ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 من وثائق التقريب‏

مقدمة ترجمة الإمام الخامنئي‏

لكتاب «المستقبل لهذا الدين» للاستاذ سيد قطب

ترجمنا هذه المقدمة لنشرها على صفحات «رسالة التقريب» لا لمحتواها الفكري فحسب، بل لأنها وثيقة تاريخية هامة من وثائق التفاعل الفكري بين الإسلاميين الإيرانيين والمصريين على اختلاف لغتهم ومذهبهم في إطار الصحوة الإسلامية.

ترجم السيد الإمام كتاب سيد قطب «المستقبل لهذا الدين» سنة ١٣٤٦ هجرية شمسية (١٣٨٧هجرية قمرية) الى اللغة الفارسية، وكتب له هذه المقدمة، وطبع الكتاب، ثم واجهت نشرَه مشاكل نذكر قصتها باختصار لأن القصة أيضا وثيقة تاريخية هامة.

بعد انتقال سماحة السيد من قم الى مشهد سنة ١٣٨٣ه. ق بدأ بسلسلة جديدة من النشاطات الفكرية والسياسية.

من ذلك أنه تعاون مع بعض المفكرين والمؤمنين في إنشاء مؤسسة للطباعة والنشر أسموها «سپيده» أي «الفجر» وبدأوا بنشر بعض الكتب الإسلامية.

ثم ترجم سماحة السيد كتاب «المستقبل لهذا الدين» وبدأ بطباعته في «مطبعة خراسان» المعروفة. كان الكتاب تحت الطبع إذ حانت له سفرة مع أهله الى طهران وقم وإصفهان. وكان في أحد فنادق طهران إذ بلغه خبر هجوم استخبارات الشاه على مطبعة خراسان، ومصادرة كل النسخ وإلقاء القبض على مدير المؤسسة. وأُبلغ السيد بأن جهاز الامن يتعقّبه. بقي في طهران، ثم بعد أمد جاءه أحد الأصدقاء بخمسين نسخة من الكتاب المطبوع، إذ أحسّ الاُخوة في المؤسسة بخطر قبل هجوم رجال الاستخبارات واحتفظوا بمائة نسخة من الكتاب.

هذه المقدمة مع قصتها نقدمها للقاري‏ء الكريم لكي نكشف عن جانب من تاريخنا «التقريبي» المعاصر.

التحرير

اتجاه الامة بمختلف قطاعاتها، وخاصة فئة الشباب - الى انتهال العلوم الإسلامية وسبر أغوار الفكر الإسلامي دلالة واضحة على أنّ مستوى المعرفة البشرية كلّما ارتفع ارتفعت معه مكانة الدين في المجتمع، ودلالة واضحة أيضاً على أن الإسلام يحتلّ مكانه المناسب في الساحة العالمية حين ترتفع المعرفة الإنسانية الى مستواها المناسب، لما بين اتساع المعرفة الدينية والمعرفة العلمية من تناسب طرديّ.

من هنا يتوجّب على علماء الدين وقادة الفكر الإسلامي أن يستثمروا فرصة انفجار المعلومات البشريّة، ليقدّموا الدين بلغة تتناسب مع لغة العصر واحتياجات العصر، وأن يعرضوا متاعهم الثمين بشكل مناسب وبصورة جديدة كلّ الجدّة.

في الساحة الفكرية العالمية الجديدة، حيث النظريات والتيارات الفكرية التي تخلب الالباب، وحيث الشباب الذين يبحثون عن كلّ جديد، لايمكن أن نتوقّع إقبال الناس على رسالتنا - مع كل مافيها من أصالة وامتياز - بنفس لباسها القديم وشكلها الموروث، لان هذه الصورة القديمة لاتستطيع في عصرنا أن تميط اللثام عن حقيقة الإسلام المشرقة، ولا تستطيع أن تشبع نَهَم المتعطشين الى المتطوّر الجديد.

نحن نؤمن أن الإسلام - بقدرته ومقوماته الطبيعية - سوف يتولى قيادة البشرية، وسوف ينفذ نوره الى أعماق الظلمات التي تعاني منها الإنسانية، وستنهزم أمامه كل قوى الظلام والتفرعن والتجبّر، لتخفق رايته على المعمورة… نحن نؤمن بذلك، ولكن هذا الإيمان ينبغي أن لايكون مبرّراً لتهاوننا في أداء واجبنا المحتوم ومسؤوليتنا الكبرى.

هذا المستقبل يتحقق طبعا حين يتعرف الناس على الإسلام، ويفهمون تعاليمه وأفكاره، عندئذ فقط سيسلّمون له زمام الامور ويخضعون له منقادين.

في الحقيقة إن الإسلام - على سعة رقعته الجغرافية والسكانية - دين مجهول غريب. ومظاهره السائدة في العالم الإسلامي لاتدلّ إطلاقا على انتشار معارفه كما يظن ذلك بعض البسطاء ويدّعيه المغرضون.

الاغلبية الساحقة من المسلمين لايزالون ينظرون الى الإسلام على أنه مجموعة من الطقوس والعبادات التي لاترتبط إطلاقا بالحياة ومقومات الحياة، غافلين عن الجانب الأكبر من هذا الدين المبين، وعن مبادئه الحياتية، ظانين أن العمل بجانب من الأحوال الشخصية والعبادات الفردية كافٍ لأن يصبح الإنسان مسلما كاملا.

هذه الغفلة ليست بأمر طبيعي. واذا كانت بدايتها ذات أسباب طبيعية، فإن استمرارها كان حتما وليد مؤامرات عدائية وخطط مدروسة ماهرة اتجهت بأجمعا الى إبعاد المسلمين عن واقع الإسلام.

بعد الثورة الصناعية واستحداث المصانع العملاقة في أوربا، اتجهت أطماع الغربيين الى مافي آسيا وأفريقيا من ثروات نفطية ومواد خام أخرى، والى مافي هاتين القارتين من أسواق استهلاكية لبضائعهم، ومن هنا جاء الغزو الغربي وبرزت ظاهرة الاستعمار، وامتدت الايدي الطامعة الى بلدان الشرق متمثلة بالجيوش الغازية تارة، ومستترة تارة أخرى بالارساليات التبشيرية، والكارتلات التجارية، والقروض الطويلة، والهبات، والمستشارين العسكريين، ليجعلوا من هذه البلدان إقطاعيات وعقارات لهم. القوى الغازية الطامعة وجدت أنه لابُدّ من قمع القوة المعنوية في الشرق باعتباره خطوة أولى لفرض الهيمنة، لأن هذه القوة يمكن أن تشكل عقبة أمام أطماعهم التوسعيّة. وفي بلدان الشرق لم تكن هذه القوة المعنوية سوى الإسلام.

فالإسلام يمنح أبناءه شخصيّة يرون فيها أنهم الأعلون. ويسميهم حزب اللّه وأن حزب اللَّه هم الغالبون. يعلمهم أنهم يجب أن يحافظوا على وجودهم أمام هجوم الأعداء ويقفوا أمامه صفا واحدا كالبنيان المرصوص، وأن لايهنوا ولا يحزنوا في لقاء العدوّ. ويبشرهم بأنهم الاُمة التي ستُستَخلف في الأرض، وتكون الشاهدة الوسط على ساحة التاريخ. ويدفعهم نحو حركة جهادية دائبة للحفاظ على دينهم والتضحية من أجل نشر تعاليم رسالتهم. ويحثهم على التلاحم والاتحاد ويفرض عليهم اتخاذ موقف الغلظة والشدّة تجاه الأعداء وينهى عن الركون اليهم… وهذه التعاليم تحبط مخططات الهيمنة الاستعمارية وتصدّ كل محاولات السيطرة على المسلمين. من هنا شمّر المستعمرون عن ساعد الجدّ لإبعاد شعوب الشرق عن هذه القوة المعنوية وهذا السلاح الماضي.

من جانب آخر، وجد الطامعون أن اقتلاع جذور هذا الدين، الضاربة في أعماق التاريخ والثقاقة، ليس بالأمر السهل، بل قد تكون عملية الاقتلاع هذه تؤدّي الى إثارة مشاعر المسلمين الدينية ضدهم وتصادر جهودهم. لذلك كان سبيلهم الأفضل حفظ الطقوس بظواهرها الصاخبة الطنّانة وعزل الدين عن الجوانب الثورية الحركية وجعله خاليا من أي تأثير على الساحة الحياتية.

كانوا يستهدفون في الواقع، بعملهم هذا، القضاء على الدين. ولكنهم بهذه الطريقة تجنبوا إثارة المشاعر الدينية ضد المستعمرين، وحافظوا على الظواهر الفارغة التي تستطيع أن تقف بوجه التيارات الأخرى التي تعلن معارضتها للدين [١]، بعبارة أخرى استطاعوا أن يحوّلوا الدين بهذه الخطة من مصدر خطر يهدد تدخّلهم وهيمنتهم الى حام لمصالحهم أمام القوى المنافسة.

هذه الخطة الماهرة دخلت حيّز التنفيذ، وازدادت على مرّ الايام «المراسم» الدينية، ونشطت المحافل الدينية، وازداد الاتجاه نحو إقامة الشعائر والمظاهر… والى جانب ذلك نشطت عملية إفراغ الدين من محتواه الحقيقي، المبادئ الإسلامية لفّها النسيان، واتجه بركان الدين الذي كان يهزّ عروش الجبابرة والطواغيت الى السكوت والخمود.

أتباع هذا الدين الذي يناديهم بالآيات الكريمات: «ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا» و «وليجدوا فيكم غلظة»، و «أشداءُ على الكفار رحماءُ بينهم» و «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» … أتباع هذا الدين فتحوا الابواب أمام الغزاة الغربيين، وعقدوا الآمال عليهم، وعدّوهم مصدر كل تقدم وتحرّر فكري وعلمي، وقدّموا طائعين كل كنوزهم الايمانية والعقائدية والماديّة قربانا على مذبح التقرب الى الغرب. وبذلك أضاعوا بكل سفاهة دينهم ودنياهم معا.

نحن اليوم أمام وضع كهذا. لابّد من هزّة لواقعنا ننفض بها هذا الغطاء المصطنع، ونقدّم بها واقع الدين الى المجتمع، ونعود الى مصدر قوتنا وعزّتنا.

لابد من جهاد متواصل لايعرف الكلل والملل، ولايهاب الحرمان والفشل من أجل إفهام الناس بأن هذه القشور التافهة ليست هي الدين، هذه الظواهر الفارغة ليست هي منهج الرسالة الخاتمة الى العالمين. أداء بعض الفرائض الدينية، خاصة بهذه الصورة الناقصة، لاينبغي أن يرضي غريزتنا الدينية، يجب أن نقنع الناس بأنا غُزينا في ديننا، وما بقي منه فإن الغزاة سيأتون عليه أيضا. يجب أن نذكّرهم بواجبهم في الدفاع عن الدين وأن نثبت لهم بأن هذا الواجب يتحمله اليوم كلّ المسلمين [٢].

يجب تدوين أصول الإسلام بتحليل وتدقيق، وعرضه على عامة الناس ليتعرفوا على إسلامهم.

هذه رسالة شاقة ثقيلة، ولكنها في نفس الوقت حياتية وكبيرة. هذه هي نفسها رسالة الأنبياء الذين نعرف ماقدّموه من تضحيات جسام على هذا الطريق.

هذا الكتاب - رغم صغر حجمه - خطوة رحبة فاعلة على هذا الطريق الرسالي. مؤلفه الكريم الكبير سعى بهذا الكتاب في فصوله المبوبة تبويبا ابتكاريا أن يعطي أولا صورة حقيقية للدين، وبعد أن بيّن أنّ الدين منهج حياة، وأن طقوسه لاتكون مجدية إلاّ إذا كانت معبّرة عن حقائقه، أثبت بأسلوب رائع ونظرة موضوعية أن العالم سيتجه نحو رسالتنا وأن المستقبل لهذا الدين.

وبعد دراسة موجزة لاُصول الشيوعية باعتبارها مدرسة التفت حولها لنصف قرن من الزمان مجموعات بشرية، وحكمت أكثر من ثلث سكان المعمورة وأصبحت أملا وحلما لذيذا للشعوب المحرومة المتخلفة… وبعد تحليل نماذج من المناهج التي طرحها غير الشيوعيين لإنقاذ البشرية من أزمتها الحالية…. يبدأ بأسلوب يمتاز بالدقة والعمق والأصالة بإثبات أن كل هذه المناهج ناقصة، وعاجزة عن إدارة عالم الغد، والمدرسة الوحيدة القادرة على أن تصل بركب البشرية التائهة الى محطّ النجاة والكمال هو الإسلام. فهو المنهج الكامل الواسع القادر على إدارة دفة الحياة مع الحفاظ على الخصال الإنسانية.

الكتب الاُخرى للمؤلف المفكر المجاهد تشكل كل منها خطوة على طريق توضيح معالم الرسالة الإسلامية، وتفنّد مزاعم أولئك الذين يتهمون الإسلام بالبعد عن المنهج العلمي الصحيح وبأنه استنفد أغراضه [٣].

في الخاتمة أشير الى مسألتين:

الاُولى - حاولنا في الترجمة أن ننقل غرض الكاتب بشكل كامل، وتجنبنا حذف أي جزء من الفكرة بذريعة الترجمة الحرّة، ومع ذلك سعينا الى أن تكون الترجمة واضحة سلسلة مفهومة للجميع، وتجنبنا ذلك اللون من الترجمة المقيّدة باللفظ والجملة، حتى لايقع الاُسلوب في غموض وتعقيد، في بعض المواضع غيرنا العناوين وأضفنا عناوين فرعيّة.

الثانية - ذكر المؤلف في نهاية كتابه بعض الاسماء وأثنى عليهم، ولست أوافق المؤلف في ذلك، ولكني أوافقه في أساس الموضوع، لذلك تجنبت التعليق في مكانه.

آمل أن تكون هذه الخدمة المتواضعة الصغيرة موضع قبول ربّ العالمين، وأن يهدينا الى مافيه رضاه سبحانه.

سيد علي خامنئي

مشهد فروردين ١٣٤٥

(١٣٨٦ هجرية قمرية)

………………………. ) Anotates (…………………….

١) المقصود القوى اليسارية المعارضة للغرب (المترجم).

٢) يجمع فقهاء الشيعة على أن الدين متى ماتعرض لخطر الإبادة في عصر غيبة الإمام المعصوم، فيجب على جميع المسلمين حتى الشيوخ والمرضى أن يدافعوا عنه بمقدار قدرتهم.

٣) أحد مؤلفاته القيمة والمبتكرة تحت عنوان: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» ومترجم هذا الكتاب يعكف على ترجمته، وسيقدم قريبا الى قرّاء الدراسات الإسلامية التحليلية (الهامش لسماحة السيد).



[ Web design by Abadis ]