ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الاصالة و المعاصرة

جولة سريعة في الحياة العلمية

للامام القائد السيد علي الحسيني الخامنئي وخطابه الاسلامي‏

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمدُ للَّه ربّ العالمين، وصلى اللَّه على محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

مقدمة

مرّت على الامة الاسلامية قبل عقدين من الزمان ظروف ضعف فيها الصوت الاسلامي الاصيل، بعد أن سعى الساعون الى نشر الافكار العلمانية والملحدة أو الافكار الالتقاطية والممسوخة.

ودبّ اليأسُ في النفوس من إقامة مجتمع يحكمه الصالحون وتطبق فيه شريعة ربّ العالمين، ويشعر المسلم فيه بعزته وكرامته. في مثل هذه الظروف تعالى صوت رجل من آل بيت رسول اللَّه نهض بالعهد الذي أخذه اللَّه سبحانه على العلماء «أن لا يقارّوا على كِظّةِ ظالم ولا سَغَبِ مظلوم»، فزلزل بيد خالية - الا من قوة اللَّه - عروشَ الظالمين والتفّ حوله المظلومون، فأقام دولة الاسلام ووضع أسس مسيرة اسلامية هي اليوم تتواصل باذن اللَّه وفضله ومنّه حتى يرث اللَّه الارض ومن عليها.

رحم اللَّه الامام الخميني، لقد مضى بقلب مطمئن وروح مستبشرة بعد أن أدى ماعليه في كل الساحات المطلوبة من قادة المسلمين: ساحة العلم والاجتهاد… وساحة التربية والتزكية… وساحة الجهاد وتحمل مصاعب العمل في سبيل اللَّه.

ولقد ظنّ المتربّصون بالاسلام الدوائر أن هذه المسيرة سوف تنتكس وتتراجع بعد وفاة قائدها الاول. ولكنهم خابوا ويئسوا حين انبرى لها بفضل اللَّه وارادة الامة رجلٌ عاش كلّ الساحات التي عاشها الامام وعمل كأفضل مايكون عمل العاملين في جميع الاصعدة فكان الامام السيد علي الحسيني الخامنئي الرجل المنفتح على الفقه والفقاهة بأعمق المعاني وأوسع الابعاد، تنقل بين حوزات مشهد وقم والنجف ليدرس ويبحث ويقارن ويتعمق في أساليب العلماء وطرقهم في الاستنباط، وفي هذا المجال وهبه اللَّه نَهَما عجيبا في تلقي العلم ومتابعة متواصلة في طلبه وذوقا مرهفا في الوقوف على دقائقه. كما أنه الرجل المنفتح على الاسلام بأوسع أبعاده، استلهم معرفته الاصيلة من القرآن الكريم والحديث والسيرة والتاريخ والادب، وجمع بين «الاصالة» و «المعاصرة» ما أهّله ليقدّم الاسلام الاصيل البعيد عن الالتقاط والتحجّر للجيل الاسلامي الذي تولى فيما بعد مهام الثورة الاسلامية والدولة الاسلامية.

وشاء اللَّه سبحانه أن يكون السيد ولي أمر المسلمين المصداق الكامل في زماننا للعالم «العارف بزمانه». اطلع منذ أوائل شبابه على التيارات الفكرية والسياسية المعاصرة، ودخل مع كل ذوي الافكار المنحرفة والالتقاطية في حوار فكري جادّ بيّنَ خلاله الوجه الصحيح الناصع للاسلام، ومارس الجهاد وخَبَرَه اكثر من عشرين عاما قبل انتصار الثورة الاسلامية فكان بين سجن ونفي ثم كان دائم الحضور على جبهات القتال بعد انتصار الثورة الاسلامية، ولا يخفى مالهذه الممارسات الجهادية العملية من أثر على طريقة التفكير والشخصية والمعنويات وقدرة اتخاذ القرار والشجاعة في الشخص المجاهد.

ولم يكن دخوله ساحة الثقافة المعاصرة مقتصرا على الفكر فحسب، بل ولج الساحة الادبية فكان الاديب والناقد الحاذق الذي تشهد له الساحات الادبية ويشهد له الادباء والشعراء والنقاد بتفوقه وريادته في هذا المجال. واطلاعه الواسع على اللغة العربية القديمة والمعاصرة مكنته أن يقف على تيارات الفكر والادب في العالم العربي، كما أن اطلاعه على اللغة الانجليزية فتح أمامه نافذة أخرى ليطل منها على نتاج هذه اللغة مباشرة.

تولّيه المسؤوليات القيادية الحساسة بعد انتصار الثورة الاسلامية منها: عضوية مجلس قيادة الثورة… ممثل الامام في مجلس الدفاع الاعلى… عضو مجلس الشورى الاسلامي… رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية… قائد الثورة الاسلامية… مكنته من الوقوف على تفاصيل الشؤون الدولية والداخلية، ومكنته من التعرّف الدقيق على مصاديق ما يحتاجه الموقف من حكم شرعي.

دخوله الساحة العالمية من خلال اشتراكه في جلسات منظمة الامم المتحدة ومؤتمرات قمة عدم الانحياز ولقاءاته الكثيرة بالقادة والزعماء الرسميين والشعبيين أكسبته رؤية عالمية واسعة أهلته لاتخاذ الموقف الاسلامي الشرعي من المسائل الكبرى التي تواجهها الامة الاسلامية.

أما زهد هذا العبد الصالح وورعه وتقواه فما لا ينكره حتى الذين يكيلون التهم والطعن لشخصيات الثورة الاسلامية في إيران.

لقد كانت حياته البيتية البسيطة معروفة قبل انتصار الثورة الاسلامية. وكان أصدقاؤه وتلاميذه يعتبرون هذه البساطة والقناعة والزهد في حياة السيد الخامنئي من أشهر خصائصه. والمهمّ أن حياته هذه لم تتغير بعد انتصار الثورة مع تولّيه المسؤوليات الكبيرة الجسيمة وصلاحياته المالية الواسعة. وهذه ظاهرة أخرى من ظواهر مؤهلات السيد ليقود المسيرة نحو اللَّه سبحانه.

حمدا لك اللهم حمدا لا ينقطع أبدا على ما أنعمت. فايران اليوم تسير على نهج نبيك وشريعتك الخاتمة بتوجيه رجل توفرت له كل إمكانات قيادة المسيرة الفردية والاجتماعية نحو رضاك.

جولة سريعة في حياة السيد العلمية

ولد يوم ٢٨ صفر عام ١٣٥٨ هجرية قمرية في مدينة مشهد في بيت علمي عريق. والده السيد جواد خامنئي عالم كبير كان معروفا بالفضل والعلم والاجتهاد. تخرّج على كبار العلماء مثل الميرزا النائيني وأبي الحسن الاصفهاني. واشتهر بزهده وترفّعه عن المال والمتاع.

جدّه لابيه السيد حسين الخامنئي، كان إمام المسجد الجامع في تبريز، ودرس في النجف الاشرف عشرين عاما على الفاضل الشربياني والشيخ حسن المامقاني. عمّه السيد محمد الخامنئي كان من خواص حاشية الآخوند الخراساني والسيد أبي الحسن الاصفهاني.

والدته من أسرة علميّة معروفة، فهي بنت السيد هاشم الميردامادي النجف آبادي من العلماء المجاهدين المعروفين، وكانت هي امرأة فاضلة عالمة بالقرآن والحديث والادب.

- في هذا البيت العلميّ العريق ولد السيد علي الحسيني الخامنئي، وتلقّى منذ نعومة أظفاره قراءة القرآن واللغة العربية ومبادئ العلوم الاسلامية على والده ووالدته والمعلمين والشيوخ في البيت والكُتّاب والمدرسة.

- ظهر له منذ طفولته ولع تام بالقرآن فبرز بين لداته بتجويد كتاب اللَّه، وبتلقي علوم اللغة العربية والعلوم الاسلامية.

- كان والده رحمه الله مهتما أشدّ الاهتمام في مواصلة أبنائه مواصلة جادّة لدراستهم، وكان لا يعرف معنى للعطلة، فالدراسة يجب أن تتواصل على مدار ساعات اليوم وأشهر السنة. وكان السيد علي أشدّ إخوته انصياعا واستجابة لرغبة الوالد.

- تعمّم منذ طفولته وكانت العِمّة عاملا آخر في انضباط الطالب الصغير على مسيرة تلقي العلوم الدينية.

- النهم العجيب الذي اشتعل في نفسه لتلقي العلوم الاسلامية جعله يجتاز المراحل والكتب الدراسية بسرعة فائقة. ولقد انهى كتاب «جامع المقدمات» حين كان في المدرسة الابتدائية. ثم درس المقدمات والسطوح في مدرسة سليمان خان (السليمانية)، وهكذا «شرح السيوطي على الالفية» و «المغني اللبيب» على فضلاء تلك المدرسة وواصل دراسته في مدرسة «نواب».

درس «المطول» للتفتازاني في البلاغة على الشيخ الفشاركي. ويذكر أن السيد درس المطول في أشهر العطلة الصيفية مستغلا وجود الشيخ الفشاركي في مشهد خلال تلك الاشهر فانهى المطول ببيانه وبعض معانيه وبديعه في صيفين.

- كان الوالد منشرحا ومسرورا جدا لما يراه من مواصلة جادّة في ابنه الفتى، وكان يرى فيه مستقبلا علميا زاهرا، وقال لابنه الفتى وهو بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة من عمره أنت مجتهد وقادر على الاستنباط.

- في الفقه وأصول الفقه درس كتاب «شرائع الاسلام» و «شرح اللمعة» على والده وعلى السيد أحمد المدرس اليزدي.

ودرس «الرسائل» و «المكاسب» و «الكفاية» على والده وعلى يد الاستاذ المقتدر المعروف الشيخ هاشم القزويني.

- انهى كتب السطوح العالية وهو في السابعة عشرة من عمره واشترك في درس الخارج سنة ١٣٧٦ ه. ق، على والده وعلى الشيخ هاشم القزويني والسيد الميلاني.

- في السنة التالية رحل الى العراق ومكث أشهرا في النجف الاشرف، هَمَّ فيها أن يقارن بين الدراسات العليا (درس الخارج) في قم وفي النجف، فحضر دروس كبار العلماء في النجف مثل السيد الخوئي، والسيد الحكيم، والسيد البجنوردي، والسيد الشاهرودي، والميرزا باقر الزنجاني، والميرزا حسن اليزدي.

- كان على الرغم من شبابه بارزا بين طلبة السيد الميلاني. وكان السيد الميلاني يهتم بالسيد «علي آقا» كما كان يسمّيه، واتفق مرّه أن ذكره على منبر الدرس بهذا الاسم مشيدا بقدرته على حلّ مسألة علمية.

- حين عزم على الرحيل الى قم سنة ١٣٨٧ ه. ق. عزّ ذلك كثيرا على أستاذه السيد الميلاني وذكر أنه كان يعقد عليه الامل في حوزة مشهد وتمنى له التوفيق في حوزة قم.

- اشترك في دروس الامام الخميني في الفقه والاصول وكان مولعا بهذه الدروس لما كان فيها من جوٍّ علمي نشط متحرك جادّ.

- اشترك أيضا في دروس السيد البروجردي واجتذبته مدرسة السيد البروجردي في الرجال وطريقته الخاصة في الاستنباط الشبيهة بطريقة الفقهاء القدماء، وواصل هذه الدروس حتى وفاة السيد البروجردي سنة ١٣٨١ه. ق.

- اشترك أيضا في درس السيد الداماد في الاصول، وتزوّد من دروس كبار أساتذة الحوزة في قم كالشيخ الاراكي والشيخ عباس علي الشاهرودي، واشترك في درس خاص للسيد شريعتمداري في الفقه.

- اشترك أيضا في دروس الشيخ مرتضى الحائري سنين، وربّما كان الطالب الوحيد الذي التزم دروس الشيخ حتى عودته الى مشهد.

- ساهم في دورة أقامها السيد البهشتي‏رحمه الله في قم تكرست في الدراسات الاسلامية المعاصرة وتضمنت دروسا في اللغة الانجليزية والعلوم الطبيعية.

- اشترك في قم أيضا في دروس الفلسفة العلامة الطباطبائي ودرس عليه كتاب «الاسفار» وكتاب «الشفاء».

- بعد عودته من قم الى مشهد واصل دروس السيد الميلاني.

اما بالنسبة لتدريسه‏

- بدأ التدريس منذ أوان شبابه قبل رحيله الى قم فدرّس في مشهد دروسا في النحو والبلاغة وأصول الفقه.

- درّس في قم شرح اللمعة الدمشقية.

- بعد عودته الى مشهد درّس الرسائل والمكاسب عدة دورات.

- بعد أن تصدّى لمسؤوليته الاخيرة ألَحّت عليه الاوساط العلمية للتصدى الى التدريس، فوافق وبدأ بتدريس كتاب الجهاد.

خصائص مدرسته الفقهية

أحد كبار العلماء المعروفين بالفقاهة، يشترك في جلسة علمية فقهية أصولية أسبوعية بحضور سماحة السيد القائد لمعالجة القضايا العملية الراهنة في إطار فقهي، يتحدث عن الخصائص والمعالم التي تتسم بها فقاهة السيد الامام القائد ويلخصها فيما يلي:

تناول الفقه من موقع الولاية

فالفقهاء السابقون رضوان اللَّه تعالى عليهم كانوا غالبا يواجهون مسائل ترتبط بالعبادات والمعاملات الشخصيّة، ولذلك كانت بحوثهم تتكرّر في أبواب معينة ترتبط بما يحتاجه الفرد في علاقاته مع ربّه ومع الناس، دون الدخول فيما يرتبط بادارة شؤون الحياة، لكنّ الفقه في ظل الدولة الاسلامية واجه مسؤولية إعطاء المشروع الاسلامي الفقهي الاصيل للمجتمع في عصرنا هذا الملي‏ء بألوان التعقيدات والملابسات والمستجدات.

ثم إن النظرة الى المسائل الفقهية من موقع الولاية له تأثير حتى على بعض تفاصيل العبادات والمعاملات، ولو أمعنّا النظر في آراء السيد الامام بشأن مناسك الحج - مثلا - لألفينا هذا التأثير، ولوجدنا أن السيد في آرائه ينظر الى هذه العبادة بمنظار شمولي واسع يأخذ بنظر الاعتبار المصالح الاسلاميّة الكبرى في أداء المناسك.

إذن التناول الجديد للفقه من موقع الولاية هو القادر على استجلاء قوة الاستنباط عند المجتهد، لانه يتناول مسائل جديدة لا تلك المسائل التي بُحثت من قبل ودُونت في كتاب «الجواهر» أو كتاب «العروة» أو شروح العروة، فهذه المسائل المتكررة يستطيع كل مجتهد أن يراجعها ويتخذ موقفا اجتهادياً بشأنها، وهو لا يبين مدى الاجتهاد ومدى قوته وعمقه بشكل واضح جيد.

السيد القائد في جلساته العلمية يخوض هذه المباحث الفقهية المستحدثة خوض المجتهد المطلق في عرض المسألة على المباني التي لابدّ من الاعتماد عليها، وفي اختيار الادلة المناسبة للمسألة، وفي تقديم وتأخير هذه الأدلة، وفي كيفية الجمع بين الأدلة، من دون أي نقص أو قصور في الاستدلال والدخول في البحث العلمي والخروج منه لدى الاستنباط.

وما نُشر من تلك الابحاث تحت عنوان «الصابئة» و «الهدنة» دليل على هذه القدرة العلمية والفقهية.

أضف الى ماتقدم أن موقع الولاية يوفّر البعد الاوسع للحكم الفقهي حتى في مسائل العبادات والمعاملات، ويجعله أقرب الى عصر ولاية المعصوم.

الاضطلاع الواسع بعلم الرجال‏

للسيد الامام دراسات جديدة مبتكرة في علم الرجال تدلّ على استيعابه لهذا العلم وجهده الكبير فيه وسبر أغواره، فهو من كبار الفقهاء الرجاليين، يناقش ما وضعه العلماء من قواعد في هذا العلم مناقشة مقتدر مدقّق، ويردّ على من أشكل عليها. وهذا التفوّق العلمي له تأثيره الكبير على فقاهة الفقيه.

الفهم السليم للنصوص‏

فالسيد القائد حفظه اللَّه يستوعب نصوص القرآن والسنّة ويستظهرها ويستنطقها بصورة رائعة، وهو مما له الاثر الكبير في قدرة الاستنباط.

من المؤاخذات التي تورد على الفقهاء، وخاصة من لم ينشأ منهم في الحوزات العلمية العربية، ضعف استظهارهم وعدم وقوفهم على دقائق النكات الادبية العربية، غير أنّ السيد يستظهر نصوص القرآن والسنة والروايات بصورة ملفتة جدا. يقف على القضايا الادبية ويدرسها بشكل دقيق ويكوّن منها الادلة. وهذا معلم آخر من معالم فقاهة السيد.

فهم روح الاسلام‏

وهوَ مَعْلَم على غاية من الاهمية، ويحصل عن طريق الاحاطة الدقيقة بالقرآن والسنّة والضروريات الدينية والمسلمات الاسلامية والاوليات الفقهية، والالمام الكامل بسيرة النبي‏صلى الله عليه وآله وسيرة أئمة أهل البيت وخاصة الامام علي بن أبي طالب في مواقفهم السياسية والعملية، وأولويات اهتماماتهم. ومن مجموع هذه المواقف تحصل الصورة الواضحة لقضايا الاسلام الهامة وأولوياته. وهذا الفهم من العوامل ذات التأثير الكبير في الاستنباط الفقهي وفي تقديم المشروع الاسلامي المتكامل لحياة الانسان الفردية والاجتماعية.

وهذا المعلم له أهميته الكبرى في «أعلمية» الفقيه، لأنه لابد أن يكون الاستظهار من الروايات من خلال القرائن اللبيّة واللفظية والتاريخية، وعصر الصدور، والمعصوم الذي تحدّث، والظروف التي كانت سائدة، عندئذ يكون الاستظهار سليما وصحيحا، والا كان استظهارا خاطئا ميتا لاروح فيه بعيدا عن واقع الحكم الشرعي الالهي، حتى ولو كان علم أصول فقه هذا المستظهر جيدا.

وللسيد القائد حفظه الله اليد الطول في دراسة التاريخ والسيرة وحياة الائمة، وله نظرياته الدقيقة الشمولية في هذا المجال، نشر بعضها، ومالم ينشر كثير.

الاطلاع على المعارف الاسلامية العامة

الاسلام شريعة لسلوك الفرد والجماعة ومنهج تربوي فكري وروحي للمسلمين، من هنا لابدّ للفقيه الملم بالاسلام أن يطّلع أيضا على مافي النصوص الاسلامية من عقائد وأفكار ومفاهيم وأخلاق وتربية. فالاقتصار على روايات «وسائل الشيعة» لايجعل الاستنباط سليما، ولا يرقى الى مستوى من اطلع على جميع ما روي من نصوص عن الرسول والائمة في كتب الاخلاق وكتب علم الكلام وكتب العقائد وكتاب «أصول الكافي» وكتاب «إكمال الدين وإتمام النعمة» وكتاب «الخصال» وأمثالها من كنوز المعارف الاسلامية.

فالوقوف على ما أسميه بالثقافة العامة للمعارف الاسلامية خاصة ماصدر منها عن أهل البيت مؤثر جدا في الاستظهار، ومعرفة الادلة، وفهم الظاهر. ومن ينقصه هذا الجانب لا يستطيع أن يدرك جيدا، ويكون استظهاره ناقصا في الفقه.

وفي هذا المجال للسيد القائد يد طولى، حيث يهتم بروايات العقيدة والاخلاق كاهتمامه بروايات الفقه، وطالما كان يأمل ظهور رسالة عملية تشمل كل ما قدمه الاسلام من تعاليم للانسان في مجال العقيدة والسلوك إضافة الى تعاليم العبادات والمعاملات.

تفهم الساحة الفكرية والعملية المعاصرة

وهي خصوصية لها في اعتقادي تأثير كبير في الاعلمية والاستنباط الافضل في المسائل المستحدثة، بل حتى المسائل القديمة التي تطرح على المجتمع في صورة جديدة، ويبتلي بها المجتمع في شكل جديد، مثل مسائل البنوك، وملابسات الاقتصاد الاسلامي، ومسائل القضاء، وغيرها كثير. وهذه المسائل - وإن لم تبلغ من حيث الكمية قدر المسائل الفرعية في الطهارة والصلاة وأمثالها - ولكن عدم الالمام بها بشكلها المعاصر وعدم الاطلاع على آراء الخبراء في الموضوع قد يلقي بظلاله على المفهوم في بعض الاحيان ويؤدي الى ضعف الاستنباط واستظهار الفقيه في تلك المسائل. وأمامنا أحكام كثيرة استظهرها علماء الحوزة المشهورين بالعمق والتدقيق في تلك المجالات تخالف الواقع لافتقادهم المعلومات اللازمة. والسيد القائد بحكم موقعه القيادي أكثر من غيره إحاطة بهذه الامور المعاصرة.

وقفة لابدّ منها حول «الاعلمية»

هناك فهم ناقص عن الاعلمية في الفقاهة يرى أنها تتحدد باتقان علم أصول الفقه والتعمق في أبحاثه كبحث الاصل المثبت وبحث مقدمة الواجب وبحث الضدّ وبعض الابحاث الفلسفية وليس الامر كذلك. لا نريد تقليل أهمية علم أصول الفقه في الاستنباط لكننا نريد أن نبين ضرورة فهم الأعلمية بمقياس أوسع من هذا العلم.

والواقع أن الثقافة الاسلامية والمعارف الاسلامية المأثورة عن المعصومين لها تأثير أكبر في الاعلمية والاستنباط وصحة الاستظهار من تلك الابحاث العقلية الاصولية، لأن الاجتهاد على ضوء المعارف الاسلامية أقرب الى كلام المعصومين من جهة، وأقرب الى مصادر التشريع من قرآن وسنة، وأقرب الى الاحاديث وسيرة النبي وسيرة الائمة وسلوكهم وتقريرهم من جهة أخرى.

إن تلك الثقافة الاسلامية العامة أقرب الى كلام المعصومين والى معين التشريع، من تلك الابحاث العقلية الاصولية، كالترتب والمشتق وأمثالهما.

إن من أحاط بالمعارف الاسلامية وأجاد استيعابها وكان فاقدا لتلك الدقائق العقلية الاصولية، يكون أعلم من الذي يتقن الابحاث العقلية ولكنه يفتقد تلك الثقافة العامة من المعارف الاسلامية، لأن تأثير هذه في الفقه أكبر.

أضف الى ذلك من الممكن أن بعض هذه الابحاث الفنية المعقدة تؤدي أحيانا الى انحراف الذهن واعوجاجه والتوائه في الاستظهار من الرواية وفهمها.

فما يتخيله بعضهم بعد أن يدرس الاصول والفلسفة ويتعمق فيها بأنه أصبح أعلم في مقدمات الاجتهاد وأقدر على الاستنباط، هو تخيل خاطئ غالبا، إذ قد يصير اجتهاده أبعد عن الواقع نتيجة تأثره الذهني المسبق.

وهنا لابد أن نشير الى أن السيد القائد يتمتع بخاصية الاستنباط الفقهي من باطن الفقه، دون أن يتأثر بالعوامل الخارجية، وهذا ما نستطيع أن نضيفة الى خصائص فقاهته.

ولهذا نرى أن فتاواه غالبا تتطابق مع فتوى المشهور من العلماء حيث يتلقى أقوال العلماء الكبار بكل إجلال وإعظام ثم يدخل في البحث، وهذا الامر من الامور الهامة في الاعلمية وفي الاقتراب من الحقيقة….

الى هنا ينتهي كلام الفقيه المذكور، وما يريد الاشارة اليه هنا هو أن كثيرا من الفقهاء للاسباب المذكورة وغيرها أفتوا بأعلمية السيد القائد في الفقاهة.

دراساته الاسلامية العامّة

الانفتاح على الاسلام بمعناه الواسع وفي إطار من «الاصالة» و «المعاصرة» دفع السيد الخامنئي الى دراسات علميّة متخصصة برز فيها بين علماء الحوزة العلمية.

في حقل الدراسات القرآنية:

- ولع بقراءة القرآن وحفظه منذ نعومة أظفاره وعاش حتى في محنة السجون والمعتقلات يتدبّر في آيات الذكر الحكيم، ثم اهتمّ بفهم القرآن فهما عمليا حركيا وتفهيمه ونشر تعاليمه بين الجماهير.

- بدأ بتدريس تفسير القرآن الكريم منذ سنة ١٣٨٧ه. ق في مشهد في مسجد المرحوم والده المعروف بمسجد الاتراك أو الصديقين، وحين ازداد عدد الطلبة انتقل الدرس الى «مدرسة الميرزا جعفر» الدينية.

- القى محاضرات في القرآن الكريم استهدفت تقديم المشروع الاسلامي الكامل للحياة من منطلق قرآني، نشر ملخص لهذه المحاضرات وخطوطها العامة.

- القى محاضرات في شرح «المصطلحات القرآنية» حاول فيها عرض المفاهيم القرآنية الصحيحة، ونشر قسم منها.

وفي مجال الدراسات الحديثية

- اهتمّ السيد الخامنئي بدراسة الحديث النبوي الشريف ونظر الى الحديث نظرة واسعة تتجاوز إطار أحاديث الاحكام الفقهية، ودرسَه ودرّسه باعتباره المصدر الثاني بعد القرآن لفهم منهج الانسان المسلم والجماعة المسلمة في الحياة.

- كانت طريقته في تدريس الحديث كتابة الحديث في المسجد على اللوحة فينقله الحاضرون الى كراساتهم، ثم يوضّح المفاهيم العملية في الحديث بشكل موجز. وبقيت ١٠ كراسات من هذه الدروس.

وفي حقل السيرة والدراسات التاريخية

- قضى سنوات طويلة في دراسة كتب السيرة والتاريخ بذهنية تحليلية ناقدة لاستخلاص العبر والدروس.

- اهتمّ بشكل خاص بدراسة سيرة الرسول وأئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وخرج بنتائج علمية عظيمة بثها في محاضراته.

وفي دراسة الفكر الاسلامي العام‏

انفتح السيد الخامنئي - دام ظله - على الفكر الاسلامي المعاصر فقرأ للمفكرين العرب ومفكري شبه القارة الهندية، وترجم بعض كتاباتهم الى اللغة الفارسية وعلّق عليها. والمطبوع منها ترجمات لكتب سيد قطب مثل: «المستقبل لهذا الدين» و «الاسلام ومشكلات الحضارة». والجزء الاول من كتاب «في ظلال القرآن» من طبعته السادسة.

درس واقع المسلمين المعاصر، وقدّم اطروحة في نظرية تغيير الواقع الى واقع اسلامي وجدت لها مصاديقها الكثيرة في انتصار الثورة الاسلامية في ايران.

وفي مجال تطوير الدراسات العلمية الاسلامية

قدّم مشروعه لتطوير هذه الدراسات وتعميقها وتنظيمها فكان الاساس الذي يهمّ العلماء والطلبة في الحوزات العلمية بتطبيقه والسير على هداه من أجل أن تواكب هذه الدراسات متطلبات المرحلة الجديدة من الحياة الاسلامية.

التأكيد على العزّة في نداءات الامام القائد

النداءات التي وجهها الامام الخامنئي الى حجاج بيت اللَّه الحرام جمعت ثمانية منها وطبعت تحت عنوان «حديث العزّة» وتشكل كل منها وثيقة هامة لجميع الدارسين والمهتمين بالشؤون الايرانية والاسلامية، لانها تنطوي على عصارة التوجه القيادي في ايران نحو قضايا الاسلام والمسلمين. وإنما وضع لهذه النداءات العنوان المذكور لأن المحور الهام الذي تدور حوله معظم مقاطع النداءات تستهدف إثارة روح العزّة في نفوس المسلمين وإبعادهم عن الإحساس بالذل والهوان.

وهذه ظاهرة هامّة جدا في خطاب القيادة الاسلامية في إيران، تتجلى بشكل بارز في أحاديث الامام الراحل السيد الخميني‏رضى الله عنه وتتواصل بصورة واضحة في خطاب خلفه.

وفي نداءات الامام الخامنئي هذه تتخذ الدعوة الى العزّة أبعادا مختلفة نشير الى بعضها:

الاسلام المحمدي دين العزّة

إن مظاهر الحياة حين تضمر في المجتمع تضمر معها مظاهر العزّة، وتتأطر كل الظواهر في ذلك المجتمع بإطار من الذل والاستكانة والهزيمة. حتى الدين في مثل هذا المجتمع يفرغ من محتواه الحياتي ويصبح غير قادر على الدفع والتحريك وتفجير الطاقات. ومثل هذا الدين تروّج له كل قوى إذلال المسلمين، وأطلق عليه الامام الراحل اسم الاسلام الامريكي، على عكس الاسلام الاصيل المحمدي الذي لاينفك عن العزّة. الامام الخامنئي يركز على مفهوم هذا الاسلام الاصيل إذ يقول:

«وهنا يظهر بوضوح ذلك التقسيم الصارم الذي أعلنه إمامنا الفقيد… ذلك الداعي الى اللّه والذائب في اللّه… بين الاسلام الاصيل المحمدي صلى الله عليه وآله وبين الاسلام الامريكي. الاسلام الاصيل المحمدي إسلام العدل والقسط… إسلام العزّة … وإسلام حماية الضعفاء والحفاة والمحرومين… إسلام الدفاع عن حقوق المظلومين والمستضعفين… إسلام الجهاد ضد الاعداء وعدم مداهنة المتغطرسين والمتفرعنين… إسلام الاخلاق والفضيلة والسموّ المعنوي».

العزّة باللَّه لا بغيره‏

قد يتحرك الانسان نحو سراب يخال فيه عزّته و «يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا» [١]. وقد يرى في طواغيت الارض مصدرا للعزّة: «وقالوا بعزّة فرعون إنّا لنحن الغالبون» [٢]، وقد يراها في أعداء الدين: «بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أيبتغون عندهم العزّة فان العزّة للَّه جميعا» [٣].

وقادة الدين يوجهون الامة نحو مصدر عزّتهم، ويهدونهم نحو العزيز المطلق، الذي له العزّة جميعا. ولا يكاد يخلو نداء من هذه النداءات من هذه الهداية وهذا التوجيه. يقول:

«الحج الابراهيمي والمحمدي صلى الله عليه وآله والحج العلوي والحسيني‏عليهما السلام هو ما اقترن بالارتباط باللَّه والركون الى حكومته وقدرته مع الاعراض عن قدرة الطواغيت والجبابرة. ما أجمل ترتيل سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة (الحسين بن علي عليه السلام) وهو يناجي ربّه في عرفات حيث يجمع ذلكما الارتباط والاعراض في قوله: «الهي أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها…. وأنت مؤيدي بالنصر على أعدائي، ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين…. يامن جعلت له الملوك نير المذلّة على أعناقهم فهم من سطوته خائفون» [٤] …. » [٥]

العزّة في ظلال حاكمية الدين‏

محاولات المصلحين في عصرنا الحديث لانقاذ العالم الاسلامي كثيرة… والاحباطات كثيرة أيضا. عوامل الفشل تكمن غالبا في اُطروحات هؤلاء المصلحين. فهي إما بعيدة عن المزيج الحضاري لهذه الامة، أو لا تنظر الى الاسلام نظرة شمولية مستوعبة لجوانب الهدم والبناء. والامام الخامنئي يركز في نداءاته على أن استعادة العزّة لا تتحقق إلا في ظلال حاكمية الدين بمعناه الشامل… أي رفض حاكمية الطاغوت (لا إله) وتقرير حاكمية رب العالمين (الّا اللَّه). يقول:

«أتوجه بالخطاب أيضا الى الشعوب الاسلامية وأبناء الامة الاسلامية فرداً فرداً وأقول: علاج كل مايلم بالامة من آلام وإحباطات يتمثل في العودة الى الاسلام، والانضواء تحت لواء النظام الاسلامي والاحكام الاسلامية. وبذلك يستطيع المسلمون أن يستعيدوا عزتهم وشوكتهم وتمتعهم بمعيشة مرفهة آمنة، وأن يبتعدوا عن المصير المر المذلّ الذي تسوقهم اليه دوائر التخطيط الاستكبارى» [٦].

وبعد أن يستعرض المواقف العدائية للاسلام على الساحة العالمية يقول:

«هذه صورة مقتضبة عن عداء الغرب وأمريكا للاسلام والمسلمين في عصرنا. لا الاستعطاف ولا الاستسلام ولا المحادثات ولا أيّ طريق من الطرق التي يقترحها البعض عن بساطة على المسلمين تستطيع أن تعالج الداء وتنقذ المسلمين. العلاج يكمن في شي‏ء واحد دون غيره: اتحاد المسلمين، والتمسك بالاسلام وقيمه ومبادئه، والمقاومة أمام الضغوط، وتضييق الساحة - في المدى البعيد - على الاعداء.

والعالم الاسلامي اليوم ينظر بعين الامل الى الشباب الغيارى المعبئين في جميع أرجاء العالم الاسلامي ليدافعوا عن كيان الاسلام ويؤدوا دورهم التاريخي» [٧].

العزّة في ارتباط الامة بجذورها

العودة الى الذات مقدمة هامة لاستعادة العزّة، لانها مقدمة لتبلور الشخصية المستقلة للفرد وللامة، وللتخلص من الذوبان والتمييع الحضاري. لذلك نجد في النداءات دعوة الى الارتباط بالجذور، من أجل صيانة شخصية الامة من الغزو الثقافي والمسخ الحضاري يقول:

«المسألة الثانية التي ينبغي التفكير فيها وخاصة في هذه الظروف الزمانية والمكانية مسألة: ارتباط الامة الاسلامية بتاريخها وأيضا بمصيرها الذي يجب أن تقرره لنفسها.

سعى الاستعمار منذ دخوله آسيا وأفريقيا أن يشوّه ماضي الامة ويُلقي عليه ضباب النسيان.

السيطرة على الذخائر المادية والانسانية في البلدان الاسلامية وعلى مصير الشعوب الاسلامية هدف نشده الاستعمار المباشر وغير المباشر منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وهذا الهدف كان يتطلب بشكل طبيعي كسر الاحساس بالعزة والشخصية بين الشعوب الاسلامية، وقطعها عن تاريخها العظيم بشكل كامل، لتتخلى عن ثقافتها وأخلاقها وتصبح مستعدة لقبول الثقافة الغربية والتعاليم الاستعمارية. وهذه الدسيسة قد نجحت في الأجواء المساعدة التي كان قد وفّرها تسلّط الحكومات الفاسدة والمستبدة في البلدان الاسلامية، وبذلك هجم سيل الثقافة الغربية وكل المفاهيم التي كان الاستعمار يعتقد بضرورة ترويجها بين الشعوب الاسلامية لضمان سيطرته السياسية والاقتصادية على تلك الشعوب» [٨].

ويدعو الحجاج الى الارتباط بتاريخ الارض التي يؤدون فيها نسكهم وزيارتهم، ففيها كل ما يذكرهم بعظمة ماضيهم، ويربطهم بسر عزّتهم وكرامتهم، يقول:

«كلُّ شبر من هذا التراب وهذه الارض يحمل ذكريات عن عصر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأصحابه المضحين النيرين.

في هذه الارض بزعت شمس الاسلام وخفقت راية الجهاد وانبثق تحرر البشرية من أغلال الجاهلية وقيودها.

واليوم إذ اتجهت الشعوب المسلمة في جميع أرجاء العالم الاسلامي بعد قرون من الانحطاط والركود والذلّة نحو اليقظة والقيام للَّه سبحانه، وإذ يفوح في أجواء كثير من البلدان الاسلامية عطر الحرية والاستقلال والعودة الى الاسلام والقرآن، فإن المسلمين بحاجة أكثر من أي وقت مضى الى أن يوثقوا ارتباطهم بماضيهم النيّر المعجز… بعصر القيام للَّه وكفاح العصور الاسلامية الاولى.

الذكريات الاسلامية في هذه الارض هي لكل مسلم متدبر بلسم شفاء ينجيه من الضعف والهزال واليأس والتشاؤم، ويشق أمامه الطريق للوصول الى أهداف الاسلام، وهي نفسها أهداف الكدح والحياة كما يفهمها كل إنسان له نصيب من العمق والحكمة» [٩].

حثّ الحكومات على العزّة

للحكومات دون شك دور كبير في عزّة الامة أو ذلّها. الحاكم المنحرف إما أن يطغى ويتفرعن فيستضعف شعبه ويذلهم ويستخفهم، وإما أن يحسّ بالضعف فيلجأ الى الفراعنة ليجد في كنفهم عزّته وقوّته… ويفتح بذلك السبيل لسيطرة أجنبية مُذِلّة على أمته. والامام القائد يدعو الحكومات لتعود الى الاسلام ولتجد قوتها في كنف الدين الحنيف. يقول:

«الشعوبُ والحكومات تتحمّل مسؤولية مشتركة تجاه تصاعد الاتجاه نحو الاسلام الاصيل المحمّدي صلى الله عليه وآله، الاسلام الذي يضع مسؤولية قطع نفوذ الشيطان الاكبر وبقية الشياطين عن حياة الشعوب في رأس قائمة اهتماماته. وإذا كانت الحكومات الاسلامية تحمل ولاءً لبلدانها وشعوبها فلتعلم أن هذا الاسلام الاصيل المحمدي هو القادر على ضمان حياةٍ شريفة مستقلة للشعوب والبلدان، واقتدارٍ وقوةٍ للحكومات. أسال اللَّه سبحانه وتعالى أن يمنّ على المسلمين في العالم باليقظة والشرف والعزة والنجاة من براثن الاستعمار والنصر في مواجهة أعداء اللَّه» [١٠].

ويقول: «اُهيب برؤساء البلدان الاسلامية أن يلتفتوا الى ما عندهم من قدرة هائلة، ألا وهي قدرة الشعوب الاسلامية. فبمساعدة هذه القدرة الصلدة تستطيع الحكومات الاسلامية أن تقف بوجه القوة الامريكية التي تتزعم اليوم جبهة الاستكبار المعادية للاسلام، وأن تدافع عن حق شعوبها وعن الشعوب المظلومة المسلمة. الاسلام أفضل ضمان لإدارة حياة شعب من الشعوب، وفي ظله تستطيع الشعوب أن تذوق شهد الحرية والاستقلال التام، وتتمتع بمعطياتها. والايمان الاسلامي الراسخ في جميع أفراد البلدان المسلمة أعظم سند لتحقيق هذه الاهداف.

المؤمَّل من الحكومات المسلمة أنها، بدلا من أن تساورها المخاوف والهواجس من الاسلام، وهي مخاوف وهواجس تسعى أمريكا وغيرها من زعماء الاستكبار حثيثا الى إلقائها في روع زعماء البلدان الاسلامية، بدلا من ذلك تنظر الى هذا الدين الالهي باعتباره منقذا لشعوبها، وعاملا على شدّ الشعوب المسلمة أعني أجزاء الامة الاسلامية ببعضها، ومصدرا تنتهل منه مقومات العزّة والمنعة. إنه أقوى وسيلة لكسب دعم الشعوب، والحكومة التي يساندها شعبها تستطيع أن تتحدى كل تهديد» [١١].

ويقول: «كل مايؤمّل من الحكومات المسلمة يمكن تحققه بإرادة وعزيمة شعوبها. فعليكم يا أبناء الشعوب الاسلامية أن تطالبوا حكامكم بالوقوف بوجه الصهيونية والاستكبار، وبالدفاع عن المسلمين المظلومين في أرجاء العالم، وبالتلاحم والتآخي مع سائر الشعوب والبلدان الاسلامية، وكونوا لهم على طريق تحقيق هذه الاهداف السامية سندا حميما وباذلا سخيا.

عليكم أن تقنعوهم بالابتعاد عن الخوف من أمريكا وبالوقوف بوجه تعنّتها. وعليكم أن تفهموهم بأن الاسلام والقرآن هما الطريق الوحيد للانقاذ، ووجّهوهم الى ذلك الحصن المنيع، حصن (لا اله الا الله) …» [١٢]

النهي عن التفرّق‏

التفرّق أكبر خطر يهدد عزّة الجماعة البشرية، ويذهب بريحها. الاسلام ركز على هذا المفهوم وحثّ بشدّة على الاعتصام بحبل اللَّه وعدم التفرّق واجتناب التنازع، وكلّ المهتمين بكرامة أمتهم يحرصون على وحدتها وتراصّ صفوفها. ونداءات السيد الامام طافحة بالدعوة الى الوحدة والنهي عن التفرق. يقول:

«والموضوع التالي يرتبط باتحاد المسلمين وتوحدهم، وهو مايشكل مضموناً بارزا آخر في مناسك الحج. منذ أن دخل الاستعمار الاوربي في البلدان الاسلامية كانت التفرقة بين المسلمين من المبادئ الحتمية في سياسة المستعمرين… متوسّلين بسلاح الطائفية تارة وبالنعرات الاقليمية والقومية تارة، وبغيرها أحيانا. ومع كل نداءات المصلحين ودعاة الوحدة، فإن مِدية الاعداء هذه لاتزال تنزل بجسد الامة الاسلامية مع الاسف ضربات وجراحات. إثارة الاختلافات بين الشيعة والسنّة، والعرب والعجم، والآسيويين والافارقة، وتضخيم القوميات العربية والطورانية والفارسية - وإن ابتدأت على يد الاجانب - فهي اليوم تستمر مع الاسف على يد أفراد من بيننا، يعبّدون طريق العدو عن سوء فهم أوعن عمالة للأجانب. هذا الانحراف يبلغ من الفظاعة أحيانا أن تنفق بعض حكومات المسلمين أموالا للتفريق بين المذاهب الاسلامية أو الشعوب والاقوام المسلمة، أو أن يعلن بعض أنصاف العلماء بصراحة فتوى تكفير بعض الفرق الاسلامية ذات الماضي الوضي‏ء في التاريخ الاسلامي. يجدر بالشعوب المسلمة أن تتعرّف على الدوافع الخبيثة لهذه الاعمال، وأن ترى الايدي التي وراءها… يد الشيطان الاكبر وأيدي أذنابه، وأن

تتصدى لفضح الخائنين» [١٣].

الحج منطلق العزّة

أبرز ظاهرة في نداءات الحج الموجهة من القيادة الاسلامية في عصر الامام الراحل وخلفه التأكيد على الحج وعلى قدرة هذه الفريضة أن تتغلب على كل ضعف في المسلمين وأن تخلق كل مقومات عزتهم وكرامتهم… وربّما تثير مثل هذه الاحاديث استغرابا عند كلّ من يرى فريضة الحج بوضعها الحالي حيث تتجه مجموعة من المسلمين كل عام لأداء نسكها وتعود الى موطنها دون أن يتحرك ساكن في هذه الأمة. غير أن السيد القائد يرى أن هذا الحج ليس بالحج الصحيح… لأن هذه العبادة الجماعية شرّعت لتوثيق عرى الامة، وترسيخ الهوية، واستعراض القوّة، وتثبيت العزّة. يقول:

«الحج الصحيح يستطيع أن يحدث تغييرا في المحتوى الداخلي لكل فرد من أفراد المسلمين. يستطيع أن يغرس في نفوسهم روح التوحيد والارتباط باللَّه والاعتماد عليه، وروح رفض كل الاصنام الداخلية والخارجية في وجود الكائن البشري، هذه الاصنام المتمثلة في الاهواء والشهوات الدنيئة والقوى الطاغية المسيطرة، يستطيع أن يرسّخ الاحساس بالقدرة والاعتماد على النفس والفلاح والتضحية. ومثل هذا التحول يستطيع أن يصنع من كل إنسان موجودا لايعرف الفشل ولا ينثني أمام التهديد ولا يضعف أمام التطميع.

والحج الصحيح يستطيع أن يصنع من الاشلاء الممزقة لجسد الامة الاسلامية كيانا واحدا فاعلا مقتدرا، وأن يجعل هذه الاجزاء المتفرقة تتعارف وتتبادل الحديث عن الآمال والآلام والتطورات والاحتياجات المتقابلة والتجارب المستحصلة. لو أن الحجّ وضع ضمن إطار برنامج يتوخّى هذه الاهداف والنتائج وتتظافر عليه جهود الحكومات والعلماء وأصحاب الرأي والكلمة في العالم الاسلامي، لعاد على الامة الاسلامية بعطاء ثرّ لايمكن مقارنته بأي عطاء آخر في دنيا الاسلام. يمكن القول بكل ثقة أن هذا التكليف الالهي وحده، لو استثمر استثمارا صحيحا كما أرادته الشريعة الاسلامية، يستطيع بعد مدة غير طويلة أن يبلغ بالامة الاسلامية مايليق بها من عزّة ومنعة» [١٤].

ويقول: «نعم، الحج عبادة وذكر ودعاء واستغفار، لكنه عبادة وذكر واستغفار في اتجاه تحقيق الحياة الطيبة للامة الاسلامية، وإنقاذها من أغلال الاستعباد والاستبداد وآلهة المال والقوة، وغرس روح العزّة والعظمة فيها، وإزالة الضعف والخور عنها» [١٥].

ويقول: «الحج قادر على إحياء روح التوحيد في القلوب، وعلى تجميع أشلاء الأمة الاسلامية الكبرى، وعلى استعادة عظمة المسلمين، وعلى انتشالهم من حالة الاحساس بالوهن والذل المخيّمة عليهم… الحج قادر على أن يقرّب أدواء المسلمين من الدواء، وأن يعالج أكبر ما فيهم من داءٍ يتمثل في سيطرة الكفر والاستكبار ثقافيا واقتصاديا وسياسياً» [١٦].

ويقول: «الحج مظهر التوحيد، والكعبة بيت التوحيد. تكرر «ذكر اللَّه» في الآيات الكريمة المرتبطة بالحج دلالة على وجوب إزالة كل عامل غير اللَّه تعالى من ذهن المسلمين وعملهم، وتطهير حياتهم من أنواع الشرك في هذا البيت وببركة هذا البيت. «اللَّه» سبحانه محور كل حركة في ساحة الحج، والطواف والسعي والرمي والوقوف وسائر شعائر اللَّه في الحج يمثل كل واحد منها مشهداً من مشاهد الانجذاب الى اللَّه وطرد ورفض «أنداد اللّه». وهذه هي الملة الحنيفية… ملة إبراهيم عليه السلام محطّم الاصنام الكبير وداعية التوحيد المطل على قمة التاريخ» [١٧].

بثّ روح الامل‏

اليأس أكبر خطر يصيب الفرد والامة… لانه يقضي على كل دوافع الحركة، ويؤدي الى هزيمة نفسية وخارجية، ويدفع الى حالة الذل والاستسلام. من هنا وضع الاسلام كل أسس القضاء على هذه الحالة، وقرن اليأس بالكفر… ونداءات القيادة الاسلامية تهتم كثيرا بهذا الجانب، وتسعى الى إحياء روح الامل في نفوس المسلمين باعتباره ضرورة لازمة للتحرك نحو استعادة العزّة. يقول:

«لتعلم جبهة الكفر والاستكبار أن المستقبل للاسلام، ولا تستطيع أية خطة ولا أية قدرة أن تمنع تصاعد عظمة الاسلام واتساع نطاق النداءات والقيم الاسلامية في المجتمعات الاسلامية.

وليعلم شعبنا العزيز - وهو يعلم - أن الراية الاسلامية التي عزّت وعظمت وارتفعت بتضحياته منذ انبثاق الثورة حتى اليوم ستزيده عزّة وعظمة ورفعة، وأن كيد الاعداء غير قادر على البقاء أمام صبره ومقاومته الشجاعة.

كُتِبَ على الاستعمار وعملائه الاندحار أمام موج الاسلام الهادر، إن دماء شهداء مكة وسائر شهداء الثورة الاسلامية قد عبّدت طريق حركة تقدم الاسلام، ورفعت راية الاسلام خفّاقة في كثير من بقاع العالم» [١٨].

ويقول بعد أن يستعرض مساعي جبهة الاستكبار لتقويض دولة الاسلام والقضاء على الصحوة الاسلامية:

«وبفضل اللَّه ومنّه لم تستطع أية واحدة من هذه المساعي الاستكبارية العمليةمنها والاعلامية أن تحقق أهدافها. الأملُ الذي شع بانتصار الثورة الاسلامية ومواقفها الحاسمة الصلبة المقاومة على دنيا الاسلام وعلى قلوب المسلمين قد آتى أكله وأسفر عن انطلاق حركات شعبية عظيمة تطالب بالحكومة الاسلامية في عدد من البلدان الاسلامية» [١٩].

ويقول: «لا أمل في مواجهة هذا التهديد الكبير إلا بالاسلام وبالمؤمنين الصامدين. وبفضل اللَّه ومنّه فإن شمس الاسلام قد بدأت ثانية تبعث في قلوب الناس ونفوسهم بأشعتها النيرة الطافحة بالحياة. وبدأت كثير من الشعوب المسلمة في مقارعة عوامل ابتعاد الناس عن دين اللَّه وهي تشق طريقها لتحقيق الاسلام في حياتها، هذه حركة مباركة مفعمة بالامل. وستمزّق بتوفيق اللَّه قيود السلطة الشيطانية الامريكية وكل قدرة طاغية أخرى، وتنجي الجميع:

«كَتَب اللَّهُ لأغلبَنَّ أنا ورُسلي» [٢٠] …» [٢١].

ويقول: «النظام الرأسمالي الغربي غارق حتى ذقنه في مشاكل إنسانية مستعصية، ومع كل مايمتلكه من ثروات طائلة ظلّ عاجزا تماما عن إحلال العدالة الاجتماعية.

التمرّد الاخير للسود في أمريكا أوضح أن النظام الامريكي لايتعامل بعدالة مع الشعوب، وليس إجحافه مقتصرا على شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بل يشمل الشعب الامريكي أيضا. ففي داخل أمريكا تمارس الدائرة الامريكية العنف والقمع تجاه أي اعتراض مثلما تمارسه في البقاع الاخرى.

صحيح أن المعسكر الشيوعي قد مني بالانهيار، لكن منافسه أعني المعسكر الرأسمالي أيضا، بوضعه الحالي وبما اعتراه خاصة من غرور وطغيان على أثر انفراده في ساحة القوى، سوف لايكتب له البقاء وسيشهد العالم سقوطه وانهياره عاجلا أو آجلا» [٢٢].

استشعار العزّة في الانتصارات‏

مما يبعث روح العزّة في النفوس ذكر انتصارات الامة في ماضيها وحاضرها. حديث الانتصارات يزيد المعنويات، ويلهب روح الحماس، ويجعل الامة تستشعر الرفعة والعزّة والقدرة. وتكاد تكون نداءات الحج سجلا سنويا لهذه الانتصارات، يقول على سبيل المثال بعد أن يشير الى الحوادث الهامّة التي وقعت في ذلك العام:

«على رأس هذه الحوادث. انهيار القوة الشرقية الكبرى وانهدام القدرة المتعملقة التي كانت لعشرات السنين تعتبر إحدى أكبر القوتين العظميين في العالم سياسياً وعسكرياً وإعلاميا. اضمحلال الامبراطورية المترامية الاطراف ذات القدرة العسكرية الاسطورية والمجهزة بالاسلحة الذرية وكل وسائل السيطرة والنفوذ في العالم، هي في المحاسبات العاديّة المادية من المستحيلات، لكن هذه الحادثة قد وقعت، والمحاسبات المادية أثبتت فشلها من جديد.

تفكك الكتلة الشرقية، والتغيير الهائل في الجغرافيا السياسية للقارة الاوربية، وبروز شعوب وبلدان كانت لسنوات متمادية راضخة عنوة وغصبا تحت احتلال الاجانب أو قابعة تحت نفوذهم، هي أيضا من هذه الحوادث المدهشة.

وبنفس القدر من الروعة والاثارة كان انتصار الثورة في أفغانستان، وتولي القدرة فيه شعب حمل أعباء الجهاد المرّ خلال أربعة عشر عاما من الغربة والمظلومية والفقر المادّي ولكن بإيمان عميق بالاسلام. وهكذا ظهور عدد من البلدان المسلمة المستقلة في آسيا الوسطى وهي تضمّ شعوبا ترفع صوتها بالاسلام وتفخر بإسلامها وتنشد تطبيق الشريعة الاسلامية، بعد سبعين عاما من الاعلام المضلل الشيوعي المسموم، ورغم جهود بقايا ذلك العهد الذين لم يتصالحوا مع الاسلام ولن يتصالحوا معه. وهكذا ولادة مالايقل عن بلدين مسلمين في اُوربا أعني البوسنة والهرسك، وألبانيا ولادة أقلقت الحكومات الاوربية.

ونوع آخر من الاحداث تمثّل في انتصار التيار الاسلامي في الجزائر خلال انتخابات حرة منطبقة مع معايير الديمقراطية، وكان هذا الانتصار مبعث أمل كل المسلمين واعتزازهم، وتعبيرا عن عمق الايمان الاسلامي في ذلك الشعب المجاهد المجرب. ويكفي هذا الانتصار عظمة أن بعث الرعب في القوى المعادية للاسلام وفي القوى الرجعية في المنطقة على حدّ سواء. حتى عمدوا عن طريق انقلاب عسكري خادع الى التغطية على تلك الصحوة الاسلامية وحاصروها وقيّدوها في الوقت الراهن. وواضح لكل ذي بصيرة أنهم لايستطيعون الابقاء على هذا الوضع لمدة طويلة.

على أي حال، كان العام الماضي صاخبا بمثل هذه الحوادث النادرة العجيبة، وأضف الى ماسبق تصاعد الحركات الاسلامية وصحوة المسلمين وإصرار الامة على استعادة هويتها الاسلامية وعلى الوقوف بوجه القوى المتعنتة المخالفة، في كثير من مناطق العالم، خاصة في فلسطين العزيزة، وبعض بلدان شمال أفريقيا والشرق الاوسط… كانت هذه جميعا من المميزات البارزة لهذا العام» [٢٣].

ويقول: «في هذه السنوات بالذات نرى داخل الارض الفلسطينية المغتصبة تصاعد نضال الجماهير بشعارات إسلامية ومن مراكز المساجد، وهو يضيّق الخناق على الصهاينة.

في هذه السنوات بالذات نرى الجماعات المناضلة الاسلامية في لبنان تحقق نجاحا باهرا حتى في الانتخابات البرلمانية وكسب المواقع الشعبية.

وفي هذه الفترة الزمنية ذاتها نرى الجمهورية الاسلامية، التي كان يتوقع بعض عن سذاجة أنها تصل الى طريق مسدود أو تتراجع عن مبادئها وأهدافها، تحث الخطى بسرعة أكثر من المتوقع نحو الامام مع الاصرار على الالتزام بمبادئها الثورية».

انفعال الاعداء

كما أن الحديث عن الانتصارات يخلق الشعور بالعزّة، كذلك الحديث عن هزيمة العدوّ وانفعاله وتخبطه يوجد نفس هذا الشعور. والتأكيد على إحساس معسكر الاستكبار بالضعف أمام الصحوة الاسلامية واضح في نداءات الحج. يقول بعد أن يستعرض التحرك العدواني ضد الجمهورية الاسلامية:

«والمسألة الهامة هي أن هذه الحركات العدوانية ناشئة عن إحساس معسكر الاستكبار بالضعف مقابل الاسلام. ما أبداه الشعب الايراني المسلم من صلابة ومقاومة، وما أطلقه محطم أصنام قرننا من صرخات هادرة، وما شمل هذا العبد الصالح وصحبه على الدوام من فضل ونصر الهي، كلّ ذلك أدّى الى صدور الافكار الثورية الاسلامية التي كان يخشى منها العدوّ بشدّة بنفس الطرق التي أعدّوها لصدّ صدور الثورة أو إنزال الضربة بها. ظلامة الشعب الايراني وتحمله الشدائد أديا الى إثبات أحقية هذا الشعب الكبير والى اتساع نطاق الثورة في كثير من البلدان والى منح المسلمين في العالم عزما أرسخ وإحساسا أعمق بهويتهم الاسلامية.

عملاء الاستكبار العالمي مصابون اليوم في كل مكان بحالة انفعالية تجاه الاسلام، وتحركهم الحاقد على الاسلام سواء بأساليب ثقافية أو سياسية أو بقوة السلاح ينطلق من الشعور بالضعف والخوف أمام المد الاسلامي المتصاعد.

إنه لمن الالطاف الالهية أيضا أن تتحول كل محاولاتهم للاستهانة بالاسلام أو لتوجيه ضربة اليه الى عامل لتصاعد غضب المسلمين وترسيخ إرادتهم للدفاع عن الاسلام. ومن النماذج البارزة لذلك تدوين الكتاب الشيطاني بيد المرتد المهدور الدم البريطاني. فقد شاءت القوى الاستكبارية بهذا العمل أن تستهين بالاسلام وشاء اللَّه تعالى أن ينقلب هذا الامر الى وبال عليهم وفضيحة لهم. وبصدور فتوى إمام الأمة القاضية بهدر دم الكاتب أصبح الصوت الاسلامي أعلى وانسجام الخطى أشدّ. وكل مساعي العدوّ في محاربة الاسلام ستمنى - إن شاء اللَّه - بنفس هذا المصير: «إن كيد الشيطان كان ضعيفا» [٢٤] » …. » [٢٥]

ويقول: «إنهم مذعورون وخائفون ومستاؤون من عودة الشعوب الى ماضٍ يُحيي في نفوسهم العزّة والعظمة، ويفتح أمامهم طريق الجهاد والشهادة، ويعيد اليهم الكرامة الانسانية، ويقطع أيدي التسلطيين التي تنهب الاموال وتعتدي على الاعراض، ويعلّمهم قوله تعالى: «ولَن يجعل اللَّهُ للكافرينَ على المؤمنينَ سَبيلا» [٢٦].

ويتلُو عليهم الآية الكريمة: «وللَّهِ العِزّة ولرسُوله وللمُؤمنين» [٢٧].

ويلقي على مسامعهم وقلوبهم حثّه سبحانه إذ يقول: «وما لكم لاتُقاتلون في سبيل اللَّه والمستضعفين» [٢٨].

ويُطبق في حياتهم الاعلان الالهي: «إنِ الحُكمُ إلّا للّه» [٢٩].

خائفون ومذعورون ومستاؤون من عودة لمثل هذا الماضي والارتباط بمثل هذا التاريخ حيث اللَّهُ والدين والقرآن محور حياة الافراد وحيثُ أيدي المستكبرين والمستبدّين والتسلطيين لاتمتدُّ الى حياتهم، ولذلك يحاولون أن يصدُّوا عن ذلك بأي ثمن» [٣٠].

ويقول: «قدرة العدوّ الزائفة يجب أن لا تبهر العيون. هؤلاء يستغلون تفرق المسلمين وضعف معنوياتهم ليصطنعوا لأنفسهم أمام أعين البسطاء قدرة كاذبة. الاستكبار انهزم أو فشل في تحقيق مآربه في كل الساحات التي صمد فيها المسلمون صمودا حقيقيا أمام تجبّره. ويكفي لإثبات ذلك بإلقاء نظرة واحدة على إيران الاسلام حيث انتصرت بحول الله وقوته في مواجهتها هذا الحجم الهائل الضخم الاسطوري من عداء أمريكا وأتباعها، خلال الأعوام الستة عشر الماضية. وهاهي اليوم أكثر اقتدارا ونجاحا ونشاطا وأملا من أي وقت مضى.

واليوم فإن أمريكا التي تحمل راية الاستكبار في صراعه مع حركة الصحوة الاسلامية، لم يقتصر فشلها وخيبتها على هذا الصراع الظالم، بل إنها تعاني في داخلها أيضا من مشاكل مستعصية اقتصادية وأمنية وسياسية. كما أنها في مساعيها المتجبّرة، التي يحسب زعماؤها المغرورون التافهون أنها حق من حقوق جبروتهم، قد ذاقت مرارة الهزائم المتلاحقة، وستذوق المزيد في المستقبل إن شاء الله تعالى» [٣١].

عزّة دولة الاسلام‏

نداءات الحج عامة لكل المسلمين، ولا تقتصر على الحديث عن الجمهورية الاسلامية. لكن ايران الاسلام مستهدفة أكثر من غيرها لمحاولات الاذلال والاخضاع والاركاع… لانها أصبحت رمز الصحوة، ورمز العزّة… ورمز الانتصار. من هنا يأتي تأكيد القيادة الاسلامية على عزّة ايران والشعب الايراني.

يركز السيد القائد على أن الجمهورية الاسلامية سوف تواصل طريق العزّة الذي اختطه الامام الراحل ولن تتراجع عنه قيد أنملة، يقول:

«نحن عاهدنا الله أن نواصل طريق الامام الخميني - أعلى الله قدره - وهو طريق القرآن والاسلام وعزّة المسلمين. الخطوط العامة لمنهج مسيرتنا سياسة اللاشرقية واللاغربية، والدفاع عن المستضعفين والمظلومين، وصيانة وحدة الامة الاسلامية الكبرى وحركتها، والتغلب على عوامل الخلاف والشقاق بين المسلمين على الساحة العالمية، والجهاد من أجل إقامة المجتمع الاسلامي الامثل، وحماية الفئات المحرومة وأصحاب الاكواخ، واستثمار كل الطاقات والامكانات لاعادة بناء البلاد على الصعيد الداخلي. وهدفنا الاساس من كل ذلك إعادة الحياة الاسلامية وإحياء القيم القرآنية، وسوف لا نتراجع - باذن اللَّه - أنملة عن هذا الهدف» [٣٢].

ويلخّص معالم طريق العزّة التي تنهجها الجمهورية الاسلامية والتي تثير سخط المستكبرين فيقول:

«في نظام الجمهورية الاسلامية مايثير سخط أمريكا وكل مستكبر آخر هو:

الاول - عدم انفصال الدين عن السياسة والاساس الاسلامي لنظام الجمهورية الاسلامية.

الثاني - الاستقلال السياسي لهذا النظام، أي عدم استسلامه أمام التعنّت المعروف لدى القوى الكبرى.

الثالث - إعلان طريق مشخّص لحل مسألة فلسطين من قبل الجمهورية الاسلامية يتمثل في انحلال النظام الصهيوني الغاصب وإقامة دولة فلسطين من الفلسطينيين أنفسهم والتعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين واليهود في فلسطين.

الرابع - الدعم المعنوي والسياسي لكل النهضات الاسلامية وإدانة كل إساءة الى المسلمين في أية بقعة من العالم.

الخامس - الدفاع عن كرامة الاسلام والقرآن والنبي الاعظم‏صلى الله عليه وآله وسائر الانبياء ومواجهة مؤامرة نشر الاهانة بهذه المقدسات نظير ما حدث بشأن كاتب الآيات الشيطانية المهدورالدم.

السادس - السعي لاتحاد الامة الاسلامية وإقامة التعاون السياسي والاقتصادي بين الحكومات والبلدان الاسلامية، والتحرك على طريق ترسيخ اقتدار الشعوب المسلمة في إطار «الامة الاسلامية الكبرى».

السابع - رفضُ الثقافة الغربية المفروضة التي تسعى الحكومات الغربية عن تعصّب وضيق نظر الى إجبار كل شعوب العالم على قبولها، والاصرارُ على إحياء الثقافة الاسلامية في البلدان الاسلامية.

الثامن - مكافحة الفساد والتحلل الجنسي الذي اعترفت بعض البلدان الغربية وخاصة أمريكا وبريطانيا أخيرا رسمياً بأبشع ألوان انحرافه بكل وقاحة أو هي عازمة على هذا الاعتراف، والوقوف بوجه خطط الغرب القديمة الرامية الى نشر أشكال هذا الفساد في البلدان الاسلامية.

هذه هي التي تدفع أمريكا وبطانتها الى عداء حاقد للجمهورية الاسلامية» [٣٣].

………………………. ) Anotates (…………………….

١) من ندائه سنة ١٤٠٩ه.

٢) الشعراء / ٤٤.

٣) النساء / ١٣٨ - ١٣٩.

٤) من دعاء الحسين عليه السلام يوم عرفة.

٥) من ندائه سنة ١٤٠٩ه.

٦) من ندائه سنة ١٤١٢ه.

٧) من ندائه سنة ١٤١٣ه.

٨) من ندائه سنة ١٤١١ه.

٩) من ندائه سنة ١٤١١ه.

١٠) من ندائه سنة ١٤١١ه.

١١) من ندائه سنة ١٤١٢ه.

١٢) من ندائه سنة ١٤١٢ه.

١٣) من ندائه سنة ١٤١٣ه.

١٤) من ندائه سنة ١٤١٢ه.

١٥) من ندائه سنة ١٤٠٩ه.

١٦) من ندائه سنة ١٤١٠ه.

١٧) من ندائه سنة ١٤١٠ه.

١٨) من ندائه سنة ١٤١٠ه.

١٩) من ندائه سنة ١٤١١ه.

٢٠) المجادلة / ٢١.

٢١) من ندائه سنة ١٤١١ه.

٢٢) من ندائه سنة ١٤١٢ه.

٢٣) من ندائه سنة ١٤١٢ه.

٢٤) النساء / ٧٦.

٢٥) من ندائه سنة ١٤٠٩ه.

٢٦) النساء / ١٤١.

٢٧) المنافقون / ٨.

٢٨) النساء / ٧٥.

٢٩) الانعام / ٥٧.

٣٠) من ندائه سنة ١٤١١ه.

٣١) من ندائه سنة ١٤١٥ه.

٣٢) من ندائه سنة ١٤٠٩ه.

٣٣) من ندائه سنة ١٤١٣ه.



[ Web design by Abadis ]