ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 نداء الامام الخامنئي‏ الى حجاج بيت اللّه الحرام‏ - ١٤١٣ه

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين. والصلاة على رسوله النبي الامين وعلى آله الميامين وأصحابه المنتجبين. والسلام على جميع عباد الله الصالحين. قال اللّه الحكيم: «وإذ بوأنا لإبراهيمَ مكان البيت أن لاتشرك بي شيئا وطهّر بيتي للطائفينَ والقائمينَ والركّع السجود».

شاءت الارادة الالهية النافذة أن تجمع المؤمنين مرة أخرى في منبثق التوحيد، ومشهد رحمة ربّ العالمين وفضله، وحول محور كعبة القلوب، وفي ساحة قبلة أرواح المسلمين، في العالم، فتفوّق النداء المكلوتي: «واذن في الناس بالحج» على كل الفواصل الطبيعية منها والمفتعلة المفروضة بين الاخوة المسلمين، ودفع مجاميع القلوب النابضة بالايمان والحبّ والآمال المشتركة نحو مركز التوحيد ووحدة الامة. منذ سنوات طوال سعت يدُ الجهل والعناد الى أن تفصل الاسرة الاسلامية الكبرى عن جذورها العقائدية، وأن تفصم في نفس الوقت الاواصر والروابط الايمانية فيما بينها. ولكن فريضة الحج السنوية تؤدّي دورها في تغذية الاسرة العريقة الاصيلة بدرس التوحيد والوحدة… وفي كل سنة تتفتح أزاهير جديدة، تزيد عما مضى، مبشّرة بعودة ربيع الايمان، والحياة في ظل الدين، والتآلف والتوادد بين المسلمين… ومحبطة عمل الاعداء وما كانوا يأفكون. إنها لمعجزة الحج أن نرى الوشائج الفكرية والعاطفية والايمانية بين الشعوب المسلمة لما تنقطع أبدا وأن التفاعل بين هذه الشعوب يزداد باطّراد رغم كل النزاعات والصراعات التي تجابهت فيها مرارا حكومات المسلمين.

أسرارُ الحج ورموزه أكثر من أن يحتويها مقال، غير أن بينها ثلاث خصائص بارزة تستطيع كلُّ عين مستقصية أن تتعرّفها في أول نظرة:

[فريضة جماعية]

الاولى: أن الحجَّ هو الفريضة الوحيدة التي دعا رب العالمين الى أدائها جميع أفراد المسلمين - من استطاع اليه سبيلا - من جميع أرجاء العالم ومن خلوة البيوت ومحالّ العبادة، صوب نقطة واحدة، وفي أيام معلومات، ليربط بينهم في ألوان من السعي والحركة والسكون والقيام والقعود:

«ثم أفيضوا من حيثُ أفاضَ الناسُ واستغفروا الله إن الله غفور رحيم».

الثانية: أن الهدف الاسمى في هذا العمل الجماعي والعلني هو ذكر اللّه، أي العمل القلبي والنفسي:

«ويذكروا اسم الله في أيام معلوماتٍ على مارزقهم من بيهمة الانعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير».

الثالثة: أنّ الحج يعرض على شاشته المضيئة البينة تصويرا كاملا لحياة الانسان الموحّد. وبعمل رمزي، يلقن المسلمين درس الحياة المتحركة الهادفة.

منذ ورود الميقات وحضور ساحة الاحرام والتبية والتروك حتى الطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف في محشر عرفات والمشعر ومافيه من ذكر وتضرع وتعارف، وحتى وصول مِنى وأضحيتها ورمي جمارها وحلقها، ثم العودة الى الطواف والسعي… يتلقّى المسلم فيها جميعا دروسا واضحة بينة في الحركة الهادفة والجماعية والعارفة في ساحة التوحيد وعلى درب الحياة وحول محور «اللّه» سبحانه. الحياة في منهج الحج سير دائم بل صيرورة مستمرة نحو اللّه، والحج هو الدرس العمليّ الحيّ البنّاء الذي إن وعيناه يرسم لنا طريق حياتنا في صورة عملية مشرقة.

ميعاد جماعي ينعقد كلّ عام كي يتعلّم المسلمون في ذلك الجو المفعم بالوحدة والتفاهم، وفي ظلال الذكر الالهي، درب الحياة واتجهاها، ثم يعودون الى أصقاعهم وأهلهم. وفي الأعوام التالية تقدم مجموعات أخرى وتعود، وتتعلم وتتزود، وتتكلم وتعمل، وتسمع وتتدبّر، لتصل الامة جميعا في النهاية الى ما أراده الله وعلّمه الدين…

تطلع الفرد المسلم الى ساحة حياة الامة الاسلامية بكل مافيها من عظمة تطلعا يتسامى على القوميات والعنصريات والقبليات والاقليميات، وتطلعه الى أعماق وجوده، وتلّقنه طريق الحياة واتجاهها وأسلوبها على نحو يليق بكرامته، كل ذلك يفعله في ظل ذكر اللّه. وهذا هو ينبوع المعرفة الذي يغدق كل عام في موسم الحج بعطائه الفيّاض الآبدي على الجموع البشرية المحتشدة في حرم الامن الالهي. وكل من فتح وعاء ذهنه وقلبه فهو من زلال المعرفة هذا في ارتواء.

ثمة مساع بُذلت في الماضي وتبذل اليوم أيضا لإضفاء الطابع الفردي على فريضة الحج أي إن كل حاج يعكف على عبادته وتضرعه الى الله سبحانه. دعونا عن أولئك الغافلين الذين يرون الحج تجارة وسفر سياحة، الحجّ بخصائصه البارزة التي لاتحتويها مجتمعة أية فريضة اسلامية أخرى أسمى بكثير من هذا الفهم الضيّق وهذه النظرة القاتمة الخاطئة.

[إحياء الحج الابراهيمي المحمدي]

أكبر شخصية - في عصرنا - أماطت ستار الاوهام عن الحج وأوضحت أسراره لدى جمع عظيم من المسلمين على المستوى النظري والعملي إمامنا الراحل الكبير. فقد رفع نداء الحج الابراهيمي ودعا الخلق الى هذا الحج، وأبلغ أسماع الخافقين مرة أخرى دعوة: «وأذّن في الناس بالحج».

الحجّ الابراهيمي هو نفسه الحج المحمدي الذي تحتل فيه الحركةُ نحو التوحيد والاتحاد مكان الروح والصدارة في كل المناسبك والشعائر.

إنه حج يفيض بالبركة والهداية على الامة الواحدة ويشكل دعامتها الاصيلة في حياتها ونهوضها… حجّ مفعم بالمنافع وطافح بذكر اللّه. حجّ تتحسس فيه الشعوب المسلمة بوجود الامة المحمدية الكبرى وبانتمائها الى هذه الامة، وتستشعر الشعوب روح الاخوة والتقارب بينها فتنجو من كل إحساس بالضعف والعجز والخور والهزيمة.

الحجُّ الابراهيمي هو الذي فيه يتحرك المسلمون من التفرقة الى التجمّع ويطوفون حول الكعبة. مبنى التوحيد الخالد ورمز البراءة والنفرة من الشرك والوثنية… عن معرفة بمعناها الرمزي، ويصلون من ظاهر المناسك وهيكلها الى باطنها وروحها، ويتزوّدون منها لحياتهم وحياة أمة الاسلام.

وها أنا ذا اغتنم فرصة التدبّر في مناسة الحج، مؤملا رحمة الله وهدايته؛ داعيا لكم أيها الاخوة والاخوات من جميع أرجاء العالم الاسلامي، أن يكون حجّكم مقبولا معطاءً، مذكرا إياكم بأمور يعود الانتباه اليها بالنفع على كل أفراد المسلمين:

[التوحيد أولا]

١ - الموضوع الاول يرتبط بالتوحيد الذي يشكل روح الحج الاساسية ومضمون كثير من أعماله ومناسكه. التوحيد بمفهومه القرآني العميق يعني التوجه والحركة نحو الله ورفض الاصنام والقوى الشيطانية. أخطر هذه القوى في داخل وجود الكائن البشري هي النفس الامّارة والاهواء المضللة الدنيئة. وعلى ساحة المجتمع والعالم هي تلك القوى الاستكبارية المشاغبة المفسدة المسيطرة اليوم على حياة المسلمين والمهيمنة بسياستها على جسم وروح كثير من الشعوب الاسلامية بأساليبها الشيطانية. مراسم البراءة في الحج إنما هي إعلان البراءة من هذه القوى. كل عين بصيرة ونظرة ومعتبرة تستطيع أن تشاهد في حياة المجتمعات الاسلامية مظاهر تسلط تلك القوى أو سعيها للسيطرة على البلدان الاسلامية. في بعض هذه البلدان تخضع السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية والمواقف تجاه حوادث العالم لتأثير القوى السلطوية وعلى رأسها أمريكا وتتماشى معها. استشراء الفساد وإسباغُ الصفة الرسمية على الفحشاء والمحرمات الشرعية في كثير من هذه البلدان إنما هو بتأثير ما تمارسه تلك القوى من سياسات شيطانية. الواجب الذي يفرضه الحج ومناسكه وشعائره التوحيدية على المسلم الحاج هو إعلان البراءة من هذه كلها. و

هذه أول خطوة على طريق تجسيد الارادة الاسلامية في دحر هذه الظاهرة الشيطانية وإحلال حاكمية الاسلام والتوحيد في جميع المجتمعات الاسلاميّة.

[الوحدة ثانيا]

٢ - والموضوع التالي يرتبط باتحاد المسلمين وتوحدهم، وهو مايشكل مضموناً بارزا آخر في مناسك الحج. فمنذ أن دخل الاستعمار الاوربي في البلدان الاسلامية كانت التفرقة بين المسلمين من المبادئ الحتمية في سياسة المستعمرين… متوسّلين بسلاح الطائفية تارة وبالنعرات الاقليمية والقومية تارة، وبغيرها أحيانا. ومع كل نداءات المصلحين ودعاة الوحدة، فإن مِدية الاعداء هذه لاتزال تنزل بجسد الامة الاسلاميية مع الاسف بعض الضربات والجراحات. إثارة الاختلافات بين الشيعة والسنّة، والعرب والعجم، والآسيويين والافارقة، وتضخيم القوميات العربية والطورانية والفارسية - وإن ابتدأت على يد الاجانب - فهي اليوم تستمر مع الاسف على يد أفراد من بيننا يعبّدون طريق العدو عن سوء فهم أوعن عمالة للأجانب. هذا الانحراف يبلغ من الفظاعة أحيانا أن تنفق بعض حكومات المسلمين أموالا للتفريق بين المذاهب الاسلامية أو الشعوب والاقوام الملسمة، أو أن يعلن بعض أنصاف العلماء بصراحة فتوى تكفير بعض الفرق الاسلامية ذات الماضي الوضئ في التاريخ الاسلامي. يجدر بالشعوب المسلمة أن تتعرّف على الدوافع الخبيثة لهذه الاعمال، وأن ترى الايدي التي وراءها… يد الشيطان الاكبر وأيدي أذن

ابه، وأن تتصدى لفضح الخائنين.

[خذوا حذركم]

٣ - المسألة الهامة التي تستحق أن يتفهمها المسلون وأن يستشعروا مسؤولية مواجهتها أيضا هي ما يشهده العالم اليوم في جميع أرجائه تقريبا من هجمة تآمرية تشنها القوى الاستكبارية على الاسلام والمسلمين. هذه الهجمة - وإن لم تكن بجديدة وكان لها جذور معروفة في تاريخ الاستعمار الاوربي - فإنه يمكن القول أن أساليبها المتنوعة، وصراحتها، وقسوتها الفظيعة في بعض المواضع لم يسبق لهانظير، بل هي من ظواهر هذا العصر. لو ألقينا نظرة على الاوضاع الراهنة للعالم الاسلامي لتبيّن لنا سبب هذه الظاهرة؛ أعني ظاهرة تصاعد الهجمة على الاسلام وصراحة الهجوم، والسبب ليس إلا يقظة المسلمين. في الواقع إن المسلمين في العقد الاخير أو العقدين الاخيرين بدأوا بنهضة حقيقية عميقة في شرق العالم الاسلامي وغربه، بل حتى في البلاد غير الاسلامية وأجدر أن نسميها نهضة «تجديد حياة الاسلام».

هاهو ذا جيل الشباب المتعلم المتحلّي بمعارف العصر لم ينس إسلامه كما كان يتوقع المستعمرون بالامس والمستكبرون اليوم، بل بالعكس من ذلك؛ اتجه الى الاسلام بإيمان متوقّد، مستفيدا من تطور المعارف البشرية ليصبح أكثر نضجا وعمقا، باحثا عن ضالته في هذا الدين.

قيام الجمهورية الاسلامية في إيران، وازديادها باستمرار استقرارا وثباتا واقتدارا يمثل قمة هذه النهضة الفتية العريقة، وكان له بنفسه أكبر الدور في توسيع نطاق صحوة المسلمين.

[حرب واسعة ضد الصحوة الاسلامية]

هذا هو الذي يدفع بجبهة الاستكبار العالمية، التي كانت تتحاشى دائما أن تتظاهر بمحاربة عقائد الشعوب ومقدساتها، الى أن تعلن الحرب على الاسلام، بكل السبل الممكنة، بل وبالقسوة والفظاظة أحيانا. في أمريكا والبلدان الاوربية نرى رؤساء وسياسيين كبارا عديدين صرّحوا لمرة واحدة على الاقل بأن اتساع الايمان الاسلامي يشكل خطرا كبيرا وأكدوا على ضرورة محاربته. كلما ازداد اتجاه عامة الشباب المسلم الى الايمان والعلم الاسلامي اتساعا ازدادت هذه التصريحات الدالة على الاضطراب والعداء وضوحا، وبلغ الامر أن رؤساء وساسة بعض البلدان الاسلامية الذين كانوا يخفون دائما عنادهم للاسلام تحت غطاء من النفاق هم أيضا قد احتذوا بأسيادهم الامريكان والاوربيين فراحوا يتحدثون علنا وصراحة عن خطر الاسلام، وخطر الايمان المقدس للشعب الذي يحكمونه.

محاربة الصحوة الاسلامية على الصعيد العالمي لها أشكال عديدة:

في الجزائر تُدلي الاكثرية الساحقة من الجماهير في انتخابات حرة وديمقراطية تماما برأيها لصالح الجبهة الاسلامية فيأتي انقلاب فظ يُلغي الانتخابات ويلقي المنتخبين في السجون ويقمع الجماهير. وعندها تتنفس القوى المستكبرة الامريكية والاوربية الصعداء - معلنة دعمها الكامل للانقلابيين مصرّحة بدورها التآمري.

في السودان تصل الجماعات الاسلامية بدعم الجماهير الى سدة الحكم، فيبدأ الغرب بألوان الاستفزاز مهددا هذا البلد من داخل حدوده وخارجها باستمرار.

وفي فلسطين ولبنان يقمع الفلسطينيون المسلمون على يد الصهانية الغاصبين بأبشع وجه، وينزل بهم أشد ألوان العذاب، وفي الوقت ذاته تُغدق أمريكا مساعداتها على أولئك القتلة الوحشيين الجلادين وتتهم أولئك المسلمين المظلومين أو مدافعيهم اللبنانيين بأنهم إرهابيون.

في جنوب العراق حيث انتهج قطاع كبير من الشعب العراقي الجهاد ضد النظام البعثي بدوافع وشعارات إسلامية، يتعرض من قبل ذلك النظام لأبشع هجوم، والدوائر الامريكية والغربية التي بينت بوضوح دوافعها في اتخاذ موقف مقتدر تجاه صدام في قضايا أخرى، تظهر هنا ساكتة سكوتا ينمّ عن الرضا والتشجيع.

وفي كشمير والهند، يعتدى الهندوس عن تعصّب أعمى جاهل وبالاستفادة من تجاهل الحكومة وأحيانا مساعدتها، على أعراض المسلمين وأرواحهم ومقدساتهم فلا يرون من أمريكا والغرب إلّا عدم الاكتراث وابتسامة اللامبالاة.

في مصر يتعرض طلائع المثقفين المسلمين لمطاردة وحشية حاقدة من قبل النظام الفاسد، العديم الكفاءة، الحاكم في ذلك البلد، والحكمة الذيلية الحقيرة المسيطرة على ذلك البلد الكبير تحظى بتشجيع أمريكي على الصعيدين المالي والامني.

وفي طاجيكستان تتعرض أكثرية الجماهير المسلمة المتطلعة الى حياة إسلامية لقمع حثالات النظام الشيوعي بشدّة، فيتشرّد جمع غفير منهم من بيته ومأواه، والغرب بكل هواجسه من عودة الشيوعيين في الاتحاد السوفيتي السابق، يغتنم حركة هؤلاء ويقف مقارنا بين الاسلام والشيوعية، ويتخذ علنا جانب أعداء الاسلام.

في أمريكا وأوربا يتعرض المسلمون والجماعات الاسلامية للاهانات والتهم، وتحظر في مواضع مظاهر الالتزام الاسلامي كحجاب النساء. إهانة الاسلام إهانة سافرة في قالب كتاب محظور وبقلم كاتب مهدور الدم تلقّى دعما علنيا من زعماء الانظمة الاوربية بل ويعمد النظام البريطاني متمثلا في زعيمه السي‏ء السمعة ذي الملف الاسود الى الاجتماع بذلك الكاتب الاجير التافه.

وأفظعُ من ذلك كلّه مأساة إبادة المسلمين في البوسنة، بشكل لم يسيبق له نظير. أكثر من عام والصرب العنصريون - وبالتعاون مع الكرواتيين أخيرا - يرتكبون أبشع وأفظع ألوان القتل والظلم والقسوة بحق المسلمين وهم أصحاب البوسنة والهرسك الاصليون والغرب وأمريكا لم يمدّوا اليهم يدّ المساعدة ولم يحولوا دون جرائم الصرب، وليس هذا فحسب، بل إنهم بالاستفادة من إمكانات مجلس الامن يحولون دون وصول السلاح الى المسلمين المظلومين، ثم أطبقوا عليهم الحصار بإرسال قوات الامم المتحدة. على المسلمين اليوم وفي المستقبل أن يعلموا أنّ أمريكا والدول الاوربية الكبرى مقصّرة ومسؤولة مباشرة في مأساة البوسنة. فيما مضى من عام من المذابح أطلق - خلاله - ركام من الكلام الفارغ وأُعطيت الوعود الكاذبة، ولكن لم يحولوا دون مقتل واحد من آلاف من قتل ظلما من أهل تلك الديار، وأكثر من ذلك فقد مانعوا من أن يتزوّد هؤلاء بقدرة على الدفاع.

هذه صورة مقتضبة عن عداء الغرب وآمريكا للاسلام والمسلمين في عصرنا. لا الاستعطاف ولا الاستسلام ولا المحادثات ولا أيّ طريق من الطرق التي يقترحها البعض عن بساطة على المسلمين تستطيع أن تعالج الداء وتنقذ المسلمين. العلاج يكمن في شي‏ء واحد دون غيره: اتحاد المسلمين، والتمسك بالاسلام وقيمه ومبادئه، والمقاومة أمام الضغوط وتضييق الساحة - في المدى البعيد - على الاعداء.

والعالم الاسلامي اليوم ينظر بعين الامل الى الشباب الغيارى المعبئين في جميع أرجاء العالم الاسلامي ليدافعوا عن كيان الاسلام ويؤدوا دورهم التاريخي.

[تصاعد الصحوة]

٤ - المسالة الهامة الاخرى التي تقتضي التأكيد عليها، هي أن الاستكبار بكل تدابيره الشيطانية وبكل ماتوسل به من قوة وألاعيب سياسية ودعاوات كاذبة لم يستطع، ولن يستطيع أبدا، أن يصدّ تيار الصحوة الاسلامية المتنامي وحركة التوجه الى الاسلام. ما بذلته أمريكا وبقية الدول المستكبرة وعملائها المحليين من نشاط في مختلف الجوانب السياسية والامنية وأكثر من ذلك الاعلامية، ضد النهضة الاسلامية في البلدان المختلفة، ومن ذلك ضد النظام المقدس في الجمهورية الاسلامية في إيران، خلال الاعوام الاخيرة، كان واسعاً جداً ولم يسبق له نظير. وفي هذا الخضمّ أدّى النظام الصهيوني، كذيل أمريكا في المنطقة، دوره كما كان متوقعا على أدنى مستويات الرذالة والخباثة. المحاسبات المادية العادية تقتضي أن تضعف النهضة الاسلامية في البلدان الاسلامية أو تقتلع من جذورها نتيجة هذه المساعي الواسعة المبذولة بدافع استكباري وعن غضب وعناد. ولكن الامر على العكس من ذلك تماماً، فالكل يشهد أن هذه النهضة تزداد سعة وعمقاً باستمرار. يمكن وضع الاصبع الآن على العديد من البلدان الاسلامية التي لوجرت فيها انتخابات كالتي جرت قبل عامين في الجزائر فإن الاحزاب أو العاملين الاسلاميين

فيها سينالون أكثرية آراء الجماهير، مع أن نشاط الجماعات الاسلامية محظور سياسيا وإعلاميا في أكثر هذه البلدان. في هذه السنوات بالذات نرى داخل الارض الفلسطينية المغتصبة تصاعد نضال الجماهير بشعارات إسلامية ومن مراكز المساجد، وهو يضيّق الخناق على الصهاينة. في هذه السنوات بالذات نرى الجماعات المناضلة الاسلامية في لبنان تحقق نجاحا باهرا حتى في الانتخابات البرلمانية وكسب المواقع الشعبية. وفي هذه الفترة الزمنية ذاتها نرى الجمهورية الاسلامية، التي كان يتوقع بعض عن سذاجة أنها تصل الى طريق مسدود أو تتراجع عن مبادئها وأهدافها، تحث الخطى بسرعة أكثر من المتوقع نحو الامام مع الاصرار على الالتزام بمبادئها الثورية.

أتقدم الى كل الاخوة والاخوات من أبناء الامة الاسلامية في كل مكان مؤكدا أن خطة العدو الكبرى تقتضي بثَّ اليأس وزرع التشاؤم بينكم تجاه المستقبل. ويكفي أن لا يدع أي مسلم واع لليأس طريقا الى قلبه. لاشي‏ء يسمح لنا بالركود الى اليأس. لوأن العدوّ كان قادراً على إبادة هذه الحركة الالهية لاستطاع على الاقل أن يحول دون تناميها. وكلكم ترون أنه لم يستطع ذلك. السنن الالهية والحقائق الملموسة الخارجية تبشر بغد مشرق للنهضة الاسلامية الحديثة. والقرآن يكرر مرارا: «والعاقبة للمتقين».

[الهجوم الإعلامي]

٥ - الاعلام الحديث ذو التغطية العالمية، هو دون شك أمضى أسلحة الاستكبار، عدد مراكز البثّ الصوتي والتصويري والصحفي التي تكرّس أكثر جهدها لمعاداة الاسلام كثير، ويزداد باطّراد. ثَم خبراء أجراء منهمكون فقط في تدبيج التعليقات والاخبار والتحليلات من أجل تضليل أذهان مستمعيهم وإعطاء صورة محرفة ممسوخة عن النهضة الاسلامية والشخصيات الاسلامية الكبرى، والجمهورية الاسلامية خلال الاعوام التي تلت انتصار الثورة الاسلامية حتى يومنا هذا تواجه باستمرار وبشكل متزايد مثل هذه الاعلام المعادي. ولابد من القول إن هذه الخطة التي اختطها العدوّ مقابل الحركة الاسلامية الاصيلة المنطلقة من الفطرة والحاجة الانسانيّة لم تحظَ بكثير من النجاح ولم تحقق ما استهدفه العدوّ. ولا أدلّ على ذلك من تنامي أمواج الدعوة الثورية التي أطلقها الامام الراحل العظيم في أرجاء العالم الاسلامي، وانتشار فكره واسمه وتعاليمه وصورته ومعالمه في شرق العالم وغربه، رغم كل الاعلام الكاذب والقول الباطل الذي أطلق ونشر للاساءة الى هذا الوارث للانبياء بشخصيته الملكوتية. ومع هذا لابد من الاذعان الى أن العامل الهام في حفظ سلامة الشعوب المسلمة وسداد فكرها هو ما ينهض به العلماء

والمثقفون والكتاب والفنانون والشباب العامل والواعي من نشاط في حقل التوعية. وفي هذا المجال يتحمل الجميع وخاصة علماء الدين الملتزمين مسؤوليات كبرى. العدو بعد انتصار الثورة الاسلامية في إيران حتى اليوم ألقى قائمة من الاتهامات على إيران الاسلام. ونرى توجيه نفس هذه التهم اليوم لكل النهضات الاسلامية في جميع بقاع العالم… تهمة التعصب والجمود الفكري التي يطلقون عليها اسم «الاصولية» … تهمة الارهاب… تهمة نقض حقوق الانسان… تهمة معاداة الديمقراطية… تهمة إهمال حقوق المرأة… تهمة معاداة السلام والنزوع الى الحرب… وقليل من الانصاف يكفي لأن يتضح لكل شخص كذب هذه التهم ووقاحة من يطلقها. إيران الاسلام تتهم بمعارضة الديمقراطية بينما هي بعد خمسين يوما على انتصار الثورة الاسلامية الكبرى وحتى أربعة عشر شهرا من ذلك التاريخ أجرت استفتاءين شعبيين عاميّن اختار الشعب في أحدهما الجمهورية الاسلامية نظاما سياسيا لبلده، وفي الثاني صوّت للدستور، كما جرت ثلاثة انتخابات، انتخب الشعب فيها على الترتيب أعضاء مجلس الخبراء لتدوين الدستور، ورئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشورى الاسلامي، والانتخابات الحرة تجري حتى اليوم باستمرار باشتراك حماسي جماهيري

لتعيين رئيس الجمهورية وأعضاء المجلس في الموعد القانوني المقرر. وتهمة الارهاب يطلقها على إيران الاسلام من تنال منهم الحكومة الارهابية الصهيونية أكثر الدعم، ومن احتضنوا في كنف حمايتهم المجموعات الارهابيةالايرانية المعادية للثورة، ومن عمد أجراؤهم داخل ايران الاسلام مئات المرات الى تفجير القنابل وقتل الالاف من المدنيين والعناصر الثورية والرجال والنساء والاطفال الابرياء.

معادة السلام ينسبها الى الجمهورية الاسلامية من فرضوا على إيران ثمانية أعوام من الحرب بتشجيعهم النظام العراقي ودفعه، مغدقين على ذلك النظام، الذي كان نظامهم المحبوب بسبب هجومه على ايران الاسلام، ألوان الدعم والمساعدات.

تهمة غمط حقوق المرأة يطلقها من لايستسيغ أن يرى مكانة المرأة الايرانية السامية حيث تشارك في أرقى نشاطات البلد مع حفظ حجابها وحدّها الشرعي، ويرون أن الوصفة المطلوبة لحياة المرأة الاجتماعية تنحصر في الابتذال المهيمن على علاقة المرأة والرجل والاستثمار البشع للمرأة في المجتمعات الغربية.

تهمة نقض حقوق الانسان تطلقها على إيران أنظمة ترتكب أفظع الانتهاكات وأكبرها بشأن حقوق الانسان أو تمهّد لارتكابها، هل نقضت حقوق الانسان في العالم الحديث كما نُقضت في البوسنة؟ أليس نقض حقوق شعب بكامله مثل الشعب الفلسطيني نقضا لحقوق الانسان؟ التهجير الجماعي لأكثر من أربعمائة مواطن فلسطيني من أرضهم وبيتهم ووطنهم أمام مرأى ومسمع العالم الذي يدعي الدفاع عن حقوق الانسان، كيف اعتبر قضية يمكن غض الطرف عنها؟ . إسقاط طائرة مدنية إيرانية بيدأمريكا في سماء الخليج الفارسي، ظلم السود الامريكيين، دعم الانقلاب في الجزائر، دعم النظام المصري الفاسد، الاحراق الجماعي لمجموعة من الامريكيين. أليست هذه وأمثالها استهانة بحرمة الانسانية ونقض حقوقها؟ هل هذه الحكومات التي تنتهك حقوق الانسان صراحة أو تنظر الى المنتهكين ببرود ولا مبالاة بل بعين الرضا والتشجيع أحيانا هي مستاءة حقا مما تدعي أنه نقض لحقوق الانسان في إيران الاسلام؟ . الحقيقة أن هؤلاء الذين يطلقون التهم، ومن متزعميهم أمريكا التي افتعلت أخيرا ضجة جديدة مستندة الى هذا السلاح الاعلامي المتصدّي، يعلمون جيدا أنهم يطلقون كلامهم جزافا. إن الذي لايستسيغونه من الجمهورية الاسلامية ليس

هذا، بل هو شي‏ء آخر تقتضي مصلحتهم السياسية أن لايعلنوه صراحة، وإن كانت تصريحات منظريهم وكتّابهم تنم لدى التدقيق عن ذلك.

[سبب السخط الامريكي]

في نظام الجمهورية الاسلامية مايثير سخط أمريكا وكل مستكبر آخر هو:

الاول - عدم انفصال الدين عن السياسة والاساس الاسلامي لنظام الجمهورية الاسلامية.

الثاني - الاستقلال السياسي لهذا النظام، أي عدم استسلامه أمام التعنّت المعروف لدى القوى الكبرى.

الثالث - إعلان طريق مشخّص لحل مسألة فلسطين من قبل الجمهورية الاسلامية يتمثل في انحلال النظام الصهيوني الغاصب وإقامة دولة فلسطين من الفلسطينيين أنفسهم والتعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين واليهود في فلسطين.

الرابع - الدعم المعنوي والسياسي لكل النهضات الاسلامية وإدانة كل إساءة الى المسلمين في أية بقعة من العالم.

الخامس - الدفاع عن كرامة الاسلام والقرآن والنبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسائر الانبياء ومواجهة مؤامرة نشر الاهانة بهذه المقدسات نظير ما حدث بشأن كاتب الآيات الشيطانية المهدورالدم.

السادس - السعي لاتحاد الامة الاسلامية وإقامة التعاون السياسي والاقتصادي بين الحكومات والبلدان الاسلامية، والتحرك على طريق ترسيخ اقتدار الشعوب المسلمة في إطار «الامة الاسلامية الكبرى».

السابع - رفض الثقافة الغربية المفروضة التي تسعى الحكومات الغربية عن تعصّب وضيق نظر الى إجبار كل شعوب العالم على قبولها، والاصرار على إحياء الثقافة الاسلامية في البلدان الاسلامية.

الثامن - مكافحة الفساد والتحلل الجنسي الذي اعترفت بعض البلدان الغربية وخاصة أمريكا وبريطانيا أخيرا رسمياً بأبشع ألوان انحرافه بكل وقاحة أوهي عازمة على هذا الاعتراف، والذي تخطط وتسعى هذه البلدان منذ عشرات السنين الى إدخال أشكال هذا الفساد الى البلدان الاسلامية.

هذه هي التي تدفع أمريكا وبطانتها الى عداء حاقد للجمهورية الاسلامية.

من الواضح أن هؤلاء لو أعلنوا صراحة سبب عدائهم وكشفوا عن فهرست سبب أحقادهم لزادوا من علوّ مكانة الجمهورية الاسلامية في أنظار الشعوب الاسلامية التي تعشق هذه المبادئ. ومن هنا فإن هؤلاء في إعلامهم يتهمون إيران من جهة بأنها إرهابية وأمثال ذلك، ومن جهة أخرى يوحون في تحليلاتهم الكاذبة وأخبارهم المختلقة بأن الجمهورية الاسلامية وكأنّها قد تخلت عن مبادئها واستسلمت لإرادة الاعداء.

كلا هاتين الفريتين ناشئتان عن طبيعة الاستكبار الماكرة. مبادئ الجمهوررية الاسلامية التي هي ذاتها طريق الامام والمبادئ الاسلامية معتبرة في إيران الاسلام رغم أنف الاعداء وتشكل أساس حياتنا السياسية والاجتماعية. حكومة إيران وشعبها حققوا إقامة الحياة في ظل الاسلام الخالص المحمدي - صلى الله عليه وآله بالتضحية وبذل أعزّ الارواح، وسوف لايتخلون عنها في أي ظرف من الظروف. ومبادئ الامام الخميني - رضوان الله تعالى عليه - وعلى رأسها مبدأ عدم انفصال الدين عن السياسة والمقاومة أمام الضغوط المادية الحديثة لعزل الاسلام والقرآن سوف تبقى - بإذن الله - الاصول النابضة بالحياة المستمرة في الجمهورية الاسلامية.

[اغتنام فرصة الحج‏]

٦ - في الخاتمة أتقدم بتوصية الحجاج الاعزاء أن يغتنموا فرصة الحج أكثر مايمكن للتعرف على إخوتهم المسلمين وأوضاع العالم الاسلامي من خلال أقوال المسلمين وأفعالهم، وأن يتبادلوا التجارب والآمال والمنجزات والمهارات، وأن يقرّبوا حجّهم أكثر فأكثر من الحج الذي أراده الاسلام. وأوصي إخواني وأخواتي من الايرانيين الاعزاء أن يكونوا بلسانهم وعملهم دعاة ورسل ثورتهم العظمى وبلدهم الكبير وشعبهم المقدام الى إخوتهم من أبناء البلدان الاخرى. أوصيهم أن يغتنموا ويستثمروا فرصة المجاورة القصيرة لبيت الله وحرم النبي الاعظم صلى الله عليه وآله ومواقف الحج القيّمة وأرض الحجاز المليئة بالذكريات لإحياء قلوبهم بذكر الله ولتوثيق ارتباطهم المعنوي برسول الله صلى الله عليه وآله وعترته الاطهارعليهم السلام وخاصة التوجه والتوسل بحضرة ولي الله الاعظم الذي يشمل فيض حضوره المقدس في موسم الحج دون شك القلوب العامرة بالمعرفة، وللأنس بالقرآن وتدبّر آياته البيّنات، والدعاء والتضرع والتوسل وهو ما يقرب الفرد من الله سبحانه. وليدعوا اللّه سبحانه أن يزيل مشاكل المسلمين ويزيد في قوة وعزة الاسلام والجمهورية الاسلامية، ويعلي درجات روح الامام الراحل وأرواح الشهد

اء الابرار.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏

علي الحسيني الخامنئي

٢٤ ذي القعدة ١٤١٣



[ Web design by Abadis ]