ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دراسات فقهية

تحقيق في حكم الصّابئة

الامام القائد السيد علي الحسيني الخامنئي‏

هذا درس من سلسلة دروس السيد الامام في الفقه حول «باب الجهاد». ألقاه على طلبة درس الخارج (أعلى مستوى الدراسة في الحوزة العلمية). ومن الضروري أن نذكر أن السيد الاستاذ كتبه باللغة العربية، وبأسلوب الفقه الاستدلالي الاصولي، وفيه إشارات ترتبط ببحوث سابقة، غير أنه يشكّل بحثا مستقلا ذا فوائد جمّة، لأنه يتناول قضية تعيّن موقف الحاكم المسلم من جماعة موجودة بين المسلمين، وتنهج أسلوب تحرّي واقع هذه الجماعة من مصادرهم، إضافة الى استنادها الى أقوال العلماء من السنة والشيعة في هذا المضمار ومناقشتها مناقشة علمية دقيقة.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه رب العالمين والصّلاة والسلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين.

الصابئة

والقول بجريان أحكام أهل الذمة أو عدم جريانها عليهم يحتاج الى زيادة فحص في أدلّة الحكم وهكذا الى بحث و تتبع جادّين في معرفة الموضوع، إذ عمدة الاشكال في حكمهم ناشئٌ من عدم المعرفة بحالهم و حقيقة دينهم واعتقادهم، ولا بدّ أوّلاً من نقل الكلمات فيهم:

قال الشيخ المفيد [١]: «وقد اختلف فقهاءالعامة في الصابئين ومن ضارعهم في‏الكفر سوى من ذكرناه من‏الاصناف الثلاثة فقال مالك بن أنس والاوزاعي: كلّ دين بعد دين الاسلام سوى اليهودية والنصرانيّة فهو مجوسية و حكم أهله حكم المجوس …. » ثم استمّر في نقل الكلمات في تسويتهم مع المجوس - ثمّ قال‏رحمه الله: «فامّا نحن فلا نتجاوز بايجاب الجزية الى غير من عدّدناه لسنّة رسول‏اللَّه صلى الله عليه وآله فيهم والتوقيف الوارد عنه في أحكامهم». ثم قال‏رحمه الله في مقام استبعاد ما ذكره القوم من تسوية الصابئة للمجوس: «فلو خُلّينا والقياس لكانت المانوية والمزدقية والديصانية عندي بالمجوسية أولى من الصابئين، لأنّهم يذهبون في أصولهم مذاهب تُقارب المجوسية و تكاد تختلط بهما».

ثم ذكر بعض النحل المهجورة، و بيّن قربها من النصرانية أو من مشركي العرب ثم قال رحمه الله:

- رسالة التقريب - العدد ١٥ الامام الخامنئي‏

-

تحقيق في حكم الصابئة دراسات فقهية -

- «فامّا الصابئون فمنفردون بمذاهبهم ممّن عدّدناه، لانّ جمهورهم يوحّد الصّانع في الأزل، ومنهم من يجعل معه هيولى في القدم، صنع منها العالم، فكانت عندهم الاصل. و يعتقدون في‏الفلك وما فيه، الحياةَ والنّطقَ وانّه المدّبر لما في هذا العالم، والدّال عليه. وعظّموا الكواكب، وعبدوها من دون اللَّه عزّ و جلّ و سمّاها بعضهم ملائكة و جعلها بعضهم آلهةً، و بنوا لها بيوتاً للعبادات، وهؤلاء بالقياس الى مشركي العرب وعبّاد الاوثان أقرب من المجوس، لانهم وجّهوا عبادتهم الى غير اللَّه سبحانه في‏التحقيق، وعلى القصد والضّمير، و سمّوا مَنْ عداه من خلقه بأسمائه جلّ عمّا يقول المبطلون…» الى آخر كلامه الشريف الذي سلك فيه مسلك الفقيه المتكلّم، و عَمَد الى إبطال حجّة فتوى الخصم بكون الصابئة من أهل الذمّة، من طريق الخدشة في مشابهة المقيس والمقيس عليه. وهو في غاية الجودة والاتقان إذا فرض أنّ ما نسبه رحمه الله الى الصابئة من العقائد، هي العقائد المقبولة لديهم وهي الّتي تشكّل أصول دينهم و نحلتهم، و سوف تعرف الكلام في ذلك.

وقال الشيخ رحمه الله في الخلاف [٢]: «الصابئة لا يؤخذ منهم الجزية ولا يقرّون على دينهم. و به قال أبوسعيد الاصطخري، وقال باقي الفقهاء انّه تؤخذ منهم الجزية، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم و أيضاً قوله تعالى: «فاقتلوا المشركين» [٣] و «فإذا لقيتم الّذين كفروا» [٤]، ولم يأمر بأخذ الجزية منهم، و أيضاً قوله تعالى: «قاتلوا الّذين لا يؤمنون» [٥] فشرط في أخذ الجزية أن يكونوا من أهل الكتاب وهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب…» انتهى‏كلامه رفع اللَّه مقامه.

فاستناده الى الآيتين بضميمة أنه لم يأمر بأخذ الجزية منهم، بمنزلة تأسيس أصل عام في معاملة الكفّار، و حاصله: أن مقتضى الآيتين قتال الكفار الاّ مَن أُمر بأخذ الجزية منهم، وهؤلاء لم يرد الامر بالجزية في حقّهم.

وأمّا استناد ذلك الى آية الجزية فهو متوقّف على أمرين:

الأول: دلالتها على عدم الجزية بالنسبة لغير من أُوتي الكتاب، ولو بضميمة رواية عبدالكريم الهاشمي المذكورة سابقاً [٦].

الثاني: إثبات كون الصابئة من غير «الذين أوتوا الكتاب»، أو قُل: عدم إحراز كونهم من‏الذين أوتوالكتاب، و سوف نذكر في ذلك ما هوالمؤدّي إليه نظرُنا إن شاءاللَّه تعالى.

وقال الطّبرسى رحمه الله في تفسير قوله تعالى: «إنّ الّذين آمنوا…. والصابئين» [٧] بعد نقل كلمات الفقهاء و أهل اللّغة في معنى الصابئة وما هم عليه من الاعتقاد: «والفقهاء بأجمعهم يجيزون أخذ الجزية منهم، وعندنا لا يجوز ذلك، لأنّهم ليسوا بأهل كتاب…» [٨] انتهى. واستدلاله يشبه ما مرّ من الخلاف.

وفي تفسير عليّ بن ابراهيم في بيان قوله تعالى: «إنّ الّذين آمنوا والذين هادوا…. » [٩].

قال (يعني عليّ بن ابراهيم): «الصابئون قوم لا مجوس و لا يهود و لا نصارى ولا مسلمون، وهم يعبدون الكواكب والنجوم» [١٠].

وفي الجواهر بعد ما نقل عن ابن الجنيد تصريحَه بأخذ الجزية منهم، قال: «ولابأس به إن كانوا من إحدى الفرق الثلاث». ثم أخذ في ذكر أقوال من صرّحوا بكون الصابئة داخلة في إحدى تلك الفرق، مع ما فيها من التضارب، ثم قال: «وحينئذٍ يتّجه قبول‏الجزية منهم».

ثمّ ذكر بعده أقوال من ينسبهم الى عبادة النجوم و أمثالها و أضاف: «وعليه يتّجه عدم قبولها منهم…. » الى آخر كلامه [١١].

ولكن الظاهر من كلام ابن الجنيد رحمه الله المذكور في مختلف العلاّمةرحمه الله أنّه حكم بدخول الصابئة فيمن يؤخذ منهم الجزية كفرقة مستقلّة عن الفرق الثلاث المذكورين قبلها، لا كجزء منها، كما أنّ هذا ينبغي أن يكون هوالمراد في كلام من يعتقد بأخذ الجزية من الصابئة والاّ فأخذ الجزية من جميع الديانات الثلاث مما لا يختلف فيه اثنان [١٢].

والذي يتحصّل من الأقوال:

أولاً: أنه ليس في المسألة إجماع من أصحابنا، و ذلك لمخالفة ابن‏الجنيدرحمه الله الّذي هو ممّن لابدّ أن يُعتنى بقولهم في تحقق الاجماع وعدمه؛ و لأنّ فتوى‏العلماء بعدم أخذ الجزية من الصابئة إنما تنشأ مما وصلوا اليه في تشخيص الموضوع، أعني كون هؤلاء من غير أهل الكتاب كما عرفت ذلك في كلام المفيد والقمي والطبرسي و غيرهم الى صاحب الجواهر رحمهم الله، و أين هذا من الاجماع الحجّة الذي يحكي عن حكم اللَّه تعالى فيٍ موضوعٍ محدّدٍ معلوم؟

وثانياً: إنّ الموضوع في هذه المسألة مما لم ينقّح من قبل فقهائنا، لا بالفحص الخارجي بالتتبع في أحوال منتحلي هذه النحلة واستماع عقائدهم منهم أو فهمها من كتبهم و أسفارهم، و لا بمقارنة ما قيل عنهم بتاريخهم أو بعضها ببعض حتى يحصل من ذلك ما يمكن الركون إليه في معرفة هذه الفرقة التي ذكر اسمها في‏القرآن الكريم ثلاث مرات.

نعم ربما يوجد في بعض كتب الملل والنحل ما يلقى الضوء على شطرٍ من عقائدهم و نبذة من تاريخهم، وإن كان هذا غير كافٍ في إحراز الموضوع في مسألة عصمة الكافر وأخذ الجزية منه وعدمها، ولعلّ هذا الاعراض أو قلّة الاهتمام في إحراز الموضوع جاء نتيجةً لعدم الابتلاء كثيراً بحكمه، لا سيّما لأمثال فقهائنا الكرام الذين كانوا بمعزلٍ عن الحكم وإدارة شؤون المجتمع وغير مبتلين بمسألة أخذ الجزية من الكافر أو محاربته، لا في العمل و لا حتّى في الافتاء وبيان الحكم.

ثم بعد ما ثبت أنه ليس هناك إجماع يمكن الرّكون إليه، فتنقيح المسألة يتوقّف تارة على الفحص عن الادلّة اللفظية من العمومات والإطلاقات التي ربما يتحصل منها قاعدة كليّة شاملة لمثل المقام، أو ما يمكن الاستدلال به أحياناً في خصوص هذا المورد، أو ما هو مقتضى الأصول العمليّة - على فرض خلوّ المسألة من الدليل الاجتهادي - وتارة أخرى يتوقف على المزيد من التتبّع والتنقيب لمعرفة الموضوع وإلقاء الضوء على الزوايا المعتّمة منه.

محوران للبحث‏

هناك محوران للبحث: الأوّل منهما يتضمّن أربعةَ نقاط كبرويّة كما يلي:

١ - هل المراد بالكتاب في باب الجزية كتاب خاصّ؟ أو يعم جميع الكتب المشرّعة دون غيرها؟ أو يشمل مطلق الكتاب السماوي، سواء المشرّعة منها وغيرها؟

٢ - لو شكّ في كون الصابئة أهل كتاب فهل يجري بذلك في حقّهم حكم من له شبهة كتاب أم لا؟ و بعبارة أخرى: هل وجود شبهة الكتاب يوجب دخولهم في من يُقرّ على دينه، واندراجهم تحت عنوان أهل الذمّة؟

٣ - لو شك في عقائدهم من جهة التوحيد والشرك وأمثالهما فهل يجوز التمسك بدعواهم في ذلك؟ فيكون مايقولونه عن أنفسهم وعقائدهم حجّة على غيرهم؟

٤ - لو بقي الشكّ في أمرهم قائماً، فما هو مقتضى القاعدة في ذلك؟ وهل هناك أصل لفظي أو عملي يُعمل بمقتضاه؟

والمحور الثاني يتضمن عدة نقاط صغرويّة تلقي الضوء على جوانب من الموضوع، وهي:

١ - هل هناك ما يمكن الاستدلال به على أنّ الصابئة أهل كتاب؟

٢ - هل يعدّون من شعب الاديان الثلاثة (اليهود والنصارى والمجوس)؟

٣ - هل العقائدالمنسوبة اليهم تمنع من انعقاد الظنّ بكونها إلهيّة؟

٤ - هل يشتمل اسمهم على شي‏ء ينافي كونهم ذوي دين سماويّ؟

المحور الاول‏

الامر الاول:

فقد اشتهر أنّ عنوان «الكتاب» في الآيات القرآنية المبيّنة لحكم أهل الكتاب و منها آية الجزية [١٣]، يراد به التوراة والإنجيل قال في الجواهر: «أنّ المنساق من الكتاب في القرآن العظيم هو التوراة والانجيل» و نقل عن منتهى العلامة دعوى الاجماع على أنّ اللام في الكتاب في آية الجزية للعهد اليهما [١٤].

الا أننا أثبتنا خلاف ذلك تفصيلاً فيما سبق، وقلنا ما حاصله: إنّ عنوان «أهل الكتاب» في القرآن الكريم و إن كان لا يبعد أن يراد به اليهود والنصارى - على ما قد يشهد به التتبع والتأمل - إلاّ أن عنوان «الكتاب» في الآيات الشريفة - إذا استعمل مجرّداً عن ذاك التعبيرالتركيبي (أهل الكتاب) وخالياً عن قرينة معيّنة - لا يراد به التوراة والإنجيل أو كتاب خاص آخر من كتب الانبياء السالفة، بل يراد به مطلق ما نزل من السماء وحياً على نبيّ من أنبياء اللَّه‏عليهم السلام، من غير اختصاص أو إشارة الى كتاب خاص، وهذا أيضاً مما يشهد به التتبع والتأمل في تفاصيل الآيات… بناءً عليه فالكتاب في آية الجزية هو الاعمّ من التوراة والانجيل، ولا شاهد على تقييده بهما، بل يشهد على كونه أعمّ منهما أنه يشمل كتاب المجوس باجماع الامة و بمعونة الروايات الحاكية عن أنّ للمجوس كتاباً، وهكذا يتضح أيضاً أنه لا شاهد على تقييده بالكتب المشرّعة، أي التي جاءت بدين جديد، اذ الظاهر أنّ كتاب المجوس ليس من‏الكتب المشرّعة، و نبيّهم ليس من أولي العزم. فاطلاق الكتاب في الآية الشريفة يشمل غيره.

ولزيادة الايضاح في ذلك نقول: إنّ الظاهر من معنى الكتاب في الكلام عن الأنبياء والأديان الإلهيّة، هوالحدّ الفاصل الفكري والاعتقادي والعملي بين الايمان والكفر. فالكتاب هو الوحي الالهي الذي يُخرج الافراد والجماعات عن ربقة الاديان البشرية والمجعولة كعبادة الاصنام والآلهة المزعومة، و يسوقهم الى دين اللَّه تعالى وعبادته، فهو الصحيفة الإلهية المشتملة على معرفة اللَّه تعالى و معرفة الحقائق التي تتصدّى لتشريحها وتحقيقها الرّسالات السماوية، والتي تقابل الإلحاد والشرك والوثنية، وهذا معنى عامّ يشمل أنواع الكتب السماوية، قال اللَّه تعالى: «و منهم أمّيّون لا يعلمون الكتاب» [١٥].

وقال تعالى أيضاً: «وقل للذين أوتوا الكتاب والأميّين ءأسلمتم» [١٦].

فجعل أهل الكتاب والعلماء به في مقابلة الاميّين، و يريد بهم عبَدَة الاصنام.

وقال تعالى: «ما يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين» [١٧].

فجعل الكتاب في مقابلة الشّرك.

وقال تعالى: «كان النّاس أمّة واحدة فبعث اللَّه النبيّين مبشّرين و منذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين النّاس فيما اختلفوا فيه» [١٨].

فجعل الكتاب مائزاً للنبوّة و حاكماً لأهل الدين فيما اختلفوا فيه. ومن الواضح أن هذه صفات لعامّة كتب اللَّه تعالى.

فهذه الآيات و غيرها تدلّ على أنّ الكتاب في مصطلح القرآن الكريم هو ما ينزل من اللَّه تعالى على أنبيائه، لهداية النّاس والحكم فيهم و إخراجهم من ظلمات الكفر والشّرك والالحاد، فلِمَ لا يكون‏الكتاب في آية الجزية بنفس المعنى؟ و أي شاهدٍ على استعماله في الأخصّ منه؟ .

هذا، و تشهد أيضاً - لعموم معنى الكتاب في باب الجزية - رواية الواسطي عن بعض أصحابنا قال: سُئل أبوعبداللَّه عليه السلام عن المجوس أكان لهم نبي؟ فقال: نعم، أما بلغك كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الى أهل مكّة: «أسلموا والاّ نابذتكم بحرب». فكتبوا الى النبي‏صلى الله عليه وآله أن خذ منّا الجزية و دعنا على عبادة الاوثان، فكتب اليهم النبي‏صلى الله عليه وآله: «إني لست آخذ الجزية الاّ من أهل الكتاب، فكتبوا اليه يريدون تكذيبه: زعمت أنك لا تأخذ الجزية الاّ من أهل الكتاب ثم أخذت الجزية من مجوس هجر». فكتب إليهم رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله: «إنّ المجوس كان لهم نبيّ فقتلوه و كتاب أحرقوه أتاهم نبيّهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور…» [١٩].

و إطلاق الكتاب فيها على كتاب المجوس، بل إطلاق أهل الكتاب عليهم، لايدع المجال لاحتمال اختصاصهما بالتوراة والإنجيل و أهلهما في مصطلح أهل الشرع… وقريب منها مرسلة الصدوق عن النبي‏صلى الله عليه وآله ورواية الاصبغ بن نباتة عن أميرالمؤمنين‏عليه السلام [٢٠]، و ضعف أسناد هذه الروايات لايضرّ، بعد ما هوالمعلوم من تلقّي الأصحاب لمضامينها بالقبول والعمل بها في خصوص المجوس. مضافاً إلى أنّ هناك روايات معتبرة وقع فيها التصريح بأن المجوس أهل كتاب، منها معتبرة سَماعة: عن أبي عبداللَّه‏عليه السلام قال: «بعث النبى‏صلى الله عليه وآله خالدبن الوليد الى البحرين… (الى أن قال: ) فكتب اليه رسول‏اللَّه‏صلى الله عليه وآله: إنّ ديتهم مثل دية اليهود والنصارى وقال: إنّهم أهل الكتاب [٢١]. و منها موثقة زرارة: سألته عن المجوس ما حدّهم؟ فقال: هم من أهل الكتاب، و مجراهم مجرى اليهود والنصارى في الحدود والديات… [٢٢]، وإضمار الرواية غير مضرّ بعد كون المضمر مثل زرارة. فبملاحظة هذه الروايات يظهر ضعف ما يتوهّم و يدّعى من أنّ إطلاق الكتاب بلا قرينة ينصرف الى الكتابين، إذ مع التعبير عن المجوس بأهل الكتاب لامجال لمثل هذا الدعوى.

ثم إنّ هناك روايات أخرى في المجوس أيضاً، ورد فيها: «سنّوا بهم (أي بالمجوس) سنّة أهل الكتاب…» والمراد بأهل الكتاب فيها: اليهود والنصارى.

وهذا يشعر بأنّ إطلاق أهل الكتاب على اليهود والنصارى كان دائراً في عرف المحادثات، والظاهر أنّ ذلك كان من جهة غلبة وجود الفرقتين، دون غيرهما، في الجزيرة العربيّة. وأين هذا من اختصاص عنوان أهل الكتاب بأهل الكتابين دون غيرهما؟ فضلاً عن اختصاص عنوان الكتاب بالتوراة والإنجيل.

والمتحصّل من ذلك كلّه أنّ «الكتاب» في مصطلح القرآن و في لسان‏الاحاديث وهكذا في عرف المتشرّعة في صدرالاسلام، حتى زمن الأئمةعليهم السلام، كان يُستعمل في مطلق الكتاب السماوي، ولا شاهد على اختصاصه في آية الجزية بكتاب خاص: التوراة والإنجيل أو غيرهما، فيُستنتج من ذلك أنّ الكتاب الذي يُحكم بالجزية في حقّ متّبعيه، هو مطلق الكتاب السماوي.

و يدلّ على ذلك أيضاً رواية الواسطي المتقدمة، حيث علّل فيها رسول‏اللَّه‏صلى الله عليه وآله حكمه بالجزية على المجوس، بأنّهم كان لهم رسولٌ و كتاب، و مقتضاه عموم هذا الحكم بالنسبة لكلّ فرقة لهم كتاب، والمعلوم أنّ كتاب المجوس مغايرٌ للتوراة والإنجيل، ولم يعلم أنه كان كتاباً مشرّعاً حاوياً لدين جديد، و بناءً عليه فالحكم شاملٌ لكلّ كتاب من أيّ نبيّ من الانبياء …

هذا، وربّما يستفاد من الكلام الذي نقلناه عن المفيدرحمه الله، أنّ هناك دليلا من السنّة على اختصاص الجزية بالطوائف الثلاث (اليهود والنصارى والمجوس) و إذا صحّ ذلك فاطلاق ما عرفت في الآية الكريمة (آية الجزية) و رواية الواسطى، يقيّد بهذا الدّليل، و يكون هذا شاهداً على إرادة خصوص الكتب الثلاثة من‏الكتاب في الآية… قال في طيّ كلامه المنقول سابقاً: «وأمّا نحن فلا نتجاوز بايجاب الجزية الى غير من عدّدناه، لسنّة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله فيهم والتوقيف الوارد في أحكامهم …» الى آخر كلامه الشريف.

إلاّ أنه لم يتضح لنا المراد من السنّة في كلامه، فان أراد السنّة القوليّة، فليس فيما بأيدينا من الروايات ما يدّل على اختصاص الجزية باليهود والنصارى والمجوس، ولم نعثر على من ادّعى وجود رواية بهذا المضمون، حتى من قريبي العهد بزمان المفيد كأصحاب المجاميع الحديثيّة و غيرهم، بل هناك ما قد يستفاد منه تعميم الجزية على جميع الكفّار، كما سيأتي إن شاءاللَّه.

و إن أراد السنة الفعليّة بمعنى عدم أخذ الجزية من الصابئة في زمان حياة النبي‏صلى الله عليه وآله فهي:

أولاً: غير ثابتة، اذ عدم النقل أعمّ من عدم الوقوع.

ثانياً: قد يكون عدم أخذ الجزية ناشئاً من عدم وجود الصابئة في عداد القاطنين في رقعة الفتوح الاسلاميّة آنذاك، فهؤلاء كانوا ساكنين في‏الميسان والحرنان، و كلا المكانين فتحا بعد وفاته‏صلى الله عليه وآله و ربما يكون ناشئاً عن أسباب أخرى. والحاصل أنّ السنّة الفعليّة في عدم أخذ الجزية من الصابئة لا تكفي لاثبات أنّ الحكم فيهم عدم الجزية، نعم لو كان هناك ما يدلّ على محاربتهم لكان دالاً على‏المطلوب بوجهٍ، و أنّى يثبت ذلك؟

و حاصل الكلام في النقطة الاولى هو أنّ الكتاب في باب الجزية لا ينحصر في الكتابين كما لا ينحصر في الكتب المشرّعة، بل لو فرض ثبوت تبعيّة قومٍ لكتاب يحيى أو داود أو إدريس مثلاً، فهؤلاء من الذين أوتوالكتاب، فتُحقَن دماؤهم، و يقرّون على دينهم، و تؤخذ منهم الجزية.

الامر الثاني:

اذا لم يحرز صغروياً أن الصابئة أهل كتاب من الكتب السماوية، فهل وجود الشبهة في أمرهم وعدم الجزم بخروجهم من دائرة اتباع الأنبياء، يكفي في جريان حكم أهل الكتاب فيهم، من إقرارهم على دينهم وإجراء عقد الذمّة معهم و غير ذلك؟ أم لابد في ذلك من إحراز كونهم من متّبعي الأنبياء والكتب السماوية؟

و إجمال القول في ذلك: أنّ أحد العناوين التي تكرر ذكرها في هذا الباب من الكتب الفقهية عنوان: «من له شبهة كتاب»، والظاهر أن هذا التعبير ليس له أصل حديثي، إذ لم نجد في روايات هذه الابواب ما يمكن استقاء هذا التعبير منه، و إنما نشأ ذكره من عصر شيخ الطائفة رحمه الله وهو أول من وجدنا هذا العنوان في كلماته. قال في المبسوط: الكفار على ثلاثة أضرب: أهل كتاب وهم اليهود والنصارى…. و من له شبهة كتاب وهم المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب…. الى آخره… [٢٣] و أخذ ذلك منه تلميذه و معاصره القاضي ابن البراج [٢٤]، ثم تبعهما ابن إدريس والمحقق والعلامةرحمهم الله، ولم نجد في كلمات قدماء أصحابنا الى زمان المحقق الحلي‏رضى الله عنه من استعمله غير من ذكرنا. وهؤلاء استعملوه تعبيراً عن‏المجوس و جعلوه مقابلاً لعنوان أهل الكتاب، المراد بهم اليهود والنصارى. والظاهر من مساق كلماتهم أن في ذكر هذا التعبير، نوع إشارةٍ الى مناط الحكم في أمر المجوس، فكأنّ جريان ما يجري على المجوس من الأحكام، إنما نشأ من وجود الشبهة في أمرهم أو في كتابهم، و إلا لم يكن وجه للعدول عن تسمية المجوس باسمهم، الى التعبير عنهم بعنوان كلي فالروايات الواردة في المجوس إنما تتص

دى لحكم المجوس بعنوان المجوس فقط، فلم يكن الباحث في بيان حكمهم كمجوسيين، بحاجةٍ الى ذكر عنوان كلي كهذا، وعلى هذا فيكون ذكر هذا العنوان، أعني وجود الشبهة في أمر كتابهم، بحكم الإشارة الى أنّ هذا هوالمناط في حكمهم. وعلى هذا فالحكم لاينحصر فيهم، بل يجري في كل نحلة تشترك معهم في هذا المناط، أعني وجود الشبهة.

و مما يقوّي هذا الاحتمال في كلامهم ما ذكره العلاّمةرضى الله عنه في المنتهى، فانه قال في مقام الردّ على أبي حنيفة الذي قاس مشركي العرب بأهل الكتاب والمجوس، ما لفظه: «والجواب بالفرق بين المقيس والمقيس عليه، فان أهل الكتاب لهم كتاب يتدينون به والمجوس لهم شبهة كتاب»، ثم نقل رواية الواسطي ثم قال: «والشبهة تقوم مقام الحقيقة فيما بني على الاحتياط، فحرمت دماؤهم للشبهة، بخلاف من لا كتاب له و لا شبهة كتاب» انتهى. فاستدلاله لحكم المجوس، بوجود الشبهة في أمرهم، كالصريح في أن عنوان «من لهم شبهة الكتاب» لايراد به الاشارة الى المجوس فحسب، بل هو حامل لاستدلال عام يشمل المجوس و غيرهم من الفِرق التي يكون فيها مثل، ما كان في المجوس من الشبهة.

و يؤيد ذلك كلامه الآخر في المنتهى، فانه قال في مقام تقسيم الكفار الى الذمّي والحربي: «فالذمي يشمل من له كتاب كاليهود والنصارى و من له شبهة كتاب كالمجوس» انتهى. فقوله: كالمجوس، فيه إشعار الى أنّ المجوس أحد المصاديق لهذا العنوان الكلي، لا المصداق المنحصر له.

و حاصل ما ذكرنا أن المناط في إلحاق المجوس باليهود والنصارى في أحكامهم، هو وجود الشبهة في أمرهم وعدم إحراز كونهم غير منتمين الى نبي من الانبياء و كتاب من الكتب السماوية.

ثم إن أناطة حرمة الدماء والنفوس بالشبهة، أمر موافق لما علمناه من الشرع، من الاحتياط في أمر الدماء والاموال والفروج، مضافاً الى أن من الممكن القول بأن هدر الدماء و حلّ النفوس، إنما يختص بالمحاربين للدولةالاسلامية دون غيرهم من الكفار، و أن حكم القتل و القتال بالنسبة الى الكفار ليس أمراً شاملاً لكل كافر الاّ ما خرج، بل يختص بطوائف منهم - على ما احتملناه و نفينا عنه البُعد في بعض المباحث السابقة. وعلى فرض قصور الدليل على ذلك، فلا أقل من الاحتياط الذي أشرنا اليه في الطوائف التي قامت الشبهة في أمرهم وقد سمعت فيما نقلناه عن العلامةرضى الله عنه أن: «الشبهة تقوم مقام الحقيقة فيما بني على الاحتياط، فحرمت دماؤهم (اي المجوس) للشبهة». فهذا المقدار مما لايحتاج الى زيادة تكلّف في الاستدلال. إلاّ أن معاملة أهل الكتاب، لا ينحصر في حرمة نفوسهم و أموالهم، بل يشمل عقدالذمة معهم والذي يشمل كثيراً من الفروع والاحكام، و من المعلوم أن ما أنيط به حرمة الدماء والاموال، من وجود الشبهة ولزوم الاحتياط، لا يكفي لإثبات تلك الاحكام، إلا أن تُدّعى الاولوية في ذلك، بأن يقال الجزية و ساير ما يكلف الذمي به، تكون بمنزلة العوض الذي يؤديه في مقا

بل حرمة نفسه و ماله، فاذا كلفنا الكتابي بذلك فالمشتبه بالكتابي أولى منه به.

فالحاصل أن القول بجريان أحكام أهل الكتاب، فيمن يحتمل كونه كتابياً، مما لا يبعد عن القواعد الفقهية المتسالم عليها، فهذا هوالوجه في ذكر عنوان: «من له شبهة كتاب» في كلمات بعض القدماء، و جعله قسيماً لأهل الكتاب موضوعاً، و مشتركاً له حكماً.

ولكن هذا. كله بناءً على أن المراد من «الشبهة» في العنوان المذكور، الشبهة والشك في كونهم أهل كتاب. فالشبهة هنا بناءً على هذالمعنى، من قبيل شبهة الأمان، حيث قلنا هناك: إن من احتمل في حقه الأمان فهو محقون، كما أن من توهم الامان بالنسبة الى نفسه - كمن سمع صوتاً من مسلم فتوهمه أماناً له - فهو محقون أيضا، مع أن عدم الأمان في المثال الاول محتمل في الواقع، و في المثال الثاني عدم الأمان معلوم واقعاً، إلا أن الشارع حكم بترتيب آثارالأمان في المثالين، احتياطاً في أمر الدماء والنفوس، فهنا أيضاً يُحكم في حق مشتبه الكتابية، بأحكام أهل الكتاب، احتياطاً للدماء والنفوس.

و أما بناءً على أن يكون المراد من «شبهةالكتاب» ما احتملناه سابقاً - في البحث عن حكم المجوس - من أن المراد بالشبهة، المشتبه فيه، والمعنى أن ما بيد القوم من الكتاب الذي يزعمونه كتاباً سماوياً، ليس هوالكتاب السماوي الذي نزل على نبيهم، أي أن الامر اشتبه عليهم في ذلك، كما هوالحال في المجوس بحسب ما ورد فيهم من الروايات، حيث ورد أنه كان لهم نبي وقد أنزل عليه كتاب ولكن أحرق الكتاب ولم يبق منه شي‏ء، فما هو الآن بأيديهم ليس هوالكتاب الحقيقي النازل من السماء بل شي‏ء مشتبه به، فعلى هذا المعنى يختلف الامر مع ما ذكرناه على المعنى السابق، إذ الحكم بالنسبة لمن حاله هكذا كالمجوس ليس حكماً احتياطياً، لانهم أهل الكتاب واقعاً، وليس مشتبهاً بأهل الكتاب، فالحكم فيهم بعينه هوالحكم في اليهود والنصارى. إلا أن صحّة استعمال هذا التعبير في حق كل طائفة و نحلة، يتوقف على إثبات كونه أهل كتاب واقعاً بدليل معتبر، كما هوالحال في حق المجوس، ولا يكفي فيه الحدس الظني من طريق مقارنة ما بأيديهم من الكتاب بما تحتويه الكتب‏السماويّة عادةً، أو من أي طريق ظني آخر.

ولو فرض ثبوت مثل هذا لدليل في باب الصابئة فهو، والا فاجراء عنوان: «من له شبهة الكتاب» في حقهم مشكل.

و سوف يأتى إن شاءاللَّه في بيان النقاط التالية ما يوضح الأمر أكثر.

الأمر الثالث:

هل يجوز التمسك بدعواهم في عقائدهم إذا ادّعوا التوحيد والاعتقاد بنبيّ من الانبياء وكتاب من الكتب السماوية وأمثال ذلك؟ ربما يتبادر ذلك الى الذهن من وجوه:

أولاً: أفتى الفقهاء رحمهم الله بحجية قول الكافر اذا ادعى أنه كتابيّ بمعنى أهل الكتاب المعروفين أعنى اليهود والنصارى. قال في المبسوط: «إذا أحاط المسلمون بقوم من المشركين فذكروا أنهم أهل كتاب و بذلوا الجزية فانه تقبل منهم» الى آخر كلامه. [٢٥] والظاهر أنه أراد من أهل الكتاب اليهود والنصارى المعروفين بهذا العنوان. فاذا كان قول الكافر حجة في ذلك فَلِمَ لايكون حجة إذا ادّعى أنه موحّد و أنه من متّبعي أحد أنبياء اللَّه تعالى؟

ثانياً: إن الآية الشريفة: «ولا تقولوا لمن ألقى‏ إليكم السّلام لست مؤمنا…» [٢٦] تجعل قول من كان يعرف بالكفر، حجة في دعواه الاسلام، فلم لا يكون حجّة من باب تنقيح المناط، في دعواه التوحيد والايمان بنبيّ من الانبياء؟ إذ المناط هو عدم التعرّض لمن يُظهر أنه ممّن لايجوز التعرّض لهم، سواءً من جهة الاسلام أو من جهة الاندراج في الطوائف الذين لا يُتعرّض لهم من الكفار، وليس خصوصيّة لدعوى الإسلام، ولذا لو ادّعى أنه من أهل الذمّة يُسمع منه أيضاً.

وثالثاً: إن قبول قول أهل الملل في عقائدهم أمرٌ عقلائي لا يتخلف عنه العقلاء عادةً، و ذلك من جهة الظن النوعي بكونهم صادقين في دعواهم هذه، والسر في ذلك أن من يعتقد بشي‏ء، إنما يعتقد به من جهة أنه يراه حقاً و صدقاً، بل يراه الشي‏ء الوحيد الذي ينبغي أن يُعتقد به، ولذا تراه صادعاً بعقيدته إذا لم توجد الدّواعي الموجبة لاخفاء عقيدته كالخوف والتقيّة، فلا يعقل أن يقول أهل ملة - بكاملها و في مرّ الأزمان - عن ملّته و نحلته التي يتّبعها، غيرَ ما يعلم منها. فهو حجة على غيره فيما يقول عن نحلته بحسب هذا البناء العقلائي الذي لم يردع عنه الشارع المقدّس.

هذا، و يمكن الخدشة في الوجوه المذكورة بما يوهن الاستدلال بها…

أمّا الوجه الاوّل فيمكن التفريق فيه بين المقيس والمقيس عليه، بأنّ دعوى الكافر فيما ذكره الشيخ‏رضى الله عنه، إنما هو إخبارٌ عن أمر قائم بنفسه، أي إيمانه وعقيدته، ولا يعرف ذلك الاّ من قِبلَه، و في مثله لا مناص عن قبول قول المدّعي، و بذلك أفتى الفقهاء في أمثاله، ولذا ترى أنه إذا أمكن الوصول الى الواقع بواسطة البيّنة المتشكلة ممّن أسلم منهم صار معدّلاً، فلو تبيّن كذب الدعوى بطل العهد والذمّة [٢٧]. وهذا بخلاف ما نحن فيه، إذ الدعوى هاهنا ليست أمراً راجعاً الى اعتقاد الشخص بأمرٍ معلوم حتى يكون أمراً لايعرف الاّ من قبله، بل راجعٌ الى أمرٍ أعمّ من ذلك، أعني اشتمال الدين الذي يعتنقه، على عقيدة التوحيد ومستلزماتها….

و بعبارة أخرى: هناك فرق بين أن يدّعي أحدٌ أنّه من اليهود مثلاً، و أن يدّعي أنّ دين اليهود يشتمل على كذا و كذا من العقائد والاحكام… ففي الاوّل يجري كلام الشيخ رحمه الله و أما في الثاني فلا، لانّ هذا ليس ممّا يكون قائماً بنفس المدعي، وليس ممّا لايمكن معرفته الاّ من قبله، حتى يلزم قبول قوله فيه، بل هو أمر خارجي يمكن أن يعرفه كل من بحث و فحص عنه، فلا يلزم قبول قول المدعي فيه.

وأمّا الوجه الثاني، ففيه:

أوّلاً، أنّ الآيةالشريفة لم تأمر بقبول دعوى المدّعي، بل أمرت بالتبيّن والتثبّت وعدم التسرّع الى قتل من يدّعي الاسلام أو السّلم بداعي ابتغاء عرَض الحياة الدنيا، بل يمكن استيناس عدم قبول قول المدّعي، من إيجاب التبيّن في الآية، إذ لو كان قبول قوله جائزاً لما بقي وجه للتبيّن.

وثانياً، إنّ ما ذكر من‏المناط، غير مقطوع به، إذ كم الفرق بين دعوى من يدّعي الاسلام و دعوى من يُظهر الكفر به! والآية الشريفة بصدد بيان حكم الاوّل، و لا يبعد وجود خصوصيّة في مدّعي الإسلام دون غيره، و أن يكون المناط هو لزوم الاحتياط في دماء من يحتمل فيه الايمان به، وعدم السّماح لتطرّق الدواعي النفسية والشخصيّة في هذا الامر الخطير.

وأما الوجه الثالث فيمكن أن يقال فيه بأنّ الآية الشريفة الآمرة بالتبيّن: «…. فتبيّنوا و لا تقولوا…. » الآية، ردعٌ من ناحية الشارع عن قبول قول المدّعي في أمر الدين، فلو سلّم ما ذكرتم من بناء العقلاء فهو مردوع عنه من قبل الشارع المقدس…

هذا، ولكن يمكن دفع شبهة الرّدع عن هذا الوجه بأنّ الأمر بالتبيّن، لو سلّم كونه ردعاً عن قبول قولِ مدّعي الايمان دائماً، فلا يكون ردعاً عن قبول ما يقوله أهل الملل والاديان عن مضمون نحلتهم و ما تتضمنه من العقائد والاحكام، فالآية لا علاقة لها بما نحن فيه بالمرّة.

فالوجه الثالث ممّا ذكرناه في مقام إثبات جواز التمسّك بدعوى الكافر في معتقداته، متين و سالم عن الايراد، و يمكن توضيحه بأن يقال: إنّ المناط في اعتبار كثير من القواعد العقلائية المقبولة شرعاً، كقاعدة الصحة في باب العقود والايقاعات، وقاعدة جواز إقرار العقلاء على أنفسهم وقاعدة من ملك شيئاً ملك الإقرار به و أمثالها من القواعد الكثيرة المعمول بها في الفقه، هو بناءٌ عرفيٌّ عقلائيٌّ، عُلِم من الشارع المقدس إمضاؤه له واعتباره لديه، لا بمعنى الإمضاء و جعل الاعتبار في كل واحدة من هذه القواعد على حدة، حتى يُناطَ الاعتبارالشرعي في كل منها بامضاء الشارع له بالخصوص، و يكونَ مقتضى القاعدة عندالشك في إمضاء الشارع لواحدةٍ منها عدم الاعتبار، بل بمعنى تصديق الشارع لما يشترك فيه الكلّ، من الاعتماد على ما يتعامله الناس في الامور الراجعة اليهم وعدم الاعتناء باحتمال وقوعها غير صحيحة و غير منطبقة على ما هوالحقّ الحقيق، والبناء على صحّة ما يأتون به لمصالحهم أو ما يبدونه من الأعمال لجلب النفع اليهم أو دفع الشرّ عن أنفسهم. فحاصل هذا البناء العقلائي الذي لم يردع عنه الشارع المقدس، هو الاعتماد على أعمالهم و أقوالهم المعتادة لهم في أمورهم

و شؤونهم و البناء على صحّتها، و الاّ لم يبق لتعامل الناس بعضهم مع بعض، أساس يعتمد عليه. و من ذلك ما يبدونه و يظهرونه من عقائدهم و أديانهم. فاذا أراد أحدٌ التوصّل الى ما يحتويه الدين البرهمائي أو البوذي، فلا طريق له الى ذلك غير الرجوع الى أقوال أهل ذاك الدين و ما كتبوه عنه في كتبهم و آثارهم، فهم حجةٌ على غيرهم في ذلك لدى العقلاء طبعاً فيما لم يرد في ذلك ما يعارض دعواهم من الصادق المصدَّق.

وعلى هذا فالتمسّك بدعوى الصابئة في بيان عقائدهم و ما ينتحلونه من المعارف والاحكام، أمر عقلائي موافق لبناء العقلاء في أمثال ذلك. فلو فرض أنّهم يدّعون الايمان باللَّه واليوم الآخر، والاتّباع لنبي من انبياء اللَّه المعروفين لدينا، والعمل بكتاب من الكتب السماوية التي يفرض نزوله من عند اللَّه، فمقتضى القاعدة العقلائية التي لم يردع عنها الشارع، هوالأخذ بكلامهم والتبنّي لدعواهم بغير تطرّق وسوسة و ريب في ذلك.

و سوف يأتي في بعض الامور اللاّحقة دعواهم لعقيدة التوحيد والايمان باللَّه والملائكة واليوم الآخرو التبعية لبعض انبياء اللَّه تعالى.

الامر الرابع:

لو بقي الشّك في كونهم ممّن أوتي الكتاب فما هو مقتضى القاعدة في ذلك؟ وهل هناك أصل لفظي أو عمليٌ يعمل بمقتضاه؟ ظاهر كلام الشيخ رحمه الله في «الخلاف» أن الاصل بالنسبة الى كل ملّة لم يحرز كونهم كتابيّين، هو عدم قبول الجزية منهم وعدم إقرارهم على دينهم.

قال في مقام الاستدلال على جريان هذا الحكم بالنسبة للصابئة: «دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم، و أيضاً قوله تعالى: «اقتلوالمشركين…. » الآية، وقوله تعالى: «فاذا لقيتم الذين كفروا…. » ولم يأمر بأخذ الجزية عنهم. وأيضاً قوله تعالى: «قاتلوا الذين لايؤمنون باللَّه…. » الى قوله تعالى: «من الذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد…. » الآية، فشرط في أخذ الجزية أن يكونوا من أهل الكتاب وهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب…» انتهى…. [٢٨]

و حاصل كلامه رحمه الله أنّ هناك أصلاً لفظيا، وهو عموم هذا الحكم في الآيات المذكورة، بالنسبة الى ما سوى أهل الكتاب من الكفّار، فمتى لم يثبت الخروج عن هذا العموم بدليل خاص، فمقتضى القاعدة عموم حكم العامّ له. ولا يخفى على المتأمل أنّ قوله: وهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب، إنما هو نفي إحراز كونهم من أهل الكتاب، لا نفي كونهم كذلك واقعاً، إذ لا سبيل لأحد الى الكشف القطعي بأنهم ليسوا بكتابييّن، إلاّ من طريق إخبار الصادق المصدّق [٢٩]. والمفروض عدم ورود دليل في باب الصابئة على أنهم غير كتابييّن. فالمراد: أنهم غير محرَزٍ كونهم كتابييّن، وقد صرّح بذلك صاحب الجواهررحمه الله، حيث قال: «من شُكَّ فيه انه كتابيّ، يتّجه عدم قبولها (أي الجزية) منه، للعمومات الآمرة بقتل المشركين المقتصر في الخروج منها على (عنوان) الكتابيّة، التي هي شرط قبول الجزية» انتهى [٣٠]. فموضوع الحكم في كلامه‏رضى الله عنه هو من شكّ في كتابيّته…

أقول: للخدشة في ما يستفاد من كلام الشيخ‏رضى الله عنه والذى تبعه فيه صاحب الجواهر رحمه الله، مجال: أما أوّلاً فلانّ العمومات المشار اليها في كلام صاحب الجواهر - و منها الآيتان المذكورتان في كلام الشيخ رحمه الله - قد سبق الحديث عنها بالتفصيل (في الابحاث السابقة) وقلنا أنّها أو أكثرها ناظرة الى حكم مشركي الحجاز من عبدة الاوثان، الذين كان رسول اللَّه والمسلمون يومئذ، مبتلين بهم كاعداء محاربين، وليس فيها تعرّض لحكم مطلق الكافر بالمعنى العام، أي الذي لم يتديّن بما جاء به نبي الإسلام صلى الله عليه وآله، وليس بصدد الأمر بقتلهم على‏العموم، ولا أقلّ من الشك في ذلك و كون هذا المقدار هوالقدر المتيقن من مدلول الآيات.

وثانياً: إنّ ما أفاده الشيخ و صاحب الجواهر رحمهما الله كأصلٍ متّبع في باب المعاملة مع الكفار، أعني الحكم بعدم الجزية فيمن يشك كونه ممّن أوتي الكتاب، من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية المخصّصة، بمعنى أنّ من يُشكّ في كونه داخلاً في عنوان من أوتي الكتاب - وهو عنوان المخصص لعمومات عدم إقرار الكافر على دينه - يشكّ في كونه داخلاً في المراد الجدّي من عنوان العام بعد ورود الدليل المخصّص، أعني الكافر غير الكتابي، وهذا يقتضي عدم جواز الاستدلال بالعام لحكم هذا الفرد المشكوك.

نعم، لو فرض أن عنوان: «من أوتي الكتاب» وهو عنوان دليل المخصص، مشتبهٌ مفهوماً، بأن دار أمره بين صاحب الكتاب المشرّع مثلاً، أو الأعم منه ومن غير المشرِّع، فاجمال المخصّص بهذا النحو لا يوجب عدم جواز التمسك بعموم دليل الكفّار، لانّ الدليل العام يشمل صاحب الكتاب غيرالمشرّع، ولا نعلم بشمول الدليل الخاص له، فالأمر في شمول الدليلين لهذا الفرد المشكوك دائر بين الحجة واللاّحجة. ولعلّ هذا هو الوجه في استدلال صاحب الجواهررضى الله عنه بعموم آيات القتال، في بيان حكم الصابئة.

ثم إن ما ذكرنا من الفرق بين الصورتين، أعني ما كانت الشبهة فيه من قبيل الاشتباه في المفهوم، و ما كان المفهوم فيه أمراً جليّاً غير مشتبه، ولكنّ الشبهة أتت من ناحية الاشتباه في المصداق، فتفصيله مذكور في الأصول. و مجمل القول فيه: أنه في صورة الاشتباه المفهومي، والذي يكون أمر المخصص دائراً مفهوماً بين الاقل والاكثر، كما لو دار الأمر في معنى الفاسق، الذي ورد في الدليل المخصّص، موضوعاً لعدم الاكرام كقول القائل: لا تكرم العالم الفاسق، دار أمره بين مرتكب الكبيرة فقط و مرتكب الاعم من الكبيرة والصغيره من الذنب، فدلالة هذا الدليل المخصّص على حكم الاقل وهو خصوص مرتكب الكبيرة معلومة، ولكن دلالته على حكم مرتكب كل ذنب ولو صغيرة غير معلوم، فاذا كان هناك عالم مرتكب للصغيرة فدلالة المخصّص عليه و شموله له غير معلوم، في حين أنّ دلالة العام عليه وهو إكرام كل عالم، معلوم. فتعارض العام والخاص بالنسبة لهذا المورد أعني العالم مرتكب الصغيرة، تعارض بين الحجة واللاحجة، فلا مناص من التمسك فيه بالعام. و فيما نحن فيه إذا فرض أنّ الدليل المخصّص أعني آية الجزية مجملٌ من حيث المفهوم فيحتمل فيه إرادة خصوص أهل الكتب الثلاثة أو الكتب المشرّعة،

كما يحتمل شموله لهم ولغيرهم، فدلالة هذا الدليل على حكم غير أهل الكتب الثلاثة غير معلوم، في حين أنّ دلالة العام (أي عمومات الكفّار) عليهم ثابتة بلا ريب، فيحكم عليهم بمقتضاه. و أما فيما كان عنوان الدليل المخصّص أمراً واضحاً، و إنما وقع الاشتباه من ناحية الشبهة المصداقيّة، فالأمر يختلف تماماً. فاذا فرض أنّ مفهوم الفاسق - في المثال الذي سبق ذكره - غير مشتبه ولكن شُك في فسق زيد بالخصوص، فحينئذ لمّا كان المراد الجدّي من قول القائل: أكرم كلّ عالم، هو إكرام كلّ عالم غيرفاسق و ذلك بقرينة المخصص المنفصل الذي يقول: لا تكرم أيّ عالم فاسق، فشمول العامّ للفرد المشكوك كونه فاسقاً أو غير فاسق، هو بعينه كشمول‏الدليل المخصّص له في أنّ كلاًّ منهما لا يشمل سوى ما اُحرز كونه مصداقاً له. و بعبارة أدقّ: إنّ كلاًّ منهما لا يكون حجة إلاّ فيما أحرز كونه مصداقاً له، فكما لا يشمل الدليل المخصّص، هذا الفرد المشتبه كونه فاسقاً، كذلك لا يشمله الدليل العام.

فبناءً على كون الشبهة في باب عنوان: «من أوتي الكتاب» و شموله للصابئة، من باب الشبهة المصداقية، تكون النتيجة أنّ عمومات قتال الكفار لا تشمل الصابئين، فلا وجه لاستدلال الشيخ و صاحب الجواهررضى الله عنه بتلك العمومات مستهدفاً لاثبات خروجهم عن أحكام أهل الذمّة. وقد علمنا أنّ الشبهة في هذا المورد ليست شبهة مفهوميّة في رأى صاحب الجواهررحمه الله على ما يبدو من التأمّل في كلامه، وهو صحيح و واضحٌ بناءً على ما ذكرناه سابقاً من أنّ الكتاب في آية الجزية يشمل الكتب السماويّة جميعاً من غير اختصاص ببعضها. وعليه فلو بقيت هناك شبهة في أمر الصابئة، فهي إنما تكون من باب الشبهة المصداقية، و فيها لا يجوز التمسّك بالعام كما مرّ.

فحاصل الكلام في هذا الأمر أنه ليس هناك عموم أو إطلاق يمكن الاستدلال به في المشكوك كونه كتابياً على جواز قتله وعدم إقراره على دينه. نعم ترتيب جميع أحكام الكتابي على هذا المشكوك أيضاً مشكل، لأنّ أدلّتها إنما تثبتها لمن كان كتابياً، و لازمه إحراز هذا الموضوع، فما لم يحرز كونه كتابياً لايمكن ترتيب تلك الأحكام عليه. الّلهم إلاّ أن يقال: إنّ حكم الجزية يشمل هذا الفرد المشكوك في كونه كتابياً بمفهوم الاولويّة، وقد سبق منّا توضيح ذلك.

هذا كلّه في الاصول اللفظيّة، و أما الأصل العملي فربما يبدو أنّ المورد مجرى استصحاب عدم كون الصابئة ممّن أوتي الكتاب، و يمكن تقريره على وجهين:

الأوّل - أن يكون المراد بالعدم المستصحب، هوالعدم المفروض في ما قبل وجود الصابئة، فيكون هذا الاستصحاب من جزئيات استصحاب عدم الخصوصية المفروض في ظرف عدم موضوعها، المعروف في متداول الأصوليين باستصحاب العدم الازلي. ففيما نحن فيه يصدق أنّ هؤلاء قبل وجودهم لم يكونوا ممّن أوتي الكتاب، فيستصحب هذا العدم. وهذا النوع من‏الاستصحاب قد استقر على إمكانه وصحّته رأي أكثر متأخري الاصوليين، بذريعة تماميّة أركان الاستصحاب فيه، ولذا ترونهم يتمسكون به في باب الشك في تذكية الحيوان المشكوك ذكاته والشك في قرشية المرأة المشكوك كونها قرشيّة و غيرهما من الامثلة الكثيرة. الاّ أننا مع الاعتراف بما يدّعى من انطباق قاعدة الاستصحاب عليه شكليّاً وعدم قبول ما يورد عليه من هذه الجهة، لم نتمكن من الاعتراف به بحسب شمول أدلّة الاستصحاب عليه لفظاً أو إطلاقاً، وهكذا بحسب انطباق الاستصحاب عليه كقاعدة عقلائية متداولة في عرف العقلاء، و نرى أنّ حكم العقلاء بعدم وجود الخصوصية المشكوك فيها في موضوع ما، في صورة سبق السلب بانتفاء الموضوع، إنّما هو من باب أنّ الحكم بوجود كل خصوصيّةٍ ذاتية كانت أو عرضيّة في أيّ موضوع من الموضوعات إنما يحتاج الى وجود دليل لذ

لك، فحكمهم بعدم الخصوصية من باب عدم الدليل عليها لا من باب الاستصحاب. والتفصيل في ذلك موكول الى محالّها ولايسعه المجال في ما نحن فيه.

الثاني - أن يكون المراد بالعدم المستصحب، عدم نزول الكتاب على‏الجماعة المعتنقة لهذه النحلة في أوّل الأمر، وهذا خارج عن استصحاب العدم الازلي، إذ العدم المستصحب إنما فرض في ظرف وجود موضوعه لا في ظرف عدمه، فكلّ جماعة يفرض اعتناقها أولا بنحلةٍ ما، إذا شك في نزول الكتاب السماوي عليها، يمكن استصحاب عدم نزوله عليهم في ما قبل ذلك، والنتيجة هي أنّ الجماعة المعتنقة أولاً بتلك النحلة والمسماة أولاً بذاك الاسم، ليست ممّن أوتي الكتاب. وهذا كاف في تنقيح هذا الموضوع بالنسبة الى من يتبعهم في الازمنة اللاّحقة، إذ المفروض عدم نزول الكتاب عليهم بعد تلك الازمنة.

والاستصحاب على هذا التقرير أيضاً تامُّ الأركان و لا يرد عليه ما يمكن أن يورد على استصحاب العدم الازلي، إلاّ أنّ الاعتماد على مثله في الأمورالخطيرة التي ترتبط بالنفوس والاموال والأعراض لا سيّما في المسائل العامّة الراجعة الى الجماعات المتطاولة والأقوام المتتابعة، ممّا لا يمكن المساعدة عليه. و ذلك لوضوح أنّ إحالة أمر دماء الألوف من أفراد النوع البشري الى مجرّد عدم العلم بكونهم محقوني الدم بعيد عن مذاق الشرع، و لا يعهد عن المعارف الالهيّة وبالخصوص عن الشريعة الاسلاميّة، التي تعتبر كرامة الانسان و حرمة دمه من أعظم الأمور، ولا يسمح بهدرالدماء وسفكها بغير حقّ، أو يحكم بحلّ دم إنسان واحد فضلاً عن الجموع الكثيرة، بمجرّد الشك في حرمة دمائهم واعتماداً على أمثال هذا الاستصحاب.

و توهم أنّ الاحتياط في أمر الدماء مختصّ بدماءالمسلمين، مردود بأنّ المناط في هذا الاحتياط إنّما هو احتمال حقن الدم في مورده، و معلومٌ أنّ منشأ هذا الاحتمال لاينحصر في الاسلام بل يشمل الكتابي المعاهد و أمثاله أيضاً، فكلّما وُجد هذا الاحتمال من أيّ طريق كان و من أيّ منشأ، يكون المورد مورد الاحتياط. والواضح وجود هذا الاحتمال في أمثال ما نحن فيه…

فالحاصل أنّ جريان استصحاب عدم الكتابية في ما نحن فيه لا يستقيم بوجهٍ. فالظاهر أنّ المورد مجرى أصالة الاحتياط من جهة لزوم ذلك في باب النفوس والاموال والأعراض… واللَّه العاصم.

هذا كله في الأمورالراجعة الى كبريات المسألة.

المحور الثاني‏

أما المحور الثاني أعني النقاط الصغروية التي لابد من البحث عنها فهي:

النقطة الاولى:

هل هناك ما يمكن الاستشهاد به على أن الصابئة أهل كتاب؟

والجواب على ذلك أنه ربما يمكن الاستدلال على أنهم أهل كتاب، بوجوه:

منها: ما يستفاد من الآيات الكريمة التي ذكر فيها اسم الصابئين. وهي ثلاث آيات: الاولى قوله تعالى في سورة المائدة: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن باللَّه واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» [٣١].

وقريب منها الآية الثانية وهي قوله تعالى في سورة البقرة: «إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن باللَّه واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم و لا هم يحزنون» [٣٢].

و يستفاد من الآيتين أوّلاً: أن عقائدهم مشتملة على‏الايمان باللَّه واليوم الآخر، والاّ لم يكن وجه لذكر ذلك عنهم.

وثانياً: أنّ من آمن منهم باللَّه واليوم‏الآخر وقرن ذلك بالعمل الصالح فهو من أهل النجاة، وهذا لايكون إلاّ في صورة صحة هذا الدين و كونه نازلاً من قِبَل اللَّه تعالى.

وثالثاً: أنّ الأديان الثلاثة مستقلةٌ بعضها عن بعض، على ما هوالظاهر المتبادر من تعدادها مردفاً و مقترناً بعضها مع بعض. و ما ربما احتمل في بعض الكلمات من أنّ ذكرالصابئين من باب ذكر الخاص بعد العام، يبعّده بل ينفيه ذكرهم بعداليهود في آية و بعد النصارى في الآية الأخرى. و مما ذكرنا يُعرف وجه المناقشة فيما ذكره بعض أعاظم أساتذتناقدس سره في تفسيره، فانه بعد نقل كلام طويل عن البيروني في تاريخ الصابئة و بعض ما يُنسب اليهم من العقائد، قال: «وما نسبه الى بعضٍ من تفسيرالصابئة بالمذهب الممتزج من المجوسية واليهودية مع أشياء من الحرّانيّة، هو الاوفق بما في الآية، فانّ ظاهر السياق أنّ التعداد لاهل الملّة» انتهى… فظهور الآية بأن الصابئين أهل ملّة - وهذا ما اعترف به رحمه الله - يعارض ما توهّمه من أنّ مذهبهم مزيجٌ من المذاهب الثلاثة، إذ ظاهر الآية كونهم أهل ملّة غيرالملل الأخرى المذكورة فيها، لا أنّها ملتقطٌ بشري من سائر الأديان. مضافاً الى أنّ ما نسبه البيروني اليهم لايعترف به المنتمون الى هذا المذهب ظاهراً.

ثم إنّ ما ذكرناه من إيمانهم باللَّه واليوم الآخر، وإن دينهم صحيح و نازل من اللَّه تعالى، عبارة أخرى عن كونهم من «أهل الكتاب» بناءً على أنّ هذا العنوان أعمّ من أن يكون الكتاب نازلاً على نبيّ هذه الجماعة ابتداءً وبخصوصه، و أن يكون نازلاً على نبيّ آخر، يتبعه و يروّج دينه النبيّ الذي ينتمون اليه.

و أما بناءً على أنّ عنوان أهل الكتاب خاصّ بأمّة نبيّ نزل عليه كتاب بالخصوص، ولا يشمل أمّة من كان بدوره تابعاً لنبيّ آخر، فالآيتان بما ذكر من مفادهما ليس فيهما دلالة واضحة على كون الصابئة من أهل الكتاب، و إنما تدلاّن على كونهم ذوي شريعة إلهية ولو مع عدم صدق عنوان أهل الكتاب عليهم. ولعلّ من استفاد من‏الآيتين أنّ الصابئين من أهل الكتاب - كبعض أعلام هذا العصر رحمه الله في جهاد منهاجه - لم يفهم من عنوان أهل الكتاب إلاّ الأعم، وهو الأظهر.

وأمّا الآية الثالثة فهي قوله تعالى في سورة الحجّ: «إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إنّ اللَّه يفصل بينهم يوم القيمة إنّ اللَّه على كل شي‏ءٍ شهيد» [٣٣] والظاهر من التصنيف الثلاثى فيها، أنّ كلّ صنف ممّا يلي موصولاً على حدة، ذو طبيعة و حكم متفاوت للصنفين الآخرين، فالصنف الاوّل: هم المؤمنون، والمراد بهم من آمن بهذا الدين الحنيف، في قبال من رفضه جهلاً أو عناداً أو لم يطّلع عليه أصلاً. الصنف الثاني: أهل الاديان النازلة من السماء. وإن شئت قلت: أهل الكتاب وهم اليهود والصابئون والنصارى والمجوس. والاقتصار على الاديان الاربعة لعلّه من جهة وجود هذه الأربعة في رقعة البلاد القريبة الى مهبط الوحى و مولدالاسلام، في أوّل ظهورالدعوة الإسلاميّة. والصنف الثالث هم المشركون، والمراد بهم في التعبيرات القرآنية غالباً عَبَدة الأصنام والاوثان، وإن كانت عقيدة الشرك غيرمنحصرة في هؤلاء. فأكثر الاديان الالهيّة صارت بعد عهودها الاولى مشوبة بالشرك تدريجيّاً. و أمّا في هذه الآية الشريفة، فمقتضى المقابلة بين الذين أشركوا وغيرهم من الأصناف، كون التعبير صريحاً أو ظاهراً كمال الظهور في عبدة الاصنام والاوثان

.

والحاصل أنّ هذه الآية لها ظهور تام في أنّ الصابئين في عداد اليهود والنصارى والمجوس من جهة كونهم أهل دين و كتاب سماوي، وأنّ كلاّ من الفرق الأربعة مستقلٌ في نفسه، بمعنى عدم كونه جزءً من فرقة أخرى.

والمتحصّل مما ذكرنا أنّ الاستدلال بالآيات الثلاث على أنّ الصابئة في عداد أهل الكتاب، مما لا بأس به بل لا غبار عليه.

الوجه الثاني مما يمكن الاستدلال به لذلك، المضامين المنقولة عن كتبهم التي يعتبرونها سماويّة و ينسبونها الى أنبياء اللَّه المعروفين لدينا، كما نقل عن ما يسمّى «كنزا ربّا» و معناه - على ما يقال - الكنز الكبير. فانها مشتملة على عقائد لا تعهد إلاّ من الاديان الحقيقيّة الالهيّة، كعقيدة التوحيد والمعاد و تسمية الحقّ المتعال بالاسماء الحسنى والصفات العليا، و نسبة كلّ شي‏ء اليه والى إرادته، و ما الى ذلك. وهم يدّعون أنّ الكتاب المشتمل على ذلك، هو كتاب يحيى - على نبيّنا وعليه السلام - الذي يعتبرونه آخر أنبياء اللَّه تعالى، أو كتاب شيث و صحف آدم، أو كتاب إدريس - على نبيّنا وعليهم السلام - بحسب اختلاف ما ينقل عنهم. فبناءً على ما رجّحناه سابقاً من تصديق أصحاب الملل والنحل في ما يبدونه من عقائدهم، وكون ذلك حجّة على غيرهم بحسب البناء العقلائي غير المردوع عنه شرعاً، لا يبقى مجال لإنكار صحّة هذا الدين في أصله و أنّه منسوبٌ الى أحد أنبياءاللَّه عليهم السلام.

ثم إنّه لمّا كان أصل نزول كتاب على يحيى و آدم عليهما السلام مسلّماً نطق به القرآن الكريم - كما سنذكره - فنسبة كتاب الصابئين الى إحدهما إمّا أن تكون صادقة أو خاطئة، فعلى الاوّل يكون هؤلاء أهل كتاب بلاريب، وعلى الثاني يكون ممّن بيدهم شبهة كتاب كالمجوس - على ما بيّناه في معنى هذا العنوان. فكونهم ممّن يقرّ على دينهم كاليهود والنصارى والمجوس أمر لامحيص من الالتزام به.

و أمّا نزول الكتاب على يحيى عليه السلام فهو و إن كان الظاهر من قوله تعالى: «يا يحيى خذ الكتاب بقوة…» [٣٤] لكن لو نوقش في دلالته بأنّ المراد بالكتاب فيه هو التوراة بدلالة لام العهد، فلا يدلّ على كون يحيى صاحب كتاب آخر حتى يحتمل كونه هو الذي بيد الصابئة، وليس هذا الذي يدّعونه كتابَ يحيى، هو التوراة حتى يُحكم بكونهم من أهل التوراة، فلا شي‏ء هناك يصحّح لهم عنوان «أهل الكتاب»، أو أهل شبهة كتاب، لقلنا في الجواب أوّلاً: يكفي في إثبات الكتاب ليحيى عليه السلام آيات سورة الانعام، فبعد ذكر عدد من الانبياء منهم: زكريا و يحيى وعيسى و إلياس و إسماعيل واليسع ويونس ولوط و غيرهم، و ذكر اجتبائهم وهدايتهم من عنداللَّه تعالى، يقول سبحانه: «أولئك الذين آتينا هم الكتاب والحكم والنبوة» [٣٥]، والظاهر من الآية بلا ريب أن كلاًّ من هؤلاء المذكورين أوتي كتاباً مستقلاً غير ما أوتي الآخرون بقرينة الحكم والنبوّة، و بعيد غاية البعد أن يحمل الكتاب في الآية على كتاب خاص أو كتابين وهما التوراة والإنجيل، كما أنّ من البعيد جدّاً أن يكون المراد بايتاء الكتاب لنبيّ من الانبياء إلزامه بالعمل بكتاب نزل على نبيٍّ آخر قبله، والشاهد على ذلك أنه لا ي

قال إن عيسى عليه السلام أوتي التوراة مع أنه كان مصدقا للتوراة وعلّمه‏اللَّه إياه و أمره بالعمل بما فيه، ولكنّه أوتي الانجيل. قال اللَّه تعالى: «وقفّينا على آثارهم بعيسى‏بن مريم مصدّقاً لما بين يديه من‏التوراة و آتيناه الإنجيل فيه هدى و نور» [٣٦].

ثم بعد ما ثبت دلالة آية سورة الأنعام على أنّ يحيى عليه السلام أوتي كتاباً مستقلاً عن التوراة، فاللاّم في آية سورة مريم أعني قوله تعالى: «يا يحيى خذالكتاب بقوّة» يمكن أن يكون للعهد الى هذا الكتاب، بل هو أقرب احتمالاً من كونه إشارة الى‏التوراة كما يظهر وجهه من بعض ما ذكرناه آنفاً، بل يمكن أن يقال إنّ من البعيد عن الحكمة والبلاغة أن يؤمر نبيّ من الأنبياء - وقد أوتي الكتاب من اللَّه تعالى - بأن يأخذ كتاب نبي آخر سبق عليه مئات من السنين، و أن يأخذه بقوّة، خصوصاً أن ذاك الكتاب مع ما جاء به من الشريعة، سوف ينسخ عمّا قريب بكتاب نبيّ آخر من أنبياء أولي العزم وهو عيسى عليه السلام.

وثانياً، لم يدلّ دليل قطعي على أن التوراة الموجود هو جميع التوراة المنزل على موسى عليه السلام، فليكن هذا الذي بيد الصابئة جزءً من‏التوراة الواقعي التام، كما أنّ الذي بيد اليهود جزء آخر منه. وعليه فليكن هؤلاء أهل كتاب هو التوراة، لكن من طريق يحيى عليه السلام، بل لو ادُّعيَ أنه الجزء الاصحّ منه بالقياس الى الذي كان بيد اليهود المعاصرين ليحيى المحرّفين المنحرفين، لم يكن بعيداً عن الاعتبار كثيراً.

ثم إنّ ما ذكرنا من احتمال انتساب كتاب الصابئين الى يحيى، يتأتّى تماماً بالنسبة لاحتمال انتسابه الى آدم عليه السلام. وعلى فرض التحريف والغلط يكون من مصاديق عنوان شبهة الكتاب كما سبق.

فنتيجة البحث في النقطة الأولى أنّ الأقوى والاظهر بحسب الادلّة أن الصابئين معدّون من أهل الكتاب.

النقطة الثانية:

هل الصابئة يعدّون من شعب بعض الأديان الثلاثة: اليهود والنصارى والمجوس؟ أو إنّهم نحلة أخرى غير هؤلاء؟

والجواب على ذلك قد علم من بعض ما ذكرنا في توضيح النقطة الاولى، فلا دليل على ما قيل. وقد مضى في ما نقلناه عن كلمات بعض الفقهاء من أنهم شعبة من اليهود أو أنهم مجوس، وأمثال ذلك مما نقله في الجواهر عن غير واحد من‏الفقهاء كالشافعي وابن حنبل والسدي و مالك و غيرهم [٣٧]. بل لعلّ مقتضى ما ذكرنا الجزم بخلافه. و لايخفى أنه لايترتب على تنقيح هذا الأمر كثير فائدة وأثر فقهي، فلا نطيل الكلام فيه ولا نضيف على ما سبق الا ذكر أنّ اليهود والمجوس لايعتبرون هؤلاء منهم، كما أنّ هؤلاء لايعتبرون أنفسهم من اليهود أو المجوس، بل نقل عنهم أنهم لا يعتقدون بنبوّة موسى عليه السلام و غيره من أنبياء بني اسرائيل غير يحيى عليه السلام.

النقطة الثالثة:

ربما يتبادر الى بعض الاذهان أنّ العقائد المنسوبة الى الصابئة، تمنع من انعقاد الظن بكونها إلهيّة. فلا بأس بأن يجاب على هذا السؤال: هل التي تشكّل العقائد الاصلية أو المجموعة العقائدية لهم، تشتمل على مثل ذلك؟

والحق الذي ينبغي الاعتراف به هو أنّنا لانعرف من المعارف والاحكام الدينية لهذه النحلة التاريخيّة، والتي أصبح المنتمون اليها موجودين وفي عقر بلادنا، شيئاً كثيرا تسكن النفس بملاحظتها الى معرفة أصحابها، والباحث في هذا الموضوع يجد في حقل البحث الموضوعي فيه فراغاً كبيراً، لم يسدّ - مع الأسف - مع ما بأيدينا من الإشارات الخاطفة الموجودة في كتب الملل والنحل… ولهذا فالقول الحاسم في باب عقائدهم و أحكامهم وتقاليدهم الدينية، مما لا يسهل في هذا المقام، إلاّ أنّ الذي يبدونه من ذلك في بعض منشوراتهم، والتي يقال عنها أنها مأخوذة من كتابهم الديني المسمّى «كنز اربّا» يرسم لنا صورة إجمالية عن أسّ عقائدهم. فلنذكر من ذلك ما يفيدنا في البحث الفقهي.

من عقائدهم التي يدّعونها و يصرّون عليها: التوحيد. فقد عُقد في الكُتيبة الصغيرة التي نشروها باسم «درفش» (كلمة فارسيّة تعني العَلَم - بالتحريك) فصلاً مخصوصاً بالتوحيد، باسم «بوثةالتوحيد» (والظاهر أنّ بوثة في كتابهم تعادل القِسم والفَصل، كالسورة أو الآية) و ممّا جاء فيها ما ترجمته بالعربية هكذا: «إلهى منك كلّ شي‏ء، يا عظيم يا سبحان، يا حكيم يا عظيم، يااللَّه المتعال الكريم، علت قدرتك على كل شي‏ء، يا من ليس له شبيه ولا نظير… يا راحم المؤمنين، يا منجي المؤمنين…. يا عزيز يا حكيم … يا من ليس له شريك في قدرته، أسبّح اسمك…. »

و من جملتها الاعتقاد بالنبوة والكتب المقدسة و بالملائكة والجنة والنار والدعاء وأمثال ذلك، و من جملتها في باب الاخلاق والعبادات مالا يبعد كثيراً عن ما يعهد عن الاديان الالهية. هذا في جانب، و في جانب آخر لهم عقائد ربما يستشمّ منها رائحة الخروج عن ما يعهد من التوحيد الخالص، فمن ذلك اعتقادهم بما يسمّى «منداد هييّ» الذي يقولون عنه بأنه أوّل من سبّح اللَّه تعالى و حمده و أنه أحد الملائكة المقربين، و يقرنون اسمه في بعض البوثات باسم الرب تعالى، و من ذلك ما يرى من التوسل بالملائكة الذين يسمّونهم بأسماء عندهم و يعتبرونهم من المقربين، و يذكرون اسم آدم أبي البشر و يحيى‏عليهما السلام في عداد الملائكة، و يسلّمون على الانهار المقدسة والاماكن المقدسة وعلى الحياة و سكّان عالم الانوار و غير ذلك. و من ذلك تسميتهم «اللّه» سبحانه أحيانا باسم «أب الآباء» تعالى عما يقولون علواً كبيرا…

والحاصل أن في عقائدهم جملة من العقائد الحقّة المقبولة التوحيدية و زمرة من الأباطيل المنافية للعقيدة التوحيديّة الخالصة… وقد نقلناها عن ما نشروه تعبيراً عن ما لديهم من العقيدة والشريعة، ترجمة عن الاصل الآرامي [٣٨] لكتابهم.

ولكن لا يخفى على المتأمّل في ذلك أنّ ما بأيديهم من العقائد المردودة ليس بأكثر عما هو معروف عن بعض الاديان الالهيّة المحرّفة المنسوخة، أصحاب الكتب الالهية النازلة على أنبياء اللَّه، وهذا من أمرّ ما مرّ على شرايع اللَّه تعالى في خلقه، أن تعرّضت يد التحريف والجعل، عن جهل تارة وعن الأغراض المختلفة تارة أخرى، و تطاولت على أعظم وأغلى ما منّ اللَّه به على عباده، أعني الكتب السماوية والاحكام الالهيّة، فحرّفتها عن مواضعها و مزجتها بالاباطيل والخرافات، إلاّ أنّ ذلك كله لا يوجب خروج الدين المحرّف عن كونه إلهيّاً في الاصل، و خروج أهله عن كونهم أهل الكتاب، واللَّه العاصم.

النقطة الرابعة:

ذكر بعض من تعرّض للتعريف اللغوي أو التاريخي للصابئين أن اسمهم هذا مشتق من «صبأ» بمعنى خرج، و يقال لهم الصابئة، لخروجهم من دين الى دين… و يذكرون في وجه ذلك أموراً [٣٩]. وربما يتبادر الى الذهن أن هذا لايتلائم مع الانتساب الى أصل الهي، و نبيّ و كتاب سماوي…

أقول: أوّلاً، في مقابل هذا الوجه في تسميتهم، وجه آخر ذكره بعض الفضلاء والمحققين في رسالة كتبها في التعريف بالصابئة، وهو أنّ هذه الكلمة (الصابئ) من أصل آرامي بمعنى «المغتسل» وقد سمّوا بها لاهتمامهم بالغسل بالماء، بحيث أنه أحد أركان أحكامهم الشرعيّة، ولذا يسمّون في عرف أهل الملل بالصابئة المغتسلة…

وثانياً: أمثال هذه الاعتبارات المبنية على الحدس الظني مما لا وزن لها في استنباط الحكم الشرعي، حتى ولو لم يذكر في وجه تسميتهم ما ذكرناه عن ذاك البعض، فانّ هذه الوجوه الظنيّة لا تغني من الحق شيئاً. والتفصيل في تحقيق الحال في أصل الكلمة و وجه التسمية بها خارج عما نستهدفه، فهو موكول الى محالّها، واللَّه العالم.

………………………. ) Anotates (…………………….

١) المقنعة / ٢٧٠.

٢) ٢ / ٥٠.

٣) التوبة / ٩.

٤) محمد / ٤٧.

٥) التوبة / ٢٩.

٦) وهي الصحيحة التي نقلناها في بعض المباحث السابقة وهي مذكورة في الباب ٩ من أبواب جهاد العدو من الوسائل، الحديث ٢، ومحل الاستدلال فيها قوله عليه‏السلام بعد تلاوة آية الجزية: فاستثناءاللَّه تعالى واشتراطه من أهل الكتاب، فهم والذين لم يؤتوالكتاب سواء؟ الحديث، حيث أن الظاهر من استفهام الامام عليه‏السلام الذي وقع في مقام الاستنكار، أن مفهوم اللقب في الآية الشريفة حجّة.

٧) البقرة / ٦١.

٨) مجمع البيان: ١ / ٢٤٩، ط دار التقريب.

٩) البقرة / ٦٢.

١٠) ص ٤١ من التفسير.

١١) ٢١ / ٢٣٠.

١٢) راجع كلام‏ابن الجنيد في المختلف ج ٤ طبعة مؤسسة النشرالاسلامى ص ٤٣١.

١٣) من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية… التوبة / ٢٩.

١٤) الجواهر ٢١ / ٢٣٢.

١٥) البقرة / ٧٨.

١٦) آل عمران / ٢٠.

١٧) البقرة / ١٠٥.

١٨) البقرة / ٢١٣.

١٩) الوسائل، الباب ٤٩ جهاد العدو، ح ١.

٢٠) ح ٥ و ٧ من باب الجهاد.

٢١) الباب ١٣ أبواب ديات النفس، ح ٧.

٢٢) ح ١١ من الباب.

٢٣) المبسوط ج ٢ ص ٩ ط حيدري.

٢٤) راجع المهذب، ط قم، ج ١، ص ٢٩٨.

٢٥) ج ٢، ص ٣٧.

٢٦) النساء / ٩٤.

٢٧) راجع التفصيل في: المبسوط، ج ٢، ص ٣٧.

٢٨) ج ٥، ص ٥٤٣.

٢٩) إلاّ أن يكون مراده من أهل الكتاب خصوص اليهود والنصارى.

٣٠) ج ٢١، ص ٢٣١.

٣١) المائدة / ٦٩.

٣٢) البقره / ٦٢.

٣٣) الحجّ / ١٧.

٣٤) مريم / ١٢.

٣٥) الانعام / ٨٦ - ٨٩.

٣٦) المائده / ٤٦.

٣٧) راجع: ج ٢١ ص ٢٣٠.

٣٨) يدّعون أن لغة كتابهم، اللغة الآرامية التي كانت دارجة في بلاد ما بين النهرين قبل رواج اللغة العربية هناك، كما أنّهم يدّعون أن خطّه هو الخط الآرامي، الاّ أن المقارنة بين هذا الخط والخطوط القديمة، يقرّب الى الذهن كونه آشوريّاً لا آراميّاً، و بزيادة التحقيق في هذا الأمر تزداد الحقيقة وضوحاً.

٣٩) انظر: تفسير الرازي، وأمهات كتب اللغة.



[ Web design by Abadis ]