ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 بيان الحج‏

نداء

الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي

إلى حجاج بيت اللَّه الحرام ١٤١٩ هجرية

وجه الامام القائد السيد علي الخامنئي نداءً الى حجاج بيت اللَّه الحرام تحدث فيه عن عطاء الحج، وحاجة البشرية الى الاسلام، وعن المفارقات بين الادعاء والعمل في ممارسات السياسة الامريكية، نقدمه الى قراء المجلة باعتباره القراءة السنوية لأهم ما يدور في ساحة العالم الاسلامي.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الامين الكريم وعلى آله الميامين وصحبه المنتجبين.

تعود مرة أخرى أيام الحج التاريخية، ويرتفع منادي رب العالمين ليؤذّن في قلوب يضطرم فيها الشوق بين جوانح المؤمنين يدعوها إلى كعبة الآمال، فيجمع من كل فج عميق مجموعة من السعداء على صعيد قاعدة الدعوة الإبراهيمية ومنطلق الدين المحمدي صلى الله عليه وآله.

إنها لفرصة سانحة أن تطلّ هذه الجماعة المنتخبة من الأمة الإسلامية الكبرى بنظرة عميقة على نفسها وعلى الأمة الواحدة وعلى ما تنعم به من دين صلاح وفلاح، وتتحسس الحقيقة التي قلما تتجلى داخل سدود القومية والعنصر واللغة فتجسدها أمامها في رحاب هذا الملتقى العالمي الكبير.

بين الحقائق الكبرى التي تتجلى في هذا التدبر والمراجعة الذاتية أمران لهما بروز اكبر، الأول: غنى وعظمة الثروة التي تتمتع بها الأمة الإسلامية. والآخر: شدة الخطر المحدق بهذه الثروة الكبرى.

- رسالة التقريب - العدد ٢٣ السيد القائد

-

نداءبيان الحج -

- ثروة الأمة الإسلامية هي الدين الاسلامي، ومعارفه البيّنة وتعاليمه القويمة وقوانينه الشاملة لحياة الإنسان.

الإسلام بما يقدمه من منهج عقلاني عميق بشأن الكون والإنسان، وتوحيد خالص، وتعاليم أخلاقية ومعنوية حكيمة، وقوانين ونظم سياسية واجتماعية مستحكمة شاملة، وواجبات عبادية جماعية وفردية يدعو جميع البشرية إلى: تطهير محتواها الداخلي من القبح والضعف والدناءة والدنس، وإنارة وجدانها بالإيمان والإخلاص والتحرر والحب والأمل والحيوية، كما يدعوها أيضا إلى تحرير دنياها من الفقر والجهل والظلم والتمييز والتخلف والركود والتفرعن والتجبر والتحقير والحماقة.

تحقيق حياة سعيدة مناسبة للإنسان يتطلب تزكية أخلاقية للفرد تنتشله من الدناءة والدنس، كما لابد أيضا من حركة جماعية تفتح أمامه ساحات الحياة وتعينه على تعامله مع الطبيعة وعلى مواجهته الحتمية لحرّاس أنظمة الظلم والاستكبار.

الإسلام بمنحه الكون والحياة محتوى ومعنى، وبتعيينه الطريق السوي الصحيح للمسيرة، يهدي الإنسان إلى حياة سعيدة حقيقية والى الصراط المستقيم الإلهي. وكل الأحكام والتعاليم الإسلامية، وكل الخطوط الأساسية في المنهج السياسي والاجتماعي والاقتصادي للإسلام، وجميع العبادات والقرارات الفردية والجماعية، تشكل أجزاء متلاحمة منسجمة لهذه الوصفة الداعية الى السعادة والحياة.

هذه المناسك الخالدة التي يقدم الحجيج على أدائها، تشكل بنفسها مجموعة ناطقة معبرة طافحة بالذكر والنشاط المعنوي والداخلي في إطار حركة ومسعى وتنسيق بناء جماعي.

الحج بتعاليمه المفعمة بالأسرار والرموز، وبمظاهره المدهشة الجامعة بين العظمة والتذلل، والاقتدار والتواضع، والحركة الداخلية والخارجية، تجسيد لجهاد الإنسان المسلم في ساحة النفس والعالم في اتجاه تحقيق الحياة الطيبة الإنسانية، وتمرين للحاج على واجباته الكبرى في الحياة.

المجتمعات البشرية المختلفة وهي تعاني اليوم من فراغ روحي وضياع وحيرة ومن مآس وويلات اجتماعية وفردية جرّها طواغيت الثروة والقوة على الساحة العالمية، تحتاج إلى الإسلام والى تعاليمه ودروسه الكبرى. والدعوة الإسلامية تحمل عناصر الجذب والنفوذ والأمل، ليس فقط للشعوب التي تحترق بنيران الفقر والاستضعاف، بل أيضاً وبنفس القدر للشعوب التي تتخبط في مستنقعات الفراغ والحيرة والفقر الروحي في البلدان الثرية المتطورة. وما تذكره الإحصائيات والدراسات من تزايد التوجه إلى الإسلام بين فئات الشباب وبين كل المشمئزين من خواء الحياة المادية في البلدان المتطورة الغربية، دليل على هذا الجذب والنفوذ.

المسلمون بتفهمهم لهذه الثروة الكبرى ومنحها حقّ قدرها سيكونون قادرين على أن يخلقوا تحولاً حقيقياً في حياتهم، وأن ينقذوا البلدان الإسلامية مما تعانيه اليوم من ضعف وتبعية وتخلّف وانحطاط.

إذا كانت الاجواء بفعل الذهنيات المنحرفة والاغراض المستفحلة قد أوحت يوماً ما أن الإسلام محصور بالمسجد والمحراب ونافع فقط للحياة الفردية والروحية وليس له رأي في ساحات السياسة والاقتصاد والنضال الاجتماعي والمجال الدولي، وإذا كانت نظرية فصل الدين عن السياسة زمناً أداة بيد القوى الاستعمارية والسلطات الظالمة والحكومات الاستبدادية لإخماد روح الإصلاح بين المسلمين وتجفيف معين النهضات الإسلامية، فإن قيام الجمهورية الإسلامية اليوم في إيران وتغلّبها على كل المؤامرات والأعتداءات العسكرية والسياسية والاقتصادية، ووقوفها كالجبل الأشم أمام جبهة واسعة جهّزها الكفر والاستكبار والاستبداد، وتبديدها لآمال أمريكا والصهيونية ومن لفّ لفّهما ممن عبّأ كل قواه للقضاء عليها أو لدفعها على طريق الانحراف، وما سجلته من نموّ واقتدار متزايد خلال الأعوام العشرين، كل ذلك أحبط تلك الذهنيات المنحرفة والأهداف المغرضة وأثبتت نظرية الإسلام السياسية والاجتماعية صحتها وواقعيتها على الصعيد العملي.

الجمهورية الاسلامية بقطعها طريقاً شاقاً مليئاً بالعوائق والشراك التي نصبتها لها دوائر نظام الهيمنة العالمي، وأرباب الثروة والقوة الدوليين، وبانتصارها في حرب عسكرية دامت ثماني سنوات وفي حروب سياسية وأمنية واقتصادية وإعلامية تواصلت عبر عشرين عاماً، استطاعت أن تثبت للعالم قدرتها على إدارة البلاد وعلى تعبئة الجماهير المليونية، وأن تخطط للحوادث الكبرى وتواجهها، وأن تثبت حضورها الناجح في المواقف الدولية، وأن تؤكد قدرتها وابتكارها في عمليات البناء والتطوير وترميم الدمار مع كل ما تواجهه من حشد عالمي ظالم أمامها ومع انعدام أية مساعدة سياسية واقتصادية خارجية. وإضافة إلى كل ذلك استطاعت أن تبعث القوة والسرعة في حركة الصحوة الإسلامية وفي المشاريع الكبرى للشعوب الإسلامية الدالة على إحياء الهوية الإسلامية بينهم.

ببركة انتصار الإسلام في إيران تتزايد وتقوى اليوم في كل أرجاء العالم الاسلامي أمواج اليقظة الإسلامية.

إنه الإسلام الذي يخفق عالياً أكثر من أي وقت آخر في الساحة البشرية وليسجل حضوره وقوته أمام الجميع، ويبعث نور الأمل في قلوب البشرية المعذّبة المعاصرة، وهذه هي أكبر ثروات العالم الاسلامي.

غير أن استثمار هذه الثروة الطائلة محفوف بمخاطر كبرى، وأكبر هذه الأخطار يتمثل باثنين أحدهما داخلي والآخر خارجي:

الخطر الداخلي، وهو العدو القديم لأمة الإسلام يتمثل في الذهنية المريضة والجمود والتحجر، أو في الهزيمة النفسية والالتقاط، أو في اليأس وضعف النفس، أو الترديد والوسوسة الفكرية، أو في كلها مجتمعة. وأمثال ذلك، شعب إيران الرشيد الرائد بقيادة الإمام الراحل الخميني العظيم، الذي هزم العدو الداخلي وتغلّب عليه حتى استطاع أن ينتصر في الجبهات السياسية والعسكرية، ويقيم نظام الجمهورية الإسلامية في بلده، وأن يجاهد عشرين عاماً على طريق هذا النظام.

غير أن العدو الخارجي المتربص بالإسلام والجمهورية الإسلامية مادام نشطاً فإن خطر بروز العدو الداخلي يبقى قائماً، والمسؤولون في النظام الاسلامي بإيران يرون هذا الخطر بالقوة كبيراً وجادا، وهو ما نسميه بالغزو الثقافي للعدو، ونحث باستمرار جماهيرنا الواعية وخاصة الشباب لمجاهدته والتصدي له. وهو المتمثل بالمساعي الشاملة التي يبذلها أعداؤنا مستفيدين من كل أجهزتهم الإعلامية والخبرية والسياسية والأمنية لاستنهاض هذا العدو الداخلي.

في الواقع إن إمبراطورية المال والقوة بقيادة أمريكا منهمكة بكل قواها لصد تأثير الجمهورية الإسلامية على العالم الاسلامي.

النظام الأمريكي والأخطبوط الصهيوني العالمي بعد اليأس من مواجهة إيران الإسلام عسكرياً واقتصادياً كثفا مساعيهما الإعلامية والسياسية. والهدف من هذه المساعي التأثير على أفكار ونفسيات المسلمين المؤيدين للجمهورية الإسلامية في جميع أرجاء العالم، وكذلك على أذهان وأفكار الشعب الإيراني المؤمن.

هؤلاء يستهدفون أن يضعوا الجمهورية الإسلامية التي هي اليوم مظهر تبلور الإسلام في العالم، في موقف دفاع، وأن يسلبوها زمام المبادرة في ساحة المواجهة مع العدو، ولبلوغ هذا الهدف يخفون وجوههم الكالحة نفاقاً ورياءً خلف شعارات برّاقة مثل: حقوق الإنسان، والحرية، ومكافحة الإرهاب، والدفاع عن حقوق المرأة، وأمثالها، ويتهمون الجمهورية الإسلامية بالإعراض عن هذه الشعارات.

النظام الأمريكي يرفع عقيرته بحقوق الإنسان في وقت يمارس أفظع صور نقض حقوق الإنسان في سلوكه الاستكباري تجاه شعوب العالم الضعيفة.

ويدّعي مكافحة الإرهاب بينما هو يحتضن أخطر الإرهابيين!!

ويتحدث عن الديمقراطية بينما يساند أكثر الحكومات استبداداً في بعض مناطق العالم!!

ويرفع شعار الحرية بينما لا يتحمل - لا في بلاده، ولا في أي بلد آخر - أي خطاب حرّ يفضح ماهية النظام الصهيوني ومخططاته الخطرة والممارسات الظالمة المتزايدة لليهود الصهاينة!!

ويتهجم في إعلامه ضد الجمهورية الإسلامية باسم حقوق المرأة بينما المرأة الاميركية تتعرض في أسرتها وفي محيط عملها للاعتداء والإهانة والاستغلال!!

ويدّعي تكريس المشاركة الجماهيرية في الحكم بينما يقف بكل عدته وعدده أمام أية حكومة إسلامية تشكلها الجماهير المسلمة، ويساند كل المساندة أي انقلاب عسكري أو مؤامرة سياسية ضدّها.

في معايير السياسة الاميركية، المشردون الفلسطينيون واللبنانيون الذين يخوضون كفاحاً مظلوماً ضد محتلي أرضهم إرهابيون، بينما الإرهابيون الصهاينة الذين يشنون باستمرار الهجمات العسكرية على القرى والمدن اللبنانية ويعرضون السجناء الفلسطينيين لتعذيب وحشي فظيع، ويهدمون بيوت الفلسطينيين لينشئوا بدلها المستوطنات الصهيونية، هؤلاء يستحقون المليارات من المساعدات!!

ونظام كالجمهورية الإسلامية بكل مافيه من قوة ارتباط بين الشعب والمسؤولين ومافيه من تركيز على رأي الشعب وإرادته في تعيين دستوره وكل جهاز الحكم في بلده، بل وفي اختيار أصل النظام، هو غير ديمقراطي، ولكن الحكومات الفردية التي تبلغ الذروة في الاستبداد ولم تملك قدرة انتخاب الحكومة والحاكم والقانون، هي مقبولة ومنزهة من أي عيب!

الجمهورية الإسلامية التي لم تشن أبداً هجوماً عسكرياً ضد أي بلد لا يجوز لها أن تمتلك سلاحاً ولوغير نووي، وتغتصب وتحجز قطع الغيار والطائرات والمروحيات التي اشترتها سابقاً، بينما ملئت منطقة الخليج الفارسي بأنواع الأسلحة والمقاتلات غير الضرورية، وإغداق السلاح النووي باستمرار على العدو الصهيوني أمر لا غبار عليه بل هو لازم!

في منطق الإعلام الأمريكي وشبكة الإعلام الصهيوني إعدام مهربي الهروئين في إيران نقض لحقوق الإنسان. ولكن اختطاف الناس في لبنان، وقصف القرى، واطلاق النار على المشردين الفارين من قراهم لا يسي‏ء أصلاً إلى حقوق الإنسان!

مساعدة المسلمين المظلومين في منطقة البلقان يتعارض مع القوانين الدولية، ولكن تدبير الانقلابات العسكرية في البلدان على يد الاستخبارات الاميركية والصهيونية لا يتعارض مع القوانين الدولية!

مساعدة الحكومة العراقية حينما شنّت هجوماً كيماوياً على أهالي حلبجه والجبهات الإيرانية ليس ذنباً، ولكن تقديم المساعدات الغذائية إلى الشعب العراقي الذي يموت منه خمسة عشر ألف طفل سنوياً على أثر الحصار الأمريكي جريمة لا تغتفر!!

النظام الأمريكي بقائمة جرائمه الطويلة التي ذكرنا جانباً منها يدّعي قيادة العالم ويسعى إلى عالم ينفرد فيه ساسته التافهون المتورطون، ويظن ظناً باطلاً أنه قادر على أن يدفع بالشعب الإيراني الشريف وساسته النجباء ونظامه الشعبي المتجذر إلى موقع دفاع.

ليعلم إخواننا المسلمون في جميع أرجاء العالم أن نظام الجمهورية الإسلامية يحث الخطى بقوة واستحكام على الطريق النير الذي رسمه الإسلام الأصيل المحمدي‏صلى الله عليه وآله وإيران العزة بتلاحم مسؤوليها ووحدة كلمة شعبها المؤمن الرشيد ماضية على طريق الإمام الخميني العظيم وقد تجاوزت كل المؤامرات الاقتصادية والسياسية والأمنية والضجات الإعلامية العدوانية وستقترب - بإذن اللَّه وتوفيقه - من أهدافها الكبرى باطراد. وكما أنها بددت مراراً آمال الأعداء خلال الأعوام العشرين بنصر من اللَّه تعالى، كذلك ستحظى إن شاء اللَّه بنصر اللَّه ورحمته بإيمانها وعملها الصالح.

في الختام أتقدم إلى جميع الإخوة والأخوات من المتجمعين من كل بقاع العالم حول قبلة الآمال بالطلب إليهم أن يرفعوا يد التضرع إلى اللَّه سبحانه وتعالى ويدعوه لصلاح جميع أحوال المسلمين في العالم ولنصرة الإسلام والمسلمين.

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته‏



[ Web design by Abadis ]