ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حديث العزّة

نداءات الامام السيد علي الحسيني الخامنئي

ولي أمر المسلمين وقائد الثورة الاسلامية

الى حجاج بيت اللَّه الحرام

حديث العزّة

الامام السيد علي الحسيني الخامنئي

ترجمة الدكتور محمد علي آذرشب

مقدمة المترجم‏

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه ومن اهتدى بهداه. هذه ثمانية نداءات للامام السيد علي الحسيني الخامنئي، وجهها على مرّ ثماني سنوات الى حجاج بيت اللَّه الحرام منذ أن تولى مسؤولية الولاية والقيادة. وتشكل كل منها وثيقة هامة لجميع الدارسين والمهتمين بالشؤون الايرانية والاسلامية، لانها تنطوي على عصارة التوجه القيادي في ايران نحو قضايا الاسلام والمسلمين.

لقد اخترنا لهذه المجموعة اسم «حديث العزّة» لأن المحور الهام الذي تدور حوله معظم مقاطع النداءات تستهدف إثارة روح العزّة في نفوس المسلمين وإبعادهم عن الإحساس بالذل والهوان.

وهذه ظاهرة هامّة جدا في خطاب القيادة الاسلامية في إيران، تتجلى بشكل بارز في أحاديث الامام الراحل السيد الخميني‏رضى الله عنه وتتواصل بصورة واضحة في خطاب خلفه.

وقفت عند هذه الظاهرة طويلا، ووجدت أنها تميّز خطاب كل الثائرين الاسلاميين، بل كل الحريصين على اعتلاء مكانة أمتهم على ظهر الارض. وألفيت أنها ظاهرة فطرية لدى الكائن الانساني الحيّ. فالانسان الحيّ منشدّ بفطرته الى العزّة، ويكدح لاستحصالها، لانه كادح الى ربّه، وربّه عزيز، وإنما يصاب الكائن البشري والمجموعة البشرية بالذلّ إما لفقدان خصائص الحياة، أو لسلوك طريق مضلّ ينتهي الى عزّة سرابيّة.

والاسلام دعوة الى الحياة: «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا للَّه وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم» [١] … ودعوة الى سلوك الطريق الذي يؤدّي الى عزّة حقيقية: «من كان يريد العزّة فلله العزّة جميعا» [٢] … من هنا لا يمكن للانسان المسلم أن يكون ذليلا قط: «إن اللَّه فوّض الى المؤمن أمره كله، ولم يفوّض اليه أن يكون ذليلا» [٣].

وأصل «العزّة» هذا مشهود في كل تعاليم الاسلام الفردية والاجتماعية… غير أنه منسيٌّ مع الاسف بسبب هبوط علامات الحياة في الامة المسلمة، وأينما وجدت علامة للحياة تتمثل في الحركة والنهوض والعودة الى اللَّه والعودة الى الذات، تجد أيضا دعوةً الى العزّة والكرامة، ورفضاً للذل والخضوع والاستسلام.

وفي نداءات الامام الخامنئي هذه تتخذ الدعوة الى العزّة أبعادا مختلفة نشير الى بعضها:

الاسلام المحمدي دين العزّة

ذكرت أن مظاهر الحياة حين تضمر في المجتمع تضمر معها مظاهر العزّة، وتتأطر كل الظواهر في ذلك المجتمع بإطار من الذل والاستكانة والهزيمة. حتى الدين في مثل هذا المجتمع يفرغ من محتواه الحياتي ويصبح غير قادر على الدفع والتحريك وتفجير الطاقات. ومثل هذا الدين تروّج له كل قوى إذلال المسلمين، وأطلق عليه الامام الراحل اسم الاسلام الامريكي، على عكس الاسلام الاصيل المحمدي الذي لاينفك عن العزّة. الامام الخامنئي يركز على مفهوم هذا الاسلام الاصيل إذ يقول:

«وهنا يظهر بوضوح ذلك التقسيم الصارم الذي أعلنه إمامنا الفقيد… ذلك الداعي الى اللّه والذائب في اللّه… بين الاسلام الاصيل المحمدي صلى الله عليه وآله وبين الاسلام الامريكي. الاسلام الاصيل المحمدي إسلام العدل والقسط… إسلام العزّة … وإسلام حماية الضعفاء والحفاة والمحرومين… إسلام الدفاع عن حقوق المظلومين والمستضعفين… إسلام الجهاد ضد الاعداء وعدم مداهنة المتغطرسين والمتفرعنين… إسلام الاخلاق والفضيلة والسموّ المعنوي».

العزّة باللَّه لا بغيره‏

قد يتحرك الانسان نحو سراب يخال فيه عزّته و «يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا» [٤]. وقد يرى في طواغيت الارض مصدرا للعزّة: «وقالوا بعزّة فرعون إنّا لنحن الغالبون» [٥]، وقد يراها في أعداء الدين: «بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أيبتغون عندهم العزّة فان العزّة للَّه جميعا» [٦].

وقادة الدين يوجهون الامة نحو مصدر عزّتهم، ويهدونهم نحو العزيز المطلق، الذي له العزّة جميعا. ولا يكاد يخلو نداء من هذه النداءات من هذه الهداية وهذا التوجيه. يقول:

«الحج الابراهيمي والمحمدي صلى الله عليه وآله والحج العلوي والحسيني‏عليهما السلام هو ما اقترن بالارتباط باللَّه والركون الى حكومته وقدرته مع الاعراض عن قدرة الطواغيت والجبابرة. ما أجمل ترتيل سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة (الحسين بن علي عليه السلام) وهو يناجي ربّه في عرفات حيث يجمع ذلكما الارتباط والاعراض في قوله: «الهي أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها…. وأنت مؤيدي بالنصر على أعدائي، ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين…. يامن جعلت له الملوك نير المذلّة على أعناقهم فهم من سطوته خائفون» [٧] …. » [٨]

العزّة في ظلال حاكمية الدين‏

محاولات المصلحين في عصرنا الحديث لانقاذ العالم الاسلامي كثيرة… والاحباطات كثيرة أيضا. عوامل الفشل تكمن غالبا في اُطروحات هؤلاء المصلحين. فهي إما بعيدة عن المزيج الحضاري لهذه الامة، أو لا تنظر الى الاسلام نظرة شمولية مستوعبة لجوانب الهدم والبناء. والامام الخامنئي يركز في نداءاته على أن استعادة العزّة لا تتحقق إلا في ظلال حاكمية الدين بمعناه الشامل… أي رفض حاكمية الطاغوت (لا إله) وتقرير حاكمية رب العالمين (الّا اللَّه). يقول:

«أتوجه بالخطاب أيضا الى الشعوب الاسلامية وأبناء الامة الاسلامية فرداً فرداً وأقول: علاج كل مايلم بالامة من آلام وإحباطات يتمثل في العودة الى الاسلام، والانضواء تحت لواء النظام الاسلامي والاحكام الاسلامية. وبذلك يستطيع المسلمون أن يستعيدوا عزتهم وشوكتهم وتمتعهم بمعيشة مرفهة آمنة، وأن يبتعدوا عن المصير المر المذلّ الذي تسوقهم اليه دوائر التخطيط الاستكبارى» [٩].

وبعد أن يستعرض المواقف العدائية للاسلام على الساحة العالمية يقول:

«هذه صورة مقتضبة عن عداء الغرب وأمريكا للاسلام والمسلمين في عصرنا. لا الاستعطاف ولا الاستسلام ولا المحادثات ولا أيّ طريق من الطرق التي يقترحها البعض عن بساطة على المسلمين تستطيع أن تعالج الداء وتنقذ المسلمين. العلاج يكمن في شي‏ء واحد دون غيره: اتحاد المسلمين، والتمسك بالاسلام وقيمه ومبادئه، والمقاومة أمام الضغوط، وتضييق الساحة - في المدى البعيد - على الاعداء.

والعالم الاسلامي اليوم ينظر بعين الامل الى الشباب الغيارى المعبئين في جميع أرجاء العالم الاسلامي ليدافعوا عن كيان الاسلام ويؤدوا دورهم التاريخي» [١٠].

العزّة في ارتباط الامة بجذورها

العودة الى الذات مقدمة هامة لاستعادة العزّة، لانها مقدمة لتبلور الشخصية المستقلة للفرد وللامة، وللتخلص من الذوبان والتمييع الحضاري. لذلك نجد في النداءات دعوة الى الارتباط بالجذور، من أجل صيانة شخصية الامة من الغزو الثقافي والمسخ الحضاري يقول:

«المسألة الثانية التي ينبغي التفكير فيها وخاصة في هذه الظروف الزمانية والمكانية مسألة: ارتباط الامة الاسلامية بتاريخها وأيضا بمصيرها الذي يجب أن تقرره لنفسها.

سعى الاستعمار منذ دخوله آسيا وأفريقيا أن يشوّه ماضي الامة ويُلقي عليه ضباب النسيان.

السيطرة على الذخائر المادية والانسانية في البلدان الاسلامية وعلى مصير الشعوب الاسلامية هدف نشده الاستعمار المباشر وغير المباشر منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وهذا الهدف كان يتطلب بشكل طبيعي كسر الاحساس بالعزة والشخصية بين الشعوب الاسلامية، وقطعها عن تاريخها العظيم بشكل كامل، لتتخلى عن ثقافتها وأخلاقها وتصبح مستعدة لقبول الثقافة الغربية والتعاليم الاستعمارية. وهذه الدسيسة قد نجحت في الأجواء المساعدة التي كان قد وفّرها تسلّط الحكومات الفاسدة والمستبدة في البلدان الاسلامية، وبذلك هجم سيل الثقافة الغربية وكل المفاهيم التي كان الاستعمار يعتقد بضرورة ترويجها بين الشعوب الاسلامية لضمان سيطرته السياسية والاقتصادية على تلك الشعوب» [١١].

ويدعو الحجاج الى الارتباط بتاريخ الارض التي يؤدون فيها نسكهم وزيارتهم، ففيها كل ما يذكرهم بعظمة ماضيهم، ويربطهم بسر عزّتهم وكرامتهم، يقول:

«كلُّ شبر من هذا التراب وهذه الارض يحمل ذكريات عن عصر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأصحابه المضحين النيرين.

في هذه الارض بزعت شمس الاسلام وخفقت راية الجهاد وانبثق تحرر البشرية من أغلال الجاهلية وقيودها.

واليوم إذ اتجهت الشعوب المسلمة في جميع أرجاء العالم الاسلامي بعد قرون من الانحطاط والركود والذلّة نحو اليقظة والقيام للَّه سبحانه، وإذ يفوح في أجواء كثير من البلدان الاسلامية عطر الحرية والاستقلال والعودة الى الاسلام والقرآن، فإن المسلمين بحاجة أكثر من أي وقت مضى الى أن يوثقوا ارتباطهم بماضيهم النيّر المعجز… بعصر القيام للَّه وكفاح العصور الاسلامية الاولى.

الذكريات الاسلامية في هذه الارض هي لكل مسلم متدبر بلسم شفاء ينجيه من الضعف والهزال واليأس والتشاؤم، ويشق أمامه الطريق للوصول الى أهداف الاسلام، وهي نفسها أهداف الكدح والحياة كما يفهمها كل إنسان له نصيب من العمق والحكمة» [١٢].

حثّ الحكومات على العزّة

للحكومات دون شك دور كبير في عزّة الامة أو ذلّها. الحاكم المنحرف إما أن يطغى ويتفرعن فيستضعف شعبه ويذلهم ويستخفهم، وإما أن يحسّ بالضعف فيلجأ الى الفراعنة ليجد في كنفهم عزّته وقوّته… ويفتح بذلك السبيل لسيطرة أجنبية مُذِلّة على أمته. والامام القائد يدعو الحكومات لتعود الى الاسلام ولتجد قوتها في كنف الدين الحنيف. يقول:

«الشعوبُ والحكومات تتحمّل مسؤولية مشتركة تجاه تصاعد الاتجاه نحو الاسلام الاصيل المحمّدي صلى الله عليه وآله، الاسلام الذي يضع مسؤولية قطع نفوذ الشيطان الاكبر وبقية الشياطين عن حياة الشعوب في رأس قائمة اهتماماته. وإذا كانت الحكومات الاسلامية تحمل ولاءً لبلدانها وشعوبها فلتعلم أن هذا الاسلام الاصيل المحمدي هو القادر على ضمان حياةٍ شريفة مستقلة للشعوب والبلدان، واقتدارٍ وقوةٍ للحكومات. أسال اللَّه سبحانه وتعالى أن يمنّ على المسلمين في العالم باليقظة والشرف والعزة والنجاة من براثن الاستعمار والنصر في مواجهة أعداء اللَّه» [١٣].

ويقول: «اُهيب برؤساء البلدان الاسلامية أن يلتفتوا الى ما عندهم من قدرة هائلة، ألا وهي قدرة الشعوب الاسلامية. فبمساعدة هذه القدرة الصلدة تستطيع الحكومات الاسلامية أن تقف بوجه القوة الامريكية التي تتزعم اليوم جبهة الاستكبار المعادية للاسلام، وأن تدافع عن حق شعوبها وعن الشعوب المظلومة المسلمة. الاسلام أفضل ضمان لإدارة حياة شعب من الشعوب، وفي ظله تستطيع الشعوب أن تذوق شهد الحرية والاستقلال التام، وتتمتع بمعطياتها. والايمان الاسلامي الراسخ في جميع أفراد البلدان المسلمة أعظم سند لتحقيق هذه الاهداف.

المؤمَّل من الحكومات المسلمة أنها، بدلا من أن تساورها المخاوف والهواجس من الاسلام، وهي مخاوف وهواجس تسعى أمريكا وغيرها من زعماء الاستكبار حثيثا الى إلقائها في روع زعماء البلدان الاسلامية، بدلا من ذلك تنظر الى هذا الدين الالهي باعتباره منقذا لشعوبها، وعاملا على شدّ الشعوب المسلمة أعني أجزاء الامة الاسلامية ببعضها، ومصدرا تنتهل منه مقومات العزّة والمنعة. إنه أقوى وسيلة لكسب دعم الشعوب، والحكومة التي يساندها شعبها تستطيع أن تتحدى كل تهديد» [١٤].

ويقول: «كل مايؤمّل من الحكومات المسلمة يمكن تحققه بإرادة وعزيمة شعوبها. فعليكم يا أبناء الشعوب الاسلامية أن تطالبوا حكامكم بالوقوف بوجه الصهيونية والاستكبار، وبالدفاع عن المسلمين المظلومين في أرجاء العالم، وبالتلاحم والتآخي مع سائر الشعوب والبلدان الاسلامية، وكونوا لهم على طريق تحقيق هذه الاهداف السامية سندا حميما وباذلا سخيا.

عليكم أن تقنعوهم بالابتعاد عن الخوف من أمريكا وبالوقوف بوجه تعنّتها. وعليكم أن تفهموهم بأن الاسلام والقرآن هما الطريق الوحيد للانقاذ، ووجّهوهم الى ذلك الحصن المنيع، حصن (لا اله الا الله) …» [١٥]

النهي عن التفرّق‏

التفرّق أكبر خطر يهدد عزّة الجماعة البشرية، ويذهب بريحها. الاسلام ركز على هذا المفهوم وحثّ بشدّة على الاعتصام بحبل اللَّه وعدم التفرّق واجتناب التنازع، وكلّ المهتمين بكرامة أمتهم يحرصون على وحدتها وتراصّ صفوفها. ونداءات السيد الامام طافحة بالدعوة الى الوحدة والنهي عن التفرق. يقول:

«والموضوع التالي يرتبط باتحاد المسلمين وتوحدهم، وهو مايشكل مضموناً بارزا آخر في مناسك الحج. منذ أن دخل الاستعمار الاوربي في البلدان الاسلامية كانت التفرقة بين المسلمين من المبادئ الحتمية في سياسة المستعمرين… متوسّلين بسلاح الطائفية تارة وبالنعرات الاقليمية والقومية تارة، وبغيرها أحيانا. ومع كل نداءات المصلحين ودعاة الوحدة، فإن مِدية الاعداء هذه لاتزال تنزل بجسد الامة الاسلامية مع الاسف ضربات وجراحات. إثارة الاختلافات بين الشيعة والسنّة، والعرب والعجم، والآسيويين والافارقة، وتضخيم القوميات العربية والطورانية والفارسية - وإن ابتدأت على يد الاجانب - فهي اليوم تستمر مع الاسف على يد أفراد من بيننا، يعبّدون طريق العدو عن سوء فهم أوعن عمالة للأجانب. هذا الانحراف يبلغ من الفظاعة أحيانا أن تنفق بعض حكومات المسلمين أموالا للتفريق بين المذاهب الاسلامية أو الشعوب والاقوام المسلمة، أو أن يعلن بعض أنصاف العلماء بصراحة فتوى تكفير بعض الفرق الاسلامية ذات الماضي الوضي‏ء في التاريخ الاسلامي. يجدر بالشعوب المسلمة أن تتعرّف على الدوافع الخبيثة لهذه الاعمال، وأن ترى الايدي التي وراءها… يد الشيطان الاكبر وأيدي أذنابه، وأن

تتصدى لفضح الخائنين» [١٦].

الحج منطلق العزّة

أبرز ظاهرة في نداءات الحج الموجهة من القيادة الاسلامية في عصر الامام الراحل وخلفه التأكيد على الحج وعلى قدرة هذه الفريضة أن تتغلب على كل ضعف في المسلمين وأن تخلق كل مقومات عزتهم وكرامتهم… وربّما تثير مثل هذه الاحاديث استغرابا عند كلّ من يرى فريضة الحج بوضعها الحالي حيث تتجه مجموعة من المسلمين كل عام لأداء نسكها وتعود الى موطنها دون أن يتحرك ساكن في هذه الأمة. غير أن السيد القائد يرى أن هذا الحج ليس بالحج الصحيح… لأن هذه العبادة الجماعية شرّعت لتوثيق عرى الامة، وترسيخ الهوية، واستعراض القوّة، وتثبيت العزّة. يقول:

«الحج الصحيح يستطيع أن يحدث تغييرا في المحتوى الداخلي لكل فرد من أفراد المسلمين. يستطيع أن يغرس في نفوسهم روح التوحيد والارتباط باللَّه والاعتماد عليه، وروح رفض كل الاصنام الداخلية والخارجية في وجود الكائن البشري، هذه الاصنام المتمثلة في الاهواء والشهوات الدنيئة والقوى الطاغية المسيطرة، يستطيع أن يرسّخ الاحساس بالقدرة والاعتماد على النفس والفلاح والتضحية. ومثل هذا التحول يستطيع أن يصنع من كل إنسان موجودا لايعرف الفشل ولا ينثني أمام التهديد ولا يضعف أمام التطميع.

والحج الصحيح يستطيع أن يصنع من الاشلاء الممزقة لجسد الامة الاسلامية كيانا واحدا فاعلا مقتدرا، وأن يجعل هذه الاجزاء المتفرقة تتعارف وتتبادل الحديث عن الآمال والآلام والتطورات والاحتياجات المتقابلة والتجارب المستحصلة. لو أن الحجّ وضع ضمن إطار برنامج يتوخّى هذه الاهداف والنتائج وتتظافر عليه جهود الحكومات والعلماء وأصحاب الرأي والكلمة في العالم الاسلامي، لعاد على الامة الاسلامية بعطاء ثرّ لايمكن مقارنته بأي عطاء آخر في دنيا الاسلام. يمكن القول بكل ثقة أن هذا التكليف الالهي وحده، لو استثمر استثمارا صحيحا كما أرادته الشريعة الاسلامية، يستطيع بعد مدة غير طويلة أن يبلغ بالامة الاسلامية مايليق بها من عزّة ومنعة» [١٧].

ويقول: «نعم، الحج عبادة وذكر ودعاء واستغفار، لكنه عبادة وذكر واستغفار في اتجاه تحقيق الحياة الطيبة للامة الاسلامية، وإنقاذها من أغلال الاستعباد والاستبداد وآلهة المال والقوة، وغرس روح العزّة والعظمة فيها، وإزالة الضعف والخور عنها» [١٨].

ويقول: «الحج قادر على إحياء روح التوحيد في القلوب، وعلى تجميع أشلاء الأمة الاسلامية الكبرى، وعلى استعادة عظمة المسلمين، وعلى انتشالهم من حالة الاحساس بالوهن والذل المخيّمة عليهم… الحج قادر على أن يقرّب أدواء المسلمين من الدواء، وأن يعالج أكبر ما فيهم من داءٍ يتمثل في سيطرة الكفر والاستكبار ثقافيا واقتصاديا وسياسياً» [١٩].

ويقول: «الحج مظهر التوحيد، والكعبة بيت التوحيد. تكرر «ذكر اللَّه» في الآيات الكريمة المرتبطة بالحج دلالة على وجوب إزالة كل عامل غير اللَّه تعالى من ذهن المسلمين وعملهم، وتطهير حياتهم من أنواع الشرك في هذا البيت وببركة هذا البيت. «اللَّه» سبحانه محور كل حركة في ساحة الحج، والطواف والسعي والرمي والوقوف وسائر شعائر اللَّه في الحج يمثل كل واحد منها مشهداً من مشاهد الانجذاب الى اللَّه وطرد ورفض «أنداد اللّه». وهذه هي الملة الحنيفية… ملة إبراهيم عليه السلام محطّم الاصنام الكبير وداعية التوحيد المطل على قمة التاريخ» [٢٠].

بثّ روح الامل‏

اليأس أكبر خطر يصيب الفرد والامة… لانه يقضي على كل دوافع الحركة، ويؤدي الى هزيمة نفسية وخارجية، ويدفع الى حالة الذل والاستسلام. من هنا وضع الاسلام كل أسس القضاء على هذه الحالة، وقرن اليأس بالكفر… ونداءات القيادة الاسلامية تهتم كثيرا بهذا الجانب، وتسعى الى إحياء روح الامل في نفوس المسلمين باعتباره ضرورة لازمة للتحرك نحو استعادة العزّة. يقول:

«لتعلم جبهة الكفر والاستكبار أن المستقبل للاسلام، ولا تستطيع أية خطة ولا أية قدرة أن تمنع تصاعد عظمة الاسلام واتساع نطاق النداءات والقيم الاسلامية في المجتمعات الاسلامية.

وليعلم شعبنا العزيز - وهو يعلم - أن الراية الاسلامية التي عزّت وعظمت وارتفعت بتضحياته منذ انبثاق الثورة حتى اليوم ستزيده عزّة وعظمة ورفعة، وأن كيد الاعداء غير قادر على البقاء أمام صبره ومقاومته الشجاعة.

كُتِبَ على الاستعمار وعملائه الاندحار أمام موج الاسلام الهادر، إن دماء شهداء مكة وسائر شهداء الثورة الاسلامية قد عبّدت طريق حركة تقدم الاسلام، ورفعت راية الاسلام خفّاقة في كثير من بقاع العالم» [٢١].

ويقول بعد أن يستعرض مساعي جبهة الاستكبار لتقويض دولة الاسلام والقضاء على الصحوة الاسلامية:

«وبفضل اللَّه ومنّه لم تستطع أية واحدة من هذه المساعي الاستكبارية العمليةمنها والاعلامية أن تحقق أهدافها. الأملُ الذي شع بانتصار الثورة الاسلامية ومواقفها الحاسمة الصلبة المقاومة على دنيا الاسلام وعلى قلوب المسلمين قد آتى أكله وأسفر عن انطلاق حركات شعبية عظيمة تطالب بالحكومة الاسلامية في عدد من البلدان الاسلامية» [٢٢].

ويقول: «لا أمل في مواجهة هذا التهديد الكبير إلا بالاسلام وبالمؤمنين الصامدين. وبفضل اللَّه ومنّه فإن شمس الاسلام قد بدأت ثانية تبعث في قلوب الناس ونفوسهم بأشعتها النيرة الطافحة بالحياة. وبدأت كثير من الشعوب المسلمة في مقارعة عوامل ابتعاد الناس عن دين اللَّه وهي تشق طريقها لتحقيق الاسلام في حياتها، هذه حركة مباركة مفعمة بالامل. وستمزّق بتوفيق اللَّه قيود السلطة الشيطانية الامريكية وكل قدرة طاغية أخرى، وتنجي الجميع:

«كَتَب اللَّهُ لأغلبَنَّ أنا ورُسلي» [٢٣] …» [٢٤].

ويقول: «النظام الرأسمالي الغربي غارق حتى ذقنه في مشاكل إنسانية مستعصية، ومع كل مايمتلكه من ثروات طائلة ظلّ عاجزا تماما عن إحلال العدالة الاجتماعية.

التمرّد الاخير للسود في أمريكا أوضح أن النظام الامريكي لايتعامل بعدالة مع الشعوب، وليس إجحافه مقتصرا على شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بل يشمل الشعب الامريكي أيضا. ففي داخل أمريكا تمارس الدائرة الامريكية العنف والقمع تجاه أي اعتراض مثلما تمارسه في البقاع الاخرى.

صحيح أن المعسكر الشيوعي قد مني بالانهيار، لكن منافسه أعني المعسكر الرأسمالي أيضا، بوضعه الحالي وبما اعتراه خاصة من غرور وطغيان على أثر انفراده في ساحة القوى، سوف لايكتب له البقاء وسيشهد العالم سقوطه وانهياره عاجلا أو آجلا» [٢٥].

استشعار العزّة في الانتصارات‏

مما يبعث روح العزّة في النفوس ذكر انتصارات الامة في ماضيها وحاضرها. حديث الانتصارات يزيد المعنويات، ويلهب روح الحماس، ويجعل الامة تستشعر الرفعة والعزّة والقدرة. وتكاد تكون نداءات الحج سجلا سنويا لهذه الانتصارات، يقول على سبيل المثال بعد أن يشير الى الحوادث الهامّة التي وقعت في ذلك العام:

«على رأس هذه الحوادث. انهيار القوة الشرقية الكبرى وانهدام القدرة المتعملقة التي كانت لعشرات السنين تعتبر إحدى أكبر القوتين العظميين في العالم سياسياً وعسكرياً وإعلاميا. اضمحلال الامبراطورية المترامية الاطراف ذات القدرة العسكرية الاسطورية والمجهزة بالاسلحة الذرية وكل وسائل السيطرة والنفوذ في العالم، هي في المحاسبات العاديّة المادية من المستحيلات، لكن هذه الحادثة قد وقعت، والمحاسبات المادية أثبتت فشلها من جديد.

تفكك الكتلة الشرقية، والتغيير الهائل في الجغرافيا السياسية للقارة الاوربية، وبروز شعوب وبلدان كانت لسنوات متمادية راضخة عنوة وغصبا تحت احتلال الاجانب أو قابعة تحت نفوذهم، هي أيضا من هذه الحوادث المدهشة.

وبنفس القدر من الروعة والاثارة كان انتصار الثورة في أفغانستان، وتولي القدرة فيه شعب حمل أعباء الجهاد المرّ خلال أربعة عشر عاما من الغربة والمظلومية والفقر المادّي ولكن بإيمان عميق بالاسلام. وهكذا ظهور عدد من البلدان المسلمة المستقلة في آسيا الوسطى وهي تضمّ شعوبا ترفع صوتها بالاسلام وتفخر بإسلامها وتنشد تطبيق الشريعة الاسلامية، بعد سبعين عاما من الاعلام المضلل الشيوعي المسموم، ورغم جهود بقايا ذلك العهد الذين لم يتصالحوا مع الاسلام ولن يتصالحوا معه. وهكذا ولادة مالايقل عن بلدين مسلمين في اُوربا أعني البوسنة والهرسك، وألبانيا ولادة أقلقت الحكومات الاوربية.

ونوع آخر من الاحداث تمثّل في انتصار التيار الاسلامي في الجزائر خلال انتخابات حرة منطبقة مع معايير الديمقراطية، وكان هذا الانتصار مبعث أمل كل المسلمين واعتزازهم، وتعبيرا عن عمق الايمان الاسلامي في ذلك الشعب المجاهد المجرب. ويكفي هذا الانتصار عظمة أن بعث الرعب في القوى المعادية للاسلام وفي القوى الرجعية في المنطقة على حدّ سواء. حتى عمدوا عن طريق انقلاب عسكري خادع الى التغطية على تلك الصحوة الاسلامية وحاصروها وقيّدوها في الوقت الراهن. وواضح لكل ذي بصيرة أنهم لايستطيعون الابقاء على هذا الوضع لمدة طويلة.

على أي حال، كان العام الماضي صاخبا بمثل هذه الحوادث النادرة العجيبة، وأضف الى ماسبق تصاعد الحركات الاسلامية وصحوة المسلمين وإصرار الامة على استعادة هويتها الاسلامية وعلى الوقوف بوجه القوى المتعنتة المخالفة، في كثير من مناطق العالم، خاصة في فلسطين العزيزة، وبعض بلدان شمال أفريقيا والشرق الاوسط… كانت هذه جميعا من المميزات البارزة لهذا العام» [٢٦].

ويقول: «في هذه السنوات بالذات نرى داخل الارض الفلسطينية المغتصبة تصاعد نضال الجماهير بشعارات إسلامية ومن مراكز المساجد، وهو يضيّق الخناق على الصهاينة.

في هذه السنوات بالذات نرى الجماعات المناضلة الاسلامية في لبنان تحقق نجاحا باهرا حتى في الانتخابات البرلمانية وكسب المواقع الشعبية.

وفي هذه الفترة الزمنية ذاتها نرى الجمهورية الاسلامية، التي كان يتوقع بعض عن سذاجة أنها تصل الى طريق مسدود أو تتراجع عن مبادئها وأهدافها، تحث الخطى بسرعة أكثر من المتوقع نحو الامام مع الاصرار على الالتزام بمبادئها الثورية».

انفعال الاعداء

كما أن الحديث عن الانتصارات يخلق الشعور بالعزّة، كذلك الحديث عن هزيمة العدوّ وانفعاله وتخبطه يوجد نفس هذا الشعور. والتأكيد على إحساس معسكر الاستكبار بالضعف أمام الصحوة الاسلامية واضح في نداءات الحج. يقول بعد أن يستعرض التحرك العدواني ضد الجمهورية الاسلامية:

«والمسألة الهامة هي أن هذه الحركات العدوانية ناشئة عن إحساس معسكر الاستكبار بالضعف مقابل الاسلام. ما أبداه الشعب الايراني المسلم من صلابة ومقاومة، وما أطلقه محطم أصنام قرننا من صرخات هادرة، وما شمل هذا العبد الصالح وصحبه على الدوام من فضل ونصر الهي، كلّ ذلك أدّى الى صدور الافكار الثورية الاسلامية التي كان يخشى منها العدوّ بشدّة بنفس الطرق التي أعدّوها لصدّ صدور الثورة أو إنزال الضربة بها. ظلامة الشعب الايراني وتحمله الشدائد أديا الى إثبات أحقية هذا الشعب الكبير والى اتساع نطاق الثورة في كثير من البلدان والى منح المسلمين في العالم عزما أرسخ وإحساسا أعمق بهويتهم الاسلامية.

عملاء الاستكبار العالمي مصابون اليوم في كل مكان بحالة انفعالية تجاه الاسلام، وتحركهم الحاقد على الاسلام سواء بأساليب ثقافية أو سياسية أو بقوة السلاح ينطلق من الشعور بالضعف والخوف أمام المد الاسلامي المتصاعد.

إنه لمن الالطاف الالهية أيضا أن تتحول كل محاولاتهم للاستهانة بالاسلام أو لتوجيه ضربة اليه الى عامل لتصاعد غضب المسلمين وترسيخ إرادتهم للدفاع عن الاسلام. ومن النماذج البارزة لذلك تدوين الكتاب الشيطاني بيد المرتد المهدور الدم البريطاني. فقد شاءت القوى الاستكبارية بهذا العمل أن تستهين بالاسلام وشاء اللَّه تعالى أن ينقلب هذا الامر الى وبال عليهم وفضيحة لهم. وبصدور فتوى إمام الأمة القاضية بهدر دم الكاتب أصبح الصوت الاسلامي أعلى وانسجام الخطى أشدّ. وكل مساعي العدوّ في محاربة الاسلام ستمنى - إن شاء اللَّه - بنفس هذا المصير: «إن كيد الشيطان كان ضعيفا» [٢٧] » …. » [٢٨]

ويقول: «إنهم مذعورون وخائفون ومستاؤون من عودة الشعوب الى ماضٍ يُحيي في نفوسهم العزّة والعظمة، ويفتح أمامهم طريق الجهاد والشهادة، ويعيد اليهم الكرامة الانسانية، ويقطع أيدي التسلطيين التي تنهب الاموال وتعتدي على الاعراض، ويعلّمهم قوله تعالى: «ولَن يجعل اللَّهُ للكافرينَ على المؤمنينَ سَبيلا» [٢٩].

ويتلُو عليهم الآية الكريمة: «وللَّهِ العِزّة ولرسُوله وللمُؤمنين» [٣٠].

ويلقي على مسامعهم وقلوبهم حثّه سبحانه إذ يقول: «وما لكم لاتُقاتلون في سبيل اللَّه والمستضعفين» [٣١].

ويُطبق في حياتهم الاعلان الالهي: «إنِ الحُكمُ إلّا للّه» [٣٢].

خائفون ومذعورون ومستاؤون من عودة لمثل هذا الماضي والارتباط بمثل هذا التاريخ حيث اللَّهُ والدين والقرآن محور حياة الافراد وحيثُ أيدي المستكبرين والمستبدّين والتسلطيين لاتمتدُّ الى حياتهم، ولذلك يحاولون أن يصدُّوا عن ذلك بأي ثمن» [٣٣].

ويقول: «قدرة العدوّ الزائفة يجب أن لا تبهر العيون. هؤلاء يستغلون تفرق المسلمين وضعف معنوياتهم ليصطنعوا لأنفسهم أمام أعين البسطاء قدرة كاذبة. الاستكبار انهزم أو فشل في تحقيق مآربه في كل الساحات التي صمد فيها المسلمون صمودا حقيقيا أمام تجبّره. ويكفي لإثبات ذلك بإلقاء نظرة واحدة على إيران الاسلام حيث انتصرت بحول الله وقوته في مواجهتها هذا الحجم الهائل الضخم الاسطوري من عداء أمريكا وأتباعها، خلال الأعوام الستة عشر الماضية. وهاهي اليوم أكثر اقتدارا ونجاحا ونشاطا وأملا من أي وقت مضى.

واليوم فإن أمريكا التي تحمل راية الاستكبار في صراعه مع حركة الصحوة الاسلامية، لم يقتصر فشلها وخيبتها على هذا الصراع الظالم، بل إنها تعاني في داخلها أيضا من مشاكل مستعصية اقتصادية وأمنية وسياسية. كما أنها في مساعيها المتجبّرة، التي يحسب زعماؤها المغرورون التافهون أنها حق من حقوق جبروتهم، قد ذاقت مرارة الهزائم المتلاحقة، وستذوق المزيد في المستقبل إن شاء الله تعالى» [٣٤].

عزّة دولة الاسلام‏

نداءات الحج عامة لكل المسلمين، ولا تقتصر على الحديث عن الجمهورية الاسلامية. لكن ايران الاسلام مستهدفة أكثر من غيرها لمحاولات الاذلال والاخضاع والاركاع… لانها أصبحت رمز الصحوة، ورمز العزّة… ورمز الانتصار. من هنا يأتي تأكيد القيادة الاسلامية على عزّة ايران والشعب الايراني.

يركز السيد القائد على أن الجمهورية الاسلامية سوف تواصل طريق العزّة الذي اختطه الامام الراحل ولن تتراجع عنه قيد أنملة، يقول:

«نحن عاهدنا الله أن نواصل طريق الامام الخميني - أعلى الله قدره - وهو طريق القرآن والاسلام وعزّة المسلمين. الخطوط العامة لمنهج مسيرتنا سياسة اللاشرقية واللاغربية، والدفاع عن المستضعفين والمظلومين، وصيانة وحدة الامة الاسلامية الكبرى وحركتها، والتغلب على عوامل الخلاف والشقاق بين المسلمين على الساحة العالمية، والجهاد من أجل إقامة المجتمع الاسلامي الامثل، وحماية الفئات المحرومة وأصحاب الاكواخ، واستثمار كل الطاقات والامكانات لاعادة بناء البلاد على الصعيد الداخلي. وهدفنا الاساس من كل ذلك إعادة الحياة الاسلامية وإحياء القيم القرآنية، وسوف لا نتراجع - باذن اللَّه - أنملة عن هذا الهدف» [٣٥].

ويلخّص معالم طريق العزّة التي تنهجها الجمهورية الاسلامية والتي تثير سخط المستكبرين فيقول:

«في نظام الجمهورية الاسلامية مايثير سخط أمريكا وكل مستكبر آخر هو:

الاول - عدم انفصال الدين عن السياسة والاساس الاسلامي لنظام الجمهورية الاسلامية.

الثاني - الاستقلال السياسي لهذا النظام، أي عدم استسلامه أمام التعنّت المعروف لدى القوى الكبرى.

الثالث - إعلان طريق مشخّص لحل مسألة فلسطين من قبل الجمهورية الاسلامية يتمثل في انحلال النظام الصهيوني الغاصب وإقامة دولة فلسطين من الفلسطينيين أنفسهم والتعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين واليهود في فلسطين.

الرابع - الدعم المعنوي والسياسي لكل النهضات الاسلامية وإدانة كل إساءة الى المسلمين في أية بقعة من العالم.

الخامس - الدفاع عن كرامة الاسلام والقرآن والنبي الاعظم‏صلى الله عليه وآله وسائر الانبياء ومواجهة مؤامرة نشر الاهانة بهذه المقدسات نظير ما حدث بشأن كاتب الآيات الشيطانية المهدورالدم.

السادس - السعي لاتحاد الامة الاسلامية وإقامة التعاون السياسي والاقتصادي بين الحكومات والبلدان الاسلامية، والتحرك على طريق ترسيخ اقتدار الشعوب المسلمة في إطار «الامة الاسلامية الكبرى».

السابع - رفضُ الثقافة الغربية المفروضة التي تسعى الحكومات الغربية عن تعصّب وضيق نظر الى إجبار كل شعوب العالم على قبولها، والاصرارُ على إحياء الثقافة الاسلامية في البلدان الاسلامية.

الثامن - مكافحة الفساد والتحلل الجنسي الذي اعترفت بعض البلدان الغربية وخاصة أمريكا وبريطانيا أخيرا رسمياً بأبشع ألوان انحرافه بكل وقاحة أو هي عازمة على هذا الاعتراف، والوقوف بوجه خطط الغرب القديمة الرامية الى نشر أشكال هذا الفساد في البلدان الاسلامية.

هذه هي التي تدفع أمريكا وبطانتها الى عداء حاقد للجمهورية الاسلامية» [٣٦].

هذه بعض أبعاد الدعوة الى العزّة في نداءات السيد الامام، ولا نغالي إذا قلنا إن هذه النداءات تشكل بأجمعها «حديث العزّة» … نقدّمها الى كل المهتمين بقراءة خطاب القيادة الاسلامية… والى كل المهتمين بعزّة أمتهم.

نداؤه الى حجاج بيت اللَّه الحرام

= - ١٤٠٩ه.

بسم الله الرحمن الرحيم‏

«يا بَنيَّ اذهبوا فتحسَّسُوا من يوسُفَ وأخيهِ ولا تايئسوا من رَوحِ اللَّه…. » [٣٧].

حمدا لك اللهم أن فتحت لعبادك باب دعائك ومناجاتك، ووعدت بالرحمة والمغفرة قلوب المشتاقين الى نور جمالك، وأبيت أن تصيب بني آدم لوثة الشرك، فدعوت الى التوحيد وندبت الى الاخلاص، تزكية لقلوب المؤمنين وتطهيرا لأرواحهم.

ولك الثناء ياربّ العالمين أن أنزلت على عبدك المصطفى محمدصلى الله عليه وآله الكتاب والحكمة وما فيه شفاء للناس، وهديت العالمين بأقواله وأعماله طريقَ السعادة.

اللهم صلِّ وسلّم على محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وعلى كل الأنبياء والاوصياء والاولياء الذين هم بالحق صادحون وللباطل قامعون ولأصنام الجاهلية محطمون وللأمة ناصحون مشفقون. اللَّهم واجعل نهجهم في عيون الخلق نيّرا وفي القلوب محبوبا.

اللهم وابعث بسلامك ورحمتك ورضوانك الى عبدك الصالح المتواضع الامام الخميني الذي نشد رضاك دون رضا الآخرين، وتحمّل ألوان المشاق لاعلاء كلمتك وإحياء دينك، وأدى حقّ الجهاد في‏سبيل ملة إبراهيم وسنّة محمدصلى الله عليه وآله، ولم يتوان لحظة على هذا الطريق، عاش وهو يلهج باسمك وذكرك، والتحق بالملكوت الاعلى برجائك وحبّك. اللهم ارفع كلمته وانشر نهجه واحفظ بحصنك المنيع دولته، وحقّق آماله وأهدافه واجعلنا له خلفا صالحين.

اللهم إنك تعلم أني ما أردت من حديثي هذا سوى إبلاغ رسالتك وأداء أمانتك. اللهم واجعل هذا الحديث بحرارة الحقّ مفعما، ولأسماع وقلوب المؤمنين وكل طلّاب الحقّ موصولا، وبنفس ماكان في حديث عبدك الصالح وإمامنا القائد من إخلاص وصفاء ممزوجا، وتقبله بقبول حَسَن…. آمين يارب العالمين.

مرة أخرى يحلّ موسم الحج، وترتفع الدعوة الخالدة لابراهيم «وأذّن في الناس بالحج» [٣٨] لتستجيب لها فطرةُ المسلمين ولتملأ بألم الفراق قلوبَ المشتاقين.

استمرار الصدّ

يد العدوان والظلم الآثمة الممتدة من كُمِّ حُكّام الحجاز لم تكتف بمجزرتها وقتلها مئات حجاج بيت اللّه الحرام في حرم الأمن الالهي، لم تكتف بقمعها الوحشي لآلاف الحمائم المضرجة بالدماء دونما ذنب ارتكبته سوى إعلان البراءة من المشركين وإعلان السخط على أمريكا وإسرائيل ودعوة المسلمين الى الوحدة والأخوّة، بل عمدت هذه اليد الآثمة الى صدّ الشعب الايراني عن بيت الله ومأمن الناس، وجنّدت الألسن الأجيرة والأقلام الرخيصة بمساعدة الاعلام الصهيوني والامريكي لمهاجمته، انتقاما من هذا الشعب الذي هاجم قوى الاستكبار في كل الجبهات، وسعيا لإزالة آثار بضع سنين من الحج المقرون بالبراءة من المشركين، حيث كان جوّ الحرمين الشريفين وعرفات والمشعر ومنى ببركة حضور أبناء الثورة ومجاهدي طريق القرآن والاسلام، معطّرا بشذى نداء التوحيد الخالص وشعار رفض آلهة القوّة والثروة.

هذا هو ثاني موسم حج يُصَدّ فيه شعب ايران، هذا الشعب الذي سجّل أروع التضحيات في سبيل الاسلام، عن الطواف حول بيت المحبوب. الحكومة السعودية عمدت هذه السنة أيضا، بحجج واهية، مثل السنة الماضية، الى الصدّ عن سبيل اللّه، لتصيّر من نفسها مصداقا للآية الكريمة: «إن الذين كفروا ويصدّون عن سبيل اللّه والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد» [٣٩]. ذاكرة التاريخ سوف لاتنسى هذه المواقف العدائية.

الخميني حيّ

والآن، إذ ابتُلي الشعب الايراني في الذكرى السنوية لمأساة مكة الدامية بمصيبة فقدان القائد الاكبر ورائد وحدة المسلمين ورافع راية الاسلام والقرآن، عبد اللّه الصالح وناصح الامة الشفيق وابن النبيّ البار الخميني الكبير، فالاجدر بحجاج بيت اللّه من كل الشعوب والبلدان أن يستجيبوا لندائه التوحيدي الوحدوي الذي كان يتصاعد كل عام من حنجرته الابراهيمية ليملأ أجواء بيت اللَّه ثم أجواء العالم الاسلامي، وليهزّ أصنام القوة والمال، وأن يلبّوا دعوته التي يعبّر فيها عن إرادة الملايين من المسلمين المحقّرين المظلومين على يد الحكام العملاء والمستكبرين.

نعم، إن كان يوسف هذه الأمة قد فارقنا، وفقدنا عزيزا كان يتجلّى كل عام في وجود جميع الحجاج الايرانيين العاشقين الوالهين، فانه الآن أيضا حيٌّ في قلب كل ذاكر وعارف، وفي كل روح ثائرة، وفي كل لسان صادح بالحق، وفي وجود كل مسلم غيور ملهوف، وفي كل مكان يجدّ فيه الحديث عن عزّة الاسلام ووحدة المسلمين والبراءة من المشركين ورفض أنداد الله وأصنام الجاهلية. إنه حيٌّ مادام الاسلام الاصيل المحمدي حيا، وهو حيٌّ مادام لواء عظمة الاسلام ووحدة المسلمين وكراهية الظالمين خفّاقا.

لايزال نداؤه الملكوتي، حيث يقول: «محالٌ أن يتحقّق إخلاص عشق الموحدين إلا بظهور كامل الرفض للمشركين والمنافقين» يدوّي في أرجاء مكة، ولايزال درسه الخالد حيث يقول: «أي بيت أليق بالكعبة، حيث بيت الأمن والطهر، في الاعلان عملا وقولا عن رفض كل ألوان العدوان والظلم والاستعمار والاستعباد، وكل أشكال الدناءة والانحطاط الخلقي» منقوشا على كتيبة ذهن البشرية المستيقظة.

لايزال هذا السؤال المنبّه حيث يقول: «أمن العدل الجلوس في البيوت وتدبيج التحليلات الخاطئة والاستهانة بمكانة الانسان ومنزلته وتلقين المسلمين روح الضعف والعجز لتمكين الشيطان وفراخه عمليا منّا؟ » يستحثّ وجدان كل مسلم غيور، ويطلب جوابا مقرونا بروح التحرر والاخلاص. لايزال حديثه الرسالي يملك على المشتاقين قلوبهم ونفوسهم حيث يقول: «هيهات أن ترضح أمة محمدصلى الله عليه وآله المرتوية من كوثر عاشوراء، والمنتظرة لوراثة الصالحين، لموتٍ ذليلٍ ولأسرٍ بيد الشرق والغرب. وهيهات أن يسكت الخميني ويهدأ أمام عدوان الأبالسة والمشركين والكافرين على حريم القرآن وعترة رسول اللَّه وأمة محمد صلى الله عليه وآله وأتباع ابراهيم الحنيف، ويجلس متفرّجا على مشاهد إذلال المسلمين وتحقيرهم!! لتعلمنّ القوى الكبرى وعملاؤها أن الخميني - حتى لو بقي وحيدا فريدا - فسوف يواصل طريقه في مقارعة قوى الكفر والشرك والوثنية».

وشكرا للَّه وله المنّة، لم يبقَ الخميني الكبير وحيدا، بل كما قال وكما أراد: «سلبت القوى المسلمة المعبّأة في العالم، هذه القوى المتشكلة من الحفاة المعرّضين لنقمة الجبابرة، نومَ الراحة من أعين الطامعين والمأجورين».

لاتزال هذه النغمات العذبة المفعمة بالامل تبعث الحيوية في قلوب المؤمنين، وتزرق في جسد الأمة المسلمة دم الامل والنشاط حيث يقول: «لتملأ روح الفخر والتحرر قلوب كل المسلمين والمحرومين في العالم وهم يرون هذه القيامة التي أقامتها الثورة الاسلامية لكل طواغيت العالم، وليردّدوا نشيد الحرية والتحرر لحياتهم ومستقبلهم، وليضمّدوا جراحهم، فقد ولّى عصر اليأس والقنوط والرضوخ لاجواء الكفر، وازدهرت مروج الشعوب. ومن المؤمل أن يشهد المسلمون تفتّح براعم الحرية، وانتشار شذى عطر الربيع وعودة نظارة زهور الحبّ والعشق وتدفّق زلال ينابيع إرادتهم».

نعم، الامام الخميني حيّ مادام الامل حيا، ومادامت هناك حركة ونشاط ومادام هناك جهاد ونضال… الامام الخميني وأمته المضحّية ليسوا بغائبين أيضا عن مكة والميقات. أفكار الجهاد والشهادة والمقاومة والبراءة من المشركين وحبّ المؤمنين وأمثالها من أفكار هذا الانسان الكبير تغمر كل القلوب والنفوس المستعدة، وتمنحه حضورا معنويا. نعم، إنّ الامر كما قال: «سواء كنا في مكة أم لم نكن فإن قلوبنا وأرواحنا مع ابراهيم في مكة. وسواء فتحوا لنا بوابات مدينة الرسول أم أغلقوها فإن عرى حبنا للنبي لن تضعف أبدا. نصلي صوب الكعبة ونتحرك نحو الكعبة، ونشكر اللّه أن بقينا على عهدها وميثاقنا مع ربّ الكعبة، ولم نبق منتظرين لأن يساند حركتنا الحكام المهزوزون لبعض البلدان الاسلامية وغير الاسلامية. نحن من رهط المظلومين والمحرومين على مرّ مسيرة التاريخ، وليس لنا سوى اللّه، ولو قطعونا إربا لما تراجعنا عن مقارعة الظالمين».

والآن، إذ عمدت يد الجور والعدوان، للمرة الثانية، الى سدّ طريق بيت اللَّه على المسلمين الموحّدين الايرانيين، وسمحت لنفسها خدمةً لامريكا واسرائيل أن تمارس الجفاء بحقّ شعب رفع أعلى راية نضال ضد الشيطان الاكبر وربيبته الغاصبة، وأن تنزل بقلوب أمتنا الجريحة لفقد إمام المسلمين جراحا أخرى، أتقدم ببعض الملاحظات لتذكير المؤمنين المتواجدين على ساحة الحج رجالا ونساء، والمسلمين في العالم، والشعب الايراني الكبير.

عطاء الحج

١ - لقد توجهتم باسم اللّه وبدعوة نبي اللّه الى ديار الحبيب «من كل فج عميق» ووفدتم على حريم بيت اللّه، وأحرمتم للحج وللهجرة الى اللّه، وانتهجتم سبيل ابراهيم مرددين بلسان الفطرة: «إني ذاهب الى ربّي سيهدين» [٤٠] ومترنمين بلسان الحال والقال: «وأرنا مناسكنا وتب علينا» [٤١]. والمرجوّ أن تذوقوا ما طلبه ابراهيم من ربه من «ثمرات كل شي‏ء» [٤٢]. وأن تقرّ عينكم بمشاهدة المنافع التي بشرّ بها ربّ العالمين.

من المؤكد أن إحدى تلك المنافع المرجوّة من مناسك الحج وشعائره المعطاءة أن تسلموا قلوبكم الى اللّه وهي بيت الله وأمانته، وأن تطهروها من كل صدأ وزيغ، وتجدّدوا ذلك العهد الذي ذكره ربّ العالمين في قوله: «ألم أعهد اليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان» [٤٣] وأن تصدعوا لأمره سبحانه إذ قال: «فاجتنبوا الرجس من الاوثان» [٤٤]، لتنالكم كرامة البشرى: «والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا الى اللّه لهم البشرى» [٤٥].

الحج معهد المعارف الاسلامية، وكتاب المنهج الاسلامي العام لادارة الحياة. الحج مظهر التوحيد والرفض ورمي الشيطان وإعادة شعار إبراهيم إذ قال: «أني بري‏ء مما تشركون» [٤٦]. إنه ساحة اتحاد عظيم بين أبناء الامة الاسلامية حول محور التوحيد والبراءة من المشركين ولفظ كلّ الاوثان، والوثن كلّ ما ادّعى الالوهية من دون اللّه واستبدل ولايته بولاية اللّه، وسخّر طاقات البشر وإرادتهم لنفسه، حَجَرا وخشبا كان أم قوى شيطانية مسيطرة ومتجبّرة أم عصبيات جاهلية جافية: «فماذا بعد الحقّ الا الضلال» [٤٧].

الحج الابراهيمي والمحمدي صلى الله عليه وآله والحج العلوي والحسيني‏عليهما السلام هو ما اقترن بالارتباط باللَّه والركون الى حكومته وقدرته مع الاعراض عن قدرة الطواغيت والجبابرة. ما أجمل ترتيل سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة (الحسين بن علي‏عليه السلام) وهو يناجي ربّه في عرفات حيث يجمع ذلكما الارتباط والاعراض في قوله: «الهي أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها…. وأنت مؤيدي بالنصر على أعدائي، ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين…. يامن جعلت له الملوك نير المذلّة على أعناقهم فهم من سطوته خائفون» [٤٨]. وخطبة رسول الله‏صلى الله عليه وآله في يوم التروية حيث أعلن فيها نسخ أعراف الجاهلية، وحذّر من خداع الشيطان الذي يغوي بني آدم ليتبعوه من دون اللّه، وبيّن أحكام الأخوّة بين كل المسلمين، إنّما هي تعيين المنهج العام لفريضة الحج.

أيّ روح ظمأى تنتهل من فيض الكوثر المحمدي صلى الله عليه وآله ونبع الزمزم الحسيني، ثم تشكك في المضمون السياسي للحج؟ ! الحج بدون الحركة والنهوض، الحج الذي لايشكل تهديدا للكفر والشرك، ليس هو بحج، لأنه يفتقد الى روح الحج ومعناه.

أوثان الاسبتداد والاستعمار والحكام الغافلين عن ذكر اللَّه، والقوى المتفرعنة كانت تخشى دائما في الماضي والحاضر من حج ذي محتوى بنّاء وموجّه ومحرّك وكانت تهبّ لمواجهته. إنهم جنّدوا إعلامهم بشكل حاقد واسع، واستخدموا وعاظ السلاطين والمقتاتين على فتات موائدهم، لمحاربة المضمون السياسي للحج، وأثاروا ضجّة ليلقوا في الاذهان أن الحج منفصل عن السياسة، وأنه لايعدو أن يكون عبادة فردية، غافلين عن مسألة يدركها بوضوح كل من له أدنى فطنة، وهي: إن الحج - لو لم يكن درسا لوحدة المسلمين وعظمة الأمة الاسلامية، وتعارفا بين الاخوة المتباعدين، والتقاء لخطى المسلمين على اختلاف لغاتهم وعناصرهم وقومياتهم ومناطقهم الجغرافية، واعتصاما بحبل اللَّه، وكان عبادة وارتباطا بين العبد وربه فقط، فما معنى مجي‏ء الناس «من كل فج عميق» راكبين وراجلين، ليجتمعوا في مكان خاص وفي زمان خاص؟ ! لماذا كل هذا العناء في تحمل وعثاء الطريق؟ ولماذا الحضور في مكة ثم في عرفات والمشعر ومنى، حضورا محدودا في أيام معدودات وساعات معينة، لكل المسلمين في العالم؟ ! ولماذا الطواف حول مركز واحد والرمي تجاه هدف واحد؟ !

نعم، الحج عبادة وذكر ودعاء واستغفار، لكنه عبادة وذكر واستغفار في اتجاه تحقيق الحياة الطيبة للامة الاسلامية، وإنقاذها من أغلال الاستعباد والاستبداد وآلهة المال والقوة، وغرس روح العزّة والعظمة فيها، وإزالة الضعف والخور عنها. هذا هو الحج الذي وصف بأنه ركن الدين واعتبره أمير المؤمنين علي‏عليه السلام - كما ورد في نهج البلاغة بأنه عَلَم للاسلام، وجهاد كل ضعيف، وماحق الفقر والمسكنة، ووسيلة تآلف الملّة. وهذا هوالحج الذي كان يتجه اليه عباد اللَّه المجاهدون كل عام من ايران بشوق واندفاع، ويرون أنّ من شروطه الاساسية البراءة من أمريكا والصهيونية ورفض ولاية الاستكبار ورفع شعار المطالبة بتوحيد الولاية لله سبحانه. وهذا هو الحج الذي أحسّ بخطره كل الذين صفعهم الاسلام والثورة وعلى رأسهم أمريكا المجرمة، ومنع المؤمنين من إقامته للمرة الثانية حكامُ آل سعود تزلفا لامريكا واسرائيل، وحثوا الألسن والأقلام الأجيرة ووعاظهم الأذلّاء لرفضه وإدانته.

وها أنتم يا حجاج بيت اللَّه الحرام من كل أصقاع العالم الاسلامي ترون أن أعداء وحدة المسلمين ما أرادوا وما سمحوا أن تطوفوا وتسعوا وتقفوا وترموا وتصلوا وتزوروا قبر رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله مع إخوتكم الايرانيين، فأحيوا ذكر إخوتكم المهجورين والمصدودين في تلك المناسك. وحاولوا ما استطعتم أن تقربوا الحج من معناه وروحه وحقيقته. واعلموا أن من يحاول إفراغ الحج من هويته السياسية فهو إما جاهل أو مغرض. ولا غفر اللَّه لأولئك الذين لايتورعون عن سلب الأمة الاسلامية أمضى سلاحها في مواجهة الكفر والاستكبار، وعن تبديل عبادة الحج البنّاءة الطافحة بالحيوية الى عبادة فردية سطحية، مقرونة بسياحة وتجارة، تحقيقا لأطماعهم الخبيثة الدنيئة.

فصل الدين عن الحياة

٢ - من أعظم مظاهر الشرك في عصرنا الراهن فصل الدنيا عن الآخرة، والحياة المادية عن العبادة، والدين عن السياسة. كأن إله هذه الدنيا - معاذ اللّه - الجبابرة والطغاة والقوى الناهبة والمسلطة والمجرمة، وكأن ممارسة الاستضعاف والاستعباد والاستعلاء والاستثمار بحقّ عباد اللَّه هو من حقوقهم الثابتة، وكأن الجميع مكلفون بأداء فروض الطاعة في محراب تفرعنهم وبالاستسلام وعدم الاعتراض أمام تغطرسهم ونهبهم وأهوائهم الجامحة، وإلا فإن وعاظ السلاطين وحفدة «بلعم باعور» [٤٩] سيتهمونهم بالتدخل في السياسة، وسيقولون لهم: ما شأن الاسلام بالسياسة؟ !!

هذا هو الشرك الذي يجب أن يطهّر المسلمون اليوم منه إرادتهم ودينهم بإعلان البراءة.

من المؤسف أن سنوات غفلة المسلمين وابتعاد القرآن عن حياتهم أدت الى أن تلقي أبواق التحريف كل كلام منكر في الاذهان باسم الدين، وأن تتجرأ على إنكار أجلى أصول دين ربّ العالمين، وأن تُلبِس الشركَ لبوسَ التوحيد، وأن تنكر ببساطة مضامين آي الكتاب المجيد.

من أكثر الأمور بداهة في الاسلام إقامة القسط باعتباره هدفا من إرسال الرسل. يقول سبحانه: «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط» [٥٠] ويقول: «كونوا قوامين بالقسط شهداء للّه» (٥١). ويدعو اللَّه تعالى كل المؤمنين الى السعي من أجل إقامة القسط. ومن هذه الامور البديهية منع الاعتماد على الظالمين. يقول القرآن الكريم: «ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسّكم النار» (٥٢) واعتبر القرآن الرضوخ لظلم الظالمين يتعارض مع الايمان: «ألم تر الى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به» (٥٣) ووضع الكفر بالطاغوت الى جانب الايمان باللّه: «فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن باللّه فقد استمسك بالعروة الوثقى» (٥٤). ومن الواضح أيضا أنّ أول شعارات الاسلام هو التوحيد أي رفض كل القوى المادية والسياسية وكل الاصنام الجامدة والحيّة، وأن أول خطوة أقدم عليها النبي‏صلى الله عليه وآله بعد الهجرة إقامة الدولة الاسلامية والادارة السياسية للمجتمع، وأن ثمة دلائل وشواهد كثيرة أخرى تدل على ارتباط الدين بسياسة الحكم، ومع كل هذه البديهيات الواضحة يظهر مَنْ يقول إن الد

ين منفصل عن السياسة ويظهر من يقبل هذا الادعاء المعادي للاسلام.

ما بال هؤلاء الساسة الذين يصرون على انفصال الدين عن السياسة؟ ! وما بال أدعياء الدين الذين يهبّون لمساندتهم وتكرار مقولتهم؟ ! ألم يتدبروا في آيات القرآن وتاريخ الاسلام وأحكام التشريع؟ ! إذا كان الدين منفصلا عن السياسة فلماذا ربط القرآن الكريم كل الامور السياسية أعني الحكومة والقانون، وتنظيم أمور الحياة، والحرب والسلام، وتشخيص الصديق والعدوّ وسائر مظاهر الحياة السياسية، باللّه وبدين اللَّه وأولياء اللّه؟ ! ألم يفكروا في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء» (٥٥) وقوله سبحانه: «ولا تطيعوا أمر المسرفين. الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون» (٥٦) وسائر الآيات التي تتحدث عن حزب اللَّه وحزب الشيطان وعن ولاية اللَّه وعن الحكم بغير ما أنزل اللَّه؟ !

تُرى هل إن النشاطات الاجتماعية والسياسية لبني البشر - وهي ما تحتل الجزء الاعظم من حياتهم - ليس فيها عند اللَّه حساب وكتاب وجزاء؟ إذن بأي ميزان توزن الأعمال التي يتحدث عنها الكتاب العزيز في قوله: «ووجدوا ماعملوا حاضرا» (٥٧) وقوله: «ووفيت كل نفس ما عملت» (٥٨).

أيمكن أن يدعي أحد أن الاسلام لا شأن له في هذه الدنيا بصالح مثل هذه الاعمال وطالحها، ولا يضع لها تكليفا، بينما يجازي عليها في الآخرة؟ !

هذا الجهاد في الاسلام وهو حقيقة تذكرها مئات النصوص القرآنية والحديثية، ومن أعظم الفرائض الدينية، وتركه سبب للذلة والشقاء في الدنيا والآخرة، ما المطلوب منه أن يحققه وأية قيمة يريد أن يدافع عنها؟ هل الحياة الطيبة التي يستهدفها الجهاد يمكن أن تتحقق في ظل نكد ولاية غير الله، وفي الرضوخ لحياة ذليلة والسكوت أمام حاكمية الجبابرة وهيمنة القيم الكافرة؟ ! وإن لم يكن الامر كذلك وكان الجهاد من أجل تحقيق حاكمية اللَّه، والخروج من ولاية الطاغوت الى ولاية اللَّه، فكيف يمكن التقليل من أهمية أو تجاهل دور ومكانة السياسة في الدين والاهداف الدينية المرسومة؟

لاشك أن نعرة انفصال الدين عن السياسة من تدبيج أعداء خبثاء صُفعوا من حضور الاسلام في الساحة، وأرادوا بهذه الخديعة أن يخلوا ساحة الحياة من حضور الدين، وأن يتسلموا هم أنفسهم زمام أمور دنيا الناس ويفرضوا سيطرتهم بسهولة على مصير البشر، غير أن المؤسف والمؤلم هو أن يكرر هذه المقولة ويسعى الى ترويجها أناس ينسبون أنفسهم الى الدين ويكتسون بكسوة علماء الدين. هذا الموقف من بعض رجال الدين في تأييدهم للاعداء الخبثاء الخطرين، وإذا كان ناشئا في بعض الاحيان عن جهلهم بأمر السياسة ودورها في مصير البشرية، أو عن تقاعس وخوف وطلب الراحة والعافية ودعة العيش، فهو ناشئ في أحيان أخرى من تواطؤ خطِر بين هؤلاء المتاجرين بالدين من أحفاد «بلعم باعور» وبين أصحاب القوة والمكنة. وهذا مايجب أن يلتفت اليه المسلمون ويعتبرونه من أكبر الأخطار، وأن ينظروا الى مثل هذه الزمرة من رجال الدين بأنها أخبث من أسيادها السياسيين، وأن يعوذوا باللَّه ويتسعينوا بهمتهم ويقظتهم من شرّ هؤلاء الاشرار.

وعاظ السلاطين - لعنهم اللّه - لايكتفون بإطلاق نعرة فصل الدين عن السياسة بغطاء ديني، بل تثبيتا لقدرة الشياطين، يكيلون المدح والثناء والتأييد للجناة والمجرمين. ترى، أليس هذا من التدخل المحرَّم في السياسة؟ !

هل إضعاف الاسلام والمسلمين، وإثارة الفرقة في الصفوف، ومجابهة الثورة الاسلامية، والوقوف بوجه من يعلن البراءة من أعداء اللّه، ولصق التهم بهم، وإنكار الجانب الحياتي من القرآن الكريم، كلها أعمال مباحة لا ضير فيها، لكن تأييد المظلومين، والبراءة من المشركين، والتلاحم مع المحرومين والمظلومين، والاعتراض على التسلط الامريكي والاسرائيلي على البلدان الاسلامية، ومعارضة عمليات النهب للشركات الاجنبية، وإدانة خيانات الرؤساء والحكام المنتمين اسميا للاسلام، ودعم نضال المسلمين الحقيقيين وأمثالها من الاعمال، جريمة؟ !!

وهنا يظهر بوضوح ذلك التقسيم الصارم الذي أعلنه إمامنا الفقيد… ذلك الداعي الى اللّه والذائب في اللّه… بين الاسلام الاصيل المحمدي صلى الله عليه وآله وبين الاسلام الامريكي. الاسلام الاصيل المحمدي إسلام العدل والقسط… إسلام العزّة … وإسلام حماية الضعفاء والحفاة والمحرومين… إسلام الدفاع عن حقوق المظلومين والمستضعفين… إسلام الجهاد ضد الاعداء وعدم مداهنة المتغطرسين والمتفرعنين… إسلام الاخلاق والفضيلة والسموّ المعنوي.

والاسلام الامريكي هو ما تقمّص اسم الاسلام ليخدم مصالح القوى الاستكبارية وتبرير أعمالهم، وهو ذريعة لعزل أهل الدين عن شؤون المسلمين ومصير الشعوب الاسلامية، ووسيلة لتعطيل جانب كبير من أحكام الاسلام الاجتماعية والسياسية وحصر الدين في المسجد. والمسجد هنا ليس ذلك المقرّ الذي يُفصل فيه بأمور المسلمين كما كان في صدر الاسلام، بل باعتباره زاوية للابتعاد عن الحياة وفصل الدنيا عن الآخرة.

الاسلام الامريكي إسلام الغارقين في الدعة والبطر من الذين لا يفكرون إلّا بذاتياتهم وشهواتهم الهابطة، ولا يرون الدين إلا - كما يرى التجار رؤوس أموالهم - وسيلة للثراء أو المنصب، ويعمدون بكل صلافة الى نسيان كل الآيات والروايات المعارضة لميولهم ومصالحهم، أو يشرعون بكل وقاحة في تأويلها.

الاسلام الامريكي إسلام السلاطين والرؤساء الذين يقدمون مصالح شعوبهم المظلومة المحرومة قربانا على مذبح الآلهة الامريكية والاوربية ويركنون بسبب جرائمهم الى هذه الآلهة كي يتربعوا أياما أكثر على كرسي حكمهم المخزي. إنه إسلام الرأسماليين الذين لايتورعون عن سحق كل القيم والفضائل من أجل تحقيق ثرائهم.

نعم، إنه الاسلام الامريكي الذي يدعو الناس الى البعد عن السياسة والفهم والبحث وعن ممارسة النشاط السياسي، لكن الإسلام المحمدي الاصيل يرى السياسة جزءً لايتجزأ من الدين، ويدعو كل المسلمين الى فهم سياسي وعمل سياسي. وهذا ما يجب أن تحتفظ به الشعوب المسلمة في ذاكرتها دائما من إمامها الفقيد؛ لسان الاسلام الصدّاح.

الغزو الثقافي

٣ - إحدى المسائل الهامة الراهنة للعالم الاسلامي العداء الحاقد الجنوني الذي تكنه جبهة الشيطان وخاصة الشيطان الاكبر تجاه الاسلام ومفاهيمه ومعتقداته. طبعا العداء المخطط والشامل ضد الاسلام يمتد الى بداية عصر الاستعمار، والمستعمرون في القرون الاخيرة قد اتخذوا من البلدان الاسلامية ميدانا لغاراتم ونهبهم وقتلهم وعدوانهم، ونظروا الى الاسلام باعتباره مانعا وسدّا مستحكما أمام فتنهم، ولذلك جعلوه عرضة لهجومهم السياسي والثقافي، ونفّذوا مشروع فصل المسلمين عن القرآن والاسلام بألوان مكرهم الشيطاني، من ذلك إشاعة الفساد والابتذال والفشحاء. غير أنه منذ أن انفجر بركان الثورة الاسلامية وأحرق بيادر أملهم وبعث بنور الامل في قلوب المسلمين وبشّر بعودة الحياة الى العالم الاسلامي، شنت القوى المستكبرة، مثل ذئب جريح، هجوما شاملا وانفعاليا وجنونيا ضد الاسلام. ولم يكن ذلك غير متوقع طبعا. ومن المؤكد أن السنن الالهية ستتحقق في دحرهم وفضيحتهم إن شاء اللّه، تماما كما يقول سبحانه: «ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة» (٥٩)، على أن يكون المؤمنون بالاسلام متفهمين لواجباتهم تجاه هذه المؤامرات، وأن لايغفلوا عن النهوض بهذه الواجبات.

من الطبيعي أن تكون الجمهورية الاسلامية هدفا لكل المؤامرات التي حيكت ضد الاسلام خلال الاعوام العشرة الاخيرة. فهي أم قرى الاسلام ورائدة حركته العالمية. والشعب الايراني تلقّى خلال هذه الاعوام العشرة ألوان الصدمات الموجهة في الواقع صوب الاسلام وقوته الثورية العظيمة. حرب الاعوام الثمانية المفروضة، والمحاصرة الاقتصادية، وأنواع الهجوم السياسي والاعلامي والاقتصادي الموجه ضد الجمهورية الاسلامية، إنما كان دافعها في الواقع الضغط على الاسلام ومعاداته. ونحن نفخر بأننا، بسبب مانملكه من درّة فريدة، أعني الايمان باللّه وتطبيق الاسلام، نتعرض منذ سنين لغضب جنوني وانتقام وحشي من القوى العالمية، وصرنا دريئة لحملاتها: «وما نقموا منهم إلّا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد» (٦٠). لكن حرب القوى الاستكبارية ضد الاسلام لم تبق محدودة بايران وشعب إيران ونظام الجمهورية الاسلامية، بل اتخذت نطاقا أوسع وتواصلت بجدّ عبر أساليب سياسية وإعلامية وعبر أساليب ثقافية. ومن أبرز تلك الاساليب السياسية ضغط الانظمة العميلة لامريكا على المناضلين والاحرار والعلماء والمثقفين الاسلاميين في البلدان الاسلامية، والتشدد تجاه الاقليات المسلمة في البلدان غير

الاسلامية. ومن نماذج الغزو الثقافي ضد الاسلام تدبيج المقالات والكتب وإعداد الافلام التي تستهدف الاستهانة بالاسلام ونشرها في الاصقاع الاسلامية وغير الاسلامية. ثمة دوائر استكبارية في أمريكا وبريطانيا تنفق الاموال الطائلة على طريق هذه الحرب العدوانية. ومن المؤسف أن هناك من الكتّاب والفنانين من يبيع قلمه وبيانه وفنه تحقيقا لمصلحة مادية، ويسخّر كفاءته لخدمة تلك الاهداف المشؤومة الاستكبارية، واضعا تحت قدميه ضميره الفني والأدبي.

والمسألة الهامة هي أن هذه الحركات العدوانية ناشئة عن إحساس معسكر الاستكبار بالضعف مقابل الاسلام. ما أبداه الشعب الايراني المسلم من صلابة ومقاومة، وما أطلقه محطم أصنام قرننا من صرخات هادرة، وما شمل هذا العبد الصالح وصحبه على الدوام من فضل ونصر الهي، كلّ ذلك أدّى الى صدور الافكار الثورية الاسلامية التي كان يخشى منها العدوّ بشدّة بنفس الطرق التي أعدّوها لصدّ صدور الثورة أو إنزال الضربة بها. ظلامة الشعب الايراني وتحمله الشدائد أديا الى إثبات أحقية هذا الشعب الكبير والى اتساع نطاق الثورة في كثير من البلدان والى منح المسلمين في العالم عزما أرسخ وإحساسا أعمق بهويتهم الاسلامية.

عملاء الاستكبار العالمي مصابون اليوم في كل مكان بحالة انفعالية تجاه الاسلام. وتحركهم الحاقد على الاسلام بأساليب ثقافية أو سياسية أو بقوة السلاح ينطلق من الشعور بالضعف والخوف أمام المد الاسلامي المتصاعد.

إنه لمن الالطاف الالهية أيضا أن تتحول كل محاولاتهم للاستهانة بالاسلام أو لتوجيه ضربة اليه الى عامل لتصاعد غضب المسلمين وترسيخ إرادتهم للدفاع عن الاسلام. ومن النماذج البارزة لذلك تدوين الكتاب الشيطاني بيد المرتد المهدور الدم البريطاني. فقد شاءت القوى الاستكبارية بهذا العمل أن تستهين بالاسلام وشاء اللَّه تعالى أن ينقلب هذا الامر الى وبال عليهم وفضيحة لهم. وبصدور فتوى إمام الأمة القاضية بهدر دم الكاتب أصبح الصوت الاسلامي أعلى وانسجام الخطى أشدّ. وكل مساعي العدوّ في محاربة الاسلام ستمنى - إن شاء اللَّه - بنفس هذا المصير: «إن كيد الشيطان كان ضعيفا» (٦١).

وثمة قضية مهمة أخرى هي أن المسلمين في جميع أرجاء العالم يجب أن يتحلوا بدرجة عالية من الحساسية والفطنة تجاه الحركات التآمرية التي تستهدف إضعاف الاسلام وإهانته، خاصة تجاه المؤامرات الثقافية مثل إعداد الكتب والأفلام والمسرحيات المعادية للاسلام. ويتحمل مسؤولية صيانة خندق هذه الجبهة الكتّاب والفنانون الذين يخفق قلبهم بحبّ الاسلام ويتفهمون الاحقاد والضغائن التي تكنها الدوائر الاستكبارية تجاه الاسلام والمسلمين. فإعداد المقالات والكتب والاعمال الفنية في تبيين الاسلام وفضح مؤامرات الاعداء والدفاع عن حقوق المسلمين في العالم واجبات كبيرة ملقاة على عاتقهم.

واجب عامة الناس تجاه إهانة المقدسات الاسلامية واضح طبعا، وحكم الامام الفقيد القاضي بوجوب قتل المرتد الخبيث كاتب الآيات الشيطانية يوضح واجب الجميع إزاء الموارد المشابهة. حكم إمام الأمة بشأن ذلك الكاتب المنكود لايزال باقيا على قوّته، ولابدّ أن يبقى منتظرا ساعة تنفيذه.

المسلمون يجب أن يستثمروا الى أقصى حدّ اجتماعاتهم الكبرى، خاصة اجتماع الحج العظيم لاعلان معارضتهم ورفضهم للمؤامرات الثقافية التي يحيكها الاستكبار ضد الاسلام، واستعدادهم الكامل للتصدي لها. وأنا واثق أن المسلمين الغيارى الذين كانوا حتى الآن يهبّون لتلبية نداء إمام الامة - أعلى اللّه كلمته - سيسيرون على نفس هذا النهج في المستقبل.

جراحات العالم الاسلامي

٤ - في موسم الحج، لابد من دراسة مسائل العالم الاسلامي.

أعظم مسألة إسلامية عامة بعد الاستعداد للدفاع عن الاسلام وهوية الامة الاسلامية، مسألة الشعوب المظلومة المناضلة التي قهرتها وظلمتها يد الطغيان والكفر والاستكبار وفرضت عليها أقسى ظروف الحياة. الشعب الفلسطيني المظلوم نموذج بارز لمثل هذه الشعوب. أربعون عاما مضت على هذا الشعب وهو بين مشرّد من داره ودياره أو غريب في وطنه. وهذا جُرحٌ عميق نزل بجسد الأمة الاسلامية منذ أربعين عاما بيد القوى الاستعمارية المعادية للاسلام والصهاينة المجرمين، وينكأونه كل يوم ليزداد نزيفا. كثير من الافراد والجماعات خلال هذه المدة ناضلوا أو ادعوا النضال لانقاذ هذا الشعب لكنهم لم يحلّوا عقدة قط، بل زادوا الامر تعقيدا. ولم يكن السبب الاصلي يعود الى عدم قدرة الشعب الفلسطيني على الدفاع عن نفسه، ولا الى عجز العالم الاسلامي عن إحباط مؤامرات أمريكا والغرب في الدفاع عن الكيان الصهيوني الغاصب. السبب الاصلي للهزائم يعود أولاً الى نسيان الهوية الاسلامية لشعب فلسطين وعدم الاستناد الى الاسلام والجهاد الاسلامي خلال العقود الماضية. ويعود ثانيا الى خيانة بعض زعماء البلدان العربية، بل أيضا خيانة بعض الرؤوس من الفلسطينيين. واليوم فقد عادت الحياة - والحمد

للَّه - الى عنصر الايمان والجهاد الاسلامي في نضال الشعب الفلسطيني داخل الوطن المغتصب. ولذلك تغيّرت معادلة القوة في فلسطين بالنسبة لما مضى لصالح الفلسطينيين.

الشباب والاطفال والنساء والرجال من أبناء الشعب الفلسطيني الذين تسيل دماؤهم الزكية اليوم في أزقة وشوارع وطنهم المغتصب، والمصلون الذين يحوّلون جُمُعاتهم كل أسبوع الى كارثة على الاسرائيليين الغاصبين والمهاجرين، إنما هم نور أمل يشع في سماء فلسطين ولم يكن له نظير في الارض المقدسة من قبل خلال كل السنوات الاربعين الماضية وخلال ماسبقها من أيام القمع والارهاب الانجليزي. والمستقبل حتما حليف هؤلاء المؤمنين الصامدين المناضلين.

لقد ولّى زمن الضعف والانفعال والانتظار عن الشعب الفلسطيني، لأن الاسلام أعاد الى هذا الشعب قوته الحقيقية. لم تعد تلك الرموز الفلسطينية الخائنة المداهنة البعيدة عن آلام ومعاناة الشعب في مدنه ومخيماته المتاجرة باسم فلسطين أن تقرر مصير هذا البلد وشعبه. مصير فلسطين يتقرر في المساجد وصلوات الجمعة والشوارع وميادين الارض المحتلة، وهذا من بركات الاسلام.

الشعب اللبناني الذي يعيش الدم والنار منذ سنوات بسبب تعرضه لتعسّف الصهاينة وحلفائهم من الكتائب هو أيضا قد وجد طريقه واتخذ قراره تجاه النظام الفاشي القبلي على النمط الحديث، المسنود من أمريكا وفرنسا وبريطانيا. الشعب اللبناني المظلوم قد ارتبط مصيره بالشعب الفلسطيني ويعاني من آلام مجاورة الصهاينة التوسعيين. وهنا أيضا سيفتح الايمان والجهاد كل الطرق المغلقة.

لقد شهد العالم مندهشا انفتاح الطريق المغلق في قضية افغانستان. المجاهدون الافغان استطاعوا ببركة الاسلام ووحدة الكلمة أن يهزموا الجيش الاجنبي. ولو واصلوا الاستناد الى هذين العاملين لاستطاعوا إقامة الدولة اللائقة المطلوبة في ذلك البلد، واقتلاع النظام العميل الحالي منه. وهذان العاملان ذاتهما علاج جميع آلام ومشاكل فلسطين ولبنان أيضا.

نحن لا نؤمن بالحلول التي تمليها القوى الكبرى للقضية الفلسطينية. علاج الجرح الفلسطيني لايتم إلا باقتلاع الغدة السرطانية المتمثلة بالحكومة الصهيونية، وهذا ممكن تماما. المسلمون في الحج يجب أن يفكروا في هذه المسألة، ويعاهدوا أنفسهم من أجلها ويوجّهوا بانسجام شعارهم وعملهم على هذا الطريق. الشعب الايراني يرى نفسه دائما الى جانب المناضلين الفلسطينيين، ويرى أن انتصاره لايتمّ ولايكمل إلا بانتصار القضية الفلسطينية.

الامام الراحل العظيم منذ أيام نضاله الاولى في ايران وضع المسألة الفلسطينية في رأس قائمة اهتماماته. وواصل هذه المهمة خلال كل مراحل النضال وبعد انتصار الثورة الاسلامية. وبعد التحاقه بالرفيق الاعلى خاطبنا وخاطب كل المسلمين في العالم بشأن هذه القضية عبر وصيته السياسية - الالهية. وهذا واجب لايجوز التخلف عنه. وأنتم أيها الحجاج تحملون نفس هذه المهمة. ولو عملتم بهذا الواجب فإن الجرح العميق النازف في جسد الامة الاسلامية سيلتئم إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه معنا.

الخميني حيّ

٥ - أربعون يوما تقريبا مضت والامة الاسلامية تعيش اللوعة والحرقة في مأتم إمامها ومرادها ومقتداها. ما يقرب من أربعين يوما تصرمت وليس بيننا الامام الخميني، ذلك العبد المطيع للّه، ذلك المقارع الصلب للمستكبرين، ذلك الحامي عن حمى المستضعفين والمحرومين والمظلومين، ذلك الحامل لراية الاسلام الاصيل المحمدي والكاشف عن قناع الاسلام الامريكي، ذلك المستجيب لاستغاثة المسلمين في العالم، ذلك الجامع للخصال الاسلامية السامية، ذلك الانسان الكامل. لقد التحق بالرفيق الاعلى وترك لوعة في قلوب الشعب الايراني الثائر وسائر أبنائه في أرجاء العالم. لكن صوته الصدّاح، الذي هو صوت الحق والعدل، باق في قلوب أمته وفي سماء العالم وسيبقى على مرّ الايام والدهور. إنه مامات ولن يموت. إنه سائر على نهج الانبياء، وهو مثلهم لا تموت شخصيته بموت جسده.

إنه حيٌّ في تكبير المجاهدين المسلمين، حي في صلابة إرادة الشعوب المظلومة، حي في إيمان ويقظة الجيل الشاب المعاصر في دنيا الاسلام، حيٌّ في نور أمل المستضعفين والمظلومين، حيٌّ في حرقة قلوب العارفين، حيّ في عودة الحياة المعنوية والقيم الاخلاقية في العالم، حيٌّ في جميع مظاهر الجمال الباهر التي خلقتها حركته الثورية الصانعة للتاريخ في العصر الراهن… وهو أخيرا حيٌّ في قلوب كل واحد من عشاقه وأتباعه. الاعداء الموتورون من الثورة كانوا يعدّون الايام انتظارا لفقده كي يغتنموا فرصة غياب هذا الرائد اليقظ والحارس المقتدر ويتجاسروا على ميراثه أعني الجمهورية الاسلامية في إيران والصحوة الاسلامية العالمية. لكن ما تحلّى به الشعب الايراني الكبير من يقظة ثورية وإيمان متفتّح ووفاء عميق لدن التشييع الفريد لجثمانه ولدن الحداد التاريخي عليه، وما أعقبه من حوادث، وما أبدته الشعوب المسلمة في آسيا وأوربا وأفريقيا من ارتباط عميق بالشعب الايراني وبإمامه الفقيد قد بثت اليأس في نفوس الاعداء، وبددت أحلامهم وجعلتها هباء منثورا.

من الواجب عليّ أن أتقدم الى الشعب الايراني العظيم بخالص احترامي وعميق شكري وأن أقول له بكل تواضع: إنكم واجهتم امتحانا كبيرا عاصفا واجتزتموه بنجاح وشرف وشهامة. سلام اللَّه ورحمته عليكم. لقد كنتم في حياة الامام المباركة أفضل الصحاب وأخلص الاتباع، وكنتم مدعاة فخر لابن رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله. وبعد وفاته أيضا أبديتم أسمى آيات الوفاء تجاهه وتجاه وصيته. رضي اللَّه عنكم وأرضاكم.

ومن الواجب عليّ أيضا أن أشكر كل المسلمين في العالم رجالاً ونساء، فقد واسوا الشعب الايراني خير مواساة وبثوا الرعب في قلوب الاعداء، وسجلوا أروع صور الوحدة الاسلامية العظيمة. سُقيتم شآبيب رضا رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله عنكم جميعا.

من المؤسف أن هناك من الزعماء والقادة والعملاء والمتاجرين بالدين وبالقلم في العالم الاسلامي مَنْ لم يعرف قَدْر الامام الذي كان واسطة عقد العزّة على جيد الامة الاسلامية. فعاملوه بجفاء، واصطدموا به إرضاء لأمريكا وإسرائيل وسائر أعداء الاسلام. وسعوا كالخفافيش لاطفاء نوره: «يريدون ليطفئوا نور اللَّه بأفواههم، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون» (٦٢) عليهم لعنة الله وسخط المسلمين وأبدية الحسرة، فقد عاملوا خلَف رسول الله‏صلى الله عليه وآله كما عامل أبو جهل وأبو لهب وفرعون وقارون وبلعم باعور وكل أئمة النار، النبيين وأئمة الهدى: «وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين» (٦٣).

نحن عاهدنا الله أن نواصل طريق الامام الخميني - أعلى الله قدره - وهو طريق القرآن والاسلام وعزّة المسلمين. الخطوط العامة لمنهج مسيرتنا سياسة اللاشرقية واللاغربية، والدفاع عن المستضعفين والمظلومين، وصيانة وحدة الامة الاسلامية الكبرى وحركتها، والتغلب على عوامل الخلاف والشقاق بين المسلمين على الساحة العالمية، والجهاد من أجل إقامة المجتمع الاسلامي الامثل، وحماية الفئات المحرومة وأصحاب الاكواخ، واستثمار كل الطاقات والامكانات لاعادة بناء البلاد على الصعيد الداخلي. وهدفنا الاساس من كل ذلك إعادة الحياة الاسلامية وإحياء القيم القرآنية، وسوف لا نتراجع - باذن اللَّه - أنملة عن هذا الهدف.

أيها الاخوة، أيتها الاخوات، أيها الشعب الايراني العزيز! لأن منعتكم يد العدو هذا العام أيضا عن حقكم الثابت، أعنى زيارة بيت اللَّه ومرقد رسول اللّه‏صلى الله عليه وآله وأئمة الهدى عليهم السلام في بقيع الغرقد، مسجلة بذلك صفحة سوداء أخرى في سجل أعمالها الاسود؛ فإن أفق المستقبل في نظرنا مملوء بالنور والامل.

لقد عملنا حتى الآن بما فرضه علينا الاسلام من تكليف، وها نحن صابرون على ما تلقيناه من تبعات هذا العمل. ونرجو من اللَّه سبحانه أن يشملنا بلطفه وأن يرزقنا رضا وليّه المهدي المنتظر أرواحنا فداه - ودعاءه.

سيتحقق - إن شاء اللّه - فيكم يا أبناء الامام البارين وحماة الاسلام المخلصين ما وعد اللَّه رسوله إذ قال: «لقد صدق اللَّه رسوله الرؤيا بالحق لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء اللَّه آمنين محلّقين رؤوسكم ومقصرين لاتخافون» (٦٤)

علي الحسيني الخامنئي

الأول من ذي الحجة الحرام ١٤٠٩ ه.

نداؤه الى حجاج بيت اللَّه الحرام

=١٤١٠ه

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الحمدُ للَّه ربّ العالمين، وصلّى اللَّه على رسوله النبي الامين وعلى آله الميامين وأصحابه المنتجبين. والسلام على جميع عباد اللَّه الصالحين.

تحل أيام الحج كلَّ عام مقرونة بلهفة القلوب الوالهة والنفوس المشتاقة من جميع أرجاء العالم الاسلامي، لتحوم حول بيت المعبود وتقصد ديار المحبوب، وتعفّر جبهة التعبّد والتقرب على ترابه، معبّرة عما تكنّه من عشق وتقديس. ولتقضي أياما معلومات في أجواء الذكر والتضرّع، ولتركن الى حصن رحمة الربّ ومغفرته… ولتلتقي بالاخوة المتباعدين القادمين من أرجاء العالم، ولتستشعر عظمة الامة الاسلامية في مشهد حيّ مجسّد.

مصابان كبيران

لكن شعبنا المظلوم الطاهر يعيش هذه الايام - إضافة الى أشواقه الخالصة للحضور في ذلك المشهد العظيم… مشهد النفوس والقلوب والاجساد والجهود - يعيش بكل وجوده مصابين كبيرين، ويبث شكواه مما يعانيه الى ربّ العالمين ورسوله الكريم‏صلى الله عليه وآله، ووليّ اللَّه المهدي المنتظر أرواحنا فداه.

الاول، مصابه بذكرى استشهاد حمائم الحرم التي تضرجت بدمائها قبل ثلاثة أعوام، بذنب إعلام البراءة من المشركين، وبخنجر حقد الحكام السعوديين، في حرم الأمن الالهي.

عباد متقون مخلصون استشهدوا مظلومين في بيت اللَّه، وفي بيتهم، إرضاءً للأعداء الأجانب، وبيد من استبدل عبودية الاجنبي بعبودية اللَّه. وبدمائهم البريئة وَسَموا جباه الحكام الظلمة الخونة المسيطرين على الحجاز بعلامة عار لا تُمحى.

والثاني، مصابه بفراق بيت اللَّه، وحرمانه من أداء مناسك الحج، ومنعه من حضور الحشد الاسلامي، العام، وسد الطريق أمامه الى بيت اللَّه على يد المأجورين.

إنها لمن عِبَر وقائع التاريخ المعاصر أن يُصَدّ شعب أثبت أكثر من غيره وفاءه للاسلام وتضحيته في سبيله، ويُمنع من بيت اللَّه ومن أداء الفريضة الاسلامية.

وفي الجانب الآخر من هذا المشهد المدهش نرى الحرم الالهي آمنا للمستشارين الامريكيين ولأصحاب كارتلات النفط، وخطرا وملغوما للمسلمين المخلصين الاتقياء.

هذه من مؤشرات الوضع السيّ‏ء الفظيع القائم، ولابّد أن يحمل في أعماقه أيضا بشرى تحوّل ومستقبل مشرق… «فان مع العسر يسرا. إنّ مع العسر يسرا» (٦٥).

الابواق العالمية تجاوبت مع الكذّابين السعوديين، فقالت آنئذ: إن الايرانيين قُتلوا ردا على هجومهم على العسكريين السعوديين! وعددهم ليس بكثير! وبنفس العدد قُتل العسكريون أيضا!!

عجبا!! كيف يمكن لحجّاج عُزّل لا سلاح لهم سوى إرادتهم القوية وإيمانهم العميق وعشقهم الممزوج بالايثار أن يقتلوا الحرس السعودي المدرَّب، أو أن يبدأوا بالهجوم عليه؟ وكيف يمكن التشكيك في عدد شهداء هذه المأساة؟ أليس حمل أجساد أكثر من أربعمائة شهيد من مكة المكرمة الى إيران بكاف على إثبات سعة هذه الجريمة؟ !

واليوم أيضا تسعى نفس تلك الابواق ويسعى نفس أولئك الكذابين للتقليل من حجم جريمة آل سعود في منع حج الايرانيين، أو إنكار هذه الجريمة بالمرّة.

حكومة الجمهورية الاسلامية لم تأل جهدا في فتح طريق الكعبة وستواصل جهودها… لكن أدعياء سدانة الحرمين الشريفين يصرّون على منع حضور الحجاج الذين تفهّموا الحج بالمعنى الصحيح، وقرنوا التوحيد الالهي بالبراءة من المشركين.

لا مصيبة أكبر من أن يكون أدعياء خدمة الحرمين الشريفين وسدنة بيت اللَّه خدما مطواعين لامريكا وخائفين مذعورين من وحدة المسلمين وبراءتهم من أمريكا والصهيونية…

هذا الوضع أدّى الى أن تصبح فريضة الحج في عصرنا هذا… عصر صحوة المسلمين ورفع شعارات الاسلام الاساسية… أن تصبح هذه الفريضة الكبرى - بكل ما فيها من طاقاتٍ قادرة على إحياء الامة ودحر العدوّ - خاليةً من مضمونها الواقعي، وأن يخلو هذا المظهر العظيم من المحتوى المناسب له.

قدرة الحج

الحج قادر على إحياء روح التوحيد في القلوب، وعلى تجميع أشلاء الأمة الاسلامية الكبرى، وعلى استعادة عظمة المسلمين، وعلى انتشالهم من حالة الاحساس بالوهن والذل المخيّمة عليهم… الحج قادر على أن يقرّب أدواء المسلمين من الدواء، وأن يعالج أكبر ما فيهم من داءٍ يتمثل في سيطرة الكفر والاستكبار ثقافيا واقتصاديا وسياسياً…

الحج قادر أن يطهّر قلوب الافراد والجماعات من انشداداتها التافهة المذلّة، وأن يوثّق بدل ذلك انشدادها باللَّه وبعباد اللَّه. وهذا هو سبب ما يعتري السياسة المهيمنة على الحجاز من ذعر تجاه الحج الحقيقي ذي المحتوى الالهي السياسي.

لابدّ من عودة الحج الواقعي

شعبنا المؤمن المجاهد يُحرم من الحج لا لسبب إلّا لأنه أراد أن يعيد الحج الى روحه ومعناه، وأن يُقرن عبودية اللَّه باعلان البراءة من المشركين إعلانا يجسّد معنى العبودية الحقيقية.

ولكن حكام الحجاز وكل الأيدي الخفية التي تملي عليهم هذه السياسة الخيانية تحقيقا لمصالحها الاستعمارية غير قادرين أن يحولوا دون عودة الحج الى شكله الصحيح. لقد استيقظت الشعوب الاسلامية اليوم وتحثّ الخطى نحو تحقيق حاكمية الاسلام. النداءات الاسلامية التي كانت حتى قبل مدة قليلة تتصاعد من حنجرة شعبنا الطليعي الرائد أضحت الآن تجتذب الشعوب المسلمة الأخرى على نطاق واسع لتعيد لها الاحساس بالهوية الاسلامية في شرق العالم الاسلامي وغربه.

الى متى تستطيع الخطط الاستكبارية منع شباب بعض البلدان الاسلامية من حج بيت اللَّه الحرام؟ والى أي مدى تقدر أن تمنع المسلمين الواعين اليقظين من أبناء البلدان الاسلامية أن يدخلوا مكة والمدينة؟ الحماس الاسلامي في شمال أفريقيا وفي بعض البلدان الاسلامية الاُخرى يكاد يطيح بالكيانات السياسية في تلك المناطق، فهل يستطيعون أن يصدّوا ويمنعوا شعوب تلك البلدان أيضا عن الحج؟ !

نحن نعتقد أن الحج وزيارة الحرمين الشريفين من حقوقنا المسلّم بها، ونطالب به آل سعود الذين ضيّعوا هذا الحق بكل مالدينا من قوّة، وسنستردّه بحول اللَّه وقوّته.

لتعلم جبهة الكفر والاستكبار أن المستقبل للاسلام، ولا تستطيع أية خطة ولا أية قدرة أن تمنع تصاعد عظمة الاسلام واتساع نطاق النداءات والقيم الاسلامية في المجتمعات الاسلامية.

وليعلم شعبنا العزيز - وهو يعلم - أن الراية الاسلامية التي عزّت وعظمت وارتفعت بتضحياته منذ انبثاق الثورة حتى اليوم ستزيده عزّة وعظمة ورفعة، وأن كيد الاعداء غير قادر على البقاء أمام صبره ومقاومته الشجاعة.

كُتِبَ على الاستعمار وعملائه الاندحار أمام موج الاسلام الهادر. إن دماء شهداء مكة وسائر شهداء الثورة الاسلامية قد عبّدت طريق حركة تقدم الاسلام، ورفعت راية الاسلام خفّاقة في كثير من بقاع العالم.

واجب الحجيج

على حجاج بيت اللَّه الحرام القادمين هذا العام من أرجاء العالم رجالا ونساء أن يسعوا الى استعراض مصائب المسلمين ومشاكلهم، وأن يبذلوا الجهد في سبيل وحدة المسلمين وتآلفهم، للتخلص من براثن هيمنة أباطرة المال والقوّة، وفي سبيل نشر المعارف الاسلامية وتبادل وجهات النظر في واجبات المسلمين الكبرى الراهنة، وفي سبيل إعادة حج ابراهيم وحج محمدصلى الله عليه وآله.

عملية فصل الدين عن السياسة، التي هي مؤامرة يبيّتها أعداء الاسلام منذ القديم لعزل الاسلام والقرآن، يجب أن تدان بشدّة. ولابد أن يتحول موضوع دخول الدين في ساحة مواجهة السياسة الاستعمارية والاستكبارية في كل البلدان الاسلامية الى درس عام للشعوب المسلمة.

إن إخوتكم الايرانيين المجاهدين الشجعان المضحين ليسوا بين جموع الحجاج، وإن عملاء أمريكا وإسرائيل سدّوا الطريق أمام كعبة آمالهم، لكن قلوبهم هناك، وشعاراتهم ومطاليبهم يتبناها كل الذين تهمّهم عزّة الاسلام والمسلمين.

أسأل اللَّه سبحانه أن ينصر الاسلام والمسلمين وأن يوفّق المسلمين لقطع يد الكفار والمستكبرين من المجتمعات الاسلامية، ولاعادة ما أراده اللَّه سبحانه للمؤمنين من عزّة وعظمة، بصمودهم واستقامتهم ويقظتهم ووعيهم وباستشعارهم عظمة المسؤولية الملقاة على عاتقهم وخاصة العلماء والمفكرين والمثقفين والكتاب والشعراء والفنانين، إنه تعالى وليّ التوفيق.

علي الحسيني الخامنئي

الخامس من ذي الحجة ١٤١٠ه.

نداؤه الى حجاج بيت اللَّه الحرام‏

= ١٤١١ه.

بسم الله الرحمن الرحيم‏

«وأذِّن في الناس بالحجِّ يأتوكَ رِجالاً وعلى كُلِّ ضامر يأتينَ من كُلّ فَجٍّ عميق. ليشهدوا منافعَ لهم ويذكروا اسم اللَّه في أيّامِ معلوماتٍ على مارزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير» (٦٦).

حمداً للَّه الحكيم العزيز والشكر له سبحانه إذْ مَنّ على عباده أنْ دعاهم ليجتمعوا حول بيته، وكلّف نبيّه الكريم أن يرفع على مئذنة التاريخ دعوة الناس بالحج. جعل البيت آمنا ومثابة، وطهّره من أوثان الجاهلية وصيّره مطافا للمؤمنين وميعادا للقاصين وتعبيرا عن شوكة الامة واجتماعها. بيت اللَّه - الذي‏اتخذه سدنةُ الكعبة وخدَمة المطاف والمسعى في الجاهلية الاولى سوقاً لتجارتهم ودكّانا لرئاستهم وسيادتهم - قرره سبحانه للناس، ولمنافع الناس. ورغم كل المحتكرين، جعل العاكف فيه المقيم عنده، والباد القادم اليه سواء في الحقوق، وشيّد من الحج رمزا لوحدة المسلمين وعظمتهم وانسجامهم وتلاحمهم، وعاملاً يلقف مايُصاب به الفرد المسلم والمجتمعات المسلمة من سحر وإفك وأمراض نتيجة الابتعاد عن فطرتهم وأصالتهم مثل: الانبهار بالاجانب، ونسيان القدرات الذاتية، والانخداع بالاحابيل، والغفلة عن اللَّه تعالى، والوقوع في أسر أهل الدنيا، وسوء الظن بالاخوة في اللَّه، والاصغاء الى حديث الاعداء بشأن هؤلاء الاخوة، وفقدان الحساسية تجاه مصير الامة الاسلامية بل تجاهل كيانٍ يطلق عليه اسم الامة الاسلامية، والتغافل عمّا يجري في البلاد الاسلامية الاخرى، وع

دم الوعي تجاه مؤامرات الاعداء التي تستهدف الاسلام والمسلمين…. وغيرها من أمراض مهلكة اُخرى هدّدت المسلمين دوما على مرّ التاريخ نتيجة سيطرة من ليس له قابلية ولا ارتباط باللَّه على الحياة السياسية ومصير المسلمين…. أمراض اتخذت في القرون الاخيرة شكلا متأزّما وطابعا تخريبيا نتيجة حضور القوى الاستعمارية الاجنبية في المنطقة أو عملائها الفاسدين عبدة الدنيا.

الشكر للَّه سبحانه وتعالى أن جعل الحجَّ للامة الخالدة ذخيرة لاتفنى، ومعيناً لا ينضبُ، وسلسبيلاً زلالا مستمراً. مَنْ عرفه حق معرفته وقدره حقّ قدره انتهل منه وارتوى، واتخذ منه بلسماً لتلك الامراض الفتّاكة.

والحمد للَّه أن أغدق شآبيب رحمته على الشعب الايراني الكريم فارتوى عطش شوقه الى الكعبة المنشودةِ، بعد وخز أشواكِ الفيافي والقفار، من كأس وصالٍ مِزاجُهُ حلاوةُ العزة والانتصار. لقد أعاد لهم جلّ وعلا بكرم وسخاء حقاً سُلِب منهم بظلم لسنين، وملأ بأفضل وجه ذلك الفراغ الذي تركه في ساحة الحرم شعبٌ أحلّ الحج الابراهيمي المحمدي - عليهما وعلى آلهما صلوات اللَّه وسلامه - محل حج أبي جهل وأمثال أبي جهل، وأنزل سبحانه سكينته بجُرعة الوصال على القلوب الملتهبة… قلوبِ المشتاقين المهجورين والمصدودين والمحصورين واستجاب دعاء النفوس المبتهجة بأنوار المعرفة والمفعمة بشوق الزيارة. أنعم بألطافه الخاصة على خُلّص عباده، وأنجز وعده بنصرة المؤمنين، وجعل بيته مقراً للطائفين والعاكفين. اللهم إن هؤلاء الحجاج المشتاقين الوالهين قد نالوا وصال الحبيب بعد انتظار ثقيل، فاعطف عليهم وعلى جميع الاخوة والاخوات ممن قدم الى ساحة الرحمة والغفران من أقطار العالم بلطفك ورحمتك، وأنر قلوبهم بأنوار المعرفة والبصيرة، واشملهم بهدايتك وعونك وجهِّزهم بالعزم على إصلاح حال الامة، وانصرهم على أعدائهم آمين ربّ العالمين.

اللهم ترحَّم وتفضل على أرواح أولئك الشهداء الذين تعرّضوا قبل أربع سنين في حرم الأمن الالهي للحقد والخصام، وتضرّجوا نساء ورجالا وشيبا وشبانا بدمائهم مظلومين على عتبة بيت الحبيب، وعادوا الى ذويهم وأحبتهم المنتظرين قدومهم بأجسادهم الدامية. اللهم ومُنَّ بثواب الحج الكامل على أولئك الذين التحقوا بالرفيق الاعلى وفي قلوبهم حسرة أداء الحج.

اللهم وأغدق رحمتك وفضلك على إمامنا القائد الراحل… ذلك العبد الصالح الممتحن، الخلف الصدق لإولياء اللَّه… ذلك الانسان التقيّ الزاهد الواعي الذي كان ينشد رضاك، وكان حبّه وبغضه من أجلك، ولم ترهبه مشكلة في سبيلك. وابعث اللهم لروحه الطاهرة نصيبا وافرا من ثواب حج الحجاج وعبادة العبّاد وجهد الساعين الذين شملتهم هدايته وتوجيهاته، وحقق اللهم أمنيته الكبرى وهي إقامة الحج الابراهيمي واستثمار الامة الاسلامية لهذه العبادة العظيمة الالهية.

اللهم وابعث أفضل صلواتك وتسليمك وتحيتك لمنجي البشرية في كل القرون والاعصار وسيّد الانبياء والمرسلين المصطفى محمد بن عبد اللَّه صلى الله عليه وآله فقد بيّن للبشرية مسيرتها، وأبلغها رسالة وحيك، وقدّم لها مفاتيح سعادة الدنيا والآخرة، وجعل من حياته المباركة أسوة للبشرية حتى يرث اللَّه الارض ومن عليها. اللهم صلّ وسلم عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وخاصةً بقية اللَّه الاعظم وحجة اللَّه في أرضه المهدي المنتظر عجل اللَّه فرجه وجعل أرواحنا فداه.

أيها الاخوة والاخوات المتجمعون من مختلف نقاط العالم في محشر الحج العظيم، والمهاجرون من «الانا» القومية والعنصرية والطائفية للانضمام الى «نحن» الاسلامية والقرآنية. ثمة مسائل من المناسب أن تضعوها نصب أعينكم وتتبادلوا النظر بشأنها مع المسلمين الآخرين، وتجعلوها بعد سفر الحج في رأس قائمة تدبركم وتفكركم وعملكم.

فهم مكانة الحج‏

١ - الموضوع الاول، معرفة قدر ومنزلة فريضة الحج الكبرى المليئة بالاسرار والحِكَم. الحج مظهر التوحيد، والكعبة بيت التوحيد. تكرر «ذكر اللَّه» في الآيات الكريمة المرتبطة بالحج دلالة على وجوب إزالة كل عامل غير اللَّه تعالى من ذهن المسلمين وعملهم وتطهير حياتهم من أنواع الشرك في هذا البيت وببركة هذا البيت. «اللَّه» سبحانه محور كل حركة في ساحة الحج، والطواف والسعي والرمي والوقوف وسائر شعائر اللَّه في الحج يمثل كل واحد منها مشهداً من مشاهد الانجذاب الى اللَّه وطرد ورفض «أنداد اللّه». وهذه هي الملة الحنيفية… ملة إبراهيم عليه السلام محطّم الاصنام الكبير وداعية التوحيد المطل على قمة التاريخ. ليس الشرك على شكل واحد ولايتمثل الصنم دائما بهياكل خشبية وصخرية وفلزية. مهمّة بيت اللَّه وفريضة الحج في كل الأزمنة هي تشخيص الشرك بلبوسه الخاص بذلك الزمان وتشخيص الصنم الشريك للَّه بمظهره الخاص ثم رفضه وطرده. لاوجود اليوم طبعا للاّت والعزّى ومنات الثالثة الاخرى، لكن هناك اليوم بدلها ماهو أخطر منها وهو أصنام المال والقوّة المستكبرة والانظمة الجاهلية الاستكبارية التي تهيمن على أجواء المسلمين في البلاد الاسلامية… أصنام يساق اليوم

كثيرٌ من شعوب العالم ومنهم كثيرٌ من المسلمين لأداء فروض العبادة والطاعة لها قسراً وجبرا.

إن المهيمن على جميع الشؤون الثقافية والسياسية والاقتصادية للمسلمين وسائق الشعوب شاءت أم أبت في اتجاه مصالحه المتعارضةمع مصالح المسلمين إنّما هو صنمُ الاستكبار الامريكي.

وما عبادة هذا الصنم إلا هذه الطاعة العمياء وهذا الانقياد بأشكاله المختلفة المفروضة اليوم على الشعوب أمام إرادة جبهة الاستكبار وعلى رأسها أمريكا.

ثقافة الفساد والفحشاء التي تشيعها الايدي الاستعمارية بين الشعوب، والثقافة الاستهلاكية التي تدفع بحياة الشعوب يوما بعد يوم الى مزيد من الانغماس في مستنقعها لزيادة أرباح الكارتلات الغربية التي تشكل دماغ وقلب معسكر الاستكبار، والهيمنة السياسية الغربية الاستكبارية التي تضع قواعدها الحكومات العميلة المعادية للشعوب، والتي اتخذت شكلا أكثر علانية بتواجدها العسكري المتستر بذرائع مختلفة، كل هذه وأمثالها من مظاهر الشرك والوثنية المتعارضة مع النظام التوحيدي ومع الحياة التوحيدية التي قرّرها الاسلام للمسلمين.

الحج، هذا التجمع العظيم حول بيت التوحيد يجب أن يرفض مظاهر الشرك تلك ويحذّر المسلمين منها.

الحج منطلق البراءة من المشركين

الحج، بهذا المفهوم الجلي الواضح، اعتبر المقر الافضل للبراءة من المشركين، وأوكل اللَّه سبحانه إعلان براءته وبراءة رسوله الاكرم‏صلى الله عليه وآله من المشركين الى يوم الحج الاكبر.

«وأذانٌ من اللَّه ورسوله الى الناس يومَ الحجّ الأكبر أنَّ اللَّه بري‏ءٌ من المشركين ورسولُه فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتُم فاعلموا أنكم غير معجزي اللَّه وبَشّر الذين كفروا بعذاب أليم» (٦٧).

المسلمون اليوم إذ يرفعون أصواتهم بالبراءة من المشركين في الحج، إنما يرفعون أصواتهم بالبراءة من الاستكبار وأعوانه الذين يمارسون مع الاسف نفوذهم باقتدار في البلدان الاسلامية، ويعملون على فرض ثقافة وسياسة ونظام حياة مشوبة بالشرك على المجتمعات الاسلامية، فيهدمون قواعد التوحيد العملي في حياة المسلمين ويزجّونهم في عبادة غير اللَّه فيتحول توحيدهم الى لقلقة لسان والى اسم ليس له في حياتهم معنى ولا تأثير.

الحج منطلق الوحدة الاسلامية

الحج أيضا مظهر لوحدة المسلمين واتّحادهم، وإنّه دعوة اللَّه تعالى لكل المسلمين المستطيعين الى مكان خاص وفي زمان خاص ليجتمعوا ليالي وأياماً بعضهم عند البعض الآخر، في إطار أعمال ومناسك تمثل مظهر التعايش والانتظام والتنسيق، وتحمل معها الآثار الواضحة وعلى رأسها غرس الاحساس بالوحدة والجماعة في كل فرد منهم، وتقديم صورة لهم عن عظمة وشوكةاجتماع المسلمين، وإشباع ذهن كل واحد منهم بشعور العظمة والعزة. استشعار العظمة هو الذي يجعل المسلمين لايحسون بالغربة والوحدة حتى ولو كانوا يعيشون في فتق جبل. واستشعار العزة هو الذي يغذي المسلمين في كل بلد إسلامي بالشجاعة اللازمة لمجابهة المعسكر المعادي للاسلام، أي لمجابهة هذه السيطرة السياسية والاقتصادية لعالم الرأسمالية وعملائها ودسائسها وفتنها، وهو الذي يصون المسلمين من فتنة التحقير التي كانت ولاتزال أول سلاح يمارسه المستعمرون الغربيون تجاه من يهاجمون من شعوب.

الاحساس بهذه العزة والعظمة يجعل حكومات المسلمين بالاعتماد على شعوبها مستغنية عن الاعتماد على القوى الاجنبية، وبذلك تنتفي هذه الفواصل المؤلمة بين الشعوب المسلمة وأجهزتها الحاكمة. وباستشعار هذه الوحدة والجماعة تتهاوى الدسيسة الاستعمارية التي استهدفت بالامس واليوم إحياء المشاعر القومية المتطرفة لخلق الفواصل الواسعة العميقة بين الشعوب المسلمة. وتصبح القوميات العربية والفارسية والتركية والافريقية والآسيوية جزء من الهويةالاسلامية الموحَّدة، ومعبّرة عن سعتها الوجودية بدل أن تكون منافسة ومعارضة لها. وتمسي كل قومية وسيلة لنقل الخصائص الايجابية التاريخية والجغرافية والخصال الذاتية لكل قوم الى الاقوام الاسلامية الاخرى بدل أن تكون وسيلة ومبررا لإهانة القوميات الاخرى.

الحج بمشاهده ومناسكه وشعائره يجب أن يحرّك روح الوحدة والوئام والجماعة والعظمة والعزة في المسلمين على ظهر المعمورة، وأن يخلق من الشعوب والقبائل المتناثرة أمة واحدة، وأن يقود هذه الامة الواحدة نحو ساحل النجاة حيث العبودية المطلقة للَّه وحده، ويوفر المقدمات اللازمة لتحقق قوله سبحانه: «إنَّ هذه أمّتكم أمة واحدة وأنا ربُّكم فاعبدون» (٦٨).

بناء الامة الواحدة التي تعفّر ناصية العبودية أمام الربوبية والوحدانية هو أمل الاسلام الكبير الذي يتيسر للمسلمين في ظلّه بلوغ كل الكمالات الفردية والجماعية. إنه الهدف الذي شُرع الجهاد في الاسلام من أجل تحقيقه، وكلُّ واحدةٍ من العبادات والفرائض الاسلامية توفر الارضية اللازمة لإيجاد وتأمين جزء من أجزائه. الحج الابراهيمي المحمدي - صلى اللَّه عليهما وآلهما - هو دون شك من أكبر مقدمات وأركان هذا الهدف الكبير، من هنا فإن ساحة الحج العظيمة مع ما فيها من أركان متمثلة بذكر اللَّه: «فاذكروا اللَّه كذكركم آباءكم…» (٦٩) وإعلان البراءة من المشركين: «وأذانٌ من اللَّه ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر أنّ اللَّه بري‏ءٌ من المشركين ورسولُه» (٧٠) ففيها أيضا أعلى درجات الحساسية تجاه كل حركة من شأنها أن تخلق تمزقا وعداء بين الاخوة أي بين أجزاء الامة الواحدة، حتى إن الجدال الذي لايحوز على أهمية في الحياة العادية بين أخوين مسلمين محظور في الحجّ: «فلا رفثَ ولا فُسوقَ ولاجدال في الحج» (٧١). نعم، نفس الساحة التي تكون فيها البراءةُ من المشركين أي من الاعداء الاصليين ل «الامة الواحدة التوحيدية» لازمة وضرورية، يكون الجدال مع الاخوة ال

مسلمين أي مع الاجزاء الاصلية ل «الامة الواحدة التوحيدية» محظورا وحراما. وبهذا الشكل فإن نداء «الوحدة والجماعة» يتخذ طابعا أكثر صراحة في الحج.

الحج قوام الوجود الاسلامي‏

أسرارُ الحج ورموزه أكثر بكثير مما مرّت اليه الاشارة، والتدبر في هذه الرموز التي تتجه بأجمعها نحو إحياء شخصية الفرد المسلم والجماعة المسلمة ونحو مقارعة عوامل فناء هذه الشخصية، تفتح أمام الحاج أفقا جديدا وتدفعه نحو عالم لامتناه طافح بالحركة والنشاط. أولى الواجبات التي يتحملها كل واحد من الحجاج التأمل في هذه الاسرار والرموز، والبحث وتبادل النظر بشأن العطاء العملي لها، وهكذا التأمل في سبب سعي أيادٍ وأجهزة لإفراغ الحج من كل مفاهيمه السياسية والجماعية، وطرحه كعبادة ذات بعد واحد فردي لاغير، وفي سبب مايعمد اليه المتلبسون بلباس رجال الدين، البائعون دينهم بدنياهم، الذين يقتضي عنوانهم وشأنهم الديني أن يعرّفوا الناس بهذه الاسرار، ويسخّروا وجودهم لتحقيق أهدافها، لكنهم بالعكس يعارضون كل توعية في هذا المجال ويلجّون في عنادهم وإصرارهم على كتمان الحقائق… ثم التأمل في سبب ما تبثه بعض الأبواق مرارا وتكرارا بشأن ضرورة عدم تدخل السياسة في الحج… أليس الاسلام وأحكامه السامية لإدارة الحياة المادية والمعنوية لابناء البشر وهدايتهم؟ أليست الديانة في الاسلام ممزوجة بالسياسة؟ إنها لمن المصائب الكبرى في دنيا الاسلام أن يدفع التحج

ّر وضيق النظر وحبّ الدنيا جماعةً لتكون دوما في خدمة ماتبيّته جماعة اُخرى من أغراض دنيئة وخطط خبيثة، وأن تصبح الاقلامُ والالسن، التي يجب أن تكون في خدمة الاسلام وفي اتجاه تبيين حقائقه، أدوات بيد الاعداء الذين يتربصون بالاسلام الدوائر.

إنها المأساة التي تحدث عنها وشكا منها الامام الراحل - رضوان اللَّه عليه - مرارا بمرارة، ومن الضروري أن ينهض مفكرو الامة لتبصير عامة الناس بالخط الفاصل بين العلماء الصادقين وبين العملاء المتاجرين بالدين.

ارتباط الامة بجذورها

٢ - المسألة الثانية التي ينبغي التفكير فيها وخاصة في هذه الظروف الزمانية والمكانية مسألة «ارتباط الامة الاسلامية بتاريخها وأيضا بمصيرها الذي يجب أن تقرره لنفسها».

سعى الاستعمار منذ دخوله آسيا وأفريقيا أن يشوّه ماضي الامة ويُلقي عليه ضباب النسيان.

السيطرة على الذخائر المادية والانسانية في البلدان الاسلامية وعلى مصير الشعوب الاسلامية هدف نشده الاستعمار المباشر وغير المباشر منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وهذا الهدف كان يتطلب بشكل طبيعي كسر الاحساس بالعزة والشخصية بين الشعوب الاسلامية، وقطعها عن تاريخها العظيم بشكل كامل، لتتخلى عن ثقافتها وأخلاقها وتصبح مستعدة لقبول الثقافة الغربية والتعاليم الاستعمارية. وهذه الدسيسة قد نجحت في الأجواء المساعدة التي كان قد وفّرها تسلّط الحكومات الفاسدة والمستبدة في البلدان الاسلامية، وبذلك هجم سيل الثقافة الغربية وكل المفاهيم التي كان الاستعمار يعتقد بضرورة ترويجها بين الشعوب الاسلامية لضمان سيطرته السياسية والاقتصادية على تلك الشعوب. وكانت النتيجة أن أصبحت البلدان الاسلامية بأجمعها خلال مائتي سنة مائدة ممتدّة أمام الغزاة الغربيين لايمنعهم عنها مانع ولايردعهم رادع. وهؤلاء استبدوا بالمقدّرات في هذه البلدان، ابتداء من فرض الهيمنة المباشرة وحتى تملّك الثروات الدفينة وتغيير الخط أو اللغة، بل وحتى الاحتلال الكامل لبلد اسلامي كفلسطين والاستهانة بالمقدسات الاسلامية، ومنعوا عن المسلمين كل بركات الاستقلال السياسي والاقت

صادي والثقافي ومن ذاك النمو العلمي والفكري.

بنظرة واحدة الى الحالة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية الراهنة في البلدان الاسلامية وما يكتنف هذه الحالة من ضعف مادي وروحي، والى الانظمة السياسية ووضع حكومات أغلب هذه البلدان حيث يعبر كل شي‏ء فيها عن الاحساس بالحقارة والضعف، يتبين أن أهم أسباب هذا الوضع هو غربة هذه البلدان والشعوب وانقطاعها عن ماضيها التاريخي وعما ورثته من مفاخر مجد وعظمة تستطيع من وراء القرون أن تبعث في كل إنسان ضعيف يائس حركة فاعلة وعزماً لايلين.

مفاخر المجد والعظمة التاريخية قد شيّدت في البداية بالقيام للَّه وبالجهاد المخلص في سبيله سبحانه، وبالعمل بأحكام الاسلام التحررية الحياتية، وببركة حركة المسلمين في المدينة. والوليد المبارك الذي سمّي «المجتمع الاسلامي» قد أضحى شابا قويا رشيدا ببركة الجهاد وكفاح الحجاز، ثم استطاع لقرون أن يحمل مشعل العلم والمعرفة وراية القدرة والسياسة الى أرجاء العالم. تلك العظمة استمدت قوامها من عظمة الكفاح في مكة والمدينة. وها هنا مكة والمدينة، مهبط الوحي ومحل نزول البركات الالهية على جماعة مؤمنة مقاومة استطاعت ببركة الايمان والعمل بالآيات الالهية أن تنفض عنها تراب الذل الذي كانت ترقد فيه، وتنهض مرفوعة الهام، وتحقق لنفسها الحرية اللائقة بكرامة الانسان، وترفع راية حرية البشرية ونجاة الانسان من سلطة أباطرة القوة والمال في تلك العصور، وتستهدي بنور المعرفة المستمد من القرآن لتبني صرح العلوم والمعارف البشرية، وتعتلي هي ذروة ذلك الصرح لقرون، وتتولى مهمة نشر العلم بسخاء، وتقدم أنفس الآثار العلمية خلال القرون المتمادية، وتغير بعلمها وسياستها وثقافتها وجهة مصير عالم البشرية. كل هذه من بركات التعاليم الاسلامية الخالصة والحكومة الا

لهية في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله، وبركات برهة من صدر الاسلام كانت - رغم تسلط واستفحال الشجرة الخبيثة المتمثلة بحكومة السلاطين والرجعة عن العصر التوحيدي - تغدق بثمارها لقرون على المسلمين، فتسعدهم وتسعد كل البشرية… كلُّ شبر من هذا التراب وهذه الارض يحمل ذكريات عن عصر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأصحابه المضحين الميامين.

في هذه الارض بزعت شمس الاسلام وخفقت راية الجهاد وانبثق تحرر البشرية من أغلال الجاهلية وقيودها.

واليوم إذ اتجهت الشعوب المسلمة في جميع أرجاء العالم الاسلامي بعد قرون من الانحطاط والركود والذلّة نحو اليقظة والقيام للَّه سبحانه، وإذ يفوح في أجواء كثير من البلدان الاسلامية عطر الحرية والاستقلال والعودة الى الاسلام والقرآن، فإن المسلمين بحاجة أكثر من أي وقت مضى الى أن يوثقوا ارتباطهم بماضيهم النيّر المعجز… بعصر القيام للَّه وكفاح العصور الاسلامية الاولى.

الذكريات الاسلامية في هذه الارض هي لكل مسلم متدبر بلسم شفاء ينجيه من الضعف والهزال واليأس والتشاؤم، ويشق أمامه الطريق للوصول الى أهداف الاسلام، وهي نفسها أهداف الكدح والحياة كما يفهمها كل إنسان له نصيب من العمق والحكمة.

ها هنا تحمّل الرسول الاعظم مع صحبه المخلصين برحابة صدر ثلاثة عشر عاما مليئة بألوان المصاعب والمشاق حتى أينع غرس الاسلام.

وها هنا بعد سنوات قاسية من المعيشة في شعب أبي طالب، وبعد تعذيب صحابةٍ كبلال وعمار وياسر وسمية وعبد اللَّه بن مسعود وآخرين، وبعد تجوال طويل ومضن وغير مثمر قام به رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بين قبائل مكة والطائف، تمّت بيعة العقبة مع أهل يثرب، وجاءت الهجرة المباركة الى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وأُقيمت الدولة الاسلامية.

وها هنا كان انتصار بدر، وهزيمة أُحد، ومحنة الخندق وامتحان الحديبية.

وهاهنا أسفر الاخلاص والجهاد عن الانتصار، وجرَّ الطمع بالمال والغنيمة الى الهزيمة.

ها هنا نزل القرآن آية آية ووضعت لَبنات صرح الثقافة والحضارة والحياة الطيبة الاسلامية لَبنة بعد أخرى.

والمسلم بتدبّره هذا الماضي، وبالعيش في كل لحظة من لحظاته، يرتبط بالمستقبل أيضا ارتباطا بنّاءً، ويتعرف على طريق الحياة وهدفها، ويعي أخطار الطريق، ويرى بأُم عينه حركته في الحياة، ويعدّ نفسه ليطوي المسير، ويتغلب على كل تلكؤ وتردُّد ناشئ عن الاحساس بالضعف والحقارة والخوف من العدو. وهذه كلّها من بركات الحج.

مما تقدم يمكن أن نفهم سبب تخوف المستعمرين بالامس وزعماء سلطة الاستكبار العالمي اليوم من ارتباط المسلمين فكريا وعاطفيا بماضيهم وسبب محاربتهم لهذا الارتباط. نعم، الارتباط بالماضي هو الذي يستطيع أن يقرّر مصير الحال والمستقبل.

بعد انتصار الثورة الاسلامية وقيام الجمهورية الاسلامية في إيران وإعلان عزم الشعب الايراني على بناء مجتمع يقوم على أساس القيم الاسلامية وتطبيق الشريعة الاسلامية، اتجهت أبواق إعلام الشرق والغرب وعملائهما ليشنّوا هجوما هائلا عنيفا على الجمهورية الاسلامية ويصفوها بالأصوليّة وبأنها عبادة للقديم واتجاه الى الماضي وأمثال هذه العناوين، وينتقدوا باسم التجدّد إيران الاسلامية بحجة أنها تريد الالتزام بتقاليد الماضي.

هذا مع أنّ الانظمة الرجعية المستبدة المتمسكة بالتقاليد البالية البعيدة كل البعد عن المفاهيم العصرية كالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان ليست بالقليلة في شرق العالم وغربه، لكنها لم تتعرض أبداً لهجوم إعلامي بتلك العناوين والاسماء.

ومن العِبَر أن إذاعات أنظمة ليس فيها أبسط تقاليد الحداثة السياسية، ولا عهد لها إطلاقا بمجلس وطني وانتخابات حرّة وصحيفة غير حكوميّة، هي أيضا أطلقت صفة الرجعية على بلد تسود فيه - بحكم الاسلام - دولةٌ شعبية وقوانين إسلامية يصادق عليها مجلس مكوَّن من نواب الشعب، وتنفّذ القوانين فيه بيد حكومة تنتخبها الجماهير، والشعب فيها له حضور فاعل في أكثر المسائل حساسية. إنه التقليد المضحك الذي أثار سخرية كل أذكياء العالم.

نعم، الاستكبار وبطانته الخبرية والاعلامية وأقلامه وأبواقه المأجورة إن رأوا بلداً يغوص في عبادة القديم وشعباً يحيي تقاليد الجاهلية لايبدون تجاهه أيَّ قلق، بل إنهم يُعربون عن سرورهم تجاهه مادام ذلك البلد قد فتح لهم خزائنه المادية واستسلم أمام مطامعهم وتسلطهم، وتقبّل ماعندهم من ثقافة فساد وفحشاء واستهلاك وخمور وشهوات. إنهم مذعورون وخائفون ومستاؤون من عودة الشعوب الى ماضٍ يُحيي في نفوسهم العزّة والعظمة، ويفتح أمامهم طريق الجهاد والشهادة، ويعيد اليهم الكرامة الانسانية، ويقطع أيدي التسلطيين التي تنهب الاموال وتعتدي على الاعراض، ويعلّمهم قوله تعالى: «ولَن يجعل اللَّهُ للكافرينَ على المؤمنينَ سَبيلا» (٧٢).

ويتلُو عليهم الآية الكريمة: «وللَّهِ العِزّة ولرسُوله وللمُؤمنين» (٧٣).

ويلقي على مسامعهم وقلوبهم حثّه سبحانه إذ يقول: «وما لكم لاتُقاتلون في سبيل اللَّه والمستضعفين» (٧٤).

ويُطبق في حياتهم الاعلان الالهي: «إنِ الحُكمُ إلّا للّه» (٧٥).

خائفون ومذعورون ومستاؤون من عودة لمثل هذا الماضي والارتباط بمثل هذا التاريخ حيث اللَّهُ والدين والقرآن محور حياة الافراد وحيثُ أيدي المستكبرين والمستبدّين والتسلطيين لاتمتدُّ الى حياتهم، ولذلك يحاولون أن يصدُّوا عن ذلك بأي ثمن.

المسلمون، وخاصة المجتمعات التي هبّ عليها نسيم الحرية والقيام للَّه وبالاخص العلماء والمفكرون والقادة، يتحملون مسؤولية الحذر من الوقوع في هذا الفخّ. عليهم أن لايهابوا عنوان الاصولية، ولا يرتبكوا من تُهمة الرجعية، عليهم أن لا يتنصّلوا من مبادئهم الاسلاميّة وأحكام الاسلام النيّرة ومن إعلان أهداف المجتمع الديني والنظام التوحيدي في سبيل إرضاء الاعداء الخبثاء المتربصين. عليهم أن يصيخوا السمع لقوله سبحانه:

«ولَن تَرضى عَنك اليهودُ ولا النّصارى حتّى تتَّبع ملَّتهم» (٧٦) و «قل يا أهل الكتاب هل تنقمون مِنّا إلا أن آمنّا باللَّه وما أُنزل الينا وما أُنزل من قبلُ وإنّ أكثركم فاسقون» (٧٧) و «فلعلك تاركٌ بعض مايُوحى إليك وضائقٌ به صدرُك أن يقولوا لَولا أُنزل عليه أو جاء معه ملك» (٧٨) و «وما نقموا منهم إلا أن يُؤمنوا باللَّه العزيز الحميد» (٧٩).

في الحج، في المدينة ومكة، في أحد ومنى وحراء، في هذه البقاع التي وطأتها أقدام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله المباركة وصحبه الكرام، والتي شهدت الآلام والاسقام والتشريد والكفاح، في كل خطوة تقطعونها على أرض الوحي والجهاد والقرآن والسنة، أمعنوا النظر في ذلك الماضي، ارتبطوا به، وشقوا طريقكم واتخذوا جهتكم مستنيرين بهداه، ومن خلال تجاربه ارموا بطرفكم الى النتيجة وعاقبة الطريق. وبحول اللَّه وقوته وبالتوكل عليه والأمل بنصرته والاعتماد على قواكم الذاتية حثوا السير على ذلك الطريق وتجاه ذلك الهدف «واللَّه مَعكم ولن يَتِرَكم أعمالكم» (٨٠).

الاهتمام بقضايا العالم الاسلامي

٣ - الموضوع المهم الآخر الذي يجب أن يلتفت اليه حجاج بيت اللَّه باعتباره جزء من أهداف الحج هو المسائل المهمة الراهنة في دنيا الاسلام. فإذا كان الحج مؤتمرا عظيما سنويا لمسلمي العالم، فمن المؤكد أن أعجل قضايا قائمة أعمال هذا المؤتمر هي مسائل المسلمين الراهنة في كل نقطة من العالم. هذه المسائل تطرح في الاعلام الاستكباري بشكل لاينطوي على درسٍ وتجربة ورجاء للمسلمين في أرجاء العالم، كما أن الحادثة، حين يكون وراءها نوايا استكبارية أو عبث استكباري، تطرح بشكل لاتفضح مجرما ولا تكشف عن حقيقة، أو يُعتَّمُ عليها تماما.

الحجّ مكان يجب أن تنكشف فيه هذه الخيانة الاعلامية، وتتضح فيه الحقيقة، وتتوفر فيه التوعية الاسلامية العامة.

وها نحن نستعرض الحوادث الهامة في العالم الاسلامي لأبناء أمتنا المسلمة رجالا ونساء:

القضية الفلسطينية

الف - أهم قضيةٍ راهنة هي القضيةُ الفلسطينية التي كانت في نصف القرن الاخير دائما أهم مسائل العالم الاسلامي بل أهم قضايا البشرية المعاصرة. فالحديث هنا عمّا يعانيه شعب بكامله من محنة وتشريد وظلم… الحديث هنا عن اغتصاب وطن… حديثٌ عن غدة سرطانية في قلب البلدان الاسلامية… في نقطة التقاء شرق العالم الاسلامي بغربه… الحديث هنا عن ظلم متواصل ينزل على جيلين متواليين من الشعب الفلسطيني المسلم. واليوم اذ تتصاعد الانتفاضة الاسلامية الدامية المستندة الى جماهير الشعب في أرض فلسطين، فإن أجراس الخطر الواقعي الجدّي تُقرع في آذان المحتلين الذين افتقدوا الضمير وابتعدوا عن الانسانية وولغوا في دماء الابرياء.

أساليبُ العدوّ أعقد من أي وقت مضى وتتطلب الحذر أكثر من أي وقت آخر، والمسلمون في أرجاء العالم يجب أن ينظروا الى هذه المسألة بعين أكثر جدا وأن يفكروا ويعملوا من أجلها… وهذا هو خبر الساعة.

سيادة الاوضاع السيئة في العالم الاسلامي اليوم، وتزايد تبعية بلدان المنطقة للقدرة الامريكية الجامحة، عوامل وفرت الفرصة لهجوم حاقد يومي يشنه الكيان الغاصب، لتحقيق أهداف لا يخفيها، بدعم من الشيطان الاكبر الذي يعد حقا من أخطر أعداء الاسلام والمسلمين.

انتقال اليهود السوفيت باعتباره جزءً من ثمن مساعدةالغرب لتلك القوة الكبرى السابقة… وانتقال الفلاشا الاثيوبيين الذين تقرّر لهم أن يكونوا خدما للصهاينة الامريكيين والاوربيين الغاصبين لفلسطين… وأخيراً يهود الهند، وإنشاء المستوطنات في الاقسام المغتصبة الاخيرة من فلسطين، بل واحتمالا في القسم المحتل من لبنان… وزيادة المعدات العسكرية وأسلحة الدمار الشامل متزامنة مع الضجة الامريكية الداعية الى حظر تصدير مثل هذه الاسلحة الى الشرق الاوسط… والغارات الجوية اليومية والمتناوبة على جنوب لبنان وقصف المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين. والتعنّت المتزايد في التعامل مع المواطنين العرب الفلسطينيين، أي أصحاب تلك الارض، وممارسة أبشع ألوان القمع البوليسي بحقهم …. وفي نفس الوقت اتخاذ موقف المهاجم على الساحة السياسية أمام تراجع متواصل تبديه الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وحتى رفض فكرة انعقاد المؤتمر الدولي أو الاقليمي رفضا صريحا قاطعا، وهكذا رفض فكرة تشكيل دولة فلسطينية في جزء من أرض فلسطين كحصيلة لتراجع الاطراف الفلسطينية وانقيادها… كل هذه مجموعة ممارسات سياسية وأعمال وقحة يرتكبها الصهاينة أعداء البشر، ومن المؤكد أن

ه توجد الى جانبها أضعافها من النشاطات الخفيةالرامية الى التآمر والاغتيال والاختطاف والحرب النفسية والاعلام المسموم والجرائم المعروفة والمجهولة التي لا تصدر إلا عن الصهاينة وأعوانهم.

الاستكبار العالمي والدول الاستعمارية ادخرت منذ البداية حتى اليوم النظام الغاصب الاسرائيلي لتستعمله وسيلة ضغط على الدول العربية ثم الاسلامية في المنطقة وهي عازمة على أن تحافظ على هذا الخنجر المسوم باستمرار عند خاصرة العالم الاسلامي. والشيطان الاكبر اليوم يمسك بمقود هذا الكلب المدرّب.

من هنا فلا عجب أن يرتكب الصهاينة انتهاكا مستمرا للقوانين الدولية، وانتهاكا مستمرا لحقوق الانسان وبأفظع صوره، واعتداءً متواصلا على البلدان الجارة، وعمليات إرهاب وخطف فاضحة، وأن يتزوّدوا باستمرار بالاسلحة الذرية، وأمثالها من الممارسات التي لو صدرت أية واحدة منها عن أي بلد لايرتبط بأمريكا ارتباط السيد بالمسود، لحولوها الى طامة كبرى… لا عجب أن يرتكب الصهاينة كل هذا ثم يكون موضع قبول ولا يواجه أي اعتراض من شبكات الاعلام الاستكبارية في العالم وخاصة إعلام الشطيان الاكبر.

بهذا يتضح أن الكيان الصهيوني الغاصب يشكل اليوم أكبر خطر على حاضر العالم الاسلامي ومستقبله، والمسلمون هم الذين يتحملون مسؤولية معالجة هذا الخطر ودفع هذا الظلم الفادح.

أقوال معظم زعماء البلدان الاسلامية وأفعالهم لاتنبئ مع الاسف عن عزمهم على أن يجدوا لهذا الخطر الكبير درءً يتمثل بإزالة الكيان العنصري الصهيوني. بل بالعكس، ثمة دلالات تشير الى اتساع نطاق «كمب ديفيد» وإكمال مشوار السادات الخياني في بعض الحكومات العربية. ولا أدري هل تملك هذه الحكومات بمواقفها الذليلة الاستسلامية المخزية هذه جواباً أمام شعوبها وأمام اللَّه سبحانه؟ !

العلاج الحقيقي لهذا الخطر بيد المسلمين. هؤلاء يستطيعون بتقديم المساعدات الحقيقية للمناضلين المسلمين أن يزيدوا الانتفاضة داخل الارض الفلسطينية قوة ومضاء. ويستطيعون أيضا بطرق مختلفة أن يحولوا دون استسلام حكومات المنطقة أمام إسرائيل تلبية لمطالب أمريكا وانصياعا لإرادتها. الاجراءات الفدائية الشهمة التي اتخذها المسلمون الابطال اللبنانيون والتي دفعت الصهاينة المتعنّتين وحماتهم مرارا الى موقف ضعف وانفعال دليل صادق على أن الشعوب والشباب المؤمن قادرون على النهوض بكثير من جسام الاعمال.

الصحوة الاسلامية

ب - المسألةُ الاخرى، الحركات الاسلامية في بعض البلدان العربية والافريقية. وهذه واحدة من أجمل البشائر في ساحة أحداث العالم الاسلامي، حيث يرفع شعب، بشبابه، بمثقفيه، بجماهيره، صوته مطالباً بتطبيق الشريعة الاسلامية وإقامة الحكومة الاسلامية، ويتحرك على هذا الطريق.

منذ بزوغ فجر الثورة الاسلامية العظيمة في إيران وتشكيل الجمهورية الاسلامية كان ثمة أملٌ يراودُ المؤمنين وخوف شديد يساور معسكر الاستكبار وعلى رأسه أمريكا بشأن امتداد ظاهرة الثورة الاسلامية الايرانية وتحولها الى طليعة لانتصارات المسلمين في سائر أرجاء العالم الاسلامي.

ليعلم الاخوة والاخوات في جميع العالم أن الجزء الاعظم من الضغوط الشرقية والغربية المشتركة على إيران الاسلام سواء في سنين الحرب المفروضة أو قبلها وبعدها كان ينطلق من خيال باطل يتجه نحو إنزال الهزيمة بالجمهورية الاسلامية في إيران، لكي يصوروا فشل تجربة الحركة الاسلامية أمام المسلمين في العالم، ويطفئوا نور الأمل الذي أضاء في قلوبهم بعد انتصار الثورة الاسلامية في إيران، ثم بعد ذلك ليصدوهم عن بذل طاقاتم في هذا الطريق المبارك. واليوم فإن الاعلام الابواق الاستكبارية الذي يحاول أن يصور الثورة الاسلامية في إيران بالركود والتوقف والوصول الى طريق مسدود، ويصور نظام الجمهورية الاسلامية بالإعراض عن خط الثورة والإمام العظيم - رضوان اللَّه عليه - وبالمهادنة مع أمريكا الغادرة ليس له سوى هذا الهدف. هذه هي نفس الابواق التي وجهت مرارا خلال حياة الامام الراحل قدس سره الى إيران الاسلام - وهي ألدّ أعداء العدو الصهيوني - تهمة العلاقة بإسرائيل وشراء الاسلحة منها وبيع النفط اليها. وبفضل اللَّه ومنّه لم تستطع أية واحدة من هذه المساعي الاستكبارية العمليةمنها والاعلامية أن تحقق أهدافها. الأملُ الذي شع بانتصار الثورة الاسلامية ومواقفها

الحاسمة الصلبة المقاومة على دنيا الاسلام وعلى قلوب المسلمين قد آتى أكله وأسفر عن انطلاق حركات شعبية عظيمة تطالب بالحكومة الاسلامية في عدد من البلدان الاسلامية. وأرى من واجبي باعتباري أخا مهتما ومجربا أن أذكّر هذه الشعوب وخاصة قادتها ومفكريها ومثقفيها وعلماء دينها بما يلي:

وصايا الى الاسلاميين

اولا - ثمة أخطارٌ كثيرة تهدد الحركة في هذا الطريق مبعثها قلة الصبر وضعف البصيرة. فركزوا على هذين العنصرين أكثر من أي شي‏ء آخر: الصبر والبصيرة.

ثانيا - الحركة الاسلامية والثورة الاسلامية عبارة عن تمرد على القيم الجاهلية والانظمة الطاغوتية التي تستعبد البشر وتؤدي الى شيوع الظلم والفساد والتمييز الطبقي والعنصري والفحشاء وقهر الجماهير وسائر مصائب الشعوب، وتقدم كل شي‏ء قربانا على مذبح كسب المزيد من الارباح وفرض المزيد من الهيمنة الظالمة الطامعة. الحركة الاسلامية تخوض إذن معركة لتحرير البشرية من ثقافة الاستعباد ومن نُظُم الاستعباد لذلك يجب عليها أن تعدّ نفسها لمقاومة كل جبابرة العالم وأن لاتغفل عن ذلك.

ثالثا - العدو يسعى بافتعال الاجواء وأحابيل الاعلام أن يحذّركم من اسم الحكومة الاسلامية والنظام الاسلامي، ولعل بعض البسطاء يرون أن من الافضل عدم ذكر اسم الحكومة الاسلامية في التصريحات العلنية تجنبا لإثارة حساسية أمريكا والدول الغربية. وتوصيتي هي اجتناب هذا التفكير المصلحي المخالف للمصلحة الاسلامية اجتنابا تاما. صرّحوا بهدفكم في إقامة النظام الاسلامي وحاكمية الاسلام والقرآن دون أي انفعال وكرّروا ذلك في كل الظروف، ولا تطمعوا العدوَّ فيكم بالعدول عن اسم الاسلام المقدس، ولاتجعلوا الهدف وراء ستائر من الابهام والغبار.

رابعا - عانت الجماعة المسلمة دائماً من النفاق اكثر مما عانته من الكفر الصريح. واليومَ فإن خطر الاسلام الامريكي أي مايطرح باسم الاسلام ليكون في خدمة الطواغيت وفي اتجاه الاهداف الامريكية وأهداف سائر المستبكرين لايقل عن خطر الاجهزة العسكرية والسياسية الامريكية بل يزيد عليه. فاحذروا من دعاة الاسلام الامريكي، سواء تلبسوا بلباس علماء الدين أو كانوا من السياسيين، واتهموهم في حديثهم وإشارتهم وجهتهم، ولا تعمدوا الى الاستعانة بهم إطلاقا.

خامسا - لاتغفلوا عن كسب تجارب الحركات الاسلامية الاخرى في سائر البلدان وعن الاطلاع على أوضاعها وقضاياها ووثقوا ارتباطكم بها وإن أبى المستبكرون.

وسادسا - وأخيرا ضعوا نصب أعينكم قوله سبحانه:

«واعتصموا بحبل اللَّه جميعا ولا تفرقوا» (٨١).

ففيها التوصية بالتمسك بأهداب الدين وبوحدة الكلمة واحذروا في هذا المجال من كيد الكائدين.

مأساة العراق

ج - المسألة الاخرى من المسائل الراهنة في العالم الاسلامي قضية العراق والوضع المأساوي المفجع الذي يعانيه شعبه… فإضافة الى مافرض على هذا الشعب - جراء سوء نية وسوء تدبير حكامه - من اضطهاد وحكومة بوليسية فظيعة… واضافة الى زجّه في حرب ظالمة مع جيرانه، وتعرّض الآلاف المؤلفة من النساء والرجال والاطفال والشيوخ والشباب العراقيين - بسبب التدابير البلهاء التوسعية لحكامهم - لقتل ويتم وثكل وجرح وتعويق وتشريد في عمليات القصف والتخريب، واضافة الى إبادة قسم عظيم من ثروته الوطنية والتاريخية، اضافة الى كل هذا يتعرض هذا الشعب بشكل مباشر على يد نفس الحكام الذين سبّبوا له كل هذه المصائب للارعاب ولمجزرة جماعية وتشريد وإحباط عن طريق القصف والاسلحة الفتّاكة والكيمياوية.

حين غزا الجيش العراقي الكويت إرضاء لرغبات حب الجاه والتوسع في زعماء النظام العراقي، ووفر ذريعةً مجّانية لأمريكا كي تتواجد عسكريا ولكي تفرض بالتالي نفوذها المشؤوم السياسي والاقتصادي في منطقة الخليج الفارسي بشكل لم يسبق له نظير، وحين اشتعلت منطقة الخليج الفارسي بنارين: نار النظام العراقي ونار الحلفاء… اقترح بعضٌ من المسلمين - عن بساطة تنم عن طيب وحب خير، ولعلّ عددا منهم عن خطّة مبيَّتةٍ مدروسة - بإصرار على الجمهورية الاسلامية أن تهب لمساعدة النظام البعثي العراقي، وأن تعمل على توسيع نطاق الحرب. هذه النظرة كانت طبعا متعارضةً مع المبادئ الاسلامية الصريحة القاضية بأن الجهاد يتوجب فقط في سبيل نشر دين اللَّه أوالدفاع عن الشعوب المستضعفة أو الدفاع عن الدولة الاسلامية، لا الدفاع عن نظام مهاجم محتل توسّعي يحمل أيديولوجية حزب البعث التي تنكر وتعارض رسميا وعلنيا الدين والمعنويات. أضف الى ذلك مايحمله النظام العراقي من تاريخ استثنائي خاص مفعم بالظلم والفساد والاضطهاد وإهلاك الحرث والنسل، وما يعرفه الشعب الايراني خلال أعوام الحرب الثمانية عن سوابق هذا النظام في استسلامه وانقياده للقوى المتجبرة حين فرض على الدولة الاسلام

ية حربا بإرادة الاستكبار وبأسلحته ومساعداته الشاملة.

نعم، الاسلام لايرى الدفاع عن مثل هذا النظام جهادا ولايجيزه. لكن بعض المقترحين كان قد تأثر بالتصريحات المرائية الانتهازية التي لوّح بها مسؤولو هدم العراق لبرهة قصيرة من الزمان لاستغلال البسطاء، إذ راحوا يتشدّقون كذبا بالاسلام وبالمقدسات الدينية، وبعض المقترحين كان يعترف بخبث حكام ذلك النظام، لكنه يرى الباعث في اقتراحه الدفاع عن الشعب العراقي. ونحن أكدنا لهم أن مساعدة الشعب العراقي المظلوم واجبة، لكن دخول الحرب لصالح النظام العراقي ودعم سلطة ذلك النظام لايعد مساعدة للشعب العراقي، بل مساعدة للنظام المعادي للشعب العراقي وبالتالي إحلال الظلم بالشعب العراقي الذي زجه ذلك النظام المنحوس عشرة أعوام في حرب مفروضة.

والآن وقد مُني النظام والجيش العراقي أمام أمريكا والحلفاء الغربيين بالاستسلام والفرار المخزي وقبول كل شروط المستكبرين، فإن ذلك النظام قد استطاع أن يضمن بقاءه لمدة غير معلومة أخرى على أريكة حكومة لامفخرة فيها، وقدرة محاطة بالذل… ومع ذلك فإن الشعب العراقي… هذا الشعب المظلوم الذي يقبع رهينةً بيد نظام متعجرف ظالم فاسد دموي يجب عليه أيضا أن يدفع - إضافة لما تحمله من أعباء حرب لاهدف لها سوى تحقيق الاهداف التوسعية لزعماء النظام - غرامة الهزيمة والذلة وعقد الحقارة لذلك النظام.

نفس زعماء النظام والجيش الذين لم يستطيعوا أن يحاربوا أكثر من مائة ساعة عدوا أجنبيا توغل داخل بيوتهم وأن يصمدوا بوجهه، هم الآن يغيرون على الشعب العراقي منذ أكثر من مائة يوم، فيهدمون البيوت، ويقصفون المدن، ويهتكون حرمة العتبات المقدسة، ويشرّدون أبناء الشعب من وطنهم، ويعتقلون العلماء والشخصيات الدينية، ويعذبون بعضهم، ويذبحون الشعب.

الاكراد في الشمال والعرب في الجنوب عرّضوهم لمجازر وتشريد وثكل ويتم بشكل لم نسمع أنه صدر عن أي واحد من المجرمين المعروفين في العصور الاخيرة، ولم يخطر ببالنا أنه يصدر عن كائن بشري. عاملوا الشعب العراقي معاملةً لايمارسها ذوو الضمائر مع البهائم. الاكراد في شمال العراق لهم حاليا وضع أفضل بسبب تهديد وتعنيف أمريكا والدول الغربية، ولاندري ماذا تخبّئ لهم الايام في المستقبل، أما الشيعة في الجنوب الذين تحقد عليهم أمريكا وحلفاؤها لأسباب عديدة وعلى رأسها مطالبتهم بالاسلام وإقامة الحكومة الاسلامية، فلايزالون يتعرضون لتهديد مستمر ولمحنة ومصيبة دائمة من قبل النظام الطاغي القاتل المعادي للدين في العراق. هذه صورة مبسطة عن الوضع في العراق: شعب مظلوم مقهور أعزل مغلوب على أمره وحكومة فظة قاسية لاتقيم وزنا لكل المعايير الاسلامية والانسانية والدولية ولا تتهيّب من إراقة دماء الناس وظلمهم… وهاهي أصوات الشعب العراقي تنادي عاليا «يا للمسلمين».

في هذه الايام الاخيرة ثمة دلالات على محاصرة وقصف مئات الآلاف من الفارين اللائذين خوفا من الجيش بالأهوار والمستنقعات بين البصرة والعمارة والناصرية وفيهم النساء والرجال والاطفال المرضى والمصابون بالأوبئة والامراض المسرية حسب بعض الاخبار. الغرب وخاصة أمريكا اكتفوا بنقل بعض الاخبار بشكل موجز باهت، ولم يقدّموا أية مساعدة، وأولئك لا أمل لهم إلا باللَّه وبالجماهير المسلمة التي تستطيع طبعا أن تساعدهم على الاقل على مستوى الاحتجاج على مايرتكب بحقهم من ممارسات.

قضية كشمير

د - المسألة التالية وضع المسلمين في كشمير. الحكومة الهندية استغلت انشغال العالم الاسلامي بقضايا الاشهر الاخيرة التي أدت الى غفلة عامة عن وضع أولئك الاخوة القاصين المظلومين، فسلّطت أكثر ما تستطيع من ضغط عليهم وعرّضت أرواحهم وأموالهم بل كما قيل حتى أعراضهم للاعتداء والانتهاك.

لست الآن في صدد توضيح طبيعة قضية كشمير، فالمراقبون يعلمون أنها من الجراحات القديمة التي تركها الاستعمار البريطاني لدى خروجه على جسد شبه القارة وانتقم بذلك من مسلمي الهند الكبرى، بل أريد أن أقول إن حكومة الهند في موقفها من هذه المسألة قد استعانت بوسائل قاسية غير مناسبة ولجأت الى أساليب غير إنسانية وهي واثقة أن القوى الكبرى والمنظمات التي تدّعي الدفاع عن حقوق الانسان سوف لاتقدم على أي دفاع واقعي عن المسلمين.

على الشعوب الاسلامية أن تعلم أن المسلمين الكشميريين يتوقعون منها أن تدافع عنهم، وهذا واجب يفرضه الاخاء الاسلامي على المسلمين، وإذا كانت حكومة الهند تتصور أنها قادرة على أن تحتفظ بهذه الجموع الكثيرة من المسلمين تحت وطأة الضغط دائما دون أي رد فعل من مسلمي العالم فانها على خطأ حتما.

وهنا أجد من الضروري أن أشير الى الاقليات المسلمة في بعض البلدان ومنها البلدان الاوربية حيث الضغوط التي يواجهها المسلمون الراغبون في حفظ هويتهم الاسلامية تفضح مايتبجّح به الغرب دائما من ديمقراطية وحرية. الحساسيات التي تبديها أو تثيرها في الآخرين بعض الحكومات الاوربية تجاه بناء مسجد أو عقد اجتماعات إسلامية أو رعاية الزيّ الاسلامي وأمثالها يجب أن تنبّه المسلمين على المواقف الحقيقية لهذه الحكومات تجاه الاسلام. هذه من المسائل المهمة التي تستدعي المسلمين أن يفكروا فيها وأن يتعرفوا من خلالها على واجباتهم.

الاثارات الطائفية

ه - من القضايا الهامة المعاصرة مسألة الاختلافات الطائفية بين المسلمين. هذه طبعا ليست بمسألة جديدة، فقد كانت الاختلافات والنزاعات وأحيانا الصراعات قائمة حول المسائل الكلامية والفقهية والمذهبية منذ القرن الاسلامي الاول. لكنّ الحديث الجديد هنا هو أنه بعد انتصار الثورة الاسلامية في إيران وانتشار فكرها في أرجاء الآفاق الاسلامية توسل الاستكبار - فيما توسل به من دسائس لمواجة هذا الموج الهادر - بتصوير الثورة الاسلامية في إيران بأنهاحركة شيعية بالمعنى الطائفي للكلمة وليست إسلامية بالمعنى العام.

هذا من جهة، ومن جهة اُخرى سعى بجد لإثارة النفاق والاختلاف بين الشيعة والسنّة.

وأمام هذا المكر الشيطاني سعينا دائما ومنذ البداية بإصرار على وحدة فرق المسلمين وحاولنا إحباط هذه المحاولات، وحققنا بحمد اللَّه ومنّه نجاحات كثيرة كان من آخرها إقامة المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، وها هم العلماء والمثقفون والشعراء والكتاب والجماهير في جميع أرجاء العالم الاسلامي ومن جميع المذاهب الاسلامية يدافعون متكاتفين متعاضدين متجاوبين عن الثورة الاسلامية والجمهورية الاسلامية الايرانية.

لكن العدو مجهز بالاموال والخطط الاعلامية والاساليب الخبيثة الكثيرة. ومع الاسف فإنه يجد في نقاط من العالم أفرادا يستطيع أن يسيطر على أذهانهم وألسنتهم بالتطميع والخداع. لذلك ترتفع بين الحين والآخر عقيرة رجل سياسي في بلد أو عالم مزيف أو ثوري مزيف في بلد آخر بالسب والتشنيع بالشيعة أو بالشعب الايراني الذي سجل أكبر ثورة معاصرة ودافع عنها دفاعا يبعث على الدهشة والاستغراب. أو في باكستان المسلمة - حيث شعبها من أعز الشعوب الى قلوبنا وقد كان ولايزال في خط الدفاع المستمر عن الاسلام والجمهورية الاسلامية الايرانية - يظهر أفراد تحدوهم دولارات أعداء الاسلام والوحدة الاسلامية على عقد الاجتماعات وتحبير الكتب والمقالات لشن هجوم على الشيعة وعلى التشيّع لأهل بيت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ويطعنون بالمقدسات.

نحن نتّهم في كل ذلك أمريكا وأتباعها وعملائها، وننزّه الشعوب وعلماء الاسلام الحقيقيين منه، غير أن هذه من المسائل التي يجب حلّها بيقظة المسلمين لتفويت الفرصة على أعداء الاسلام.

استفحال الشيطان الاكبر

و - ثم أشير أخيرا الى قضية مهمة جدا هي تزايد سلطة الشيطان الاكبر على ثروات البلدان الاسلامية وتزايد تواجده السياسي والاقتصادي بل والعسكري في هذه البلدان. هذه القدرة الكبرى الظالمة التسلطية، بعد التحولات العالمية الاخيرة التي أدت الى انهيار الانظمة الشيوعية الالحادية وتخلّي الاتحاد السوفيتي عن موقف المنافسة مع أمريكا، تستهدف أن تحول العالم وخاصة المنطقة الاسلامية الثرية الى منطقة نفوذ خاصة بها لاينازعها فيها منازع.

بعد أن انتهت مما يسمى بالحرب الباردة شمرت عن ساعد الجد لخوض حرب شاملة ضدّ اليقظة الاسلامية التي تشكل سدا منيعا أمام هذا النفوذ.

هذه الحكومة الشيطانية تعاني في داخلها من مشاكل مستعصية ناجمة عن طبيعتها المعادية للفطرة والانسانية. لكنها انطلاقا من نفس طبيعتها الاستكبارية التوسعية تسعى لنقل مشاكلها الى كل العالم، وللسيطرة على جميع المراكز الحساسة والثريّة في العالم بما فيها الشرق الاوسط والخليج الفارسي بشكل خاص لتواصل حياتها باقتدار أكثر. لو تحققت هذه الاحلام المشؤومة فإن شعوب المنطقة ستواجه أياما حالكة لم يسبق لها مثيل.

النظام الامريكي يستغل اليوم كلَّ الوسائل لتحقيق هذا الهدف الشيطاني، ومن المؤسف أن جهل حكام العراق وغرورهم وروحهم التوسعية، التي وفرتها فيهم المساعدات الامريكية والغربية السابقة الى العراق، قد خلقت في المنطقة أوضاعا يعلم الجميع بدرجة وأخرى عواقبها المرة المؤلمة. ومن تبعات ذلك أن أمريكا تحولت في جزء هام من هذه المنطقة الى صاحبة القرار الاصلي وبثت الرعب في حكومات المنطقة، وهذا يشكل تهديدا للوجود الاسلامي بل الكيان الانساني في هذه المنطقة وفي كل بقعة من العالم تتكرر فيها مثل هذه الاحداث.

لا أمل في مواجهة هذا التهديد الكبير إلا بالاسلام وبالمؤمنين الصامدين. وبفضل اللَّه ومنّه فإن شمس الاسلام قد بدأت ثانية تبعث في قلوب الناس ونفوسهم بأشعتها النيرة الطافحة بالحياة. وبدأت كثير من الشعوب المسلمة في مقارعة عوامل ابتعاد الناس عن دين اللَّه وهي تشق طريقها لتحقيق الاسلام في حياتها، هذه حركة مباركة مفعمة بالامل. وستمزّق بتوفيق اللَّه قيود السلطة الشيطانية الامريكية وكل قدرة طاغية أخرى، وتنجي الجميع:

«كَتَب اللَّهُ لأغلبَنَّ أنا ورُسلي» (٨٢).

الشعوبُ والحكومات تتحمّل مسؤولية مشتركة تجاه تصاعد الاتجاه نحو الاسلام الاصيل المحمّدي صلى الله عليه وآله، الاسلام الذي يضع مسؤولية قطع نفوذ الشيطان الاكبر وبقية الشياطين عن حياة الشعوب في رأس قائمة اهتماماته. وإذا كانت الحكومات الاسلامية تحمل ولاءً لبلدانها وشعوبها فلتعلم أن هذا الاسلام الاصيل المحمدي هو القادر على ضمان حياةٍ شريفة مستقلة للشعوب والبلدان، واقتدارٍ وقوةٍ للحكومات. أسال اللَّه سبحانه وتعالى أن يمنّ على المسلمين في العالم باليقظة والشرف والعزة والنجاة من براثن الاستعمار والنصر في مواجهة أعداء اللَّه.

اللهم اجعل قلوب المسلمين عامرة بنور القرآن والاسلام، وأنزل عليهم رحمتك وفضلك، وأيدهم بتأييدك وقوّ قلوبهم بالامل والايمان. اللهم واجعل قلب ولي اللَّه الاعظم المهدي المنتظر - أرواحنا فداه وعجل اللَّه تعالى فرجه - مسرورا بنا، واستجب دعاءه بحقنا. اللهم تقبل حج الحجاج وسعي العاملين، في سبيلك بأحسن قبول، وزد قلوب المسلمين قربا، وأزل عنهم عوامل تفرقهم. وتغمّد برحمتك اللهم أرواح شهداء طريق الحق، وترحّم على من أصيبوا في هذا الطريق. اللهم اجز عبدك الصالح المجتبى الامام الخميني خير جزاء عن كلِّ حركة من أجل حاكمية دينك. في الأرضين آمين يارب العالمين.

والسلام على جميع إخواننا المسلمين ورحمة اللَّه وبركاته.

علي الحسيني الخامنئي

الثالث من ذي الحجة سنة ١٤١١ه.

نداؤه الى حجاج بيت اللَّه الحرام‏

= ١٤١٢ه.

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله ربّ العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا ونبيّنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

قال اللَّه الحكيم:

«وإذ قال ابراهيم ربّ اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنيّ أن نعبد الاصنام. ربّ إنهنّ أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنّه منّي ومن عصاني فإنّك غفور رحيم» (٨٣).

الآن، إذ أطلّ علينا موسم الحج وملأت نغمة التلبية المتصاعدة من قلوب المشتاقين حرمَ الامن الالهي، وهرعت الشعوب الاسلامية من أرجاء المعمورة الى ميعاد الذكر والاستغفار والقيام والاتحاد، وتلاقى الاخوة المتباعدون… أتوجّه الى ساحة الرب العزيز الحكيم شاكرا خاضعا، وأحمده حمدا عظيما عظم صفاته الحسنى، واُثني عليه سبحانه ثناء واسعا سعة بحار رحمته، أن وفق المسلمين المشتاقين مرة أخرى لاداء هذه الفريضة، وأعلا جلّ شأنه مرة أخرى راية العزّة والعظمة على رؤوس المسلمين في بيته الآمن، واستضاف الحجاج الايرانيين مرة اُخرى على مائدة الرحمة والعظمة. يعجز اللسان والقلم عن وصف هذه النعمة الكبرى وقدرها، عسى أن يمنّ اللَّه سبحانه عليكم انتم يا حجاج بيت اللَّه الحرام بنور يغمر قلوبكم المشتاقة فتتجلى فيها تلك الحقيقة المستغنية عن وسائط القول والكلام.

نعمة الحج

مايهمّني أن أقوله لكم أيها الاخوة والاخوات من أي بلد كنتم والى أي شعب انتميتم هو أنّ الحج نعمة الهيّة منّ بها الله سبحانه على الاجيال المسلمة.

شكر هذه النعمة ومعرفة قدرها يزيدها، والكفران بها ونكران قدرها يسلبها من المسلمين وهو العذاب الالهي الشديد نفسه: «ولئن كفرتم إن عذابي لشديد» (٨٤).

سلب نعمة الحج ليس في عدم توجّه المسلمين لأداء هذه الفريضة، بل في حرمان المسلمين من منافعه التي لاتحصى. وزيادة هذه النعمة ليس في زيادة عدد الحجاج كل عام، بل في استثمار منافعه: «ليشهدوا منافع لهم» (٨٥).

جدير بنا أن نفكّر جيدا، هل إن العالم الاسلامي استطاع أن يستثمر منافع الحج؟ وماهي هذه المنافع أساسا؟

الحج الصحيح يستطيع أن يحدث تغييرا في المحتوى الداخلي لكل فرد من أفراد المسلمين. يستطيع أن يغرس في نفوسهم روح التوحيد والارتباط باللَّه والاعتماد عليه، وروح رفض كل الاصنام الداخلية والخارجية في وجود الكائن البشري، هذه الاصنام المتمثلة في الاهواء والشهوات الدنيئة والقوى الطاغية المسيطرة. يستطيع أن يرسّخ الاحساس بالقدرة والاعتماد على النفس والفلاح والتضحية. ومثل هذا التحول يستطيع أن يصنع من كل إنسان موجودا لايعرف الفشل ولا ينثني أمام التهديد ولا يضعف أمام التطميع.

والحج الصحيح يستطيع أن يصنع من الاشلاء الممزقة لجسد الامة الاسلامية كيانا واحدا فاعلا مقتدرا، وأن يجعل هذه الاجزاء المتفرقة تتعارف وتتبادل الحديث عن الآمال والآلام والتطورات والاحتياجات المتقابلة والتجارب المستحصلة.

لو أن الحجّ وضع ضمن إطار برنامج يتوخّى هذه الاهداف والنتائج وتتظافر عليه جهود الحكومات والعلماء وأصحاب الرأي والكلمة في العالم الاسلامي، لعاد على الامة الاسلامية بعطاء ثرّ لايمكن مقارنته بأي عطاء آخر في دنيا الاسلام.

يمكن القول بكل ثقة أن هذا التكليف الالهي وحده، لو استثمر استثمارا صحيحا كما أرادته الشريعة الاسلامية، يستطيع بعد مدة غير طويلة أن يبلغ بالامة الاسلامية مايليق بها من عزّة ومنعة.

لابد أن نذعن بمرارة أن الفاصلة كبيرة بين الشكل الحالي لأداء هذه الفريضة الالهية والشكل المطلوب. الامام الراحل العظيم بذل جهودا فعّالة في هذا السبيل، ووضع نصب أعين الامة الاسلامية تصويرا واضحا عن الحج الابراهيمي، حج العظمة والعزّة، حجّ الخلاقية والتحول، وكان طرح هذا التصور بحد ذاته مبعث بركات وافرة في العالم الاسلامي، غير أن نشر هذه الفكرة وهذا المنهج العملي بين جميع الشعوب المسلمة بحاجة الى جهود مخلصة ينهض بها علماء الدين، ووعي وتعاون يبديه حكام كل البلدان الاسلامية، وآمل أن تكون هذه المهمة الحساسة موضع اهتمامهم وعملهم.

والآن، من المناسب أن نستفيد من هذا الجوّ العبق بشذى الاخوّة، مؤدّين جانبا من واجبات الحج الملقاة على عاتقنا، ونلقي نظرة على العالم الاسلامي ومكانته انطلاقا من الحوادث التي طرأت بعد الحج الماضي حتى اليوم في أرجاء العالم، لنستخلص ماعلينا في هذا الخضمّ من واجبات.

حوادث العام الماضي كانت من مواكب الاحداث النادرة التي قلَّ أن شهد زمان قصير كهذا في التاريخ مثل هذه المجموعة الهائلة من الاحداث الكبرى.

انهيار قوة كبرى‏

على رأس هذه الحوادث. انهيار القوة الشرقية الكبرى وانهدام القدرة المتعملقة التي كانت لعشرات السنين تعتبر إحدى أكبر القوتين العظميين في العالم سياسياً وعسكرياً وإعلاميا. اضمحلال الامبراطورية المترامية الاطراف ذات القدرة العسكرية الاسطورية والمجهزة بالاسلحة الذرية وكل وسائل السيطرة والنفوذ في العالم، هي في المحاسبات العاديّة المادية من المستحيلات، لكن هذه الحادثة قد وقعت، والمحاسبات المادية أثبتت فشلها من جديد.

تفكك الكتلة الشرقية، والتغيير الهائل في الجغرافيا السياسية للقارة الاوربية، وبروز شعوب وبلدان كانت لسنوات متمادية راضخة عنوة وغصبا تحت احتلال الاجانب أو قابعة تحت نفوذهم، هي أيضا من هذه الحوادث المدهشة.

وبنفس القدر من الروعة والاثارة كان انتصار الثورة في أفغانستان، وتولي القدرة فيه شعب حمل أعباء الجهاد المر خلال أربعة عشر عاما من الغربة والمظلومية والفقر المادّي ولكن بإيمان عميق بالاسلام.

وهكذا ظهور عدد من البلدان المسلمة المستقلة في آسيا الوسطى وهي تضمّ شعوبا ترفع صوتها بالاسلام وتفخر بإسلامها وتنشد تطبيق الشريعة الاسلامية، بعد سبعين عاما من الاعلام المضلل الشيوعي المسموم، ورغم جهود بقايا ذلك العهد الذين لم يتصالحوا مع الاسلام ولن يتصالحوا معه.

وهكذا ولادة مالايقل عن بلدين مسلمين في اُوربا أعني البوسنة والهرسك، وألبانيا ولادة أقلقت الحكومات الاوربية.

انتصار الاسلاميين في الجزائر

ونوع آخر من الاحداث تمثّل في انتصار التيار الاسلامي في الجزائر خلال انتخابات حرة منطبقة مع معايير الديمقراطية، وكان هذا الانتصار مبعث أمل كل المسلمين واعتزازهم، وتعبيرا عن عمق الايمان الاسلامي في ذلك الشعب المجاهد المجرب. ويكفي هذا الانتصار عظمة أن بعث الرعب في القوى المعادية للاسلام وفي القوى الرجعية في المنطقة على حدّ سواء. حتى عمدوا عن طريق انقلاب عسكري خادع الى التغطية على تلك الصحوة الاسلامية وحاصروها وقيّدوها في الوقت الراهن. وواضح لكل ذي بصيرة أنهم لايستطيعون الابقاء على هذا الوضع لمدة طويلة.

على أي حال، كان العام الماضي صاخبا بمثل هذه الحوادث النادرة العجيبة، وأضف الى ماسبق تصاعد الحركات الاسلامية وصحوة المسلمين وإصرار الامة على استعادة هويتها الاسلامية وعلى الوقوف بوجه القوى المتعنتة المخالفة، في كثير من مناطق العالم، خاصة في فلسطين العزيزة، وبعض بلدان شمال أفريقيا والشرق الاوسط… كانت هذه جميعا من المميزات البارزة لهذا العام.

دلالات الاحداث

هذه الحوادث الهامة المعبّرة التي كان كثير منها متأثرا مباشرا أو بصورة غير مباشرة بالاسلام أوجدت بمجموعها وضعا جديدا للاسلام والمسلمين، وواجب كل الشعوب المسلمة أن تستوعب بدقة هذا الوضع وأن تتخذ منه، دون إضاعة للوقت، موقفا موحّدا وزينا ومدروسا.

هذا الوضع الجديد ينطوي على جانبين أو عنصرين: الاول، تزايد الفكر الاسلامي والهوية الاسلامية على الساحة العالمية شوكة وعزة وحيوية، حيث أضحى الاسلام واحدا من أبرز الحقائق العالمية المطروحة على أرجاء الارض.

والثاني، أن القوى المتسلطة العالمية قد اتخذت موقفا أكثر صراحة في عدائها للاسلام والاهداف الاسلامية. ومن المؤكد أن أحد الفصول الهامة في النظام الدولي الجديد المقترح من قبل أمريكا للعالم بعد سقوط الشيوعية هو حذف الاسلام ومجابهة النمو المتزايد في الحركات الاسلامية.

ومن يتابع تصريحات حكام النظام الامريكي ومواقفهم بشأن الاسلام والنهضات الاسلامية المعاصرة، وبشأن البلدان والشعوب التي تنشد الاسلام وتدعي أو تأمل إقامة النظام الاسلامي، يلمس عمق الحقد الدفين تجاه الاسلام والنظام الاسلامي.

مذابح وإرهاب بوجه العودة الاسلامية

حوادث العالم الجارية أيضا تحمل أكثر من شاهد مشهود على مانقول. ومن أشدّها مرارة وأمضّها ألماً تلك الحوادث التي تلّم بالبوسنة والهرسك، وهكذا الحروب الداخلية في قره باغ وعامة منطقة القفقاز. القمع الدموي الوحشي الذي يتعرض له المسلمون في سراييفو الواقعة في قلب أوربا المسماة بالمتحضرة تبلغ درجة من الخشونة والوحشية بحيث تذكّر الانسان بالمجازر الاوربية المعروفة في القرون الوسطى وبالحروب الدينية والعنصرية التي شهدتها هذه القارة، مع فارق هو أن صرب يوغسلافيا السابقة يستفيدون اليوم من الآلة الحربية المتطورة في ارتكاب المذابح الجماعية بحق المسلمين.

ومع كل هذا فإن الحكومات، التي تتذرع بحقوق الانسان في تدخلها وفي إصدار أحكامها بشأن البلدان القريبة والبعيدة، تقف مكتوفة الايدي تجاه هذه المآسي. أمريكا والبلدان الاوربية حاولت في نفس هذه المنطقة وتجاه الجمهوريات الاخرى لنفس هذا البلد (يوغسلافيا السابقة) بشكل حازم دون وقوع مثل هذه المذابح حين لم تكن المسألة ترتبط بالمسلمين. وفي منطقة القفقاز أيضا، فإن الدول التي كانت قادرة بممارسة ضغط اعتيادي لتحول دون قتل المسلمين في قره باغ، لم تتخذ أية خطوة جادّة في هذا المجال، وليس هذا فحسب، بل إنها أحاطت مساعي الوساطة التي بذلتها الجمهورية الاسلامية الايرانية بانواع المؤامرات والمخالفات، مثبتة بذلك عدم اكتراثها بمصير الشعب القفقازي الذي نال استقلاله حديثا.

الاتصالات المكثفة التي تجريها أمريكا وعملاؤها مع البلدان المستقلة الفتية في آسيا الوسطى من أجل إرعابهم من الاتجاهات الاسلامية ومما يسمونه بالاصولية… وموقفهم العدائي تجاه الصحوة الاسلامية في كل مكان ومن أبرز ذلك موقفهم من الحركة السياسية المنتصرة لمسلمي الجزائر… وسلوكهم المتحايل الغادر تجاه الشعب العراقي ودفع هذا الشعب الى الوضع المؤلم المفجع الحالي… ولجاجهم في الخصومة مع حكام السودان لالشي‏ء إلا لتوجههم الاسلامي… وعشرات النماذج الاخرى في أرجاء العالم، تشكل بمجموعها شواهد لاتقبل الانكار على علانية حقد أمريكا وغيرها من القوى السلطوية على الاسلام واليقظة الاسلامية وعلى عودة المسلمين في العالم الى هويتهم الاسلامية.

واجب المسلمين أمام هذا العدوان

على الشعوب الاسلامية أن تجيب على هذا السؤال: ماهو واجب المسلمين تجاه هذه المواقف المعاندة الحاقدة؟ لاشك أن المتجبّرين لايكتفون بالاعراب عن مشاعر العداء، بل يعمدون الى الاستفادة من كل الامكانات المالية والسياسية والاعلامية بل والعسكرية إن استطاعوا في خصامهم كما فعلوا ذلك حتى الآن. والشعب الايراني حتى اليوم قد جرّب هذا الخصام والامة الاسلامية الكبرى شهدت حقد الاستكبار العالمي‏على إيران الاسلام وعلى سائر مظاهر التحرك الاسلامي في نقاط العالم الاخرى.

لاشك أن عدم اكتراث الشعوب المسلمة تجاه هذا الوضع، يشجع العدو ويضيق الخناق أكثر كل يوم على المؤمنين بالاسلام. المسلمون يجب أن يثبتوا أن العالم الاسلامي له القدرة التي تمكنه أن يقف بوجه عدوان وعداء أمريكا وكل معتد أثيم آخر. كل ما أنزله المستعمرون بالامس والمستكبرون اليوم من ضربات قاصمة بالامة الاسلامية حتى الآن كان ناتجا أساسا عمّا اعترى الحكومات أو الشعوب من ضعف في النفوس والمعنويات. مقاومة الشعوب تشلّ العدوّ، وتؤدي الى فشله في الوصول الى أهدافه المتجبرة.

لو أن القادة والشعب الفلسطيني أبدوا من أنفسهم في بداية إقامة الدولة الغاصبة الصهيونية نفس روح الشجاعة والتضحية التي تبديها الانتفاضة الاسلامية تجاه الصهاينة اليوم، لما شهدت الساحة هذا المصير المرّ المأساوي لفلسطين، ولو أن قادة النهضات الاسلامية والجماهير المؤمنة وطّنت نفسها على تحمل مشاق النضال فالامة الاسلامية ستحقق دون شك مستقبلا زاهرا.

الاستكبار لايعرف حدا في عدوانه على الشعوب المسلمة. الصهاينة الغاصبون وأمريكا باعتبارها حاميتهم في كل المجالات، تمادوا في غيّهم حتى بلغ بهم إنكار حتى المواطنة الفلسطينية، وإنكار حقيقة اسمها الشعب الفلسطيني بينما الشعب الفلسطيني شعب عريق ذو جذور ضاربة في أعماق التأريخ وذو ارتباط جغرافي وثيق، والذي ليس له جذور تاريخية ولا ارتباط جغرافي إنما هو مايسمى زورا وكذبا بالشعب الاسرائيلي.

في البلدان المسلمة التي ترتبط شعوبها بالاسلام ارتباطا إيمانيا وثيقا مثل الجمهوريات الفتية الاستقلال التي تتحدث بحرارة وشوق عن حاكمية الاسلام رغم سبعين عاما من المساعي الشيوعية في إزالة الاسلام، يبلغ بالقوى المعادية للاسلام أن تتحدث عن أخطار الميول الاسلامية في هذه البلدان، مضفين صفة الخطورة على أعزّ ما عند هذه الشعوب من أمانٍ قلبية.

هذه الصلافة التي يبديها الاستكبار وعملاؤه يجب أن تجابه بإرادة شعبية عامة وبموقف موحّد من قبل كل أبناء العالم الاسلامي، وبردّ شرور المؤامرات الاستكبارية المحيطة بالشعوب المسلمة الى نحور مدبّريها.

تهاون الحكومات الاسلامية في النضال ضدّ النظام الصهيوني الغاصب شجّع أمريكا على عقد المحادثات المباشرة بين العرب وإسرائيل، ومن المؤسف أن بعض زعماء العرب رضخوا لهذه المهانة دون أن يلتفتوا الى ما تنطوي عليه هذه الضربة من أبعاد واسعة. وكانت النتيجة أن حققت الدولة الغاصبة الاسرائيلية ما كانت تصبو اليه وهو اعتراف البلدان العربية بها، دون أن تتراجع هي قيد أنملة عن مواقفها العدوانية.

الصهاينة الآن، إضافة الى ماكانوا يرتكبونه في الماضي من عمليات إرهاب واختطاف وغصب للأرض الفلسطينية واللبنانية وقمع للفلسطينيين ومذابح جماعية وسائر الجرائم الفظيعة، يشنون يوميا غارات جوية مدمرة على قرى جنوب لبنان، ويرتكبون، وهم واثقون من عدم التعرض لأية ضغوط من قبل أمريكا وأروبا، أفظع ألوان الجرائم بحق سكان تلك المنطقة. المحادثات بين العرب وإسرائيل لم تستطع حتى أن تحول دون استمرار الصهاينة في عدوانهم وجرائمهم.

هذا نموذج من نتائج التراجع الذي زاد العدوّ تعنتا وصلافة.

دعوة الى الحكومات الاسلامية

اُهيب برؤساء البلدان الاسلامية أن يلتفتوا الى ما عندهم من قدرة هائلة، ألا وهي قدرة الشعوب الاسلامية. فبمساعدة هذه القدرة الصلدة تستطيع الحكومات الاسلامية أن تقف بوجه القوة الامريكية التي تتزعم اليوم جبهة الاستكبار المعادية للاسلام، وأن تدافع عن حق شعوبها وعن الشعوب المظلومة المسلمة. الاسلام أفضل ضمان لإدارة حياة شعب من الشعوب، وفي ظله تستطيع الشعوب أن تذوق شهد الحرية والاستقلال التام، وتتمتع بمعطياتها. والايمان الاسلامي الراسخ في جميع أفراد البلدان المسلمة أعظم سند لتحقيق هذه الاهداف.

المؤمَّل من الحكومات المسلمة أنها، بدلا من أن تساورها المخاوف والهواجس من الاسلام، وهي مخاوف وهواجس تسعى أمريكا وغيرها من زعماء الاستكبار حثيثا الى إلقائها في روع زعماء البلدان الاسلامية، بدلا من ذلك تنظر الى هذا الدين الالهي باعتباره منقذا لشعوبها، وعاملا على شدّ الشعوب المسلمة أعني أجزاء الامة الاسلامية ببعضها، ومصدرا تنتهل منه مقومات العزّة والمنعة. إنه أقوى وسيلة لكسب دعم الشعوب، والحكومة التي يساندها شعبها تستطيع أن تتحدى كل تهديد.

دعوة الى الشعوب المسلمة

وأتوجه بالخطاب أيضا الى الشعوب الاسلامية وأبناء الامة الاسلامية فرداً فرداً وأقول: علاج كل مايلم بالامة من آلام وإحباطات يتمثل في العودة الى الاسلام، والانضواء تحت لواء النظام الاسلامي والاحكام الاسلامية. وبذلك يستطيع المسلمون أن يستعيدوا عزتهم وشوكتهم وتمتعهم بمعيشة مرفهة آمنة، وأن يبتعدوا عن المصير المر المذلّ الذي تسوقهم اليه دوائر التخطيط الاستكبارى.

افهموا قدرة الاسلام

الاعلام الاستكباري المعادي للاسلام الذي يشكل جزءً من الحملة الصليبية الجديدة يوحي أن الاسلام عاجز عن تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية للشعوب المسلمة، ولاسبيل للشعوب المسلمة إلا أن تعيش وفق مايقدمه النظام الرأسمالي الغربي من معايير وأشكال ومحتويات. وهذه خدعة كاذبة مزورة تروّج منذ سنوات وتستهدف تبعية البلدان الاسلامية للمعكسر الغربي وامتصاص خيرات هذه البلدان. النظام الرأسمالي الغربي غارق حتى ذقنه في مشاكل إنسانية مستعصية، ومع كل مايمتلكه من ثروات طائلة ظلّ عاجزا تماما عن إحلال العدالة الاجتماعية.

التمرّد الاخير للسود في أمريكا أوضح أن النظام الامريكي لايتعامل بعدالة مع الشعوب، وليس إجحافه مقتصرا على شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بل يشمل الشعب الامريكي أيضا. ففي داخل أمريكا تمارس الدائرة الامريكية العنف والقمع تجاه أي اعتراض كما تمارسه في البقاع الاخرى.

صحيح أن المعسكر الشيوعي قد مني بالانهيار، لكن منافسه أعني المعسكر الرأسمالي أيضا، بوضعه الحالي وبما اعتراه من غرور وطغيان على أثر انفراده في ساحة القوى، سوف لايكتب له البقاء وسيشهد العالم سقوطه وانهياره عاجلا أو آجلا.

الاسلام قادر على إنقاذ المسلمين وجميع البشرية، شرط أن يُفهم، ثم أن يدخل حيّز التنفيذ. النظام الاسلامي في إيران هو بفضل اللَّه مظهر قوة الاسلام واقتداره، وتجربة مجسمة ناجحة للمسلمين، رغم أن هذا النظام أمضى ثماني سنوات من أعوامه الثلاثة عشر في حرب فرضت عليه بتخطيط وحقد الاستكبار الشرقي والغربي، ورغم أنه كان قبلها وبعدها حتى اليوم هدف هجوم متواصل ينفث فيه معسكر العدو خصامه وخبثه.

الامام الخميني العظيم قدس اللَّه نفسه الزكية أيقظ الشعب الايراني وسلّحه بعزم صلب لايلين وبعمل مخلص دائب، وهذا الطريق قائم الآن أمام جميع الشعوب.

ساندوا الحكّام على طريق الاسلام

كل مايؤمّل من الحكومات المسلمة يمكن تحققه بإرادة وعزيمة شعوبها. فعليكم يا أبناء الشعوب الاسلامية أن تطالبوا حكامكم بالوقوف بوجه الصهيونية والاستكبار، وبالدفاع عن المسلمين المظلومين في أرجاء العالم، وبالتلاحم والتآخي مع سائر الشعوب والبلدان الاسلامية. وكونوا لهم على طريق تحقيق هذه الاهداف السامية سندا حميما وباذلا سخيا.

عليكم أن تقنعوهم بالابتعاد عن الخوف من أمريكا وبالوقوف بوجه تعنّتها. وعليكم أن تفهموهم بأن الاسلام والقرآن هما الطريق الوحيد للانقاذ، ووجّهوهم الى ذلك الحصن المنيع، حصن «لا اله الا الله».

ويتحمل علماء الدين والمثقفون والخطباء والفنانون والطلبة والشباب في هذه المهمة الكبرى مسؤولية أجسم. والنساء لهن جنبا الى جنب مع الرجال نصيب في هذه المهمة… وهذا هو الذي يؤمّن استجابة دعاء ابراهيم الخليل عليه السلام بحقكم جميعا، ويربطكم بمنادي التوحيد الكبير برباط الهي.

في الخاتمة أوصي الحجاج المحترمين الايرانيين أن يغتنموا هذه الفرصة القيّمة أكثر اغتنام لتزكية النفس والارتباط باللَّه والتوبة والانابة اليه سبحانه وتحقيق الفلاح الروحي، وأن لايغفلوا لحظة واحدة عن الدعاء والتضرع والتفكير وتصفية الروح، وأن لايدعوا المظاهر المادية التافهة، التي يمكن أن يوجد نظائرها في كل مكان، تجتذب - لاسمح اللَّه - أعينهم وقلوبهم، وتسرق منهم عبثا هذه الايام والساعات الاستثنائية الخاصة بالمعنويات وكمال النفس وتربية الروح وتوثيق الارتباط بالاخوة المسلمين.

أسال اللَّه سبحانه أن يشملكم جميعا بفضله الواسع وبدعاء ولي العصر المهدي المنتظر أرواحنا فداه.

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

علي الحسيني الخامنئي

الأول من ذي الحجة الحرام ١٤١٢ه.

نداؤه الى حجاج بيت اللَّه الحرام‏

- ١٤١٣ه.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين. والصلاة على رسوله النبي الامين وعلى آله الميامين وأصحابه المنتجبين. والسلام على جميع عباد اللَّه الصالحين. قال اللّه الحكيم: «وإذ بوّأنا لإبراهيمَ مكان البيت أن لاتشرك بي شيئا وطهّر بيتي للطائفينَ والقائمينَ والركّع السجود» (٨٦).

شاءت الارادة الالهية النافذة أن تجمع المؤمنين مرة أخرى في منبثق التوحيد، ومشهد رحمة ربّ العالمين وفضله، وحول محور كعبة القلوب، وفي ساحة قبلة أرواح المسلمين في العالم، فتفوّق النداء الملكوتي: «وأذّنْ في الناس بالحج» (٨٧) على كل الفواصل الطبيعية منها والمفتعلة المفروضة بين الاخوة المسلمين، ودفع مجاميع القلوب النابضة بالايمان والحبّ والآمال المشتركة نحو مركز التوحيد ووحدة الامة. منذ سنوات طوال سعت يدُ الجهل والعناد الى أن تفصل الاسرة الاسلامية الكبرى عن جذورها العقائدية، وأن تفصم في نفس الوقت الاواصر والروابط الايمانية فيما بينها. ولكن فريضة الحج السنوية تؤدّي دورها في تغذية الاسرة العريقة الاصيلة بدرس التوحيد والوحدة… وفي كل سنة تتفتح أزاهير جديدة، تزيد عما مضى، مبشّرةً بعودة ربيع الايمان، والحياة في ظل الدين، والتآلف والتوادد بين المسلمين… ومحبطةً عمل الاعداء وما كانوا يأفكون. إنها لمعجزة الحج أن نرى الوشائج الفكرية والعاطفية والايمانية بين الشعوب المسلمة لمّا تنقطع أبدا وأنّ التفاعل بين هذه الشعوب يزداد باطّراد رغم كل النزاعات والصراعات التي تجابهت فيها مرارا حكومات المسلمين.

أسرارُ الحج ورموزه أكثر من أن يحتويها مقال، غير أن بينها ثلاث خصائص بارزة تستطيع كلُّ عين مستقصية أن تتعرّفها في أول نظرة:

فريضة جماعية

الاولى: أن الحجَّ هو الفريضة الوحيدة التي دعا رب العالمين الى أدائها جميع أفراد المسلمين - من استطاع اليه سبيلا - من جميع أرجاء العالم ومن خلوة البيوت ومحالّ العبادة، صوب نقطة واحدة، وفي أيام معلومات، ليربط بينهم في ألوان من السعي والحركة والسكون والقيام والقعود:

«ثم أفيضوا من حيثُ أفاضَ الناسُ واستغفروا اللَّه إن اللَّه غفور رحيم» (٨٨).

الثانية: أن الهدف الاسمى في هذا العمل الجماعي والعلني هو ذكر اللّه، أي العمل القلبي والنفسي:

«ويذكروا اسم اللَّه في أيام معلوماتٍ على مارزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير» (٨٩).

الثالثة: أنّ الحج يعرض على شاشته المضيئة البينة تصويرا كاملا لحياة الانسان الموحّد. وبعمل رمزي، يلقن المسلمين درس الحياة المتحركة الهادفة.

منذ ورود الميقات وحضور ساحة الاحرام والتلبية والتروك حتى الطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف في محشر عرفات والمشعر ومافيه من ذكر وتضرع وتعارف، وحتى وصول مِنى وأضحيتها ورمي جمارها والحلق فيها، ثم العودة الى الطواف والسعي… يتلقّى المسلم فيها جميعا دروسا واضحة بيّنة في الحركة الهادفة والجماعية والعارفة في ساحة التوحيد وعلى درب الحياة وحول محور «اللّه» سبحانه. الحياة في منهج الحج سير دائم بل صيرورة مستمرة نحو اللّه، والحج هو الدرس العمليّ الحيّ البنّاء الذي إن وعيناه يرسم لنا طريق حياتنا في صورة عملية مشرقة.

ميعاد جماعي ينعقد كلّ عام كي يتعلّم المسلمون في ذلك الجو المفعم بالوحدة والتفاهم، وفي ظلال الذكر الالهي، درب الحياة واتجاهها، ثم يعودون الى أصقاعهم وأهلهم. وفي الأعوام التالية تقدم مجموعات أخرى وتعود، وتتعلم وتتزود، وتتكلم وتعمل، وتسمع وتتدبّر، لتصل الامة جميعا في النهاية الى ما أراده اللَّه وعلّمه الدين…

يتطلّع الفرد المسلم الى ساحة حياة الامة الاسلامية بكل مافيها من عظمة تطلعا يتسامى على القوميات والعنصريات والقبليات والاقليميات، ويتطلّع الى أعماق وجوده، ويتلقّن طريق الحياة واتجاهها وأسلوبها على نحو يليق بكرامته، كل ذلك يفعله في ظل ذكر اللّه. وهذا هو ينبوع المعرفة الذي يغدق كل عام في موسم الحج بعطائه الفيّاض الأبدي على الجموع البشرية المحتشدة في حرم الامن الالهي. وكل من فتح وعاء ذهنه وقلبه فهو من زلال المعرفة هذا في ارتواء.

ثمة مساع بُذلت في الماضي وتبذل اليوم أيضا لإضفاء الطابع الفردي على فريضة الحج أي إن كل حاج يعكف على عبادته وتضرعه الى اللَّه سبحانه، وهناك أيضا من الغافلين من يرى الحج تجارة وسفر سياحة. الحجّ بخصائصه البارزة التي لاتحتويها مجتمعة أية فريضة اسلامية أخرى أسمى بكثير من هذا الفهم الضيّق وهذه النظرة القاتمة الخاطئة.

إحياء الحج الابراهيمي المحمدي

أكبر شخصية - في عصرنا - أماطت ستار الاوهام عن الحج وأوضحت أسراره لدى جمع عظيم من المسلمين على المستوى النظري والعملي إمامنا الراحل الكبير. فقد رفع نداء الحج الابراهيمي ودعا الخلق الى هذا الحج، وأبلغ أسماع الخافقين مرة أخرى دعوة: «وأذّن في الناس بالحج» (٩٠).

الحجّ الابراهيمي هو نفسه الحج المحمدي الذي تحتل فيه الحركةُ نحو التوحيد والاتحاد مكان الروح والصدارة في كل المناسك والشعائر.

إنه حج يفيض بالبركة والهداية على الامة الواحدة ويشكل دعامتها الاصيلة في حياتها ونهوضها… حجّ مفعم بالمنافع وطافح بذكر اللّه. حجّ تتحسس فيه الشعوب المسلمة بوجود الامة المحمدية الكبرى وبانتمائها الى هذه الامة، وتستشعر الشعوب روح الاخوة والتقارب بينها فتنجو من كل إحساس بالضعف والعجز والخور والهزيمة.

الحجُّ الابراهيمي هو الذي يتحرك المسلمون فيه من التفرقة الى التجمّع، ويطوفون حول الكعبة - مبنى التوحيد الخالد ورمز البراءة والنفرة من الشرك والوثنية - عن معرفة بمعناها الرمزي، ويصلون من ظاهر المناسك وهيكلها الى باطنها وروحها، ويتزوّدون منها لحياتهم وحياة أمة الاسلام.

وها أنا ذا أغتنم فرصة التدبّر في مناسك الحج، مؤملا رحمة اللَّه وهدايته؛ داعيا لكم أيها الاخوة والاخوات من جميع أرجاء العالم الاسلامي، أن يكون حجّكم مقبولا معطاءً، مذكرا إياكم بأمور يعود الانتباه اليها بالنفع على كل أفراد المسلمين:

التوحيد أولا

١ - الموضوع الاول يرتبط بالتوحيد الذي يشكل روح الحج الاساسية ومضمون كثير من أعماله ومناسكه. التوحيد بمفهومه القرآني العميق يعني التوجه والحركة نحو اللَّه ورفض الاصنام والقوى الشيطانية.

أخطر هذه القوى في داخل وجود الكائن البشري هي النفس الامّارة والاهواء المضللة الدنيئة. وعلى ساحة المجتمع والعالم هي تلك القوى الاستكبارية المشاغبة المفسدة المسيطرة اليوم على حياة المسلمين والمهيمنة بسياستها على جسم وروح كثير من الشعوب الاسلامية بأساليبها الشيطانية. شعيرة البراءة في الحج إنما هي إعلان البراءة من هذه القوى.

كل عين بصيرة ونظرة معتَبِرة تستطيع أن تشاهد في حياة المجتمعات الاسلامية مظاهر تسلط تلك القوى أو سعيها للسيطرة على البلدان الاسلامية. في بعض هذه البلدان تخضع السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية والمواقف تجاه حوادث العالم لتأثير القوى السلطوية وعلى رأسها أمريكا وتتماشى معها.

استشراء الفساد وإسباغُ الصفة الرسمية على الفحشاء والمحرمات الشرعية في كثير من هذه البلدان إنما هو بتأثير ما تمارسه تلك القوى من سياسات شيطانية.

الواجب الذي يفرضه الحج ومناسكه وشعائره التوحيدية على المسلم الحاج هو إعلان البراءة من هذه كلها. وهذه أول خطوة على طريق تجسيد الارادة الاسلامية في دحر هذه الظاهرة الشيطانية وإحلال حاكمية الاسلام والتوحيد في جميع المجتمعات الاسلاميّة.

الوحدة ثانيا

٢ - والموضوع التالي يرتبط باتحاد المسلمين وتوحدهم، وهو مايشكل مضموناً بارزا آخر في مناسك الحج. منذ أن دخل الاستعمار الاوربي في البلدان الاسلامية كانت التفرقة بين المسلمين من المبادئ الحتمية في سياسة المستعمرين… متوسّلين بسلاح الطائفية تارة وبالنعرات الاقليمية والقومية تارة، وبغيرها أحيانا. ومع كل نداءات المصلحين ودعاة الوحدة، فإن مِدية الاعداء هذه لاتزال تنزل بجسد الامة الاسلامية مع الاسف ضرباتٍ وجراحات.

إثارة الاختلافات بين الشيعة والسنّة، والعرب والعجم، والآسيويين والافارقة، وتضخيم القوميات العربية والطورانية والفارسية - وإن ابتدأت على يد الاجانب - فهي اليوم تستمر مع الاسف على يد أفراد من بيننا، يعبّدون طريق العدو عن سوء فهم أوعن عمالة للأجانب.

هذا الانحراف يبلغ من الفظاعة أحيانا أن تنفق بعض حكومات المسلمين أموالا للتفريق بين المذاهب الاسلامية أو الشعوب والاقوام المسلمة، أو أن يعلن بعض أنصاف العلماء بصراحة فتوى تكفير بعض الفرق الاسلامية ذات الماضي الوضي‏ء في التاريخ الاسلامي. يجدر بالشعوب المسلمة أن تتعرّف على الدوافع الخبيثة لهذه الاعمال، وأن ترى الايدي التي وراءها… يد الشيطان الاكبر وأيدي أذنابه، وأن تتصدى لفضح الخائنين.

خذوا حذركم

٣ - المسألة الهامة التي تستحق أن يتفهمها المسلمون وأن يستشعروا مسؤولية مواجهتها أيضا هي ما يشهده العالم اليوم في جميع أرجائه تقريبا من هجمة تآمرية تشنها القوى الاستكبارية على الاسلام والمسلمين. هذه الهجمة - وإن لم تكن بجديدة وكان لها جذور معروفة في تاريخ الاستعمار الاوربي - قد لا يكون لها نظير في أساليبها المتنوعة، وصراحتها، وقسوتها الفظيعة، بل هي من ظواهر هذا العصر. لو ألقينا نظرة على الاوضاع الراهنة للعالم الاسلامي لتبيّن لنا سبب هذه الظاهرة، أعني ظاهرة تصاعد الهجمة على الاسلام وصراحة الهجوم، والسبب ليس إلا يقظة المسلمين.

في الواقع أن المسلمين في العقد الاخير أو العقدين الاخيرين بدأوا بنهضة حقيقية عميقة في شرق العالم الاسلامي وغربه، بل حتى في البلاد غير الاسلامية وأجدر أن نسميها نهضة «تجديد حياة الاسلام».

هاهو ذا جيل الشباب المتعلم المتحلّي بمعارف العصر لم ينس إسلامه كما كان يتوقع المستعمرون بالامس والمستكبرون اليوم، بل بالعكس من ذلك اتجه الى الاسلام بإيمان متوقّد، مستفيدا من تطور المعارف البشرية ليصبح أكثر نضجا وعمقا، باحثا عن ضالته في هذا الدين.

قيام الجمهورية الاسلامية في إيران، وازديادها باستمرار استقرارا وثباتا واقتدارا يمثل قمة هذه النهضة الفتية العريقة، وكان له بنفسه أكبر الدور في توسيع نطاق صحوة المسلمين.

حرب واسعة ضد الصحوة الاسلامية

هذا هو الذي يدفع بجبهة الاستكبار العالمية، التي كانت تتحاشى أن تتظاهر بمحاربة عقائد الشعوب ومقدساتها، الى أن تعلن الحرب على الاسلام، بكل السبل الممكنة، بل وبالقسوة والفظاظة أحيانا.

في أمريكا والبلدان الاوربية نرى رؤساء وسياسيين كبارا عديدين صرّحوا أكثر من مرّة بأن اتساع الايمان الاسلامي يشكل خطرا كبيرا وأكدوا على ضرورة محاربته. كلما ازداد اتجاه عامة الشباب المسلم الى الايمان والعلم الاسلامي اتساعا ازدادت هذه التصريحات الدالة على الاضطراب والعداء وضوحا، وبلغ الامر أن رؤساء وساسة بعض البلدان الاسلامية، الذين كانوا يخفون دائما عنادهم للاسلام تحت غطاء من النفاق، هم أيضا قد احتذوا بأسيادهم الامريكان والاوربيين، فراحوا يتحدثون علنا وصراحة عن خطر الاسلام، وخطر الايمان المقدس للشعب الذي يحكمونه.

محاربة الصحوة الاسلامية على الصعيد العالمي لها أشكال عديدة:

في الجزائر تُدلي الاكثرية الساحقة من الجماهير في انتخابات حرة وديمقراطية تماما برأيها لصالح الجبهة الاسلامية فيأتي انقلاب فظّ يُلغي الانتخابات ويلقي المنتخبين في السجون ويقمع الجماهير. وعندها تتنفس القوى المستكبرة الامريكية والاوربية الصعداء، معلنة دعمها الكامل للانقلابيين مصرّحة بدورها التآمري.

في السودان تصل الجماعات الاسلامية بدعم الجماهير الى سدة الحكم، فيبدأ الغرب بألوان الاستفزاز مهددا هذا البلد من داخل حدوده وخارجها باستمرار.

وفي فلسطين ولبنان يقمع الفلسطينيون المسلمون على يد الصهاينة الغاصبين بأبشع وجه، وينزل بهم أشد ألوان العذاب، وفي الوقت ذاته تُغدِق أمريكا مساعداتها على القتلة الوحشيين الجلادين وتتهم أولئك المسلمين المظلومين أو مدافعيهم اللبنانيين بأنهم إرهابيون.

في جنوب العراق حيث انتهج قطاع كبير من الشعب العراقي الجهاد ضد النظام البعثي بدوافع وشعارات إسلامية، يتعرض من قبل ذلك النظام لأبشع هجوم. والدوائر الامريكية والغربية التي بيّنت بوضوح دوافعها في اتخاذ موقف مقتدر تجاه صدام في قضايا أخرى، تظهر هنا ساكتة سكوتا ينمّ عن الرضا والتشجيع.

وفي كشمير والهند، يعتدى الهندوس عن تعصّب أعمى جاهل وبالاستفادة من تجاهل الحكومة وأحيانا مساعدتها، على أعراض المسلمين وأرواحهم ومقدساتهم فلا يرون من أمريكا والغرب إلّا عدم الاكتراث وابتسامة اللامبالاة.

في مصر يتعرض طلائع المثقفين المسلمين لمطاردة وحشية حاقدة من قبل النظام الفاسد، العديم الكفاءة، الحاكم في ذلك البلد، والحكومة الذيلية الحقيرة المسيطرة على ذلك البلد الكبير تحظى بتشجيع أمريكي على الصعيدين المالي والامني.

وفي طاجيكستان تتعرض أكثرية الجماهير المسلمة المتطلعة الى حياة إسلامية لقمع حثالات النظام الشيوعي بشدّة، فيتشرّد جمع غفير منهم من بيته ومأواه، والغرب بكل هواجسه من عودة الشيوعيين في الاتحاد السوفيتي السابق، يقف مقارنا بين الاسلام والشيوعية، ويتخذ علنا جانب أعداء الاسلام.

في أمريكا وأوربا يتعرض المسلمون والجماعات الاسلامية للاهانات والتهم، وتحظر في مواضع مظاهر الالتزام الاسلامي كحجاب النساء. ويُهان الاسلام إهانة سافرة في قالب كتاب محظور، وبقلم كاتب مهدور الدم، ثم يتلقّى دعما علنيا من زعماء الانظمة الاوربية، بل ويعمد النظام البريطاني متمثلا في زعيمه السي‏ء السمعة ذي الملف الاسود الى الاجتماع بذلك الكاتب الاجير التافه.

وأفظعُ من ذلك كلّه مأساة إبادة المسلمين في البوسنة، بشكل لم يسبق له نظير. أكثر من عام والصرب العنصريون - وبالتعاون مع الكرواتيين أخيرا - يرتكبون أبشع وأفظع ألوان القتل والظلم والقسوة بحق المسلمين، وهم أصحاب البوسنة والهرسك الاصليون، والغرب وأمريكا لم يمدّوا اليهم يدّ المساعدة، ولم يحولوا دون جرائم الصرب، وليس هذا فحسب، بل إنهم بالاستفادة من إمكانات مجلس الامن يحولون دون وصول السلاح الى المسلمين المظلومين، ثم أطبقوا عليهم الحصار بإرسال قوات الامم المتحدة.

على المسلمين اليوم وفي المستقبل أن يعلموا أنّ أمريكا والدول الاوربية الكبرى مقصّرة ومسؤولة مباشرة في مأساة البوسنة. فيما مضى من عام من المذابح اُطلق ركام من الكلام الفارغ وأُعطيت الوعود الكاذبة، ولكن لم ينقذوا حياةَ واحدٍ من هذه الآلاف التي قُتلت ظلما من أهل تلك الديار، وأكثر من ذلك فقد منعوا من أن يتزوّد هؤلاء بقدرة على الدفاع.

هذه صورة مقتضبة عن عداء الغرب وأمريكا للاسلام والمسلمين في عصرنا. لا الاستعطاف ولا الاستسلام ولا المحادثات ولا أيّ طريق من الطرق التي يقترحها البعض عن بساطة على المسلمين تستطيع أن تعالج الداء وتنقذ المسلمين. العلاج يكمن في شي‏ء واحد دون غيره: اتحاد المسلمين، والتمسك بالاسلام وقيمه ومبادئه، والمقاومة أمام الضغوط، وتضييق الساحة - في المدى البعيد - على الاعداء.

والعالم الاسلامي اليوم ينظر بعين الامل الى الشباب الغيارى المعبئين في جميع أرجاء العالم الاسلامي ليدافعوا عن كيان الاسلام ويؤدوا دورهم التاريخي.

تصاعد الصحوة

٤ - المسالة الهامة الاخرى التي يقتضي التأكيد عليها، هي أن الاستكبار بكل تدابيره الشيطانية وبكل ماتوسل به من قوة وألاعيب سياسية ودعاوات كاذبة لم يستطع، ولن يستطيع أبدا، أن يصدّ تيار الصحوة الاسلامية المتنامي وحركة التوجه الى الاسلام. ما بذلته أمريكا وبقية الدول المستكبرة وعملاؤها المحليون من نشاط في مختلف الجوانب السياسية والامنية وأكثر من ذلك الاعلامية، ضد النهضة الاسلامية في البلدان المختلفة، ومن ذلك ضد النظام المقدس في الجمهورية الاسلامية في إيران، خلال الاعوام الاخيرة، كان واسعاً جداً ولم يسبق له نظير. وفي هذا الخضمّ أدّى النظام الصهيوني، كذيل أمريكا في المنطقة، دوره كما كان متوقعا على أدنى مستويات الرذالة والخباثة. المحاسبات المادية العادية تقتضي أن تضعف النهضة الاسلامية في البلدان الاسلامية أو تقتلع من جذورها نتيجة هذه المساعي الواسعة المبذولة بدافع استكباري وعن غضب وعناد. ولكن الامر على العكس من ذلك تماماً، فالكل يشهد أن هذه النهضة تزداد سعة وعمقاً باستمرار. يمكن ذكر أسماء العديد من البلدان الاسلامية التي لوجرت فيها انتخابات الآن كالتي جرت قبل عامين في الجزائر فإن الاحزاب أو العاملين الاسلاميين فيها

سينالون أكثرية آراء الجماهير، مع أن نشاط الجماعات الاسلامية محظور سياسيا وإعلاميا في أكثر هذه البلدان.

في هذه السنوات بالذات نرى داخل الارض الفلسطينية المغتصبة تصاعد نضال الجماهير بشعارات إسلامية ومن مراكز المساجد، وهو يضيّق الخناق على الصهاينة.

في هذه السنوات بالذات نرى الجماعات المناضلة الاسلامية في لبنان تحقق نجاحا باهرا حتى في الانتخابات البرلمانية وكسب المواقع الشعبية.

وفي هذه الفترة الزمنية ذاتها نرى الجمهورية الاسلامية، التي كان يتوقع بعض عن سذاجة أنها تصل الى طريق مسدود أو تتراجع عن مبادئها وأهدافها، تحث الخطى بسرعة أكثر من المتوقع الى الامام مع الاصرار على الالتزام بمبادئها الثورية.

أتقدم الى كل الاخوة والاخوات من أبناء الامة الاسلامية في كل مكان مؤكدا أن خطة العدو الكبرى تقتضي بثَّ اليأس وزرع التشاؤم بينكم تجاه المستقبل. ويكفي أن لا يدع أي مسلم واع لليأس طريقا الى قلبه. لاشي‏ء يسمح لنا بالركون الى اليأس. لوأن العدوّ كان قادراً على إبادة هذه الحركة الالهية لاستطاع على الاقل أن يحول دون تناميها. وكلكم ترون أنه لم يستطع ذلك. السنن الالهية والحقائق الملموسة الخارجية تبشر بغد مشرق للنهضة الاسلامية الحديثة. والقرآن يكرر مرارا: «والعاقبة للمتقين» (٩١).

الهجوم الإعلامي

٥ - الاعلام الحديث ذو التغطية العالمية، هو دون شك أمضى أسلحة الاستكبار. عدد مراكز البثّ الصوتي والتصويري والصحفي التي تكرّس أكثر جهدها لمعاداة الاسلام كثير، ويزداد باطّراد. ثَمّ خبراء أجراء منهمكون فقط في تدبيج التعليقات والاخبار والتحليلات من أجل تضليل أذهان مستمعيهم وإعطاء صورة محرفة ممسوخة عن النهضة الاسلامية والشخصيات الاسلامية الكبرى.

والجمهورية الاسلامية خلال الاعوام التي تلت انتصار الثورة الاسلامية حتى يومنا هذا تواجه باستمرار وبشكل متزايد مثل هذه الاعلام المعادي.

ولابد من القول إن هذه الخطة التي اختطها العدوّ مقابل الحركة الاسلامية الاصيلة المنطلقة من الفطرة والحاجة الانسانيّة لم تحظَ بكثير من النجاح ولم تحقق ما استهدفه العدوّ. ولا أدلّ على ذلك من تنامي أمواج الدعوة الثورية التي أطلقها الامام الراحل العظيم في أرجاء العالم الاسلامي، وانتشار فكره واسمه وتعاليمه وشخصيته في شرق العالم وغربه، رغم كل الاعلام الكاذب والقول الباطل الذي أُطلق ونُشر للاساءة الى هذا الرجل الذي نهج بشخصيته السامية طريق الانبياء.

ومع هذا لابد من الاذعان الى أن العامل الهام في حفظ سلامة الشعوب المسلمة وسداد فكرها هو ما ينهض به العلماء والمثقفون والكتاب والفنانون والشباب العامل والواعي من نشاط في حقل التوعية. وفي هذا المجال يتحمل الجميع وخاصة علماء الدين الملتزمين مسؤوليات كبرى.

العدو بعد انتصار الثورة الاسلامية في إيران حتى اليوم ألقى قائمة من الاتهامات على إيران الاسلام، ونرى توجيه نفس هذه التهم اليوم لكل النهضات الاسلامية في جميع بقاع العالم… تهمة التعصب والجمود الفكري التي يطلقون عليها اسم «الاصولية» … تهمة الارهاب… تهمة نقض حقوق الانسان… تهمة معاداة الديمقراطية… تهمة إهمال حقوق المرأة… تهمة معاداة السلام والنزوع الى الحرب… وقليل من الانصاف يكفي لأن يتضح لكل شخص كذب هذه التهم ووقاحة من يطلقها.

إيران الاسلام تُتهم بمعارضة الديمقراطية بينما هي بدأت بأول استفتاء شعبيّ بعد خمسين يوما من انتصار الثورة الاسلامية. وخلال أربعة عشر شهرا بعد ذلك التاريخ أجرت استفتاءين شعبيين عامّين اختار الشعب في أحدهما الجمهورية الاسلامية نظاما سياسيا لبلده، وفي الثاني صوّت للدستور، كما جرت ثلاثة انتخابات، انتخب الشعب فيها على الترتيب أعضاء مجلس الخبراء لتدوين الدستور، ورئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشورى الاسلامي. والانتخابات الحرة تجري حتى اليوم باستمرار باشتراك حماسي جماهيري لتعيين رئيس الجمهورية وأعضاء المجلس في الموعد القانوني المقرر.

وتهمة الارهاب يطلقها على إيران الاسلام من تنال منهم الحكومة الارهابية الصهيونية أكثر الدعم، ومن احتضنوا في كنف حمايتهم المجموعات الارهابيةالايرانية المعادية للثورة، ومن عمد أجراؤهم داخل إيران الاسلام مئات المرات الى تفجير القنابل وقتل الآلاف من المدنيين والعناصر الثورية والرجال والنساء والاطفال الابرياء.

معادة السلام ينسبها الى الجمهورية الاسلامية من فرضوا على إيران ثمانية أعوام من الحرب بتشجيعهم النظام العراقي ودفعه، مغدقين على ذلك النظام، الذي كان نظامهم المحبوب بسبب هجومه على إيران الاسلام، ألوان الدعم والمساعدات.

تهمة غمط حقوق المرأة يطلقها من لايستسيغ أن يرى مكانة المرأة الايرانية السامية، حيث تشارك في أرقى نشاطات البلد مع حفظ حجابها وحدّها الشرعي، ويرون أن الوصفة المطلوبة لحياة المرأة الاجتماعية تنحصر في الابتذال المهيمن على علاقة المرأة والرجل والاستثمار البشع للمرأة في المجتمعات الغربية.

تهمة نقض حقوق الانسان تطلقها على إيران أنظمة ترتكب أفظع الانتهاكات وأكبرها بشأن حقوق الانسان أو تمهّد لارتكابها.

هل نقضت حقوق الانسان في العالم الحديث كما نُقضت في البوسنة؟ أليس نقض حقوق شعب بكامله مثل الشعب الفلسطيني نقضا لحقوق الانسان؟ التهجير الجماعي لأكثر من أربعمائة مواطن فلسطيني من أرضهم وبيتهم ووطنهم أمام مرأى ومسمع العالم الذي يدعي الدفاع عن حقوق الانسان، كيف اعتبر قضية يمكن غض الطرف عنها؟ . إسقاط طائرة مدنية إيرانية بيد أمريكا في سماء الخليج الفارسي، ظلم السود الامريكيين، دعم الانقلاب العسكري في الجزائر، دعم النظام المصري الفاسد، الاحراق الجماعي لمجموعة من المواطنين الامريكيين. أليست هذه وأمثالها استهانة بحرمة الانسانية ونقض حقوقها؟ هل هذه الحكومات التي تنتهك حقوق الانسان صراحة أو تنظر الى المنتهكين ببرود ولا مبالاة بل بعين الرضا والتشجيع أحيانا هي مستاءة حقا مما تدعي أنه نقض لحقوق الانسان في إيران الاسلام؟ . الحقيقة أن هؤلاء الذين يطلقون التهم، ومن متزعميهم أمريكا التي افتعلت أخيرا ضجة جديدة مستندة الى هذا السلاح الاعلامي البالي، يعلمون جيدا أنهم يطلقون كلامهم جزافا. إن الذي لايستسيغونه من الجمهورية الاسلامية ليس هذا، بل هو شي‏ء آخر تقتضي مصلحتهم السياسية أن لايعلنوه صراحة، وإن كانت تصريحات منظّريهم وكتّابه

م تنم لدى التدقيق عن ذلك.

سبب السخط الامريكي

في نظام الجمهورية الاسلامية مايثير سخط أمريكا وكل مستكبر آخر هو:

الاول - عدم انفصال الدين عن السياسة والاساس الاسلامي لنظام الجمهورية الاسلامية.

الثاني - الاستقلال السياسي لهذا النظام، أي عدم استسلامه أمام التعنّت المعروف لدى القوى الكبرى.

الثالث - إعلان طريق مشخّص لحل مسألة فلسطين من قبل الجمهورية الاسلامية يتمثل في انحلال النظام الصهيوني الغاصب وإقامة دولة فلسطين من الفلسطينيين أنفسهم والتعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين واليهود في فلسطين.

الرابع - الدعم المعنوي والسياسي لكل النهضات الاسلامية وإدانة كل إساءة الى المسلمين في أية بقعة من العالم.

الخامس - الدفاع عن كرامة الاسلام والقرآن والنبي الاعظم‏صلى الله عليه وآله وسائر الانبياء ومواجهة مؤامرة نشر الاهانة بهذه المقدسات نظير ما حدث بشأن كاتب الآيات الشيطانية المهدورالدم.

السادس - السعي لاتحاد الامة الاسلامية وإقامة التعاون السياسي والاقتصادي بين الحكومات والبلدان الاسلامية، والتحرك على طريق ترسيخ اقتدار الشعوب المسلمة في إطار «الامة الاسلامية الكبرى».

السابع - رفضُ الثقافة الغربية المفروضة التي تسعى الحكومات الغربية عن تعصّب وضيق نظر الى إجبار كل شعوب العالم على قبولها، والاصرارُ على إحياء الثقافة الاسلامية في البلدان الاسلامية.

الثامن - مكافحة الفساد والتحلل الجنسي الذي اعترفت بعض البلدان الغربية وخاصة أمريكا وبريطانيا أخيرا رسمياً بأبشع ألوان انحرافه بكل وقاحة أو هي عازمة على هذا الاعتراف، والوقوف بوجه خطط الغرب القديمة الرامية الى نشر أشكال هذا الفساد في البلدان الاسلامية.

هذه هي التي تدفع أمريكا وبطانتها الى عداء حاقد للجمهورية الاسلامية.

من الواضح أن هؤلاء لو أعلنوا صراحة سبب عدائهم، وكشفوا عن قائمة أسباب أحقادهم لزادوا من علوّ مكانة الجمهورية الاسلامية في أنظار الشعوب الاسلامية التي تعشق هذه المبادئ. ومن هنا فإن هؤلاء في إعلامهم يتهمون إيران من جهة بأنها إرهابية وأمثال ذلك، ومن جهة أخرى يوحون في تحليلاتهم الكاذبة وأخبارهم المختلقة بأن الجمهورية الاسلامية وكأنّها قد تخلت عن مبادئها واستسلمت لإرادة الاعداء.

هاتان الفريتان كلتاهما ناشئتان عن طبيعة الاستكبار الماكرة. مبادئ الجمهوررية الاسلامية التي هي ذاتها طريق الامام والمبادئ الاسلامية نافذة في إيران الاسلام رغم أنف الاعداء، وتشكل أساس حياتنا السياسية والاجتماعية. حكومة إيران وشعبها حققوا إقامة الحياة في ظل الاسلام الخالص المحمدي‏صلى الله عليه وآله بالتضحية وبذل أعزّ الارواح، وسوف لايتخلون عنها في أي ظرف من الظروف. ومبادئ الامام الخميني - رضوان اللَّه تعالى عليه - وعلى رأسها مبدأ عدم انفصال الدين عن السياسة والمقاومة أمام الضغوط المادية الحديثة لعزل الاسلام والقرآن سوف تبقى - بإذن اللَّه - الاصول النابضة بالحياة المستمرة في الجمهورية الاسلامية.

اغتنام فرصة الحج‏

٦ - في الخاتمة أتقدم بتوصية الحجاج الاعزاء أن يغتنموا فرصة الحج أكثر مايمكن للتعرف على إخوتهم المسلمين وأوضاع العالم الاسلامي من خلال أقوال المسلمين وأفعالهم، وأن يتبادلوا التجارب والآمال والمنجزات والمهارات، وأن يقرّبوا حجّهم أكثر فأكثر من الحج الذي أراده الاسلام. وأوصي إخواني وأخواتي من الايرانيين الاعزاء أن يكونوا بلسانهم وعملهم دعاة ورسل ثورتهم العظمى وبلدهم الكبير وشعبهم المقدام الى إخوتهم من أبناء البلدان الاخرى. أوصيهم أن يغتنموا ويستثمروا فرصة المجاورة القصيرة لبيت اللَّه وحرم النبي الاعظم صلى الله عليه وآله ومواقف الحج القيّمة وأرض الحجاز المليئة بالذكريات لإحياء قلوبهم بذكر اللَّه ولتوثيق ارتباطهم المعنوي برسول اللَّه صلى الله عليه وآله وعترته الاطهارعليهم السلام وخاصة التوجه والتوسل بحضرة ولي اللَّه الاعظم الذي يشمل فيض حضوره المقدس في موسم الحج دون شك القلوبَ العامرة بالمعرفة، وللأنس بالقرآن وتدبّر آياته البيّنات، والدعاء والتضرع والتوسل وهو ما يقرّب الفرد من اللَّه سبحانه. وليدعوا اللّه سبحانه أن يزيل مشاكل المسلمين ويزيد في قوة وعزة الاسلام والجمهورية الاسلامية، ويعلي درجات روح الامام الراحل

وأرواح الشهداء الابرار.

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

علي الحسيني الخامنئي

الرابع والعشرين من ذي القعدة ١٤١٣ه.

نداؤه الى حجاج بيت اللَّه الحرام‏

= ١٤١٤ه.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على رسوله الكريم الامين وعلى آله الميامين وأصحابه المخلصين والسلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين.

«وأذِّن فى النَّاسِ بالحَجِّ يأتُوكَ رِجالا وعلى كلِّ ضامِرٍ يأتينَ من كُلِّ فَجٍّ عَميق» (٩٢).

أقبل شهر ذي الحجة الحرام بكل ما يحمله من عطاء أبدي ثَرٍّ للامة الاسلامية.

حمداً للَّه سبحانه على ما أنعم به من هدية خالدة وينبوع دفاق يستطيع المسلمون أن يتزوّدوا منهما كل سنة بقدر همّتهم وبقدر معرفتهم.

المصالح والمنافع التي أودعها العلم الالهي والحكمة الالهية في فريضة الحج تبلغ من السعة والتنوع بحيث لا يُرى لها شبيه في فريضة إسلامية أخرى. الذكر والحضور المعنوي، ووعي الانسان المسلم على نفسه في خلوته مع اللّه، وغسل القلب من صدأ الذنب والغفلة، وإحساس الحضور في المجموع، واستشعار وحدة كل مسلم مع جميع الامة المسلمة، وتحسّس القدرة المنبثقة عن عظمة جماعة المسلمين، وسعي كل فرد لأن يبرأ من أسقامه وأمراضه المعنوية أي الذنوب، ثم البحث والسعي لمعرفة مايعاني منه جسد الامة المسلمة من آلام وجراحات عميقة ومعرفة دوائها وعلاجها، ومواساة الشعوب المسلمة التي تشكل أعضاء هذا الجسد العظيم… كل ذلك جميعا قد أودع في الحج… في تركيب أعماله ومناسكه المختلفة.

معنى الشعائر

القرآن يطلق على أعمال الحج اسم «الشعائر». وهذا يعني أنها لا تنحصر في أعمال فردية وتكاليف شخصية، بل إنها معالم تثير شعور الانسان وتفتح معرفته على ماترمز له تلك المعالم وتدل عليه. ووراء هذه المعالم يقف التوحيد أي رفض كل القوى التي تهيمن بشكل من الأشكال على جسم الانسان وروحه، وترسيخ الحاكمية الالهية المطلقة على كل الوجود وبعبارة واضحة ومألوفة: حاكمية النظام الاسلامي والقوانين الاسلامية على الحياة الفردية والاجتماعية للمسلمين.

معنى الاوثان

في آيات الحج نرى القرآن يدعو الجميع الى البراءة من أوثان المشركين: «فاجتنبو الرجس من الاوثان…. » (٩٣).

وهذه الاوثان قد تكون يوما تلك الاوثان المنتصبة في الكعبة، لكنها اليوم ودائما دون شك تلك القوى التي تمسك - دون حق - بزمام الحاكمية على نظام حياة البشر، وتتجلى اليوم بوضوح أكثر في قدرة الاستكبار وقدرة أمريكا الشيطانية وقدرة ثقافة الغرب والفساد والتحلل المفروض على البلدان والشعوب المسلمة. واضح أن المتعالمين من أذناب الحكومات المهزوزة ومأجوريها سيصرّون على أن الاوثان ليست إلا «منات» و «لات» و «هبل»، هي نفس الاوثان التي سُحقت وحُطمت تحت أقدام جيش رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في الفتح الاسلامي الظافر.

افراغ الحج من محتواه الحياتي

هدف وعاظ السلاطين هؤلاء أن يفرغوا الحج - كما يصرحون هم أنفسهم بذلك - من أي محتوى سياسي…. غافلين أن نفس هذا التجمع المليوني الاسلامي من كل حدب وصوب في بقعة معينة وفي زمان معين ينطوي بنفسه على أكبر مضمون سياسي، إنه استعراض للأمة الاسلامية، تذوب فيه الاختلافات العنصرية واللغوية والجغرافية والتاريخية وينبثق من الجميع «كلّ» واحد.

هؤلاء وأسيادهم يلفّقون كل ألوان الأكاذيب والخداع والأباطيل من أجل أن لايعي المسلمون حقيقة هذا التجمع الكبير وأن لا يستشعروا الروح الجماعية فيه… ولكي يضيّقوا الساحة على الداعين الى الوحدة والمنادين بالبراءة من أئمة الشرك.

إيران الاسلام أرادت أن تنهض بالقليل المقدور ممّا يتناسب مع موضوع الحج وهو: دعوة المسلمين الى الاتحاد وتبادل الاخبار بين الشعوب وإعلان النفرة والبراءة من أئمة الشرك والفساد. وكل من يجابه هذه الاهداف السامية القيّمة فهو مهما قال فقد قال زورا. والقرآن يقول: «واجتنبوا قول الزور» (٩٤).

معنى قول الزور

«قول الزور» هو ذلك الحديث الباطل الذي يسي‏ءُ الى الجمهورية الاسلامية، لأن الجمهورية الاسلامية رفضت حاكمية دولة الصهاينة على فلسطين الاسلامية، وردّت كل تسوية يقوم بها حفنة من الفاسدين المطرودين مع الغاصبين، وأدانت التدخل الامريكي الاستيلائي في البلدان العربية، واستنكرت خيانة بعض حكام العالم الاسلامي لشعوبهم المسلمة إرضاء لأمريكا والصهيونية، ودعت المسلمين الى معرفة قوتهم الكبرى التي لاتقوى أية قوة كبرى اليوم أن تقف بوجهها، وقررت أن المعرفة الاسلامية وأحكام الشريعة قادرة على إدارة البلدان الاسلامية، وحذّرت من غارة الثقافة الغربية على البلدان الاسلامية متمثلة في التعري والسكر وزلزلة الايمان… وبعبارة موجزة أصرت على اتّباع القرآن.

واليوم، فإن أي بلد من البلدان الاسلامية يعلن صراحة مثل هذه المتبنيات والمواقف، أي يرفض إسرائيل الغاصبة ويرفض التدخل الامريكي المتغطرس، ويرفض الانغماس في الخمور والتحلل والفساد الجنسي والاختلاط، ويرفض اختلاط الجنسين، ويرفض خيانة المداهنين مع الصهاينة، ويدعو المسلمين الى الوحدة والمقاومة أمام القوى الكبرى والى تطبيق الاحكام الاسلامية في الحكم والاقتصاد والسياسة وغيرها من مجالات الحياة… أي بلد يفعل ذلك سيتعرض لنفس الاعلام المعادي الموجه اليوم ضد إيران الاسلام، وستمتلئ الدنيا بنفس هذه التهم والسباب والشتائم ضد ذلك البلد وزعمائه، ووكالات الانباء الاستكبارية والصهيونية وإذاعات أمريكا وبريطانيا ومن لفّ لفّها ستوجّه اليه نفس هذا التطبيل والتزمير. وهذا هو قول الزور الذي قرنه اللَّه سبحانه بالشرك.

ومن المدهش أن وعاظ السلاطين أيضا في بعض مناطق العالم يحذون في هذا العمل الحرام المعادي للاسلام حذو الابواق الامريكية والصهيونية. طبعا الاستسلام المطلق أمام حكام الجور الذي ابتُلي به مع الأسف رجال الدين في بعض البلدان المسلمة لايدع مجالا للدهشة والتعجب.

ها هو ذا الحج ماثل أمامكم، ولابد أن يعم عطاء هذه النعمة الالهية الكبرى كل أبناء الامة الاسلامية فاللَّه سبحانه قال:

«جعل اللَّه الكعبة البيتَ الحرام قياما للناس» (٩٥).

أوضاع المسلمين

دين المسلمين اليوم معرض للخطر بسبب الغزو الثقافي العدواني وإشاعة الفساد والظلم وزلزلة الايمان والتحلل بين المجتمعات الاسلامية على يد القوى المعادية للاسلام وبمساعدة وسائل إعلامهم. ودنياهم في غمّة بسبب السيطرة الاستكبارية المتزايدة على شؤون البلدان الاسلامية، وبسبب مايوجهه المستكبرون من ضغط مضاعف وعدوان مضاعف على كل حكومة أو مجموعة تستهدف دفع أفكار الامة نحو إقامة حاكمية الاسلام بالمعنى الحقيقي، ونحو استقلال الشعوب المسلمة واقتدارها… ورأس هذا الهجوم الشامل على الاسلام طبعا الشيطان الاكبر أي حكومة الولايات المتحدة الامريكية. كل عين بصيرة تستطيع أن ترى يد هذه الحكومة المعادية للاسلام أو إرادتها وراء مايحل بالاسلام والمسلمين من مصائب.

في فلسطين‏

في فلسطين المحتلة تشكل أمريكا العامل الاساس في تعنّت الصهاينة وصلفهم وتشكل أهم عامل لدفع الحكومات العربية نحو المزيد من التنازل أمام الاهداف التوسعية الاسرائيلية. بدون حماية أمريكا لاتستطيع الحكومات الرجعية المعروفة بعمالتها لأمريكا في المنطقة أن تجرأ على الدفاع عن الدولة الغاصبة ثم هي في الوقت نفسه تتحول الى متحدث باسم الشعب الفلسطيني الرافض للاستسلام. بدون حماية أمريكا لايستطيع أولئك الذين يفرض عليهم الواجب الاسلامي مجابهة إسرائيل أن يجنّدوا أنفسهم لمحاربة أعداء إسرائيل… وبدون حماية أمريكا المطلقة ماكانت الحكومة الغاصبة تجرأ على ارتكاب مأساة كبرى مثل مذبحة الحرم الابراهيمي ثم تتنصل بكل سهولة من عواقبها.

في البوسنة والهرسك

مثل هذا الامر يصدق أيضا بشأن مسلمي البوسنة والهرسك. المجزرة التاريخية الرهيبة التي تعرض لها أهالي كوراجده وساراييفو بواسطة أمريكا… المجزرة التي تعتبر بحق وصمة عارفي جبين البشرية المعاصرة… تقع مسؤوليتها الثقيلة على عاتق القوى العالمية المسيطرة خاصة أمريكا.

لولا تدخل هذه القوى وتخطيطها لما حُرِمَ ومُنِع مسلمو البوسنة من الحصول على أية أسلحة أمام الصرب المسلحين المدججين، ولما أضحى شعب أعزل محاصر ضحية وحش صلف مدعوم.

ومن المؤلم أن أمريكا والناتو بعد كل هذا التمهيد الظالم لذبح المسلمين البوسنيين، وبعد أن سخّروا الامم المتحدة وأمينها العام في اتجاه هذه السياسة، وبعد أن أبدوا رضاهم على قمع المسلمين بيد الصرب، وبعد انقضاء عدة أسابيع من الهجوم الوحشي على النساء والاطفال والشيوخ والشباب المسلمين وقتل آلاف الابرياء، وحلول مأساة هائلة بأهالي كوراجده… بعد كل هذا يوجّهون تهديدا بالهجوم الجوّي على الصرب من أجل إيقاف عمليات التعذيب والقتل… ثم يتباهون بموقفهم الانساني المواسي المحايد!! لو أن شخصا تعرض لساعات وأيام لتعذيب، ثم أوقف جلاده التعذيب بعد ذلك، فهل يستطيع هذا الجلاد أن يدعي الانسانية مستدلا على ذلك بإيقاف التعذيب؟ !!

وفي كل بقعة يرتفع فيها صوت الاسلام

مثل هذا الموقف الذي ظاهره الحياد وواقعه العدوان تجاه المسلمين مشهود من قبل أمريكا وحلفائها الاوربيين في جميع القضايا التي يتعرّض فيها المسلمون لظلم الاعداء واضطهادهم. من الامثلة الواضحة لتلك القضايا المفجعة كشمير ومحنة المسلمين في قره باغ وطاجيكستان.

أية حكومة أو جماعة رفعت شعار الاسلام وسعت الى تحكيم الاسلام تتعرض دون قيد أو شرط الى إهانة أمريكا وتهمها وتشدّدها وعدائها الخبيث. ومن الامثلة الواضحة حكومة السودان، والجماعة الاسلامية في الجزائر، وحزب اللَّه في لبنان، وحماس والجهاد الاسلامي في فلسطين، والاسلاميون في مصر وأمثالهم.

في كل هذه المواضع، تسلك عناصر الاستكبار العالمي وخاصة أمريكا سلوكا متعصبا يشبه السلوك القبلي في المجتمع العشائري.

وحديث العداء الامريكي الحاقد تجاه إيران الاسلام حديث ذو شجون… هذا العداء، الملي‏ء بالسخط والاجحاف والخائب بمشيئة اللَّه وفضله، لايخفى على الكثيرين في أرجاء العالم.

واجب المسلمين

بعد كل هذا، ألا تتحمل الامة الاسلامية الكبرى وزعماؤها وساستها ومثقفوها وعلماء الدين في مجتمعاتها مسؤولية تجاه هذا الوضع المؤلم للمسلمين في جميع أرجاء العالم؟ !

أولئك المؤمنون بكلام رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله حيث يقول: «من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم» هل يجدون موضعا لإظهار هذا الاهتمام أفضل من مكان الحج وزمانا أفضل من الأيام المعلومات؟

الحج مكان البراءة من المشركين

من المؤكد أنه لم يكن اعتباطا اختيار رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله أيام الحج لإعلانِ البراءة من المشركين - وهو عمل سياسي تماما في إطار السياسة العامة للنظام الاسلامي والدولة الاسلامية - وإبلاغِ النداء القرآني الالهي:

«وأذان من اللَّه ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر أنّ اللَّه بري‏ءٌ من المشركين ورسولُهُ، فإن تبتم فهو خير لكم وإن تولّيتم فاعلموا أنكم غير معجزي اللَّه وبشّر الذين كفروا بعذاب أليم» (٩٦).

نعم، الحج فريضة يمكن أن تُحَلّ بها وفيها أهم المشاكل السياسية للامة المسلمة. وبهذا المعنى فإن الحج فريضة سياسية، يتضح ذلك بجلاء من طبيعة هذه الفريضة وخصائصها. وأولئك الذين ينكرون ذلك ويدعون الى مايخالفه يعارضون في الواقع عمليةَ حلّ تلك المشاكل.

الحج بعبارة موجزة فريضة أمة، فريضة وحدة، فريضة اقتدار المسلمين وفريضة إصلاح الفرد والمجتمع. إنه بعبارة واحدة فريضة الدنيا والآخرة.

أولئك الذين يرفضون المحتوى السياسي للحج إنما يستهدفون في الواقع فصل الاسلام عن السياسة. شعار فصل الدين عن السياسة هو ذاته الذي نادى به أعداء الاسلام منذ عشرات السنوات. واليوم إذ أقيمت حكومة على أساس الشريعة الاسلامية المقدسة في إيران، واذ يتصاعد شوق إقامة الدولة الاسلامية في كل العالم الاسلامي، فان أولئك الاعداء يعيدون طرح شعارهم بمزيد من الحدّة والتشنّج، ويدخلون في معركة جادّة حيثما توفّرت ظروف عودة الاسلام الى الحياة.

حاكمية الاسلام تتضمن مقاومة تدخل المستكبرين في البلدان الاسلامية، وتستلزم كف يد أذناب هذه القوى وعبيد الشيطان وشيطان الاستكبار عن إدارة هذه البلدان. فمن الطبيعي إذن أن يكون الاستكبار وأذنابه والشياطين وأتباعهم ساخطين وغاضبين الى هذا الحدّ على حاكمية الاسلام، وبنفس هذا القدر يجب أن يكون المؤمنون باللَّه واليوم الآخر والمعتقدون الحقيقيون بالاسلام ملتزمين بتحقيق هذه الحاكمية ومجاهدين في سبيلها.

وإذ وفق اللَّه سبحانه جمعا من السعداء الذين توافدوا من كل فج عميق لينالوا حظهم من الايام المعلومات وحج بيت اللَّه الحرام فإني أتضرع وأبتهل الى اللَّه سبحانه وتعالى أن يكون حجهم مقبولا مأجورا وأن ينعم بمنافعه على كل الامة المسلمة، وأتقدم كذلك الى الاخوة والاخوات بالتوصيات التالية:

وصايا الى الحجاج

١ - اغتنموا هذه الفرصة لبناء النفس والانابة والتضرع، وخذوا منها زادكم المعنوي لجميع عمركم.

٢ - اسألوا اللَّه سبحانه أن يفرج عن المسلمين مشاكلهم الكبرى وكرروا هذا الطلب مرات ومرات في أدعيتكم ومناجاتكم.

٣ - اغتنموا كل فرصة للتعرف على المسلمين الوافدين من جميع أرجاء العالم واستفيدوا مما في مجريات حياتهم من جوانب سلبية أو إيجابية. وعلى المسلمين غير الايرانيين خاصة أن يسمعوا حقائق وقضايا إيران الاسلام من لسان إخوتهم الايرانيين، ليميزوا الصحيح عن غير الصحيح مما سمعوه بشأنهم من الاعلام العالمي.

وليسعوا اليوم ودائما أن يستوعبوا تعاليم الامام الراحل العظيم الامام الخميني رضوان اللَّه تعالى عليه بشأن مايرتبط بمسائل المسلمين، وأن يتعرفوا عن قرب وبشكل أفضل هذا المصلح الكبير في تاريخ الاسلام.

٤ - انقلوا كل معلوماتكم واطلاعاتكم الصحيحة عن وضع الامة الاسلامية أو عن بلدكم الى المسلمين القادمين من البلدان الاخرى.

٥ - في حديثكم مع إخوانكم المسلمين من أي صقع كانوا ركزوا على مسألة «الامة الاسلامية» والنظرة الشمولية التوحيدية للعالم الاسلامي، ولتتجاوز أفكاركم وأفكار من تحاورونه إطار الحدود الجغرافية والعنصرية والعقائدية والحزبية وأمثالها وارتفعوا الى مستوى هموم الاسلام والمسلمين.

٦ - ذكّروا مخاطبيكم دائما بما أنعم اللَّه به على المسلمين من نفوس تزيد على المليار وبلدان تبلغ العشرات ومن ثروات مادية ومعنوية ضخمة وتراث عظيم ثقافي وحضاري وديني وأخلاقي.

٧ - حطّموا أسطورة قدرة الغرب التي لاتقهر! وخاصة أمريكا. هذه الاسطورة التي يحاول الاستكبار العالمي دائما أن يلقيها في أذهان المسلمين الآخرين. إن قوة المعسكر الشيوعي التي كانت تبدو أنها لاتقهر قد تحطمت منذ قريب أمام أعين هذا الجيل وأصبحت أثرا بعد عين… القوى المتعملقة الحالية ومنها قوة أمريكا هي الاخرى من الممكن أن تنهار بنفس السهولة وينقطع أثرها.

٨ - ذكّروا علماء الدين والمثقفين في البلدان المسلمة بمسؤولياتهم الكبرى الثقيلة دائما، وذكّروا الآخرين أيضا بذلك.

٩ - انطلاقا من واجب النصيحة لأئمة المسلمين ذكّروا زعماء البلدان المسلمة بمسؤولياتهم تجاه الامة المسلمة وتجاه إقامة وحدة المسلمين والابتعاد عن القوى الاستكبارية… ذكروهم بضرورة التوجه الى شعوبهم والاعتماد عليها وإحلال الرابطة الحسنة بين الشعوب والحكام. واطلبوا من اللَّه سبحانه إصلاح أمورهم.

١٠ - كونوا متفهمين دائماً أن مسؤولية الزعماء لاتعني رفع المسؤولية عن كل فرد من أفراد الشعوب المسلمة، فكل أبناء الامة يستطيعون أن ينهضوا بدور فاعل في كل هذه الاهداف الكبرى.

آمل من اللَّه بفضله وبدعاء ولي اللَّه الاعظم المهدي المنتظر أرواحنا فداه وعجّل اللَّه تعالى فرجه أن يمنّ بحج مقبول على الحجاج المحترمين وبرحمة واسعة ونعمة سابغة على الامة الاسلامية وآحاد المسلمين.

والسلام على عباد اللَّه الصالحين.

علي الحسيني الخامنئي

الرابع من ذي الحجة الحرام ١٤١٤ ه.

نداؤه الى حجاج بيت اللَّه الحرام‏

= ١٤١٥ه.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الحمد للَّه رب العالمين. والصلاة والسلام على خير خلقه محمد المصطفى وآله الطاهرين.

«وأذِّن في الناس بالحَجّ يأتوكَ رجالاً وعلى كُلّ ضامرٍ يأتين من كُلّ فَجّ عَميق» (٩٧).

مثلما يحلّ ربيع الطبيعة في ميعاده السنوي وهو طافح بالنشاط والحيويّة، يعود في موعده الإلهي المقرر من كل عام موسم الحجّ… ربيع الأرواح والقلوب… فصل اخضرار الحياة التوحيدية في قلب كل مسلم أدرك الميقات… يعود مثل ينبوع دفّاق مبارك لينثر نفح رقراقه على جميع أرجاء العالم الاسلامي، وليطهّر أولئك الذين وردوا هذا الينبوع المبارك من أدران الذنوب والشرك والمادية والنزعات الهابطة وكل السيئات، ويزوّد من كان ذاكراً متيقّظا بصلاح وفلاح يباركان العمر كلّه.

منذ أكثر من أربعة عشر قرنا ارتفع نداء ابراهيم الخليل على لسان محمد المصطفى صلى الله عليه وآله داعيا ضيوف الرحمن لأن يفدوا كل عام، في هذا الموسم، على منطلق المعنوية والوحدة، وليطوفوا حول مركز التوحيد انسياقا مع مسيرة العروج الأبدية، وليصلّوا خلف مقام إبراهيم وتجاه الكعبة المحمدية، وليسعوا بين الصفا والمروة مجسّدين سعي المؤمن الأبدي من منطلق الصفاء، وليعرفوا في عرفات صغرهم أمام عظمة العزيز الحق سبحانه وتعالى، وليستشعروا في المشعر الحرام الاستئناس بربّ العالمين وحبّه، وليدركوا في ظلمة ليلة الوقوف ذلك النور الأبدي لتتبدّد به ظلمات وجودهم، وليرموا في منى الشيطان الأكبر والشياطين الآخرين، وليقدّموا قربانا يرمز الى ذبح الأهواء والميول المنحرفة…

كل ذلك يفعلونه في حالة الاحرام الذي يرمز الى حريم قلب الحاج وروحه أمام الشجرة المحظورة في هذه الجنّة… يفعلونه الى جانب سائر المسلمين على اختلاف أصقاعهم وأجناسهم وألسنتهم وثقافاتهم، وعلى اختلاف رتبهم المادية أو المعنوية، ثم يحلقون ويقصّرون رمزاً لإزالة كل الأدران والقذارات التي تترسّب على القلوب والأرواح جرّاء تلوث أجواء الحياة الماديّة.

ويعودون ثانية الى بيت الله الحرام بروح متفتحة خفّت بعد أن أزالت عن كاهلها عب‏ء الذنوب وأشرقت فيها نور معرفة الله ومحبّة ربّ العالمين… فيطوفون ويصلون ويسعون… ولكنهم يفعلون ذلك هذه المرّة بآفاق أسمى مما قبل، ثم يستعدون للعودة الى ديارهم بمخزون روحي طافح بالتوحيد والمعنوية والصفاء، وبعزم راسخ على مقارعة الشياطين، وقدرة فائقة على ضبط نزوات النفس، لينشروا شذى الحج الفوّاح في أصقاع المعمورة.

حكمة الاسلام تتجلّى بأروع بداعتها في تنظيم هذه التجربة المدهشة الطافحة بالرموز والأسرار، بشكل تستطيع هذه الفريضة لوحدها أن تصون تلاحم وترابط أجزاء الجسد الاسلامي العظيم في كل القرون والأعصار وعلى مدى اتساع الارض الاسلامية في شرق العالم وغربه…

الجميع في مكان واحد، ودائما في موسم واحد… سواء في عصور كان سفر عشاق البيت يستغرق خلالها من بعض نقاط العالم سنة بأكملها… أو اليوم حيث يستطيع أعداء الأمة الاسلامية أن يغطّوا كل الكرة الأرضية بإعلامهم المسموم خلال فترة لاتزيد على ساعة واحدة…

أجزاء هذا الجسد العظيم المترامي الأطراف كان دائما في حاجة الى هذا المركز حيث الشعور يسود فيه بالوحدة والقدرة والصفاء والأخوة والمعنوية والتوحيد والمعرفة والاطلاع…

إن افتقد الاسلام فريضة الحج فقد افتقد ركنا أصليا من أركانه وجزءً جوهريا من أجزائه.

جوهر الحج

الحج في جوهره وذاته ينطوي على عنصرين: التقرب الى الله في الفكر والعمل، واجتناب الطاغوت والشيطان بالجسم والروح… كل أعمال الحج وتروكه من أجل تحقيق هذين العنصرين، وفي اتجاههما، ولتأمين ما يحتاجان اليه من أدوات ومقدمات. ثم إن هذين العنصرين هما في الحقيقة أيضا عصارة الاسلام وكل الدعوات الالهية. قال سبحانه في الذكر الحكيم: «ولَقَد بعثنا في كُلّ أُمّةٍ رَسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوتَ…» (٩٨).

والعبارات التي‏نراها في آيات الحج مثل قوله سبحانه: «حُنفاءَ للّهِ غيرَ مُشركين به…» (٩٩). أو «… فإلهُكُم إلهٌ واحدٌ فَلَهُ أسْلِموا…» (١٠٠). أو «فإذا قَضيتُم مناسِكَكُم فاذكُروا اللّه كَذِكْرِكُمْ آباءَكُم أو أشَدّ ذِكْراً» (١٠١). كلها تتجه نحو هذين العنصرين الأساسيين.

التقرب الى اللّه سبحانه يتطلب ذكرا وصلاة وتسليما وإحراما وتفكيرا بالنفس وباللّه وسعيا وصفاء، لينجم عن ذلك كله تزويد الحاج بزاد التقوى: «وَتَزَوّدوا فإنّ خيرَ الزادِ التَقوى، واتقونِ يا أولي الألباب» (١٠٢).

واجتناب الشيطان والطاغوت يستلزم تطهيرَ القلب من الشهوات والاهواء المذلّة، والاستعانةَ بقوة الصبر والارادة، والاستمداد مما في الامة الاسلامية من قوة عظيمة، ويتحصّل ذلك من الحركة الجماعية، ومن انسجام الخطى والقلوب والألسن في الطواف والسعي والوقوف في‏عرفات والمشعر والمبيت في منى، واستهداف جمرات الشيطان بشكل جماعي برميه من كل حدب وصوب، وإعلان البراءة العامة منه… ويؤدي في النهاية الى تشابك أيدي المسلمين وقلوبهم وعزمهم من كل أجزاء الامة المسلمة والى الاحساس بالقدرة والامن في ظلّ الوحدة: «وإذْ جَعَلنا البيتَ مَثابةً للناسِ وأمنا» (١٠٣).

لو أن العمل بفريضة الحج تمّ كما أراد القرآن… لو أخذنا مناسكنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله، كما أمرنا وقال: «خذوا عني مناسككم» فإن ذلك سيحقق للفرد المسلم كماله المنشود، وللأمة الاسلامية عزّتها.

وكل من يعارض حجّاً كهذا، ويفصل الحج عن هذه الأطر والمعالم الاساسية فقد عارض توجّه الفرد المسلم نحو كماله وعارض تحقّق عزّة الأمة الاسلامية.

الحج قاعدة إحباط مؤامرات الاعداء

الاستكبار العالمي اليوم بقيادة أمريكية وبتخطيط صهيوني منهمك في حرب معلنة ضدّ الاسلام والمسلمين… وهذه الحرب هي طبعا استمرار لعداء دفين قديم تجاه الاسلام، ولكن بأساليب جديدة وبدوافع جديدة ووسائل جديدة. والأمة الاسلامية تتمتع بمثل هذه القاعدة القادرة على تكثيف مقاومتها وقوتها ووحدتها… أمن العدل أن يبقى الحج دونما استثمار لمواجهة الأعداء الشرسين المفرقين المتآمرين، ويبقى المسلمون دونما دفاع أمام خصومهم؟ !

الحج الصحيح والكامل يستطيع، عن طريق تقريب القلوب وتبادل المعلومات وفضح المؤامرات، أن يحبط أخطر مكائد العدو ضد الاسلام والمسلمين.

أعداء الاسلام، أعني رؤوس الاستكبار والصهيونية، قد وضعوا في رأس قائمة اهتماماتهم التفرقة بين المسلمين وتوجيه أبواقهم الدعائية ضد أي بلد أو حكومة أو شعب ينشد الصحوة الاسلامية وحاكمية القرآن الكريم، ويدعو الى عزّة المسلمين. لأنهم إذا استطاعوا أن يفصلوا الجزء الحيويّ المتحرك من الامة الاسلامية عن سائر أجزاء الأمة فسوف يطمئنون الى عدم انبثاق الامة الاسلامية العظيمة الموحّدة، وسوف ينفذون - دونما عائق - مخططاتهم الخبيثة تجاه المسلمين.

العالم يشهد هذه الأيام هذا الحجم الهائل الكثيف الواسع من إعلام الابواق الاستعمارية ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية. هذا الموقف ينطلق من تلك الاهتمامات الاستكبارية، وهي - وإن فشلت حتى الآن بفضل الله تعالى - تتواصل بكل ما أوتي الاستكبار من قوّة.

سبب معاداة الجمهورية الاسلامية

أهمّ دوافع العداء تجاه إيران الاسلام منذ عصر حياة الامام الراحل قدس سره حتى اليوم تتلخص في أن إيران اتخذت من الاسلام وحده معيارا لسياستها، على أساسه تقبل، وعلى أساسه ترفض. كل المواقف السياسية تستمد مشروعيتها من الاسلام.

ترفض تسوية الحكومات مع الصهاينة، لأن هذه التسوية تعني بقاء الشعب الفلسطيني مشردا وبقاء الوطن الفلسطيني محتلا بيد الاعداء.

تساند أبناء الامة في فلسطين والبوسنة وطاجيكستان وأفغانستان وكشمير والشيشان واذربيجان والجزائر وسائر الشعوب المظلومة المسلمة لأن القرآن أمر صراحة بحماية المستضعفين إذ قال:

«وما لَكُم لا تقاتِلونَ في سَبيل اللّهِ والمستضعفين من الرّجالِ والنساء والولدان الذينَ يقولون ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلُها، واجعل لنا مِن لَدُنْكَ وَلياً واجعَل لَنا مِنْ لَدُنكَ نَصيرا» (١٠٤).

تعارِضُ سيطرة أمريكا ونفوذَها وتدخلَها في البلدان الاسلامية وكل البلدان المظلومة لأن القرآن الكريم قال:

«لا تَتّخِذُوا عَدُوّي وعَدُوّكُم أولياءَ تُلقُونَ إليهِم بالمَوَدّة» (١٠٥).

أقامت نظامها القانوني على أساس أحكام الاسلام، لأنها تؤمن بأن تحقق العزّة والاستقلال والرفاه والكمال المادي والمعنوي لشعب من الشعوب إنّما هو بالعمل بأحكام الاسلام.

كل هذا دفع برؤوس الاستكبار بتحريض ودسّ من المتآمرين الصهاينة الى اعتبار إيران الاسلام عدوّهم الأول، والى أن يناصبوها العداء ماوسعهم ذلك.

والمهم جدا، أن الامة المسلمة تشهد بكل أرجائها توجها وشوقا الى هذه الأهداف والمواقف. وفي كثير من البلدان الاسلامية نشهد الشباب والنخب وأنقى الفئات من علماء الدين وأساتذة المجامع العلمية والفنانين والشعراء والكتاب، بل وكثير من موظفي الدولة والفئات المتوسطة قد جنّدوا قلوبهم وألسنتهم وأقلامهم لخدمة هذه الأهداف، وهبّوا لمعارضة التسوية مع إسرائيل، ولإدانة التسلط الامريكي المتزايد على بلدانهم، ولاستنكار عدم اهتمام الحكومات بالقضايا الاسلامية في أوروبا وآسيا وأفريقيا… الاستكبار يرى أنّ كلّ هذا نتيجة انتصار الاسلام في إيران، ونتيجة ازدياد اقتدار إيران الاسلام، ومن هنا يزداد في قلبه اضطرام نار حقد جنوني تجاه الجمهورية الاسلاميّة.

وهذا أيضا أحد أهمّ دوافع الذين يعارضون الحجّ الابراهيمي والحج المعطاء الهادف. لأنّ التدبّر في الحجّ عاملّ إعجازي في بسط هذا الفكر بين جميع المسلمين، كما أنه مفترق طرق عظيم لتبادل المعلومات بين الشعوب من شرق العالم الاسلامي وغربه وشماله وجنوبه.

وصية الى الحجاج

أتقدم بتواضع الى كل الاخوة والاخوات من المسلمين المجتمعين في محشر الحج العظيم بتوصيتهم أن يتدبّروا في الحج وأن يتجهّزوا بالعطاءين الاساسيين: أعني تسليم القلب الى الله والتقرب منه سبحانه وتعالى في الفكر والعمل بعبودية خالصة حقيقية من جهة، واجتناب الشياطين وأعداء سبيل الله والحذر منهم من جهة أخرى، ليعودوا الى ديارهم بروح مزوّدة بالتقوى وبقلب مفعم بالاعتماد على الله، وبروح طافحة بالأمل في مستقبل الأمة الاسلامية، وبعزم راسخ على تحقيق أهداف الاسلام، وعلى تحكيم مفاهيم الاسلام وقوانينه وثقافته في الحياة الاسلامية.

قدرة العدوّ زائفة

قدرة العدوّ الزائفة يجب أن لا تبهر العيون. هؤلاء يستغلون تفرق المسلمين وضعف معنوياتهم ليصطنعوا لأنفسهم أمام أعين البسطاء قدرة كاذبة. الاستكبار انهزم أو فشل في تحقيق مآربه في كل الساحات التي صمد فيها المسلمون صمودا حقيقيا أمام تجبّره. ويكفي لإثبات ذلك بإلقاء نظرة واحدة على إيران الاسلام حيث انتصرت بحول الله وقوته في مواجهتها هذا الحجم الهائل الضخم الاسطوري من عداء أمريكا وأتباعها، خلال الأعوام الستة عشر الماضية. وهاهي اليوم أكثر اقتدارا ونجاحا ونشاطا وأملا من أي وقت مضى.

واليوم فإن أمريكا التي تحمل راية الاستكبار في صراعه مع حركة الصحوة الاسلامية، لم يقتصر فشلها وخيبتها على هذا الصراع الظالم، بل إنها تعاني في داخلها أيضا من مشاكل مستعصية اقتصادية وأمنية وسياسية. كما أنها في مساعيها المتجبّرة، التي يحسب زعماؤها المغرورون التافهون أنها حق من حقوق جبروتهم، قد ذاقت مرارة الهزائم المتلاحقة، وستذوق المزيد في المستقبل إن شاء الله تعالى.

لو ألقينا نظرة على وضع فلسطين، وعلى الاحلام اللذيذة، ولكن الباطلة، بشأن مايرونه لقضية فلسطين من حلّ قد تحوّل الآن الى عقدة مستعصية، أو على شرق أفريقيا وخروج القوات الامريكية من الصومال وهي تجر أذيال الخيبة، أو على أوروبا ودور أمريكا الهزيل في قضية البلقان، أو على مساعي أمريكا الاستجدائية العقيمة في أرجاء الدنيا من أجل أن تقطع كل البلدان علاقاتها التجارية مع ايران، أوعلى تخبط أمريكا وتحركها القبيح المنفور لاتهام إيران في حادثة الارجنتين وحوادث اُخرى انكشفت حقائقها وافتضح أمر من اتهّم إيران فيها… لو ألقينا نظرة على هذه القضايا وقضايا أخرى من هذا القبيل لثبت لدينا أن مايدعيه الاستكبار من قدرة فائقة هي مثل كثير من ادعاءاته كالدفاع عن حقوق الانسان ونظائرها، فارغة تافهة.

المسلمون أقوى من الاستكبار إن وعوا وعزموا وصمدوا… القوى الاستكبارية تعاني في حيّز المسائل الانسانية من ضعف مفرط لا علاج له. ولاينبغي لشعب وحكومة أن يهابوا هؤلاء، خاصة الشعوب التي تحمل عزما راسخا وفكرا نيّرا، فما بالك بالأمة الاسلامية الكبرى!!

في الخاتمة أدعو الجميع الى التدبّر في كل عمل وشعيرة من أعمال الحج وشعائره، وأدعوهم الى الاستعانة بقدرة الله الواحد الاحد والى التمسك بحبله المتين، وآمل لكل الذين سلّموا قلوبهم لأنوار الحج الالهية أن يشملهم الله سبحانه وتعالى بفضله وتأييده، وأن يكونوا ممن يشملهم دعاء المهدي المنتظر أرواحنا فداه وعجّل الله تعالى فرجه، وأن يعودوا الى ديارهم بحج مقبول ودعاء مستجاب وعطاء معنوي قيّم.

والسلام عليكم ورحمة اللّه.

علي الحسيني الخامنئي

الرابع من ذي الحجة الحرام ١٤١٥ه.

نداؤه الى حجاج بيت اللَّه الحرام

= ١٤١٦ه.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه على سيّد الاوّلين والآخرين محمدٍ المصطفى وآله الميامين، والسلام على بقية اللَّه في الارضين.

الحج… هذا الينبوع الفيّاض بالتقوى والمعنويّة والخير والبركة، يتدفّق بعطائه كل عام والى الابد على العالم الاسلامي وعلى كل مسلم موفّق، لينال كل فرد وكل جماعة من عطائه بقدر الوسع والقابليّة.

عطاء هذا النبع الفيّاض لايقتصر على حجّاج بيت اللَّه الحرام، إذ لو عُرفت هذه الفريضة العظيمة وجرى العمل بها بشكل صحيح، فإن كل الافراد والشعوب في جميع أرجاء العالم سينعمون ببركاته.

مصدر الكوارث البشرية

الافراد والجماعات البشرية يتعرضون للكوارث من جانبين. الاول: من داخل أنفسهم، ومنشؤه الضعف البشري والاهواء الجامحة والشكوك وجَدَب الايمان والخصال المخرّبة. والثاني: الاعداء الخارجيون. فهم النّكدُ لحياة الافراد والجماعات بسبب طغيانهم وأطماعهم وعدوانهم ووحشيتهم، وهم البلاء الداهي بسبب حروبهم وظلمهم وتجبّرهم وتعنّتهم.

العالم الاسلامي بأفراده وشعوبه كان دائما عرضة لهذين التهديدين، وهو اليوم مهدّد أكثر من ذي قبل، فمن جانب نرى إشاعة الفساد في البلدان الاسلامية وفق خطة مدروسة، ونرى فرض الثقافة الغربية، بمساعدة بعض الانظمة العميلة، على مظاهر الحياة بدءً من السلوك الفردي وحتى تخطيط المدن والحياة العامّة والصحافة وغيرها، هذا من جانب، ومن جانب آخر نشاهد الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية على بعض الشعوب المسلمة، والمذابح الوحشية في لبنان وفلسطين والبوسنة وكشمير وأفغانستان… وكلها شواهد بارزة على هذين التهديدين في أجوائنا الاسلامية.

الحج كفيل بمواجهة التهديدين‏

الحج، هو ذلك الشط الذي لايتوقف تدفّقه، والهدية التي لاينضب معينها. به يستطيع المسلمون أن يتخلصوا - الى الابد - من نكد العيش ومرارته، ومن مرض الانحراف ولَوثته، وبمساعدة هذا الذخر الابدي يقدرون أن يحصّنوا أنفسهم في كل زمان من هاتين الكارثتين.

عنصر التقوى والذكر وحضور القلب والخشوع والتوجّه الى اللَّه سبحانه وتعالى في الحج هو كفيل بمواجهة التهديد الاول، وعنصر التجمّع والتوحّد والاحساس بعظمة الامة الاسلامية الكبرى وبقوّتها على ساحة الحجّ هو كفيل بمقابلة التهديد الثاني.

كلما قوي هذان العنصران في الحج ازدادت حصانة ومقاومة الافراد والمجتمعات الاسلامية إزاء هذين التهديدين، ومتى ما ضعف أو زال أحدهما أو كلاهما فإن الامة الاسلامية بأفرادها وشعوبها وبلدانها تصبح أكثر عُرضة للكوارث.

الشريعة نصّت على كلا العنصرين‏

في نصّ القرآن الكريم، وفي نصوص الشريعة الاسلامية المقدّسة تصريح بكلا العنصرين بحيث لايبقى مجال للشك لكل ذي عين وقلب وإنصاف.

مافرضه اللَّه سبحانه في قوله: «فاذكروا اللَّهَ كذكركُم آباءَكم أو أشدّ ذكرا» (١٠٦) جاء الى جانبه فريضة أخرى حيث يقول سبحانه: «وأذانٌ من اللَّهِ ورسولِهِ الى الناسِ يومَ الحجّ الاكبر أَنَّ اللَّهَ بري‏ءٌ من المشركين‏ورسولُه» (١٠٧).

واتّساقا مع قول الحكيم جلّت قدرته: «لن ينالَ اللَّهَ لحومُها ولا دماؤها ولكن ينالُهُ التقوى منكم كذلك سخَّرها لكم لتُكبّروا اللَّه على ماهداكم وبشّر المحسنين» (١٠٨). نزل قول اللطيف سبحانه: «ليشهدوا منافع لهم» (١٠٩).

كل توصية وإعلام وسعي لتضعيف واحد من هذين العنصرين أو إبعاده إنّما هو مجابهة مع آيات القرآن الكريم وتعاليمه.

الخسارة الكبرى‏

ليس ثمة خسارة للامة الاسلامية أفدح من أن تتعرّض تعاليم الاسلام وتوجيهاته، برصيدها الحياتي للمسلمين وجميع البشرية، لغفلة وجهل الزعماء الدينيين والسياسيين، وأن يُحال بينها وبين أن يتزوّد من عطائها الناسُ أجمعين.

الحج جزء من هذا الرصيد الحياتي الدائم، وعلى كل المسلمين أن يتعمّقوا في معرفته ويزدادوا انتهالا من زاده.

يعاني العالم الاسلامي اليوم من مشاكل متفاقمة تهدّد كيانه. وإذا لم تتظافر جهود المسلمين وتتجه بقوة الايمان والجهاد والتوكل وبعلوّ الهمّة واليقظة وبالاستفادة من رصيد القوة المودع في هذا الدين الحنيف، الى تجاوز هذه المشاكل، فإن أعداء الاسلام المستكبرين المجهّزين بسلاح القوة السياسية والعسكرية والتكنولوجية سيعملون على تصعيد هذه المشاكل وتكريسها، وسيدفعون موعد تحرر الشعوب الاسلامية وخلاصها عقودا بل قرونا الى الوراء، ولعلّ بعض الشعوب ستذوب تماما وستفقد بالتدريج هويتها الاسلامية بعدما تتعرض لضغوط المسخ والافساد الثقافي الغربي.

اليوم، وبعد قيام الجمهورية الاسلامية في أرض إيران، وانتعاش حركة الصحوة الاسلامية في كثير من البلدان الاسلامية، انزاح الستار عن كثير من الحقائق مرّها وحلوها، وأصبح عدد كبير من أبناء العالم الاسلامي قادرين على تحليل الحوادث وفهم الواقع. ولكن لابدّ من الاذعان أن وسائل الاعلام المسموعة والمرئية والمقروءة على الساحة العالمية، وجلّها تَنفُث في عُقَد الصهاينة وحماتها الغربيين وأحيانا في عقد عملاء المستكبرين المتظاهرين بالاسلام، تشوّه كثيرا من الحقائق. لذلك، فمن المناسب أن نستعرض بإجمال عناوين مافي العالم الاسلامي من مشاكل وإمكانات:

الامكانات البشرية

في الحديث عن الامكانات لابد أن نبدأ من عدد مافي العالم الاسلامي من سكان يبلغ مليار وبضع ملايين من المسلمين ينتشرون في أكثر من خمسين بلدا، وعلى أرض مترامية الاطراف تمتد بين المحيطين الهادي والاطلسي.

بين هذا العدد الضخم من البشر توجد شعوب اشتهرت بالفطنة والذكاء، وحضارات ذات جذور ضاربة في أعماق التاريخ تمتد لآلاف السنين، وشخصيات علمية وسياسية مرموقة. هذه المجموعة البشرية المسماة بالامة الاسلاميّة تمتلك ثقافةً غنية وتراثا ثرّا وطاقاتٍ خلاّقةً باهرة مدهشة. وهي الى تنوّعها وتعدّديتها، تتمتع بوحدة وانسجام عجيبين ناشئين من تعمّق الاسلام والتوحيد الخالص في حياتها، بكل ما في هذه الحياة من أجزاء وأركان ومنعطفات. هذه الشعوب المتآخية المتعاطفة بعناصرها السوداء والبيضاء والصفراء وبلغاتها المختلفة، ترى نفسها أجزاء متساوية لهذه الامة الاسلامية الكبرى، وتفخر بذلك، وتتجه كل يوم نحو مركز واحد لتدعو اللَّه بلغة واحدة، وتستلهم جميعا من كتاب سماوي واحد، وهذا الكتاب فيه تبيان كل الحقائق ومنهج كل احتياجاتهم وواجباتهم… «تبيانا لكل شي‏ء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين» (١١٠).

الامكانات الطبيعية

المنطقة الجغرافية لهذه المجموعة البشرية من أغنى - إن لم نقل أغنى - أصقاع المعمورة في مصادرها الطبيعية، وفيها بشكل خاص مصادر النفط المحركة لعجلات الحضارة الآلية في العالم. أي إنّ هذه المجموعة لو قطعت نفطها لأشهر عن الزبائن، فإن قسما كبيرا من العالم بما فيه البلدان التي تقدم منذ قرون، ولاتزال الآن تقدّم، مقدّرات الشعوب المسلمة قربانا على مذبح أطماعها وتجبّرها، ستغطّ في زمهرير وحيرة وظلام.

وسوى ذلك فإن قائمة إمكانات الامة الاسلامية تشتمل على مئات العناوين الضخمة في الحقول الانسانية والثقافية والمادية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية مما لاتخفى على كل من ألقى السمع وهو بصير.

والآن، لنلق نظرة على المشاكل الكبرى المحيطة بهذه المجموعة البشرية العظيمة أي الامة الاسلامية. هذه المشاكل التي تحول دون أن تستفيد هذه الامة مما لديها من إمكانات هائلة فاعلة استثنائية، لتبقى نتيجة ذلك متخلفة عن ركب العلم، وعاجزة عن استثمار ثروتها العظيمة، ومغلوبه أمام الثقافات الاجنبية في حلبة الصراع الثقافي العالمي، وذيلية في ساحة السياسة العالمية… ولتبقى على الصعيد العسكري عرضة لاعتداء المعتدين وقمع المستكبرين.

قائمة المشاكل‏

هذه المشاكل التي نجم أكثرها عما في داخل الامة من تقصير وغفلة وانحراف وخيانة تشكل قائمة طويلة نستطيع أن نذكر عناوينها الاولى فيما يلي:

- الخلافات الطائفية التي يروّج لها غالبا علماء السوء وذوو الاقلام المأجورة ويعملون على تصعيدها وتشديدها.

- الخلافات القومية والاقليمية الناشئة عن التعصب القومي المتطرّف وهي مما يثيره غالبا المثقفون المهزومون.

- الاستسلام أمام القوى الطامعة مما صيّر بعض البلدان أقمارا تابعة للقوى المتفرعنة.

- الاستسلام أمام الثقافة الغربية الفاسدة، بل وإشاعتها بدوافع سياسية وعقائدية.

- خلو بعض الحكومات من الايمان ومن الاهتمام بشعوبها وبإرادة هذه الشعوب ومعتقداتها، وآمالها وتطلعاتها، واتخاذ موقف الغطرسة تجاهها.

- هزيمة كثير من الشخصيات السياسية والثقافية في العالم الاسلامي أمام القوى المتجبّرة، وأشخصها اليوم أمريكا.

- حضور الكيان الصهيوني الغاصب في قلب العالم الاسلامي، وهو بدوره عامل كثير من المشاكل الاخرى.

- إشاعة فكرة انفصال الدين عن السياسة، وتصوير الاسلام بأنه طقوس فردية ولا علاقة له بمسائل الحياة مثل: مسائل نظام الحكم والسياسة والاقتصاد وأمثالها.

هذه وعشرات غيرها من المشاكل الاساسية الكبرى، على مافيها من جذور تاريخية، كان من الممكن تجاوزها وعلاجها، لوتوفّر في قادة السياسة والدين إخلاص وهمّة وتحرّر، لكنها اليوم باقية تنخر في جسد الامة وتؤدي الى مايشهده العالم الاسلامي من مآسٍ وويلات، وتجرّ الى الفقر والجهل والاجحاف وضعف الموقف السياسي والتخلف والحرب والدمار والخرافة والتعصّب.

قدرة الحج على العلاج‏

الحديث عن الحج، وعن قدرته، لو أُدّيَ كما فرضه اللّه، على معالجة هذه الامراض الاساسية وإزالة بؤر التخلف.

هذا العلاج لايأتي دفعة واحدة، إلا أن اجتماعا مليونيا، على مرّ السنين، من الرجال والنساء الوافدين من كل فج عميق، في بقعة واحدة، وعلى صعيد أعمال متناسقة مليئة بالمعاني، وتحت لواء التوحيد العظيم، وفي أجواء عبقة بذكريات صدر الاسلام من بدر وأحد، وعلى صعيدِ زيارةِ مسجدٍ لاتزال جدرانه تعيد الى الاسماع صدى التلاوة القرآنية العطرة منطلقة من حنجرة رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله، ولايزال نداء تكبير المجاهدين في صدر الاسلام يموج في أجوائه، كل ذلك في جوّ مفعم بالذكر والاستشعار ومناجاة اللَّه عزّ وجلّ… جوٍّ ينتشل الانسان من ضعفه وذاتيته واعوجاجه ليرفعه الى معدن المجد والعظمة وقدرة ربّ العالمين… إنّ مثل هذا الاجتماع بلسم شاف يبعث القوة في القلوب، والرفعة في الهمم، والصلابة في الارادة، والاعتماد في النفوس، والسعة في الافق، والسرعة في تحقق الآمال، والاتحاد بين الاخوة، والهوان في الشيطان، والضعف في كيده.

نعم، الحج الصحيح والكامل… الحج التوحيدي… الحجّ حين يكون منطلق حبّ اللَّه وحبّ المؤمنين والبراءة من الشياطين، ومن الاصنام والمشركين… يعمل أولا على وقف اتساع دائرة مشاكل الامة الاسلامية، ثم يستأصل هذه المشاكل، ويعود على الاسلام بالعزّة، وعلى حياة المسلمين بالازدهار، وعلى البلدان الاسلامية بالاستقلال والتحرر من شرّ الطامعين.

الحج في رأس قائمة اهتمامات دولة الاسلام‏

واستنادا الى هذا الفهم الصحيح للحج، وضعت هذه الفريضة، بعد انتصار الثورة الاسلامية الكبرى، في رأس قائمة اهتمامات الجمهورية الاسلامية على الساحة الدولية، وركزت هذه الدولة المباركة على تقريب الحج مما كان عليه في صدر الاسلام وذلك بالتوأمة بين الجانب السياسي الالهي لهذه الفريضة وهو مظهر عزّة الحيّ القيوم وقدرته، والجانب العباديّ، وهو مظهر غفران الربّ ورحمته، ولتجسيد هذا الاقتران أحيت شعيرة البراءة من المشركين ثانية في الحج، وهي تواصل العمل بهذا الواجب الاسلامي رغم كلّ المعوّقات السياسية، ورغم كل المضايقات الناشئة عن دوافع غير إسلامية.

الجمهورية الاسلامية باعتبارها النظام الذي أثبت قدرة الاسلام على إدارة المجتمعات البشرية الكبرى رغم كل ماشاع تجاه هذه القدرة من تشكيك وإعلام مضاد خلال القرن الاخير، تنظر الى الحج، لا كوسيلة لتكريس الذات، بل باعتباره ساحة توعية المسلمين وغرس روح التقوى والايمان والاندفاع نحو تطبيق الشريعة الاسلامية ونحو تحقيق العزّة والاستقلال في‏نفوسهم.

يحكمون بغير ما أنزل اللّه‏

أولئك الذين يرفضون روح الحركة والنظرة الشمولية في الحج إنّما يرفضون في الواقع عزّة المسلمين واستقلالهم ونجاتهم من براثن الاستكبار والصهيونية. كلّ فتوى ورأي في مجال هذا الرفض إنما هو حكم بغير ما أنزل اللّه، صادر - على أغلب الظن - عن جهل بحقائق العالم وعن انعدام البصر والبصيرة في أمور المسلمين.

خسارة لاتعوّض وذنب لا يغتفر

كل مطّلع على ماتعانيه الشعوب المسلمة اليوم من وضع مرهق ومن سيطرة أمريكية متجبّرة عليهم…

كل من يعلم بما يرتكبه الصهاينة من جرائم، وما يحيكونه من مؤامرات خفية ضد البلدان الاسلامية…

كل من يحسّ بخطر انتشار هذه الغدّة السرطانية الخبيثة في الاجهزة الاقتصادية والسياسية لدول المنطقة…

كل من يشاهد مايعيشه الشعب الفلسطيني من وضع متأزّم في مخيمات الغربة ومن احتلال الجلادين لأرض هذا الشعب…

كل من يعلم بما يجري في جنوب لبنان وفي مناطقه المحتلة بيد الصهاينة وفي أراضيه المعرضة دائماً للهجوم…

كل من سمع بالمآسي المفجعة الاخيرة في لبنان حيث الصهاينة بدعم حكومة أمريكا يقصفون منذ اثني عشر يوما بشكل متواصل أكثر من نصف هذا البلد من الجوّ والارض والبحر ويقتلون بشكل جماعي الاطفال والنساء والمدنيين…

كل من يطلع على أوضاع البوسنة وأفغانستان وكشمير وطاجيكستان والشيشان…

كل من يدري بما تدبره أمريكا الطاغية والصهيونية عدوّة البشرية من مؤامرات متواصلة وأعمال عدوانية ضد الجمهورية الاسلامية التي تمثل اليوم مظهر حاكمية القرآن والاسلام…

نعم… من يعلم كلَّ هذه الحقائق وهو يتحلّى بغيرة إسلامية ويحسّ بمسؤولية دينية، فلا يتردّد في الحكم على أن تضييع رصيد الحج العظيم وفقدان هذا السند الالهي المستحكم للاسلام والمسلمين خسارة لاتُعوَّض وذنب لايُغتفَر.

هدف دعوتنا الى إحياء الحج‏

ما تعانيه الدول الاسلامية من ضعف وما يوجد بينها من تمزّق مؤلم حقيقة لايمكن كتمانُها أو إنكارها. العالم العربي دفع بنفسه اليوم الى حالة لايستطيع معها - مع الاسف - أن يدخل ساحة الحرب حتى ليوم واحد مع العدو الغاصب لأراضيه، أو أن يدافع عن الشعب اللبناني الذي أضحى ضحية جرائم الكيان الصهيوني الغاصب. نحن نرى المعدّات الحربية الجوية ومعدّات الدفاع الجوّي المشتراة بأثمان خيالية من مصانع الغرب تملأ مستودعات هذه البلدان، بينما تقصف طائرات الصهاينة الدمويين بحرية بيوت الشعب العربي اللبناني وتهدم عليهم منازلهم ولا تستطيع أية واحدة من هذه الدول أن تقطع الطريق أمام هذا القصف الوحشي.

هذه الحقائق المرّة لو أضفت اليها ما تمارسه القوى الاستكبارية من نفوذ سياسي ومن هجوم كاسح للسيطرة الثقافية التامة على كثير من هذه البلدان، وما تشهده الساحة من مصائب فادحة تنذر بالخطر، فإنها كافية لكل ضمير حيّ وعقل سليم أن يستنتج أن البلدان الاسلامية والشعوب الاسلامية والعيّنة الانسانية المجتمعة حول الكعبة المشرفة والمواقف المباركة في أرض الوحي بحاجة أكثر من أي وقت مضى الى معنى الحج وروحه وقوته المودعة فيه، ولابدّ أن تستثمر عطاءه. هذا هو حديثنا عن الحج وهذا هدف دعوتنا الى إحياء الحج وسائر شعائر الاسلام الحياتية.

وما نقموا منهم إلّا…

الجمهورية الاسلامية - بسبب هذه المواقف الصلبة الشجاعة في الدفاع عن الاسلام وأحكامه تعرّضت منذ البداية حتى الآن الى غضب القوى الاستكبارية ونقمتها وعلى رأسها الشيطان الاكبر أمريكا.

إنهم يتهمون الجمهورية الاسلامية بالروح التوسعية وبإثارة الحروب والقلاقل لكي يبرّروا أمام الرأي العام العالمي والاسلامي مواقفهم الحاقدة العدوانية اللئيمة تجاه دولة الاسلام. إذاعاتهم العميلة وصحافتهم التي تملأ كل مكان، بما في ذلك البلدان الاسلامية، بتمويل الصهاينة أو عملاء أمريكا والصهيونية، لاتني تنشر التهم والشائعات والتفاسير والاخبار الكاذبة والمغرضة ضدّ الجمهورية الاسلامية، لتكسر وتحدّ مدّ النفوذ المعنوي للثورة الاسلامية، وقداسة ومحبوبيّة اسم الامام الراحل قدس اللَّه روحه. إنهم باستخدام أحدث السبل اللئيمة يسعون لمسخ وجه الجمهورية الاسلامية من أجل أن ينصرف عنها مؤيدوها في عالم الاسلام، ويخلقوا حاجزا من الكذب والتهم بين إيران الاسلام‏

والبلدان التي يخشون تكرار تجربة إيران فيها.

أفظع إرهابيي العالم، أي زعماء الكيان الصهيوني الغاصب وحماته السيئين في الحكومة الامريكية، يتهمون إيران الاسلام بالارهاب. زعماء أمريكا وإسرائيل في كل مناسبة وبدون مناسبة يمدّون أصابع الاتهام نحو الجمهورية الاسلامية، ولاتخلو كل كلمة سياسية ينطقونها من ترديد الاسم المقدس والعزيز والمشرق لإيران الاسلام بعبارات تمجّ الحقد والبغضاء.

إنه لفخر لنا أن يحقد علينا أشهر الانذال وكبار المجرمين في العالم، نحن أيضا نبغضهم ونبرأ من أعمالهم السيئة وأياديهم الملوثة. واللَّه ورسوله كذلك يبرآن منهم: «… إن اللَّه بري‏ء من المشركين ورسولُه فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي اللَّه وبشّر الذين كفروا بعذاب اليم» (١١١).

القافلة تسير بفضل اللّه‏

الجمهورية الاسلامية تشق طريقها اليوم، بفضل اللَّه ومنّه، بقدرة وإرادة وعزم لايلين رغم كل أحقاد الحاقدين. إنها بلد يتمتع بالثبات، وحركة البناء والعمران، وحكومة محبوبة منتخبة من الجماهير، وتواجد فاعل مقرون بالعزّة والكرامة على الساحة العالمية، وإيمان طافح بالاسلام، وشباب يقظ حيوي متحرر مما يعانيه شباب كثير من البلدان من كآبة وأحزان، وجماهير واعية وشجاعة ومستعدة للدفاع عن الاسلام وإيران، ومعنويات متصاعدة الى جانب حياة نامية متطوّرة، ووحدة كلمة منقطعة النظير يضرب بها الامثال.

إنه كذلك وللَّه الحمد… ضخامة الهجوم الاعلامي ضدّنا مؤشّر على مافي شعبنا وبلدنا من عظمة متزايدة واقتدار يتصاعد باستمرار.

دعوة الى الحجاج‏

في الخاتمة، أدعو كل الحجاج الاعزاء أن يغتنموا فرصة هذه الايام المباركة وأن يتدبروا في مناسك الحج وأن يتزودوا بالزاد المعنوي والروحي لبقية عمرهم. وأدعو السادة علماء الدين المحترمين أن يطرحوا هذه المضامين بشكل مناسب على حجاج القوافل من الايرانيين وغير الايرانيين، ويشدّوا القلوب والنفوس الى معنويات الحج والى مضمونه السياسي.

أسأل اللَّه سبحانه وتعالى أن يمنّ على الاسلام والمسلمين بالعزّة، وعلى الاقطار الاسلامية بالاستقلال الحقيقي والتحرر من هيمنة المستكبرين سياسيا واقتصاديا، وعلى إيران الاسلام بدوام المجد والعظمة تحت ظل ألطاف وعنايات بقية اللَّه الاعظم المهدي المنتظر روحي فداه.

والسلام عليكم وعلى جميع إخواننا المؤمنين.

علي الحسيني الخامنئي

الرابع من ذي الحجة ١٤١٦ه.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه رب العالمين والصلاة على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

مؤتمر الحج العظيم فرصة كبرى وفّرها اللَّه سبحانه للامة المسلمة، كي تشهد «منافع» لها. ولو استثمرته كما أراده ربّ العالمين لصانت مكانتها «الشاهدة» و «الوسط» على ساحة التاريخ.

ومن هنا كانت هذه الفريضة الالهية موضع اهتمام كل المتطلعين الى عزّة الامة الاسلامية وكرامتها.

كان الامام الخميني رضوان اللَّه تعالى عليه يهتم باستثمار مؤتمر الحج الكبير منذ انتفاضته الاولى في الستينات… ومن الطبيعي أن يزداد اهتمامه بعد الانتصار الاسلامي الكبير في إيران، فكان يوجّه سنويا نداء يتحدث فيه الى الامة حديث الروح والقلب والحركة والآمال والآلام… وتواصلت هذه النداءات السنوية بعد رحيله بيراع خلفه العبد الصالح الامام الخامنئي حفظه اللَّه… وهاهي النداءات الثمانية التي صدرت حتى الآن عنه، نقدمها الى القارئ باعتبارها من نعم الحج ومن «منافع» هذه الفريضة الكبرى.

الناشر

………………………. ) Anotates (…………………….

١) الانفال / ٢٤.

٢) فاطر / ١٠.

٣) مشكاة الانوار / ٥٠.

٤) من ندائه سنة ١٤٠٩ه.

٥) الشعراء / ٤٤.

٦) النساء / ١٣٨ - ١٣٩.

٧) من دعاء الحسين عليه السلام يوم عرفة.

٨) من ندائه سنة ١٤٠٩ه.

٩) من ندائه سنة ١٤١٢ه.

١٠) من ندائه سنة ١٤١٣ه.

١١) من ندائه سنة ١٤١١ه.

١٢) من ندائه سنة ١٤١١ه.

١٣) من ندائه سنة ١٤١١ه.

١٤) من ندائه سنة ١٤١٢ه.

١٥) من ندائه سنة ١٤١٢ه.

١٦) من ندائه سنة ١٤١٣ه.

١٧) من ندائه سنة ١٤١٢ه.

١٨) من ندائه سنة ١٤٠٩ه.

١٩) من ندائه سنة ١٤١٠ه.

٢٠) من ندائه سنة ١٤١٠ه.

٢١) من ندائه سنة ١٤١٠ه.

٢٢) من ندائه سنة ١٤١١ه.

٢٣) المجادلة / ٢١.

٢٤) من ندائه سنة ١٤١١ه.

٢٥) من ندائه سنة ١٤١٢ه.

٢٦) من ندائه سنة ١٤١٢ه.

٢٧) النساء / ٧٦.

٢٨) من ندائه سنة ١٤٠٩ه.

٢٩) النساء / ١٤١.

٣٠) المنافقون / ٨.

٣١) النساء / ٧٥.

٣٢) الانعام / ٥٧.

٣٣) من ندائه سنة ١٤١١ه.

٣٤) من ندائه سنة ١٤١٥ه.

٣٥) من ندائه سنة ١٤٠٩ه.

٣٦) من ندائه سنة ١٤١٣ه.

٣٧) يوسف / ٨٧.

٣٨) الحج / ٢٧.

٣٩) الحج / ٢٥.

٤٠) الصافات / ٩٩.

٤١) البقرة / ١٢٨.

٤٢) القصص / ٥٧.

٤٣) يس / ٦٠.

٤٤) الحج / ٣٠.

٤٥) الزمر / ١٧.

٤٦) هود / ٥٤

٤٧) يونس / ٣٢.

٤٨) من دعاء الحسين عليه السلام يوم عرفة.

٤٩) بلعم باعور: من زهّاد بني اسرائيل، انحرف عن طريق نبيّه موسى‏عليه السلام، وأصبح ضالا مضلّا غويّا.

٥٠) الحديد / ٢٥.

٥١) النساء / ١٣٥.

٥٢) هود / ١١٣.

٥٣) النساء / ٦٠.

٥٤) البقرة / ٢٥٦.

٥٥) الممتحنة / ١.

٥٦) الشعراء / ١٥١ - ١٥٢.

٥٧) الكهف / ٤٩.

٥٨) الزمر / ٧٠.

٥٩) الرعد / ٣١.

٦٠) البروج / ٨.

٦١) النساء / ٧٦.

٦٢) الصف / ٨.

٦٣) القصص / ٤٢.

٦٤) الفتح / ٢٧.

٦٥) الشرح / ٥ - ٦.

٦٦) الحج / ٢٧ - ٢٨.

٦٧) التوبة / ٣.

٦٨) الانبياء / ٩٢.

٦٩) البقرة / ٢٠٠.

٧٠) التوبة / ٣.

٧١) البقرة / ١٩٧.

٧٢) النساء / ١٤١.

٧٣) المنافقون / ٨.

٧٤) النساء / ٧٥.

٧٥) الانعام / ٥٧.

٧٦) البقرة / ١٢٠.

٧٧) المائدة / ٥٩.

٧٨) هود / ١٢.

٧٩) البروج / ٨.

٨٠) محمد / ٣٥.

٨١) آل عمران / ١٠٣.

٨٢) المجادلة / ٢١.

٨٣) إبراهيم / ٣٥.

٨٤) إبراهيم / ٧.

٨٥) الحج / ٢٨.

٨٦) البقرة / ١٢٥.

٨٧) الحج / ٢٧.

٨٨) البقرة / ١٩٩.

٨٩) الحج / ٢٨.

٩٠) الحج / ٢٧.

٩١) القصص / ٨٣.

٩٢) الحج / ٢٧.

٩٣) الحج / ٣٠.

٩٤) الحج / ٣٠.

٩٥) المائدة / ٩٧.

٩٦) التوبة / ٣.

٩٧) الحج / ٢٧.

٩٨) النحل / ٣٦.

٩٩) الحج / ٣١.

١٠٠) الحج / ٣٤.

١٠١) البقرة / ٢٠٠.

١٠٢) البقرة / ١٩٧.

١٠٣) البقرة / ١٢٥.

١٠٤) النساء / ٧٥.

١٠٥) الممتحنة / ١.

١٠٦) البقرة / ٢٠٠.

١٠٧) التوبة / ٣

١٠٨) الحج / ٣٧.

١٠٩) الحج / ٢٨.

١١٠) النحل / ٨٩.

١١١) التوبة / ٣.



[ Web design by Abadis ]