ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 اللقاء التقريبي

لقاء أعضاء لجنة تنسيق العمل‏

الاسلامي المشترك بالامام القائد

محرم - ١٤١٩

مقدمة

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

في الفترة بين ٢٧ - ٢٩ من شهر محرم ١٤١٩ عقدت لجنة تنسيق العمل الاسلامي المشترك التابعة لمنظمة المؤتمر الاسلامي دورتها الثانية عشرة في طهران، شارك فيها ممثلون عن الهيئات والمنظمات الاسلامية الاعضاء في لجنة تنسيق العمل الاسلامي المشترك في مجال الدعوة.

والمهم في هذه الدورة أنها وفرت الفرصة لأن يزور ايران بعض مَنْ لم يزرها بعد انتصار الاسلام وإقامة الجمهورية الاسلامية في هذا البلد، لذلك كان لهذا الاجتماع - إضافة الى معطياته في حقل الدعوة والاعلام - دور تقريبي هام. تجلّى هذا العطاء التقريبي بكل وضوح في لقاء المشاركين بالدورة مع سماحة السيد القائد… حيث أشادوا بما سمعوه من توجيهاته القيمة في كلمة افتتاح القمة الاسلامية بطهران، وأعربوا عن إعجابهم بما سمعوه من سماحته في ذلك اللقاء، وثمّنوا الجهود التي تبذلها الجمهورية الاسلامية في حقل تعميق الحالة الاسلامية في هذا البلد الذي أراد له أعداء الاسلام أن يكون قاعدة لمكرهم وفسادهم وهيمنتهم، وأشاروا بشكل خاص الى الجهود التي تبذلها الدولة الاسلامية المباركة في حقل وحدة المسلمين والتقريب بين مذاهبهم، وركزوا على الكلمة التي استمعوها من فضيلة الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، وما تضمنته من منهج عملي للتقريب على أساس القرآن والسنّة.

والحديث الذي دار في لقاء أعضاء اللجنة بالسيد القائد يشكل وثيقة هامة تدل على إمكان الحوار الاخوي المفتوح بين جميع الفصائل الاسلاميّة، وإمكان تجاوز الحواجز الطائفية والمذهبية للتعاون في الساحة الاسلامية الكبرى، بكل ما تتطلبه هذه الساحة من مواكبة أصيلة للمستجدات، وبكل مايحيط بها من تحديات.

في بداية اللقاء رحّب السيد القائد بالحاضرين وسلم عليهم واحدا واحدا، ثم تعرّف عليهم عن طريق تقرير موجز قدمه فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الاسلامية. واستأذن معالى الدكتور عز الدين العراقي الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي في الحديث وأشار الى مهمة لجنة تنسيق العمل الاسلامي المشترك وأشاد بكلمة السيد القائد في جلسة افتتاح منظمة المؤتمر الاسلامي وطلب من سماحته المزيد من التوجيهات.

وتناول الكلمة بعده الرئيس السوداني الاسبق المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب فاشاد بالجمهورية الاسلامية باعتبارها «بلد الاسلام والقرآن والعزة والكرامة» وقدم التهاني على ما حققته دولة الاسلام من تقدم وازدهار وتجاوز للعقبات وتحقيق للانتصارات. وأشاد بدعوة التقريب بين المذاهب الاسلامية، واستذكر موقفه حين كان رئيسا للسودان وأمر باعادة العلاقات مع الجمهورية الاسلامية.

ثم تحدث السيد القائد فالقى كلمة هامة، شكر المتحدثَين، وشكر أعضاء اللجنة على ما يبذلوه من جهود، وأشار الى أهمية الدعوة الى الاسلام وما ينبغي أن تتجهز به الدعوة من آلية تتناسب مع منطق العصر ومتطلباته.

واستعرض سماحته ما تشهده الساحة الاسلامية من تيارات خاطئة في فهم الاسلام، المتحجرة منها والالتقاطية، وعرج على مآسي الحضارة الغربية وحذّر من الانبهار بها، وبيّن الاستجابة العالمية لدعوة الاسلام في كل أصقاع العالم، وأكد على ضرورة مواجهة الغزو الثقافي. وأشار الى منطق الاسلام في مواجهة الرأي الآخر.

ثم أكد السيد القائد أن الذاكرة الاسلامية يجب أن تحتفظ بما أنزله الغربيون بالمسلمين من مآسٍ وويلات دون أن يكون ذلك مانعا من الانفتاح على الغرب، وشدّد على ضرورة صيانة الوحدة الاسلامية بين المسلمين مشيرا الى ما أحرزته العلاقات بين الدول الاسلامية من تقدم وخاصة بين ايران والسعودية.

وطلب السيد القائد من الحاضرين أن ينظروا الى دنيا الاسلام بصورة «أمة» واحدة.

وبعدها توالى الحاضرون في تناول الكلمة، وكان المتحدث الاول بعد حديث السيد القائد معالي الدكتور عبد اللَّه بن صالح عبيد الامين العام لرابطة العالم الاسلامي بمكة المكرمة، فقدر الخطوات الايجابية التي تقوم حاليا بين ايران والسعودية، وطلب من إخوانه أن تكون كلمة سماحة السيد القائد وثيقة من وثائق اجتماعات اللجنة ونبراسا تقتدي به في علاقاتها مستقبلا.

وتناول الكلمة بعده الاستاذ كامل الشريف، الامين العام للمجلس الاسلامي العالمي للدعوة والاغاثة في القاهرة.

تحدث فيها عن مكانة الجمهورية الاسلامية في العالم الاسلامي، ومواقفها المشرفة من القضايا المصيرية وخاصة قضية فلسطين.

كما أشاد بموقف الجمهورية الاسلامية الرافض للتعصب المذهبي وأشار الى كلمة الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، ثم تحدث عن دور اللجنة في التأثير على القرار السياسي دون مزاحمة مناصب الساسة.

وبعده تحدث الدكتور مانع بن حماد الجهني امين عام الندوة العالمية للشباب الاسلامي فتحدث عن التحول الكبير الذي حدث في ايران بعد إقامة الدولة الاسلامية على طريق تحقيق أهداف الاسلام، وأشار الى أن الثورة الاسلامية لقيت في بداية أمرها تأييدا إسلاميا هاما لكنها ابتليت فيما بعد ببعض النظرات المذهبية والاقليمية، وأشار الى أن المسلمين السنة غير مطمئنين الى منهج التقريب الذي تدعو اليه ايران، «لان التطبيقات في بعض المناطق ليست كما ينبغي».

وأراد السيد القائد أن يعلق على كلمة الدكتور مانع فأخر تعليقه الى بعد كلمة الدكتور محمد الحبشي مندوب مفتي سوريا الذي أشار الى أن سوريا أول من تفهم مقاصد الثورة الاسلامية ووقف الى جانبها منذ الايام الاولى، وأكدّ أن التعصب موجود لدى الفريقين، وأن التوجه الرسمي للجمهورية الاسلامية ينأى عن التعصب المذهبي ويدعو الى وحدة المسلمين. ودعا قيادات المنظمات الاسلامية الى تعاون بين المذاهب دون إلغائها.

ثم علق السيد القائد تعليقا قصيرا ذكر فيه أن أعداء الاسلام وخاصة الصهاينة جادون في إثارة التفرقة الطائفية، وإذاعة اسرائيل الموجهة باللغة الفارسية الى ايران لاتني تستفزّ أهل السنّة، وتنشر الاكاذيب، كما تحدث سماحته عن أصالة الدعوة التي ترفعها الجمهورية الاسلامية للتقريب بين المذاهب الاسلامية. وأشار الى الدعوات التي تعرّف بعض المسلمين بأنهم كفار، مؤكدا أن مثل هذه الدعوات لا توجد اطلاقا في ايران التي تؤمن بمفهوم الامة والاخوة بين المسلمين.

ثم تحدث الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي أمين مساعد مؤتمر العالم الاسلامي في كراتشي عضو جامعة الملك عبد العزيز بجدّة، فأعرب عما يساوره من أمل في بعث تيار اسلامي يجمع الرسمي والشعبي، وذكر المبادئ التي تشكل المنهجية العالمية للاسلام.

وتحدث بعده الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي وزير الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد بالمملكة العربية السعودية فأشار الى ما تفضل به السيد القائد من التعاون بين ايران والسعودية، وأكد على أن الاختلاف الطائفي حالة موروثة يجب أن يعالجها كبار العلماء، وأشاد بكلمة الشيخ واعظ زاده الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، وطلب تناسي الخلافات التاريخية.

ثم تحدث الدكتور محمد أحمد الشريف أمين جمعية الدعوة الاسلامية العالمية بطرابلس، وأشار في كلمته الى الموقف الليبي المناصر للثورة الاسلامية رغم ما لاقته من لومة اللائمين. وطلب الاهتمام بالهموم الكبيرة. ثم شكر السيد القائد ثانية الحاضرين.

محضر هذا اللقاء وثيقة تقريبية هامة نقدمها لكل المهتمين بأمر تواصل العالم الاسلامي، ونكملها بكلمتين أشار اليهما بعض أعضاء اللجنة في جلسة اللقاء المذكور وهما كلمة السيد القائد في افتتاح القمة الاسلامية، وكلمة الامين العام للمجمع العالمي للتقريب في أحدى جلسات لجنة تنسيق العمل الاسلامي المشترك.

نسأل اللَّه سبحانه وتعالى أن يقي أمتنا فتن الطائفية ودسائس التفرقة المذهبية، ويؤلف بين قلوب المسلمين إنه سميع مجيب.

كلمة الاستاذ عز الدين العراقي‏

الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي‏

الحمد للَّه والصلاة والسلام على مولانا رسول اللَّه وآله وصحبه.

سماحة الامام آية اللَّه…

ها نحن نجتمع معكم بفضلكم وبكرمكم في هذا المقام الطيب، وقد جئنا الى طهران عاصمة ايران العظيمة… عاصمة الجمهورية الاسلامية العظيمة. التي لها وقع خاص في قلب كل مسلم، وقد جئنا واجتمعنا هنا في إطار مايسمى بلجنة تنسيق العمل الاسلامي المشترك. ولاشك في أن هذه التسمية وحدها برنامج حافل بما يطمح اليه المسلمون في إطار التكافل الاسلامي. نحن نعمل في إطار منظمة المؤتمر الاسلامي أساسا على الصعيد السياسي والاقتصادي. ونعمل من أجل التكافل الاقتصادي الذي يقضي بأن يكون هناك تعاون بين ذوي القدرات المتساوية، وأن يكون هناك إعانة من طرف الاغنياء لمن هم أقل منهم غنى.

هذا على المستوى العام، ولكن على المستوى الشعبي، أي المستوى غير الحكومي، توجد والحمد للَّه مؤسسات منبثة في جميع أقطار العالم الاسلامي تسعى الى إعانة من هم في حاجة الى الاعانة في جميع الميادين، في الميادين المادية دوالثقافية والاجتماعية والتعليمية، وقطعنا في هذا السبيل أشواطا هامة تبشر بالخير والحمد للَّه. رغم ما يظهر من علامات سوء التدبير. هناك أمور تسير سيرا حسنا ولكن لا يعرفها كثير من الناس، ولكنها على كل حال تبعث على الامل.

وقد جئنا هنا اليوم بعد أن اجتمعنا وقررنا ماقررنا للسلام عليكم، والتبرك بكم، والاستماع الى إرشاداتكم وتوجيهاتكم ونصائحكم النيرة. ولا تزال ترن في آذاننا نحن الذين شاركنا في المؤتمر الاسلامي العظيم الماضي كلمتكم الرائعة [١]، لاتزال ترن في آذاننا الحِكم النيّرة، والأفكار الصائبة، التي عرضتموها، والتي تحدونا في النهج السليم الذي نتبعه، ونحن نأمل أن يكون هذا الاجتماع فرصة للاستماع الى المزيد من نصائحكم، ودعائكم، وتوجيهاتكم السامية، وشكرا لكم سماحة الامام. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

وبعدها تحدث المشير (م) عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب الرئيس السوداني الاسبق ورئيس مجلس أمناء منظمة الدعوة الاسلامية ونائب رئيس المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية، وهذا نصّ كلمته:

كلمة المشير عبد الرحمن محمد حسن‏

سوار الذهب‏

بسم اللَّه الرحمن الرحيم. الحمد للَّه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‏

سماحة آية الله العظمى القائد السيد علي الخامنئي قائد الثورة الاسلامية في الجمهورية الاسلامية الايرانية

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته‏

إنه يسعدنا ويشرفنا أن نكون اليوم بالجمهورية الاسلامية الايرانية بلد الاسلام والقرآن والعزة والكرامة، ونفخر اليوم باللقاء بسماحتكم قائداً لجمهورية فتية وشعب عظيم، وننقل اليكم آمال وطموحات جماهير المسلمين لتحقيق عزتها وكرامتها، خاصة وأن بلدكم اليوم يتسلم قيادة الامة الاسلامية بتوليها رئاسة منظمة المؤتمر الاسلامي لهذه الدورة، والتي نظمتها الجمهورية الاسلامية فكانت الاحكم إعداداً والأنجح مقررات ونتائج، ولا نشك بأن قيادتكم الرشيدة سوف تؤدي الى تحقيق تلك الآمال، خاصة ويساعدكم ويساندكم في أمانة المنظمة دولة الوزير الاول المقتدر الدكتور عز الدين العراقي الذي نشطت الامانة في عهده بما يبشر بخير عميم باذن اللَّه.

كما نرجو أن نعبر عن فخرنا واعتزازنا بما شهدنا من تقدم وازدهار في الجمهورية الاسلامية والتي بحمد اللَّه أصبحت أملا للمسلمين، ونهنئكم على تجاوز العقبات وتحقيق الانتصارات الباهرة على كل قوى الاستكبار التي ظلت تكيد لكم وتتربص بكم لتركيع هذا الشعب المسلم العظيم، ولكن بحمد الله وبتوفيق منه وصمود شعبكم ورشيد قيادتكم فقد انتصرتم وشفيتم صدور قوم مؤمنين، فجزاكم الله عنا كل خير.

كما أرجو أن أشيد بالسياسة الحكيمة التي تنتهجها الجمهورية الاسلامية ودعوتها لِلَمّ الشمل وتوحيد الصف الاسلامي ونزع فتيل وعوامل التوتر بالمنطقة والدعوة الى الحوار والمنطق لتجاوز الخلافات، والدعوة الى التقريب بين المذاهب الاسلامية ورفع الفواصل التي باعدت بين أبنائها وجعلتهم لا يعترفون ببعضهم البعض. ومصداقا لتوجهكم وتحقيقا لتلك الغاية، أقمتم المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب وأنشأتم جامعة تدرس فيها كافة المذاهب الاسلامية.

كما نشكر للجمهورية الاسلامية حسن الاستقبال وكرم الضيافة ونشيد بالجهود المقدرة التي يبذلها حجة الاسلام والمسلمين سماحة الشيخ محمد علي التسخيري رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الاسلامية وجميع معاونيه على مابذلوا من جهد مقدر وعظيم في تنظيم هذه الدورة المباركة وجزاهم اللَّه كل خير.

وقبل أن أختم كلمتي إن كان لي من شي‏ء أعتز به فانني حينما كنت رئيسا للسودان وكانت العلاقات بين الجمهورية الاسلامية الايرانية والسودان مقطوعة أمرت بعودتها فورا. وبحمد الله منذ تلك اللحظة وحتى الآن تسير العلاقات سيرا طيبا فجزاكم الله كل خير.

وفي الختام نؤكد لكم يا سماحة القائد بأننا جميعاً نعمل معكم يداً بيد من أجل إعلاء كلمة اللَّه والصمود في وجه الهيمنة والظلم، ومن أجل تحقيق وحدة الامة الاسلامية واسترداد ما اغتصب من أرض وحق، ونعدكم بالعمل معاً حتى يكون الاسلام حاضراً وفاعلاً ومؤثراً في مجريات الاحداث في العالم. والله أكبر والعزة للاسلام. حفظكم الله وبارك فيكم ونفع بكم. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته‏

ثم ألقى السيد القائد كلمة هامة وضّح فيها أهم المسائل التي ترتبط بالعمل الاسلامي في عصرنا الراهن، وخاصة فيما يرتبط بالهجوم الثقافي الغربي، ومسائل الانفتاح على ثقافة الآخرين، وقضايا وحدة المسلمين وهذه ترجمتها:

كلمة سماحة الامام القائد

بسم اللَّه الرحمن الرحيم. الحمد للَّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

أرحب بكل الاخوة الاعزاء، وآمل أن تكون زيارتهم القصيرة لايران عاملا من عوامل زيادة التفاهم والتعامل بين البلدان المسلمة، خاصة على صعيد الدعوة الذي هو أهم صعيد للنظام الاسلامي.

قبل أن أبدأ حديثي أرى من اللازم أن أشكر من الصميم معالي السيد عز الدين العراقي الامين العام المحترم لمنظمة المؤتمر الاسلامي على ما تفضل به، وعلى ما يتحمله من أتعاب قيمة للمنظمة، نحن نفهم قدر هذه الاتعاب، ونأمل له اطّراد التوفيق.

كما أشكر المشير سوار الذهب على ما تفضل به، وأنا أعرفه منذ سنين، ولكن عن بعد، وأنا مسرور أن ألتقي به الآن عن كثب. وتلك الذكريات التي سردها هي أيضا حلوة في مذاقنا بنفس الدرجة. حينما استلمتم السلطة نحن احتفلنا في ايران. نسأل اللَّه سبحانه وتعالى أن يمن على دولة الاسلام والمسلمين في السودان بالثبات والاستحكام.

إخوتي الاعزاء، لا أريد أن أتحدث اليكم باعتباري مسؤولا رسميا، بل باعتباري طالب علم، وباعتباري رجل دين. ما نهضتم به من أعمال خلال المنظمات المختلفة وفي البلدان المختلفة، على صعيد الدعوة وتنسيق شؤون الدعوة يستحق كامل التقدير، ولاشك أن اللَّه وحده قادر على أن يشكركم على مساعيكم المخلصة والصادقة التي تبذلونها على طريق الدعوة الى دينه. وأنا العبد الضعيف الحقير أتقدم أيضا بالشكر اليكم على مساعيكم في طريق الدعوة الى الاسلام.

أهمية الدعوة الى الاسلام‏

الدعوة الى الاسلام فخر لكل من يحمل أعباءها. إن اللَّه يمنّ على عبده حين يمكّنه من توجيه الناس الى صراطه المستقيم، ويبين لهم معالم الدين الحنيف. أول داع الى اللَّه هو اللَّه نفسه سبحانه وتعالى: «واللَّه يدعو الى دار السلام» [٢]. وأول داعية الى الاسلام هو النبي الاكرم‏صلى الله عليه وآله.

نفخر جميعا بأننا نصدع بما أمر اللَّه سبحانه أفضل خلقه وأشرف أنبيائه إذ قال: «ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» [٣]. الاسلام ببركة الدعوة استطاع أن يضرب بجرانه في أرجاء المعمورة.

عندنا الجهاد أيضا، عندنا السيف أيضا لكن السيف لازالة الموانع أمام الدعوة كي ينفذ نورها في القلوب. في هذا البلد الكبير ايران لم يكن دخول الاسلام في أعماق القلوب بسيوف المجاهدين، سيوف المجاهدين أزالت الموانع، إنها دعوة المؤمنين المخلصين بلسانهم وعملهم، كانت الدعوة بالعمل أيضا: «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم».

لقد آتت الدعوة الاسلامية أكلها على مرّ القرون والاعصار، وترون اليوم عمق الايمان الاسلامي في قلوب شعوب آسيا وأفريقيا وسائر قارات العالم، بل ترون الشوق المتزايد الى الاسلام في بقاع القفقاز وآسيا الوسطى التي قبعت سبعين سنة تحت نير النظام الماركسي المعادي للدين والاسلام هذا الشوق طفح بمجرد انهيار التسلط الشيوعي عليها.

إخوتي الاعزاء.

نحن في هذا المجال لايعوزنا شي‏ء. عندنا القرآن، وعندنا سنة النبي وأهل بيته، وعندنا أحكام الاسلام النيّرة والمعارف الالهية الاسلامية السامية. والعالم اليوم بحاجة الى هذه المعارف.

آلية الدعوة

أقول لكم أيها الاخوة واثقا: كما أن الافكار الالحادية الماركسية لم تستطع أن تقاوم الافكار الاسلامية السامية طويلا، بل كان لها جولة سرعان ما انتهت، كذلك الافكار الغربية الراهنة التي تواجه الفكر الاسلامي في كثير من ساحات الحياة بلغة أخرى وبأساليب أخرى، لا تستطيع أيضا أن تقلل من عذوبة أحكام الاسلام ومعارفه. البشرية اليوم متعطشة الى الاسلام.

ماجاء على لسان بعض المفكرين إذ قالوا: «القرن الميلادي القادم هو قرن الاسلام» أؤيده أنا أيضا. تجاربنا ورؤيتنا للساحة العالمية تؤيد ذلك، شرط أن نكون دعاة للاسلام وأن نعمل بواجباتنا. إذا نهضنا بواجبنا فالاجواء مهيئة. المعارف الاسلامية لها قدرة الامتداد الى أعماق القلوب في جميع أرجاء العالم.

المهم في هذا المجال أن الدعوة الى الحق والى الاسلام لها متطلباتها في كل زمان. يجب أن نفهم هذه المتطلبات، لابد أن نعرف مخاطبنا، ونعرف الخطاب المناسب لهذا المخاطب.

أرى أن الذي يجب أن يكون محورا لتنسيق العمل الدعوي بينكم أيها الاخوة والدعاة هو دراسة آلية الدعوة في عالمنا المعاصر. والى أي شي‏ء ندعو؟ وماهو المنظار الذي نطل به على مسائل الناس ومشاكلهم لنستطيع أن نقدم اليهم الاسلام بشكل صحيح؟ .

تياران خاطئان‏

يظهر أن الساحة الاسلامية تشهد تيارين كلاهما يشكلان خطورة على الاسلام. أحدهما: اتجاه تصوير الاسلام على أنه مجموعة أعمال عبادية - أو شخصية على أبعد تقدير - وبذلك يُبعد الاسلام عن أهم ساحات الحياة. يُبعد الاسلام عن ساحة السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والمجالات الهامة. ويحوّل الدين المبين الى عقيدة صرفة في القلب وعمل فردي لايتجاوز الاطار العائلي والارتباط الاسري.

هذا الاسلام ليس بالذي يتعطش اليه عالمنا المعاصر، وهو أساسا ليس باسلام. النبي الاعظم‏صلى الله عليه وآله حين ورد المدينة أقام الحكومة الاسلامية، وترأسها بنفسه. لو كان بالامكان أن ينتشر الاسلام دون الاعتماد على قدرة اسلامية ودون معالجة المسائل السياسية للمجتمع، لترك رسول اللَّه الحكومة لمن كان يطلبها، وانشغل هو بأمور الدعوة الى الدين وأحكامه وإسداء النصح الى الناس.

النبي أقام نظام الاسلام. والعمل بالاسلام يستلزم أن يسخّر الدين كلَّ ساحات الحياة. لا القلوب فحسب، ولا الاعمال الفردية والشخصية فقط، ولا المسائل الصغيرة والتافهة. هذا الاتجاه خاطئ إذن.

وثمة اتجاه خاطئ آخر في حقل الخطاب الاسلامي، وهو خاطئ‏بنفس درجة الاتجاه الاول. ويتمثل في اتجاه أولئك الذين يريدون أن يتحدثوا عن الاسلام، فلا يلوذون بمصادره الاساسية، بل يتجهون الى ماراج في العالم من صرعات فكرية. يذهبون الى مايهيمن اليوم على كثير من مناطق العالم من فكر غربي، فيكرروه باسم الاسلام.

للحضارة الغربية خطابها الخاص اليوم، وهو ليس بجديد، لقد خبره العالم مدة قرنين أو ثلاثة قرون. طبعا البلدان الغربية حققت في مجال التطور المادي مكتسبات جيدة، ثروة هائلة، وتطورا علميا، واختراعات كبيرة. هذا دون شك وليد الجوانب الايجابية الموجودة في تفكيرهم، أو وليد الخصائص القومية القائمة فيهم.

مآسي الحضارة الغربية

لكن البلدان الغربية في ظل هذه الحضارة ليست سعيدة بالمعنى الانساني لكلمة السعادة. لايتمتعون باستقرار روحي، ولا بعدالة اجتماعية، ولا رعاية لشؤون الانسان والانسانية. أعظم الحروب شعل أوارها الاوربيون. بهذه الحضارة وبآلة هذه الحضارة ارتكب الغربيون أفظع مجازر التاريخ.

قبل مدة أعلنت إحدى الاجهزة الكنسية إحصاء مفاده أن عدد المسيحيين الذين قتلوا في القرن الاخير يفوق قتلى المسيحية في كل التاريخ المسيحي. هذه إحصائية نشرت في هذا الاسبوع. وأود أن أسأل أصحاب هذه الاحصائية: من الذي قتل هؤلاء المسيحيين؟ هل قتلهم المسلمون؟ هل قتلهم البوذيون؟ أم قتلهم المسيحيون أنفسهم؟ ! من الذي قتل الملايين في الحربين العالميتين؟ المسيحيون أنفسهم قتلوا المسيحيين. الاوربيون ارتكبوا هذه المجازر، الغربيون هم الذين أبادوا الحرث والنسل، وقتلوا أيضا كثيرا من غير المسيحيين وغير الاوربيين.

هذه الحضارة الغربية فرزت ظاهرة الاستعمار وفرضتها على العالم مدة مائة وخمسين سنة، وبسطت سيطرتها على كثير من البلدان الآسيوية والافريقية. ولعل أفريقيا بأجمعها خضعت لسلطة الاستعمار وعانى الملايين من شعوبها من نير المستعمرين. انظروا ما فعله الانجليز في شبه القارة الهندية. انظروا مافعله الفرنسيون في شمال أفريقيا. انظروا مافعله الهولنديون والبرتغاليون والبلجيك في شرق آسيا، وما الذي أنزلوه بشعوب هذه المنطقة.

ايران لم تخضع يوما لسيطرة استعمارية مباشرة، لكن انظروا مافعله نفوذ الدول الغربية بايران. أخرونا مائة سنة الى الوراء. كنا يوما رواد العلم في العالم. كان فكر ايران وعلم ايران في الطليعة. وفي فترة نمو الشعوب وتطورها دخل الاوربيون بالتعاون مع المستبدين الداخليين ليعوقوا مسيرتنا ويؤخرونا مائة عام عن قافلة الحضارة، ولينزلوا كل هذا الظلم بايران، وليخلقوا مجتمعا يعاني ألوان التمييز. كل واحد منكم شاهدٌ على مانزل ببلده من مآس على يد هذه الحضارة الغربية. بل أريد أن أقول ماعانته الشعوب الغربية من هذه الحضارة لايقل عما عانته بقية الشعوب. البنيان العائلي في الغرب وفي أوربا، وخاصة أمريكا وأوربا الشمالية متزلزل، والشباب لا يشعر بالراحة، جيل الشباب في ظل الحضارة الغربية تسوده الحيرة ويغمره الاضطراب واليأس وعدم الاستقرار. هذه هي المعطيات التي وهبها الغرب للبشرية.

التجاوب العالمي مع الاسلام‏

نحن نشاهد أعظم التجاوب مع الاسلام في هذه المناطق بالذات… في أمريكا وأوربا وفي المناطق التي تسودها الحضارة الغربية. الدعاة المسلمون يبذلون جهودهم المتواضعة في تلك المناطق غير أنهم يجدون أعظم التجاوب من الناس. لابد أنكم على علم بهذه الظاهرة.

العالم اليوم ينشد إذن الاسلام الحقيقي. ولتبيين الاسلام علينا أن نستخدم مصطلحاته، وأن نتجنب مصطلحات الحضارة الغربية التي لا تعبّر بدقة عن معنى الاسلام، ليس هذا تعصبا، لانريد أن نتخذ موقفا متعصبا من الحضارة الغربية. لا، نحن نؤمن بالتبادل الثقافي، نحن نعتقد أن الحضارات قادرة على أن تستفيد من بعضها. نحن جربنا حضارات متعددة. الاسلام في صدره الاول استفاد كثيرا من حضارة الروم وحضارة ايران. ونحن نستفيد اليوم أيضا. الذي أحذّر منه هو الهزيمة والتراجع أمام حضارة الغرب. أنا أتصدى للوقوف بوجه هذه الحالة، وأحذّر منها. هذه مسألة تعرفونها طبعا، وليس فيها جديد عليكم. علينا أن ننهض بعملية إحياء الثقافة الاسلامية. ثمة هجوم شامل اليوم موجه الى الثقافة الاسلامية بالذات، خاصة مع تصاعد الصحوة الاسلامية.

الاتجاه نحو الاستقلال‏

البلدان الاسلامية استيقظت بحمد اللَّه، الحكومات الاسلامية تستشعر الاستقلال، المسلمون يحسون بالعزّة. نحن نشاهد في كل أرجاء العالم الاسلامي أن الشعوب والحكومات لا تتسم بحالة الخضوع أمام أدعياء الهيمنة العالمية. الشعوب والحكومات في حالة استقلال… في حالة يقظة… ونحن في ايران قلناها «لا» لكل من أراد أن يتعامل معنا تعاملا سلطويا، ويغمرنا السرور والرضا لموقفنا هذا، ولم نعان جراءه من مشكلة مستعصية.

طبعا عندنا مشاكل، وهذه المشاكل ناتجة عن ضعفنا. كانت عندنا نقاط ضعف وعدم تجربة وبسببها خلقنا لانفسنا مشاكل. العدو لم يستطع توجيه ضربة الينا. إن العدوّ يعرقل مسيرتنا ويخلق لنا مشاكل، لكنها مشاكل يمكن التغلب عليها، وليست بمستعصية. ليس ثمة مشكلة أكبر - على الصعيد الثقافي - من الانهزام أمام ثقافة الاجانب. وعلينا أن نتغلب في العالم الاسلامي على هذه المشكلة.

مواجهة الغزو الثقافي‏

إخوتي الاعزاء. خلال عشرات السنين من السيطرة الاوربية وأخيرا الامريكية سعوا الى أن تطغى ثقافتهم على ثقافتنا الاسلامية. سعوا الى سيطرة ثقافتهم في جميع المجالات الاجتماعية. وهذا هجوم حقيقي وقد حان الوقت أن تبدأوا يا رجال الدعوة الاسلامية بهجوم مضاد. وليس من الضروري أن يكون الهجوم المضاد ذا جوانب سلبية دائما. الجوانب الايجابية فيه تفوق الجوانب السلبية. وضّحوا للناس روائع الصور في تاريخ المسلمين وحقائق الاسلام، وتوحيد الاسلام، والمعنى السامي للنبوة والعدالة الاسلامية، والحكومة بالمعنى الاسلامي ومكانة الانسان في نظر الاسلام.

أية مدرسة من هذه المدارس التي تدّعي الدفاع عن الانسان لها مثل هذا الخطاب بشأن الانسان؟ !: «من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» [٤]. من تحدث بهذا الشكل عن الانسان؟ أية مدرسة تحدثت عن قتل الانسان بهذه العظمة؟ ! البشرية تشتاق لاستماع هذه المواقف الانسانية العظيمة.

البشر اليوم رهن أسر دكتاتورية القوى المتجبرة العالمية. تشاهدون ما يجري في فلسطين. حقيقة القضية أن أصحاب البيت الفلسطيني مقهورون أمام مجموعة معتدية، والمأساة الاكبر أن صاحب البيت لايحق له أن يجرأ على الكلام، لايحق له أن يطالب بحقه. هذا أكبر ظلم ينزل بشعب، وهو اليوم ينزل بالفعل.

من الذي يرتكب هذا الظلم؟ يرتكبه أدعياء الدفاع عن الانسان في أوربا وأمريكا. اسرائيل ذاتها ليست بشي‏ء. إسرائيل تعني شركة مساهمة من شذاذ الآفاق تجمعوا من بقاع العالم الغربي (أوربا وأمريكا)، وأخرجوا المسلمين من عقر دارهم.

مثل هذا الظلم الكبير ينزل بالبشرية اليوم على يد أدعياء الدفاع عن الانسان وعن الحرية. إنهم يتحدثون كذبا عن الحرية نعم، توجد في الغرب حرية الشهوات، حرية النشاط الفردي حتى ولو أدى الى ظلم الناس. ماهذه الحرية الموجودة اليوم في أمريكا؟ ! إنها تعني أن يكون فرد من الافراد قادرا - لتحقيق مصالحه - أن يمارس الظلم والتعسف (طبعا في إطار القوانين التي سنّها هؤلاء الظَلَمة) بحق أي شخص. هؤلاء يريدون مثل هذه الحرية. أما حرية الشعوب من براثن استثمار القوى المستكبرة فلا. لا يقبلون هذا أبدا، ولا يرضخون له عمليا.

ترون اليوم أن الدفاع عن الشعب الفلسطيني يعتبر كلاما مدهشا لكثيرين. لو قال قائل إن الفلسطينيين هم أصحاب فلسطين فكأنه أطلق كلاما منكرا.

انظروا الى فظاعة هذا العالم الذي تسيطر عليه الثقافة الغربية. هل هناك ظلم أكبر من هذا؟ إنه ظلم ما فوقه ظلم، ظلم بالإنسانية جمعاء.

الشعوب متعطشة للاسلام، الاسلام المدافع عن العدل: «ليقوم الناس بالقسط» [٥]. مجي‏ء الانبياء وإرسال الرسل وإنزال الكتب إنما هو للقيام بالقسط، لأداء حق الانسانية، وللدفاع عن الانسان. هذا هو الاسلام. والبشرية متعطشة لهذا الاسلام. ويجب إيصاله الى كل العالم وتبيينه لكل الناس.

آلية الفن في الدعوة

أولئك الذين يناصبون الاسلام والمسلمين العداء يتوسلون بكافة آليات الدعوة. بالفن والفلم والرواية والكتاب والدراسات التاريخية، وباخراج دائرة المعارف. مع أن طبيعة «دائرة المعارف» أن تكون محايدة في القضايا السياسية والعقائدية والفكرية، غير أنهم في دائرة معارفهم يدسّون ما يدسّون ضد الاسلام والمسلمين والتاريخ الاسلامي وحقائق الاسلام. أي إنهم يعملون بجدٍّ ضد الاسلام ويحمون باطلهم بكل السبل. وأنا أقول: عليكم أن تستفيدوا من كل السبل وخاصة من الفنون للدفاع عن حقكم.

في عالم الاسلام ثمة فنانون كثيرون، لماذا لا يعرضون قضية فلسطين كما ينبغي، في إطار فني؟ لماذا لا تعرض أحداث قرن أو قرن ونصف القرن من التسلط الاجنبي الظالم على البلدان الاسلامية في إطار فني؟ !

ماننساه وما لا ننساه‏

لا تقولوا هذه مسألة ترتبط بالماضي. هؤلاء مهتمون أن ننسى الماضي. لماذا لا ينسون هم الحروب الصليبية؟ لماذا لا ينسون إثارة الاختلافات التاريخية بين أهل السنة والشيعة متى ما أتيحت لهم أدنى فرصة لذلك؟ كيف يقولون لنا إذن: إنسوا الماضي؟ الماضي الذي يجب أن يُنسى هو الاختلافات بين المسلمين. على المسلمين أن ينسوا اختلافاتهم. عليهم أن يتركوا جانبا ماكان بينهم في الماضي من اختلاف. على المسلمين أن يكونوا اليوم يدا واحدة على من سواهم. ولكن لايجوز أن ننسى مافعله الاعداء بأمتنا العظمى. ولماذا ننساه؟ ! ما السبب؟ ! يجب أن نبينه للجيل الصاعد.

الانفتاح على العالم‏

نعم يجب أن نتعامل مع العالم. لم أقل بعدم التعامل. نحن بلد يسير وفق الاصول، ولدينا تعامل مع جميع العالم. نحن قطعنا التعامل مع بلدين فقط. الاول اسرائيل والثاني أمريكا. وإنما قطعنا التعامل مع أمريكا لعدائها معنا في الماضي وفي الحاضر، ولسعيها فرض السيطرة في علاقاتها معنا. لو لم تحمل أهدافا سلطوية لا قمنا علاقات معها أيضا. لكنها تستهدف الهيمنة ونحن نعرف هذا جيدا، نحن نتعامل مع كل العالم. من هنا فالاطلاع على من ترك علينا آثارا سلبية في التاريخ لايتعارض مع التعامل.

حفظ الوحدة

المسألة الاخرى التي أريد عرضها عليكم حفظ الوحدة بين البلدان الاسلامية. منظمة المؤتمر الاسلامي ساحة جيدة لحل الخلافات بين البلدان الاسلامية، أو للحد منها على الاقل. ويسرنا أن نكون من الاعضاء الفاعلين في المنظمة. وفي هذه الدورة التي تتولى فيها ايران رئاسة المنظمة نشعر بمسؤولية أكبر. نأمل أن تحل الخلافات، ونعلم أن الخلافات بين البلدان الاسلامية سطحية ناشئة عن سوء تفاهم غالبا.

أعداء الاسلام يسعون دائما الى إثارة الخلافات بين المسلمين… بين بلدين جارين…بين بلدين متباعدين… بين عرب وغير عرب، بل بين العرب أنفسهم وبين غير العرب أنفسهم. نحن قطعنا أشواطا جيدة في طريق الوحدة، أشواطا بعيدة والحمد للَّه. نحن راضون لوضعنا مع البلدان الاسلامية الشقيقة. والعلاقات تتسع وتترسخ بحمد اللَّه. وهذا يستطيع أن يحمل معه بركات لكل العالم الاسلامي.

العلاقات الاخيرة الحميمة والوطيدة بيننا وبين السعودية تستطيع حتما أن تكون مؤثرة ومفيدة في قضية الدعوة الاسلامية. آمل أن تتوثق العلاقات بين بلدان العالم الاسلامي أكثر فأكثر.

أيها الاخوة الاعزاء.

أطلب منكم أن تنظروا الى دنيا الاسلام بصورة «أمة» واحدة. نحن أمة واحدة. والذي يجمعنا ايرانيين وعربا وباكستانيين وهنودا كوننا مسلمين. نحن جميعا أمة اسلامية واحدة… مجموعة واحدة. بهذه الرؤية انظروا الى عالم الاسلام، واعملوا لدنيا الاسلام. والله معكم، وسيكون لكم عونا باذنه تعالى. والاجواء مهيئة، وآمل أن نرى إن شاء اللَّه في المستقبل القريب آثار هذا التفاهم وهذه المحادثات وهذه الاجتماعات في حياتنا وفي العالم الاسلامي وفي بلدنا.

أختم حديثي وأبقى منتظرا إذا كان الاخوة الاعزاء يودون أن يتناولوا الحديث. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

وحين وجد الحاضرون أنهم أمام عالم كبير يتحدث عن أكثر القضايا حساسية في مجال العمل والدعوة، ووجدوا أنفسهم يجلسون مع السيد القائد على الارض في جلسة متواضعة بعيدة عن التكلف والتشريفات، راحوا يعبّرون بصراحة كاملة عن آرائهم ووجهات نظرهم ليجعلوا من الجلسة جلسة عمل حقيقي فاعل.

بدأ الكلام فضيلة الشيخ عبد اللَّه صالح بن عبيد الأمين العام لرابطة العالم الاسلامي. وهذانص كلامه:

كلمة الشيخ عبد الله صالح بن عبيد

الأمين العام لرابطة العالم الاسلامي

الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فأشكر سماحةَ آية اللَّه القائد على هذه الكلمة التوجيهية، والتي تعبر بالفعل عن المستقبل الواعد لعلاقات المسلمين مع بعضهم، ولمواقفهم مع غيرهم. ويسرّني أيضا باسم رابطة العالم الاسلامي أن أشيد بجهود سماحته وبجهود فخافة رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية، وجهود معالي الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي على مايبذلونه من جهد لجمع كلمة المسلمين. كما أقدر الخطوات الايجابية التي تقوم حاليا بين الجمهورية الاسلامية الايرانية والمملكة العربية السعودية، من أجل وحدة الصف وتقارب وجهات النظر.

وأطلب من إخواني أن تكون كلمة سماحته وثيقة من وثائق اجتماعنا، ونبراسا نقتدي به في علاقاتنا مستقبلا وشكرا لكم والسلام عليكم.

ثم تحدث الاستاذ الداعية كامل الشريف الامين العام للمجلس الاسلامي العالمي للدعوة والاغاثة. وهذا نصّ كلمته:

كلمة الاستاذ كامل الشريف الامين العام‏

للمجلس الاسلامي العالمي للدعوة والاغاثة

بسم اللَّه الرحمن الرحيم. الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه.

استمعنا الى هذه الكلمة الضافية من سماحة الامام القائد، ومافيها من معان كثيرة ومتعددة، وتوجيهات تستحق أن نتأمل فيها، وأن نستخلص منها كثيرا من الدروس.

وفي الحقيقة أن إيران يتهيأ لها مجال كبير في قلب الامة الاسلامية، ليس فقط لأنها الآن مقر منظمة المؤتمر الاسلامي في هذه الدورة، ولكن لانها أيضا تحمل مواقف يرضاها ويرحب بها المسلمون. على سبيل المثال ماتكلم به سماحته عن هذا الاستيعاب للخطر الصهيوني وقضية فلسطين. و الواقع نحن نعدّ هذا الميدان من أهم ميادين الدعوة. لأن الدعوة تنشئ الانسان المسلم القويّ الصبور الذي يتصدى للاخطار، وهذه القضية بالذات هي الميدان وهي المحك الذي تبرز فيه هذه النتائج. هذا الموقف من ايران بالذات يلاقي ترحيبا كبيرا في البلاد الاسلامية. وهذا الموقف أيضا يقدم نوعا من القيادة نوعا من الريادة للعمل الاسلامي. لكن هذا الموقف فيه صعوبات وعليه تكاليف وله ثمن، لانه ثمن التصدي والريادة والقيادة ليس سهلا. يقول الشاعر العربي:

فالسيل حرب للمكان العالي.

وكذلك يعزّز هذا الموقف في الحقيقة ماتفضلتم به وما سمعناه من إخواننا الايرانيين باستمرار هو نفي التعصب المذهبي والحماس المنفرد للمذاهب. التعصب قد يؤدي المكاسب القليلة، لكنه لا يؤدي المكسب الكبير، مكسب وحدة الامة الاسلامية، والدور العظيم المنتظر. ولذلك يسعدنا أن السياسة الايرانية تقوم على هذا المبدأ، وهو منع المذهبية ومنع التعصب للمذاهب، وقد استمعنا بشكل خاص من سماحة الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية بشأن هذا التوجّه، وسعدنا جدا بما سمعنا، لأنا بلينا بشرّ عظيم من التعصب المذهبي، في مراحل كثيرة من التاريخ، وآن الاوان كما تفضلتم أن ننسى الماضي، ونطلب المستقبل بنظرة حقيقية خاصة في عصرنا هذا الذي يتسم في بلادنا والحمد للَّه بالعلم والوضوح والتطلعات. أصبح هذا جزءً من تراث الماضي، كذلك ما أشرتم اليه سماحتكم من الحرص على أن الفكر الاسلامي والتوجّه الاسلامي يكون في القمة. في القيادات، وهذا مهمّ، لانها في الواقع هي التي لديها الامكانات. لكن أسلوبنا - وأعتقد أن الاخوان يشاركوني في ذلك - هو التوعية والدعوة والنصح والوعظ وعدم الملل من ذلك، «وما يلقاها الا الذين صبروا» [٦] فالدعوة تتطلب الصبر، ل

أن أي نوع من أنواع الانفلات نحو العنف يؤدي في الواقع الى أضرار كبيرة والى زيادة البلة في الطين ويزيد في الانقسامات، لأن عالمنا عالم صغير مع الاسف، مخترق.

وأذكر أني تشرفت بلقاء سماحتكم حينما كنت ضمن وفد شعبي لمحاولة منع الحرب العراقية مع الكويت. جئنا الى هنا واستمعنا الى نصائحكم، طبعا جهودنا ذهبت كلها مع الاسف أدراج الرياح، لأن القوى العالمية كانت أقوى بكثير من النوايا الطيبة والنصائح الثمينة، فوقعت الكارثة. عالمنا في الواقع مخترق، عالم صغير، وأهم شي‏ء أن نحمي عالمنا هذا من الخلافات والفتن والتعصب والتسرع.

لذلك نحن أسلوبنا في الدعوة هو التأثير على القيادات من خلال النصح والوعظ والضغط السلمي بالحكمة، ومحاولة التبصير بالاخطار لكن لابمزاحمتهم في كراسيهم وفي سياساتهم. هدفنا هو التأثير على المسؤولين وليس انتزاع سلطاتهم أو مقاعدهم. والفرق واضح.

لا أحب أن أطيل حتى أعطي الوقت لاخواني. لكن هذه النصائح التي استمعناها منكم وخاصة النظرة الاسلامية الواسعة المرنة التي تستوعب الجميع، ولا تعمد الى قول أو فعل يعكّر الثقة أو يعيدنا مرة أخرى الى الخصومات المذهبية. هذه سياسة حكيمة نسعد بها ونباركها ونسأل اللَّه عزّوجل أن يزيدكم ثباتا عليها حتى تخرجوا بأمتكم من هذا المخاض المؤلم المزعج الى ساحل الامان والوحدة والعمل الحقيقي، خاصة وأن العالم كما تفضلتم ينتظر الاسلام. حقيقة هناك مؤشرات على أن العالم ينتظر الفكر الاسلامي السليم والبناء، ولعل هذا من أسباب الحرب عليه، لانه الدين المقبول. هذه البذرة تحتاج الى وقاية كي تنمو وتتسع وتؤتي أكلها. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

ثم تحدّث الدكتور مانع بن محمد الجهني الامين العام للندوة العالمية للشباب الاسلامي وهذا نصّ كلمته:

كلمة الدكتور مانع بن محمد الجهني الامين‏

العام للندوة العالمية للشباب الاسلامي

بسم اللَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه عليه السلام.

لقد سعدنا كثيرا بلقاء الامام القائد، واستفدنا لما سمعناه من نصائح قيّمة وأفكار نيرة حول الامة الاسلامية والعمل الاسلامي ومستقبل الامة الاسلامية وخصوصا علاقاتها مع بعضها قبل أن تكون لها علاقات مع الآخرين. وأذكر أنني حينما قامت الثورة الاسلامية الايرانية كنت في الولايات المتحدة، وكانت كثير من الآمال تعقد على هذه الثورة، وأنتم تعلمون جميعا أنه كان لها الاثر الكبير على أنحاء العالم الاسلامي خصوصا في البدايات، فقد أثرت ايجابيا، وتحركت كثير من قطاعات العمل الاسلامي والدعوة الاسلامية واعتبرت هذه الثورة أملا، ومايزال الناس يعقدون كثيرا من الآمال على هذه التوجهات خصوصا الأخيرة.

وأصدقكم القول، وأكون معكم صريحا، بعد قيام الثورة بفترة قليلة وُجِد أنها لم تسلم من بعض النظرات الضيقة التي كان الناس يؤملون أن تتجاوزها. وكان من هذه الآمال المعقودة أن الثورة في ايران تمثل الاسلام والمسلمين بصفة عامة، لكنها نحت منحى - أو مالت على الاقل - الى التوجه الحزبي أو القطري أو كذا، فخف حماس الشباب لها، وأنا أتحدث باسم الشباب على الاقل بحكم موقعي، وكادت أن تصبح الثورة والدولة في ايران كأي دولة أخرى من الدول التي تريد أن تحقق بعض المواقع وبعض المكاسب على حساب الآخرين.

وهذا أفقدها - في الحقيقة - كثيرا من تأثيرها وبريقها في ذلك الوقت، لكننا نرى خيرا في التوجه الاخير، خصوصا من بعد انعقاد مؤتمر قمة منظمة المؤتمر الاسلامي. وحضر رؤساء الدول الاسلامية في هذه البلاد، وكان المؤتمر الاخير من أنجح المؤتمرات حقيقة، وأحيا شيئا من الآمال، واتجهت القلوب داعية اللَّه سبحانه أن يوفق قادة العالم الاسلامي ليأخذوا بيد هذه الامة الى مقدمة الشعوب لتقود الناس الى طريق الحق، والى طريق الاسلام الذي هو السبيل الوحيد للانقاذ.

لهذا نحن نؤمل وندعو اللَّه سبحانه وتعالى أن تكون الافكار التي طرحتموها، وأن تكون الامور الطيبة التي أعلنت في أكثر من مجال، هي التي ستكون الغالبة وستكون هي الموجهة إن شاء اللَّه لكل المسلمين في هذا العصر، حتى تتحقق للامة العزّة التي ترجوها. الامة تعاني من التعصب وبالتالي لايمكن أن يحلّ التعصب بتعصّب آخر.

ومنهج التقارب بين المذاهب الاسلامية منهج عظيم، والطروحات التي طُرحت طروحات جيدة، لكن وأصدقكم القول، كثير من المسلمين السنة ليسوا مطمئنين كثيرا لهذا المنهج، لأن المفروض أن يكون تقارب الاقلية الى الاكثرية على الحق. فمن أجل هذا نؤمل أن يحصل فعلا هذا التقارب الذي لن يفقد ايران قيمتها، بل سيضعها في مقدمة قيادات الامم الاسلامية، لأننا رأينا الآثار التي حققتها الثورة الاسلامية الايرانية في هذه البلاد.

طهران وايران كانت معلوم مافيها أيام الشاه، وأنت الآن لاتكاد ترى امرأة سافرة في ايران، بل ما رأينا حقيقة. البنوك الربوية حُولت الى بنوك إسلامية. أمكنة القمار والخمور كلها اختفت، هذه جوانب ايجابية نهنئكم عليها. ونرجو من اللَّه سبحانه وتعالى أن تتحقق في العالم الاسلامي بتوفيق اللَّه، ثم بدعمكم وتوجهكم الطيب الصالح.

هذه الثورة هي ثورة مباركة إذا اتخذت فعلا المنهج الاسلامي الصحيح الذي رأينا بوادره في الفترة الاخيرة من حيث الانفتاح ومن حيث محاولة لمّ الشمل. ودعوة لمّ الشمل في الواقع دعوة قديمة، لكن الناس لم يكونوا مطمئنين لها مائة بالمائة، لان التطبيقات في بعض المناطق ليست كما ينبغي. ونرجو إن شاء اللَّه أن تتجاوزوا ذلك مع رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية الجديد وغيره من العاملين.

نحن لم نلتق بالمسؤولين الايرانيين من قبل. لقد عرفنا الشيخ التسخيري والاستاذ صباح وآخرين وكنت من أكثر المعجبين بهم وبمواقفهم في إطار منظمة المؤتمر الاسلامي. وسمعنا منكم الآن أكثر من هذا، وهو يطمئن، ولكن لانزال نطمع بالمزيد على المنهج الاسلامي الصحيح الذي يحقق للامة عزّتها، شكرا جزيلا وسعدنا بلقائكم يا سماحة الامام.

أراد السيد القائد بعد كلمة الدكتور مانع أن يعلّق على كلمة الدكتور مانع، ولكنه أخّر تعليقه الى بعد كلمة الاخ السوري. فتحدث الدكتور محمد الحبش مندوب الشيخ كفتارو مفتي الجمهورية العربية السورية وهذا نصّ كلمته:

كلمة الدكتور محمد الحبش مندوب مفتي‏

الجمهورية العربية السورية

بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه المنتجبين الاخيار الطيبين.

بداية أعتذر من إخواني فقد أكون من أصغرهم سنا وقدرا، ولكنني أحببت أن أتحدث لاني هنا أمثل سوريا، وإنني فخور أن تكون سوريا بقيادة الرئيس حافظ الاسد كانت من أول من تفهّم مقاصد الثورة في ايران، ووقفت الى جانبها منذ الأيام الاولى وقدمت الكثير، وكان أكثر ما أرهقها سوء الظن والريبة من إخوانها وأشقائها الذين تأخروا في تفهم مقاصد هذه الثورة الاسلامية العظيمة.

وكنت أود أن أتحدث حول مسألة تتصل بما تحدث عنه الدكتور مانع. في الحقيقة ما أشار اليه الدكتور مانع هو همّ إسلامي. وجود التعصب همّ إسلامي. ولكن إذا أردنا أن نكون دقيقين ونضع النقاط على الحروف فيجب القول إن ما عانينا منه من التعصب على صعيد المدرستين السنية والشيعية هو في اعتقادي - وكما لاحظناه من سلوك المسؤولين الايرانيين - لم يكن يمثل وجهة نظر الثورة الاسلامية، وإنما كان يمثل تيارات تتحرك دون أن تحظى برقابة أو عناية أو توجيه. ونحن سعداء اليوم بأن الجمهورية الاسلامية تنبهت الى هذا، وأوكلت أمر التوجية خارج ايران الى منظمة واحدة وأوكلت رعايتها الى سماحة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ محمد علي التسخيري، وبذلك أصبحنا نملك القدرة على التمييز بين ماهو توجه رسمي للثورة وسماحة الامام القائد، وبين ماهو مواقف شخصية لافراد يدعون أنهم ينتمون.

وهذا التعصب في الحقيقة موجود في إطار المدرستين، في اطار السنة وفي اطار الشيعة. وأعتقد أن وجود هذه الرابطة التي يرأسها اليوم سماحة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ التسخيري وإن كانت قد تأسست عام ٩٥، أي بعد قيام الثورة بنحو ١٦ عاما، ولكن المأمول أن تتولى هذه الرابطة تصحيح فهم المسلمين في العالم لمقاصد الثورة، ونحن في سوريا عانينا من كثيرين كتبوا بروح عدائية تجاه المسلمين، وأساءوا في الحقيقة الى الثورة، وتبين لنا أنهم لم يكونوا إطلاقا يوجهون من قبل الثورة الاسلامية.

وأنا أدعو الآن إخواني في قيادات المنظمات الاسلامية أن يتولوا مسؤولياتهم كاملة، فهذا التعصب في الواقع موجود في المدرستين، وعلينا أن نتولى تحقيق قيام تعاون بين المذاهب دون إلغائها.

على مستوى السنة نحن عشنا دائما أربعة مذاهب. وكنا نقول دائما: الرأي عندنا كذا والرأي عند «السادة» الشافعية كذا. والامر نفسه عند السادة الجعفرية.

في التاريخ ظهرت فترات خنق فيها التعدد وعرضت رقاب الناس للسيف، لذلك يجب أن نتعود قيام تعاون بين المذاهب الاسلامية من دون إلغائها. إن المذاهب الاربعة عند أهل السنة والمذهب الجعفري الذي هو تمام هذا العقد الكريم… والمذهب الجعفري هو مذهب الامام جعفر الصادق أستاذ أئمة المذاهب. هذه المذاهب إنما هي الواقع تحقيق للتنوع في العالم الاسلامي الذي نبتغيه.

في الختام مرة أخرى أتوجه باسم سوريا قيادة وشعبا بالشكر الجزيل لسماحة الامام القائد.

واختم كلمتي بكلمة لسماحة الشيخ أحمد كفتارو قالها لسماحتكم يوم تشرفنا بزيارتكم، وكنت آنذاك مشاركا في مسابقات القرآن الكريم كأصغر حافظ للقرآن وأخذت الاول على العالم الاسلامي وتسلمت الجائزة من يدكم الكريمة، وأعتز بها، وهي في صدر بيتي الآن. أذكر أنه قال لكم: إذا كانت السنة هي العمل بسنة رسول اللَّه فكلنا سنة، واذا كانت الشيعة هي حبّ آل بيت رسول اللَّه والانتصار لهم فكلنا شيعة. وإذن كل شيعي سني وكل سنّي شيعي. واذا كانت السنة والشيعة تسميتان أريد بهما شرخ العالم الاسلامي الى منهجين متحاربين فانا أعتقد أننا ينبغي أن نعود الى تسمية اللَّه سبحانه إذ قال: «هو سمّاكم المسلمين» [٧] شكرا سماحة الامام وشكرا للاخوة.

وسأل السيد القائد عن صحة سماحة الشيخ كفتارو فأجابه الاخ المتحدث بأنه بخير ويسلم عليكم.

ثم طلب السيد القائد الكلمة ليعلق على ماجاء في حديث الامين العام للندوة العالمية للشباب الاسلامي فقال:

تعليق السيد القائد

أنا شاكر جدا لأن أسمع الكلام منكم صريحا، نحن نؤيد الصراحة، ونحن صرحاء أيضا. أودّ أن أقول لو أن هذا المؤتمر الذي عُقد هذا العام قد عُقد قبل عشرة أعوام، وأُتيحت الفرصة للعالم الاسلامي ليطلع على قضايا ايران آنذاك، لكان رأيكم وحكمكم بشأن ايران آنئذ هو نفسه الذي تحملونه الآن.

الارتباطات بين أجزاء العالم الاسلامي مع الاسف ضعيفة. العلاقات الاعلامية بيننا تتم عن طريق أعداء المسلمين، وهؤلاء قادرون على أن يصوروا ايران بشكل يشوّش الصورة في ذهن ذلك المسلم الذي يعيش بعيدا عن ايران.

إعلموا أن هؤلاء يقولون لنا عنكم أيضا أشياء يشوشون ذهننا تجاهكم.

ولو أن الايرانيين صدّقوا مايقال عنكم في هذه الاجهزة الاعلامية لكانت أذهانهم مملوءة بنفس ما في ذهنكم عن الايرانيين.

لا بأس أن تعرفوا أن أحد المحاور الرئيسة لاذاعة اسرائيل الموجهة باللغة الفارسية الى إيران هو الدفاع عن «مظلومية» أهل السنة في ايران، ولا يكاد يمرّ أسبوع دون التركيز على هذا الموضوع في هذه الاذاعة. إذاعة اسرائيل ترفع عقيرتها باستمرار متحدثة عن «مظلومية» أهل السنة في ايران بيد الحكومة الشيعية «الظالمة» !!

صباح اليوم بالذات وصلني تقرير عن دفاع حارّ بثته إذاعة إسرائيل عن ممارسات حكومة الشيعة في ايران تجاه أهل السنة.

من المحتمل أن لهجة هذه الاذاعة تتحدث بشكل آخر في ظروف أخرى. لايجوز تصديق كل مايُسمع. والاقلام والامواج بيد الاعداء.

المجمع العالمي للتقريب الذي أشار اليه بعض الأخوة ليس بجديد، لم نؤسسه أخيراً، بل تأسس منذ ٨ أو ٩ سنوات.

وأنا كنت مدة أعيش في المنفى جنوب ايران أيام حكم الشاه. وعلماء بلوشستان السنة هم من أصدقائي الشخصيين، ويترددون عليّ، وهكذا غيرهم من كبار علماء السنّة، لنا معهم علاقات صداقة، وعشنا معهم مدة.

في ايران ليس الامر كما وصفتم. طبعا من الممكن أن يصدر من هذا الفرد أو ذاك كلام أو تصريح يتعلق به شخصيا. أما الحكومة والنظام وعامة الناس فهم على هذا النهج التقريبي. وهذا لا يعني أن الشيعة يتنازلون عن تشيعهم، لا، هم مؤمنون بمذهبهم، وهكذا أهل السنة في ايران متمسكون بمذهبهم. ولكن الالتزام بالمذهب لا يعني العداء بين المذاهب. أي من الممكن أن تكون على رأس النظام حكومة شيعية، ولكنها تتعامل مع أبناء المذاهب الاسلامية الاخرى تعاملا يقوم على العدل والمساواة والاخوة وينأى عن الظلم والتمييز والجفوة.

يجب علينا أن نحاسب أنفسنا في إيماننا بقوله سبحانه: «إنما المؤمنون إخوة» [٨]. وإذا كنا مؤمنين بذلك، فلا بأس أن نكون على مذهب معين.

بعض الدعوات في العالم الاسلامي تتجه الى أن تعرّف بعض المسلمين بأنهم كفار. مثل هذه الدعوات لا توجد لحسن الحظ في ايران اطلاقا نحن نعتبر كل أبناء أمتنا مسلمين ونعتبرهم إخوتنا. نحن نعرف أن الاخوة الفلسطينيين ليسوا بشيعة بل هم من أهل السنّة. وما قمنا به حتى الآن من دعم لهم إنما هو دعم لاهل السنة الفلسطينيين.

في البوسنة والهرسك قدمنا شهداء، ولم نكتف بالمال والسلاح، ولعله لايوجد بينهم شيعي واحد، بل هم إخوتنا من أهل السنة.

نظرتنا الى الاخوة من أهل السنة بنفس نظرتنا الى الشيعة. بذلنا في سبيل قضيتهم النفس والمال والدعم السياسي. هذا هو موقفنا.

وهذا الذي سمعتموه إنما هو من الاعداء، ولا يتوقع من الاعداء غير هذا…. معذرة.

ثم تحدث الدكتور حامد الرفاعي نائب رئيس المنظمة الاسلامية العالمية في كراجى وهذا نص كلمته:

كلمة الدكتور حامد الرفاعي نائب

رئيس المؤتمر العالمي الاسلامي في كراچي‏

بسم اللَّه الرحمن الرحيم. الحمد للَّه والصلاة والسلام على سيدنا رسول اللَّه. باسم مؤتمر العالم الاسلامي في كراجي أشكر سماحة الامام القائد على ماتفضل به من توضيح لكثير من الامور جعلتنا نتعرف على أصول التوجه العام لهذا البلد الحبيب على قلوبنا. وسعدت كثيرا بما سمعت وأزداد سعادة بهذا الحوار العائلي الصريح الذي يجعلنا نحسّ بأننا بالفعل أسرة واحدة تعيش همّا واحدا.

ومنذ سنوات في إطار تعاوني مع معالي الاستاذ كامل الشريف، يشغلني هاجس هو كيف نستطيع أن نبعث تيارا إسلاميا يجمع الرسمي والشعبي في همٍّ واحد، وننتقل بهذه الامة من مناخ الاتهام الى مناخ الثقة، ومن مناخ التضاد الى مناخ التعاون. وكنا نتحدث بهذا الحلُم، وأحس اليوم في طهران ومن قبل في السعودية وفي القاهرة وفي غيرها من عواصم هذه الامة أن هذا الامل بدأ يتشكّل.

وهذا يبعث في النفس كثيراً من الامل في هذه الامة. ولذلك أتمنى على إخواني أن نبقى في حديثنا في إطار تأصيل تحقيق هذا الامل، وتشكيل هذا التيار العام للامة، تشكيل فهمها لتحدياتها الداخلية، وتشكيل فهمها للتحديات الدولية، ومن ثم تشكيل تصورها المشترك بشأن مشروعها الاسلامي العالمي المشترك، لاننا نعيش هما عالميا، ولندع همومنا الداخلية تعالج مع الزمن في إطار اهتمامنا بهمنا العالمي.

أرجو أن نركز على هذا الهم العالمي، ونركز على التعامل العالمي. واذا قامت الثقة بيننا في فهمنا لهمنا العالمي، وفي فهمنا لموضوعية التعامل مع همنا العالمي، أنا أحس أن كثيرا من القضايا الداخلية ستذوب في إطار جدية تعاملنا مع همّنا العالمي.

المؤتمر الاسلامي الذي عقد أخيراً في طهران رفع شعارات أساسية، ومن أهمها الانفتاح والحوار، وهما قاعدتان ذهبيتان أصّلهما الاسلام. وقلت البارحة لاخواني أن العالمية التي تخيفنا اليوم هي الاسلام. الاسلام هو صاحب منهج العالمية. هو صاحب نداء العالمية. هو العالمية: «يا أيها الناس إني رسول اللَّه اليكم جميعا» [٩]. وطرح الاسلام ثلاثة قواعد ومبادئ عامة لمنهجية العالمية.

المبدأ الاول: التعارف… التعارف من داخلنا والتعارف مع الآخر.

والمبدأ الثاني: التدافع، التدافع من داخلنا، والتدافع مع الآخر.

والمبدأ الثالث: الحوار.

فعندما يأتي مؤتمر القمة الاسلامي وتجتمع كلمته على هذه المبادئ الثلاث، إذن الامة بدأ يتشكل رأيها العالمي. وبدأ يتشكل منهجها العالمي، ونطمح أن تتشكل في إطار هذا التشكل الاستراتيجية العالمية التي ستنهي كل هذه القضايا. أكرر شكري وغبطتي وسعادتي بهذا اللقاء وبهذا الاستقبال لسماحتكم أيها القائد الحبيب، والشكر لكم جميعا، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

ثم أخذ الكلمة الاستاذ الدكتور عبد الله عبد المحسن التركي وزير الاوقاف والدعوة والارشاد في المملكة العربية السعودية وهذا نص كلمته:

كلمة الدكتور عبد اللَّه عبد المحسن التركي

وزير الاوقاف والدعوة والارشاد

في المملكة العربية السعودية

بسم اللَّه الرحمن الرحيم، الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وبعد:

فاشكر لسماحة القائد استقباله لهذا الجمع الكريم كما أشكر له كلماته الطيبة النافعة المفيدة التي تدعو الناس وتدعو هؤلاء الحاضرين الى مزيد من التعاون والتكاتف والتآزر.

أشار سماحته الى التعاون بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية، ولا شك أن هذا التعاون يعلق عليه المسلمون آمالا كبيرة، ويؤملون أن يحقق ثمرات ونتائج طيبة لمواجهة التحديات التي يواجهها المسلمون الداخلية منها والخارجية.

المملكة العربية السعودية يسرّها كثيراً أن تنطلق الامة الاسلامية بأسرها متعاونة متآزرة. الاسس التي قام عليها نظام الحكم في المملكة العربية السعودية الدعوة الى تضامن المسلمين وتعاونهم. الملك فيصل رحمه اللَّه ومن سبقه الملك عبد العزيز يدعون في كل مناسبة … في الحج وفي غير الحج الى تضامن المسلمين والى تعاونهم مع وجود المذاهب والاختلافات ووجود التنوع. وهذا شي‏ء موجود في الامة ولا يمكن أن ننهيه في جلسة أو جلسات أو لقاء أو كلمات تلقى هنا أو هناك. فحرصت المملكة على رفع راية التضامن الاسلامي، ومن هنا وجدت منظمة المؤتمر الاسلامي التي تنضوي تحتها الدول الاسلامية وأقيمت المؤتمرات المتعددة وتأسس بنك التنمية الاسلامي، وصندوق التضامن الاسلامي والهيئات الاسلامية الرسمية منها والشعبية. يسرّ المملكة أن تلتقي الاصوات من كل البلدان الاسلامية، وبالذات من ايران فيما يتعلق بجمع كلمة المسلمين والتعاون باعتبارنا أمة واحدة.

دعوة التضامن الاسلامي التي نادت بها المملكة ويؤمن بها كل مسلم، لان التضامن هو التعاون، نريد ونحرص أن تتأصل وأن تنطلق. وأعتقد أن هذا الموضوع لا يخفى على كل المهتمين والمشتغلين بالدعوة الى اللَّه.

وفي مؤتمر القمة الاسلامي الاخير برز هذا بوضوح. اجتماعنا هذا أيضا في اطار لجنة التنسيق هو أيضا أثر وثمرة للتعاون بين القيادتين في الجمهورية الاسلامية الايرانية والمملكة العربية السعودية. فأحببت أولا أن أشكر سماحته على هذه الالتفاتة الطيبة وهذه الكلمة الطيبة بشأن التعاون بين المملكة والجمهورية الاسلامية الايرانية.

وأحب أن أعلق تعليقا خفيفا قد ينهي الكلام في قضايا التعصب والتمذهب. نحن هنا منا من هو طالب علم ومن هو مسؤول في مجال عمله. لكن هذه قضايا تعالج على مستوى العلماء وعلى مستوى كبار الامة، على مستوى القادة في المجال السياسي وعلى مستوى العلماء الكبار، وسماحة القائد له دوره في هذا المجال. لا ننزعج كثيرا من هذه القضية، رغم أنها تستحق أن نهتم بها، لكن ستظل هناك كتب مؤلفة قديما وحديثا في المكتبات. سيظل الناس يتحدثون، لأن هذا موروث من مئات السنين، إنما - كما تفضل سماحته وأشار اليه بعض الاخوة - أن هذه الوجهات وهذه الآراء لا تؤدي الى التناحر والى النزاع والى السباب والى الآثار السلبية التي تشغلنا داخليا عن عدونا المشترك. وحبذا لو تترك هذه القضايا ليعالجها الكبار، ليعالجها العلماء، تطرح في اجتماعات علمية متخصصة.

الكلمة التي استمعنا اليها أمس من الشيخ محمد واعظ زاده [١٠] كلمة جيدة وتضع أسسا. حينما يلتقي العلماء الكبار يعالجونها. أما نحن في مجال عملنا التنفيذي أو الدعوي - وإن كان بيننا في هذه اللجنة من لهم جهدهم الكبير في مجال العلم - فنستطيع أن نبدأ بالخطوات التنفيذية بعد أن يضع كبار المسؤولين والعلماء الاسس في هذا المجال. ولكن مع ذلك ستظل هناك بقايا وآثار، فلا ننزعج منها كثيرا، بل نحرص على أن نتناسى مافي التاريخ من مشاكل.

نحن نلوم الدول الاوربية مثلا لانها تنطلق في عدائها للمسلمين من مخلفات تاريخية أو من آثار تاريخية، ونحن المسلمون أيضا يجب أن نقف من القضايا التاريخية التي لا ثمرة لها في بحثنا موقف عدم الاستحضار وعدم المناقشة، وننساها.

ثم إذا كان المبدأ الاسلامي في كتاب اللَّه وسنة رسوله‏صلى الله عليه وآله أن البشر بشر، يخطئون ويصيبون، وأن مجال التوبة والعودة والاستغفار والرجوع الى اللَّه سبحانه وتعالى مجال مفتوح الى أن يموت الانسان، لا نتصور أن المسلمين أيضا لا تقع منهم أخطاء، ستقع مشكلات. لكن نحاول إذا تبين الحق والطريق الصحيح أن نرجع عن أي أسلوب كنا نسلكه وأن نستغفر اللَّه سبحانه وتعالى، ونحرص دائما على إصلاح أحوالنا.

لذلك أرجو أن لا نتوسع في الكلام الذي نسمعه أحياناً عن التعصب وعن التمذهب، فهذه ليست هي مشكلتنا الاساسية، هي من القضايا، لكن المشاكل كثيرة، واذا فتحت لنا أبواب الخير والجوانب الايجابية نلجها بقوة وبسرعة، ولا نقف ننظر الى ماخلفنا من المشاكل أو نضخم المشكلات التي تأتي، أهل السنة والشيعة كانوا موجودين منذ أقدم العصور، والخلاف داخل أهل السنة موجود، والخلاف داخل أهل الشيعة موجود.

ليس الكلام عن التاريخ، التاريخ موجود، ولكن الاصول الاسلامية وأركان الايمان وأركان الاسلام وكليات الدين نؤمن بها جميعا ونسعى لتحقيقها. فمع شكري وتقديري لسماحة القائد وكلماته الطيبة وهذا الاجتماع المثمر وما أشار اليه من تعاون المملكة العربية السعودية مع الجمهورية الاسلامية الايرانية، وهو تعاون أيضا مع كل الدول الاسلامية إن شاء اللَّه، أرجو أن يكون الامل هو الذي يدفعنا وننطلق في مجالات الخير دون أن نتكلم في قضايا لا تحسم في جلسة أو في لقاء خفيف. وشكرا لكم وصلى اللَّه على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

وكان آخر المتحدثين الدكتور محمد أحمد الشريف أمين جمعية الدعوة الاسلامية العالمية في ليبيا وهذا نص كلمته:

كلمة الدكتور محمد أحمد الشريف أمين‏

جمعية الدعوة الاسلامية العالمية في ليبيا

بسم اللَّه الرحمن الرحيم. أود أولاً أن أعبّر عن شكري وتقديري للكلمة الجامعة التي تحدث بها آية الله قائد الثورة وأحب أن أعبر عن سعادتي شخصيا وزملائي في جمعية الدعوة الاسلامية العالمية بشأن ما استمعت اليه - اضافة الى هذه الكلمة الجامعة - من بقية إخواني وزملائي. نحن في جمعية الدعوة الاسلامية العالمية - التي تأسست منذ انتصار ثورة الفاتح من سبتمبر، أنشأها الاخ معمر القذافي كجمعية عالمية - فرحنا كثيرا - كما عبر بعضكم - بانتصار الثورة في ايران، فهذا الانتصار كان له معنى كبير بالنسبة للامة الاسلامية… أطاحت بعملاء الغرب والذين كانوا يعملون من أجل تغريب هذه الارض المسلمة، وإقامة قواعد للتأثير الصهيوني الصليبي لتتغير الى قاعدة للدعوة الاسلامية والعمل الاسلامي الكبير. ووقفت الثورة الليبية بكل قوة الى جانب الثورة في ايران، ولقيت جراء ذلك العنت الكبير من الغربيين الذين كانوا يناصبون هذه الثورة العداء، وأيضا من طرف بعض أجزاء العالم الاسلامي الذين رأوا في هذه الثورة خروجا عن المألوف.

وأذكر أنه وصلتنا كثير من الافكار من كثير من المنظمات الاسلامية الدعوية تطلب منا أن نخطّئ هذه الثورة أو نكفّر بعض مساراتها.

كنانقول لهؤلاء: إننا في العمل الدعوي الاسلامي لابد أن نكون حضاريين، وأن يكون انشغالنا بالهم الاكبر لا بالمسائل التفصيلية حتى لو وجدت.

وبالتالي فانني سعيد اليوم أن أرى قد تحقق ماكنا نقوله لكثير من إخواننا بأن المسار الاسلامي سوف يؤدي الى توحيدنا جميعا على صراط مستقيم واحد إن شاء الله.

واليوم نلتقي بالاخ القائد ونحن نشعر جميعا بالارتياح، وبأن الامة الاسلامية تجتمع على الخير وتلتقي على الدعوة الى التقدم الى الامام من أجل عزّة الاسلام والمسلمين.

الشي‏ء الذي شعرنا به اليوم وخاصة في كلمات آية الله وكلماتكم هو أنه يجب الاهتمام بالهم الاكبر وبالمشروع الكبير، وليس بتفاصيل الامور التي قد تكون من الفروع أو فروع الفروع.

واجتماع هذه الامة على معالجة القضايا الكبرى ومواجهة التحديات الكبرى هو الاساس الذي سيقود جماهيرنا الى طريق سليم يؤدي الى انتصارنا والى تحقيق إعلاء كلمة اللَّه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

شكر السيد القائد في الختام‏

أنا في الخاتمة أود أن أشكر ثانية كل الاخوة الاعزاء لتجشمهم عناء السفر الى ايران، ولحضورهم في هذه الجلسة ولما وفّروه لي من توفيق الجلوس معهم والاستماع الى هذا الحديث الطيب منهم، هذه الجلسة كانت جلسة لذيذة وممتعة لي، وآمل أن تكون لكم جلسات لذيذة ممتعة ومفعمة بالتفاهم. وأن تعمّ هذه الجلسات بالخير الوفير على الامة الاسلامية، وأرجو لكم طيب الاقامة في طهران وفي أي مدينة تحلون بها في ايران.

نرجو أن نراكم ثانية في ايران فهو بيتكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ملحق رقم - ١

خطاب الامام السيد علي الخامنئي‏

في جلسة افتتاح القمة الاسلامية

في الثامن من شعبان ١٤١٨ هجرية بدأت الدورة الثامنة لمؤتمر القمة الاسلامية أعمالها في طهران. وهي قمة استثنائية على كافة المستويات كما أشرنا في افتتاحية العدد، وافتتحت الدورة بكلمة تاريخية جعلت المؤتمر أمام الاهداف التي يتوقعها المسلمون من زعمائهم، وشرحت واقع المسلمين ومشاكلهم وعلاج هذه المشاكل ننشر هذه الكلمة القيمة لما جاء ذكرها مرّات في حديث المجتمعين بالسيد القائد.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

في هذا التجمع الاخوي الذي يريد أن يصدح بلسان المسلمين في العالم، أودّ أن أبدأ حديثي بحمد اللَّه وشكره. حمدا لك اللهم على نعمة المعرفة، والتوحيد، والعبودية، والمحبّة، حمدا لك اللهم على أخوّة الاسلام وعلى تكريم الانسان، وعلى تعليم الصبر والتوكّل، وعلى التوصية بالاحسان والمروءة. وأصلّي وأسلم على محمد المصطفى‏صلى الله عليه وآله عبدك ورسولك، الذي نشر راية التوحيد والعدل، ورفع صوت تكريم الانسان، فحرّره من عبودية كل شي‏ء وكل شخص سواك. وأسلّم على آل بيته الطيّبين وصحبه المنتجبين ومن اهتدى بهداهم وعلى جميع عباد اللَّه الصالحين.

وأرحب ترحيبا أخويا من الصميم بكل الضيوف الاعزّاء قادة وزعماء العالم الاسلامي ورؤساء الوفود وكل الاعضاء، والامين العام لمنظمة الامم المتحدة، والامين العام لهذا المؤتمر وسائر الضيوف الاجلّاء.

أيها الاخوة والاخوات! لقد تجمّعتم الآن في بيت من بيوت الاسلام وقاعدة من قواعده، ومُضيّفكم، وإن كان هو رئيس الجمهورية رسمياً، فان كل إيراني يرى نفسه مضيّفا لكم في بلد الايمان.

طبيعة الأمة الاسلامية

أيها الاعزّة ! جَمعُنا هذا ليس جمعَ أصحاب ربطتهم مصالح معيّنة، وتستطيع مصالح أخرى يوما أن تفك رباطهم… لا، نحن إخوة ربط بيننا إيماننا بالقرآن رباطا أبديا ليس له انقطاع، وجعل منا رغم الفواصل التاريخية والجغرافية والسياسية جسدا واحدا هو الامة الاسلامية. لقد اعتنقنا هذه الرابطة من يوم أن أعتنقنا الاسلام، وليس أمامنا خيار آخر. الاختلافات والخلافات بل حتى النزاعات ليست سوى غبار يمسّ وجه هذه الحقيقة ويمكن غسله بزلال الحكمة والعقل والحلم.

لنتطلّع الى هذا التجمع العظيم وهذا اللقاء التاريخي بهذا المنظار كي نستطيع أن نستثمره لصالح شعوبنا وأمتنا الاسلامية الكبرى.

أيها الاخوة! أيها الاعزّاء! حديثي في افتتاح هذا المحفل أركزه على ثلاثة موضوعات لاَِخرجَ منه بنتيجة، وهذه الموضوعات هي: الاسلام، والامة الاسلامية، والمؤتمر الاسلامي وآفاق المستقبل…

١ - الاسلام‏

الاسلام في فجر بزوغه وفي يومنا هذا طريق نحو عالم جديد مقرون بحياة سعيدة تتضمن كل ما يتطلبه صلاح الانسان وفلاحه. آلام البشر الاصلية التي سعى الاسلام لإزالتها كانت على مرّ العصور والازمان ولا تزال واحدة لا تتغير وهي: الفقر والجهل، وألوان التمييز، والنزاعات وانعدام الامن، ثم الوقوع في شراك الماديّة والخصال الدنيئة.

والاسلام دين الانسانية والاعتدال والتعقّل والتسليم أمام إرادة ربّ العالمين، وهكذا كان شأن كل الاديان دون شك قبل أن تمسّها يد التحريف. لذلك قدّم الدواء لهذه الأدواء الانسانية بطريقة عقلانية لا يشوبها الافراط ولا التفريط، ودعا الانسان الى الذكر والتضرّع والارتباط الداخلي برب العالمين، وعلّمه وأوصاه أن يكافح الشرور والعدوان والظلم والفساد، وأن يواجه باستمرار مافي نفسه من جموح الذات والانانية واستفحال الاهواء.

أحكام الاسلام الاساسية تبلورت بهذا الشكل، ومنهج الاسلام للحياة الفردية والاجتماعية والاخلاقية والسياسية نما من هذه الجذور.

وعلى هذه الاسس بالذات، ولمعالجة تلك الادواء المزمنة الدائمة يقيم الاسلام نظامه السياسي حيث العدالة الاجتماعية، والحريات المختلفة، والسلام العادل، ومكافحة الظلم والعدوان، والعلاقات بين الجنسين، والعلاقات بين كل أفراد المجتمع وبين المجتمعات، وهكذا تزكية النفس والعلاقة الداخلية بين الانسان وربّه.

حاجة البشرية

البشرية اليوم - رغم الظواهر البرّاقة الجذّابة المعيشية - تعاني من نفس الآلام التي عانت منها على مرّ التاريخ: أكثر شعوب العالم فقيرة وتسيطر أقلية قليلة على أكثر ثروات المعمورة. أكثر الشعوب محرومة من التطور العلمي، وتتخذ فئة علمها وسيلة للسيطرة على غيرهم. لظى الحروب تستعر في بقاع عديدة من العالم، ويتوجس الناس في غيرها خيفة من اندلاعها. والتمييز بين بلدان العالم على الساحة العالمية وبين الطبقات في أغلب البلدان ظاهرة مشهودة. مادية الغرب تكتسح الاجواء، واغراءات المال والبطن والشهوة طغت على النفوس، ثم إن مظاهر الصفاء والبساطة والسماحة والايثار قد تركت مكانها في قسم عظيم من العالم للخداع والتآمر والحرص والحسد والبخل ولغيرها من الخصال الدنيئة. العالم تطور بشكل واسع وسريع في حقول العلم والتقنية والآلة والسرعة والسهولة، لكن الادواء المزمنة القديمة لاتزال تفتك بالبشر والعقبات الاساسية لاتزال قائمة دونما تغيير.

الليبرالية الغربية والشيوعية والاشتراكية وغيرها من المدارس جرّبتها البشرية وثبت فشلها، والاسلام اليوم - كما في السابق - هو شاطئ النجاة والبلسم الوحيد، وصوت الاسلام اليوم لايزال كما كان قبل أربعة عشر قرنا يدعو البشرية إذ يقول:

«قد جاءكم من اللَّه نورٌ وكتابٌ مبين. يهدي به اللَّه من اتبع رضوانه سبل السلام ويُخرجُهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم» [١١].

واجب المسلمين تجاه التعتيم

المهمُّ الكشف عن الوجه الناصع للاسلام وتعرّفه. جهود الاعداء الحقودين خلال قرون التقت مع تصرفات الاصدقاء الجهلة الغافلين خلال قرون أطول لتشوّه وجه الاسلام النيّر، ولِتزيد عليه أو تنقص منه عن غرض أو عن ذوق جاهل. ولإن كانت الاذواق المريضة والمصالح الدنيوية لاتزال تفعل فعلها في تعتيم صورة الاسلام من قِبل أهله، فان الهجوم الاعلامي لاعدائه يزيد على ذلك بكثير بطرق مدروسة خبيثة.

أحد محاور هذه الجهود الضخمة التي يبذلها الاعداء في هذا المجال الهجوم الاعلامي الشرس الضاري على ايران الاسلام بعد إقامة دولة الاسلام في هذا البلد. وللتعتيم على نداء هذه الثورة الكبرى جنّدوا طاقاتهم لتوجيه التهم لها ونشر الاخبار الكاذبة عنها. ماقالوه كذبا عنّا ونسبوه الينا أصبح بسبب تكراره مملّا ثقيلا على الاسماع.

وكان أكثر المرجفين نشاطا الصهاينة ووسائل الاعلام الصهيونية العالمية المعروفة وعملاء الاستكبار، وفاقهم جميعا الامريكيون، أي كل أولئك الذين تضرروا من هذه الثورة أكثر من غيرهم.

أيها الاخوة المسلمون. انطلاقا من هذا، فان مهمتنا الكبرى هي معرفة الاسلام ونشره، وترسيخ مابيننا من أواصر التعارف.

٢ - الامة الاسلامية

الامة الاسلامية هي الثمرة الاولى لنهج الاسلام السياسي - الانساني… هذه الامة بدأت من مدينة النبي على منوّرها أفضل الصلاة والسلام، وشقّت طريقها بصورة مدهشة إعجازية نحو تكوّنها الكمي والكيفي. لم يمض نصف قرن على هذه الولادة المباركة حتى ضرب الاسلام بجرانه في مايقرب من نصف أصقاع الحضارات القديمة المجاورة، أعني إيران وروما ومصر، ثم بعد قرن أقامت حضارة باهرة وحكومة عزيزة مقتدرة في قلب العالم تمتد من سور الصين شرقا حتى المحيط الاطلسي غربا وأحراش سيبيريا شمالا والمحيط الهندي جنوبا.

في القرنين الثالث والرابع الهجريين وما بعدهما قامت حضارة باهرة لاتزال بركاتها العلمية والثقافية مشهودة بوضوح في الحضارة العالمية الراهنة. لإن حاول المغرضون الغربيون في سردهم لقصة تاريخ العلم والحضارة أن ينظروا بعين الاجمال والاهمال لهذه النهضة العلمية والحضارية العظيمة، وأن يؤرخوا للعلم بدءً باليونان والرومان وينتقلوا مباشرة الى النهضة الاوربية، حتى كأن الموت عفا على العلم والحضارة لألف سنة ثم عاد الى الحياة مع النهضة الاوربية فجأة!! لكن الحقيقة أن القرون الوسطى كانت عصر جهل وظلام ووحشة للغرب وأوربا فقط، وكانت للعالم الاسلامي بأصقاعه التي تفوق أوربا أضعافا وتمتد من الاندلس حتى الصين، عصر سطوع ويقظة وعروج علمي.

الهدف من العودة الى التاريخ‏

الهدف من هذه العودة الى التاريخ ليس تفاخرا بالماضي، بل الهدف التأكيد على أن الطاقة التي أوجدت هذه الحضارة متمثلة بالاسلام ومعارفه الحياتية لايزال بين ظهرانينا وينادينا بقوله:

«يا أيها الذين آمنوا استجيبوا للَّه وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم» [١٢].

الاسلام أثبت قدرته على دفع أبنائه نحو الاعتلاء المدني والعلمي والعزّة والاقتدار السياسي. الايمان والمثابرة والحذر من التفرقة، شروط ثلاثة لازمة لتحقق هذا الهدف الكبير، والقرآن يعلمنا بقوله:

«ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين» [١٣].

وبقوله:

«والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإن اللَّه لمع المحسنين» [١٤].

وبقوله:

«وأطيعوا اللَّه ورسولَه ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهبَ ريحكم واصبروا إن اللَّه مع الصابرين» [١٥].

عدم توفّر هذه الشروط الثلاثة ساق الامة الاسلامية اليوم الى وضعها المؤسف الموجود. في القرنين الماضيين على الاقل كان للاعداء المتربصين المخططين وبعض الحكومات الاسلامية الهزيلة الى جانب عوامل وظروف تاريخية وسياسية مختلفة السهمُ الاوفى في إيجاد هذه الوضع ونحن اليوم نرث هذه التركة الثقيلة.

أيها الاخوة! تعالوا نترك للاجيال القادمة إرثا أكثرَ افتخارا مما وصلنا.

دور الاستكبار في مآسي المسلمين

في استقراء العوامل الخارجية للوضع الحالي، أرى أن هجوم جبهة الاستكبار ذو أثر أكبر من غيره.

نحن نطلق كلمة «الاستكبار» على منظومة تستند الى قدراتها السياسية والعسكرية والعلمية والاقتصادية والى نظرة تمييزية للنوع البشري، فتنطلق لفرض سيطرة مقرونة بالاستخفاف والاستهتار على المجموعات الانسانية الكبرى أعني الشعوب والحكومات والبلدان، فتضغط عليها وتستثمرها وتتدخل في شؤونها وتنهب ثرواتها. تتعنت في تعاملها مع الحكومات وتظلم في تصرفها مع الشعوب وتستهين بمقدساتهم وتقاليدهم.

المثال البارز لهذه الظاهرة: الاستعمار، ثم الاستعمار الجديد، وأخيرا الهجوم الشامل السياسي والاقتصادي والاعلامي بل حتى العسكري الذي يشنه أساطين الاستعمار القديم وورثتهم، فارضين علقمه على الشعوب جهارا بدون قناع.

القوى الغربية في هذا الهجوم الفاعل استثمرت تطور العلم والتقنية وبعض الخصال القومية لشعوبها. نحن لا نلوم العدوّ، إنما اللوم على أولئك الذين يوفرون فرصة انتصار العدو وعوامل اندحارهم بما يحملونه من أنانية وحب عافية وضيق نظر.

الغرب في هجومه الشامل قد استهدف أيضا ايماننا وخصالنا الاسلامية، وفي ظل متاعه العلمي، الذي يحس الجميع بحاجتهم اليه، يصرّ على تصدير ما ابتُلي هو به الى مجتمعاتنا من ثقافة التسيب والاباحيّة وعدم الالتزام بالدين والاخلاق. وهذا المستنقع الاخلاقي الآسن سيبتلع دون شك في مستقبل ليس ببعيد حضارة الغرب القائمة ويبيدها من الجذور.

وضع العالم الاسلامي

العالم الاسلامي على أثر الغزو المعادي والعوامل الداخلية الموروثة من الاجيال السابقة في وضع مأساوي لا يحسد عليه. الفقر والجهل والتخلف العلمي والضعف الخلقي وأفظع من كل هذا سيطرة الاعداء الثقافية وأحيانا السياسية، من جهة. والمشاكل الكبرى مثل قضية فلسطين ومسألة افغانستان، ولبنان، والعراق، وكشمير، والبوسنة والهرسك، والقفقاس وغيرها من جهة أخرى، تشكل قائمة طويلة من المسؤوليات الالهية والانسانية أمام الحكومات والشخصيات السياسية وقادة العالم الاسلامي.

يجب أن نأخذ زمام المبادرة بأيدينا، لقد كان الزمام حتى الآن بيد العدو، وكان دورنا ترديد المزيد من الشكوى والعتاب.

قضية فلسطين‏

فلسطين على الساحة التاريخية تبدلت الى إقطاعية صهيونية على أثر عشرات المبادرات التي أقدم عليها العدو. بدأت بشراء أرض الفلسطينيين، ثم تواصلت عبر تسليح الصهاينة المهاجرين، ثم إثارة الحرب الداخلية واعلام تقسيم فلسطين، ثم احتلال أجزاء جديدة من هذا البلد الاسلامي العربي، ثم احتلاله بأجمعه، وإضافة أجزاء من مصر وسوريا والاردن اليه. وهنا بادرت البلدان العربية المجاورة لفلسطين لمرة واحد فقط وأخذت زمام المبادرة بيدها، وتَمثّل ذلك بحملة مصر وسوريا في رمضان ٩٤ هجرية قمرية، وهي - وإن لم تحقق النتائج المرجوّة كاملة بسبب التعاون الامريكي الاسرائيلي وتهاون البلدان الاسلامية - قد سجلت مفخرة للجبهة العربية وحررت أجزاء من الارض العربية. بعد ذلك عاد الصهاينة وحماتهم وعلى رأسهم أمريكا الى أن يمسكوا بزمام حركة الساحة في إطار شعارات التسوية وفي اتجاه تثبيت الاحتلال الغاصب لفلسطين، جارّين وراءهم كل خصومهم حيثما استطاعوا الى ذلك سبيلا.

كان ينبغي علينا نحن الدول الاسلامية أن نقدّم مساعدات أكثر جدّية لدول المواجهة من أجل إنقاذ فلسطين. فيما مضى بعض حكوماتنا لم تتوان حتى عن توجيه طعنة الى ظهر دول المواجهة. والمثال البارز لذلك حكومة إيران في عهد بهلوي. كانت إيران آنئذ مع الاسف مأمنا للصهاينة ومساعدا حميما للكيان الصهيوني.

أيها الاخوة الاعزاء! هذا الوضع لا يتناسب مع العزّة الاسلامية، وهو بعيد كل البعد عن علاج مايلمّ بالامة الاسلامية. كل البلدان الاسلامية يجب أن تتحمل السهم المناسب في استعادة الحقّ الفلسطيني، وأيضا لابد أن يخرج العالم الاسلامي من حالة الانفعال الى حالة المبادرة والاقدام. هاتان المسؤوليتان يتحملهما فعلا الشباب المؤمن الغيور الفلسطيني واللبناني بكل وجودهم، فتحيةً لهم.

معارضتنا لما يسمى بمحادثات السلام في الشرق الاوسط إنما هي لأنها غير عادلة ولأنها استكبارية، ولأنها مهينة، ثم لأنها غير منطقية. مبدأ مايسمى بالارض مقابل السلام يعني أن الصهاينة يعيدون أرض البلدان المجاورة، لأخذ الاعتراف بملكيتهم لفلسطين. أي كلام أكثر إجحافا من هذا الكلام؟ وماهو الجواب الذي يمكن تقديمه للشعب الفلسطيني العريق في معاملة الغبن هذه؟ ومن سخرية الدهر أن العدو الصهيوني رفض هذا أيضا، ولم يرض بتنفيذه!! ألم يحن الوقت أن يكون للعالم الاسلامي رد مناسب لهذا السلوك الاستكباري؟ لو رتبنا علاقاتنا على أساس من الاخوّة لاستطعنا ذلك. ماذا تستطيع أمريكا أن تفعله أمام اتحاد جبهة اسلامية تمتد من اندنوسيا حتى شمال افريقيا؟ !

سياسة التمزيق والتشتيت

إن الاستكبار يراهن اليوم على حالة التمزّق في هذه الجبهة، أما آن الوقت لان نرصّ الصف لصالحنا؟ ! حضور عدوّ كالكيان الصهيوني في قلب العالم الاسلامي كان بامكانه أن يقرّب بين صفوفنا… لكن الايدي الاستكبارية الخفية أبعدت هذا الخطر من طريقها، وعملت على أن نخشى من بعضنا أكثر مما نخشى العدو! الوساوس والاكاذيب والاعلام المضاد، جعلت البلدان الاسلامية تخشى من بعضها خطأ ودونما مبرّر. منذ ثمانية عشر عاما حتى الآن يعمد مهندسو السياسة الاستكبارية الى بثّ سمومهم لتخويف جيراننا في الخليج الفارسي من إيران الاسلام التي تحمل راية الاتحاد والاخوّة. أنا أعلن أن أي خطر لا يهدد أي بلد إسلامي من إيران الاسلام.

إيران الاسلام ببركة حياتها في ظلال أحكام القرآن الكريم تتطلّع اليوم أكثر مما مضى لاتحاد العالم الاسلامي وعزّته واقتداره. نحن الايرانيون، ببركة إيماننا بالاسلام ورغم مؤامرات العدو الاعلامية، حافظنا على وحدتنا الوطنية بشكل فريد وخلاف ما يدّعيه العدوّ ويرغب فيه وسّعنا دائرة الحضور الجماهيري، والانتخابات الباهرة التي جرت هذا العام لاختيار رئيس الجمهورية نموذج لهذا الحضور المتزايد.

الحكومة منسجمة، والمسؤولون تربطهم علاقات حميمة، وبين الحكومة والشعب روابط عاطفية مفعمة بشعور الثقة.

كل مساعينا العلمية والسياسية والاقتصادية والثقافية تقوم على أساس ما علّمنا الامام الخميني من الاعتماد على النفس بعد التوكل على اللَّه سبحانه. ونحن ببركة هذه الثقة بالنفس استطعنا أن نعيد الى بلد خَرِب متخلف، ورثناه من العصر البهلوي وازداد خرابا خلال الاعوام الثمانية من الحرب المفروضة، البناءَ والنماءَ والنشاط الفعّال. هذه الظاهرة نشاهدها في بعض البلدان الشقيقة أيضا، لكن الاهم من ذلك كله هو العزّة والاقتدار السياسي. شعبنا وحكومتنا بفضل التمسك بالاسلام والمشاركة السياسيّة الجادّة استطاعا أن يقتلعا جذور التدخل الاجنبي في بلادنا.

الامة الاسلامية بأجمعها أيضا متعطشة الى حالة تسودها الثقة بالنفس والعزّة والاستقلال، وعلينا أن نسعى جميعا على هذا الطريق. هذه مسؤولية تاريخية وكل الاجواء متوفرة ليستعيد العالم الاسلامي عزّته واقتداره وكامل استقلاله.

لو أن تنسيق المساعي على هذا الطريق بحاجة الى مجمع متمركز فنحن نمتلكه، إنه منظمة المؤتمر الاسلامي، فَلنَلقِ نظرة على هذه المنظمة وآفاق المستقبل المرتقب.

٣ - منظمة المؤتمر الاسلامي وآفاق المستقبل‏

٢٧ عاما مضت على حريق المسجد الاقصى الذي أدّى الى ولادة هذه المنظمة. ظروف عالمنا المعاصر جعلت هذه المنظمة أمام مسؤوليات أكثر جدّية من قبل. فهي تستطيع أن تكون مظهر اتحاد حقيقي بين البلدان المسلمة في مسائلها ومصالحها المشتركة. باسم أعضائها تنطق وتطالب وتنفّذ، وبدعمهم المالي والاقتصادي والسياسي تتحرك، لتكون بين أعضائها رابطا لحل مشاكلهم، ولتكون مركز لقاء وعنصر تنسيق حيثما استوجب مشروع كبير وهدف مشترك حشدَ الهمم والطاقات. تقضي حيثما لزم التحكيم، وتنصح حيثما نفع النصح.

العالم الاسلامي اليوم - رغم أن حصته في التجارة العالمية أقل بقليل من ٢٠% وهي نسبة سكانه الى سكان العالم - غير أن المقدار الخاص بتجارته الداخلية بين البلدان الاسلامية أقل بكثير من هذه الحصة أيضاً. هذه المنظمة تستطيع أن يكون لها دور فعّال في هذه المسألة الاقتصادية الحساسة ذات التأثير على سياسة هذه المجموعة أيضا. بعض بلداننا تحظى بامكانات طبيعية وانتاجية وطاقات علمية وصناعية وثقافية قيّمة مما تحتاجه بلداننا الاخرى احتياجا مُبرما. هذه المنظمة تستطيع أن تنهض بدور فاعل في تبادل منطقي عادل لهذه الامكانات.

جماعات كبيرة من المسلمين اليوم ودائما يعانون من آلام مضنية تتطلب حلاً عاجلاً. على سبيل المثال تتعرض الآن بعض الولايات الافغانية مثل باميان الى مجاعة عامة وتقترب من برد قارس شديد. والشعب العراقي يعيش واحدة من أكبر محنه التاريخية ويعاني من نقص في الغذاء والدواء وأرواح الملايين من أبنائه وخاصة الاطفال في خطر. وفي الجزائر مذابح رهيبة ترتكبها أيد خفية، لتتهم بها الاسلاميين ولتشوه بها وجه الاسلام. وفي البوسنة وكشمير والصومال وقرباغ وبقاع أخرى يواجه المسلمون مشاكل حادّة. منظمة المؤتمر الاسلامي تستطيع أن تشكل لجانا خاصة وتضع مشاريع عمل فاعلة يشترك فيها كل الاعضاء لحل هذه المشاكل.

تنشيط المنظمة

لتنشيط هذه المنظمة في المسائل المرتبطة بين الاعضاء لا نحتاج الى شي‏ء ولا الى أحد سوى الارادة الجماعية والمساعدات المالية من الدول الاسلامية الغنية. المعارضة المحتملة من البلدان التي تتضرّر من اتحاد المسلمين لا تستطيع أن تقف في طريقنا، اللهم الا إذا أوجدت تزلزلا في إرادتنا. حين كان المسلمون في منطقة البلقان يتعرضون لإبادة وحشية، وكان أولئك المسلمون يدافعون لوحدهم عن هويتهم الاسلامية أمام جموع عسكرية منظمة مهاجمة وجموع متفرجة، كان من المفروض أن يكون مثل هذا المركز متواجدا ليخفف عن بعض آلام أولئك الاخوة، وليكون ثقلا في ميزان المعادلات العالمية لصالح ذلك الشعب المظلوم.

والآن، فان حضور الاساطيل الاجنبية وخاصة أمريكا بعددها وعدتها في الخليج الفارسي - وهو بحر اسلامي ومركز هام للطاقة في كل العالم - يؤدي الى انعدام الامن. وجود منظمة اسلامية متقدرة يستطيع من جهة أن يرغم الاجانب على سحب شرورهم بمنطق العزّة والاقتدار الاسلامي، ويستطيع من جهة أخرى أن يزيل مبررات هذا الحضور، كما أنه بامكانه أن يرسل متى ما اقتضى الامر قوات من نفس البلدان الاسلامية لصيانة أمن هذه المنطقة وسلامها.

والآن تعاني أقليات مسلمة في بعض بلدان العالم من التمييز والظلم والسلوك المتعصّب أشدّ المعاناة. مساعدة هؤلاء واجب كل المسلمين. غير أن المساعدة الجادّة المطلوبة في إطار العلاقات الدولية بحاجة الى مركز إسلامي دولي. وأي مركز أنسب من منظمة المؤتمر الاسلامي؟ !

عشرات المهام تنتظر التنفيذ، وكل واحدة منها تلقي مسؤولية على جميع البلدان الاسلامية. وما ذكرناه نموذج لذلك. وفي كل هذه المواضع لا تستطيع أية حكومة اسلامية أن تؤدي مايؤديه مركز دولي اسلامي.

استثمار فرصة هذه الدورة الاستثنائية

أيها الاخوة! أيها الضيوف الاعزاء! تعالوا نغتنم الفرص متكلين على حول اللَّه وقوته ونتقارب ونقوي مركز الاتصال بيننا. المؤتمر الاسلامي يجب أن يتابع قراراته حتى التنفيذ الكامل كي يكون لهذه الاجتماعات عطاء لشعوبنا. ولابد أن يستطيع تأسيس برلمان لمجالس البلدان الاسلامية، وأن يحقق الامل القديم في إقامة سوق مشتركة اسلامية، وأن يخطط لديوان عدالة اسلامي، وأن يكون، نيابةً عن خمسة وخمسين بلدا اسلاميا ومليار وبضع مئات الملايين من السكان، من الاعضاء الدائمين في مجلس الامن التابع للامم المتحدة، وطالما كان حق الفيتو قائما فليكن العضو السادس من الاعضاء الذين يملكون هذا الحق في ذلك المجلس.

هذه آفاق مستقبل هذا المؤتمر، وبهذا سيستطيع أن يرسم آفاق مستقبل الامة الاسلامية.

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته‏

ملحق رقم - ٢

التنسيق في العمل الاسلامي المشترك‏

والتقريب بين المذاهب الاسلامية [١٦]

الاستاذ الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني

الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم باحسان.

أيها الحفل الكريم، السلام عليكم ورحمة اللَّه. نرحب بكم ونشكركم على مشروعكم القيم: التنسيق في العمل الاسلامي المشترك وفي مجال الدعوة الاسلامية بالذات، فإنه حركة مباركة تستدعي كل تقدير من قبل المنظمات الاسلامية، وفي طليعتها المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية الذي بذل جهوده منذ سنين للدعوة الى الوحدة والأخوة الاسلامية، والى التقريب بين المذاهب الاسلامية، ورفع الفواصل التي باعدت بين أبنائها، وجعلتهم لا يعترف بعضهم ببعض، كأنهم ليسوا أمة واحدة ولا أتباع دين واحد، فالهدف من المجمع العالمي للتقريب ولجنة تنسيق العمل الاسلامي المشترك شي‏ء واحد، فهما يتحركان جنبا الى جنب بإذن الله لتوحيد الصفوف ولرفع التخاصم والتنازع بين المسلمين، ولأن تكون كلمة الله هي العليا. وأريد أن أؤكد في هذا البحث المتواضع أمام الاخوة العلماء أن التنسيق لا يأتي إلا من طريق تقريب المذاهب وتقريب وجهات النظر بينها وازالة الظنون السيئة المتبادلة بين أتباعها وهذا يستدعي منّا الإلمام بأمور:

الاول: أن التنسيق في الدعوة الإسلامية في هذا الجو المضطرب إنما يتيسر من خلال الاتفاق على أصول مشتركة ضرورية ثابتة عند جميع المسلمين، وهي جوهر الاسلام وأسسه وأركانه التي لا ينكرها مسلم، ومن أنكرها جميعاً أو أشتاتا فهو خارج عن ربقة الاسلام، وأن هذه الاصول هي معيار الايمان والكفر دون غيرها مما شاع بين أتباع المذاهب، وهي معلومة إجمالا مثل الايمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله والايمان بصفاته العليا وأنه لا إله الا الله، وأنه لا يعبد غيره ولا يشرك به شيئاً، والايمان برسالة نبينا محمد، وأنه لا نبي بعده وبكل ما أنزل الله وشرعه من الدين، وبالحياة الآخرة، وبالجنة والنار والاستسلام لاحكام الشريعة، والاعتراف بأن المسلمين أمة واحدة وأن الاسلام له نظام وحكم خاص، الى غيرها من الاسس التي هي معلومة إجمالا لكنها تحتاج الى ضبط دقيق مقرونا بشي‏ء من البيان والتوضيح من قبل رجال التنسيق والتقريب، كأساس لعملهم ولدعوتهم بعد اتفاقهم على أن الاصول هي ما التزم بها المسلمون أيام النبوة ومابعدها.

الثاني: نحن نعلم أن المسلمين مع اتفاقهم على تلك الاصول بشكل مجمل اختلفوا في تفسيرها وتفاصيلها وفيما تفرّع عنها منذ الصدر الاول، فنشأت عنها المذاهب الكلامية والفقهية والاخلاقية فتفرق أتباعها، وهذا مما لا ينكره من عرف نشأة المذاهب وتاريخ الفرق في الاسلام. والمراد بهم أولئك الذين اعترفوا بتلك الاصول عقيدة وشريعة ونهجوا على منهاجها، والذين يتمسكون بكل ما التزموا به بدليل مقنع لهم مستمد من كتاب أو سنة، سواء أصابوا فيما استندوا اليه أو أخطأوا، ولا نريد بالمذاهب هنا تلك الفرق المنعزلة عن جماعة المسلمين المنحرفة عن أصول الاسلام، كالذين لا يرون الالتزام بالشرايع والاحكام، فليست عندهم صلاة ولا صوم ولا حج ولا عبادة سوى أوراد وأذكار وأعمال ابتدعوها من دون الاستناد الى كتاب أو سنة، فهؤلاء وإن غدوا في فرق المسلمين وتسموا باسم الاسلام فهم خارجون عن نطاق هذا البحث، ولابد لرجال التنسيق والتقريب ولجميع المصلحين دعوتهم الى الاسلام من جديد واتخاذ مواقف حكيمة أمامهم لئلا تشتد ضلالتهم ولا تنقطع صلتهم بالمسلمين بتاتاً.

فالقائمون بأمر التنسيق وكذلك دعاة التقريب يجب أن يعترفوا بمايلي:

أولا: بأن هناك مذاهب اسلامية مستمدة من الكتاب والسنة ملتزمة بأصول الاسلام.

وثانياً: بأن تلك المذاهب لا تختلف في تلك الاصول بل تختلف في نطاق تلك الاصول تفريعاً وتفسيراً وتفصيلاً، فلا مجال للحكم بخروج أتباعها عن الاسلام.

وثالثاً: إذا وجد إبهام في بعض ما التزموا به من عقيدة أو شريعة وأنه يصادم تلك الاصول أو لا يصادمها، فلابد أن يرجعوا الى أئمة المذاهب والمختصين بذلك في كل مذهب لرفع الابهام ولتجلية الامر، دون الاتكال على ماشاع عن كل مذهب بين أبناء المذاهب الاخرى أو جاء في كتب الملل والنحل، ودون الاعتماد على ماشاع بين العوام من أتباع المذاهب.

الثالث: كثيرا ما تختلط الامور وتتداخل الفروع بالاصول فتتخذ المسائل الفرعية مكان الاصول القطعية، وتُعامل معها معاملة تلك الاصول، وهذا الخلط بين الاصول والفروع خلق سوء الظن بين أتباع المذاهب، فنشأ عنه رفض المذاهب بعضها بعضا وتلاه تبادل التكفير والتفسيق ونسبة البدعة والتنابز بالالقاب بين أتباع المذاهب.

ولتجنب خلط الاصول بالفروع يجب على أئمة المذاهب:

أولا: تبيين ماعندهم من أصول الاسلام ومن أصول المذهب لأتباعهم وللآخرين.

وثانياً: الاعتراف والاعلان بأن المعيار لكون الرجل مسلماً هو قبول أصول الاسلام دون أصول المذهب. وأن أصول كل مذهب ميزان لعدّ الرجل من أتباع ذلك المذهب لا لكونه مسلماً، وهذا ما يوجد عند علماء المذهب الامامي حيث يصرّحون بأن ثلاثة من الاصول الخمسة عندهم: وهي التوحيد والنبوة والمعاد من أصول الاسلام، وأن كل من التزم بها فهو مسلم، وثمة أصلان - وهما الامامة والعدل - من أصول المذهب فقط لا يدور معهما الاسلام والكفر.

كما يجب على رجال التنسيق والتقريب أيضا فصل الاصول عن الفروع وتبيينها للناس ولعلماء المذاهب بالذات، وإقناعهم بأن الخلاف في الفروع والتفاصيل في نطاق الاصول القطعية سواء كان في صعيد العقيدة أو الشريعة، أو في السلوك الاخلاقي ليس بمثابة الخلاف في تلك الاصول أو رفضها، وأن هذا الخلاف لا يخرج المسلم عن إسلامه ولا يلحقه بالكفار مادام لا يخرج عن نطاق تلك الاصول.

وعلينا إقناع المسلمين عامة والعلماء خاصة بأن الذين اختلفوا في شي‏ء من العقيدة والشريعة إنما اختلفوا بعد اقتناعهم بأن مالديهم حق، وبعد ماقام عندهم دليل مقنع على ذلك من كتاب أو سنة أو عقل أو إجماع أو غيرها مما استمد قوامه من الكتاب والسنة لدى علماء المذاهب. وكذلك إقناع الجميع بأن كل واحدٍ من أصحاب هذه المذاهب إنما يسعى للوصول الى الحق، وأنه مخلص في قوله، وإن اخطأ في رأيه، وكذلك إقناع الجميع بأنهم إنما اختلفوا في كيفية تطبيق الاصل الاسلامي الذي اتفقوا عليه.

على سبيل المثال، الذين اختلفوا في خلق الافعال أنها من الله أو من العباد اتفقوا على أصل «تنزيه اللَّه» تعالى. فالقائل بأن الافعال من الله أراد تنزيه الله عن العجز ببسط قدرته على كل شي‏ء حتى الاعمال، من دون أن يسند الظلم والقبيح اليه تعالى، والفريق الآخر أراد تنزيه الله عن الظلم والقبيح بأن يجبر عباده على الاعمال ثم يؤاخذهم بها، ولا ينكر بسط قدرة الله على أعمال العباد، ويعترف بأن العبد وما يصدر عنه تحت قدرته سبحانه. فالفريقان يؤكدان على مبدأ تنزيه الله عمالا يليق بساحته من العجز والظلم.

مثال آخر: المسلمون متفقون على اتصاف الله بالصفات العليا وأن له الاسماء الحسنى، لكنهم اختلفوا بعد ذلك في أن الصفات عين الذات أو زائدة عليها، فالفريق الاول يريد تنزيه الله عن التعدد والتركيب ومشابهته بخلقه، والفريق الثاني أراد تنزيهه عن التعطيل وسلب الصفات عنه.

وهكذا الامر في جميع مسائل التوحيد فالخلاف فيها في تمييز كيفية التنزيه وليس في أصله، وكذلك سائر المسائل في العقيدة، وأما الخلاف في الشريعة فالامر فيه أوسع وأسهل ولكل وجهة هو موليها.

وفي الختام أوجّه توصياتي الى أئمة المذاهب، ثم اقتراحي لرجال التنسيق والتقريب. أما الى أئمة المذاهب وكذلك حكّام المسلمين:

أولا: الاهتمام بالمشتركات والاصول المسلمة المتفق عليها وإعطائها الاولوية في الدعوة وتقديمها على ما يختص بمذهبهم وجعل هذا في الدرجة الثانية من الأهمية.

ثانيا: إبانة الفرق بين الاصول والفروع وتبيينها لاتباع مذهبهم وتفهيمهم بأن الاصول هي المعيار للاسلام - كما ذكرنا - دون الفروع، وأن تلك الاصول معترف بها عند جميع المذاهب.

ثالثا: تحصيل المعلومات عن الاصول المذهبية لسائر المذاهب عن طريق مطمئن، ثم تعليمها لطلبة العلم عندهم حتى لا يشتبه الأمر عليهم وليلتزموا تبيانها في ما يدرسون أو يحاضرون وفيما يكتبون عن الآخرين.

رابعاً: الاجتناب عن المجادلات المذهبية وتبادل الردود والنقوض وإساءة الادب فيما بين مذهب ومذهب.

خامساً: أن لا يصر ولا يؤكد علماء مذهب على نشر مذهبهم بين أتباع المذاهب الاخرى ولا على إثارة الطائفية بين أبنائها، فان ذلك مثار العداء والتخاصم بل الحرب والتقاتل.

وأما اقتراحي لرجال التنسيق والتقريب:

أولا: التأكيد على تأسيس مركز للدعوة الاسلامية تحت إشراف لجنة من علماء المذاهب المعترف بها تدعو المسلمين‏

وغيرهم الى الاسلام بشتى الوسائل الاعلامية، تركيزا على تلك الاصول المقبولة عند الجميع من دون التدخل في شؤون المذاهب ولا الدعاية لواحد منها أو على واحد منها، ويكون هذا المركز مرجعا لدفع الشبهات والاتهامات الموجهة الى تلك المذاهب.

وثانيا: تشكيل لجان من علماء المذاهب لدراسة تلك الاصول وللبحث حول النقاط التي نشأ عنها الخلاف وتنوعت عنها المذاهب، ولاسيما على صعيد العقيدة والتوحيد ثم عرضها على لجنة التنسيق لتنشرها بين أئمة المذاهب ومراكز الدعوة الاسلامية ليعرف مدى نطاق الخلاف على ضوء تلك الاصول.

والمجمع العالمي للتقريب مستعد لاقامة هذه اللجان في هذا البلد الإسلامي في أي بلد إسلامي آخر. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين.

………………………. ) Anotates (…………………….

١) أنظر: خطاب الامام السيد علي الخامنئي في جلسة افتتاح القمة الاسلامية، في الملحق.

٢) يونس / ٢٥.

٣) النحل / ١٢٥.

٤) المائدة / ٣٢.

٥) الحديد / ٢٥.

٦) فصلت / ٣٥.

٧) الحج / ٧٨.

٨) الحجرات / ١٠.

٩) الاعراف / ١٥٨.

١٠) انظر كلمة الشيخ واعظ زاده الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية في الملحق.

١١) المائدة / ١٥ و ١٦.

١٢) الانفال / ٢٤.

١٣) آل عمران / ١٣٩.

١٤) العنكبوت / ٦٩.

١٥) الانفال / ٤٦.

١٦) القي في اجتماع لجنة تنسيق العمل الاسلامي المشترك المنعقد في طهران ٢٧ - ٢٩ محرم سنة ١٤١٩ه / ٢٣ - ٢٥ ايار «مايو» سنة ١٩٩٨م وننشرها في هذا الملحق لأن ذكرها ورد على لسان بعض المشاركين في اللقاء بالسيد القائد.



[ Web design by Abadis ]