأى ذلك مصلحة للمسلمين.

الثالث: الخيانة تحصل بفعل الرئيس المطاع في جبهة العدوّ، أو بإمضائه أو تسبيبه. وأما فعل البعض ممّن لايملك الخيار في أمر الحرب والصلح مع عدم تدخّل الرئيس المطاع، فلا يؤثر شيئاً في ما تمّ بين الدولتين. فما في كلام العلاّمة رحمه الله وغيره، من أنّ في صورة نقض البعض، إن كان الباقون راضين أو ساكتين، كانوا ناقضين جميعاً وإما إن كانوا متبرّئين أو معتزلين، كان العهد باقياً بالنسبة اليهم، فلابدّ أن يعتبر خروجاً عن مفروض الكلام في باب الهدنة. إذ قرار الهدنة - كما سبق منّا في تعريفها - إنما ينعقد بين دولة الإسلام والدولة المخاصمة وما بحكمها، لابينها وبين آحاد الناس، كما هو الحال في عقد الذمّة. فلامعنى اذاً لتأثير غير الدّولة في ما انعقد بين الدّولتين. نعم، خيانة المهادن لاتنحصر في مباشرة الرئيس لها، بل تحصل أيضا بتسبيبه لها، أو إمضائه الصادر عن بعض رعيّته منها. وأمّا رضاه غير المقترن بالتسبيب أو الإمضاء، فلا دليل على لحوق حكمه بهما، إذ الرّضا أمر قلبيّ لاتُناط به الأحكام المترتبة على أفعال النّاس في معاملة بعضهم البعض، لاسيّما الاحكام الجزائية وما شابهها ويجرى مجراها، فالرضا بصدور الحرام المستوجب للحدّ الشرعى عن أحدٍ،

لايوجب حدّاً ولاتعزيراً على الراضي. نعم، هو أمر قبيح فيما بينه وبين اللَّه، وتختلف مراتب حزازته وقبحه بحسب مراتب الفعل المحرّم المرضيّ له، فلا يبعد أن يكون في بعض مراتبه حراماً، بل كائناً في عداد الموبقات، كالرّضا بقتل الأنبياء والاوصياء وعباد اللَّه الصالحين، طبعاً فيما لم يكلّف هذا الراضي بالمنع والردع والنهي عن صدور هذه الكبيرة الموبقة، لعدم القدرة وأمثاله.

والحاصل أنّ الرضا بالخيانة، سواء المنقدح في نفس الرئيس وغيره، لايسبّب شيئاً في أمر الهدنة القائمة بينه وبين الدّولة الإسلاميّة، ما لم يصل الى حدّ يعتبر في نظر الإمام إمضاءاً أو تسبيباً لما صدر عن البعض، كما إذا أعلن رضاه وأشار به وأشاعه بين الناس.

ثم إنّ خيانة البعض وإن كانت غير مؤثرة في أصل العقد القائم بين الدولتين، الاّ أنها موجبة لأحكام بالنسبة الى نفس الخائن لامحالة، بمعنى أنّ هذه الصّادرة منه جريمة لابد أن يعتبر لها تبعاتها القانونيّة. والذي لايبعد عن الاعتبار العقلائي، بل عن الارتكاز المتشرّعي، هو أن يكلّف رئيس الجبهة المهادنة، بتأديبه وجزائه حسب ما تقدّر الجريمة الصادرة منه، من جهة الشدة والخفّة، والخطورة والسهولة. فان لم يفعل ما يكلّف، عامَلَ الامام، ذاك البعض الناقض، معاملة الحربيّ. ولايخفى أنّ الظروف الملابسة لذلك سوف تختلف في الازمنة والامكنة المختلفة، فلا مناص من القول بأنّ الأمام يختار ما يرى فيه مصلحة المسلمين، ويجده مناسباً للظروف والملابسات القائمة عندئذ. واللَّه العالم.

الرابع: قال في الجواهر - تبعاً للعلاّمة رحمه الله في غير واحد من كتبه - : إنّ الواجب ردّ المهادنين الى مأمنهم بعد ما انتقض عهدهم، إذا فرض صيروتهم بين المسلمين. والظاهر منه انّ هذا الحكم يشمل مالوكان نقض العهد من قِبلهم وبخيانتهم، بل يشمل نفس الخائن الذي انتقضت الهدنة بفعله… ولعلّ عدم ذكره لمستندٍ على ذلك يحكى عن كون الحكم عنده من الواضحات. وأما العلاّمة رحمه الله فانّه اوّلاً: فصّل بين ما إذا كان الداخل منهم في حوزة المسلمين، لم يصدر منه ما يوجب حقاً عليه، كإيواء عين العدوّ والإخبار بخبر المسلمين والاِطّلاع على عوراتهم، أو قتل نفس منهم وأمثال ذلك، فيردّه الإمام الى مأمنه، وبين من صدر منه ذلك فيستوفي منه الحق. وثانياً: استدلّ على ما ادّعاه بأنّ الداخل على المسلمين، دخل بأمانهم فيجب ردّه والاّ كان ذلك خيانة من المسلمين.

أقول: إن كان مرادهما ادراج المورد في عنوان الأمان - كما لعلّه الظاهر منهما، فيكون ما استند به العلاّمة من وجوب الرّد الى المأمن، تمسّكاً بقول اللَّه تعالى في باب الأمان: «ثم ابلغه مأمنه» (٨٢) - فهو، والاّ فالحكم بوجوب الردّ الى المأمن استناداً الى حرمة الخيانة محلّ تأمّل. وذلك لأنّ صدق عنوان الخيانة على ما يعتبر جزاءً لارتكاب الخيانة من العدوّ المهادن، غير سديد. نعم، بالنسبة الى غير مرتكب الخيانة من الأعداء بالذّات، وهكذا المعاونين له بل المطّلعين عن نيّته الفاسدة والراضين بها، لايبعد القول بأنّ وجوب ردّهم الى مأمنهم، ممّا يرتكز عليه الذهن المتشرّعي، وإن لم يدلّ عليه دليل لفظيٌّ بالخصوص. وذلك طبعاً بعد الاعتراف بأنّ المورد ليس من مصاديق الأمان. وذلك لتغايرهما موضوعاً وحكماً، ويتضح ذلك بمراجعة ما ذكرناه في تعريف العنوانين (أي الهدنة والأمان) والوجوه الفارقة لكلّ منهما خاصّة. إلاّ أنّ ملاحظة مجموع ما ورد في الادلّة وما أفتى به الفقهاء رحمهم الله في شتى‏الأبواب، بالنسبة الى معاملة العدوّ في غير ميدان الحرب، تقرّب الى الذهن أنّ ما ذكره العلاّمة وصاحب الجواهر رحمهما الله من وجوب الردّ الى المأمن، ليس بعيداً في ا

لجملة عن المستفاد من الأدلّة الشرعية، وعن مرتكز أهل الشّرع. فليراجَع الى مستند ما أفتوا به في باب شبهة الأمان، وفي حكم من كان في حصنه من الكفار، فسمع صوتاً وتوهمه أماناً، وغير ذلك من الموارد. مضافاً الى أنّ ذلك اقرب الى الاحتياط في باب النفوس والدماء، الذي لايختصّ بما يتعلق منها بالمسلمين، وقد مرّ الكلام عن ذلك في بعض المباحث السابقة.

هذه نهاية ما ألقيناه في الدرس في هذا الباب، وقد راجعنا ما كتبناه سابقاً ونقّحناه وأضفنا اليه شيئاً يسيراً ممّا فات عنّا عندئذ. وهناك بعض فروع أخرى، يحتاج التصدى لها وبيان ما هو التحقيق فيها، الى وقت أوسع، وللَّه الحمد أولاً وآخراً.

………………………. ) Anotates (…………………….

١) ج ٢ ص ٥٠

٢) ج ١ ص ٤٤٧.

٣) راجع المستدرك ج ١١ ص ٤٣ و٤٤ الاحاديث ١ و٢ من الباب ١٨.

٤) كقوله تعالى: و مالكم لاتقاتلون في سبيل اللَّه…. الآية (النساء / ٧٥) و قوله تعالى: ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة…. الآية (الاحزاب / ١٣) وكآيات الفرار وأمثالها الكثير في الكتاب العزيز.

٥) المنتهى ج ٢ ص ٩٧٤ والتذكرة ج ١ ص ٤٤٧.

٦) ج ٣ ص ٤٦٧.

٧) ج ٢ ص ٥٠.

٨) ص ٤٤٧ ج ١.

٩) ج ٢ ص ٩٧٤.

١٠) المبسوط ج ٢ ص ٥٠ - ٥١

١١) ج ٢ ص ٥١.

١٢) المسالك ج ١، النسخة الموجودة عندنا غير مرقمة الصفحات.

١٣) ج ٦ ص ٤٧٧.

١٤) المطلب التاسع (من‏الفصل‏الرابع) فى‏حكم القتال في الأشهرالحرم.

١٥) محمد / ٣٥.

١٦) المنتهى ج ٢ ص ٩٧٤.

١٧) ج ٢ ص ٥١.

١٨) منهاج الصالحين قسم العبادات صفحة ٤٠١.

١٩) ج ٢ ص ٥١.

٢٠) الينابيع الفقهيةج ٩ ص ١٣٠.

٢١) الينابيع ص ٢٦٤.

٢٢) المنتهى ج ٢ ص ٩٧٤.

٢٣) ٣ - تذكرة الفقهاء ج ١ ص ٤٤٧

٢٤) ٤ - جامع المقاصد ج ٣ ص ٤٧٠.

٢٥) ص ٩٧٤.

٢٦) الجواهر ص ٢٩٩ ج ٢١.

٢٧) ج ٧ ص ٤٥٩.

٢٨) شرح الارشاد ج ٨ ص ١٧٥ فما بعدها.

٢٩) السّنن ج ٩ ص ٢٢٤ باب: المهادنة الى غير مدّه.

٣٠) المنتهى ج ٢ ص ٩٧٤.

٣١) الوسائل، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب ٦، ح ١.

٣٢) ابواب‏الخيار من‏الوسائل، الباب ٦ - ح ٢.

٣٣) نفس المصدر حديث ٣.

٣٤) نفس المصدر حديث ٤.

٣٥) ج ٢ ص ٥٣.

٣٦) الممتحنة / ٩.

٣٧) منهاج الصالحين، كتاب الجهاد، المسألة ٩٢.

٣٨) الجواهر ج ٢١ ص ٣٠٨.

٣٩) ورد فى ذلك روايات معتبرة فى الكافي وتفسير القمي رحمه الله سوف نذكرها.

٤٠) ج ١٠ ص ٥٢٤.

٤١) المبسوط ج ٢ ص ٥٢.

٤٢) ص ٦٣١ - ٦٣٣ ذيل قوله تعالى: إنا فتحنا لك فتحا مبيناً.

٤٣) الروضة ص ٣٢٢ - ٣٢٦.

٤٤) بحار الأنوار ج ٢٠ ص ٣٦١ - ٣٦٢.

٤٥) البخاري ج ٣ من طبعة السندى ص ٤٥.

٤٦) ج ٢ ص ٥٥.

٤٧) ج ٢ ص ٩٧٥ آخر الصفحة.

٤٨) ج ١ ص ٤٤٨.

٤٩) جامع المقاصد ج ٣ ص ٤٧٨.

٥٠) جامع المقاصد ص ٤٧٨ ج ٣.

٥١) المسالك، ذيل العبارة المذكورة.

٥٢) الجواهر ج ٢١ ص ٣٠١.

٥٣) راجع تفصيل النسبة في الجواهر ج ٣٣ ص ٢١١.

٥٤) ص ٤٠١.

٥٥) ص ٤٠٣.

٥٦) ج ١٥ ص ١١٨.

٥٧) باب ٣٧ من كتاب العتق حديث ٢.

٥٨) نفس الباب حديث ١.

٥٩) الباب ٩ أبواب المهور من الوسائل ح ١.

٦٠) الباب ١٠ من أبواب المهور من الوسائل ح ٢.

٦١) الباب ٢٩ من أبواب المهور من الوسائل ح ١.

٦٢) الباب ٣٨ من أبواب المهور من الوسائل ح ١.

٦٣) باب ٣٩ من أبواب المهور ح ٢.

٦٤) راجع ملاذ الاخيار ج ١٢ ص ٢٦٧ - وقال مثله السيد الخوئي؛ في معجم الرجال والظاهر أنه أخذ ذلك منه.

٦٥) الجواهر ج ٢٣ ص ٢١٣.

٦٦) المكاسب ص ٢٨٨.

٦٧) الوسائل ج ١١ ص ١١٦ ح ٦ من باب ٦٨.

٦٨) نقله ابن قدامة ص ٥١٩ ج ١٠ من المغني.

٦٩) ص ٤٤٧ ج ١.

٧٠) التوبة / ٢٩.

٧١) ص ٩٧٥.

٧٢) ص ٣٩٩.

٧٣) ص ٢٩٣.

٧٤) ص ٤٠٠.

٧٥) راجع الجواهر ص ٢٩٢ من ج ٢١ ولم أجد الرواية في مجاميع الحديث لأهل السنّة.

٧٦) المستدرك ج ١١ ص ٤٣ - ٤٥.

٧٧) التوبة / ٤ و٧.

٧٨) ج ١ ص ٤٥٠ أواسط الصفحة.

٧٩) الانفال / ٥٨.

٨٠) ص ٤٥٠ ج ١.

٨١) الانفال / ٥٨.

٨٢) التوبة / ٦.



[ Web design by Abadis ]