ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دراسات في حياة أئمة أهل البيت عليهم السلام‏

محاضرات الامام السيد علي الخامنئي دام ظلّه‏

ترجمة الدكتور محمد علي آذرشب‏

قيادة الامام الصادق‏عليه السلام‏

مقدمة المترجم‏

لهذه المحاضرة قصّة…

والقصّة تبين مشهداً من مشاهد الساحة الايرانية قبل انتصار الثورة الاسلامية بكل ما كان فيها من نشاط اسلامي، ومن تحديات وعقبات.

في شهر شوال سنة ١٣٥٣ هجرية شمسية (١٣٩٤ه. ق) دقّ جرس الهاتف في منزل الاستاذ المحاضر بمدينة مشهد. كان على الخط الاستاذ الشهيد الدكتور محمد مفتّح من طهران. بعد تبادل التحايا طلب الشيخ مفتح من صاحب المحاضرة أن يقدم الى طهران في يوم ٢٥ شوال (يوم وفاة الامام جعفر بن محمد الصادق‏عليه السلام) ليلقي محاضرة عن الامام الصادق.

كانت ظروف صاحب المحاضرة صعبة آنذاك، بسبب زحمة الاعمال والدروس وكثرة المراجعات من جميع أرجاء ايران. كان يلقي المحاضرات في مسجد «الامام الحسن» ثم في «مسجد الكرامة» في مشهد الواقعة شرق ايران، وينتقل منها الى غرب ايران ليحاضر في همدان وكرمانشاه. وفي مشهد يدرس التفسير ونهج البلاغة والحديث…. اضافة الى دروس تخصصية في الفقه واصول الفقه.

كل هذا كان يقوم به في ظروف ضاغطة جدا…. ظروف مالية صعبة، وظروف سياسية قاسية…. لقد كان يعيش في فقر مدقع دون أن يعلم بذلك أحد، ودون أن يشكو ذلك لأحد. والسلطة كانت تحصي عليه انفاسه وتتابعه وتراقبه بشدّة. أغلقت «مسجد الكرامة» في هذا العام بالذات، فاكتفى بمسجده الصغير «مسجد الامام الحسن» يواصل فيه ناشطه… ثم اعتقلته في شتاء ذلك العام. وبذلك دخل سجنه الخامس في قصة يطول ذكرها.

في مثل هذه الظروف جاء طلب الشيخ مفتّح لإلقاء محاضرة عن الامام الصادق‏عليه السلام، في طهران بمسجد «جاويد» حيث كان الشيخ مفتح يؤم الناس فيه.

اعتذر صاحب المحاضرة عن الحضور للاسباب المذكورة، ولعلمه بوجود اساتذة يملأون الفراغ في طهران من مثل الشيخ مفتح نفسه ولكن الشيخ أصرّ… وما كان من المحاضر الا الامتثال.

بعد أيام دقّ جرس الهاتف ثانية، وكان الشيخ مفتح على الخط من طهران وقال:

ان الشرطة منعت المحاضرة!

تنفس الاستاذ المحاضر الصعداء، وأحسّ بالراحة وحمد اللّه على ذلك.

ولكن الاستاذ مفتح مالبث أن اتصل ثالثة وقال:

لقد رُفع المنع والحمد للّه، ولابدّ أن تحضر في الوقت المقرّر. حاول السيد المحاضر أن يعتذر ولكن الشيخ قال له: لقد أعلنا نبأ المحاضرة في الجامعات. حاول المحاضر أن يتعلل بصعوبة الحصول على تذكرة الطائرة. لكن الشيخ أبدى استعداده لتوفيرها… لابدّ من السفر إذن!

في يوم القاء المحاضرة نفسه غادر مشهد، وقبل ساعات من بدئها وصل طهران واتجه مباشرة الى المسجد.

فرح الشيخ كثيراً حينما رآه، وكان هو وما يقرب من مائتي شاب مستعدين للصلاة. وفي اثناء الصلاة التحق عدد آخر من الشباب فاصبحوا بضع مئات. وبعد دقائق تدفقت افواج الطلبة فجأة على المسجد، بعد انتهاء الدروس في الجامعة.

غصّ المسجد وفناؤه والزقاق المجاور له بالناس… بدأ السيد الاستاذ يلقي محاضرته وبيده أربعون ورقة كتب فيها مذكرات ترتبط بالمحاضرة. واستمر يتحدث ويتحدث والجالسون منشدّون إليه، وكأن على رؤوسهم الطير. واستمرت المحاضرة ثلاث ساعات، وخلالها تناول بالشرح بضعا من الورقات الاربعين التي أعدها مذكرات لمحاضرته. واختتم المحاضرة رافعاً الاوراق الاربعين الى الحاضرين مشيراً إلى أنه بيّن قلثيلاً من كثير مما أعدّه.

ولم يمض طويلا على هذه الحادثة إذ اعتقل الشيخ مفتح ومنع من الصلاة في مسجد «جاويد» فانتقل بعد الافراج عنه إلى الصلاة في مسجد «قبا».

وهنا لابدّ من التنويه إلى أمر هام وهو: إن السيد الاستاذ حفظه اللّه القى هذه المحاضرة قبل عشرين عاما، وبعدها كانت له مطالعات ودراسات واسعة في حياة أئمة أهل البيت‏٨، وربما عنّت له نظرات جديدة، أوتغيّر رأيه في مسألة معينة من المسائل المطروحة في المحاضرة. وكم كنّا نودّ أن نرى رأيه فيها لنحصل على آخر نظراته قبل أن نقدم على نقلها إلى اللغة العربية. ولكن عظم المسؤوليات وزحمة الاعمال وتراكمها حال دون ذلك، لذلك نقدمها الى القارئ الكريم كما هي، ففيها من الجديد الشي‏ء الكثير، وفيها من تراثيات الفكر الاسلامي المطروح في ايران قبل انتصار الاسلام ما يهمّ كل متتبع.

ويلاحظ في المحاضرة ان السيد الاستاذ يوواجهه تيارين طالما واجههما في محاضراته ودروسه وهما: التيار اليساري المتحامل على الاسلام وعلى رمووز الاسلام، والذي يصف رجال الاسلام بأنهم لم يتصدوا للدفاع عن المحرومين والمظلومين بل كانوا سنداً للظالمين والمترفين!! والتيار المهزوم القاعد الذي يحاول أن يجد في حياة أئمة الاسلام ما يبرر قعوده وسكونه، وهذان التياران كان لهما ثقلهما في الساحة الايرانية قبل تنامي الثورة الاسلامية، وكانا يشكلان عقبة أمام العاملين نحو دفع المجتمع على المسيرة الاسلامية.

الدكتور محمد علي آذرشب‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

«من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً»

«وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا اليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين»

نظرتان خاطئتان‏

الحمد للّه والصلاة والسلام على رسول اللّه وعلى آله ومن اهتدى بهداه.

ثمة نظرتان خاطئتان بشأن الامام الصادق‏عليه السلام، ناشئتان عن لونين من التفكير؛ ومن الغريب أنهما على اختلافهما تتقاربان في الشكل والمحتوى والمنشأ، بل يمكن القول ان النظرتين تشتركان في بعض المحاور اشتراكا تاما:

النظرة الاولى: نظرة مدافعة يبديها أولئك الذين يخالون أنهم من أتباع الامام ومواليه… إنها نظرة شيعة الامام الصادق‏عليه السلام بالقول، لا بالعمل، وتتلخص بما يلي:

إن الامام الصادق‏عليه السلام توفرت له ظرولف لم تتوفر لإمام من قبله ولا من بعده، استطاع أن يستغلها لنشر أحكام الدين، وأن يفتح أبواب مجلسه لطلاب العلم. جلس في بيته، وفتح صدره للمراجعين، وتصدّى للتدريس ونشر المعارف، وارتوى كل من قصده من طلاب العلم وناشدي الحقيقة. اشترك في مجلس درسه أربعة آلاف تلميذ، وعن طريق هؤلاء التلاميذ انتشرت علوم الامام الصادق، منها العلوم الدينية: كالفقه والحديث والتفسير، ومنها العلوم الانسانية: كالتاريخ والاخلاق وعلم الاجتماع.

وتصدّى الامام لمناقشة المنتمين الى الافكار الدخيلة، والردّ على الزنادقة والماديين والملحدين، مباشرة أو عن طريق تلاميذه، وقارع أصحاب النحل المنحرفة بقوّة. ولكل مجالٍ من مجالات الدين، ربّى كوكبة من الطلبة والمتخصصين.

ويقول أصحاب هذه النظرة أيضا: إن الامام - وحرصا على استمرار هذا المشروع العلمي - اضطر الى عدم التدخل في السياسة، فلم يُقدِم على أي عمل سياسي، بل وأكثر من ذلك فانه سلك طريقا يتماشى مع سياسة خلفاء زمانه لاسترضائهم، ولاستبعاد أية شبهة يمكن أن تحوم حول نشاطه. لذلك لم يجابههم، ومنع أيضا أن يجابهم أحد. وقد تستلزم الظروف أن يذهب اليهم وينال جائزتهم وحظوتهم، وإن حدث أن أساء الحاكم به الظن - نتيجة حدوث حركة ثورية أو تهمة لفّقها نمّام - يتجه الامام عليه السلام الى استمالة الحاكم ومجاملته.

ويورد اصحاب هذه النظرة شواهد تاريخية، من ذلك رواية ربيع الحاجب وأمثالها، التي تصوّر الامام في مجلس المنصور وهو يبدي الاعتراف بالتقصير واعلان الندم، وتنقل عن الامام عبارات مدح وثناء يبديها تجاه الخليفة المنصور، مما لايشك الانسان في كذب صدورها عن الامام الصادق‏عليه السلام تجاه طاغية كالمنصور. هذه العبارات تصور المنصور بأنه كيوسف وسليمان وأيوب، وتطلب منه أن يصبر على ما يرى من اساءات الامام او إساءات بني الحسن: «إن سليمان أعطي فشكر، وإن ايوب باتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وأنت من ذلك السنخ…» [١].

هذه نظرة تصور الامام عالما، باحثا، واستاذا كبيرا انتهل من بحر علمه ابو حنيفة ومالك و…. لكنه كان بعيدا كل البعد عن كل مقاومة لعدوان السلطة على الدين، وعن كل ما تتطلبه مهمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر امام السلطان الجائر…. كان بعيدا كل البعد عن الثوار من امثال: زيد بن علي ومحمد بن عبد اللّه بن علي شهيد فخ، بل عن الجنود المقاتلين مع هؤلاء الثوار، ولم يكن يبدي أي رد فعل تجاه ما يحل بالمجتمع الاسلامي، ولا يكترث بما كان يكتنزه المنصور من أموال طائلة، ولا بما كان يعاني منه ابناء رسول اللّه في جبال طبرستان ومازندران، وفي رساتيق العراق ووايران من جوع، بحيث لايجدون مايسدّ رمقهم، ولا مايسترهم إذا ارادوا الصلاة جماعة!! ولا يهتمّ بما كان يتعرض له أتباعه من قتل وتعذيب وتشريد وهم صفر اليدين من كل متاع يتنعم به الافراد العاديون من ابناء المجتمع آنذاك!!

في ظن اصحاب هذه النظرة أن الامام الصادق لم يبد أية حساسية تجاه هذا الوضع، بل كان قانعاً بأن يأتيه من مثل ابن ابي العوجاء، فيقارعه بالحجج والبراهين ويغلبه، ويخرج من بيته مهزوما… دون أن يؤمن طبعا.

هذه هي صورة الامام الصادق كما يرسمها اصحاب النظرة الاولى.

النظرة الثانية: يحملها اولئك الذين لا يعترفون بامامة الصادق، وهي نظرة متحاملة على الامام ترى انه عليه السلام وقف تجاه ما كان يحيق بالمجتمع من ظلم موقف عدم اكتراث. ف فالمجتمع في زمانه كان يضجّ بالمظالم الطبقية والطغيان السياسي والسيطرة المقيتة على أموال الناس [٢] وانفسهم وأعراضهم، واكثر من ذلك على عقولهم ونفوسهم وتفكيرهم ومشاعرهم. حتى لم تعد الامة تتمتع بأبسط الحقوق الانسانية، بما في ذلك القدرة على الانتخاب. مقابل هذا كان الطواغيت يتلاعبون بمقدرات الناس كيف ما شاءوا، ويبنون القصور الفارهة، مثل قصر الحمراء جوار آلاف الخرائب التي يعيش فيها البؤساء من عامة الشعب… في مثل هذا المجتمع الملي‏ء بألوان التعسف والاضطهاد يتجه الصادق الى البحث والدراسة وتربية الطلبة، ويصبّ اهتمامه على تخريج الفقهاء والمتكلمين…!!

إن كلا النظرتين مجحفتان، لا تقومان على أساس ولا تستندان الى دليل واقعي. غير أن النظرة الاولى أشد إجحافا واكثر ظلما للامام الصادق‏عليه السلام لانها صادرة عن لسان من يدعي أنه من شيعته واتباعه.

لا أريد أن أنهج هنا اسلوب البحث العلمي المتداول في الدراسات بعرض جميع النصوص الواردة عن حياة الامام الصادق‏عليه السلام واُقارن بينها من حيث المتن والسند لأخرج بنتيجة، فذلك له مجاله في مجالس البحث العلمي.

اريد هنا أن اطرح نظرة ثالثة مقابل تينك النظرتين… واقرن هذه النظرة بأدلة مستقاة من مصادر موجودة بين ايديكم، كي تستطيعوا - مثل حكم محايد - أن تتطلعوا من خلالها الى الوجه الحقيقي للامام‏عليه السلام.

وقبل أن ادخل في صميم البحث يلزمني أن اُشير الى أن كلا النظرتين لا تقومان على أساس صحيح موثوق به.

فكما ذكرت أن النظرة الاولى تستند الى عدد من الروايات (اوضحت وضع اسنادها في الهامش). وهذه الروايات تنسجم طبعا مع طالبي الراحة ومحبّي العافية، فيتذرّعون بها باعتبارها حجة قاطعة. انها كافية لأن تكون مبرّراً للانتهازيين من ذوي النفوس الضعيفة المهزوزة.

فهذه الروايات تصور الامام بأنه راح يتملّق بالمنصور لحفظ حياته، مع أنه كان قادراً أن يحتوي الموقف باسلوب حكيم. واذا كان ذلك شأن القدوة فما بالك بالمقتدي؟

نعتقد أن نصّ هذه الروايات كاف لاثبات زيفها. فالامام كان قادراً على دفع شرّ المنصور عنه بطرق اُخرى كما حدث في مواقف عديدة تنقلها روايات موثوقة، فلا دليل إذن على أن يعمد الامام الى هذا الملق الزائف والثناء الكاذب، ليضفي على المنصور خصالاً ليست فيه ومكانة لا يستحقها. فمكانة الامامتة ارفع من ذلك بكثير دون شك، وأسمى من أن تتلوث بمثل هذه المواقف المنحطّة.

ومن حيث السند، فإن تحرّي الدقة في الرواة يكشف النا عن أشياء كثيرة. ففي عدد من هذه الروايات نرى الاسناد ينتهي بالربيع الحاجب. والربيع حاجب المنصور! وما أعدله من راو؟ ! ويظهر من المصادر أن الربيع كان أقرب الناس الى المنصور، وأكثرهم زلفة لديه.

استوزره المنصور سنة ١٥٣ه (٥ سنوات بعد وفاة الامام الصادق)، أي نال رفعة في المقام… (ولعلّه نال هذا الترفيع ثمناً لما نسبه للصادق‏عليه السلام من أكاذيب).

مثل هذا الشخص الذي ثبت اخلاصه ووفاؤه لجهاز الخلافة [٣] لا يستبعد منه أن يختلق الاكاذيب، فينسب كلام الملَق الى الامام الصادق أو يغيّر كلاماً حادّاً قاله الامام الى كلام تضرّع والتماس. هذا ليس بغريب على هذا الحاجب، لكن الغريب أن يصدق عاقلٌ قولَ أحد بطانة الخليفة بشأن عدو الخليفة، ومقولة تشيّع هذا المفتري، وهي مقولة تشكل جزءاً من المؤامرة الدنيئة.

والنظرة الثانية ايضا واهية بالدرجة نفسها الدرجة وغير علمية. انها تشبه أحكام المستشرقين المنطلقة عن غرض أو جهل، ومن روح مادية محضة لاتنسجم اطلاقا مع طبيعة الاحداث الاسلامية. ولقد شاهدنا تلك الاحكام الفجّة التافهة التي تصدر عن بعض المستشرقين تجاه الاسلام وأئمة اهل البيت‏عليهم السلام. كقول احدهم [٤] عن الامام الحسن المجتبى أنه باع الخلافة بالمال! وقضى عمره بين العطر والمرأة والترف! وقول مستشرق آخر [٥]: إن الاسلام نقل المجتمع من مرحلة الرقّية الى مرحلة الاقطاع!!

والنظرة الثانية التي نتحدث عنها تشترك مع أقوال هؤلاء المستشرقين في السطحية والتسرّع والمنطلق المادّي.

والطريف أن الوثائق التي يعتمد عليها أصحاب النظرة الثانية ليست سوى ما يلفّقه أصحاب النظرة الاولى من أحكام!!

النظرة الصحيحة

النظرة الثالثة: والآن نبدأ بالنظرة الثالثة بشأن الامام الصادق، وهي نظرة يمكن أن يستنطبها كل ثاقب نظر بالرجوع الى المصادر والمراجع. وهذا الاستنباط لايختص بحياة الامام الصادق وحده، بل يشمل كل أئمة اهل البيت، مع الفارق في خصائص عمل كل منهم حسب ما تقتضيه ظروف الزمان والمكان، وهذا الاختلاف في الخصائص لا يتنافى مع وحدة روح العمل المشترك وحقيقته ومع وحدة الهدف والمسير.

من أجل أن نفهم طبيعة المسيرة العامة لحياة الائمة [٦]، علينا أولا أن نتبين فلسفة الامامة. التيار الذي عرف في مدرسة اهل البيت باسم الامامة، والذي تتكون عناصره الاصلية من أحد عشر شخصاً توالوا خلال قرنين ونصف القرن تقريباً، انما هو في الواقع امتداد للنبوة.

فالنبي يبعثه اللّه سبحانه بمنهج جديد للحياة، وبعقيدة جديدة، وبمشروع جديد للعلاقات البشرية، وبرسالة الى الانسانية. ويطوي حياته في جهاد مستمر، وجهد متواصل، ليؤدي مهمة الرسالة الملقاة على عاتقه قدر ما يسمح له عمره المحدود.

وعملية الدعوة يجب أن تستمر بعده؛ كي تبلغ الرسالة أعلى الدرجات المتوخاة في تحقيق الأهداف. ويجب أن يحمل أعباء المواصلة من هو أقرلاب الناس إلى صاحب الرسالة في جميع الابعاد؛ كي يبلغ بالأمانة الى محطة آمنة وقاعدة رصينة ثابتة مستمرة.

هؤلاء هم الائمة وأوصياء النبي. وكل الائمة العظام واصحاب الرسالات كان لهم أوصياء وخلفاء. ومن أجل أن نعرف مهمة الامام، لابد أن نعرف مهمة النبي. والمهمة يبيّنها القرآن الكريم إذ يقول «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط» [٧].

هذه إحدى الآيات التي تبين علّة النبوة، وتبين من جهة اُخرى مهمة الانبياء. فالانبياء ابتعثوا لبناء مجتمع جديد، ولاقتلاع جذور الفساد، ولاعلان ثورة على جاهلية زمانهم، وقلب مجتمعاتهم. وعملية التغيير هذه يعبّر عنها الإمام علي‏عليه السلام في مطلع استلام مهام حكومته بقوله: «… حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم اسفلكم…» [٨].

انها عملية صناعة مجتمع على أساس التوحيد والعدل الاجتماعي وتكريم الانسان، وتحريره، وتحقيق المساواة الحقوقية والقانونية بين المجموعات والافراد، ورفض الاستغلال والاستبداد والاحتكار، وافساح المجال للطاقات والكفاءات الانسانية، وتشجيع التعلم والتعليم والفكر والتفكير. انها عملية اقامة مجتمع تنمو فيه كل عوامل سموّ الانسان في جميع الابعاد الاساسية، ويندفع الكائن البشري فيه باتجاه مسيرته التكاملية على ساحة التاريخ.

هذه هي المهمة التي بعث الله الانبياء من أجلها، ونستنتج من ذلك أن الامامة، باعتبارها امتداد لمهام النبوة، تتحمل نفس هذه الاعباء. لو أن رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله عاش ٢٥٠ عاما، فماذا كان يفعل ياترى؟ وكيف كان يتحرك على طريق الدعوة، نفس هذه العملية نهض بها الائمة. هدف الامامة هو نفسه هدف النبوة، والطريق هو الطريق، أي إيجاد مجتمع اسلامي عادل، والسعي لصيانة مسيرته الصحيحة.

مقتضيات الزمان مختلفة طبعاً، وبنفس النسبة يختلف التكتيك والاسلوب. النبي‏صلى الله عليه وآله نفسه كان يعمل في بداية الدعوة باسلوب يختلف عن اسلوبه حين قطع شوطاً من الطريق نحو تحقيق هدفه المنشود.

حين كانت الدعوة في بداية الطريق، وكانت محفوفة بألوان التهديدات والتحديات تطلّب الامر تدبيراً خاصاً لمواصلة حمل الرسالة، وحين ترسّخت قواعد النظام الاسلامي، وضرب الاسلام بجرانه في الجزيرة العربية اختلف التدبير والاسلوب…. والثابت والباقي هو الهدف الاسمى الذي أنزلت الرسالة من اجله… وهو السعي لايجاد مجتمع يستطيع الانسان فيه أن يطوي مسيرته التكاملية في جميع الابعاد، وأن تتفجر فيه الطاقات الخيّرة والقوى الكامنة الانسانية، ومن ثم صيانة هذا المجتمع ونظامه الاسلامي.

كان أئمة الشيعة يتجهون - كالنبي - نحو هذا الهدف نفسه، نحو إقامة نظام عادل اسلامي بنفس الخصائص وعلى نفس المسير. وفي حالة قيام هذا النظام تتجه الجهود نحو صيانة مسيرته واستمرارها.

ما الذي تتطلبه اقامة نظام اجتماعي أو مواصلة مسيرة هذا النظام؟ تتطلب اولاً ايديولوجية موجّهة وهادية ينبثق عنها ذلك النظام وتصوغه بصياغتها. ثم تحتاج ثانياً الى قوة تنفيذية تستطيع أن تشق الطريق وسط الصعاب والمشاكل والعقبات نحو تحقيق الهدف. نعرف أن ايديولوجية الائمة هي الاسلام. والاسلام رسالة البشرية الخالدة… رسالة تحمل في مضمونها عناصر بقائها وخلودها [٩].

وبملاحظة هذه الامور، نستطيع بسهولة أن نفهم المنهج العام لائمة أهل البيت واوصياء النبي الاكرم‏صلى الله عليه وآله.

هذا المنهج ذو جانبين متلازمين: الاول يرتبط بالعقيدة، والثاني يتوفير القدرة التنفيذية والاجتماعية. ففي الجانب الأول تتجه جهودهم وهممهم الى نشر مفاهيم الرسالة وبلورتها وترسيخها، والكشف عن الانحرافات التي تصدر عن المغرضين والمنحرفين، وبيان الاطروحة الاسلامية لما يستجدّ من اُمور، واحياء ما اندثر من معالم الرسالة بسبب اصطدامها مع مصالح ذوي القدرة والنفوذ، وتوضيح ما خفي على الاذهان العاديّة من كتاب اللّه العزيز وسنّة نبيّه… فمهمة الجانب الاول تتلخص إذن بصيانة الرسالة الاسلامية حيّة بنّاءة متحركة على مرّ الاجيال.

وفي الجانب الثاني، كانوا يسعون، وفقا لما تقتضيه الظروف السياسية والاجتاعية والعالمية في المجتمع الاسلامي، الى إعداد المقدمات اللازمة لاستلام زمام قيادة الحكم في المجتمع بأنفسهم بشكل عاجل، او التمهيد لكي يستلمها على المدى البعيد من يواصل مسيرتهم في المستقبل.

هذا موجز هدف حياة الائمة الاطهار، وهذه هي الخطوط العامة لاهدافهم. من أجلها عاشوا، ومن أجلها استشهدوا.

وإذا كان ما وصلنا من تاريخ حياة الائمة لايثبت ما ذهبنا اليه، فان عقيدتنا في الائمة كافية لأن تصوّر حايتهم بهذا المنظار لا غير، فما بالك إذا كان التاريخ يشهد بما يقنع كل باحث أن يحاة أئمة آل البيت كانت في هذا الاتجاه؟

مراحل مسيرة الامامة

استمرت مسيرة الامامة منذ رحلة رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله في شهر صفر سنة ١١ هجرية، حتى وفاة الامام الحسن العسكري‏عليه السلام في ربيع الاول سنة ٢٦٠ه. وخلال هذه السنين طوت المسيرة اربع مراحل كان للأئمة في كل منها موقف متميز تجاه حكام المجتمع الاسلامي:

المرحلة الاولى: مرحلة السكوت، أو مرحلة التعاون مع الحاكم.

تميزت هذه المرحلة بأن المجتمع الاسلامي الوليد كان محفوفاً بأخطار الاعداء الذين تربّصوا بالاسلام من الخارج بعد أن أحسّوا بخطر الرسالة عليهم، وكان هناك أعداد غفيرة من جماعات حديثة العهد بالاسلام لاتطيق أن ترى تشتتاً في المجتمع الاسلامي، وكل ثغرة في جسد الامة تشكل تهديداً لأساس المجتمع الاسلامي ووجوده.

من جانب آخر لم يكن منحنى الانحراف قد ارتفع بحيث لم يعد قابلاً للتحمّل بالنسبة لشخص مثل امير المؤمنين علي بن أبي طالب‏عليه السلام الذي هو أحرص الناس على سلامة الرسالة وسلامة المجتمع الاسلامي. ولعل هذه الحالة التي حدثت في المجتمع الاسلامي هي التي أشار اليها رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله حين اوصى تلميذه الفذّ بالصبر عند وقوعها.

لقد استوعبت هذه المرحلة حياةالامام علي‏عليه السلام منذ وفاة رسول الله‏صلى الله عليه وآله حتى تولّيه الخلافة. وقد شرح الامام موقفه في هذه المرحلة خلال الكتاب الذي وجهه الى أهالي مصر مع مالك الاشتر لما ولّاه إمارتها إذ جاء فيه:

«فأمسكت يدي، حين رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون الى محق دين محمد صلى الله عليه وآله فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم… فنهضت في تلك الأحداث…» [١٠].

حين عزفت عنه الولاية سكت في سبيل الاسلام، وحين واجه المجتمع أخطاراً جسيمة، قام ينافح عن الاسلام والمجتممع الاسلامي هادياً وموجهاً وعاملاً في المجالات السياسية والعسكرية والاجتماعية. وفي نهج البلاغة وسيرة علي عليه السلام ما يدل بيقين على طبيعة تحرّك الامام خلال هذه الفترة.

المرحلة الثانية: مرحلة استلام الحكم. وهذه استغرقت اربعة اعوام وتسعة أشهر من خلافة أمير المؤمنين علي‏عليه السلام. وبضعة اشهر من خلافة ولده الحسن عليه السلام. ومع كل ما اكتف هذه المرحلة من آلام وهموم ومشاكل ومصاعب تكتنف عادة كل حكومة ثائرة، فانها سجلت أنصع الصفحات وأروعها في تاريخ الحكومة الاسلامية، بما قدمته من طريقة انسانية في التعامل، ومن عدل والتزام دقيق بأحكام الاسم بأبعاده المختلفة في ادارة المجتمع الاسلامي، هذا الى جانب الحظم والصراحة والجرأة في التطبيق واتخاذ المواقف.

هذه المرحلة من تاريخ الامامة كانت النموذج الذي دعا ائمة اهل البيت‏عليهم السلام‏خلال القرنين التاليين الى تطبيقه في الحياة السياسية والاجتماعية. وأتباع مدرسة اهل البيت منشدّون باستمرار الى تلك الفترة التاريخية، ينشدون استعادتها في حياتهم، ويتخذونها أساساً في تقويم أنظمة زمانهم.

وبهذا المعيار يدينون الأنظمة المنحرفة عن النهج الاسلامي، كما كانت هذه الفترة تجربة ودرساً لحكومة اسلامية ثورية تماماً في مجتمع عصفت به الأهواء والانحرافات. وكانت حالة المجتمع هذه قد القت عب‏ءاً ثقيلاً ومسؤولية كبيرة على الائمة التالين.

المرحلة الثالثة: هي التي استوعبت السنوات العشرين بين صلح الامام الحسن‏عليه السلام سنة ٤١ه، وشهادة الامام الحسين‏عليه السلام سنة ٦١ه.

بعد صلح الحسن‏عليه السلام بدأ نوع من العمل شبه سرّي، هدفه إعادة القيادة الاسلاميّة الى أصحابها الحقيقيين، إذ كان الامر يتطلّب التريّث ريثما تنتهي مدة حكم معاوية، وخلال هذه المدة القصيرة توجهت الجهود البناءة للتمهيد الى المرحلة التالية [١١].

المرحلة الرابعة: هي التي نحتاج الى ان نقف عندها ولو قليلاً، لأنها هي التي تعنينا في دراسة حياة الامام الصادق‏عليه السلام. في هذه المرحلة التي استمرت قرابة قرنين، تواصلت مسيرة الامامة ضمن خطة بعيدة المدى لتغيير المجتمع وفق نظرة الاسلام في جميع المجالات، بما في ذلك القيادة السياسية. كانت مفعمة بالانتصارات والانتكاسات، ومقرونة بنجاح باهر في‏مجال العمل الفكري والعقائدي، وممتزجة بألوان الاساليب الرائعة في العمل التكتيكي المناسب، ومزدانة بأسمى وأروع مظاهر الاخلاص والتضحية والتفاني والعظمة الانسانية على الطراز الاسلامي.

هذه المرحلة بدأت من محرم سنة ٦١ هجرية، بعد استشهاد الامام الحسين بن علي‏عليه السلام وبدء امامة علي بن الحسين عليه السلام. وفي هذه المرحلة نشط الائمة - كما ذكرنا - في الحقل الايديولوجي ومكافحة الانحرافات والتحريفات التي خلّفتها مراكز القدرة والاذهان الجاهلة، الى جانب العمل على المدى البعيد لاقامة حكم اسلامي ينتهج القرآن وسنة رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله ويتمثّل نموذج حكومة علي‏عليه السلام.

واضح أن تنفيذ منهج ثوري أصيل عميق في مجتمع مرّت عليه سنون من الانحراف الفكري والعملي يستدعي تكتيكاً دقيقاً وتخطيطاً اساسياً. فالمجتمع الاسلامي آنئذ قد مرّت عليه فترة حكومة معاوية بكل مافيها من تخدير وتحريف وتزييف وابتعاد عن الروح الرسالية وحرمان من القيادة المبدئية، مما أدى الى تفاقم خطر الانحراف، حتى إنّ الأمر آل الى مقتل ريحانة رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله في كربلاء على مسمع ومرآى من هذا المجتمع المرعوب المشلول المهزوم أمام الارهاب الاُموي.

لابدّ إذن من عمل كبير يعيد الى هذا المجتمع معنوياته المفقودة وشخصيته المسحوقة، انها لعملية تغيير كبرى يحتاجها هذا المجتمع كي يعود مرّةاخرى مؤهلا لحمل الرسالة والنهوض بأعباء المسؤولية الثقيلة. لابد من ثورة كالتي اعلنها رسول اللّه في المجتمع الجاهلي، ثم تولّيي قيادة هذال المجتمع انطلاقا من هذه الثورة.

ان إعادة الحياة الثورية وتجديدها عملية لاتقلّ صعوبة وأهمية عن خلق الثورة وإيجادها. عملية التجديد الثوري بحاجة الى ايمان عميق، وعزم راسخ، وعقل مدبر، وفكر يقظ وواع وفعّال. فمن الذي يحمل عب‏ء هذه المسؤولية؟ !

تلك الفئة التي ما استطاعت أن تسير وراء الامام الحسن‏عليه السلام وما ارتفعت الى مستوى مناصرة الامام الحسين‏عليه السلام غير قادرة دون شك على عملية الإحياء هذه. والاعتماد على هذه الفئة ليس وراءه الا الفشل والخسران.

إن تجربة: التوابين» ثم قيام المختار وابراهيم بن مالك خير دليل على ماذهبنا اليه.

موقف الامام السجادعليه السلام‏

والامام زين العابدين علي بن الحسين‏عليه السلام يقف الآن بعد حادثة عاشوراء على مفترق طريقين:

إما ان يعمد الى دفع أصحابه نحو حركة عاطفية هائجة، ويدخلهم في مغامرة، لا تلبث شعلتها - بسبب عدم وجود المقوّمات اللازمة فيهم - أن تخمد وجذوتها أن تنطفئ، وتبقى الساحة بعد ذلك خالية لبني امية، يتحكّمون في مقدّرات الامة فكرياً وسياسياً… أو أن يسيطر على العواطف السطحية والمشاعر الفائرة، ويعد المقدمات للعملية الكبرى، المقدمات المتمثلة في الفكر الرائد والطليعة الواعية الصالحة لاعادة الحياة الاسلامية الى المجتمع، وأن يصون حياته وحياة المجموعة الصالحة لتكون النواة الثورية للتغيير المستقبلي، ويبتعد عن أعين بني أمية، ويواصل نشاطه الدائب على جبهة بناء الفكر وبناء الافراد. وبذلك يقطع شوطاً على طريق الهدف المنشود، ويكون الامام الذي يليه أقرب الى هذا الهدف.

فأي الطريقين يختار؟

لاشك أن الطريق الاول هو طريق التضحية والفداء، لكن القائد الذي‏غ يخطط لحركة التاريخ، ولمدى أبعد بكثير من حياته، لايكفي أن يكون مضحّياً فقط، بل لابد أيضا أن يكون عميقاً في فكره واسعاً في صدره، بعيداً في نظرته، مدبّراً وحكيما في اموره… وهذه الشروط تفرض على الامام انتخاب الطريق الثاني.

والامام علي بن الحسين‏عليه السلام اختار الطريق الثاني مع كل ما يتطلبه من صبر ومعاناة وتحمّل ومشاق، وقدّم حياته على هذا الطريق (سنة ٩٩٥ هجرية).

وقد صوّر الامام الصادق‏عليه السلام وضع الامام الرابع ودوره الرائد بقوله:

«ارتدّ الناس بعد الحسين‏عليه السلام الا ثلاثة: ابو خالد الكابلي، ويحيى بن أم الطويل، وجبير بن مطعم، ثم إن الناس لحقوا وكثروا، وكان يحيى بن أم الطويل يدخل مسجد رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله ويقوله «كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء» [١٢].

هذه الرواية تصوّر حالة المجتمع الاسلامي بعد مقتل الحسين‏عليه السلام.

إنها حالة الهزيمة النفسية الرهيبة التي عمّت المجتمع الاسلامي ابان وقوع هذه الحادثة. فمأساة كربلاء كانت مؤشّرا على هبوط معنويات هذا المجتمع عامة، حتى شيعة اهل البيت، هؤلاء الشيعة الذين اكتفوا بارتباطهم العاطفي بالائمة، بينما ركنوا عملياً الى الدنيا ومتاعها وبريقها… ومثل هؤلاء كانوا موجودين على مرّ التاريخ، وليسوا قليلين حتى يومنا هذا.

فمن بين الآلاف من مدّعي التشيّع في زمن الامام السجادعليه السلام بقي ثلاثة فقط على الطريق… ثلاثة فقط لم يرعبهم الارهاب الاُموي ولا بطش النظام الحاكم، ولم يثن عزمهم حبّ السلامة وطلب العافية، بل ظلّوا ملبّين مقاومين يواصلون طريقهم بعزم وثبات.

هؤلاء لم ينجرفوا مع تيار المجتمع المنجرّ كالرعاع وراء ارادة الحاكم الظالم، بل كان يقف الواحد منهم وهو يحيى بن ام الطويل في مسجد المدينة ويخاطب مدّعي الولاء لأهل البيت، معلناً براءاته منهم - كما مرّ - ويستشهد بما قاله ابراهيم‏عليه السلام واتباعه لمعارضي زمانه: «كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء» [١٣].

أراد ابن ام الطويل بتلاوةته هذه الآية المباركة أمام مدّعي الولاء لأهل البيت‏عليهم السلام أن يعلن الانفاصل التام بين الجبهتين: جبهة الرساليين الملتزمين، وجبهة الخلود الى الارض والانحطاط إلى مستوى الأماني الرخيصة والانشدادات المادية التافهة. وهو انفصال يرافق كل الدعوات الإلهية. والامام الصادق‏عليه السلام عبّر عن هذا الانفاصل بين الجبهتين بقوله: «من لم يكن معنا كان علينا» أي من لم يكن في جبهة التوحيد كان في جبهة الطاغوت، وليس ثمة منطقة وسط بين الاثنين، ولا معنى للحياد في هذا الانتماء.

إن يحيى ابن أم الطويل هذا المسلم والموالي الحقيقي لأهل بيت رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله بصرخته هذه يعلن الانفصال بين الذين يُرضون أنفسهم بالولاء العاطفي بينما هم قابعون في قوقعة مصالحهم الشخصية وغارقون في مستنقع ذاتياتهم الضيقة، وبين اولئك الملتزمين فكراً وعملاً بالامام.

هذا الانفاصل يعني - طبعاً - الترفّع عن الانجرار وراء الأكثرية الضالّة، ولا يعني اهمال هؤلاء الضالنى. من هنا اتجهت هذه المجموعة الصالحة الى انتشال من له قابلية التحرر من الإصر والأغلال، وكثرت بالتدريج هذه الفئة المجاهدة الصابرة، والى هذا يشير الامام الصادق‏عليه السلام في قوله المذكور آنفا: «ثم إن الناس لحقوا وكثروا». وبذلك واصل الامام السجادعليه السلام نشاطه. وكان هذا النشاط وبعض المواقف الاخرى التي سنذكرها مما ادّى الى استشهاده، واستشهاد بعض المقربين من أتباعه.

لم أر في حياة الامام السجادعليه السلام ما يدل على مواجهة صريحة مع الجهاز الحاكم، والحكمة كانت تقتضي ذلك - كما ذكرنا - لأنه لو اتخذ مثل تلك المواقف التي نشاهدها في حياة الامام موسى بن جعفرعليه السلام وبعده من الائمة تجاه حكام عصره لما استطاع أن يحقق ما حققه من دفع عملية التغيير دفعة استطاعت أن توفّر للامام الباقرعليه السلام فرصة نشاط واسع، بل لصُفّي هو والمجموعة الصالحة الملتفّة حوله.

في مواقف نادرة نلمس من الامام‏عليه السلام رأيه الحقيقي من السلطة الحاكمة، ولكن ليس على مستوى المواجهة، بل على مستوى تسجيل موقف للتاريخ وليجعل المحيط القريب منه على قدر من العلم بعمله وحركته.

من تلك المواقف، رسالة تقريع صارخة وجهها الامام‏عليه السلام الى رجل دين مرتبط بجهاز بني أمية هو «محمد بن شهاب الزهري». ونستطيع أن نفهم من الرسالة أن الامام يخاطب بها الاجيال على مرّ العصور، لا الزهري. لأن الزهري لم يكن بالشخص الذي يستطيع أن يتحرر من الاغلال التي تشدّه الى موائد بني أمية وقصاعهم ولهو هم ومناصبهم وجاههم. ولم يستطع بالفعل. لقد قضى عمره في خدمتهم، ودوّن كتاباً، ووضع حديثاً ليتزلف اليهم [١٤].

هذه الرسالة إذن وثيقة توضح موقف الامام من أوضاع زمانه. ونصّها موجود في كتاب «تحف العقول» [١٥].

وثمة وثيقة اخرى هي عبارة عن رسالة جوابية وجهها الامام عليه السلام الى عبد الملك بن مروان بعد ان ارسل الثاني رسالة يعيّر فيها الامام بزواجه من أمته المحررة، وقصد ابن مروان بذلك أن يبين للامام‏عليه السلام أنه محيط بكل ما يفعله حتى في اموره الشخصية، كما اراد أيضا ان يذكّر الامام بقرابته منه طمعاً في استمالته.

والامام‏عليه السلام في رسالته الجوابية يوضح رأي الاسلام في هذه المسألة، ويؤكد أن امتياز الايمان والاسلام يلغي كل امتياز آخر. ثم باسلوب كناية في غاية الروعة يشير الامام الى جاهلية آباء الخليفة، بل لعله يشير أيضاً الى ما عليه الخليفة بالذات من جاهلية إذ يقول له: «فلا لؤم على امرئ مسلم، إنما اللؤم لؤم الجاهلية».

وحين قرأ الخليفة الاُموي عبارة الامام‏عليه السلام أدرك معناها تماماً، كما أدرك المعنى ابنه سليمان إذ قال له: «يا أمير المؤمنين لَشَدَّ ما فخر عليك علي بن الحسين!!».

والخليفة بحنكته السياسية يرد على ابنه بما يوحي أنه أعرف من الابن بعاقبة الاصطدام مع إمام الشيعة فيقول له: «يا بنيّ لاتقل ذلك فانها ألسن بني هاشم التي تفلق الصخر وتغرف من بحر، إن علي بن الحسين يابني يرتفع من حيث يتّضع الناس» [١٦].

ونموذج آخر من هذه المواقف ردّ الامام‏عليه السلام على طلب تقدم به عبد الملك بن مروان. كان عبد الملك قد بلغه أن سيف رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله عند الامام. فبعث اليه من يطلب منه أن يهب السيف للخليفة، وهدده إن أبي بقطع عطاء بيت المال عنه.

فكتب اليه الامام‏عليه السلام.

«اما بعد فان اللّه ضمن للمتقين المخرج من حيث يكرهون، والرزق من حيث لاحتسبون، وقال جلّ ذكره: «إن اللّه لايحب كل خّوان كفور» فانظر أيّنا أولى بهذه الآية» [١٧].

وفي غير هذه المواقف نرى الامام السجادعليه السلام يتحرك بهدوء وباستتار في اتجاه تربية الافراد وصنع الشخصية الاسلامية وفق مدرسة أهل البيت ومحاربة الانحرافات و…. وبذلك قطع في الواقع الخطوة الاساسية الاولى على طريق تحقيق هدف مدرسة أهل البيت المتمثل بإقامة المجتمع الإسلامي المستظل بحكومة اسلامية صالحة على نموذج حكومة رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله وعلي بن ابي طالب‏عليه السلام. وكما ذكرنا من قبل لم يسلم الامام‏عليه السلام واتباعه رغم هذا النهج - المسالم على الظاهر - من بطش الجهاز الاُموي وتنكيله. فمن أتباعه من قتل بشكل فظيع، ومنهم من سجن، ومنهم تشرّد بعيداً عن الأهل والديار، والامام‏عليه السلام نفسه في مرة واحدة على الاقل سيق مقيّداً بالاغلال في حالة مؤلمة من المدينة الى الشام، وتعرّض مرات لألوان الأذى والتعذيب. ثم دسّ الخليفة الاُموي الوليد بن عبد الملك له السمّ واستشهد سنة ٩٥ هجرية [١٨]

حياة الامام الباقرعليه السلام‏

استمرار منطقي لحياة الامام السجادعليه السلام‏

اصبح اتباع أهل البيت مجموعة متميزة ذات وجود مستقل، ودعوة أهل البيت التي اعترتها وقفة واحتجبت وراء ستار سميك بسبب حادثة كربلاء وما أعقبها من حوادث دموية كوقعة الحرّة وثورة التوابين وبسبب بطش الاُمويين، قد اصبح لها وجود منتشر وواضح في كثير من الاقطار الاسلامية خاصة في العراق والحجاز وخراسان، وأصبح لها «تنظيم» فكري وعملي. وولّت تلك الايام التي قال الامام السجادعليه السلام عنها: إن أتباعه ماكانوا يزيدون فيها على عشرين شخصا. واضحى الامام الباقرعليه السلام يدخل مسجد النبي‏صلى الله عليه وآله في المدينة فيلتلف حوله جمع غفير من أهل خراسان وغيرها من اصقاع العالم الاسلامي، يسألونه عن رأي الاسلام في مختلف شؤون الحياة. ويفد عليه امثال طاووس اليماني وقتادة بن دعامة وأبو حنيفة وآخرون من أئمة المذاهب الفقهية لينتهلوا من علم الامام أو ليحاجّوه في أمور مختلفة. وبرز شعراء يدافعون عن مدرسة اهل البيت، ويُعبّرون عن أهدافها، منهم الكميت الذي رسم في هاشمياته أروع لوحة فنية في تصوير الولاء الفكري والعاطفي لآل بيت رسول الله‏صلى الله عليه وآله. وتناقلت الألسن هذه الروائع الادبية وحظفتها الصدور.

ومن جهة أخرى فإن خلفاء بني مروان أحسّوا خلال هذه الفترة بنوع من الطمأنينة، وشعروا بالاستقرار بعد أن استطاع عبد الملك بن مروان (ت‏٨٦ه) خلال فترة حكمه التي استمرت عشرين عاماً أن يقمع كل المعارضين. وقد يعود شعور الخلفاء المروانيين في هذا العصر بالأمن والاطئمنان ال أن الخلافة وصلتهم غنيمة باردة، لا كأسلافهم الذين كدحوا من أجلها مما أدّى الى انشغالهم باللهو والملذات التي تصاحب الشعور بالاقتدار والجاه والجلال.

مهما يكن الأمر فإن حساسية خلفاء بني مروان تجاه مدرسة اهل البيت قد قلّت في هذا العصر، ووأصبح الامام وأتباعه في مأمن تقريباً من مطاردة الجهاز الحاكم.

وكان من الطبيعي أن يقطع الامام خطوة رحبة في ظل هذه الظروف على طريق تحقيق أهداف مدرسة أهل البيت، ويدفع بالتشيع نحومرحلة جديدة. وهذا ما يميّز حياة الامام الباقرعليه السلام.

ويمكن تلخيص حياة الامام الباقرعليه السلام خلال الاعوام التسعة عشر من امامته (٩٥ - ١١٤ه) بما يلي:

إن أباه الامام السجادعليه السلام عندما حضرته الوفاة أوصى أن يكون ابنه محمداً إماماً من بعده في حضور سائر ابنائه وعشيرته وسلّمه صندوقاً… تذكر الروايات أنه مملوء بالعلم… وتذكر أن فيه سلاح رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله وقال له: «يا محمد هذا الصندوق فاذهب به الى بيتك. ثم قال: أما إنه لم يكن فيه دينار ولا درهم، ولكنه كان مملوءاً علماً» [١٩]. لعل هذا الصندوق يرمز الى أن الامام السجاد سلّم ابنه محمداً مسؤولية القيادة الفكرية والعلمية (فالصندوق مملوء بالعلم) وسلّمه مسؤولية القيادة الثورية (سلاح النبي).

ومع بدء الامام وأبتاعه بنشاطهم الواسع في بث تعاليم أهل البيت‏عليهم السلام، يتسع نطاق انتشار الدعوة، ويتخذ أبعاداً جديدة تتعدى مناطقها السابقة في المدينة والكوفة، وتجد لها شيوعاً في اصقاع بعيدة عن مركز السلطة الاُموية، وخراسان في مقدمة تلك البقاع كما تحدثنا الروايات التارخية [٢٠].

ان الواقع الفكري والاجتماعي المزري للناس كان يدفع الامام وأتباعه نحو حركة دائبة لاتعرف الكلل والملل من أجل تغيير هذا الواقع والنهوض بالواجب الإلهي إزاء هذا الانحراف.

إنهم يرون غالبية الناس قد خضعوا للجو الفاسد الذي أشاعه بنو أمية، فغرقوا الى الأذقان في مستنقع حياة آسنة موبوءة، حتى أضحوا كحكّامهم لا يفقهون قولاً، ولا يصيخون لنصيحة سمعاً «إن دعوناهم لم يستجيبوا لنا» [٢١].

ومن جهة اخرى يرون دراسات الفقه والكلام والحديث والتفسير تنحو منحى استرضاء الطاغوت الاُموي وتلبية رغباته. ومن هنا فان كل ابواب عودة الناس الى جادة الصواب كانت موصدة لولا نهوض مدرسة اهل البيت بواجبها «وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا» [٢٢].

اتجهت مدرسة أهل البيت فيما اتجهت الى تقريع اولئك الذين باعوا ذممهم من العلماء والشعراء، في محاولة الى ايقاظ ضمائرهم أو ضمائر اتباعهم من عامة الناس.

نرى الامام يقول للكميت الشاعر مؤنباً:

«امتدحت عبد الملك؟ » قال: ما قلت له يا إمام الهدى، وإنما قلت يا أسد، والأسد كلب، ويا شمس، والشمس جماد، ويا بحر، والبحر موات، ويا حيّة، والحيّة دُويبة منتنة، ويا جبل، وإنما هو حجر أصمّ. فتبسم الامام وأنشد الكميت بين يديه:

من لقلب متيم مستهام‏

غير ما صبوة ولا أحلام [٢٣] وبهذه الميمية يضع الحدّ الفاصل بين الاتجاه العلوي والاتجاه الاُموي في المكانة والسيرة في صورة فنية رائعة خالدة.

وعكرمة تلميذ ابن عباس المعروف وصاحب المكانة العلمية المرموقة في المجتمع آنذاك، يذهب لمقابلة الامام، فيؤخذ بهيبة الامام وشخصيته ووقاره ومعنويته وفكره، فيقول له: «يابن رسول اللّه لقد جلست مجالس كثيرة بين يدي ابن عباس وغيره، فما أدركني ما أدركني آنفاً».

فقال له الامام: «إنك بين يدي بيوت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه» [٢٤].

ومن الابعاد الاخرى لنشاط مدرسة أهل البيت في هذه المرحلة سرد ما أحاط بأهل بيت رسول اللّه وأتباعهم من ظلم واضطهاد وقتل وتشريد وتعذيب في محاولة لاستثارة عواطف الناس الميتة، وتحريك ضمائرهم الرخوة، واستنهاض عزائمهم الراكدة، وتوجيههم وجهة ثورية حركية.

عن المنهال بن عمر قال: كنت جالساً مع محمد بن علي الباقرعليه السلام اذ جاءه رجل فقال له: كيف انتم؟ فقال الامام الباقر:

«أوما آن لكم أن تعلموا كيف نحن؟ إنما مثلنا في هذه الاُمة مثل بني اسرائيل، كان يذبّح أبناؤهم وتستحيا نساؤهم، ألا وإن هؤلاء يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا. زعمت العرب أن لهم فضلاً على العجم، فقالت العجم: وبما ذلك؟ قالوا: كان محمد منا قرشياً. قالوا لهم: صدقتم. وزعمت قريش أن لها فضلاً على غيرها من العرب، فقالت لهم العرب من غيرهم: وبما ذاك؟ قالوا: كان محمد قرشياً. قالوا لهم: صدقتم. فان كان القوم صدقوا فلنا فضل على الناس لأنا ذرية محمد، وأهل بيته خاصة وعترته، لايشركنا في ذلك غيرنا. فقال له الرجل: واللّه إني لاُحبكم أهل البيت. قال: فاتخذ للبلاء جلبابا، فواللّه إنه لأَسرع الينا وإلى شيعتنا من السيل في الوادي، وبنا يبدو البلاء ثم بكم، وبنا يبدو الرخاء ثم بكم» [٢٥].

فما إن بدت على الرجل علامات الهياج جرّاء استثارات الامام حتى سارع الامام الى رسم الطريق أمامه. إنه طريق مفروش بالدماء والدموع، والامام رائد المسيرة على هذا الطريق يصيبه البلاء أولاً قبل أن يصيب شيعته.

وفي دائرة أضيق نرى أن علاقة الامام بشيعته تتخذ خصوصيات متميزة، نراه بين هؤلاء الاتباع كالدماغ المفكر بين اعضاء الجسد الواحد، يغذيهم ويمدهم بالحيوية والحركة والنشاط باستمرار.

وتتوفر بأيدينا وثائق تبين هذا الاترابط متمثلا باعطاء المفاهيم والتعاليم الصريحة لهؤلاء الاتباع، وبتنظيم مترابط محسوب بينهم.

منها وصية الامام الباقرعليه السلام لجابر الجعفي ف اول لقاء له بالامام أن لايقول لأحد أنه من الكوفة، وليظهر بمظره رجل من أهل المدينة. وبذلك يعلّم هذا التلميذ الجديد، الذي لمس الامام فيه قدرة على حفظ الاسرار، درس الكتمان… وهذا التلميذ الكفووء أصبح بعد ذلك صاحب سرّ الامام. ويبلغ به الامر مع الجهاز الحاكم أن يقول عنه النعمان بن بشير:

«كنت ملازما لجبار بن يزيد الجعفي، فلما أن كنّا بالمدينة، دخل على أبي جعفرعليه السلام فودّعه وخرج من عنده وهو مسرور، حتى وردنا الأخيرجة (من نواحي المدينة) يوم جمعة فصلّينا الزوال فلما نهض بنا البعير إذا أنا برجل طوال آدم (أسمر) معه كتاب فناوله، فقبّله ووضعه على عنينيه، واذا هو من محمد بن علي (الباقر) الى جابر بن يزيد وعليه طين أسود رطب. فقال له. متى عهدك بسيّدي؟ فقال: الساعة فقال له: قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ فقال: بعد الصلاة. فقال: ففكّ الخاتم وأقبل يقرأه ويقبض وجهه حتى أتى على آخره، ثم أمسك الكتاب فما رأيته ضاحكاً ولا مسروراً، حتى وافى الكوفة.

يقول النعمان بن بشير: فلما وافينا الكوفة ليلاً بتّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت جابر الجعفي إعظاما له فوجدته قد خرج عليّ وفي عنقه كعاب قد علّقها وقد ركب قصبة (كما يفعل المجانين) وهو يقول: أجد منصور بن جمهور… أميراً غير مأمور، وأبياتاً من نحو هذا فنظر في وجهي ونظرت في وجهه فلم يقل لي شيئاً، ولم أقل له، وأقبلت أبكي لما رأيته، واجتمع عليّ وعليه الصبيان والناس، وجاء حتى دخل الرّحبة، وأقبل يدور مع الصبيان، والناس يقولون: جُنّ جابر بن يزيد. فو اللّه ما مضت الأيام حتى ورد كتاب هشام بن عبد اللملك الى وإليه أن انظر رجلاً يقال له: جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه. فالتفت الى جلسائه فقال لهم: من جابر بن يزيد الجعفي؟ قالوا: أصلحك اللّه كان رجلاً له علم وفضل وحديث، وحجّ فجنّ وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم قال: فأشرف عليه فاذا هو مع الصبيان يلعب على القصب. فقال: الحمد للّه الكذي عافاني من قتله» [٢٦].

هذا نموذجُ من نماذج الارتباط بين الامام وخاصة أتباعه، يوضّح دقّة التنظيم والارتباط، ويبين كذلك نموذجاً لموقف السلطة الحاكمة من هؤلاء الاتباع، ويؤكّد أن الجهاز الحاكم لم يكن غافلاً تماما عن علاقة الامام بأتباعه المقربين، بل كان يراقب هذه العلاقات ويحاول اكتشافها ومجابهتها [٢٧].

وبالتدريج يبرز جانب المجابهة في حياة الامام الباقرعليه السلام وفي حياة الشيعة ليسجل فصلاً آخر في حياة أئمة أهل البيت‏عليهم السلام.

النصوص التاريخية الموجودة بين أيدينا وهكذا الروايات الحديثية لاتتحدث بصراحة عن حركة مقاومة سياسية حادة ينهض بها الامام. وهذا يعود الى عوامل كثيرة منها جوّ البطش والتنكيل المهيمن على المجتمع مما يفرض عنصر التقية بين اتباع الامام الذين هم المطلعون والوحيدون على حياة الامام السياسية… ولكن ردود الفعل المتشدّدة التي يبديها العدو تبين عمق العمل الجهادي. فحين يتخذ جهاز حاكم مقتدر كجهاز عبدالملك بن مروان، الذي يعتبر اقوى حاكم أموي، ضد الامام الباقرعليه السلام كل أسباب الشدّة والحدّة، فإن ذلك يدل دون شك على إحساس الخليفة بالمخاطر التي تواجهه جرّاء حركة الامام وأتباعه. لو كان الامام منهمكاً فقط بنشاط علمي، لابناء فكري وتنظيمي، فان الجهاز الحاكم لم يكن من مصلحته أن يتشدّد مع الامام، لأن ذلك يدفع بالامام وبأتباعه الى موقف ساخط متشدّد كالذي اتخذه الثائر العلوي شهيد فخ الحسين بن علي من السلطة.

باختصار، موقف السلطة المتشدّد من الامام الباقرعليه السلام يمكن فهمه على أنه رد فعل لما كان يمارسه الامام من عمل معارض للسلطة.

من الأحداث الهامة في اواخر حياة الامام الباقرعليه السلام استدعاء الامام الى الشام عاصمة الخلافة الاموية. فالخليفة الاموي أراد أن يستوثق من موقف الامام تجاه الجهاز الحاكم فأمر باعتقاله وارساله مخفوراً الى الشام. (وفي بعض الروايات أن الحكم هذا شمل ابنه الشاب أيضا جعفراً الصادق).

يؤتى بالامام الى قصر الخليفة. وهشام أملى على حاشيته طريقة مواجهة الامام لدى وروده. تقرر أن يبتدئ الخليفة ثم تليه الحاشية بإلقاء سيول التهم على الامام، وكان يستهدف في ذلك امرين: اولهما إضعاف معنويات الامام وخلق حالة من الانهيار النفسي فيه. والثاني: محاولة إدانة الامام في مجلس يضمّ زعيمي الجبهتين (جبهة الخلافة وجبهة الامامة)، ثم نقل هذه الادانة عن طريق ابواق البلاط كالخطباء ووعاظ السلاطين والجواسيس وبذلك يسجل لنفسه انتصارا على خصمه.

يدخل الامام مجلس الخليفة، وخلاف ما اعتاده الداخلون من السلام على الخليفة بإمرة المؤمنين، يتوجه الى كل الحاضرين، ويشير اليهم جميعاً ويقول: السلام عليكم… ودون أن ينتظر الاذن بالجلوس يأخذ مكانه في المجلس. وهذا الموقف من الامام أضرم نار الحسد والحقد في قلب هشام… وبدأ هشام على الفور يقول: يا محمد بن علي لا يزال الرجل منكم قد شقّ عصا المسلمين، ودعا الى نفسه، وزعم أنه الامام سفها وقلة علم، وجعل يوبّخه [٢٨].

وبعد هشام أخذ أفراد بطانته يرددون مثل هذه التهم والتوبيخ… والامام ساكت في كل هذه المدّة ومطرق بوقار ينتظر فرصة الاجابة… وحين افرغت البطانة ما في كنانتها وخيّم السكوت على المجلس، نهض الامام وتوجه الى الحاضرين، وبعد أن حمد الله واثنى عليه وصلى على نبيه، خاطب المجلس بعبارات قصيرة قارعة بيّن تفاهة هذه البطانة وانقيادها البهيمي كما بيّن فيها مكانته ومكانة أهل البيت وفق معايير اسلامية، واستخف بكل ما يحيط بالخليفة وحاشيته من هيل وهيلمان ومكانة وسلطان، فقال:

«ايها الناس! اين تذهبون؟ واين يراد بكم؟ بنا هدى اللّه أولكم، وبنا يختم آخركم، فان يكن لكم ملك معجّل، فإن لنا ملكاً مؤجلاً، وليس بعد ملكنا ملك، لأنّا أهل العاقبة. يقول اللّه عزّوجل: والعاقبة للمتقين» [٢٩].

عبارات تظلّم وتهكّم وتبشير وتهديد وإثبات وردّ في جمل موجزة ذات وقع مثير تفرض على سامعها الايمان بحقّانية قائلها… ولم يكن أمام هشام سبيل سوى الامر بسجن الامام.

الامام في سجنه واصل عمله التغييري فأثّر على من معه في السجن. بلغ الامر هشاما فكَبُر عليه أن يرى حدوث مثل ذلك في عاصمته المحصّنة من التأثير العلوي. فأمر أن يؤخذ السجين ومن معه على مركب سريع (البريد) ويُرسل الى المدينة حيث مسكنه ومحل إقامته، وأمر أن لا يتعامل أحد في الطريق مع هذه القافلة المغضوب عليها ولا يزودها بماء أو طعام [٣٠].

مرّت ثلاثة أيام من السير المتواصل انتهى خلالها مافي القافلة من ماء وطعام. ووصلوا «مدين». وأغلق اهل المدينة حسب مالديهم من أوامر ابواب مدينتهم، وأبو أن يبيعوا متاعا. اشتد على أتباع الامام الجوع والعطش. صعد الامام على مرتفع يطل على المدينة ونادى بأعلى صوته:

يا أهل المدينة الظالم أهلها، أنا بقية اللّه. يقول اللّه: «بَقية اللّه خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ».

يقول الراوي: وكان بين اهل المدينة شيخ كبير فأتاهم فقال: يا قوم هذه واللّه دعوة شعيب‏عليه السلام. واللّه لئن لم تخرجوا الى هذا الرجل بالاسواق لتؤخذنّ من فوقكم ومن تحت أرجلكم فصدّقوني وأطيعوني… فاني لكم ناصح.

استجاب اهل المدينة لدعوة الشيخ فبادروا وأخرجوا الى أبي جعفر واصحابه الاسواق [٣١].

وآخر فصل في هذه الرواية يبين أيضاً بطش الخليفة العباسي وتجبّره. فبعد أن فتح اهل المدينة أبوابها للامام وصحبه، كُتب بجميع ذلك الى هشام. فكتب هشام إلى عامله على مدين يأمره بأن يأخذ الشيخ فيقتله رحمة الله عليه وصلواته [٣٢].

ومع كل ذلك، يتجنب الامام أيّ مواجهة حادّة ومجابهة مباشرة مع الجهاز الحاكم. فلا يعمد الى سيف، ولا يسمح للأيدي المتسرّعة الى السلاح أن تشهره، ويوجهها توجيهاً حكيماً، وسيف اللسان أيضاً لا شهره إذا لم يتطلب عمله التغييري الاساسي الجذري ذلك. ولا يسمح لأخيه زيد، الذي بلغ به الغضب مبلغه وثارت عواطفه أيّما ثورة، أن يخرج (يثور) بل يركز نشاطه العام على التوجيه الثقافي والفكري… وهو بناء اساس ايديولوجي في اطار مراعاة التقية السياسية.

ولكن هذا الاسلوب لم يكن يمنع الامام - كما اشرنا - من توضيح «حركة الامامة» لأتباعه الخلّص. وإذكاء أمل الشيعة الكبير، وهو إقامة النظام السياسي بمعناه الصحيح العلوي في قلوب هوالاء، بل يعمد أحيانا الى إثارة عواطفهم بالقدر المطلوب على هذا الطريق. والتلويح بمستقبل مشرق هو أحد من السبل التي مارسها الامام الباقرعليه السلام مع أتباعه. وهو يشير أيضاً الى تقويم الامام‏عليه السلام للمرحلة التي يعيشها من الحركة.

يقول الحكم بن عيينة: بينا أنا مع أبي جعفرعليه السلام والبيت غاص بأهله إذ أقبل شيخ يتوكّأ على عنزة (عكازة) له حتى وقف على باب البيت فقال: السلام عليك يابن رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته. ثم سكت فقال ابو جعفر: وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته. ثم اقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال: السلام عليكم، ثم سكت حتى أجابه القوم جميعاً، وردّوا عليه السلام. ثم أقبل بوجهه على الامام وقال: يابن رسول اللّه أنني منك جعلني اللّه فداك. فواللّه إني لأحبكم وأحب من يحبكم، وواللّه ما أحبكم وأحب من يحبكم لطمع في دنيا، وإني لاُبغض عدوكم وأبرأ منه، وواللّه ما أبغضه وأبرأ منه لو تر كان بيني وبينه. واللّه إني لأحلُّ حلالكم واُحرّم حرامكم، وانتظر أمركم، فهل ترجو لي جعلني اللّه فداك؟ فقال الامام: إليَّ إليَّ، حتى أقعده إلى جنبه ثم قال:

«ايها الشيخ، إن أبي عليّ بن الحسين‏عليه السلام أتاه رجل فسأله عن مثل الذيي سألتني عنه فقال له أبي‏عليه السلام: إن تمت ترد على رسول الله‏صلى الله عليه وآله وعلى عليّ والحسن والحسين وعلى عليّ بن الحسين، ويثلج قلبك، ويبرد فؤادك، وتقرّ عينك، وتستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين… وإن تعش ترى ما يقرّ اللّه به عينك، وتكون معنا في السنام الاعلى». قال الشيخ وهو مندهش من عظمة البشرى: كيف يا أبا جعفر؟ فأعاد عليه الكلام، فقال الشيخ: اللّه اكبر يا أبا جعفر، إن انا متُ أرد على رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله وعلى علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين وتقرُ عيني ويثلج قلبي ويبرد فؤادي واُستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسي ههنا، وإن أعش ارى ما يقرُ اللّه به عيني، فاكون معكم في السنام الاعلى؟ ثم اقبل الشيخ ينتحب حتى لصق بالأرض. وأقبل أهل البيت ينتحبون لما يرون من حال الشيخ. ثم رفع الشيخ رأسه وطلب من الامام ان يناوله يده فقبّلها ووضعها على عينه وخدّه، ثم ضمّها الى صدره، وقام فودّع وخرج والامام ينظر اليه ويقول: «من أحبّ أن ينظر الى رجل من أهل الجنة فلينظر الى هذا» [٣٣].

مثل هذه التصريحات، تذكي روح الامل في قلوبٍ تعيش جوّ الاضطهاد والكبت، فتكسبها زخماً ودفعاً نحو الهدف المنشود المتمثل في إقامة النظام الاسلامي العادل.

تسعة عشر عاماً من إمامة الباقرعليه السلام تواصلت على هذا الخط المستقيم المتماسك الواضح… تسعة عشر عاماً من التعليم الايديولوجي، والنباء، والتكتيك النضالي، والتنظيم، وصيانة وجهة الحركة، والتقية، وإذكاء روح الأمل… تسعة عشر عاماً من مسير شائك وعر يتطلب كثيراً من الجدّ والجهد. وحين أشرفت هذه الاعوام على الانتهاء وأوشكت شمس عمره المبارك على المغيب، تنفّس اعداؤه الصعداء، لأنهم بذهاب هذا القائد الموجّه سوف يتخلّصون من مصدر إثارةٍ طالما قضّ مضاجعهم وسرق النوم من عيونهم. لكنّ الامام خيّب آمالهم وفوّت عليهم هذه الفرصة، حين جعل من وفاته مصدر عطاء، ومنطلق إثارة، ووسيلة توعية مستمرة! لقد وجّه ولده الصادق‏عليه السلام في اللحظات الاخيرة من حياته توجيهاً يمثل نموذجاً رائعاً من نماذج التقية التي مارسها الامام الباقرعليه السلام والاسلوب الذي استعمله في مرحلته الزمنية الخاصة. في الرواية عن ابي عبد اللّه الصادق‏عليه السلام قال: «قال لي أبي: يا جعفر أوقف لي من مالي كذا وكذا النوادب تندبني [٣٤] عشر سنين بمنى أيام منى» [٣٥].

وهذه الرواية لم يقف عندها من بحث في حياة الامام الباقر وغفلوا عما فيها من دلالات كبيرة. لقد خلّف الامام (٨٠٠) درهم، وأوصى أن يخصص جزء منها لمن يندبه في منى… وندب الامام في منى له معنى كبير. إنه عملية إحياء ذلك المصدر الذي كان يشعّ دائماً بالتوعية والإثارة وخلق روح الحماس والمقاومة.

واختيار منى بالذات يعني مواصلة العمل في وسط تمركز الوافدين من كل أرجاء العالم الاسلامي، خلال فقترة الاستقرار الوحيدة في موسم الحج. فكل مناسك الحج يمرّ بها الحاج وهو في حركة دائبة مستمرة، الا في منى، حيث يبيت الليلتين او الثلاث، فيتوفر لديه الوقت الكافي لكي يسمع ويطّلع. وندب الامام في هذا المكان سيثير التساؤل عن شخصية هذا المتوفّى، من هو؟ فيحصلون على الجواب من أهل المدينة الذين عاصروه. انه من أبناء رسول اللّه، واستاذ الفقهاء والمحدّثين. ولماذ يندب في هذا المكان؟ الم يكن موته طبيعياً؟ من الذي قتله أو سمّه؟ هل كان يشكل خطراً على الجهاز الاُموي؟ و… و… عشرات الاسئلة كانت تثار حين يندب الامام في هذا المكان. ثم يحصل السائلون على الاجابة… وتنشر الاخبار في طراف البلاد وأكنافها بعد عودة الحجيج الى أوطانهم. وكان هناك في مواسم الحج من يأتي من الكوفة والمدينة ليجيب عن هذه التساؤلات مغتنماً فرصة تجمّع المسلمين، وليبثّ روح التشيّع من خلال أعظم قناة إعلامية آنذاك.

هكذا عاش الامام، وهكذا خطط لما بعد وفاته، فسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد ويوم استشهد في سبيل الله ويوم يبعث حيا.

توفّي الامام الباقرعليه السلام وهو في السابعة والخمسين من عمره، على عهد هشام بن عبد الملك، وهو من اكثر ملوك بني اُمية اقتداراً. ورغم ما كانت تحيط بالحكومة الاُموية آنذاك من مشاكل ومتاعب، فإن ذلك لم يصرفها عن التآمر على القلب النابض للشيعة، أي الامام الباقر، فأوعز هشام الى عملائه أن يدُسّوا السمَّ للإمام، وحقق بذلك انتصاره في القضاء على أخطر أعدائه.

قيادة الامام الصادق‏عليه السلام‏

وتحمّل الامام الصادق‏عليه السلام مسؤولية مواصلة المسيرة في ظروف معقّدة وصعبة للغاية.

فالانتفاضات تنشب في طول البلاد وعرضها، والولاة منهمكون بجمع الأموال والثروات الطائلة [٣٦]، والطاعون والقحط يضرب مناطق واسعة منها خراسان والعراق، والجهاز الحاكم يبطش دون رحمة، ويخلقث حالة من الذلّ والخنوع بيين الناس. والمنشغلون بالعلوم الاسلامية من فقه وحديث وتفسير لم يكن خطرهم غالباً يقلّ عن خطر الساسة والحكّام، وهم الذين يُفترض بهم أن يكونوا ملاذَ الناس وملجأَهم، كثير من هؤلاء كانوا يدبّجون الفتاوى ليرضوا السلطان والولاة [٣٧]. وكثيرٌ منهم كانوا يشغلون أنفسَهم ويشغلون الناسَ بتوافهِ الأمور، ويُثيرون النزاعات الكلامية الفارغة التي لا تمتّ بصلة الى الاسلام والى معاناة الجماهير.

مهمة الامام الصادق‏عليه السلام في هذه الظروف المظلمة هي ماذكرناه بشأن مهمة الامامة، وتتلخص في طرح الفكر الاسلامي الصحيح، أي تبيين الاسلام كما جاء في القرآن وسنة رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله مع مكافحة كل الانحرافات والتشويهات الجاهلة والمغرضة، وكذلك التخطيط لإقامة نظام العدالة الاسلامية، وصيانة هذا النظام في حالة إقامته.

كلا المهمتين: المهمة الفكرية والمهمة السياسية، تشكّلان خطراً كبيراً على النظام الحاكم. ليست المهمة السياسيةوحدها تثير سخط السلطة، فالمهمة الفكرية أيضاً تلغي تلك الافكار والمفاهيم المنحرفة التي قدمها السلطان ووعّاظه باسم الدين الى المجتمع [٣٨]. من هنا فإن العملية الفكرية لها الاولوية، لأنها تقضي على الزيف الديني الذي يستند اليه الجهاز الحاكم في مواصلة ظلمه. من جهة اخرى فإن الاوضاع السائدة مستعدة للفكر الشيعي الثوري، والحرب والفقر والاستبداد عوامل تغذّي روح الثورة، أضف الى ذلك عامل الاجواء التي وفّرها نشاط الامام الباقرعليه السلام في المناطق القريبة والنائية.

ان الاستراتيجية العامة للامامة هي النهوض بثورة توحيدية علوية. ومتطلّباتها هي:

أولاً: إيجاد مجموعة تحمل فكر الامامة وتهضمه، وتتطلع بشوق الى تطبيقه.

وثانياً: إيجاد مجموعة منظّمة مجاهدة مضحيّة.

وهذه المتطلّبات تستلزم بدورها نشر الدعوة في جميع أرجاء العالم، وإعداد الارضية النفسية لتقبّل الفكر الاسلامي الثائر في جميع الاقطار، وتستلزم أيضاً دعوة أخرى لإعداد افراد مضحّين متفانين يشكلون التنظيم السرّي للدعوة.

وهذا هو سرّ صعوبة الدعوة على طريق الامامة الحقّة. فالدعوة الرسالية التي تستهدف القضاء على الطاغوت، وعلى التفرعن والتجبّر والعدوان والظلم في المجتمع، وتلتزم بالمعايير الاسلامية، لابدّ أن تستند الى ارادة الجماهير وقوّتها وإيمانها ونضجها. خلافاً لتلك الدعوات التي ترفع شعار محاربة الطغاة، وهي تمارس في الوقت نفسه أعمال الطغاة والظلمة في حركتها، دون أن تتقيّد بمبادئ أخلاقية واجتماعية. فمثل هذه الدعوات لاتواجه صعوبات الدعوات الرسالية الهادفة، وهذا هو سرّ عدم تحقق أهداف حركة الامامة على المدى العاجل، وهو أيضاً سرّ الانتصار السريع للحركات الموازية لحركة الامامة (مثل حركة العباسيين).

الظروف المساعدة والارضية المناسبة التي وفّرها نشاط الامام السابق - الباقرعليه السلام - أدّت الى أن يظهر الامام الصادق‏عليه السلام - في جوّ العذاب الطويل الذي عانى منه الشيعة - بمظهر الفجر الصادق الذي ينتظره اتباع أهل البيت في سالف أيامهم. والامام الباقرعليه السلام ذكر بالاشارة والتصريح ما يركز هذا المفهوم.

عن جابر بن يزيد الجعفي: «سل الامام الباقرعليه السلام عن القائم فضرب يده على ابي عبد الله‏عليه السلام وقال: هذا واللّه ولدي قائم آل بيت محمدصلى الله عليه وآله» [٣٩].

والقائم هنا طبعاً غير قائم آل محمد في آخر الزمان، وهو المهدي‏عليه السلام الذي تواترت الروايات لدى كل المسلمين أنه يظهر في آخر الزمان، وأنه الخليفة الثاني عشر من خلفاء رسول اللّه. القائم هنا بمعناه اللغوي ينطبق على كل من ينهض بوجه الظلم والاستبداد، وهو اصطلاح معروف في مدرسة أهل البيت، ولا يعني ذلك أن يكون القائم بالسيف بالضرورة. بل إنه يقوم بهجوم ثقيل خطير، سواء في اسلوب النشاط الفكري او التنظيمي او بأية صورة اُخرى تستهدف مقارعة الظالمين ومهاجمتهم. فالامام الباقرعليه السلام يركّز هنا على مفهوم نهوض الامام الصادق‏عليه السلام بمسؤولية كبيرة تجاه السلطة القائمة، ولا يركّز على النتيجة… بل في رواية اخرى يتحدّث بلغة تكاد تكون يائسة من امكان انتصار حركة الامامة على الوضع السياسي القائم.

ومن الروايات التي يركّز فيها الامام الباقرعليه السلام على الدور الذي سينهض به الامام الصادق‏عليه السلام ما رواه ابو الصباح الكناني قال: «نظر أبو جعفر الى ابنه أبي عبد اللّه فقال: ترى هذا؟ من الذين قال اللّه تعالى: «ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين» [٤٠].

ولعل تصريحات الامام هذه هي التي أشاعت فكرة قيام الامام الصادق وخلافته بين الشيعة، وجعلت اصحاب الباقر والصادق‏عليه السلام يترقبون ساعة الصفر بين آونة واُخرى.

في رجال الشيخ الكشي رواية يمكن أن نفهم منها هذه الحالة السائدة بين اتباع أهل البيت آنذاك‏گ‏

روى ابن مسكان عن زرارة، انهُ سأل ابا عبد الله‏عليه السلام عن رجل من اصحابنا مختفٍ من غرامة. فقال: اصلحك اللّه، ان رجلاً من اصحابنا كان مختفياً من غرامة، فان كان هذا الامر قريباً صبر حتى يخرج مع القائم، وان كان فيه تأخير صالح غرامةً؟ فقال لهُ ابو عبد اللّه‏عليه السلام: يكون إن شاء الله، فخرج زرارة فوطّن نفسه على ان يكون الى سنتين فلم يكن، فقال: ماكنت ارى جعفراً الا اعلم مما هو [٤١].

وعبارة «هذا الامر» في عرف اتباع اهل البيت كناية عن المستقبل الموعود لهم، أي استلام زمام الحكم أو القيام بما يقرّبهم من ذلك كالثورة المسلّحة مثلاً. والقائم هو الذي يقود تلك العملية.

وفي رواية اخرى يذكر هشام بن سالم، وهو أيضاً من وجوه الشيعة المعروفة، أن زرارة قال له: لا ترى على اعوادها غير جعفر، قال: فلما توفي ابو عبد الله‏عليه السلام اتيته فقلت له: تذكر الحديث الذي حدثتني به؟ وذكرته له، وكنت اخاف ان يجحدنيه، فقال: اني واللّه ما كنت قلت ذلك الا برأيي [٤٢].

من مجموع ما تقدم نفهم أن الامام الصادق‏عليه السلام كان في نظر أبيه وفي نظر الشيعة مظهر آمال الامامة والتشيّع. وكأن سلسلة الامامة قد ادّخرته ليجسّد مساعي الامام السجاد والامام الباقرعليه السلام. كأنه هو الذي يجب أن يعيد بناء الحكومة العلوية والنظام التوحيدي، يجب أن ينهض نهضة اسلامية أرخى. الامامان السابقان طويا المراحل الصعبة الشاقة لهذا الطريق اللاحب، وعليه أن يقطع المرحلة الاخيرة، والظروف - كما ذكرنا - قد تهيّأت، والامام استثمر هذه الظروف لينهض برسالته الجسيمة.

منذ بدايةاستلام المسؤولية حتى الوفاة، قضى ٣٣ عاماً في جهاد متواصل، وخلال هذه الاعوام كانت الظروف في مدّ وجزر، مرّة تتجه لصالح مدرسة اهل البيت، ومرة اخرى تعاكسها، مرّة تبعث على التفاؤل وعلى أن النصر قريب، ومرة اخرى تشتدّ الضغوط وتختنق الانفاس، فيخيّل الى أصحاب الامام أن كل الآمال قد تبدّدت. والامام الصادق‏عليه السلام في كل هذه الاحوال ماسك بدفّة القيادة بعزم وتصميم، يجتاز بالسفينة عبر هذه الامواج المتلاطمة الممزوجة بالامل واليأس، لايفكر الا بما يجب قطعه في المستقبل من أشواط، باعثاً الجد والنشاط والايمان في اتباعه للوصول الى ساحل النجاة.

ويلزمنا هنا أن نشير الى ظاهرة مؤسفة تواجه كل الباحثين في حياة الامام الصادق‏عليه السلام، وهي الغموض الذي يكتنف السنين الاولى لبدايات إمامة الصادق‏عليه السلام التي اقترنت بأواخر أيام بني اُمية. وكانت حياة صاخبة متلاطمة مليئة بالحوادث الجسام، يمكن أن نفهم بعض ملامحها من خلال مئات الروايات. غير أن المؤرخين والمحدّثين لم يعرضوا لنا هذه الفترة بشكل مرتّب منسجم مترابط، ولابدّ للباحث أن يعتمد على القرائن، وأن يلاحظ التيارات العامة في ذلك الزمان، ويقرن كل رواية بما حصل عليه من معلومات مسبقة، ليفهم محتوى الرواية وتفاصيلها.

ولعلّ أحد أسباب هذا الابهام يكمن في سريّة حركة الامام وأتباعه… فالتنظيم السرّي القائم على اُسس صحيحة يجب أن تبقى المعلومات عنه سرية مخفية، وأن لايطّلع عليها من هو خارج التنظيم. ولا تنتشر هذه المعلومات الا بعد أن تحقق الحركة انتصارها. ومن هنا تتوفّر لدينا معلومات وافية عن تفاصيل الاتصالات السرية في حركة العباسيين، لأن حركتهم انتصرت. ولاشكّ أن حركة أهل البيت لو قُدّر لها أن تنتصر وتستلم زمام الامور لاطّلعنا اليوم على أسرار تنظيمها الواسع.

وثمّة سبب آخر يمكن أن يكون عاملاً في هذا الغموض، هو أن المؤرّخين كانوا يدوّنون عادة ما يرضي السلطان، ولذلك نرى في كتبهم تفاصيل حياة الخلفاء ولهوهم ولعبهم وسهراتهم ومجالس طربهم، بينما لا نرى شيئاً يؤبه له بشأن الثائرين والمظلومين والمسحوقين، لأن مثل هذه المعلومات تحتاج من الباحث أن يتحرّى ويبحث ويخاطر، بينما حياة الخلفاء مادة جاهزة، وغنيمة باردة تكسب الرضا وتستدر العطاء.

والمؤرّخون الخاضعون للخلافة العباسية استمروا يكتبون على هذا المنوال مدة خمسمائة سنة بعد حياة الامام الصادق‏عليه السلام، ومن هنا لا يمكن أن نتوقع العثور على شي‏ء معتدّ به من المعلومات عن حياة الامام الصادق‏عليه السلام أو أي إمام من أئمة الشيعة في مثل هذه المصادر.

الطريق الوحيد الذي يستطيع أن يهدينا الى الخط العام لحياة الامام الصادق‏عليه السلام هو اكتشاف المعالم الهامة لحياة الامام من خلال الاصول العامة لفكر الامام وأخلاقه. ثم نبحث في القرائن والأدلّة المتناثرة التاريخية والقرائن الاخرى غير التاريخية لنتوصل الى التفاصيل.

معالم حياة الامام الصادق‏عليه السلام‏

والمعالم الهامة البارزة في حياة الامام الصادق‏عليه السلام وجدتها من منظار بحثنا تتلخص بما يلي:

١ - تبيين مسألة الامامة والدعوة إليها.

٢ - بيان الاحكام وتفسير القرآن وفق ما ورثته مدرسة أهل البيت‏عليهم السلام عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله.

٣ - اقامة تنظيم سرّي ايديولوجي - سياسي.

وطريقة بحثنا أن ندرس كل واحد من هذه المعالم، ونضع في النهاية فهرساً لنشاطات الامام‏عليه السلام، وأن يكون ذلك قدر المستطاع باُسلوب المؤرّخين لا باُسلوب المحدّثين.

١ - تبيين مسألة الامامة والدعوة اليها

هذا الموضوع يشكل أبرز خصائص دعوة أئمة أهل البيت، منذ السنوات الاولى التي اعقبت رحيل النبي الأكرم‏صلى الله عليه وآله. كانت مسألة إثبات إمامة أهل البيت‏عليهم السلام تشكّل طليعة الدعوة في كل أعصار الامامة… هذه المسألة نشاهدها أيضاً في ثورة الحسين بن علي‏عليهما السلام، ونشاهدها بعد ذلك أيضاً في ثورات أبناء أئمة أهل البيت، مثل زيد بن علي. ودعوة الامام الصادق‏عليه السلام لم تخرج عن هذا النطاق أيضا.

قبل أن نستعرض وثائق هذا الموضوع، يجب علينا أن نعرف أولاً مفهوم «الامامة» في الفكر الاسلامي. وما معنى الدعوة الى الامامة؟

كلمة «الامامة» تعني في الاصل القيادة بمعناها المطلق، وفي الفكر الاسلامي تطلق غالباً على مصداقها الخاص، وهو القيادة في الشؤون الاجتماعية، الفكرية منها والسياسة.

وأينما وردت في القرآن مشتقات لكلمة الامامة (امام، أئمة)، فيراد بها هذا المعنى الخاص لقيادة الامة. ففي بعض المواضع يقصد بها القيادة الفكرية وفي مواضع اُخرى يراد بها القيادة السياسية، او الاثنتين معا.

بعد رحيل النبي‏صلى الله عليه وآله وظهور الانشقاق الفكري والسياسي بين المسلمين اتخذت كلمة الامامة والامام مكانة خاصة، لأن مسألة القيادة السايسية شكّلت المحور الاساس للاختلاف. والكلمة كان لها في البداية مدلولها السياسي اكثر من أي مدلول آخر. ثم انضمّت اليها بالتدريج معانٍ أخرى، حتى أصبحت مسألة «الامامة» تشكّل في القرن الثاني أهم مسائل المدارس الكلامية ذات الاتجاهات الفكرية المختلفة، وكانت هذه المدارس تطرح آراءها بشأن شروط الامام وخصائصه، أي شروط الحاكم في المجتمع الاسلامي، وهو معنى سياسي للامامة.

إن الامامة في مدرسة اهل البيت - التي يرى أتباعها أنهم يمثلون أنقى تيار فكري اسلامي - لها المعنى فنسه، ونظرية هذه المدرسة بشأن الامامة تتلخص فيما يلي:

الامام والزعيم السياسي في المجتمع الاسلامي يجب أن يكون منصوباً من اللّه، بإعلان من النبي. ويجب أن يكون قائداً فكرياً ومفسّراً للقرآن وعالماً بكل دقائق الدين ورموزه، ويجب أن يكون معصوماً مبرّأً من كل عيب خلقي وأخلاقي وسببي. ويجب أن يكون من سلالة طاهرة نقية و….

وبذلك فإن الامامة كانت في العرف الاسلامي خلال القرنين الاول والثاني تعني القيادة السياسية، وفي العرف الخاص بأتباع أهل البيت تعني، اضافة الى القيادة السياسية، القيادة الفكرية والاخلاقية ايضاً.

فالشيعة تعترف بإمامة الفرد حين يكون ذلك الفرد متمتعاً بخصائص هي - اضافة الى قدرته على ادارة الامور الاجتماعية - مقدرته على التوجيه والارشاد والتعليم في الحقل الفكري والديني، والتزكية الخلقية. وإن لم تتوفر فيه هذه المقدرة لايمكن أن يرقى الى مستوى «الامامة الحقة». وليس بكاف - في نظرهم - حسن الادارة السياسية والاقتدار العسكري والفتوحات وأمثالها من الخصائص التي كانت معياراً كافياً لدى غيرهم.

فمفهوم الامامة لدى اتباع أهل البيت - اذن - يتجه الى اعطاء إمامة المجتممع صفة قيادة ذلك المجتمع في مسيرته الجماعية والفردية. فالامام رائد مسيرة التعليم والتربية وقائد المسيرة الحياتية. ومن هنا كان «النبي» صلى الله عليه وآله إماماً أيضاً، لأنه القائد الفكري والسياسي للمجتمع الذي أقام دعائمه. وبعد النبي تحتاج الامة الى امام يخلفه ويتحمل عب‏ء مسؤولياته، (بما في ذلك المسؤولية السياسية). ويعتقد الشيعة أن النبي نصّ على خلافة علي بن ابي طالب‏عليه السلام، ثم تنتقل الامامة بعده الى الائمة المعصومين من ولده [٤٣].

ولابدّ من الاشارة الى أن تداخل المهام الثلاث للامامة: القيادة السياسية، والتعليم الديني، والتهذيب الاخلاقي والروحي في الامامة الاسلامية ناشي‏ء من عدم وجود تفكيك بين هذه الجوانب الثلاثة في المشروع الاسلامي للحياة البشرية. فقيادة الامة يجب أن تشمل قيادتها في هذه الحقول الثلاثة أيضاً. وبسبب هذه السعة وهذه الشمولية في مفهوم الامامة لدى الشيعة كان لابد أن يعيّن الامام من قبل اللّه سبحانه.

نستنتج مما سبق أن الامامة ليست، كما يراها اصحاب النظرة السطحية، مفهوماً يقابل «الخلافة» و «الحكومة» أو منصباً منحصراً بالامور المعنوية والروحية والفكرية، بل إنها في الفكر الشيعي «قيادة الامة» في شؤون دنياها، وما يرتبط بذلك من تنظيم للحياة الاجتماعية والسياسية (رئيس الدولة). وأيضاً في شؤون التعليم والارشاد والتوجيه المعنوي والروحي، وحلّ المشاكل الفكرية وتبيين الايديولوجية الاسلامية. «قيادة فكرية».

وهذه المسألة الواضحة أضحت - مع الاسف - غريبة على أذهان اكثر المعتقدين بالامامة، ولذلك نرى من الضروري عرض بعض النماذج من مئات الوثائق القرآنية والحديثية في هذا المجال:

في كتاب «الحجة» من «الكافي» حديث عن الامام علي بن موسى الرضاعليه السلام يذكر فيه بالتفصيل ما يرتبط بمعرفة الامام ووصف الامام، ويتضمّن معاني عميقة ورائعة.

من ذلك ماورد بشأن الامامة بأنها: «هي منزلة الانبياء، وإرث الاوصياء، ان الامامة خلافة اللّه، وخلافة الرسول، ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين‏عليهما السلام، ان الامامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين، ان الامامة أسّ الاسلام النامي، وفرعه السامي، بالامام تمام الصلاة والزّكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفي‏ء والصدقات، وإمضاء الحدود والاحكام، ومنع الثغور والاطراف» [٤٤].

وحول الامام انه:

«النجم الهادي، والماء العذب، والمنجي من الردى، والسحاب الماطر، ومفزع العباد في الداهية، وأمين اللّه في خلقه، وحجّته على عباده، وخليفته في بلاده، والداعي الى اللّه، والذاب عن حرم اللّه، ونظام الدين، وعزّ المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين [٤٥].

كل ما كان يمارسه النبي‏صلى الله عليه وآله من مسؤوليات ومهام يتحملها علي‏عليه السلام والأئمة من ولده [٤٦].

وفي رواية أخرى عن الامام الصادق‏عليه السلام نرى تأكيداً على إطاعة «الاوصياء» وتوضّح الرواية أن الاوصياء هم نفسهم الذين عبّر عنهم القرآن بأولي الامر [٤٧].

مئات الرواياتت المتفرّقة في الابواب المختلفة تصرّح أن مفهوم الامام والامامة في الفكر الشيعي ماهو الا القيادة وإدارة شؤون الاُمة المسلمة، وأن أئمة أهل البيت‏عليهم السلام هم الاصحاب الحقيقيون للحكومة. وتدل جميعاً بما لايقبل الشك على أن أئمة أهل البيت‏عليهم السلام في ادّعائهم الامامة كانوا لايقتصرون بالمطالبة على المستوى الفكري والمعنوي، بل كانوا يطالبون بالحكومة أيضاً. ودعوتهم على هذا النطاق الواسع الشامل انما هي دعوة لحركة سياسية عسكرية لاستلام السلطة.

هذه الحقيقة ظلت خافية على الباحثين في العصور التالية [٤٨]، بينما كانت في فهم اصحاب الائمة والمعاصرين لهم من أوضح الحقائق، حتى أن «الكميت» في احدى قصائده الهاشميات يصف أئمة أهل البيت‏عليهم السلام بأنهم ساسة يقودون الناس بطريقة تختلف تماماً عن الطريقة التي يمارسها الحكام الظلمة الذين يعاملون الناس كالبهائم [٤٩].

نعود الى الموضوع الأصلي وهو أن بيت القصيد في دعوة الامام الصادق‏عليه السلام وسائر أئمة اهل البيت‏عليهم السلام كان يدور حول «الامامة». ولإثبات هذه الحقيقة التاريخية، أمامنا روايات متضافرة تنقل بوضوح وصراحة عن الامام الصادق‏عليه السلام ادّعاه الامامة. وكما سنوضح فيما بعد، أن الامام حين يعلن دعوته هذه كان يرى نفسه في مرحلة من الجهاد تستدعي أن يرفض بشكل مباشر صريح حكّام زمانه، وأن يعلن نفسه بأنه صاحب الحق الواقعي، وصاحب الولاية والامامة. ومثل هذا التصدّي يعني عادة اجتياز سائر المراحل الجهادية السابقة بنجاح. ولابدّ أن يكون الوعيم السياسي والاجتماعي قد انتشر في قاعدة واسعة، وأن الاستعداد محسوس بالقوة في كل مكان، وأن الارضية الإيديولوجية قد توفرت في عدد ملحوظ من الافراد، وان جمعاً غفيراً آمن بضرورة إقامة حكومة الحق والعدل، وأن يكون القائد - أخيراً - قد اتخذ قراره الحسام بشأن هذه المواجهة الساخنة. وبدون هذه المقدمات فإن اعلان إمامة شخص معين وقاديته الحقة للمجتمع أمر فيه تعجّل ولا جدوى منه.

المسألة الاخرى، التي لابدّ من التركيز عليها في هذا المجال، أن الامام ماكان يكتفي في بعض الموارد باثبات إمامته وحسب، بل يذكر الى جانب اسمه أسماء أئمة الحق من أسلافه أيضاً، أي إنه يطرح في الحقيقة سلسلة أئمة أهل البيت بشكل متصل غير قابل للتجزئة والانفصال.

هذا الموقف يشير الى ارتباط جهاد أئمة أهل البيت‏عليهم السلام وتواصله من الأزمنة السابقة الى عصر الامام الصادق‏عليه السلام. ان الامام الصادق‏عليه السلام يقرر امامته باعتبارها النتيجة الحتمية المترتبة على إمامة اسلافه، وبذلك يبين جذور هذه الدعوة وعمقها في تاريخ الرسالة الاسلامية، وارتباطها بصاحب الدعوة الرسول الاكرم عليه أفضل الصلاة والسلام. ولنعرض بعض نماذج دعوة الامام:

أروع رواية في هذا الباب عن «عمرو بن أبي المقدام»، وفيها تصوير لواقعة عجيبة.

في يوم التاسع من ذي الحجة اذ اجتمع الحجاج في عرفة لأداء منسك الوقوف، وقد توافدوا على هذا الصعيد من كل فج عميق… من أقصى خراسان حتى سواحل الاطنلطي … والموقف حساس وخطير، والدعوة فيه تستطيع أن تجد لها صدى في أقاصي العالم الاسلامي. انضمّ الإمام‏عليه السلام الى هذه الجموع الغفيرة المحتشدة، ليوصل اليها كلمته، يقول الراوي: رأيت الامام قد وقف بين الجموع ورفع صوته عالياً ليبلغ أسماع الحاضرين ولينتقل الى آذان العالمين وهو ينادي:

«أيها الناس، إن رسول اللّه كان الامام ثم كان علي بن أبي طالب، ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم…. » فينادي ثلاث مرات لمن بين يديه، وعن يمينه وعن يساره ومن خلفه، اثني عشر صوتاً» [٥٠].

ورواية أخرى عن «ابي الصباح الكناني» أن الامام الصادق‏عليه السلام يصف نفسه وأئمة الشيعة بأن لهم «الانفال» و «صفو المال».

عن ابي الصباح قال: قال لي ابو عبد الله‏عليه السلام: «يا أبا الصباح، نحن قوم فرض اللّه طاعتنا، لنا الانفال ولنا صفو المال، ونحن الراسخون في العلم، ونحن المحسودون الذين قال اللّه في كتابه» (٥١).

و «صفو المال» هو من الاموال ذات القيمة الرفيعة في غنائم الحرب، وكان لايقسم الغنائم بين المجاهدين، كي لا يستأثر به أحد دون آخر، ويكون كرامة كاذبة لأحد من الناس، بل إنه يبقى لدى الحاكم الاسلامي يتصرّف به لما يحقق مصلحة عامة المسلمين. وكان الحكام الظلمة يستأثرون بهذا المال ويجعلونه مختصاً بهم غصباً. والامام يصرّح بأن «صفو المال» يجب أن يكون لهم، وهكذا الانفال. وهذا يعني أنه يعلن نفسه بصراحة حاكماً شرعياً للمسلمين مسؤولاً عن استثمار هذه الاموال وفق ما يراه تحقيقاً لمصلحة الامة.

وفي حديث آخر يذكر الامام الصادق‏عليه السلام اسماء اسلافه من الائمةعليهم السلام واحداً واحداً، ويشهد بإمامتهم وبوجوب طاعتهم، وحين يصل الى نفسه يسكت، والمخاطبون يعلمون جيداً أن ميراث العلم والحكم بعد الامام الباقرعليه السلام وصل الى الامام الصادق. وبذلك يعلن الامام‏عليه السلام حقه في قيادة الامة باُسلوب يجعله مرتبطاً بجدّه علي بن ابي طالب‏عليه السلام (٥٢). وفي ابواب كتاب الحجة من «الكافي» وكذلك في الجزء ٤٧ من «بحار الانوار» أحاديث كثيرة من هذا القبيل، تتحدث بصراحة أو بكناية عن ادّعاء الامامة والدعوة اليها.

ولإثبات هذه الحقيقة التاريخية أمامنا شواهد عن شبكة منظمة لدعوة الامام‏عليه السلام في جميع أرجاء العالم الاسلامي، والوثائق الكثيرة المتوفرة في هذا المجال تجعل وجود هذه الشبكة أمراً حتمياً لامراء فيه. وهذه الشواهد تبلغ من الكثرة والوثوق بحيث يمكن أن نستدل بها على موضوعنا استدلالاً قاطعاً، ولو لم يتوفر حديث صريح واحد في هذا المجال.

نحن في هذا المجال أمام ظواهر تاريخية ثابتة:

١ - ثمة ارتباط منظم فكري ومالي بين الائمةعليهم السلام واتباعهم، وكانت الأموال تُحمل من اطراف العالم الى المدينة كذلك والاسئلة الدينية تتقاطر عليها.

٢ - اتساع الرقعة الموالية لآل البيت‏عليهم السلام خاصة في البقاع الحساسة من العالم الاسلامي.

٣ - تجمّع عدد غفير من المحدثين والرواة الخراسانيين والسيستانيين والكوفيين والبصريين واليمانيين والمصريين حول الامام‏عليه السلام.

فهل إن هذه الظواهر المنسجمة المتناسبة مع بعضها قد حدثت بالصدفة؟

ولابد أن نضيف أن هذه الظواهر حدثت في ظل سيطرةٍ سياسية كانت جادّةً كل الجدّ في الغاء حتى اسم علي وآل علي‏عليه السلام، بل وسبّ علي على المنابر، وتسليط انواع البطش والارهاب على أتباعهم. فكيف أمكن في مثل هذا الجوّ خلق قاعدة شعبية عريضة موالية لآل البيت تطوي آلاف الاميال للوصول الى الحجاز والمدينة لتتلمذ على أئمة أهل البيت‏عليهم السلام وتأخذ عنهم فكر الاسلام في الحياة الفردية والاجتماعية، وتتحدث معهم في موارد كثيرة وعن مسائل الثورة على الوضع الفاسد، أو بعبارة الروايات، تتحدث معهم عن مسائل القيام والخروج؟ !!

فلو كان دعاة أهل البيت يقتصرون في حديثهم على علم الأئمةعليهم السلام وزهدهم، فلماذا يدور الحديث في وسط هؤلاء الاتباع دائماً عن الثورة المسلحة؟

ألا يدلّ كل هذا على وجود شبكة منظمة للدعوة الى إمامة أهل البيت‏عليهم السلام بالمعنى الكامل للامامة، أي الفكرية والسياسية؟

وهنا يطرح سؤال عن سبب سكوت التاريخ عن وجود مثل هذه الشبكة المنظمة في دعوة أهل البيت‏عليهم السلام، لماذا لم يذكر التاريخ صراحة شيئاً عنها؟

والجواب ما أشرنا اليه سابقاً، يكمن في التزام أصحاب الأئمة بالمبدأ الحركي الحكيم المسمّى بالتقية، الذي يحول دون نفوذ أي عنصر أجنبي في تنظيم الامام. كما يكمن أيضا في عدم استطاعة الحركة الجهادية الشيعية من تحقيق أهدافها ومن استلام زمام الحكم.

لو أن بني العباس لم يستولوا على السلطة لبقيت دون شك كل نشاطاتهم السرية وذكريات دعوتهم، مرّها وحلوها، حبيسة في الصدور، دون أن يعلم بها أحد ودون أن يسجلها التاريخ.

ومع ذلك، ليست قليلة هي الروايات التي تصرّح الى حدّ ما بوجود دعوة واسعة لإمامة أهل البيت‏عليهم السلام. ونكتفي برواية تقول:

قدم رجل من أهل الكوفة الى خراسان، فدعا الناس الى ولاية جعفر بن محمدعليهما السلام، ففرقة أطاعت وأجابت، وفرقة جحدت وأنكرت، وفرقة ورعت ووقفت…. ثم تقول الرواية: فخرج من كل فرقة رجل فدخلوا على أبي عبد اللّه‏عليه السلام فكان المتكلم منهم، الذي ورع ووقف. فقال: أصلحك اللّه، قدم علينا رجل من أهل الكوفة فدعا الناس الى طاعتك وولايتك، فأجاب قوم وأنكر قوم وورع قوم ووقفوا. قال الامام‏عليه السلام: فمن أي الثلاث أنت؟ قال: من الفرقة التي ورعت ووقفت. قال: فأين كان ورعك ليلة كذا وكذا (وذكّره بسقوطه في موقف شهواني)، فارتاب الرجل (٥٣).

الداعيةكما ترى من أهل الكوفة، ومنطقة الدعوة خراسان، واسم الرجل مكتوم، ودعوته الى إمامة جعفر بن محمد الصادق‏عليهما السلام وولايته وطاعته.

ثمة وثائق أخرى تبين محتوى دعوة أئمة اهل البيت عليهم السلام وشيعتهم الى الامامة، تعرضها المناقشات والمجادلات بينهم وبين خصومهم السياسيين (الامويين والعباسيين). هذه المنازعات كانت تدور احياناً بلغة الاستدلال الكلامي والديني، وأحياناً بلغة الادب الرفيع المتمثل بالشعر. وكان كل الحجاج يقوم على أساس إثبات حق الامامة السياسية والحكم لأئمة اهل البيت‏عليهم السلام، ومقارعة المتربّعين ظلماً وغصباً على كرسي حكومة المسلمين. ان عصر الامام الصادق‏عليه السلام - لمعاصرته حركة بني العباس وانتصار هذه الحركة - كان مفعما بهذا اللون من الحجاج.

كان شعراء بني العباس يحاولون اثبات حق الحكم لبني العباس استناداً الى الادلة نفسها التي يقدمها عادة الطامعون الى السلطة والمتشبثون بكرسي الحكم. ويقف شعراء الشيعة مقارعين لحججهم مستدلّين على زيف الحكم العباسي من منطق اسلامي، يقوم على أساس رفض الظلم والاجرام والخيانة بحق الامة الاسلامية.

وللحجاج الشعري بين العباسيين والعلويين أهمية في هذا المجال، لما كان ينهض به الشعر آنئذ من دور كبير في التعبير عن العواطف والافكار، ولما كان يؤديه في القاعدة الشعبية من تأثير. يذك صاحب كتاب «العباسيون الاوائل» دور في القرنين الاول والثاني فيقول:

«… كان الادب يؤثر في النفوس ويكسب عواطف الناس وميولهم الى هذه الفئة أو تلك، وكان الشعراء والخطباء بمثابة جريدة العصر، يعبّر كل منهم عن رأي سياسي ويدافع عن حزب معين، مبرزاً الدليل تلو الدليل على صحة دعواه، مفنّداً آراء الخصوم بكلام مؤثر وأسلوب بليغ» (٥٤).

شعراء البلاط العباسي كانوا يجتهدون في اثبات حق العباسيين في الخلافة، باعتبار ارتباطهم بالنبي عن طريق العمومة، مستدلين على ذلك بأن الارث لاينتقل الى أبناء البنت مع وجود الاعمام. فالخلافة بعد النبي من حقّ العباس عم النبي ومن بعده أبناؤه من بني العباس:

قال مروان بن أبي حفصة:

أنّى يكون وليس ذاك بكائن

لبني ألبنات وراثة الأعمام‏

وقال ابان بن عبد الحميد اللاحقي:

فأبناء عباس همُ يرثونه‏

كا العمُ لابنِ العم في الارث قد حجب‏

منطلقين من عاطفة الشعور بالظلم للرد على هذه الأدلّة، بالمنطق نفسه، وأحياناً بمنطق آخر للاستدلال على حق أئمة أهل البيت في الامامة. من ذلاك استدلالهم بحديث غدير خم كقول السيد الحميري:

من كنت مولاه فهذا له‏

مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا

ويردّ محمد بن يحيى بن أبي مرّة التغلبي على استدلال الشاعر العباسي بشأن وراثة الاعمام فيقول:

لِمَ لا يكون وإن ذاك لكائن‏

لبني البنات وراثة الاعممام‏

للبنت نصف كامل من ماله‏

والعم متروك بغير سهام‏

ما للطليق وللتراث وإنما

صلّى الطليق مخافة الصمصامِ‏

ويرى دعبل أن كل ما حلّ بأهل البيت‏عليهم السلام من مصائب إنما هو لأنهم ورثوا النبي، فتكالب على هذا الارث الطامعون، وأضرّوا بمن له الحق في الامامة:

أضرّ بهم إرث النبي فأصبحوا

تساهم فيهم خِيفة ومنون دعتهم ذئاب من أمية وانتحت‏

عليهم دراكاً أزمة وسنون‏

وعاثت بنو العباس في الدين عيثة

تحكّم فيها ظالم وخؤون‏

وسَمّوا رشيداً ليس فيهم لرشده‏

وها ذاك مأمون وذاك أمين‏

فما قبلت بالرشد منهم رعاية

ولا للولي بالأمانة دين‏

وليس من العسير على الباحث في العصر العباسي الاول أن يجد مئات النماذج من المحاورات والمناظرات السياسية بلغة الشعر في هذا المجال. وكان شعراء الشيعة وخصومهم يقيمون الحجج على دعواهم. وليس من المهم أن نعرف في هذا المواجهة مقدار صحة هذه الحجج واستقامتها، ولكن من المهم أن نعرف المحورَ الذي يدور حوله النزاع، والحقَ الذي يدعيه الجانبان.

هناك حق يدعيه كل جانب، وهذا الحق هو وراثة رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله في الحكم وفي قيادة المسلمين.

ليس النزاع بين الجانبين العلوي والعباسي في وراثة الخصال الاخلاقية والمعنوية والفكرية للنبي‏صلى الله عليه وآله. ليس الخلاف في أحقية هذا أو ذاك في وراثة هذه الخصال. لأن هذه الخصال لاتشكّل حقاً يتنازع عليه فريقان. النزاع حول «حق» يدّعيه الجانبان. وقد رأينا أن الشعراء في زمن الامام الصادق‏عليه السلام يدافعون عن حق الامام في قيادة الامة المسلمة وفي حكم المجتمع الاسلامي، ويخوضون حرباً ضدّ من ليست لهم صلاحية حكومة المسلمين، ولذلك شواهد كثيرة في شعر القرن الثاني الهجري.

وقبل أن نختتم هذا القسم من المناسب أن نشير الى لغة حِجاج أخرى، هي لغة الرسائل. هذه الرسائل الاحتجاجية كانت تتضمن من جهة أهداف الفرقاء بشكل واضح دون لبس، وكانت تجد لها من جهة أخرى صدىً شعبياً بعد انتشار مضمونها، وتأثيراً قوياً على الأنصار والخصوم. نذكر من ذلك رسالة محمد بن عبد الله بن الحسن ذي النفس الزكية الى المنصور العباسي. هذا العلويّ الثائر يذكر بصراحة ووضوح أنه يطلب نزع الخلافة من خصومه لتكون في ابناء علي‏عليه السلام، يقول:

«وإن أبانا علياً كان الوصيَ وكان الامامَ، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟ !» (٥٥).

ويبدو أن هذا الاستدلال أورده العلوي ردّال على استدلال العباسيين في وراثتهم الخلافة، لأن بني العباس لم تكن لهم حجة سوى هذا الارث المزعوم، فأراد أن يسدّ عليهم الطريق ويردّ عليهم بنفس منطقهم. ويلاحظ في العبارة أن ذا النفس الزكية يركّز على إمامة علي‏عليه السلام انطلاقاً من فهمه لمعنى الامامة، ثم يركّز على طبيعة دعوة البيت العلوي التي يمثلها هذا الثائر.

٢ - بيان الأحكام وتفسير القرآن وفق ما ورثته مدرسة أهل البيت‏عليهم السلام عن رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله‏

هذا النشاط يمكن ملاحظته أيضاً في حياة الامام الصادق‏عليه السلام بشكل متميّز عما نراه في حياة بقية أئمة آل البيت‏عليهم السلام، حتى سمّي فقه الشيعة باسم «الفقه الجعفري». حتى الذين يغضّون الطرف عن النشاط السياسي للامام الصادق‏عليه السلام يجمعون على أن الامام كان يدير أوسع، أو واحدة من أوسع الحوزات الفقهية في زمانه. والذي بقي مستوراً عن أعين أغلب الباحثين في حياة الامام، هو المفهوم السياسي ومفهوم المواجهة لهذا اللون من نشاطات الامام، وهذا ما سنتعرض له الآن.

لابدّ أن نذكر أولاً، أن منصب الخلافة في الاسلام له خصائص متميزة تجعل الحاكم متميّزاً عن الحكام في أنظمة الحكم الاخرى. فالخلافة ليست جهازاً سياسياً فحسب، بل هي جهاز سياسي - ديني. وإطلاق لقب الخليفة على الحاكم الاسلامي يؤيد هذه الحقيقة، فهو خليفة رسول الله‏صلى الله عليه وآله في كل ماكان يمارسه الرسول من مهام دينية ومهام قيادية سياسية في المجتمع.

والخليفة في الاسلام يتحمل المسؤوليات السياسية والمسؤوليات الدينية معاً. هذه الحقيقة الثابتة دفعت الخلفاء الذين جاءوا بعد الخلفاء الأولين والذين كانوا ذوي حظ قليل في علوم الدين، أو لم يكن لهم منه حظ أصلاً، دفعتهم الى سدّ هذا النقص عن طريق رجال دين مسخّرين لهم. فاستخدموا فقهاء ومفسّرين ومحدّثين في بلاطهم، ليكون جهازهم الحاكم جامعاً أيضاً للجانبين الديني والسياسي.

والفائدة الاخرى من وجود وعّاظ السلاطين في الجهاز الحاكم، هي إن الحاكم الظالم المستبد كان قادراً متى ما أراد أن يغيّر ويبدّل أحكام الدين وفقاً للمصالح. وكان هؤلاء المأجورون يقومون بهذه العملية ارضاء لأولياء نعمتهم، تحت غطاء من الاستنباط والاجتهاد ينطلي على عامة الناس.

الكتّاب والمؤرخون المتقدمون ذكروا لنا نماذج فظيعة من اختلاق الحديث ومن التفسير بالرأي كانت يد القوة السياسية فيها واضحة، وسنشير الى جانب منها في اقسام حديثنا التالية. هذا العمل الذي اتخذ غالباً في البداية (حتى أواخر القرن الهجري الاول) شكل وضع رواية أو حديث، راح تدريجياً يأخذ طابع الفتوى. ولذلك نرى في أواخر عصر بني أمية وأوائل عصر بني العباس ظهور فقهاء كثيرين استفادوا من أساليب رجراجة في أصول الاستنباط، ليصدورا الاحكام وفق أذواقهم التي كانت في الواقع أذواق الجهاز الحاكم.

هذه العملية نفسها أُنجزت أيضاً في حقل تفسير القرآن. فالتفسير بالرأي اتتجه غالباً الى إعطاء مفاهيم عن الاسلام لاتقوم على أساس سوى ذوق المفسّر ورأيه المستمدّ من ذوق الجهاز الحاكم وإرادته.

من هنا انقسمت العلومالاسلامية: الفقه والحديث والتفسير منذ أقدم العصور الاسلامية الى تيارين عامين:

التيار الاول: تيار مرتبط بجهاز الحكومة الظالمة الغاصبة، ويتميز بتقديم الحقيقة في موارد متعددة قرباناً على مذبح «المصالح» التي هي في الواقع مصالح الجهاز الحاكم، وتيميز أيضاً بتحريف أحكام اللّه لقاء دراهم معدودات.

والتيار الثاني: التيار الاصيل الامين الذي لايرى مصلحةً أرفع وأسمى من تبيين الاحكام الإلهية الصحيحة، وكان يصطدم - شاء أم أبى - في كل خطوة من خطواته بالجهاز الحاكم ووعاظ السلاطين، ولذلك اتجه منذ البدء اتجاهاً شعبياً في إطار من الحيطة والحذر.

انطلاقاً من هذا الفهم نعرف بوضوح أن اختلاف «الفقه الجعفري» مع الفقهاء الرسميين في زمن الامام الصادق لم يكن اختلافاً فكرياً عقائدياً فحسب، بل كان اختلافاً يستمد وجوده من محتواه الهجومي المعارض أيضاً.

أهم أبعاد هذا المحتوى إثبات خواء الجهاز الحاكم، وفراغه من كل مضمونه ديني، وعجزه عن ادارة الشؤون الفكرية للاُمة، وبعبارة أخرى، عدم صلاحيته للتصدّي لمنصب «الخلافة». والبعد الآخر تشخيص موارد التحريف في الفقه الرسمي… هذه التحريفات القائمة على أساس فكر «مصلحي» في بيان الاحكام الفقهية ومداهنة الفقهاء للجهاز الحاكم. والامام الصادق‏عليه السلام بنشاطه العلمي وتصدّيه لبيان أحكام الفقه والمعارف الاسلامية، وتفسير القرآن بطريقة تختلف عن طريقة وعّاظ السلاطين قد اتخذ عملياً موقف المعارضة تجاه الجهاز الحاكم. الامام عليه السلام بنشاطه هذا قد يلغي كل الجهاز الديني والفقهي الرسمي الذي يشكّل أحد أضلاع حكومة الخلفاء، ويفرّغ الجهاز الحاكم من محتواه الديني.

ليس بأيدينا سند ثابت يبين التفات الجهاز الاُموي الى هذا المحتوى المعارض لما قام به الامام الصادق‏عليه السلام من نشاط علمي فقهي. ولكن أغلب الظن أن الجهاز الحاكم العباسي - وخاصة في زمن المنصور الذي كان يتمتع بحنكة وذكاء وتجربة اكتسبها من صراعه السياسي الطويل مع الحكم الاموي قبل وصوله الى السلطة - كان يعي المسائل الدقيقة في نشاطات البيت العلوي. وكان الجهاز الحاكم العباسي يفهم الدور الفاعل الذي يستطيع أن يؤديه هذا النشاط العلمي بشكل غير مباشر.

والتهديدات والضغوط والمضايقات التي كانت تحيط بنشاطات الامام الصادق‏عليه السلام التعليمية والفقهية من قبل المنصور المنقولة إلينا في روايات تاريخية كثيرة ناتجة من هذا الالتفات الى حساسية المسألة… وهكذا اهتمام المنصور بجمع الفقهاء المشهورين في الحجاز والعراق في مقرّ حكومته - كما تدل على ذلك النصوص التاريخية العديدة - فإنهُ ناشئ عن هذا الالتفات أيضاً.

في حديث الامام عليه السلام وتعاليمه لأصحابه ومقرّبيه كان يستند الى «خواء الخلفاء وجهلهم» ليستدلّ على أنهم في نظر الاسلام لايحق لهم أن يحكموا. ونحن نشهد هذه الصيغة من الهجوم على الجهاز الحاكم بوضوح وصراحة في دروسه الفقهية.

يروى عنه قوله‏عليه السلام: «نحن قوم فرض الله طاعتنا وأنتم تأتمّون بمن لايُعذر الناس بجهالته» (٥٦).

أي إن الناس انحرفوا بسبب جهل حكّامهم وولاة امورهم، وسلكوا سبيلاً غير سبيل اللّه. وهؤلاء غير معذورين لدى اللّه. لأن اطاعة هؤلاء الحكام كانت عملاً انحرافياً، فلا يبرّر ما يستتبعها من وقوع في الانحرافات (٥٧).

في تعليمات الأئمةعليهم السلام قبل الامام الصادق‏عليه السلام وبعده نرى أيضاً تركيزاً على ضرورة اقتران القيادةالسياسية بالقيادة الفكرية والايديولوجية. ففي رواية عن الامام علي بن موسى الرضاعليه السلام عن جدّه الامام امحمد الباقرعليه السلام قال: «إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني اسرائيل، أينما دار التابوت دار الملك (تأمل بدقة المعنى الرمزي في التعبير) وأينما دار السلاح فينا دار العلم… وفي رواية أخرى: حيثما دار السلاح فينا فثمَّ الامرُ (الحكم)» (٥٨).

ويسأل الراوي الامام: فيكون السلاح مزايلا (مفارقا) للعلم؟

قال الامام: لا. أي إن قيادة المجتمع المسلم يجب أن تكون في من بيده السلاح والعلم معا.

الامام‏عليه السلام إذن يرى أن علم الدين وفهم القرآن بشكل صحيح شرط من شروط الامامة، ومن جهة أخرى فهو بنشاطه العلمي، وجمع عدد غفير من مشتاقي علوم الدين حوله، وتعليمه الدين بشكل يختلف تماماً عن الطريقة المعتادة لدى العلماء والمحدثين والمفسرين المرتبطين بجهاز الخلافة، يثبت عملياً أصالة المحتوى الديني لمدرسته، وزيف الظاهر الديني الذي يتقمّصه جهاز الخلافة ومن لفّ لفّه من علماء بلاطه. وعن هذا الطريق المهاجم المتواصل العميق الهادئ يضفي على جهاده بعداً جديداً.

وكما ذكرنا من قبل، فإن الحكّام العباسيين الاوائل الذين قضوا سنين طوالاً قبل تسلّمهم السلطة في نفس أجواء الجهاد العلوي وإلى جانب انصار العلويين، كانوا على علم بكثير من الخطط والمنعطفات، وكانوا متفهّمين لدور الهجوم والمواجهة الذي يؤدّيه هذا النشاط في الفقه والحديث والتفسير أكثر من أسلافهم الأمويين، زوقد يكون هذا السبب هو الذي دفع المنصور العباسي في مواجهاته مع الامام الصادق‏عليه السلام أن يمنع الامام زمناً من الجلوس في حلقات التدريس وعن تردّد الناس عليه. حتى أن المفضل بن عمر يقول: «ان المنصور قد كان همّ بقتل ابي عبداللّه‏عليه السلام غير مرّة، فكان اذا بعث اليه ودعاه ليقتله فإذا نظر اليه ها به ولم يقتله، غير انه منع الناس عنه ومنعهُ من القعود للناس، واستقصى عليه اشد الاستقصاء، حتى انه كان يقع لأحدهم مسألة في دينه في نكاح أو طلاق أوغير ذلك فلا يكون علم ذلك عندهم، ولا يصلون اليه فيعتزل الرجل وأهله، فشق ذلك على شيعته وصعب عليهم…. » (٥٩).

٣ - إقامة تنظيم سري إيديولوجي - سياسي‏

مرّ بنا أن الامام الصادق‏عليه السلام قاد في أواخر العصر الاُموي شبكة إعلامية واسعة استهدفت الدعوة الى إمامة آل علي‏عليه السلام وتبيين مسألة الامامة بشكلها الصحيح. وهذه الشبكة نهضت بدور مثمر وملحوظ في أقاصي بقاع العالم الاسلامي، وخاصة في العراق وخراسان لنشر مفاهيم الامامة.

ونشير هنا الى جانب صغير من هذه المسألة. مسألة التنظيمات السرية في الحياة السياسية للامام الصادق‏عليه السلام وباقي الأئمة من أهم المسائل وأكثرها حساسية، وهي في‏الوقت نفسه من أغمض فصول حياتهم وأشدّها إبهاما. وكما ذكرنا، لايمكن أن نتوقع وجود وثائق صريحة في هذا المجال، حيث لايمكن أن نتوقع من الامام أو أحد أصحابه أن يعترف صراحة بوجود هذه التنظيمات - السياسية - الفكرية.

فهذا مما لايمكن الكشف عنه. الشي‏ء المعقول هو أن الامام ينفي بشدّة وجود مثل هذا التنظيم السري، وهكذا أصحابه، ويعتبرون ذلك تهمة وسوء ظن فيما لو تعرّضوا لايستجواب جهاز السلطة. هذه هي خاصية العمل السري، والباحث في حياة الأئمةعليهم السلام أيضاً من حقّه أن لايقتنع بوجود مثل هذا التنظيم دون دليل مقنع. اذن فلا بدّ أن نبحث عن القرائن والشواهد والحوادث التي تبدو بسيطة لاتلفت نظر المطالع العادي، لنبحث عن دلالالتها في هذا المجال. بهذا اللون من التدقيق في حياة الأئمةعليهم السلام خلال قرنين ونصف القرن من حياتهم يستطيع الباحث أن يطمئن الى وجود مثل هذه التنظيمات التي تعمل تحت قيادة الأئمةعليهم السلام.

ما المقصود بالتنظيم؟ ليس المقصود به طبعاً حزباً منظماً بالمفهوم المعروف اليوم، ولا يعني وجود كوادر منظمة ذات قيادات اقليمية مرتبطة ارتباطاً هرمياً، فلم يكن شي‏ء من هذا موجوداً ولايمكن أن يوجد. المقصود بالتنظيم وجود جماعة بشرية ذات هدف مشترك تقوم بنشاطات متنوعة تتجه نحو ذلك الهدف، وترتبط بمركز واحد وقلب نابض واحد ودماغ مفكر واحد، وتسود بين أفرادها روابط عاطفية مشتركة.

هذه الجماعة كانت في زمن الإمام علي‏عليه السلام (أي خلال السنوات الخمس والعشرين بين وفاة الرسول الاكرم وبيعته للخلافة) كان يجمعها الايمان بأحقية الامام علي‏عليه السلام في الخلافة، وكانت تعلن وفاءها الفكري والسياسي للامام، غير أنها كانت تحذو حذو الإمام علي‏عليه السلام في عدم إثارة ما يزلزل المجتمع الاسلامي الوليد، كما كانت تنهض بما كان ينهض به الامام علي‏عليه السلام في تلك السنوات من مهام رسالية تستهدف صيانة الاسلام ونشره، ومحاولة الحدّ من الانحرافات. واتخذت لولائها هذا اسم «شيعة علي»، ومن وجوههم المشهورة: سلمان وعمار وأبو ذر واُبي بن كعب والمقداد وحذيفة وغيرهم من الصحابة الأجلّاء.

ولدينا شواهد تاريخية تثبت أن هؤلاء كانوا يشيعون بين الناس فكرهم بشأن إمامة علي‏عليه السلام بشكل حكيم. وعملهم هذا كان مقدمة لالتفاف الناس حول الامام وإقامة الحكم العلوي.

بعد أن استلم الامام علي‏عليه السلام مقاليد الاُمور سنة ٣٥ هجرية، كان حول الامام علي صنفان من الناس: صنف عرف الامام ومكانته وفهم معنى الامامة وآمن بها، وهم شيعته الذين تربّوا على يد الامام بشكل مباشر أوغير مباشر. وعامة الناس الذين عاشوا أجواء تربية الامام ونهجه ولكنهم لم يكونوا مرتبطين فكرياً وروحياً بالجماعة التي ربّاها الامام تربية خاصة.

ولذلك نجد بين اتباع الامام صنفين من الافراد بينهما تفاوت كبير: صنف يضم عماراً ومالكاً الاشتر وحجرَ بن عدي وسهلَ بن حنيف وقيس بن سعد وامثالهم، وصنف من مثل ابي موسى الاشعري وزياد بن أبيه ونظرائهم.

بعد حادثة صلح الامام الحسن‏عليه السلام كانت الخطوة الهامة التي اتخذها الامام نشر فكر مدرسة اهل البيت، ولمّ شتات الموالين لهذا الفكر، إذ اتيحت الفرصة لحركة أوسع بسبب اضطهاد السلطة الاُموية. وهكذا كان دائماً، فالاضطهاد يؤدي الى انسجام القوى المضطهدة وتلاحمها وتجذّرها بدل تعبثرها وتشتتها. واتجهت استراتيجية الامام الحسن‏عليه السلام الى تجميع القوى الاصيلة الموالية، وحفظها من بطش الجهاز الاُموي، ونشر الفكر الاسلامي الاصيل في دائرة محدودة، ولكن بشكل عميق، وكسب الافراد الى صفوف الموالين، وانتظار الفرصة المؤاتية للثورة على النظام وتفجير أركانه، وإحلال الحكم العلوي مكانه… وهذه الاستراتيجية في العمل هي التي جعلت الامام الحسن‏عليه السلام أمام خيار واحد وهو الصلح.

ومن هنا نرى أن جمعاً من الشيعة برئاسة المسيب بن نجبه وسليمان بن صرد الخزاعي يقدمون على الامام الحسن‏عليه السلام بعد حادثة الصلح في المدينة، حيث اتخذها الامام قاعدة لعمله الفكري والسياسي بعد عودته من الكوفة، ويقترحون عليه إعادة قواهم وتنظيماتهم العسكرية والاستيلاء على الكوفة والاشتباك مع جى الشام، والامام يستدعي هذين الاثنين من بين الجمع، ويختلي بهما ويحدثهما بحديث لانعرف فحواه، يخرجان بعده بقناعة تامة بعدم جدوى هذه الخطة. وحين يعود الاثنان الى من جاء معهما يفهمانهم باقتضاب أن الثورة المسلحة مرفوضة، ولابدّ من العودة الى الكوفة لاستئناف نشاط جديد فيها (٦٠).

هذه حادثة مهمة لها دلالات كبيرة حدت ببعض المؤرخين المعاصرين الى اعتبار ذلك المجلس الحجر الاساس في إقامة التنظيم الشيعي.

والواقع أن الخطووة الاُولى لإقامة التنظيم الشيعي لو كانت حقاً قد اتخذت في ذلك اللقاء بين الامام الحسن‏عليه السلام والرجلين القادمين من العراق، فإن مثل هذه الخطوة قد أوصى بها الامام علي‏عليه السلام من قبل حين أوصى المقرّبين من اصحابه بقوله: «لو قد فقدتموني لرأيتم بعدي أشياء يتمنّى أحدكم الموت مما يرى من الجور والعدوان والأثرة والاستخفاف بحق الله والخوف على نفسه، فاذا كان ذلك:

- فاعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا…

- وعليكم بالصبر والصلاة.

- والتقية.

واعلموا أن اللّه عزّوجل يبغض من عباده (التلوّن) لا تزولوا عن (الحق وأهله) فإن من استبدل بنا هلك، وفاتته الدنيا وخرج منها آثما» (٦١).

هذا النص الذي يرسم بوضوح الوضع المأساوي في العصر الاموي، ويوجه المؤمنين الى التلاحم والتعاضد والتنسيق والانسجام يعتبر أروع وثيقة من وثائق الجهاز التنيظيمي في حركة آل البيت‏عليهم السلام وهذا المشروع التنيظيمي يتبلور في شكله العملي في اللقاء بين الامام الحسن‏عليه السلام واثنين من الشيعة الخلّص. ومما لاشك فيه أن أتباع أهل البيت لم يكونوا جميعاً مطلعين على هذا المشروع الدقيق. ولعل هذا يبرّر ما كان يصدر من بعض صحابة الامام الحسن‏عليه السلام من اعتراض وانتقاد. وكان المعترضون يواجهون قول الامام الذي مضمونه:

وفي هذه الاجابة إشارة خفية الى سياسة الامام وتدبيره (٦٢).

خلال الاعوام العشرين من حكومة معاوية بكل ما احاط فيها البيت العلوي من إعلام مكثّف مضاد بلغ من التهتك درجةً لعن الامام امير المؤمنين‏عليه السلام على منابر المسلمين، وبكل ما شهدتها من انسحاب الامامين الحسن والحسين‏عليهما السلام من ساحة النشاط العلني المشهود، لا نرى سبباً في انتشار فكر أهل البيت واتساع القاعدة الشيعية في الحجاز والعراق سوى وجود هذا التنظيم.

ولنلقِ نظرة على الساحة الفكرية في هذه المناطق بعد عشرين عاماً من صلح الامام الحسن‏عليه السلام.

في الكوفة نرى رجال الشيعة من ابرز الوجوه وأشهرها. وفي مكة والمدينة بل وفي المناطق النائية نرى أتباع أهل البيت مثل حلقات مترابطة يعرف بعضها ما يلمّ بالبعض الآخر.

حين يستشهد بعد اعوام أحد رجال الشيعة وهو «حجر بن عدي» ترتفع أصوات الاعتراض في مناطق عديدة من البلاد الاسلامية، على رغم الارهاب المفروض على كل مكان، ويبلغ الحزن والاسى بشخصية معروفة في خراسان أن يموت كمداً بعد إعلان الاعتراض الغاضب (٦٣).

وبعد موت معاوية ترد على الامام الحسين‏عليه السلام آلاف الرسائل تدعوه أن يأتي الى الكوفة لقيادة الثورة. وبعد استشهاد الامام يلتحق عشرات الآلاف بمجموعة «التوّابين» أو ينخرطون في جيش المختار وإبراهيم بن مالك ضد الحكم الاموي.

ومن حق الباحث في التاريخ الاسلامي أن يسأل عن العوامل الكامنة وراء شيوع هذا الفكر والتحرّك الموالي لآل البيت‏عليهم السلام. هل يمكن أن يتم دون وجود نشاط مكثّف محسوب منظّم متحد في الخطة والهدف؟ !

الجواب: لاطبعاً. فالإعلام الهائل، الذي وجهته السلطة الاُموية عن طريق مئات القضاة والولاة والخطباء، لايمكن إحباطه وإفشاله دون إعلام مضاد مخطط مرسوم، ينهض به تنظيم منسجم موحَّد غير مكشوف. وقبيل وفاة معاوية تزايد نشاط هذا الجهاز العلوي المنظّم وتصاعدت سرعة عمله. حتى أن والي المدينة يكتب الى معاوية ما مضمونه: «أما بعد، فإن عمر بن عثمان (عيْن والي المدينة على الحسين‏عليه السلام) اخبرنا بأن رجالاً من العراق وبعض شخصيات الحجاز يترددون على الحسين بن علي، وتدور بينهم احاديث حول رفع راية التمرّد والعصيان… فاكتبوا لنا ماذا ترون» (٦٤).

بعد واقعة كربلاء وشهادة الامام الحسين‏عليه السلام تضاعف النشاط التنظيمي لشيعة العراق على أثر الصدمة النفسية التي أُصيبوا بها في مقتل الامام الحسين‏عليه السلام، حيث بوغتوا بهذه الجريمة التي سلبتهم قدرة الالتحاق بركب الحسين وأهل بيته في كربلاء. وكان هذا التحرّك مؤطّراً بالألم والحسرة والأسف.

يقول الطبري: فلم يزل القوم في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال ودعاء الناس في السرّ من الشييعة وغيرها الى الطلب بدم الحسين، فكان يجيبهم القوم بعد القوم والثغر بعد الثغر، فلم يزالوا كذلك حتى مات يزيد بن معاوية (٦٥).

وحقاً ماتقوله مؤلّفة جهاد الشيعة إذ تعلّق على قول الطبري بالقول:

وظهرت جماعة الشيعة بعد مقتل الامام الحسنى‏عليه السلام كجماعة منظمة، تربطها روابط بسياسية وآراء دينية، لها اجتماعاتها وزعماؤها، ثم لها قواتها العسكرية، وكانت جماعة «التّوابين» اول مظهر لذلك كله (٦٦).

ويبدو، من دراسة أحداث التاريخ ورأي المؤرخين في تلك البرهة الزمنية، أن الشيعة كانوا يتولّون مسؤولية القيادة والتخطيط. أما القاعدة العريضة الساخطة على بني أمية، فكانت أوسع من المجموعة الشيعية المنظمة، وكانت هذه القاعدة تنضمّ الى كل حركة ذات صبغة شيعية.

من هنا فإن المتحركين ضدّ بني اُمية، وإن رفعوا شعارات شيعية، لا ينبغي أن نتصورهم جميعاً بأنهم في عداد الجهاز التنظيمي لأئمة أهل البيت‏عليهم السلام.

انطلاقاً مما سبق، أودّ التأكيد على أن اسم الشيعة بعد شهادة الامام الحسين‏عليه السلام اُطلق فقط على المجموعة التي كانت لها علاقة وثيقة بالامام الحق، تماماً كما كان الحال في زمن امير المؤمنين‏عليه السلام.

هذه المجموعة هي التي عمدت بعد صلح الامام الحسين‏عليه السلام الى تأسيس التنظيم الشيعي بأمر الامام، وهي التي نشطت في كسب الافراد الى التنظيم ودفع أفراد اكثر، لم يرتفعوا في الفكر والنضج العملي الى مستوى الانخراط في التنظيم، نحو التيار العام للحركة الشيعية.

والرواية التي اوردناها عن الامام الصادق‏عليه السلام في بداية هذا الحديث، والتي تذكر أن عدد المؤمنين بعد حادثة عاشوراء لم يتجاوز الثلاثة أو الخمسة، إنما تقصد أفراد هذه المجموعة الخاصة… أي هؤلاء الذين كان لهم الدور الرائد الواعي في مسيرة حركة التكامل الثورية العلوية.

وعلى اثر النشاط المتستر الهادئ الذي قام به الامام السجادعليه السلام توسعت قاعدة هذه المجموعة، والى هذا يشير الامام الصادق‏عليه السلام في الرواية المذكورة: «ثم لحق الناس وكثروا» وسنرى أن عصر الامام السجاد والامام الباقر والامام الصادق‏عليهم السلام شهد تحرّك هذا الجمع تحرّكاً اثار الرعب والفزع في قلوب الحكام الظالمين، ودفع هؤلاء الحكام الى ردود فعل قاسية.

وبعبارة موجزة، فإن اسم الشيعة في القرنين الاول والثاني الهجريين وفي زمن الأئمةعليهم السلام ما كان يُطلق على الذين يحبّون آل بيت النبي‏عليهم السلام أو المؤمنين بحقهم وبصدق دعوتهم فقط، من دون اشتراك في مسيرتهم الحركية. بل إن الشيعة كانوا يتميزون بشرط أساسي وحتمي، وهو بعارة عن الاترابط الفكري والعملي بالامام، والاشتراك في النشاط الفكري والسياسي، بل والعسكري الذي يقوده لإعادة الحق الى نصابه، وإقامة النظام العلوي الاسلامي. هذا الارتباط هو نفسه الذي يطلق عليه في قاموس التشيع اسم «الولاية».

جماعة الشيعة كانت تطلق في الواقع على أعضاء حزب الامامة… هذا الحزب الذي كان يتحرّك بقيادة الامام‏عليه السلام، وكان يتخذ من الاستتار والتقية خندقاً له مثل كل الاحزاب والتنظيمات المضطهدة التي تعيش في جو الارهاب. هذه خلاصة النظرة الواقعية لحياة الأئمةعليهم السلام، وخاصةً الامام الصادق‏عليه السلام. وكما ذكرنا من قبل لايمكن أن يكون لمثل هذه المسألة دلائل صريحة، إذ لايمكن أن نتوقع من بيت سرّي أن يحمل لافتة تقول: «هذا بيت سرّي» ! وكذلك لايمكن أن نطمئن الى النتيجة دون قرائن حاسمة.

من هنا ينبغي أن نتتبّع القرائن والشواهد والاشارات.

من العبارات العميقة التي تلفت نظر الباحث المدقق في الروايات المرتبطة بحياة الأئمةعليهم السلام، أو في كلام مؤلّفي القرون الاسلامية الاولى، عبارة «باب» و «وكيل» و «صاحب السر» وهي عبارات تطلق على بعض اصحاب الائمة. فمثلاً، يقول ابن شهر آشوب المحدث الشيعي الشهير في سيرة الامام السجادعليه السلام: «وكان بابه يحيى بن ام الطويل» وفي سيرة الامام الباقرعليه السلام يقول: «وكان بابه محمد بن سنان». وفي «رجال الكشي» ترد حول زرارة وبريد ومحمد بن مسلم وأبي بصير عبارة: «مستودع سرّي». وفي كتب الحديث تروى عن الامام الصادق‏عليه السلام عبارة «وكيل» بشأن المعلّى بن خنيس. وكل واحد من هذه التعبيرات، إن لم تكن صادرة عن الامام، فإنها دون شك حصيلة دراسة موسعة في حياة الائمة، نهض بها المؤلفون الشيعة القدامى. واختيار هذه التعبيرات العميقة على أي حال ينطلق من معالم بارزة في حياة أئمة اهل البيت‏عليهم السلام. ولو تأملنا في هذه التعبيرات لألفينا أن كل واحد منها يدل على وجود جهاز فعّال مستتر وراء النشاط الظاهري للائمةعليهم السلام.

مستودع السر

إذا لم يكن لأحدٍ «سرُّ» فليس له مستودع سر. فما هو هذا السر في حياة الائمة؟ ما هذا الذي لايتحمله أصحاب الائمة عامة، بل ثمة نفر معدود له لقياة وصلاحية تحمّله، وبذلك نال شَرفَ اسم «مستودع السر»؟ !

ولقد راحت الذهنية المتأخرة البعيدة عن واقع الاحداث وتمحيصها تفسّر هذا السر بأنه «سر الإمامة». كما راحت تفسّر سرس الامامة بأنه الاسرار الغيبية والقدرة على الخوارق والمعاجز.

أنا أؤمن بقدرة هذه الصفوة المقدسة من أهل البيت، الذين اختارهم اللّه لمواصلة مهمة حمل الرسالة وتبليغها بعد رسول اللّه، أن يحملوا مثل هذه القدرة ومثل هذه العلوم، كما أؤمن بأن تحلّيهم بهذه القوى والعلوم لا يتنافى أصلاً مع نظرة الاسلام الى الانسان والنواميس الطبيعية وسنن الكون. ولكن هذه القوى والعلوم ليست هي «سر الامام». فمثل هذه القوى والعلوم أوضح دليل على الامامة وعلى صدق دعوى الامام. لماذا يكتم الامام هذه الامو ر ويوصي اصحابه بكتمانها في روايات كثيرة، تضافرت حتى أصبحت الكتب الحديثية الشيعية تتضمن باباً يحمل عنوان: «باب الكتمان» (٦٧)؟ لابدّ أن يكون هذا السرّ مما لو شاع لشكل خطراً كبيراً على الامام وأصحابه، وهذا شي‏ء غير الغيبيات والخوارق.

هل السرّ هو معارف أهل البيت؟ هل هو رؤية مدرسة أهل البيت للاسلام وفقهها وأحكامها؟ لاننكر أن معارف مدرسة أهل البيت كانت تنشر في عصر الاضطهاد الاُموي والعباسي وفق منهج الحكمة والتدبير، لكي لايخوض فيها كلّ من هبّ ودبّ، ولكن هذه المعارف لايمكن أن تكون هي سرّ الامام. فمع كل ما أحاط بهذه المعارف من اختصاص، كانت تدرس في مئات الحوزات الفقهية والحديثية في عدد من كبريات مدن الصقع الاسلامي آنذاك، كان الشيعة يتناقلون هذه المعارف ويشرحونها ويتداولونها. بعبارة أخرى كانت هذه المعارف خاصة لا سريّة.

واختصاصها يعني أن رواجها كان محدوداً بالدائرة الشيعية، لكنها كانت تصل الى غير الشيعة أيضاً في ظروف خاصة. لم تكن أبداً محدودة بأفراد معدودين من أصحاب الأئمة وخافية على غيرهم.

الحق أن الاسرار هي ما يتعلّق بالمعلومات المرتبطة بالجهاز التنظيمي للامام… بالجهاز الذي يخوض معتركاً سياسياً باتجاه هدف ثوري… بالتكتيك الذي ينتجه الجهاز… بالعمليات التي ينفذها… بأسماء ومهام اعضاء الجهاز… بمصادر التمويل… بالاخبار والتقارير المتعلّقة بالاحداث الهامة… هذه وأمثالها من الاسرار التي لايجوز أن يطّلع عليها سوى القائد والكوادر المسؤولية. ربما تحين الظروف المناسبة عاجلاً أم آجلاً لإعلان هذه الاسرار وكشفها، ولكن قبل أن تحين تلك الظروف لايمكن أن يطلع على هذه الاسرار سوى من يرتبط عمله مباشرة بها، وهم «مستودع السر». وكل تسريب لهذه المعلومات الى أوساط الشيعة فإنه يفتح ثغرة تسرّبها الى الاعداء، وهو خطأ كبير لا يغتفر، خطأ قد يؤدّي الى انهدام الجهود والاعمال والمجموعة المنتظمة. ومن هنا نفهم ما يعنيه الامام‏عليه السلام إذ يقول: «ليس الناصب لنا حرباً بأعظم مؤنة علينا من المذيع علينا سرّنا. فمن اذاع سرّنا الى غير اهله لم يفارق الدنيا حتى يعضهُ السلاح» (٦٨).

الباب الوكيل‏

في الارتباط السرية بين الامام‏عليه السلام والشيعة قد يتطلب الامر ايصال بعض المعلومات الى الشيعة عن طريق «واسطة»، وهذا تدبير معقول وطبيعي. العيون المتلصصة على كشف ارتباطات الامام‏عليه السلام تترصّد التقاءاته بأتباعه في موسم الحج في مكة والمدينة حين تؤمها القوافل من أقاصي العالم، وقد يؤدي رصد هذه اللقاءات الى اكتشاف خيوط الجهاز المركزي لتنظيم الامام، لذلك نرى أن الامام‏عليه السلام كان يُبعد عنه بعض الافراد بلهجة لينة أحياناً، ومعاتبة تارة أخرى. يقول لسفيان الثوري مثلاً: «أنت رجلٌ مطلوب وللسطان علينا عيون فاخرج عنا غير مطرود» (٦٩).

ويترحّم الامام عليه السلام على شخص صادفه في الطريق وأعرض بوجهه عنه، ويذم شخصاً آخر رآه في ظروف مشابهة فسلّم عليه باحترام واجلال.

مثل هذه الظروف تستلزم وجود فرد يكون واسطة بين الامام (٧٠) وبين من يحتاج الى معلومات تصل اليه من الامام، وهذا الواسطة هو «الباب» ويجب أن يكون من أخلص أتباع الامام، وأقربهم اليه، وأغناهم بالمعلومات والخطط. يجب أن يكون مثل «نحلة» إذا عرفت الحشرات المضرّة ما تحملهُ من عسل قَطّعتها وأغارت على شهدها (٧١). وليس صدفة أن نرى تعرّض هؤلاء «الابواب» غالباً للمطاردة وأقسى ألوان البطش والتنكيل.

إن يحيى بن ام الطويل «باب» الامام السجادعليه السلام يُقتل بشكل شنيع (٧٢). وجابر بن يزيد الجعفي باب الامام الباقرعليه السلام يتظاهر بالجنون ويشيع عنه ذلك فينجّيه من القتل الذي صدر الأمر به من الخليفة قبل أيام من اشتهار جنونه. ومحمد بن سنان، باب الامام الصادق‏عليه السلام، يتعرّض لطرد ظاهري من الامام رغم أن الامام أبدى رضاه عنه في مواضع أخرى وأثنى عليه، وما ذلك إلا لتعرّض محمّد بن سنان لمثل هذه الأخطار. كما أن إعلان الامام براءته من راوٍ معروف مشهور حظي بإعلان رضا الامام‏عليه السلام مراراً يعود على الاقوى الى تكتيك تنظيمي.

مثل هذا المصير يواجهه «الوكيل» أيضاً. مسؤول جمع الأموال المرتبطة بالامام وتوزيعها، يملك أيضاً كثيراً من الاسرار وأقلّها اسماء الدافعين والقابضين، وليست هذه المعلومات بالتي يستهين بها أعداء الامام، وأفضل دليل على ذلك مصير المعلّى بن خنيس وكيل الامام الصادق‏عليه السلام في المدينة، وتعبيرات الامام القائمة على أساس التقية بشأن المفضّل بن عمر وكيل الامام في الكوفة.

هذه العناوية الثلاثة (الباب، الوكيل، صاحب السر) التي نجد مصاديقها في وجوه بارزة من رجال الشيعة تلقي ظلالاً على واقع الشيعة وارتباطهم بالامام والحركة التنظيمية الشيعية.

يمكننا بهذه النظرة أن نفهم الشيعة بأنهم مجموعة من العناصر المنسجمة الهادفة النشطة المتمركزة حول محور مقدس يشعّ بتعاليمه وأوامره على القاعدة، والقاعدة ترتبط وتنقل اليه المعلومات وتضبط مشاعرها وتسيرط على عواطفها بتوصياته الحكيمة، وتلتزم التزاما دينياً بأساليب العمل السرّي، مثل حفظ الاسرار، وقلّة الكلام، والابتعاد عن الاضواء والتعاون الجماعي والزهد الثوري.

الحياة السياسية لائمة أهل البيت عليهم السلام

محاضرة أُلقيت في افتتاح مؤتمر الامام الرضا عليه السلام‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول رب العالمين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

ضرورة الاهتمام بحياة الائمة

أرجو أن يتحقق في هذا الاجتماع أملا قديما من آمالنا في دراسة حياة أئمة أهل البيت‏عليهم السلام.

غربة هؤلاء الأئمة لم تقتصر على حياتهم، بل إن غربتهم استمرت بعدهم على مدى القرون، متمثلة بعدم الاهتمام بالجوانب الهامة بل الاصلية من حياتهم. المؤلفات التي دوّنت حول حياة أئمة الهدى عليهم السلام على مدى القرون لها دون شك أهمية قصوى، لانها استطاعت أن تجمع شتات الروايات المرتبطة بهم وتقدمها للاجيال. لكن الروايات التي تتناول حياتهم السياسية خلال مائتين وخمسين عاما من عهدهم المبارك قد اختفت - مع الاسف - بين الروايات والاحاديث التى ركزت على الجانب العلمي والمعنوي من حياتهم.

حياة أئمة أهل البيت عليهم السلام لاينبغي أن تبقى في حدود ذكريات في الاذهان والنفوس؛ بل لابدّ أن نتلقاها باعتبارها دروسا ومنهجا للحياة، وذلك لايتيسّر إلّا بدراسة سيرتهم السياسية. من هنا كان لي اهتمام بهذا الجانب من حياة الائمة عليهم السلام.

لابأس أن أذكر أن توجّهي بشكل جادّ لهذا اللون من الدراسة بدأ لاول مرة سنة ١٣٥٠ ه. ش (١٣٩٢ه. ق) حين كنت أمضى فترة من فترات المحن الصعبة (٧٣)، وإن كنت قبل ذلك أنظر الى أئمة أهل البيت عليهم السلام باعتبارهم مجاهدين كبار مضحين على طريق اعتلاء كلمة التوحيد وإقامة الحكومة الالهية. لكن الفكرة التي انقدحت في ذهني آنئذ هى أن حياة هؤلاء العظام - رغم مافيها من تفاوت ظاهر دعا ببعض الدارسين الى القول بوجود تناقض في منهج حياتهم - تشكل بمجموعها حركة واحدةمستمرة متواصلة بدأت من السنة الحادية عشرة للهجرة واستمرت مائتين وخمسين عاما، أي حتى سنة مائتين وستين للهجرة إذ بدأ عصر الغيبة.

هؤلاء العظام يشكلون مجموعة واحدة وشخصية واحدة ويتجهون نحو هدف واحد. إذن لماذا ندرسهم بشكل تجزيئي؟ لماذا ندرس حياة الامام الحسن المجتبى والامام الحسين والامام علي بن الحسين السجادعليهم السلام، كلٌّ على حِدة؟ هذا اللون من الدراسة هو الذي أوقع بعض الدراسين في خطأ خطيرحين فهم الاختلاف الظاهري في حياتهم على أنه تعارض وتناقض في سلوكهم! لابد أن نفترض حياتهم بأجمعهم على أنها حياة إنسان واحد عمّر مائتين وخمسين عاما، دخل الساحة سنة إحدى عشرة للهجرة وواصل العمل فيها حتى سنة مائتين وستين للهجرة. عندئذ يمكن أن نفهم نشاط هذا الانسان الكبير المعصوم ونفهم خلفيات هذا النشاط.

كل إنسان عاقل حكيم - حتى ولو لم يكن معصوما - يضع في خطته البعيدة المدى أو في استراتيجيته، ألوانا من الاساليب المناسبة للظروف أو ألوانا من التكتيك. قديجد من المناسب في فترة أن تكون الحركة عنيفة سريعة، وقد يجد من المناسب في فترة أخرى أن تكون الحركة بطيئة. وقد يتطلب الامر منه أحيانا أن يعمد الى تراجع أو انسحاب حكيم، غير أن هذا الانسحاب نفسه في معايير العلم والحكمة والمعايير الرسالية يعتبر تقدما الى الامام. وبهذه النظرة تكون حياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع حياة الامام المجتبى وحياة الامام الحسين، وحياة الأئمة الثمانية من ولد الحسين حتى سنة مائتين وستين للهجرة حركة واحدة متواصلة، وهذا هوالذي انقدح في ذهني تلك السنة، ثم رحت أدرس حياة الائمة بهذه النظرة، وكلما تعمّقت في الدراسة تأكدت لي هذه النظرة أكثر فأكثر.

الاتجاه السياسي في حياة الائمة

لايسعني في هذه الجلسة أن أتوسّع في هذه المقولة، ولكن أقصر كلامي على مسألة واحدة هي أن حياة أئمة أهل البيت عليهم السلام كانت مقرونة باتجاه سياسي. وهذا ما سأتناوله الآن إن شاء اللّه.

في العالم الماضي كان لي في هذا المجلس كلمة تناولت فيها جانب الجهاد السياسي في حياة الائمة عليهم السلام عامة وفي حياة الامام الثامن بشكل خاص وأودّ أن أتناول هذا الجانب اليوم باذن اللّه تعالى بمزيد من التفصيل.

ما المقصود من الجهاد السياسي في حياة الائمة عليهم السلام؟

المقصود أن أئمة أهل البيت عليهم السلام لم يقتصر كفاحهم ونشاطهم على الجانب العلمي والعقائدي والكلامي، كما كان رائجا في عصرهم لدى الاشاعرة والمعتزلة وغيرهم من أصحاب المقالات والملل والنحل. لم يكن هدفهم من حلقات دروسهم ومن تصديهم للرواية وبيان الاحكام مقتصرا على تثبيت دعائم مدرستهم الكلامية أو الفقهية.

وليس المقصود من نشاط الائمة السياسي هو الكفاح المسلح الذي تبناه زيد بن علي وأبناؤه ثم بنو الحسن وبعض آل جعفر في تلك القرون. لم يكن لأئمة آل البيت‏عليهم السلام مثل هذا النشاط. وهنا لابد من الاشارة الى أن الائمة لم يدينوا ذلك الكفاح المسلح يشكل مطلق. بل كانوا يدينون بعض الثائرين لا لأنهم ثائرين بل لاسباب أخرى تتعلق بأهداف أولئك الثوار. وكانوا يؤيدون بعض الثائرين تأييدا كاملا، ويشاركونهم في ثورتهم ولو بدعم الصفوف الخلفية للثائرين، كقول الامام:

«لا أزال وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد ولوددت أن الخارجي من آل محمد خرج وعليّ نفقة عياله» (٧٤)

كانوا يقدمون لهم الدعم المالي والاعلامي، والمساعدة في التواري والاختفاء وأمثالها من المساعدات، لكنهم عليهم السلام لم يكونوا يخوضون ساحة الكفاح المسلح بأنفسهم. يقول الراوي: دفع اليّ أبو عبد الله الصادق جعفر بن محمد الف دينار وأمرني أن أقسمها في عيال من أصيب مع زيد بن علي (٧٥).

النشاط السياسي للأئمة لانقصد به ذاك الاول ولا هذا الثاني. بل هو النشاط الذي يستهدف في المآل إقامة حكومة إسلامية أو بتعبير آخر حكومة علوية.

التخطيط لاقامة حكومة اسلاميّة

الائمة عليهم السلام نشطوا منذ لحظة وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وآله حتى سنة مائتين وستين للهجرة لاقامة حكومة إلهية في المجتمع الاسلامي. وهذا هو أصل ادعائنا في هذا البحث.

طبعا لانستطيع أن نقول إن كل واحد من الائمة استهدف أن يقيم حكومة إسلامية في زمانه. بل إن كل واحد منهم انتهج لتحقيق هذا الهدف خطة متوسطة المدى، أو بعيدة المدى، وأحيانا قصيرة المدى. على سبيل المثال نعتقد أن الامام الحسن المجتبى‏عليه السلام، سعى لاقامة حكومة إسلامية في المستقبل القريب. وهذا ما نفهمه من قوله في خطبته لاصحابه بعد الصلح: «…. وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وقد رأيتُ أن أسالمه، وأن يكون ما صنعت حجّة على من كان يتمنّى هذا الأمر. وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع الى حين» (٧٦)

وقوله لحجر بن عديّ لما خلا به: «… وإني لم أفعل مافعلت إلّا إبقاء عليكم، واللّه تعالى كلَّ يوم هو في شأن» (٧٧).

وقوله للمسيب بن نجبة حين عاتبه على الصلح: «… فارضوا بقضاء اللّه وقدره حتى يستريح بَرٌّ ويُستراح من فاجر» (٧٨).

وفي زمن الامام علي بن الحسين السجاد عليه السلام اقتضت الخطة - على ما أعتقد - أن تكون ذات مدى متوسط. ولي على ذلك شواهد سأتناولها في هذه المحاضرة.

وفي زمن الامام الباقر عليه السلام كان التخطيط على أقوى الظن لاقامة حكومة على المدى القصير، وبعد استشهاد الامام الرضا عليه السلام كانت الخطة - على أكبر الاحتمال - لمستقبل بعيد. هذا معنى الجهاد السياسي. كل نشاطات الأئمة عليهم السلام - سوى الاعمال المعنوية والروحية المرتبطة بتربية نفس الانسان، وقربه من اللّه سبحانه - كانت تصب في هدف واحد، ولم يكن هذا الهدف سوى إقامة الحكومة الاسلامية، يشمل ذلك ماكانوا يتصدون له من دروس في التفسير والحديث والكلام، ومن حجاج مع خصومهم الفكريين والسياسيين، ومن مواقفهم السلبية أو الايجابية مع المجموعات العاملة في مجتمعهم. هذا ما ندعيه ونحاول أن نقدم له الشواهد التاريخية.

هذا الموضوع - كما ذكر فضيلة الشيخ الطبسي (٧٩) - موضع اختلاف. وأنا لا أريد أن أفرض رأيي، لكن أصرّ على ضرورة متابعة هذه المسألة بالدراسة والتمحيص، ضمن منهج إعادة النظر في حياة الأئمة عليهم السلام.

الأدلة والوثائق‏

كان سعينا خلال سنين تقديم الوثائق التاريخية والروائية لاثبات هذا الموضوع بالنسبة لحياة كل إمام، ولحياة مجموع الأئمة عليهم السلام.

بعض الاستدلالات لها طابع عام مثل إيماننا بأن الامامة استمرار للنبوة، والنبي هو أولا إمام. وهذا الاستدلال ورد على لسان الامام الصادق عليه السلام إذ قال:

«إن رسول اللّه كان هو الامام ثم كان علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين…. » (٨٠).

ورسول الله صلى الله عليه وآله كان دائب الحركة لاقامة نظام العدل الالهي في مجتمعه. وأقامه بعد جهاد دام طويل، ودوافع عنه مدة حياته. ولذلك لايمكن أن يكون الامام غافلا عن هذه المهمة وهو وارث النبي وامتداده الرسالي. طبعا هذا الاستدلال يمكن التوسع فيه بمزيد من البحث والتحقيق، بالنظر الى أبعاده المختلفة.

وبعض الاستدلال يمكن أن يقوم على أساس كلمات الائمة عليهم السلام أو من سيرتهم وطريقتهم في الحياة، إذ حين يتضح الهدف العام تصبح كل تلك الكلمات والمواقف ذات معنى.

والواقع أن فهم ظروف الائمة عليهم السلام ومواقفهم يحتاج الى تفاعل مع تلك الظروف، وهذا ما عانيناه بأنفسنا. فالانسان في زنزانات السجون المظلمة يفهم أكثر العبارات التي نرددها دائما بالنسبة لائمة أهل البيت‏عليهم السلام كقولنا:

«السلام على المعذب في قعر السجون وظلم المطامير ذا الساق المرضوض بحلق القيود».

على أي حال هذا هو الاتجاه الذي أريد أن أسير فيه ببحثي هذا، لأعرض على هذا الجمع الكريم بعض تصوراتي الذهنية.

لو أردنا أن نبحث عن عنصر النشاط السياسي في حياة الائمة عليهم السلام بالمفهوم الذي أوضحناه، أي بالمفهوم الذي ينأى عن الصراع الكلامي وعن الكفاح المسلح، نستطيع أن نشبهه بالنشاط السياسي الذي انتهجه العباسيون خلال السنوات بين المائة أو قبل المائة للهجرة حتى سنة مائة واثنتين وثلاثين هجرية حيث أقاموا دولتهم. وهذا التشبيه لايمكن فهمه الا لدى الدراسين للحركة العباسية خلال القرن الثاني الهجري. مع فارق جوهري في تشبيهنا بين الائمة وبني العباس في السلوك والاهداف والشخصية.

وجه الشبه التقريبي في النشاط والتخطيط. لذلك نجد خلطا في بعض المواضع بين التيارين العلوي والعباسي بنو العباس - لقرب أسلوب دعوتهم من آل علي - كانوا يدّعون في المناطق البعيدة عن الحجاز والعراق أنهم يمثلون خطّ آل علي. حتى أن المسوّدة وهم طلائع دعوة العباسيين في خراسان كانوا يقولون في اختيار اللون الاسود لملابسهم:

«هذا السواد حداد آل محمد وشهداء كربلاء وزيد ويحيى».

بل إن عددا من قادتهم كانوا يتصورون بأنهم يعملون من أجل آل علي.

المسيرة العامة لنشاط الائمة

بعد هذا التصوير لنشاط الائمة في الحقل السياسي وتشبيهه بنشاط بني العباس مع فارق كما قلنا في السلوك والاهداف والشخصية، أبدأ أولا باعطاء صورة للمسيرة العامة لنشاط الائمة عليهم السلام. بعد ذلك نعود الى بعض معالم هذا النشاط.

سوف لا أتطرق في حديثي الى حياة الائمة الثلاثة الاوائل أعني أمير المؤمنين علي والحسن والحسين‏عليهم السلام لأن البحوث المطروحة حولهم كثيرة، وليس لأحد تقريبا شبهة بشأن العنصر السياسي في نشاطهم وهدفهم. وأبدأ من عصر الامام السجاد عليه السلام وأعتقد أن حياة الأئمة منذ عصر السجاد، أي منذ سنة إحدى وستين هجرية حتى سنة مائتين وستين هجرية، وهي قرنان من الزمان تنقسم بشكل عام على ثلاثة أقسام:

الاولى - من سنة إحدى وستين للهجرة وهي سنة إمامة السجاد حتى سنة مائة وخمس وثلاثين وهي سنة وفاة السفاح وخلافة المنصور. وفي هذه المرحلة بدأت الحركة من نقطة ثم تدرّجت ونَمَت وتعمّقت واتسعت. وحين تولى المنصور الحكم تغير الوضع وظهرت مشاكل وعقبات، وتوقف كثير من معطيات الحركة، وهذا ماتواجه كل حركة تقريبا، ونحن واجهناه أيضا في حياتنا السياسية.

والثانية: من سنة مائة وخمس وثلاثين حتى سنة مائتين واثنتين أو ثلاث أو أربع أي سنة استشهاد الامام الرضاعليه السلام.

وفي هذه المرحلة تبدأ الحركة من نقطة أرفع من نقطة سنة إحدى وستين وأعمق منها وأوسع، لكنها تبدأ بمواجهة مشاكل جديدة، وباستمرار تتجذر الحركة وتتسع، وتقترب من تحقيق النصر، حتى سنة استشهاد الامام الرضاعليه السلام. وعندها تتوقف الحركة ثانية.

والثالثة: تبدأ بذهاب المأمون الى بغداد وبها يبدأ فصل صعب شاق من فصول حياة الأئمة عليهم السلام، يمكن تسميته بفصل محنة الأئمة. ومع أن انتشار التشيع كان في هذه المرحلة أكثر من أي وقت آخر، فان محنة الائمة كانت أيضا فيها - على ما أعتقد - أكثر من أي وقت مضى. وهذه هي مرحلة التخطيط والتحرك على المدى البعيد. أي إن الائمة ماكانوا يسعون خلالها لتحقيق مكسب قريب، بل كانوا يمهّدون الاجواء للاجيال القادمة. وهذه الفترة تبدأ كما ذكرنا من سنة مائتين وأربع وتمتد حتى سنة مائتين وستين وهي سنة استشهاد الامام الحسن العسكري عليه السلام وبدء عصر الغيبة الصغرى. ولكل من هذه المراحل الثلاث خصائص أذكرها باختصار:

عصر الامام السجادعليه السلام‏

المرحلة الاولى وهي عصر الامام السجاد تبدأ بصعوبات جمّة. حادثة كربلاء هزّت أركان الشيعة بل العالم الاسلامي بأجمعه. كان القتل والتشريد والتعذيب موجودا قبل هذه الحادثة، لكنّ قتل ولد رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله وأسر بيت النبوة وأخذهم من بلد الى بلد على رؤوس الاشهاد، ورفع رأس الحسين على الرمح أمام أنظار من يتذكر قبلات رسول اللّه على شفة صاحب هذا الرأس… كل هذه المشاهد أصعقت العالم الاسلامي. لم يكن أحد يصدّق أن الامر يصل الى هذه الدرجة. وما يروى عن زينب‏عليها السلام قولها:

ما توهمت يا شفيق فؤادي‏

كان هذا مقدرا مكتوبا

إنما هو إشارة الى وضع الناس آنذاك. بوغت المسلمون أن البطش أصبح أكثر مما كانوا يتصورون. لقد حدث مالم يكن في الحسبان. وكاد الخوف يحبس الأنفاس في الصدور، ويخرس الالسنة ويشلّ الطاقات، لولا ظهور الثوارت التي كسرت حاجز الخوف لأمد ثم حين واجهت البطش، وفشلت عاد الخوف يلقى بظلاله الثقيلة أضعافا مضاعفة. ثار التوابون في الكوفة سنة ٦٤ه وواجهوا عملية إبادة رهيبة سنة ٦٥ه، وثار المختار في الكوفة أيضا انتقاما لشهداء كربلاء، وثار عبد اللّه بن الزبير في مكة، ولم يستطع ابن الزبير أن يتحمّل وجود المختار في الكوفة، فقضى عليه عن طريق أخيه مصعب، وكاد الامر يستتب لابن الزبير لولا خوف الناس من بطش الامويين، هذا الخوف هو الذي يسّر لمروان بن الحكم أن يسيطر على الامور بعد أن انفرط عقد البيت السفياني باستقالة معاوية بن يزيد. ثم بهذا التخويف وبعمليات البطش والتنكيل هذه سيطر عبد الملك بن مروان على العالم الاسلامي، وأخضع بلاد الاسلام بأجمعها الى الحكم الاموي.

ويلزمنا الوقوف قليلا عند وقعة «الحرة» فهي من الوقائع الهامة التي ظهرت فيها قسوة الامويين بشكل سافر فظيع.

في سنة اثنتين وستين ولي المدينة المنوّرة عثمان بن محمد بن أبي سفيان «وهو فتى غِرّ حَدَث لم يجرّب الامور ولم يحنّكه السنّ». أراد أن يوثّق علاقة رجال المدينة بيزيد. فأرسل وفدا من أهل المدينة الى يزيد فيهم عبد اللّه بن حنظلة غسيل الملائكة. فقدموا على يزيد فأكرمهم وأحسن إليهم، وأعظم جوائزهم، لكنهم استغربوا ما رأوه من فساد في بلاط الخليفة. حين عادوا الى المدينة قالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويضرب بالطنابير، وتعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الحُرّاب (اللصوص). وإنا نشهدكم أنا خلعناه. فسيّر يزيد الى أهل المدينة جيشا بقيادة مسلم بن عقبة، وهو الذي سُمّي مُسرفا، دافع أهل المدينة دفاعا شديدا وفيهم صحابة رسول اللّه، لكنهم انهزموا. فاباح مسلم المدينة ثلاثا لم يتركوا فيها حرمة الّا انتهكوها، وارتكبوا من الفظائع مايقصر اللسان عن ذكره. ثم دعا «مسرف الناس الى البيعة ليزيد على أنهم خَوَل ليزيد يُحكّم في دمائهم وأموالهم وأهليهم مَن شاء. فمن امتنع من ذلك قتله» (٨١).

وثمة ظاهرة أخرى الى جانب الارعاب والتخويف نشاهدها في هذا العصر هي الانحطاط الفكري لدى الناس في جميع أرجاء العالم الاسلامي، نتيجة إهمال تعاليم الدين والاستخفاف بفرائضه خلال عقدين مضت من الزمان. تذكر لنا الروايات مشاهد كثيرة من تزلزل ايمان الناس في هذا العصر وفراغهم الفكري والعقائدي. طبعا كان في المجتمع قراء ومحدثون وزهاد ووعّاظ، وسنأتي على ذكرهم. لكن عامة الناس كانوا يعانون من اختلال شديد في العقيدة والالتزام، وهذه الحالة هي التي جرّأت ابن الزبير أن يُلغي شهادة أنّ محمداً رسول اللّه من الاذان، وحين سُئل عن سبب ذلك قال:

«واللّه ما يمنعني من ذكره علانية أني لا أذكره سرّا، وأصلّي عليه، لكني رأيت هذا الحيّ من بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبّت أعناقهم، وأبغض الاشياء اليّ مايسرّهم. وفي رواية: إن له أُهيل سوء» (٨٢).

وهذه الحالة ذاتها هي التي جرّأت خالد بن عبد الله القسري أن يفضّل الخلافة على النبوة، وكان يستدل على هذا التفضيل بقوله:

«أيهما أفضل خليفة رجل في أهله أو رسوله الى أصحابه؟ !!».

ويلاحظ في الوثائق التاريخية أن عملية الافراغ العقائدي والروحي كانت منصبّة بالدرجة الاولى على مكة والمدينة، حيث أبناء المهاجرين والانصار، وحيث التابعون القريبو العهد بعصر صدر الرسالة… فترى هاتين المدينتين المقدستين قد خطط لهما لكي تكونا مركزا للهو والغناء والطرب. وبدأت الخطة على يد الامويين منذ زمن الخليفة الثالث، فملأوا المدينتين المقدستين بالآلات الموسيقية والمغنين والمغنيات، وانتشرت بيوت الطرب. وتشجّع الشعراء على هتك الحرمات والتعرض لنساء المهاجرين والانصار، والتغزّل بهنّ في أقدس المواسم وأقدس الامكنة. هذا عمر بن أبي ربيعة يذكر النساء المسلمات في شعيرة رمى الجمار ويقول:

فواللّه ما أدرى وإن كنت داريا

بِسبع رمين الجمر أم بثماني‏

بدا لي منها معصم حين جمّرت‏

وكف خضيب زينت ببنان‏

وكان شعر عمر بن ربيعة يجد في النفوس صدى عميقا، وينتشر بين الناس انتشارا واسعا، وهذا أيضا يدلل على الوضع الخلقي لتلك الفترة الزمنية.

يروى أن عمر بن أبي ربيعة حين مات. اشتد الحزن على جارية حبشية بمكة، وراحت نحوالمدينة أشدّ ماتكون حزنا وإعوالاء وهي تقول: مَن لمكة وشبابها وأباطحها ونزهها ووصف نسائها، وحسن جمالهنّ بعد عمر؟ ! فقالوا لها: خفّفي عليك، فقد نشأ من يأخذ مأخذه ويسلك مسلكه، ويعنون العَرجيّ. ثم انشدوها شيئا من شعر العرجيّ في الغزل، فمسحت عينيها وضحكت، وقالت: الحمد للّه الذي لم يضيّع حَرَمَه !! وهذا العرجيّ أيضا والاحوص ممن خاضوا في أعراض الناس، دون أن يردعهم أي رادع.

وتذكر لنا الروايات صورا عن انتشار بيوت الطرب وإقبال الشباب عليها، بل وتنقل لنا مجالس طرب النساء من وجوه القرشيات واشتراك المغنين الرجال فيها. وهكذا انتشار الخمرة والتهاون في إجراء الحدود على تعاطيها. ويبلغ التهاون بالدين درجة أنّ الوالي منع رفع الأذان في الحرم المكي لدن وقته بامر عائشة بنت طلحة كي لا يقطع الاذان طوافها، وحين اعترضوا عليه لتأخير الاذان والصلاة من أجل امرأة، قال: واللّه لو طال طوافهها حتى صباح غد لما أجزت رفع الاذان.

وفي هذا الجوّ المتحلّل انهارت حتّى معنويات بعض الشخصيات الاسلامية البارزة، وسقطوا في سبيل تحقيق متاع رخيص وأمل دنيوي تافه. من أولئك محمد بن شهاب الزهري. فقد كان يوما تلميذا للامام السجاد عليه السلام، غير أن معنوياته الهابطة دفعته الى الارتباط بالجهاز الحاكم، وعلى أثر ذلك وجه اليه الامام السجاد رسالته المعروفة، وهي سند تاريخي هام. وعبارات الرسالة لها دلالات كبرى على الموقف الساسي للامام السجاد، منها قوله: «ولا تحسبنّ اللّه قابلا منك بالتعذير ولا راضيا منك بالتقصير، هيهات هيهات ليس كذلك، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال: «لتبيننّه للناس ولا تكتمونه» واعلم أن أدنى ماكتمت وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم، وسهّلت له طريق الغيّ بدنوّك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دُعيت، فما أخوفني أن تبوء باثمك غدا مع الخونة، وأن تُسأل عمّا أخذت باعانتك على ظلم الظلمة…» (٨٣).

في مثل هذه الظروف يبدأ عمل الامام السجادعليه السلام على ثلاثة محاور: الاول، نشر مفاهيم الدين، باعتبار أن الوعي الديني ضرورة لازمة لاقامة المجتمع المسلم والدولة الاسلامية. والثاني تبيين مسألة الامامة ومعنى الامام، لأن الناس كانوا ينظرون الى عبد الملك بأنه هو الامام. والثالث، إعلان إمامته هو، وأن يقول: إنه هو الامام.

وثمة روايات أخرى لها دلالات على الوضع الاجتماعي الذي عمل فيه الامام السجادعليه السلام. منها قوله: «ارتدّ الناس بعد الحسين الا ثلاثة…. » … (٨٤) ومنها قوله: «ما بمكة والمدينة عشرون رجلا يحبنا» … (٨٥)

ومنها قوله: «ما ندري كيف نصنع بالناس إن حدثناهم بما سمعنا من رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله ضحكوا، وإن سكتنا لم يسعنا» (٨٦).

مفهوم الامامة

ولابد أن أشير الى أن مفهوم «الامام» الذي شاع عندنا خلال القرون الاخيرة يختلف كل الاختلاف عن معنى الامام في القرون الاسلامية الاولى. في القرون الاولى كان مفهوم الامام هونفسه الذي نفهمه اليوم بعد قيام الجمهورية الاسلامية أي حاكم الدين والدنيا. لكن القرون الاخيرة شهدت انفصال «الحاكم» عن «الامام» … الحاكم يتولى امور الساحة الحياتية بكل مافيها من حرب وسلم وادارة سياسية واقتصادية. والامام يتولى هدايةالناس في عقائدهم وعباداتهم… وهذا الانفصال أدّى الى أن نفهم الامام في القرون الاخيرة فهما خاطئا، فهمناه أنه العالِم الذي يتولى أمر العقائد والعبادات، وأما أمر الدنيا فهو من شؤون الخليفة… لم يكن الامر كذلك في القرون الاولى. كل المسلمين بكافة فرقهم كانوا يفهمون أن معنى الامام هو حاكم أمور الدين والدنيا. كان حكام بني أمية يدعون أنهم أئمة المسلمين وحكام بني العباس كانوا يدعون ذلك أيضا، رغم أن بين الحكام الامويين والعباسيين ممّن ضربوا أرقاما قياسية تاريخية في مستوى فسقهم وفجورهم. لايسمح لنا الوقت بالحديث عن هذه المسألة أكثر، ونكتفي بالقول إنّ المجتمع الاسلامي في عصر السجاد كان له إمام… وهذا الامام هو عبد الملك بن مروا

ن!! والامام السجاد اهتم بتوضيح الشروط التي يجب أن يتحلّى بها الامام ويبيّن أبعاد مسألة الامامة. ليخلص الى النتيجة الحقيقية وهي إفهام المجتمع بأنه هو الامام.

ثم إن الانحطاط الخلقي في مجتمع الامام السجادعليه السلام حمّل الامام مسؤولية انتشال الافراد من مستنقع الرذيلة… وتوجيه الناس توجيها معنويا … وهي عملية لازمة لاعادة الحياة الاسلامية… وما خلفه الامام السجّاد من تراث عظيم جُمع في «الصحيفة السجادية» يبيّن نهج الامام في هذا السبيل… كان يركّز على الترفع عن السقوط، والتعامل مع الدنيا تعامل القائد لا المنقاد… وتعامل الحرّ لا العبد… وهي تعاليم الاسلام في الزهد: «ألا حُرٌّ يدع هذه اللماظة لاهلها؟ ! فليس لانفسكم ثمن الّا الجنّة فلا تبيعوها بغيرها».

والامام السجاد أشاع هذه المفاهيم، على الصعيد العام، وربّى أفرادا عليها في المستوى الخاص… وبذلك توفّرت الظروف المعنوية للالتحاق بمدرسة آل البيت. ومن هنا يقول الصادق‏عليه السلام «ثم إن الناس لحقوا وكثروا» بعد قوله: «ارتد الناس بعد الحسين…».

نصّان هامّان‏

وثمة نصان هامان في كتاب «تحف العقول» هما من أطول ما نقل عن الامام علي بن الحسين السجادعليه السلام يبينان نهجين مختلفين للامام في نشاطه. الاول: يتحدث الى عامة الناس، ويبدأ بعبارة: أيها الناس. يذكّر فيها المخاطبين بواقع دنياهم ومسؤوليتهم تجاه ربهم ونبيهم ودينهم، وما ينتظرهم في الآخرة من نعيم أو عقاب. ويحذّرهم من المعاصي، ويحثّهم بشكل خفيّ على عدم الركون الى الظالمين ويقوله: «ولا تركنوا الى الدنيا، فان اللّه قال لمحمدصلى الله عليه وآله: «ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار»، ولا تركنوا الى هذه الدنيا ومافيها ركونَ من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، فانها دار قلعة، ومنزل بُلغة، ودار عمل، فتزوّدوا الاعمال الصالحة قبل تفرّق أيامها…» (٨٧).

هذا النص واضح في أنه كان خطابا لعامة الناس. غير أن النص الثاني واضح في خصوصية خطابه، ولابدّ أن يكون الامام قد ألقاه على مجموعة خاصة من أصحابه حيث يبدأ كلام الامام بقوله:

«كفانا اللّه وإياكم كيد الظالمين، وبغي الحاسدين، وبطش الجبارين.

أيها المؤمنون! لا يفتننكم الطواغيت من أهل الرغبة في الدنيا المائلون اليها، المفتونون بها، المقبلون عليها…. » (٨٨).

وهكذا استمر عمل الامام السجاد مدة٣٥ عاما بشكل هادئ في جوّ مظلم مدلهم، يسعى لانتشال الظالين في دياجير الشهوات أو في حبائل السلطة المتجبّرة أو علماء السوء من جهة، ومن جهة أخرى يسعى لتكوين المجموعة المؤمنة الصالحة لكي تكون قاعدة انطلاق لمراحل تالية من العمل الاسلامي.

حياة الامام السجاد بحاجة الى ساعات طوال، اكتفي بهذا القدر وانتقل الى الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام.

عصر الامام الباقرعليه السلام‏

لقد سار الامام الباقر على نهج أبيه مع فارق بين ظروفه والظروف السابقة. نهجه كان أيضا نشر تعاليم الاسلام، لكن ظروفه قد تحسنت.

فهاهو يدخل المسجد وقد التف حوله أهل خراسان وغيرهم، ويتقدم اليه قتادة بن دعامة البصري فقيه أهل البصرة فيسأله ويتزود من علمه.

روى الكليني في الكافي بسنده عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت جالسا في مسجد رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله إذ أقبل رجل فسلم، فقال من أنت عبدَ اللّه؟ قلت: رجل من أهل الكوفة فما حاجتك؟ قال: أتعرف أبا جعفر محمد بن علي؟ قلت: نعم، فما حاجتك اليه إذا كنت تعرف مابين الحق والباطل؟ قال لي: يا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون! إذا رأيت أبا جعفر فأخبرني.

فما انقطع كلامه حتى أقبل أبو جعفر وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحج. فمضى حتى جلس محله، وجلس الرجل قريبا منه، فجلست حيث استمع الكلام وحوله عالم من الناس. فلما قضى حوائجهم وانصرفوا التفت الى الرجل، فقال له: من أنت؟ قال له: أنا قتادة بن دعامة البصري. فقال له أبو جعفر: أنت فقيه أهل البصرة! قال: نعم. فقال: ويحك يا قتادة إن اللّه عزّوجل خلق خلقا فجعلهم حججا على خلقه، فهم أوتاد في أرضه، قُوّام بأمره، نجباء في علمه. اصطفاهم قبل خلقه، أظلة عن يمين عرشه.

ويبدو أن قتادة أدرك منذ اللحظات الاولى للقائه بالامام أنه أَمامَ حجة اللّه في أرضه، فاضطرب، ولم يخف اضطرابه، فبعد سكوت طويل قال: أصلحك اللّه، واللّه لقد جلست بين يدي الفقهاء، وقدّام ابن عباس، فما اضطرب قلبي قدّام أحد منهم ما اضطرب قُدّامك. فقال له أبو جعفر أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي «بيوت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر اللّه وإقام الصلاة وايتاء الزكاة» فانت ثم، ونحن أولئك… قال قتادة: صدقت واللّه…. (٨٩)

فالرواية تفصح عن التفاف الناس من أقاصى البلاد وأدانيها حول الامام وعن توجه الفقهاء الى الامام للتزوّد من علمه. وثمة رواية عن الأبرش الكلبي قال مشيرا الى الباقرعليه السلام: من هذا الذي احتوشه أهل العراق يسألونه؟ (٩٠).

لم يكن موقف السجاد صداميا مع عبد الملك بن مروان. نعم، كان أحيانا يجيبه بشدّة، نحو ما فعل في رسالته الجوابية حين عيّره عبد الملك بزواجه من أمته المحرَّرة (٩١). لكنه لم يكن يصطدم به. أما الامام الباقرعليه السلام في حركته ونشاطه قد بثّ الرعب والخوف في قلب هشام بن عبد الملك، ورأى الخليفة أن لابد من أن يضع الامام تحت المراقبة، ولذلك طلب منه أن يقدم الى الشام.

وثمة روايات تدل على أن الامام الباقر كان يدعو الى إقامة حكومة عادلة ويبشر باقامتها من ذلك قوله لشيخ: «إن تعش تَرَ مايقرّ اللّه به عينك» (٩٢).

وثمة رواية هامة للغاية عن الامام محمد بن علي الباقرعليه السلام تعيّن للخروج زمنا، وهي قضية مثيرة. في كتاب الكافي حديث عن أبي حمزة الثمالي بسند عال قال: سمعت أبا جعفرعليه السلام يقول: «يا ثابت إن اللّه تبارك وتعالى قد كان وقّت هذا الامر في السبعين، فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه استمرّ غضب اللّه تعالى على أهل الارض فأخره الى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الستر ولم يجعل اللّه بعد ذلك وقتا عندنا، ويمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب».

يقول أبو حمزة: حدثت بذلك أبا عبد الله‏عليه السلام، فقال: قد كان كذلك.

وسنة ١٤٠ هي ضمن سنوات حياة الامام الصادق‏عليه السلام، والرواية تؤيد ماذهبت اليه من أن الامام علي بن الحسين والامام محمد بن علي الباقرعليهما السلام كانا يمهّدان لعصر الامام الصادق.

وسنة ١٤٠ سبقتها حادثة سنة ١٣٥ التي تولى فيها المنصور العباسي الحكم. وإذا لم تكن حادثة تولّي بني العباس قد حدثت في التاريخ لكان التقدير أن تعلو راية الحكومة العلوية سنة ١٤٠. ولا أريد أن أدخل في تفاصيل هذه الرواية إذ تحتاج الى فصول مستقلة، ولا أدري هل يسعني‏الوقت للوقوف عندها أطول أم لا، ولكن هي باختصار تصرح بأن من المقرر أن تقوم سنة ١٤٠ه حكومة إسلاميّة، ولقد أخبرناكم بذلك فافشيتم، فأخّره اللّه الى وقت لم يجعله عندنا.

أعود فأقول إن طابع الكفاح السياسي لم يكن واضحا في حياة الامام زين العبادين، وأصبح واضحا في زمن الامام الباقرعليه السلام. وكان الامام الباقرعليه السلام يقدّم الادلة بصراحة على إمامته، بالمعنى الذي أوضحناه للامامة. وهذا موقف تحدّ خطير تجاه السلطة الحاكمة.

وهنا أقف عند ظاهرة الكفاح المسلح، لم تكن ظروف عصر الامام الباقر تسمح بذلك، لذلك حين استجازه زيد بن علي في القيام لم يأذن له، فلم يخرج.

وليس صحيحا مايقال إن زيدا خالف أمر الامام. وبعد الامام الباقر، استشار زيدٌ الامام الصادق فشجعه على الخروج، وبعد شهادته رضوان الله عليه ترحّم عليه الامام وتمنى أن يكون مع الخارجين معه.

على أي حال، كان عصر الامام الباقر عصر كفاح سياسي حادّ، وبعد وفاته أوقرَّ بما يجعل هذا الكفاح متواصلا حين أوصى أن تند به النوادب «عشر سنين بمنى أيام منى» (٩٣).

وبعد الامام الباقر يدخل الامام الصادق‏عليه السلام مرحلة جديدة من النشاط نلاحظ فيها التنظيم السري الايديولوجي السياسي اضافة الى نشاطه في تبيين مسألة الامامة الحقيقية وبيان أحكام مدرسة الاسلام (٩٤).

الجانب السياسي من حياة أئمة أهل البيت عليهم السلام

محاضرة أُلقيت في افتتاح مؤتمر الامام الرضا عليه السلام.

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول رب العالمين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

ضرورة الاهتمام بحياة الائمة

أرجو أن يتحقق في هذا الاجتماع أملا قديما من آمالنا في دراسة حياة أئمة أهل البيت‏عليهم السلام.

غربة هؤلاء الأئمة لم تقتصر على حياتهم، بل إن غربتهم استمرت بعدهم على مدى القرون، متمثلة بعدم الاهتمام بالجوانب الهامة بل الاصلية من حياتهم. المؤلفات التي دوّنت حول حياة أئمة الهدى عليهم السلام على مدى القرن لها دون شك أهمية قصوى، لانها استطاعت أن تجمع شتات الروايات المرتبطة بهم وتقدمها للاجيال ولكن الروايات التي تتناول حياتهم السياسية خلال مائتين وخمسين عاما من عهدهم المبارك قد اختفت - مع الاسف - بين الروايات والاحاديث التى ركزت على الجانب العلمي والمعنوي من حياتهم.

حياة أئمة أهل البيت عليهم السلام لاينبغي أن تبقى في حدود ذكريات في الاذهان والنفوس؛ بل لابدّ أن نتلقاها باعتبارها دروسا ومنهجا للحياة، وذلك لايتيسّر إلّا بدراسة سيرتهم السياسية. من هنا كان لي اهتمام بهذا الجانب من حياة الائمة عليهم السلام.

لابأس أن أذكر أن توجّهي بشكل جادّ لهذا اللون من الدراسة بدأ لاول مرة سنة ١٣٥٠ه. ش (١٣٩٢ه. ق) حين كنت أمضى فترة من فترات المحن الصعبة. نعم، لقد كنت قبل ذلك أنظر الى أئمة أهل البيت عليهم السلام باعتبارهم مجاهدين كبار مضحين على طريق اعتلاء كلمة التوحيد وإقامة الحكومة الالهية، لكن الفكرة التي انقدحت في ذهني آنئذ هى أن حياة هؤلاء العظام - رغم مافيها من تفاوت ظاهر دعا ببعض الدارسين الى القول بوجود تناقض في منهج حياتهم - تشكل بمجموعها حركة واحدةمستمرة متواصلة بدأت من السنة الحادية عشرة للهجرة واستمرت مائتين وخمسين عاما، أي حتى سنة مائتين وستين للهجرة إذ بدأ عصر الغيبة.

هؤلاء العظام يشكلون مجموعة واحدة وشخصية واحدة ويتجهون نحو هدف واحد. إذن لماذا ندرسهم بشكل تجزيئي؟ لماذا ندرس حياة الامام الحسن المجتبى والامام الحسين والامام علي بن الحسين السجادعليهم السلام، كلٌّ على حِدة؟ هذا اللون من الدراسة هو الذي أوقع بعض الدراسين في خطأ خطير حين فهم الاختلاف الظاهري في حياتهم على أنه تعارض وتناقض في سلوكهم! لابد أن نفترض حياتهم بأجمعهم على أنها حياة إنسان واحد عمّر مائتين وخمسين عاما، دخل الساحة سنة إحدى عشرة للهجرة وواصل العمل فيها حتى سنة مائتين وستين للهجرة. عندئذ يمكن أن نفهم نشاط هذا الانسان الكبير المعصوم ونفهم خلفيات هذا النشاط.

كل إنسان عاقل حكيم - حتى ولو لم يكن معصوما - يضع في خطته البعيدة المدى أو في استراتيجيته، ألوانا من الاساليب المناسبة للظروف أو ألوانا من التكتيك. قديجد من المناسب في فترة أن تكون الحركة عنيفة سريعة، وقد يجد من المناسب في فترة أخرى أن تكون الحركة بطيئة. وقد يتطلب الامر منه أحيانا أن يعمد الى تراجع أو انسحاب حكيم، غير أن هذا الانسحاب نفسه في معايير العلم والحكمة والمعايير الرسالية يعتبر تقدما الى الامام. وبهذه النظرة تكون حياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع حياة الامام المجتبى وحياة الامام الحسين، وحياة الأئمة الثمانية من ولد الحسين - عليهم جميعا سلام اللَّه - حتى سنة مائتين وستين للهجرة حركة واحدة متواصلة، وهذا هوالذي انقدح في ذهني تلك السنة، ثم رحت أدرس حياة الائمة بهذه النظرة، وكلما تعمّقت في الدراسة تأكدت لي هذه النظرة أكثر فأكثر.

الاتجاه السياسي في حياة الائمة

لايسعني في هذه الجلسة أن أتوسّع في هذه المقولة، ولكن أقصر كلامي على مسألة واحدة هي أن حياة أئمة أهل البيت عليهم السلام كانت مقرونة باتجاه سياسي. وهذا ما سأتناوله في الآن إن شاء اللّه.

في العالم الماضي كان لي في هذا المجلس كلمة تناولت فيها جانب الجهاد السياسي في حياة الائمة عليهم السلام عامة وفي حياة الامام الثامن بشكل خاص وأودّ أن أتناول هذا الجانب اليوم باذن اللّه تعالى بمزيد من التفصيل.

ما المقصود من الجهاد السياسي في حياة الائمة عليهم السلام؟

المقصود أن أئمة أهل البيت عليهم السلام لم يقتصر كفاحهم ونشاطهم على الجانب العلمي والعقائدي والكلامي، كما كان رائجا لدى الاشاعرة والمعتزلة وغيرهم من أصحاب المقالات والملل والنحل في عصرهم. لم يكن هدفهم من حلقات دروسهم ومن تصديهم للرواية وبيان الاحكام مقتصرا على تثبيت دعائم مدرستهم الكلامية أو الفقهية.

وليس المقصود من نشاط الائمة السياسي هو الكفاح المسلح الذي تبناه زيد بن علي وأبناؤه ثم بنو الحسن وبعض آل جعفر في تلك القرون. لم يكن لأئمة آل البيت‏عليهم السلام مثل هذا النشاط. وهنا لابد من الاشارة الى أن الائمة لم يدينوا ذلك الكفاح المسلح يشكل مطلق. بل كانوا يدينون بعض الثائرين لا لأنهم ثائرين بل لاسباب أخرى تتعلق بأهداف أولئك الثوار. وكانوا يؤيدون بعض الثائرين تأييدا كاملا، ويشاركونهم في ثورتهم ولو بدعم الصفوف الخلفية للثائرين، كقول الامام:

«لا أزال وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد ولوددت أن الخارجي من آل محمد خرج وعليّ نفقة عياله» (٩٥)

كانوا يقدمون لهم الدعم المالي والاعلامي، والمساعدة في التواري والاختفاء وأمثالها من المساعدات، لكنهم عليهم السلام لم يكونوا يخوضون ساحة الكفاح المسلح بأنفسهم. يقول الراوي: دفع اليّ أبو عبد الله الصادق جعفر بن محمد الف دينار وأمرني أن أقسمها في عيال من أصيب مع زيد بن علي (٩٦).

النشاط السياسي للأئمة لانقصد به ذاك الاول ولا هذا الثاني. بل هو النشاط الذي يستهدف في المآل إقامة حكومة إسلامية أو بتعبير آخر حكومة علوية.

التخطيط لاقامة حكومة اسلاميّة

الائمة عليهم السلام نشطوا منذ لحظة وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وآله حتى سنة مائتين وستين للهجرة لاقامة حكومة إلهية في المجتمع الاسلامي. وهذا هو أصل ادعائنا في هذا البحث.

طبعا لانستطيع أن نقول إن كل واحد من الائمة استهدف أن يقيم حكومة إسلامية في زمانه. بل إن كل واحد منهم انتهج لتحقيق هذا الهدف خطة متوسطة المدى، أو بعيدة المدى، وأحيانا قصيرة المدى. على سبيل المثال نعتقد أن الامام الحسن المجتبى‏عليه السلام، سعى لاقامة حكومة إسلامية في المستقبل القريب. وهذا ما نفهمه من قوله في خطبته لاصحابه بعد الصلح: «…. وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وقد رأيتُ أن أسالمه، وأن يكون ما صنعت حجّة على من كان يتمنّى هذا الأمر. وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع الى حين» (٩٧)

وقوله لحجر بن عديّ لما خلا به: «… وإني لم أفعل مافعلت إلّا إبقاء عليكم، واللّه تعالى كلَّ يوم هو في شأن» (٩٨).

وقوله للمسيب بن نجبة حين عاتبه على الصلح: «… فارضوا بقضاء اللّه وقدره حتى يستريح بَرٌّ ويُستراح من فاجر» (٩٩).

وفي زمن الامام علي بن الحسين السجاد عليه السلام اقتضت الخطة - على ما أعتقد - أن تكون ذات مدى متوسط. ولي على ذلك شواهد سأتناولها في هذه المحاضرة.

وفي زمن الامام الباقر عليه السلام كان التخطيط على أقوى الظن لاقامة حكومة على المدى القصير، وبعد استشهاد الامام الرضا عليه السلام كانت الخطة - على أكبر الاحتمال - لمستقبل بعيد. هذا معنى الجهاد السياسي. كل نشاطات الأئمة عليهم السلام - سوى الاعمال المعنوية والروحية المرتبطة بتربية نفس الانسان، وقربه من اللّه سبحانه - كانت تصب في هدف واحد. ولم يكن هذا الهدف سوى إقامة الحكومة الاسلامية. يشمل ذلك ماكانوا يتصدون له من دروس في التفسير والحديث والكلام، ومن حجاج مع خصومهم الفكريين والسياسيين، ومن مواقفهم السلبية أو الايجابية مع المجموعات العاملة في مجتمعهم. هذا ما ندعيه ونحاول أن نقدم له الشواهد التاريخية.

هذا الموضوع - كما ذكر فضيلة الشيخ الطبسي - موضع اختلاف. وأنا لا أريد أن أفرض رأيي، لكن أصرّ على ضرورة متابعة هذه المسألة بالدراسة والتمحيص، ضمن منهج إعادة النظر في حياة الأئمة عليهم السلام.

الأدلة والوثائق‏

كان سعينا خلال سنين تقديم الوثائق التاريخية والروائية لاثبات هذا الموضوع بالنسبة لحياة كل إمام، ولحياة مجموع الأئمة عليهم السلام.

بعض الاستدلالات لها طابع عام مثل إيماننا بأن الامامة استمرار للنبوة، والنبي هو أولا إمام. وهذا الاستدلال ورد على لسان الامام الصادق عليه السلام إذ قال:

«إن رسول اللّه كان هو الامام ثم كان علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين…. » (١٠٠).

ورسول الله صلى الله عليه وآله كان دائب الحركة لاقامة نظام العدل الالهي في مجتمعه. وأقامه بعد جهاد دام طويل، ودوافع عنه مدة حياته. ولذلك لايمكن أن يكون الامام غافلا عن هذه المهمة وهو وارث النبي وامتداده الرسالي. طبعا هذا الاستدلال يمكن التوسع فيه بمزيد من البحث والتحقيق، بالنظر الى أبعاده المختلفة.

وبعض الاستدلال يمكن أن يقوم على أساس كلمات الائمة عليهم السلام أو من سيرتهم وطريقتهم في الحياة، إذ حين يتضح الهدف العام تصبح كل تلك الكلمات والمواقف ذات معنى.

والواقع أن فهم ظروف الائمة عليهم السلام ومواقفهم يحتاج الى تفاعل مع تلك الظروف، وهذا ما عانيناه بأنفسنا. فالانسان في زنزانات السجون المظلمة يفهم أكثر العبارات التي نرددها دائما بالنسبة لائمة أهل البيت عليهم السلام كقولنا:

«السلام على المعذب في قعر السجون وظلم المطامير ذا الساق المرضوض بحلق القيود» (١٠١).

على أي حال هذا هو الاتجاه الذي أريد أن أسير فيه ببحثي هذا، لأعرض على هذا الجمع الكريم بعض تصوراتي الذهنية.

لو أردنا أن نبحث عن عنصر النشاط السياسي في حياة الائمة عليهم السلام بالمفهوم الذي أوضحناه، أي بالمفهوم الذي ينأى عن الصراع الكلامي وعن الكفاح المسلح، نستطيع أن نشبهه بالنشاط السياسي الذي انتهجه العباسيون خلال السنوات بين المائة أو قبل المائة للهجرة حتى سنة مائة واثنتين وثلاثين هجرية، حيث أقاموا دولتهم. وهذا التشبيه لايمكن فهمه الا لدى الدراسين للحركة العباسية خلال القرن الثاني الهجري. مع فارق جوهري في تشبيهنا بين الائمة وبني العباس في السلوك والاهداف والشخصية.

وجه الشبه التقريبي في النشاط والتخطيط. لذلك نجد خلطا في بعض المواضع بين التيارين. بنو العباس - لقرب أسلوب دعوتهم من آل علي - يدّعون في المناطق البعيدة عن الحجاز والعراق أنهم يمثلون خطّ آل علي. حتى أن المسوّدة وهم طلائع دعوة العباسيين في خراسان كانوا يقولون في انتخاب اللون الاسود لملابسهم:

«هذا السواد حداد آل محمد وشهداء كربلاء وزيد ويحيى» (١٠٢).

بل إن عددا من قادتهم كانوا يتصورون بأنهم يعملون من أجل آل علي.

المسيرة العامة لنشاط الائمة

بعد هذا التصوير لنشاط الائمة في الحقل السياسي وتشبيهه بنشاط بني العباس مع فارق كما قلنا في السلوك والاهداف والشخصية، أبدأ أولا باعطاء صورة للمسيرة العامة لنشاط الائمة عليهم السلام. بعد ذلك نعود الى بعض معالم هذا النشاط.

سوف لا أتطرق في حديثي الى حياة الائمة الثلاثة الاوائل أعني أمير المؤمنين علي والحسن والحسين‏عليهم السلام لأن البحوث المطروحة حولهم كثيرة، وليس لأحد تقريبا شبهة بشأن العنصر السياسي في نشاطهم وهدفهم. وأبدأ من عصر الامام السجاد عليه السلام وأعتقد أن حياة الأئمة منذ عصر السجاد، أي منذ سنة إحدى وستين هجرية حتى سنة مائتين وستين هجرية، وهي قرنان من الزمان تنقسم بشكل عام على ثلاثة أقسام:

الاولى - من سنة إحدى وستين للهجرة وهي سنة إمامة السجاد حتى سنة مائة وخمس وثلاثين وهي سنة وفاة السفاح وخلافة المنصور. وفي هذه المرحلة بدأت الحركة من نقطة ثم تدرّجت ونَمَت وتعمّقت واتسعت. وحين تولى المنصور الحكم تغير الوضع وظهرت مشاكل وعقبات، وتوقف كثير من معطيات الحركة، وهذا مايواجه كل حركة تقريبا، ونحن واجهناه أيضا في حياتنا السياسية.

والثانية: من سنة مائة وخمس وثلاثين حتى سنة مائتين واثنتين أو ثلاث أي سنة استشهاد الامام الرضاعليه السلام.

وفي هذه المرحلة تبدأ الحركة من نقطة أرفع من نقطة سنة إحدى وستين وأعمق منها وأوسع، لكنها تبدأ بمواجهة مشاكل جديدة، وباستمرار تتجذر الحركة وتتسع، وتقترب من تحقيق النصر، حتى سنة استشهاد الامام الرضا عليه السلام. وعندها تتوقف الحركة ثانية.

والثالثة: تبدأ بذهاب المأمون الى بغداد وبها يُفتَحَ فصل صعب شاق في حياة الأئمةعليهم السلام، يمكن تسميته بفصل محنة الأئمة. ومع أن انتشار التشيع كان في هذه المرحلة أكثر من أي وقت آخر، فان محنة الائمة كانت أيضا فيها - على ما أعتقد - أكثر من أي وقت مضى. وهذه هي مرحلة التخطيط والتحرك على المدى البعيد. أي إن الائمة ماكانوا يسعون خلالها لتحقيق مكسب قريب، بل كانوا يمهّدون الاجواء للاجيال القادمة. وهذه الفترة تبدأ كما ذكرنا من سنة مائتين وأربع وتمتد حتى سنة مائتين وستين وهي سنة استشهاد الامام الحسن العسكري عليه السلام وبدء عصر الغيبة الصغرى. ولكل من هذه المراحل الثلاث خصائص أذكرها باختصار:

عصر الامام السجادعليه السلام - جوّ الارعاب‏

المرحلة الاولى وهي عصر الامام السجاد تبدأ بصعوبات جمّة. حادثة كربلاء هزّت أركان الشيعة بل العالم الاسلامي بأجمعه. كان القتل والتشريد والتعذيب موجودا قبل هذه الحادثة، لكنّ قتل ولد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وأسر بيت النبوة وأخذهم من بلد الى بلد على رؤوس الاشهاد، ورفع رأس الحسين على الرمح أمام أنظار من يتذكر قبلات رسول اللّه على شفة صاحب هذا الرأس… كل هذه المشاهد أصعقت العالم الاسلامي. لم يكن أحد يصدّق أن الامر يصل الى هذه الدرجة. وما يروى عن زينب عليها السلام قولها:

ما توهمت يا شفيق فؤادي‏

كان هذا مقدرا مكتوبا (١٠٣)

إنما هو إشارة الى وضع الناس آنذاك. بوغت المسلمون أن البطش أصبح أكثر مما كانوا يتصورون. لقد حدث مالم يكن في الحسبان. وكاد الخوف يحبس الأنفاس في الصدور، ويخرس الالسنة ويشلّ الطاقات، لولا ظهور الثوارت التي كسرت حاجز الخوف لأمد ثم حين واجهت البطش، وفشلت عاد الخوف يلقى بظلاله الثقيلة أضعافا مضاعفة. ثار التوابون في الكوفة سنة ٦٤ه وواجهوا عملية إبادة رهيبة سنة ٦٥ه، وثار المختار في الكوفة أيضا انتقاما لشهداء كربلاء، وثار عبد اللّه بن الزبير في مكة، ولم يستطع ابن الزبير أن يتحمّل وجود المختار في الكوفة، فقضى عليه عن طريق أخيه مصعب، وكاد الامر يستتب لابن الزبير لولا خوف الناس من بطش الامويين، هذا الخوف هو الذي يسّر لمروان بن الحكم أن يسيطر على الامور بعد أن انفرط عقد البيت السفياني باستقالة معاوية بن يزيد. ثم بهذا التخويف وبعمليات البطش والتنكيل هذه سيطر عبد الملك بن مروان على العالم الاسلامي، وأخضع بلاد الاسلام بأجمعها الى الحكم الاموي.

ويلزمنا الوقوف قليلا عند وقعة «الحرة» فهي من الوقائع الهامة التي ظهرت فيها قسوة الامويين بشكل سافر فظيع.

في سنة اثنتين وستين ولي المدينة المنوّرة عثمان بن محمد بن أبي سفيان «وهو فتى غِرّ حَدَث لم يجرّب الامور ولم يحنّكه السنّ». أراد أن يوثّق علاقة رجال المدينة بيزيد. فأرسل وفدا من أهل المدينة الى يزيد فيهم عبد اللّه بن حنظلة غسيل الملائكة. فقدموا على يزيد فأكرمهم وأحسن إليهم، وأعظم جوائزهم، لكنهم استغربوا ما رأوه من فساد في بلاط الخليفة. حين عادوا الى المدينة قالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويضرب بالطنابير، وتعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الحُرّاب (اللصوص). وإنا نشهدكم أنا خلعناه. فسيّر يزيد الى أهل المدينة جيشا بقيادة مسلم بن عقبة، وهو الذي سُمّي مُسرفا، دافع أهل المدينة دفاعا شديدا وفيهم صحابة رسول اللّه، لكنهم انهزموا. فاباح مسلم المدينة ثلاثا لم يتركوا فيها حرمة الّا انتهكوها، وارتكبوا من الفظائع مايقصر اللسان عن ذكره. ثم دعا «مسرف» الناس الى البيعة ليزيد على أنهم خَوَل ليزيد يُحكّم في دمائهم وأموالهم وأهليهم مَن شاء. فمن امتنع من ذلك قتله» (١٠٤).

الانحطاط الفكري‏

وثمة ظاهرة أخرى الى جانب الارعاب والتخويف نشاهدها في هذا العصر هي الانحطاط الفكري لدى الناس في جميع أرجاء العالم الاسلامي، نتيجة إهمال تعاليم الدين والاستخفاف بفرائضه خلال عقدين مضت من الزمان. تذكر لنا الروايات مشاهد كثيرة من تزلزل ايمان الناس في هذا العصر وفراغهم الفكري والعقائدي. طبعا كان في المجتمع قراء ومحدثون وزهاد ووعّاظ، وسنأتي على ذكرهم. لكن عامة الناس كانوا يعانون من اختلال شديد في العقيدة والالتزام، وهذه الحالة هي التي جرّأت ابن الزبير أن يُلغي شهادة أنّ محمداً رسول اللّه من من الخطبة لا يوم. جمعة ولا غيرها، وحين سُئل عن سبب ذلك قال:

«واللّه ما يمنعني من ذكره علانية أني لا أذكره سرّا، وأصلّي عليه، لكني رأيت هذا الحيّ من بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبّت أعناقهم، وأبغض الاشياء اليّ مايسرّهم. وفي رواية: إن له أُهيل سوء» (١٠٥).

وهذه الحالة ذاتها هي التي جرّأت خالد بن عبد الله القسري - وهو من مرتزقة بنى اُمية المنحطين - أن يفضّل الخلافة على النبوة، وكان يستدل على هذا التفضيل بقوله:

«أيهما أفضل خليفة رجل في أهله أو رسوله الى أصحابه؟ !!».

ويتضح من كلام القسري أن الخليفة هو خليفة اللَّه، لا خليفة رسول اللَّه! وفي دراستي للشعر في العصر الاموي وجدت أن تعبير «خليفة اللَّه» قد تكررت عند الشعراء منذ عصر عبد الملك بن مروان، واستمرت في العصر العباسي، حتى اوشك تعبير «خليفة رسول اللَّه» أن ينسى. ونرى أن بشارين برد حين نهجو الخليفة المهدي يستعمل كلمة «خليفة اللَّه» أيضا!!

بني أمية هبّوا طال نومكم‏

إن الخليفة يعقوبُ بن داود

ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا

خليفةَ اللَّه بين الزقِّ والعودِ (١٠٦)

ومثل هذا التعبير نجده عند جرير والفرزدق وغيرهم من الشعراء المشهورين.

الفساد الاخلاقي في مكة والمدينة

ويلاحظ في الوثائق التاريخية أن عملية الافراغ العقائدي والروحي كانت منصبّة بالدرجة الاولى على مكة والمدينة، حيث أبناء المهاجرين والانصار، وحيث التابعون القريبو العهد بعصر صدر الرسالة… فترى هاتين المدينتين المقدستين قد خطط لهما لكي تكونا مركزا للهو والغناء والطرب. وبدأت الخطة على يد الامويين منذ زمن الخليفة الثالث، فملأوا المدينتين المقدستين بالآلات الموسيقية والمغنين والمغنيات، وانتشرت بيوت الطرب. وتشجّع الشعراء على هتك الحرمات والتعرض لنساء المهاجرين والانصار، والتغزّل بهنّ في أقدس المواسم وأقدس الامكنة. هذا عمر بن أبي ربيعة يذكر النساء المسلمات في شعيرة رمى الجمار ويقول:

بدا لي منها معصم حين جمّرت‏

وكف خضيب زينت ببنان‏

فلما التقينا بالثنيّةِ سلّمت‏

ونازعني البَغل اللعينُ عناني‏

فواللّه ما أدرى وإني لحاسب،

بِسبع رمين الجمر أم بثماني (١٠٧)

وكان شعر عمر بن ربيعة يجد في النفوس صدى عميقا، وينتشر بين الناس انتشارا واسعا، وهذا أيضا يدلل على الوضع الخلقي لتلك الفترة الزمنية.

يروى أن عمر بن أبي ربيعة حين مات. اشتد الحزن على جارية حبشية بمكة، وراحت نحوالمدينة أشدّ ماتكون حزنا وإعوالاء وهي تقول: مَن لمكة وشبابها وأباطحها ونزهها ووصف نسائها، وحسن جمالهنّ بعد عمر؟ ! فقالوا لها: خفّفي عليك، فقد نشأ من يأخذ مأخذه ويسلك مسلكه، ويعنون العَرجّي. ثم انشدوها شيئا من شعر العرجيّ في الغزل، فمسحت عينيها وضحكت، وقالت: الحمد للّه الذي لم يضيّع حَرَمَه (١٠٨) !! وهذا العرجيّ أيضا والاحوص ممن خاضوا في أعراض الناس، دون أن يردعهم أي رادع.

وتذكر لنا الروايات صورا عن انتشار بيوت الطرب وإقبال صنوف الناس عليها، فيهم الصعلوك مثل أشعب الطماع، وفيهم سراة قريش، وبعض بني هاشم أيضا ممن لا أودّ أن أذكر اسمه. بل وتنقل لنا مجالس طرب النساء من وجوه القرشيات واشتراك المغنين الرجال فيها. وهكذا انتشار الخمرة والتهاون في إجراء الحدود على تعاطيها. ويبلغ التهاون بالدين درجة أنّ الوالي منع رفع الأذان في الحرم المكي لدن وقته بامر عائشة بنت طلحة كي لا يقطع الاذان طوافها، وحين اعترضوا عليه لتأخير الاذان والصلاة من أجل امرأة، قال: واللّه لو طال طوافهها حتى صباح غد لما أجزت رفع الاذان.

الفساد السياسي‏

وفي هذا الجوّ المتحلّل انهارت حتّى معنويات بعض الشخصيات الاسلامية البارزة، وسقطوا في سبيل تحقيق متاع رخيص وأمل دنيوي تافه. من أولئك محمد بن شهاب الزهري. فقد كان يوما تلميذا للامام السجاد عليه السلام، غير أن معنوياته الهاطبة دفعته الى الارتباط بالجهاز الحاكم، وعلى أثر ذلك وجه اليه الامام السجاد رسالته المعروفة، وهي سند تاريخي هام. وعبارات الرسالة لها دلالات كبرى على الموقف الساسي للامام السجاد، منها قوله: «ولا تحسبنّ اللّه قابلا منك بالتعذير ولا راضيا منك بالتقصير، هيهات هيهات ليس كذلك، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال: «لتبيننّه للناس ولا تكتمونه» واعلم أن أدنى ماكتمت وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم، وسهّلت له طريق الغيّ بدنوّك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دُعيت، فما أخوفني أن تبوء باثمك غدا مع الخونة، وأن تُسأل عمّا أخذت باعانتك على ظلم الظلمة…» (١٠٩).

مسؤولية الامام السجاد (ع)

في مثل هذه الظروف يبدأ عمل الامام السجادعليه السلام على ثلاثة محاور: الاول، نشر مفاهيم الدين، باعتبار أن الوعي الديني ضرورة لازمة لاقامة المجتمع المسلم والدولة الاسلامية. والثاني تبيين مسألة الامامة ومعنى الامام، لأن الناس كانوا ينظرون الى عبد الملك بأنه هو الامام. والثالث، إعلان إمامته هو، وأن يقول: إنه هو الامام.

وثمة روايات أخرى لها دلالات على الوضع الاجتماعي الذي عمل فيه الامام السجادعليه السلام. منها قوله: «ارتدّ الناس بعد الحسين الا ثلاثة…. » (١١٠) … ومنها قوله: «ما بمكة والمدينة عشرون رجلا يحبنا» (١١١) …

ومنها قوله: «ما ندري كيف نصنع بالناس إن حدثناهم بما سمعنا من رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله ضحكوا، وإن سكتنا لم يسعنا» (١١٢).

مفهوم الامامة

ولابد أن أشير الى أن مفهوم «الامام» الذي شاع عندنا خلال القرون الاخيرة يختلف كل الاختلاف عن معنى الامام في القرون الاسلامية الاولى. في القرون الاولى كان مفهوم الامام هونفسه الذي نفهمه اليوم بعد قيام الجمهورية الاسلامية أي حاكم الدين والدنيا. لكن القرون الاخيرة شهدت انفصال «الحاكم» عن «الامام» … الحاكم يتولى امور الساحة الحياتية بكل مافيها من حرب وسلم وادارة سياسية واقتصادية. والامام يتولى هدايةالناس في عقائدهم وعباداتهم… وهذا الانفصال أدّى الى أن نفهم الامام في القرون الاخيرة فهما خاطئا، فهمناه أنه العالِم الذي يتولى أمر العقائد والعبادات، وأما أمر الدنيا فهو من شؤون الخليفة… لم يكن الامر كذلك في القرون الاولى. كل المسلمين بكافة فرقهم كانوا يفهمون أن معنى الامام هو حاكم امور الدين والدنيا. كان حكام بني أمية يدعون أنهم أئمة المسلمين وحكام بني العباس كانوا يدعون ذلك أيضا، رغم أن بين الحكام الامويين والعباسيين ممّن ضربوا أرقاما قياسية تاريخية في مستوى فسقهم وفجورهم. لايسمح لنا الوقت بالحديث عن هذه المسألة اكثر، ونكتفي بالقول إنّ المجتمع الاسلامي في عصر السجاد كان له إمام… وهذا الامام هو عبد الملك بن مروا

ن!! والامام السجاد اهتم بتوضيح الشروط التي يجب أن يتحلّى بها الامام ويبيّن أبعاد مسألة الامامة. ليخلص الى النتيجة الحقيقية وهي إفهام المجتمع بأنه هو الامام.

ثم إن الانحطاط الخلقي في مجتمع الامام السجادعليه السلام حمّل الامام مسؤولية انتشال الافراد من مستنقع الرذيلة… وتوجيه الناس توجيها معنويا … وهي عملية لازمة لاعادة الحياة الاسلامية… وما خلفه الامام السجّاد من تراث عظيم جُمع في «الصحيفة السجادية» يبيّن نهج الامام في هذا السبيل… كان يركّز على الترفع عن السقوط، والتعامل مع الدنيا تعامل القائد لا المنقاد… وتعامل الحرّ لا العبد… وهي تعاليم الاسلام في الزهد: «ألا حُرٌّ يدع هذه اللماظة لاهلها؟ ! فليس لانفسكم ثمن الّا الجنّة فلا تبيعوها بغيرها».

والامام السجاد أشاع هذه المفاهيم، على الصعيد العام، وربّى أفرادا عليها في المستوى الخاص… وبذلك توفّرت الظروف المعنوية للالتحاق بمدرسة آل البيت. ومن هنا يقول الصادق‏عليه السلام «ثم إن الناس لحقوا وكثروا» بعد قوله: «ارتد الناس بعد الحسين…».

نصّان هامّان‏

وثمة نصان هامان في كتاب «تحف العقول» هما من أطول ما نقل عن الامام علي بن الحسين السجادعليه السلام يبينان نهجين مختلفين للامام في نشاطه. الاول: يتحدث الى عامة الناس، ويبدأ بعبارة: أيها الناس. يذكّر فيها المخاطبين بواقع دنياهم ومسؤوليتهم تجاه ربهم ونبيهم ودينهم، وما ينتظرهم في الآخرة من نعيم أو عقاب. ويحذّرهم من المعاصي، ويحثّهم بشكل خفيّ على عدم الركون الى الظالمين ويقوله: «ولا تركنوا الى الدنيا، فان اللّه قال لمحمدصلى الله عليه وآله: «ولا تركنوا الى الذين ظلموا فت‏٠مسكم النار»، ولا تركنوا الى هذه الدنيا ومافيها ركونَ من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، فانها دار قلعة، ومنزل بُلغة، ودار عمل، فتزوّدوا الاعمال الصالحة قبل تفرّق أيامها…» (١١٣).

هذا النص واضح في أنه كان خطابا لعامة الناس. غير أن النص الثاني واضح في خصوصية خطابه، ولابدّ أن يكون الامام قد ألقاه على مجموعة خاصة من أصحابه حيث يبدأ كلام الامام بقوله:

«كفانا اللّه وإياكم كيد الظالمين، وبغي الحاسدين، وبطش الجبارين.

أيها المؤمنون! لا يفتننكم الطواغيت من أهل الرغبة في الدنيا المائلون اليها، المفتونون بها، المقبلون عليها…. » (١١٤).

وهكذا استمر عمل الامام السجاد مدة٣٥ عاما بشكل هادئ في جوّ مظلم مدلهم، يسعى لانتشال الظالمين في دياجير الشهوات أو في حبائل السلطة المتجبّرة أو علماء السوء من جهة، ومن جهة أخرى يسعى لتكوين المجموعة المؤمنة الصالحة لكي تكون قاعدة انطلاق لمراحل تالية من العمل الاسلامي.

حياة الامام السجاد بحاجة الى ساعات طوال، اكتفي بهذا القدر وانتقل الى الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام.

عصر الامام الباقرعليه السلام‏

لقد سار الامام الباقر على نهج أبيه مع فارق بين ظروفه والظروف السابقة. نهجه كان أيضا نشر تعاليم الاسلام، لكن ظروفه قد تحسنت.

فهاهو يدخل المسجد وقد التف حوله أهل خراسان وغيرهم، ويتقدم اليه قتادة بن دعامة البصري فقيه أهل البصرة فيسأله ويتزود من علمه.

روى الكليني في الكافي بسنده عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت جالسا في مسجد رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله إذ أقبل رجل فسلم، فقال من أنت عبدَ اللّه؟ قلت: رجل من أهل الكوفة فما حاجتك؟ قال: أتعرف أبا جعفر محمد بن علي؟ قلت: نعم، فما حاجتك اليه إذا كنت تعرف مابين الحق والباطل؟ قال لي: يا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون! إذا رأيت أبا جعفر فأخبرني.

فما انقطع كلامه حتى أقبل أبو جعفر وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحج. فمضى حتى جلس محله، وجلس الرجل قريبا منه، فجلست حيث استمع الكلام وحوله عالم من الناس. فلما قضى حوائجهم وانصرفوا التفت الى الرجل، فقال له: من أنت؟ قال له: أنا قتادة بن دعامة البصري. فقال له أبو جعفر: أنت فقيه أهل البصرة! قال: نعم. فقال: ويحك يا قتادة إن اللّه عزّوجل خلق خلقا فجعلهم حججا على خلقه، فهم أوتاد في أرضه، قُوّام بأمره، نجباء في علمه. اصطفاهم قبل خلقه، أظلة عن يمين عرشه.

ويبدو أن قتادة أدرك منذ اللحظات الاولى للقائه بالامام أنه أَمامَ حجة اللّه في أرضه، فاضطرب، ولم يخف اضطرابه، فبعد سكوت طويل قال: أصلحك اللّه، واللّه لقد جلست بين يدي الفقهاء، وقدّام ابن عباس، فما اضطرب قلبي قدّام أحد منهم ما اضطرب قُدّامك. فقال له أبو جعفر أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي «بيوت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسيبح له فيها بالغدوّ والاصال رجال لا تلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر اللّه وإقام الصلاة وايتاء الزكاة» فانت ثم، ونحن اولئك… قال قتادة: صدقت واللّه…. (١١٥)

فالرواية تفصح عن التفاف الناس من أقاصى البلاد وأدانيها حول الامام وعن توجه الفقهاء الى الامام للتزوّد من علمه. وثمة رواية عن الأبرش الكلبي قال مشيرا الى الباقرعليه السلام: من هذا الذي احتوشه أهل العراق يسألونه؟ (١١٦).

التفاف الناس حول أهل البيت ازداد - إذن - في هذا العصر، وبنفس النسبة ازداد زخم التحرك السياسي للامام الباقرعليه السلام.

لم يكن موقف السجاد صداميا مع عبد الملك بن مروان. نعم، كان أحيانا يجيبه بشدّة، نحو ما فعل في رسالته الجوابية حين عيّره عبد الملك بزواجه من أمته المحرَّرة (١١٧). لكنه لم يكن يصطدم به. أما الامام الباقرعليه السلام في حركته ونشاطه قد بثّ الرعب والخوف في قلب هشام بن عبد الملك، ورأى الخليفة أن لابد من أن يضع الامام تحت المراقبة، ولذلك طلب منه أن يقدم الى الشام.

وثمة روايات تدل على أن الامام الباقر كان يدعو الى إقامة حكومة عادلة ويبشر باقامتها من ذلك قوله لشيخ: «إن تعش تَرَ مايقرّ اللّه به عينك» (١١٨).

وثمة رواية هامة للغاية عن الامام محمد بن علي الباقرعليه السلام تعيّن للخروج زمنا، وهي قضية مثيرة. في كتاب الكافي حديث عن أبي حمزة الثمالي بسند عال قال: سمعت أبا جعفرعليه السلام يقول: «يا ثابت إن اللّه تبارك وتعالى قد كان وقّت هذا الامر في السبعين، فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه استمرّ غضب اللّه تعالى على أهل الارض فأخره الى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الستر ولم يجعل اللّه بعد ذلك وقتا عندنا، ويمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب» (١١٩).

يقول أبو حمزة: حدثت بذلك أبا عبد الله‏عليه السلام، فقال: قد كان كذلك.

وسنة ١٤٠ سبقتها حادثة سنة ١٣٥ التي تولى فيها المنصور العباسي الحكم. وإذا لم تكن واقعة تولّي بني العباس، وتولّي المنصور قد حدثت في التاريخ لكان التقدير أن تعلو راية الحكومة العلوية سنة ١٤٠. ولا أريد أن أدخل في تفاصيل هذه الرواية إذ تحتاج الى فصول مستقلة، ولا أدري هل يسعني‏الوقت للوقوف عندها أطول أم لا، ولكن هي باختصار تصرح بأن من المقرر أن تقوم سنة ١٤٠ه حكومة إسلاميّة، ولقد أخبرناكم بذلك فافشيتم، فأخّره اللّه الى وقت لم يجعله عندنا.

أعود فأقول إن طابع الكفاح السياسي لم يكن واضحا في حياة الامام زين العابدين، وأصبح واضحا في زمن الامام الباقرعليه السلام، ولكن لا بمعنى الكفاح المسلح.

وهنا أقف عند ظاهرة الكفاح المسلح، واشير الى أن عصر الامام الباقر عليه السلام لم يكن يسمح بذلك، لذلك حين استجازه زيد بن علي في القيام لم يأذن له، فلم يخرج.

وليس صحيحا مايقال إن زيدا خالف أمر الامام. فان زيدا استشار الامام الصادق‏عليه السلام، بعد وفاة الامام الباقرعليه السلام فشجعه على الخروج وبعد شهادته رضوان الله عليه ترحّم عليه الامام وتمنى أن يكون مع الخارجين معه.

على أي حال، كان عصر الامام الباقر عصر كفاح سياسي حادّ، وبعد وفاته أوصى بما يجعل هذا الكفاح متواصلا حين أوصى أن تند به النوادب «عشر سنين بمنى أيام منى» (١٢٠).

عصر الامام الصادق‏عليه السلام‏

بدأ عصر إمامة جعفر بن محمد الصادق‏عليه السلام سنة ١١٤ه، واستمر حتى سنة ١٤٨ه. ومرّ بمرحلتين متمايزتين، إحداها من ١١٤ حتى سنة ١٣٢ وهي سنة استيلاء بني العباس على الخلافة، أو حتى سنة ١٣٥ وهي سنة تولّي المنصور. وهذه الفترة يمكن أن نسميها فترة انفراج، وهي الفترة التي عرفت بتوفر الفرصة لنشر معارف أهل البيت عليهم السلام، بسبب النزاع بين بني اُمية وبني العباس. وهذه الفرصة لم تتوفر في عصر الامام الباقرعليه السلام. بل كان عصر الامام الباقر مقرونا باقتدار بني اُمية، «وكان هشام رجلهم» كما قيل، وأكثر خلفاء بني اُمية قدرة بعد عبد الملك.

في هذه المرحلة الاولى من عصر الامام الصادق كان العالم الاسلامي من أفريقيا حتى خراسان وما وراء النهر يعيش صراعات حادّة، وواجه الحكم الاموي خلالها مشاكل متفاقمة ممّا وفّر الفرصة للامام الصادق‏عليه السلام أن ينشر معارف أهل البيت، وأن يركز على نفس المحاور التي ركز الامام السجاد عليها وهي: نشر مفاهيم الدين، وتبيين مسألة الامامة، وإعلان إمامته هو. وهذه الثالثة مشهودة بوضوح في المرحلة الاولى من حياة الامام الصادق‏عليه السلام.

ومن الامثلة على ذلك إعلان إمامته يوم عرفة (١٢١). ومن ذلك اتجاه الدعاة الى خراسان للدعوة «الى ولاية جعفر بن محمد» (١٢٢)، وغيرها من الامثلة والشواهد التي ترتبط على أغلب الظن بهذه المرحلة.

أما المرحلة الثانية التي تبدأ بتولي المنصور فتتغير الاوضاع فيها، وتعود الى حالة قد تشبه عصر الامام الباقرعليه السلام. يسود جوّ من الارهاب والبطش، وينفى الامام مرارا الى الحيرة أو واسط أو الرميلة أو أماكن أخرى… ويخاطبه الخليفة مرارا بحدّة، وقال له مرة: «قتلنى اللَّه إن لم أقتلك» (١٢٣)، وأمر مرة «أن أحرق على جعفر بن محمد داره»، ويمرّ الامام بين النيران وهو يردّد عبارات مليئة بالتوكل والتحدّي ويقول: «أنا ابن أعراق الثرى أنا ابن محمد المصطفى» (١٢٤).

طبعا هناك روايات عن تودد الامام وتذلله أمام الخليفة، وتوصلت بعد دراستي لها أنها مجعولة ولا أصل لها، وتتتصل غالبا بالربيع الحاجب الفاسق القريب من المنصور. ومن الغريب أن بعضهم ذكر أن الربيع من الشيعة ومن الموالين لاهل البيت! اين الربيع من التشيع؟ !. الربيع بن يونس خادم المنصور، تربى منذ نعومة أظفاره في جهاز العباسيين، ثم أصبح حاجب المنصور، وقدّم لهذه الاسرة خدمات كثيرة، ثم بلغ منصب الوزارة. وعند وفاة المنصور أوشكت أن تخرج الوزارة من أسرة هذا الخليفة، وكان من الممكن أن تنتقل الى أعمامه. غير أن الربيع زوّر وصيّة تقضي بانتقال الخلافة الى المهدي. والفضل بن الربيع ابنه أصبح بعد ذلك وزيرا لدى هارون والامين. وكلما قاله الربيع هذا بشأن الامام كذب وافتراء، وكان هدفه الاساءة الى سمعة الامام، لاضعاف معنويات أتباع مدرسة أهل البيت.

على أي حال كانت المواجهة بين الامام الصادق والمنصور حادة انتهت باستشهاد الامام سنة ١٣٨ه.

عصر الامام الكاظم‏عليه السلام‏

في متابعتنا للمسيرة العامة لنشاط الامة نصل الى فصل مهيّج جدا تبلغ فيه حركة الكفاح ذروتها، يتمثل في عصر الامام الكاظم‏عليه السلام.

لا تتوفر بين أيدينا مع الاسف وثائق كافية عن حياة هذا الامام. ولكن بعض هذا المتوفر منها يثير الدهشة والاستغراب.

بعض الروايات تذكر أن الامام كان لمدة بعيداً عن أنظار أعوان السلطة، وربما كان خلالها متواريا عن الانظار. جهاز هارون يتعقبه ولا يعثر عليه. ويلقي القبض على أفراد فيعذبهم ليدلوا بمعلوماتهم عن مكان الامام الكاظم. وهذه ظاهرة فريدة في حياة الائمةعليهم السلام.

ومن تلك الروايات ما ينقله ابن شهراشوب إذ يقول: «دخل موسى بن جعفر بعض قرى الشام متنكرا هاربا» (١٢٥) ! مثل هذا لا نجده في حياة أي واحد من الأئمة.

من هذه الروايات نفهم قضية سجن الامام المؤبد في الطوامير. لأن أمر الرشيد في بداية خلافته كان على نحو آخر مع الامام الكاظم‏عليه السلام. يروي الامين أن هارون حين قدم الى المدينة بعد الحج وفد عليه الامام الكاظم وهو راكب على ظهر حمار، فأمر هارون أن لا ينزل الامام من دابته الّا على بساطه، إجلالا واحتراما. فمازال يسير على حماره حتى سار الى البساط، والحجاب والقواد محدقون به.

والرواية تذكر بعد ذلك أن الامام تحدث الى هارون عن ضائقة معيشته، وهو حديث يعرفه من مارس التقية في أيام الكفاح السياسي، فمثل هذه الاقوال تصرف عادة الخصم عن حال المتكلم ونشاطه… ويفترض بمثل هذا الحديث أن يستدرّ عطاء هارون، لكنه لم يزد على أن يعطيه مائتي دينار.

يقول الامين: فقمت في صدره وقلت … تعطي أبناء المهاجرين والانصار وسائر قريش، وبني هاشم، ومن لا يعرف حسبه ونسبه خمسة آلاف دينار… وتعطي موسى بن جعفر وقد أعظمته وأجللته مائتي دينار؟ ! أخسأ عطية أعطيتها أحدا من الناس؟ فقال الرشيد: اسكت لا أمّ لك، فاني لو أعطيت هذا ما ضمنته له، ما كنت آمنه أن يضرب وجهي غدا بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه. وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وغناهم (١٢٦).

يظن بعضهم أن هواجس الرشيد ناتجه عن سعاية الساعين، وليس الامر كذلك، ما كان يخشاه الرشيد إنما هو خطر حقيقي يتهدده من الامام وأتباعه. وهذا الاحساس بالخطر هو الذي دفع بالرشيد الى أن يتعقب الامام ويطارده، ثم يسجنه حتى آخر عمره.

عصر الامام الرضا عليه السلام‏

عصر الامام الرضا يمتاز أيضا بالانفراج وتحسّن الاوضاع وانتشار التشيع، وينتهى بتولي الامام العهد. كان الامام في عصر الرشيد يعمل ويتحرك ولكن ضمن إطار التقية ونستطيع أن نفهم عمل الامام الرضاعليه السلام في عصر الرشيد من خلال احتفال الامة عند إعلان ولايته للعهد. نرى وفود الشعراء مثل دعبل الخزاعي وابراهيم بن العباس عليه وانشاده قصائد تدل على فهم لمكانة الامام ومنزلته، كما نرى احتفالات غير معهودة في المدينة والري وخراسان ومناطق أخرى، وهذه لا يمكن أن تحدث فجأة من دون مقدمات. وما حدث خلال فترة تولى الامام ولاية العهد (وهي حادثة مهمة جدا أشرت في كلمتي الموجهة الى المؤتمر السابق الى أسبابها ومقدماتها) يدل بوضوح على مدى ارتباط الامة بآل البيت في عصر الامام الرضاعليه السلام.

على أي حال، الاختلاف بين الامين والمأمون والنزاع بين خراسان وبغداد على مدى خمسة أعوام وفّر فرصة عمل واسع للامام وبلغت ذروته بمسألة تولي العهد. ولكن حادثة استشهاد الامام قد قطع على هذه المسيرة طريق الاستمرار، وبدأ عصر جديد عادت فيه المحن تنصب على أهل البيت، وأعتقد أن عصر الامام الجوادعليه السلام وما تبعه هو أشدّ العصور وأقساها على أهل بيت رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله. وهذه هي الصورة العامة للحياة السياسية لائمة أهل البيت عليهم السلام.

بعض معالم التحرك النضالي‏

ذكرت من قبل أن بحثي هذا عن الجانب السياسي لحياة أئمة أهل البيت على قسمين: الاول يتناول المسيرة العامة لحياتهم السياسية، والثاني يقدم بعض معالم هذا التحرك.

لا يسع الوقت لافصّل الحديث في جميع هذه المعالم، بل أشير الى بعضها، من خلال مذكراتي القديمة، ذاكرا عناوينها، تاركا التفصيل لمن يريد البحث والدراسة فيها.

الدعوة الى الامامة

ادعاء الامامة والدعوة اليها ظاهرة واضحة في حياة الأئمة، وهي دائما تدل على موقف سياسي. والكتب الحديثية فيها كثير من هذه الروايات تجدها في الفصل المعقود تحت عنوان: «الائمة نور اللَّه» (١٢٧). ورواية الامام الثامن في تعريف الامامة (١٢٨). والعديد من الروايات في حياة الامام الصادق ومناظرات أصحابه. وهكذا ماروي في حياة الامام الحسين في أحاديثه مع أهل العراق، وروايات كثيرة أخرى.

انطباع الخلفاء عن تحرك الائمة

تلاحظون أن فهم الخلفاء منذ عصر عبد الملك حتى زمن المتوكل لنشاط الائمة كان بشكل واحد، كان الخلفاء وأعوانهم ينظرون الى الائمة نظرة تكاد تكون مشتركة، ومن الطبيعي أن يتخذوا تجاههم موقفا مشتركا واحدا. وهذه مسألة هامة يجب الوقوف عندها طويلا والتعمق فيها. على سبيل المثال قيل عن موسى بن جعفرعليه السلام: «خليفتان يجبى اليهما الخراج» (١٢٩)، وقيل عن على بن موسى الرضاعليه السلام: «هذا علي ابنه قد قعد وادّعى الامر لنفسه» (١٣٠) وأمثالها من العبارات التي تدل عن كيفية فهم الخلفاء وأعوانهم لنشاط أئمة أهل البيت. وهذه مسألة هامة أخرى.

إصرار الخلفاء عل ادعاء الامامة

اصرار الخلفاء على ادعاء الامامة لأنفسهم، وحساسية الشيعة من ذلك، معلم آخر لموضوعنا هذا. نرى مثلا الشاعر كثير بن عبد الرحمن - حين يلومه الامام الباقر على امتداحه عبد الملك - يقول: ما قلت له يا إمام الهدى (١٣١) … حساسية هذا الشاعر الموالي لآل البيت إذن من كلمة «امام الهدى». وهذا أيضا يشير من جهة أخرى الى رغبة الخليفة في أن يقال له: «إمام الهدى».

ومروان بن أبي حفصة (الذي خدم بالبلاطين الاموي والعباسي ومدح خلفاء الاسرتين، وهذا من العجيب!) كان يركز في مدحه لخلفاء بني العباس على إثبات إمامتهم للمسلمين ونفى أمامة أهل البيت عليهم السلام، يقول:

أنّى‏ يكون وليس ذاك بكائن‏

لبني البنات وراثة الاعمام‏

فالنزاع إذن بين العباسيين وآل البيت كما صوره الشاعر هو نزاع حول الخلافة.

وينهض الشاعر الطائي الشيعي فيجيبه:

لِمَ لا يكون؟ وإنّ ذاك لكائن‏

لبني البنات وراثة الاعمام‏

للبنت نصف كامل من ماله‏

والعمّ متروك بغير سهام (١٣٢)

تأييد الائمة للتحرك النضالي العنيف‏

وهذا معلم هام آخر يدل على اتجاه نشاط الائمة عليهم السلام. من ذلك ماقاله الامام الصادق بشأن المعلّى بن خُنيس عندما قتله داود بن علي، وبشأن زيد بن علي وبشأن الحسين بن علي شهيد فخ وآخرين.

وفي نور الثقلين رواية مثيرة عن علي بن عقبة قال:

«إن أبي قال: دخلت أنا والمعلى على أبي عبد اللَّه (الصادق) عليه السلام فقال: أبشروا! أنتم على إحدى الحسنيين، شفى اللَّه صدوركم، وأذهب غيظ قلوبكم، وأنالكم من عدوّكم، وهو قوله تعالى: «ويشف صدور قوم مؤمنين» وإن مضيتم قبل أن تروا ذلك مضيتم على دين اللَّه الذي رضيه لنبيه‏صلى الله عليه وآله ولعلي‏عليه السلام» (١٣٣).

وأهمية هذه الرواية أنها تتحدث عن جهاد وانتصار وقتل.

ويزيد أهميتها أن المخاطب فيها المعلّى بن خنيس الذي نعرف مصيره. والحديث يبدأ بدون مقدمات كأنه يتحدث عن واقعة، وهي غير معلومة لدينا.

وعبارة «شفى اللَّه صدوركما» تحتمل أن تكون دعاء من الامام، وتحتمل أن تشير الى حادثة قد وقعت. هل كان هذان الاثنان قادمين من مهمة خطرة يعلم بها الامام؟ الا يحتمل أن يكون الامام هو الذي أرسلهما في هذه المهمة؟ على أي الاحتمالين، كلام الامام يدل على تأييده للحركات الحادّة النضالية التي تتجلى في حياة المعلى بن خنيس.

ومن المهم أن نعرف أن المعلّى «باب» الامام الصادق‏عليه السلام. وهذا التعبير (باب) من الموضوعات التي تحتاج الى دراسة. فهؤلاء الذين اشتهروا بأنهم «باب» الائمة قد استشهدوا غالبا أو هدّدوا بالقتل مثل: يحيى بن أم الطويل، والمعلّى بن خنيس، وجابر بن يزيد الجعفي….

سجن الائمة ونفيهم وتشريدهم‏

من الفصول التي أرى ضرورة دراستها بدقة هذا الفصل من حياة أئمة أهل البيت‏عليهم السلام. وفيه كثير من الابعاد والموضوعات والنصوص. ولا يسع الوقت للوقوف عندها.

صراحة لهجة الأئمة وحدتها مع الخلفاء

هذه الظاهرة أيضا تجدها بوضوح في تعامل الائمة مع الخلفاء، ولو كان الائمةعليهم السلام محافظين ومهادنين لكانوا مثل بقية الوعاظ والزهاد في تلك العصور. كان أولئك الوعاظ والزهاد يدخلون على الخلفاء فيعظونهم، وكان الخلفاء يودّونهم.

يقول الرشيد عن أحد هؤلاء:

كلكم يمشي رويد كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد

ينصحونهم ويعظونهم حتى يدفعونهم أحيانا الى البكاء، لكنهم يحذرون أشدّ الحذر من أن يواجهوهم بكلمة تجرحهم. لا يذكرونهم أبدا بتجبرهم وطغيانهم وغصبهم. أما الائمة فكانوا يصارحونهم بذلك. ولا يأبهون أبدا لهيبة الخليفة وقدرته.

حدّة الخلفاء مع الائمة

وهو محور آخر يمكن دراسته في هذا المجال، كالذي حدث بين المنصور والامام الصادق‏عليه السلام، أو بين هارون وموسى بن جعفر عليه السلام، وقد أشرنا الى بعض ذلك من قبل.

استراتيجية الامامة

من المعالم الهامة اللطيفة في هذا المجال أقوال الائمة الدالة على استراتيجية الامامة. إننا نرى في بعض أقوالهم ومباحثاتهم عبارات غير عاديّة تكشف عن هذه الاستراتيجية.

من ذلك حوار بين الامام موسى بن جعفرعليه السلام وهارون الرشيد حول فدك.

قال هارون للامام: «حُدَّ لي فدكا حتى أردّها اليك». ظنّ هارون أنه بذلك يستطيع أن يسلب آل البيت شعار ظلامتهم الذي طالما رفعوه مطالبين بفدك.

امتنع الامام في أول الامر، وحين أصرّ عليه الرشيد قال الامام: «لا أخذها إلا بحدودها».

قَبِل الرشيد بذلك، وبدأ الامام يذكر حدود فدك فقال: «أما الحد الاول فَعَدَن». وَعَدَن تعنى نهاية الجزيرة العربية… تقول الرواية: فتغير وجه الرشيد وقال: إيها!. قال الامام: «والحدّ الثاني سمرقند» أي أقصى شرق حكومة هارون. فاربدّ وجه هارون. ثم قال الامام: «الحد الثالث أفريقية» أي أقصى غرب البلاد الاسلامية. فاسودّ وجه هارون وقال: هيه! ثم قال الامام: «والحدّ الرابع سيف البحر مما يلي الجزر وأرمينية» أي أقصى شمال العالم الاسلامي آنذاك.

استشاط هارون غضبا وقال ساخرا: فلم يبق لنا شي‏ء، فتحول الى مجلسي… أي اجلس على سرير الخلافة مكاني!

وتقول الرواية بعد ذلك: إن الامام قال: قد أعلمتك أنني إن حددتها لم تردّها، فعند ذلك عزم على قتله (١٣٤).

ومثل هذا المدّعى نراه عند الامام الباقر والصادق والرضا عليهم السلام. وبمجموعه يرسم استراتيجية الامامة.

فهم الاصحاب لسيرة الائمة

من المحاور الهامة في دراسة حياة الائمة الكشف عن فهم أصحابهم لسيرتهم. فانهم كانوا أقرب الى الائمة وأكثر فهما لاهدافهم، فكيف كانوا يفهمون هذه الاهداف؟

نحن نرى أن هؤلاء الاصحاب كانوا ينتظرون «خروج» الائمة. نرى رجلا يقدم على الامام الصادق من خراسان ويخبره بأنّ بضعة آلاف من المسلحين ينتظرون في خراسان إشارته… يشكك الامام في عدد الافراد، والخراساني يقلّل العدد، ثم يؤكد الامام على «كيفية» الافراد، وفي الخاتمة يقول له: لو كان لي عدد ما ذكرت من الافراد لخرجت (١٣٥).

كثير من الافراد يلتقون الامام ويطلبون منه «الخروج» على حد تعبير الروايات. وربما كان بين هؤلاء جواسيس بني العباس أيضا، ويمكن أن نفهم ذلك من طريقة جواب الامام لهم.

كل هذه الظواهر تدل على أن مسألة الخروج لاقامة دولة الحق كانت في قاموس الشيعة آنذاك من الاهداف الحتمية. وكان أصحاب الائمة ينتظرون الفرصة المناسبة للنهوض بهذه المهمة.

ورأيت في رجال الكشي رواية لطيفة تحكى عن فهم كبار أصحاب الائمة مثل زرارة بن أعين لمسألة الخروج. تقول الرواية إن زرارة جاء الامام الصادق وأخبره أن أحد الاصحاب قد فرّ من الدائنين، وإذا كان «هذا الامر» قريبا فليصبر حتى يخرج مع القائم، وإن كان فيه تأخير فليصالحهم. يجيبه الامام: سيكون. يسأل زرارة: حتى عام واحد؟ يجيبه الامام: إن شاء اللَّه سيكون. يعيد زرارة السؤال: حتى عامين؟ يجيبه الامام: إن شاء اللَّه سيكون (١٣٦). ويقتنع زرارة أن حكومة آل علي سترتفع رايتها بعد سنتين.

لم يكن زرارة رجلا عاديا، كان من أصحاب الامامين الباقر والصادق عليهم السلام. ونراه ينظر الى قيام دولة آل محمدصلى الله عليه وآله بهذه الثقة واليقين.

وفي رواية أخرى عن هشام بن سالم أن زرارة قال له: «لا ترى على أعوادها غير جعفر». والمقصود بالاعواد كرسي الخلافة. وحين توفي الامام الصادق، قال هشام لزرارة: أتذكر ما قلته؟ قال: نعم، لقد ذكرت - واللَّه - رأيي في ذلك (١٣٧). (يريد أن يزيل شبهة نقل ذلك عن الامام).

من هذه الروايات التي تتحدث عن انتظار الخروج أو طلب الخروج على لسان أصحاب الائمة، نفهم بوضوح أن إقامة الحكم العلوي والسعي له وانتظاره كان من الامور المسلمة في نظر الشيعة، بل في نظر المقربين من أصحاب الائمة، وهذه قرينة حتمية تدل على هدف الائمة ومسيرتهم.

حقد الخلفاء على الائمة

لماذا كل هذه الخصومة من الخلفاء تجاه الائمة عليه السلام؟ هل إن ذلك يعود الى حسد الخلفاء بسبب التفاف الناس حول الائمة؟ لا شك أن الائمة محسودون. والامام يعلق على قوله تعالى: «أم يحسدون الناس على ما آتاهم اللَّه من فضله» (١٣٨) فيقول: «نحن المحسودون» (١٣٩). ولكن المهم أن نرى سبب هذا الحسد. هل هو حسد لما عند الائمة من علم وتقوى؟ لقد كان هناك كثير ممن يعرفه الناس بعلمه وزهده آنذاك من أمثال: ابى حنيفة، وابي يوسف، والحسن البصري، وسفيان الثوري، ومحمد بن شهاب وعشرات من أمثالهم، وكانت لهم شهرة بين أوساط الناس، لكن الخلفاء لم يحسدوهم، بل كان بعضهم ذا خطوة لدى الخلفاء.

في اعتقادي أن هذا الحسد يجب أن نجد له جذورا في دعوة الائمة الى إمامتهم. وهذه أيضا مسألة تستحق الدراسة والتعمّق.

معارضة أصحاب الائمة

من المعالم التي توضح سيرة أئمة آل البيت‏عليه السلام التحرك المعارض الحاد لاصحاب الائمةعليه السلام ضد جهاز الخلافة. ونجد مظاهر ذلك على مدى تاريخ حياة الائمة. في عصر الامام السجاد، حيث الطغيان يبلغ ذروته، يقف يحيى بن أم الطويل، وهو من حواريي الامام، في المسجد ينادي بأعلى صوته مخاطبا الناس المستسلمين لجهاز الخلافة أو العاملين في هذا الجهاز، بالآية المباركة التي تلاها إبراهيم عليه السلام على الكافرين:

«كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء…. » (١٤٠).

وفي كناسة الكوفة يرفع صوته بمعارضة السياسة الحاكمة. والمعلّى بن خنيس يذهب الى صلاة العيد مع الناس في حالة يرثى لها، وحين يقبل الخطيب المنبر ينهض قائما ويرفع صوته بالنداء: «اللهم إن هذا مقام خلفائك وأصفيائك وموضع أمنائك… ابتزوها…».

ومن المؤسف أن هذا الصحابي الجليل الذي اثنى الامام عليه ولعن قاتله يشكك بعضهم في وثاقته، ولا نستبعد أن يكون لبني العباس يد في نشأة هذه النظرة السلبية.

التقية

والمسألة الهامة الاخرى هي «التقية» وهي مسألة ذات أبعاد واسعة وعميقة. ولابد لفهمها من مراجعة كل الروايات المرتبطة بالكتمان وحفظ الاسرار، ودراستها على ضوء أهداف الائمة التي مرّ ذكرها، وعلى ضوء ظروف البطش والارهاب.

ومما لا شك فيه أن التقية لا تعني الانصراف عن النشاط، بل تعنى تغطيته. وهذا ما يتضح بجلاء عند دراسة الروايات. هذا جزء من المواضيع المرتبطة بحياة الائمةعليه السلام. وهناك طبعا مباحث أخرى حول الجانب السياسي من حياتهم لا يسع المجال لذكر حتى عناوينها. ولقد درست طويلا في هذا الحقل، وليس لي اليوم فرصة - مع الاسف - لجمع شتات هذه الدراسات. وليت أصحاب الهمة ينهضون بهذه المهمة ويتابعون الحياة السياسية للائمةعليه السلام، ليقدموها الى الامة باعتبارها درسا للحياة ومنهجا للعمل، لا باعتبارها فقط ذكريات خالدة في الاذهان والنفوس.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏

………………………. ) Anotates (…………………….

١) هذا المضمون نقل في ثماني عبارات اخرى، دون ذكر السند اصلاً، وثمة رواية اُخرى فيها سلسلة رواة غير ان الراوي الاصلي غير معلوم لانه لايوجد بين الرواة من كان حاضرا في مجلس المنصور.

وتوجد رواية واحدة فقط ينقلها الراوي عن الامام الصادق‏عليه السلام مباشرة بسند غير موثوق به.

(راجع: البحار، ج ٤٧ ص ١٨٢ رواية ٢٨ باب‏٦، وقاموس الرجال ج ٩ ص ٥٠٩).

٢) حين مات المنصور كان في خزانته من الاموال النقدية ستمائة مليون درهم واربعة عشر مليون دينار (عصر الازدهار ص ٦٠ - ٧٠).

٣) هو ثاني وآخر وزراء المنصور. كان رجلاً ذا دهاء وتدبير وله هيبة وفصاحة. بقي في منصب الوزارة حتى آخر حياة المنصور (سنة ١٥٨ه) ويكفيه دليلا على وفائه للمنصور ولبني العباس أنه أنقذ الخلافة العباسية من انفجار كاد يقضي عليها اثناء احتدام الخلاف بين مدّعي وراثة المنصور.

فقد زوّر وصية على لسان المنصور في آخر لحظات حياته تأمر جميع حكام الولايات بالبيع للمهدي ابن المنصور، فما كان من طلاب الخلافة الا الاستسلام (راجع: عصر الازدهار ص ٥٩ - ٧٠).

٤) فيليب حتي، تاريخ العرب.

٥) بطور شفسكي، الاسلام في ايران.

٦) من وفاة رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله حتى وفاة الامام الحسن والعسكري عليه السلام.

٧) الحديد / ٢٥.

٨) نهج البلاغة ج ١٦، لما بويع في المدينة، وفيها يخبر الناس بعلمه بما تؤول اليه احوالهم.

٩) من تلك الخصائص تشريع النظام وفق المتطلبات الاساسية الثابتة للانسان، والمرونة التي تسمح باستقطاب العناصر العلمية والمنطقية من كل مكان ومن كل نوع. (مع الاحتفاظ بالاتجاه المبدئي للرسالة وبشرط الانسجام مع نظرة الرسالة الى الكون والحياة).

١٠) الرسالة ٦٢ من نهج البلاغة.

١١) شرحت بالتفصيل طبيعة هذه الفترة في محاضرات متعددة مستنداً الى الوثائق التاريخية المتوفرة.

١٢) بحار الانوار، ط: الاسلامية، ج ٤٦ ص ١٤٤. وفي رواية اخرى أضيف جابر بن عبد الله الانصاري الى هؤلاء الثلاثة. وفي رواية اخرى بدل جابر بن عبد الله ورد ذكر سعيد بن المسيب المخزومي. وفي رواية اخرى أضيف الى هؤلاء جميعا سعيد بن جبير، وبدلاً من جبير بن مطعم ذكر اسم محمد بن جبير بن مطعم (رجال الكشي، ط: مصطفوي، ص ١١٥)، ويرى العالم الرجالي المعاصر المحقق الشوشتري أن اسم جبير بن مطعم في هذا الحديث محرّف من حكيم بن جبير بن مطعم: (قاموس الرجال، ج ٩، ص ٣٩٩).

١٣) -

١٤) راجع: أجوية مسائل جار اللّه، للسيد شرف الدين العاملي، ص ٥٩، ٦٠، وكذلك: دراسات في الكافي والصحيح، ص ٢٦١.

١٥) تحف العقول عن آل الرسول ٢٧٢ - ٢٧٧ ط: جماعة المدرسين - قم.

١٦) بحار الانوار ج ٤٦، ص ١٦٥، ط: بيروت، نقلاً عن الكافي ج ٥، ص ٣٤٤.

١٧) المصدر نفسه ص ٩٥.

١٨) حياة الامام السجادعليه السلام بابعادها الجهادية وما اكتنفها من احداث من اروع مقاطع حياة أئمة أهل البيت‏عليهم السلام وتحتاج الى مقال مستقل.

١٩) بحار الانوار ٤٦: ٢٢٩باب ٤. عن البصائر ٤: ٤٤.

٢٠) من ذلك رواية ابي حمزة الثمالي يقول: «حتى أقبل ابو جعفر عليه السلام وحوله اهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحج» (بحار الانوار ٤٦: ٣٥٧ط: بيروت)، وانظر حديث اَد علماء خراسان مع عمر بن عبد العزيز، وفيه اكثر من عبرة ودلالة. (بحار الانوار ٤٦: ٣٦٦).

٢١) من حديث للامام الباقرعليه السلام في ارشاد الشيخ المفيد: ٢٨٤، وبحار الانوار ٤٦: ٢٨٨.

٢٢) بحار الأنوار ٤٦: ٢٨٨.

٢٣) المناقب ٤: ٢٠٧ وهذه الميمية من هاشمياته وفيها يخاطب أئمة اهل البيت‏عليهم السلام فيقول: ساسة لا كمن يرى رعية الناس سواء ورِعية الانعام وهو بيت له دلالته الكبيرة.

٢٤) بحار الانوار ٤٦: ٢٥٨.

٢٥) بحار الانوار ٤٦: ٣٦٠ رواية ١ - باب ١٠٠ نقلاً عن امالي الطوسي: ٩٥.

٢٦) بحار الانوار ٤٦: ٢٨٢ - ٢٨٣ نقلاً عن الكافي ١: ٣٩٦.

٢٧) يؤيد هذه الحقيقة، اضافة الى قضية جابر ونظائرها، رواية عبد الله بن معاوية الذي يسلّم الامام الباقرعليه السلام رسالة تهديد من حاكم المدينة (بحار الانوار ٤٦: ٢٤٦ الباب ١٦ الرواية ٣٤).

٢٨) بحار الانوار ٤٦: ٢٦٣ رواية ٦٣ باب ٥.

٢٩) بحار الانوار ٤٦: ٢٦٤ الباب ١٦ الرواية ٦٣.

٣٠) ويروى أنه أشاع بين اهالي المدن الواقعة على الطريق أن محمد بن علي وجعفر بن محمد تنصّرا وخرجا من الاسلام (بحار الانوار ٤٦: ٣٠٦) وشبيه ذلك ما وقع لمولانا وهو من زعماء الحركة الاسلامية المناهضة للاستعمار البريطاني في منتصف القرن التاسع عشر. فقد اُشاعوا عنه أنه وهابي. وكانت هذه التهمة كافية لاسقاط هذا الرجل المناضل من أعين الناس البسطاء السذّج، الوهابية كانت مقرونة في اذهان الناس بتلك العصابة التي روّعت حجاج بيت الله واستباحت دماء المسلمين في الحجاز… فكانت كريهة لديهم ومقيتة. وتهمة الوهابية الصقت بهذا الرجل فتقبلتها الاذهان الساذجة دون أن تسأل عن مبرر هذه التهمة وعن امكان أن يكون رجل مناضل مثل مولانا معتنقا لفكرة جاء بها الانجليز الى العالم الاسلامي (راجع كتاب: المسلمون في حركة تحرير الهند «بالفارسية» ط آسيا) حين ارك موقف الناس من الامام الباقرعليه السلام بعد اتهامه بالنصرانية في ذلك الزمان وموقفهم من مولانا بعداتهامه بالوهابية في القرن الماضي اتعجّب من وحدة المواقف، واردّد ما يقوله الشاعر العربي: الناس كالناس والايام واحدة.

٣١) بحار الأنوار ٤٦: ٢٦٤.

٣٢) بحار الانوار ٤٦: ٣١٣.

٣٣) بحار الانوار ٤٦: ٣٦٢ - ٣٦٣.

٣٤) هكذا في الأصل، ولعل الصحيح: لنوادب يندبنني.

٣٥) بحار الانوار ٤٦: ٢٢.

٣٦) خالد بن عبد الله القسري والي العراق كان عائدة السنوي ثلاثة عشر مليوناً. وكتب اليه الخليفة أن لايبيع غلته قبل بيع غلّة الخليفة. فصعد خالد المنبر، وذكر أن قوماً يتهمونه بالتلاعب بالاسعار، ولعن من يتلاعب بالاسعار (ويقصد بذلك الخيفة وكان عليه واجداً). وامرأة هشام كان لها ثوب خيوطه من الذهب، ومرصع بالمجوهرات القيّمة، وقد ثقل وزنه حتى ماكانت تقدر على أن تمشي به.

ولم يستطع أحد أن يضع له قيمة. وهشام نفسه كان له بسلط من الحرير والذهب طوله ١٠٠ ذراع وعرضه ٥٠ ذراعا. (ابن ايرج ٥ / ٢٢٠، وبين الخفاء والخلفاء ص ٢٨ و٥٦).

٣٧) من ذلك فتوى الحسن البصري في عدم جواز الخروج على الحجاج بن يوسف،

٣٨) مع‏كل الانحرافات التي عصفت بالمجتع كان الايمان بالدين يسيرط لعى الافكار والقلوب، والظلمة الطغاة استغلوا هذا الايمان، فقدموا للمجتمع مفاهيم منحرفة باسم الدين تضمن بقاءهم واستمرار ظلمهم وتحكمهم. من ذلك اضفاء صفة القدسية على «البيعة» فكلما تمادى الخليفة غيّه وظلمه لا تجوز معصيته ولا الثورة عليه لان له في الاعناق بيعة! وكان لهذا المفهوم دوره الكبير في خلق حالة من الخضوع والخنوع أمام الجهاز الحاكم.

٣٩) بحار الانوار ٤٧: ١٣، باب ٣ الرواية ٦، ط بيروت.

٤٠) بحار الانوار ٤٧: ١٣ الرواية ٤ عن الارشاد: ٢٨٩.

٤١) رجال الكشي: ١٥٨ ط: مصطفوي.

٤٢) رجال الكشي: ١٥٦ - ١٥٧ ط: مصطفوي.

٤٣) راجع تفاصيل ادلة هذه المسألة في مظانها.

٤٤) اصول الكافي.

٤٥) المصدر نفسه «عبارات متفرقة مختارة من النص».

٤٦) جرى له من الفضل مثثل ما جرى لمحمدصلى الله عليه وآله (…. ولقد حملت على مثل حمولته…. ) وكذلك يجري لأئمة الهدى واحدا بعد واحد… الكافي، ج ١: ١٩٦.

٤٧) الكافي: ١: ١٨٧، ٧و١: ١٨٩، ح ١٦.

٤٨) في العقود الاخيرة صدرت عن المستشرقين والعلماء المسلمين الشيعة والسنّة كتابات تصوّر الدور السلبي للأئمة تجاه مسألة الحكم، او الدور المحايد، او المداهن، بل الدور البعيد كل البعد عن السياسة. راجع مثلا: نظرية الامامة لدى الشيعة، والتشيع والتصوف، والامام الصادق والمذاهب الاربعة، والعباسيون الاوائل.

٤٩) الغدير ٢: ١٨٧ - ٢١٢.

٥٠) البحار، ٤٧: ٥٨، ح ١٠٧.

٥١) البحار، ٢٣: ١٩٩، ح ٣٢، كذلك راجع الرواية ٢٠ من نفس الباب.

٥٢) الكافي ١: ١٨٦.

٥٣) البحار، ٤٧: ٧٢ عن بصائر الدرجات ٥: ٦٦.

٥٤) د. فاروق عمر، العباسيون الاوائل: ١٠٤.

٥٥) تاريخ الطبري ٦: ١٩٥.

٥٦) الكافي ١: ١٨٦، ح ٣.

٥٧) القرآن الكريم يدين أيضاً بأساليب متعددة هذا اللون من الاتّباع المؤدي الى الضلال، ويردّ كل عذر يتوسل به التابعون في انحرافهم، راجع سورة البقرة: ١٦٧، الشعراء: ٩١ - ١٠٢، سبأ: ٣١ - ٣٣، النساء: ٩٧.

٥٨) الكافي، ١: ٢٣٨١.

٥٩) المناقب، ابن شهر آشوب: ٢٣٨ ط: بيروت.

٦٠) المعنى نفسه جاء في كتاب الشيخ راضي آل ياسين، صلح الامام الحسن‏عليه السلام: ٣١ - ٣٢ ط: بيروت.

٦١) تحف العقول: ١١٥. ط ٢.

٦٢) هذا الوضع يمكن مقارنته وتشبيه الى حد ما بوضع المجتمعات المعاصرة التي تحكمها الانظمة الحزبية.

٦٣) مات الربيع بن زياد الحارثي غماً لمقتل حجر، وذكر ذلك ابن الاثير في الكامل ٣: ١٩٥، وكان سبب موته أنه سخط قتل حجر بن عدي… وذكر ذلك في الاستيعاب، واُسد الغابة، والدرجات الرفيعة، وغيرها. راجع: صلح الحسن‏عليه السلام: ٣٣٨.

٦٤) ثورة الحسين: ١١٨، نقلاً عن اعيان الشيعة والاخبار الطوال.

٦٥) الطبري ٧: ٤٦، نقلا عن د. مسيرة مختار الليثي، جهاد الشيعة: ٢٨.

٦٦) د. سميرة الليثي، جهاد الشيعة: ٢٧.

٦٧) رجال الكشي: ٣٨٠ ط مصطفوي.

٦٨) رجال الكشي: ٣٨٠، ط مصطفوي.

٦٩) مناقب ابن شهر آشوب ٤: ٢٤٨.

٧٠) الكافي: ٢: ٢١٩.

٧١) هذا التعبير مقتبس من أحد نصوص الامام‏عليه السلام.

٧٢) قطعت رجله وهو حي ثم قتل. للتعرف على هذه الشخصية الكبيرة راجع: رجال الكشي وسائر كتب الرجال.

٧٣) يقصد السيد المحاضر بالمحنة الصعبة، سجنه الخامس في زنزانة الساواك المظلمة بمدينة مشهد، حيث تلقّى ألوان التعذيب الجسدي والنفسي (المترجم).

٧٤) البحار ٤٦ / ١٧٢.

٧٥) البحار ٤٦ / ١٧٠.

٧٦) بحار الانوار ٤٤ / ٥٦.

٧٧) بحار الانوار ٤٤ / ٥٧.

٧٨) اعيان الشيعة ١ / ٥٧١.

٧٩) نائب سدانة الروضة الرضوية في مشهد، والعامل على إقامة المؤتمر (المترجم).

٨٠) البحار ٤٧ / ٥٨.

٨١) الكامل في التاريخ لابن الاثير ٤ / وقائع سنة ٦٢ و٦٣.

٨٢) العقد الفريد ٢ / ١٥٧. ابن ابي الحديد ٢٠ / ٤٨٩.

٨٣) تحف العقول عن آل الرسول، الحراني، ط مؤسسة النشر الاسلامي، ص ٢٧٥.

٨٤) البحار ٤٦ / ١٤٤.

٨٥) نفس المصدر / ١٤٣.

٨٦) نفس المصدر / ١٤٢.

٨٧) تحف العقول عن آل الرسول، الحراني، ط مؤسسة النشر الاسلامي قم ١٤٠٤ه. ق ص‏٢٥٢.

٨٨) نفس المصدر / ٢٥٢.

٨٩) البحار ٤٦ / ٢٥٧.

٩٠) البحار ٤٦ / ٣٥٥.

٩١) البحار ٤٦ / ١٦٥.

٩٢) البحار ٤٦ / ٣٦٢ - ٣٦٣.

٩٣) راجع مدلول هذه الرواية في: قيادة الامام الصادق، الامام الخامنئي (المترجم).

٩٤) راجع قيادةالامام الصادق، الامام الخامنئي (المترجم).

٩٥) البحار ٤٦ / ١٧٢.

٩٦) البحار ٤٦ / ١٧٠.

٩٧) بحار الانوار ٤٤ / ٥٦.

٩٨) بحار الانوار ٤٤ / ٥٧.

٩٩) اعيان الشيعة ١ / ٥٧١.

١٠٠) البحار ٤٧ / ٥٨.

١٠١) البحار ٩٩ / ١٧.

١٠٢) المستدرك الباب ٣٨ من أبواب أحكام اللباس.

١٠٣) البحار ٤٥ / ١١٥.

١٠٤) الكامل في التاريخ لابن الاثير ٤ / وقائع سنة ٦٢ و٦٣.

١٠٥) ابن ابي الحديد ١٢٧ / ١٢٨.

١٠٦) الاغاني ٣ ٢٤٣.

١٠٧) ديوان عمر بن ابي ربيعة / ٣٦٢، ط دار الكتاب العربي.

١٠٨) الاغاني ١ / ٣٨٧ ط دار الكتب.

١٠٩) تحف العقول عن آل الرسول، الحراني، ط مؤسسة النشر الاسلامي، ص ٢٧٥.

١١٠) البحار ٤٦ / ١٤٤.

١١١) البحار ٤٦ / ١٤٢ - ١٤٣.

١١٢) نفس المصدر.

١١٣) تحف العقول عن آل الرسول، الحراني، ط مؤسسة النشر الاسلامي قم ١٤٠٤ه. ق ص‏٢٥٢.

١١٤) نفس المصدر / ٢٥٢.

١١٥) البحار ٤٦ / ٢٥٧.

١١٦) البحار ٤٦ / ٣٥٥.

١١٧) البحار ٤٦ / ١٦٥.

١١٨) البحار ٤٦ / ٣٦٢ - ٣٦٣.

١١٩) اصول الكافي ٢ / ١٩٠.

١٢٠) راجع مدلول هذه الرواية في: قيادة الامام الصادق، الامام الخامنئي (المترجم).

١٢١) البحار ٤٧ / ٥٨.

١٢٢) البحار ٤٧ / ٧٢.

١٢٣) البحار ٤٧ / ١٧٤.

١٢٤) اصول الكافي ٢ / ٣٧٨.

١٢٥) الاحتجاج، الطبرسي / ٣٩٢.

١٢٦) عيون أخبار الرضا ١ / ٨٨، البحار ٤٨ / ١٣١ - ١٣٣.

١٢٧) الكافي ١ / ٢٧٦.

١٢٨) عيون أخبار الرضا ١ / ٢١٦.

١٢٩) البحار ٤٦ / ١٢٥.

١٣٠) -

١٣١) اليحار ٤٦ / ٣٣٨.

١٣٢) الاحتجاج ٢ / ٣٩٤.

١٣٣) نور الثقلين ٢ / ١٩٠.

١٣٤) البحار ٤٨ / ١٤٤.

١٣٥) -

١٣٦) -

١٣٧) -

١٣٨) النساء / ٥٤.

١٣٩) الميزان ٤ / ٣٨٤.

١٤٠) الممتحنة / ٤.



[ Web design by Abadis ]