ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 نداء الامام الخامنئي‏ الى‏ حجاج بيت الله الحرام‏ = ١٤١٥هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على خير خلقه محمد المصطفى وآله الطاهرين.

«وأذِّن في الناس بالحَجّ يأتوكَ رجالاً وعلى كُلّ ضامرٍ يأتين من كُلّ فَجّ عَميق».

مثلما يحلّ ربيع الطبيعة في ميعاده السنوي وهو طافح بالنشاط والحيويّة، يعود في موعده الإلهي المقرر من كل عام موسم الحجّ… ربيع الأرواح والقلوب… فصل اخضرار الحياة التوحيدية في قلب كل مسلم أدرك الميقات… يعود مثل ينبوع دفّاق مبارك لينثر نفح رقراقه على جميع أرجاء العالم الاسلامي، وليطهّر أولئك الذين وردوا هذا الينبوع المبارك من أدران الذنوب والشرك والمادية والنزعات الهابطة وكل السيئات، ويزوّد من كان ذاكراً متيقّظا بصلاح وفلاح يبارك العمر كلّه.

منذ أكثر من أربعة عشر قرنا ارتفع نداء ابراهيم الخليل على لسان محمد المصطفى صلى الله عليه وآله داعيا ضيوف الرحمن لأن يفدوا كل عام، في هذا الموسم، على منطلق المعنوية والوحدة، وليطوفوا حول مركز التوحيد انسياقا مع ميسرة العروج الأبدية، وليصلّوا خلف مقام إبراهيم وتجاه الكعبة المحمدية، وليسعوا بين الصفا والمروة مجسّدين سعي المؤمن الأبدي من منطلق الصفاء، وليعرفوا في عرفات صغرهم أمام عظمة العزيز الحق سبحانه وتعالى، وليستشعروا في المشعر الحرام الاستئناس بربّ العالمين وحبّه، وليدركوا في ظلمة ليلة الوقوف ذلك النور الأبدي لتتبدّد به ظلمات وجودهم، وليرموا في منى الشيطان الأكبر والشياطين الآخرين، وليقدّموا قربانا يرمز الى ذبح الأهواء والميول المنحرفة… كل ذلك يفعلونه في حالة الاحرام الذي يرمز الى حريم قلب الحاج وروحه أمام الشجرة المحظورة في هذه الجنّة… يفعلونه الى جانب سائر المسلمين على اختلاف أصقاعهم وأجناسهم وألسنتهم وثقافاتهم، وعلى اختلاف رتبهم المادية أو المعنوية، ثم يحلقون ويقصّرون رمزاً لإزالة كل الأدران والقذارات التي تترسّب على القلوب والأرواح جرّاء تلوث أجواء الحياة الماديّة. ويعودون ثانية الى بيت الله الح

رام بروح متفتحة خفّت بعد أن أزالت عن كاهلها عب‏ء الذنوب وأشرقت فيها نور معرفة الله ومحبّة ربّ العالمين… فيطوفون ويصلون ويسعون… ولكنهم يفعلون ذلك هذه المرّة بآفاق أسمى مما قبل ثم يستعدون للعودة الى ديارهم بمخزون روحي طافح بالتوحيد والمعنوية والصفاء، وبعزم راسخ على مقارعة الشياطين، وقدرة فائقة على ضبط نزوات النفس، لينشروا شذى الحج الفوّاح في أصقاع المعمورة.

حكمة الاسلام تتجلّى بأروع بداعتها في تنظيم هذه التجربة المدهشة الطافحة بالرموز والأسرار بشكل تستطيع هذه الفريضة لوحدها أن تصون تلاحم وترابط أجزاء الجسد الاسلامي العظيم في كل القرون والأعصار وعلى مدى اتساع الارض الاسلامية في شرق العالم وغربه… الجميع في مكان واحد، ودائما في موسم واحد… سواء في عصور كان سفر عشاق البيت يستغرق خلالها من بعض نقاط العالم سنة بأكملها… أو اليوم حيث يستطيع أعداء الأمة الاسلامية أن يغطّوا كل الكرة الأرضية بإعلامهم المسموم خلال فترة لاتزيد على ساعة واحدة… أجزاء هذا الجسد العظيم المترامي الأطراف كان دائما في حاجة الى هذا المركز حيث الشعور يسود فيه بالوحدة والقدرة والصفاء والأخوة والمعنوية والتوحيد والمعرفة والاطلاع… إن افتقد الاسم فريضة الحج فقد افتقد ركنا أصليا من أركانه وجزءًا جوهريا من أجزائه.

[جوهر الحج]

الحج في جوهره وذاته ينطوي على عنصرين: التقرب الى الله في الفكر والعمل، واجتناب الطاغوت والشيطان بالجسم والروح… كل أعمال الحج وتروكه من أجل تحقيق هذين العنصرين، وفي اتجاههما، ولتأمين ما يحتاجان اليه من أدوات ومقدمات. ثم إن هذين العنصرين هما في الحقيقة أيضا عصارة الاسلام وكل الدعوات الالهية. قال سبحانه في الذكر الحكيم:

«ولَقَد بعثنا في كُلّ أُمّةٍ رَسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوتَ…» [١].

والعبارات التي‏نراها في آيات الحج مثل قوله سبحانه:

«حُنفاءَ للّهِ غيرَ مُشركين به…» [٢].

أو «… فإلهُكُم إلهُ واحدٌ فَلَهُ أسْلِموا…» [٣].

أو «فإذا قَضيتُم مناسِكَكُم فاذكُروا اللّه كَذِكْرِكُمْ آباءَكُم أو أشَدّ ذِكْراً» [٤].

كلها تتجه نحو هذين العنصرين الأساسيين.

التقرب الى اللّه سبحانه يتطلب ذكرا وصلاة وتسليما واحراما وتفكيرا بالنفس وباللّه وسعيا وصفاء، لينجم عن ذلك كله تزويد الحاج بزاد التقوى:

«وَتَزَوّدوا فإنّ خيرَ الزادِ التَقوى، واتقونِ يا أولي الألباب» [٥].

واجتناب الشيطان والطاغوت يستلزم تطهيرَ القلب من الشهوات والاهواء المذلّة، والاستعانةَ بقوة الصبر والارادة، والاستمداد مما في الامة الاسلامية من قوة عظيمة، ويتحصّل ذلك من الحركة الجماعية، ومن انسجام الخطى والقلوب والألسن في الطواف والسعي والوقوف في‏عرفات والمشعر والمبيت في منى، واستهداف جمرات الشيطان بشكل جماعي برميه من كل حدب وصوب وإعلان البراءة العامة منه… ويؤدي في النهاية الى تشابك أيدي السملمين وقلوبهم وعزمهم من كل أجزاء الامة المسلمة والى الاحساس بالقدرة والامن في ظلّ الوحدة:

«وإذْ جَعَلنا البيتَ مَثابةً للناسِ وأمنا» [٦].

لو أن العمل بفريضة الحج تمّ كما أراد القرآن… لو أخذنا مناسكنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله، كما أمرنا وقال: «خذوا عني مناسككم» فإن ذلك سيحقق للفرد المسلم كماله المنشود، وللأمة الاسلامية عزّتها.

وكل من يعارض حجّاً كهذا، ويفصل الحج عن هذه الأطر والمعالم الاساسية فقد عارض توجّه الفرد المسلم نحو كماله وعارض تحقّق عزّة الأمة الاسلامية.

[الحج قاعدة إحباط مؤامرات الاعداء]

الاستكبار العالمي اليوم بقيادة أمريكية وبتخطيط صهيوني منهمك في حرب معلنة ضدّ الاسلام والمسلمين… وهذه الحرب هي طبعا استمرار لعداء دفين قديم تجاه الاسلام، ولكن بأساليب جديدة وبدوافع جديدة ووسائل جديدة. والأمة الاسلامية تتمتع بمثل هذه القاعدة القادرة على تكثيف مقاومتها وقوتها ووحدتها… أمن العدل أن يبقى الحج دونما استمثار لمواجهة الأعداء الشرسين المفرقين المتآمرين، ويبقى المسلمون دونما دفاع أمام خصومهم؟ !

الحج الصحيح والكامل يستطيع، عن طريق تقريب القلوب وتبادل المعلومات وفضح المؤامرات، أن يحبط أخطر مكائد العدو ضد الاسلام والملسمين.

أعداء الاسلام، أعني رؤوس الاستكبار والصهيونية، قد وضعوا في رأس قائمة اهتماماتهم التفرقة بين المسلمين وتوجيه أبواقهم الدعائية ضد أي بلد أو حكومة أو شعب ينشد الصحوة الاسلامية وحاكمية القرآن الكريم، ويدعو الى عزّة المسلمين. لأنهم إذا استطاعوا أن يفصلوا الجزء الحيويّ المتحرك من الامة الاسلامية عن سائر أجزاء الأمة فسوف يطمئنون الى عدم انبثاق الامة الاسلامية العظيمة الموحّدة، وسوف ينفذون - دونما عائق - مخططاتهم الخبيثة تجاه المسلمين.

العالم يشهد هذه الأيام هذا الحجم الهائل الكثيف الواسع من إعلام الابواق الاستعمارية ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية. هذا الموقف ينطلق من تلك الاهتمامات الاستكبارية، وهي - وإن فشلت حتى الآن بفضل الله تعالى - تتواصل بكل ما أوتي الاستكبار من قوّة.

[سبب معاداة الجمهورية الاسلامية]

أهمّ دوافع العداء تجاه إيران الاسلام منذ عصر حياة الامام الراحل قدس سره حتى اليوم تتلخص في أن إيران اتخذت من الاسلام وحده معيارا لسياستها، على أساسه تقبل، وعلى أساسه ترفض. كل المواقف السياسية تستمد مشروعيتها من الاسلام. ترفض تسوية الحكومات مع الصهاينة، لأن هذه التسوية تعني بقاء الشعب الفلسطيني مشردا وبقاء الوطن الفلسطيني محتلا بيد الاعداء.

تساند أبناء الامة في فلسطين والبوسنة وطاجيكستان وأفغانستان وكشمير والشيشان وآذربيجان والجزائر وسائر الشعوب المظلومة المسلمة لأن القرآن أمر صراحة بحماية المستضعفين إذ قال:

«وما لَكُم لا تقاتِلونَ في سَبيل اللّهِ والمستضعفين من الرّجالِ والنساء والولدان الذينَ يقولون ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلُها، واجعل لنا مِن لَدُنْكَ وَلياً واجعَل لَنا مِنْ لَدُنكَ نَصيرا» [٧].

تعارِضُ سيطرة أمريكا ونفوذَها وتدخلَها في البلدان الاسلامية وكل البلدان المظلومة لأن القرآن الكريم قال:

«لا تّتخِذُوا عَدّوّي وعَدُوّكُم أولياءَ تُلقُونَ إليهِم بالمَوَدّة» [٨].

أقامت نظامها القانوني على أساس أحكام الاسلام، لأنها تؤمن بأن تحقق العزّة والاستقلال والرفاه والكمال المادي والمعنوي لشعب من الشعوب إنّما هو بالعمل بأحكام الاسلام.

كل هذا دفع برؤوس الاستكبار بتحريض ودسّ من المتآمرين الصهاينة الى اعتبار إيران الاسلام عدوّهم الأول، والى أن يناصبوها العداء ماوسعهم ذلك.

والمهم جدا، أن الامة المسلمة تشهد بكل أرجائها توجها وشوقا الى هذه الأهداف والمواقف. وفي كثير من البلدان الاسلامية نشهد الشباب والنخب وأنقى الفئات من علماء الدين وأساتذة المجامع العلمية والفنانين والشعراء والكتاب، بل وكثير من موظفي الدولة والفئات المتوسطة قد جنّدوا قلوبهم وألسنتهم وأقلامهم لخدمة هذه الأهداف، وهبّوا لمعارضة التسوية مع إسرائيل، ولإدانة التسلط الامريكي المتزايد على بلدانهم، ولاستنكار عدم اهتمام الحكومات بالقضايا الاسلامية في أوروبا وآسيا وأفريقيا… الاستكبار يرى أنّ كلّ هذا نتيجة انتصار الاسلام في إيران، ونتيجة ازدياد اقتدار إيران الاسلام، ومن هنا يزداد في قلبه اضطرام نار حقد جنوني تجاه الجمهورية الاسلاميّة.

وهذا أيضا أحد أهمّ دوافع الذين يعارضون الحجّ الابراهيمي والحج المعطاء الهادف. لأنّ التدبّر في الحجّ عاملّ إعجازي في بسط هذا الفكر بين جميع المسلمين، كما إنه مفترق طرق عظيم لتبادل المعلومات بين الشعوب من شرق العالم الاسلامي وغربه وشماله وجنوبه.

[وصية الى الحجاج]

أتقدم بتواضع الى كل الاخوة والاخوات من المسلمين المجتمعين في محشر الحج العظيم بتوصيتهم أن يتدبّروا في الحج وأن يتجهّزوا بالعطاعين الاساسيين: أعني تسليم القلب الى الله والتقرب منه سبحانه وتعالى في الفكر والعمل بعبودية خالصة حقيقية من جهة، واجتناب الشياطين وأعداء سبيل الله والحذر منهم، من جهة أخرى ليعودوا الى ديارهم بروح مزوّدة بالتقوى وبقلب مفعم بالاعتماد على الله، وبروح طافحة بالأمل في مستقبل الأمة الاسلامية، وبعزم راسخ على تحقيق أهداف الاسلام، وعلى تحكيم مفاهيم الاسلام وقوانينه وثقافته في الحياة الاسلامية.

[قدرة العدوّ زائفة]

قدرة العدوّ الزائفة يجب أن لا تبهر العيون. هؤلاء يستغلون تفرق المسلمين وضعف معنوياتهم ليصطنعوا لأنفسهم أمام أعين البسطاء قدرة كاذبة. الاستكبار انهزم أو فشل في تحقيق مآربه في كل الساحات التي صمد فيها المسلمون صمودا حقيقيا أمام تجبّره. ويكفي لإثبات ذلك بإلقاء نظرة واحدة على إيران الاسلام حيث انتصرت بحول الله وقوته في مواجهتها هذا الحجم الهائل الضخم الاسطوري من عداء أمريكا وأتباعها، خلال الأعوام الستة عشر الماضية، وهاهي اليوم أكثر اقتدارا ونجاحا ونشاطا وأملا من أي وقت مضى.

واليوم فإن أمريكا التي تحمل راية الاستكبار في صراعه مع حركة الصحوة الاسلامية، لم يقتصر فشلها وخيبتها على هذا الصراع الظالم، بل إنها تعاني في داخلها أيضا من مشاكل مستعصية اقتصادية وأمنية وسياسية. كما إنها في مساعيها المتجبّرة، التي يحسب زعماؤها المغرورون التافهون أنها حق من حقوق جبروتهم، قد ذاقت مرارة الهزائم المتلاحقة، وستذوق المزيد في المستقبل إن شاء الله تعالى.

لو ألقينا نظرة على وضع فلسطين، وعلى الاحلام اللذيذة، ولكن الباطلة، بشأن مايرونه لقضية فلسطين من حلّ قد تحوّل الآن الى عقدة مستعصية… أو على شرق أفريقيا وخروج القوات الامركية من الصومال وهي تجر أذيال الخيبة، أو على أوروبا ودور أمريكا الهزيل في قضية البلقان. أو على مساعي أمريكا الاستجدائية العقيمة في أرجاء الدنيا من أجل أن تقطع كل البلدان علاقاتها التجارية مع ايران، أوعلى تخبط أمريكا وتحركها القبيح المنفور لاتهام إيران في حادثة الارجنتين وحوادث اُخرى انكشفت حقائقها وافتضح أمر من اتهّم إيران فيها… لو ألقينا نظرة على هذه القضايا وقضايا أخرى من هذا القبيل لثبت لدينا أن مايدعيه الاستكبار من قدرة فائقة هي مثل كثير من ادعاءاته كالدفاع عن حقوق الانسان ونظائرها، فارغة تافهة.

المسلمون أقوى من الاستكبار إن وعوا وعزموا وصمدوا… القوى الاستكبارية تعاني في حيّز المسائل الانسانية من ضعف مفرط لا علاج له. ولاينبغي لشعب وحكومة أن يهابوا هؤلاء، خاصة الشعوب التي تحمل عزما راسخا وفكرا نيّرا، فما بالك بالأمة الاسلامية الكبرى!!

في الخاتمة أدعو الجميع الى التدبّر في كل عمل وشعيرة من أعمال الحج وشعائره، وأدعوهم الى الاستعانة بقدرة الله الواحد الاحد والى التمسك بحبله المتين، وآمل لكل الذين سلّموا قلوبهم لأنوار الحج الالهية أن يشملهم الله سبحانه وتعالى بفضله وتأييده، وأن يكونوا ممن ينالون دعاء المهدي المنتظر أرواحنا فداه وعجّل الله تعالى فرجه، وأن يعودوا الى ديارهم بحج مقبول ودعاء مستجاب وعطاء معنوي قيّم.

والسلام عليكم ورحمة اللّه

٤ ذي الحجة الحرام ١٤١٥هجرية قمرية

علي الحسيني الخامنئي

………………………. ) Anotates (…………………….

١) النحل / ٣٦.

٢) الحج / ٣١.

٣) الحج / ٣٤.

٤) البقرة / ٢٠٠.

٥) البقرة / ١٩٧.

٦) البقرة / ١٢٥.

٧) النساء / ٧٥.

٨) الممتحنة / ١.



[ Web design by Abadis ]