ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 نداء الامام الخامنئي ‏الى حجاج بيت الله الحرام‏ = ١٤١٢ه

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله ربّ العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا ونبيّنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

قال الله الحكيم:

«وإذ قال ابراهيم ربّ اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنيّ أن نعبد الاصنام. ربّ إنهنّ أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنّه منّي ومن عصاني فإنّك غفور رحيم».

الآن، إذ أطلّ علينا موسم الحج وملأت نغمة التلبية، المتصاعدة من قلوب المشتاقين، حرم الامن الالهي، وهرعت الشعوب الاسلامية من أرجاء المعمورة الى ميعاد الذكر والاستفغفار والقيام والاتحاد، وتلاقى الاخوة المتباعدون… أتوجّه الى ساحة الرب العزيز الحكيم شاكرا خاضعا، وأحمده حمدا عظيما عظم صفاته الحسنى، واُثني عليه سبحانه ثناء واسعا سعة بحار رحمته، أن وفق المسلمين المشتاقين مرة اخرى لاداء هذه الفريضة، وأعلا جلّ شأنه مرة أخرى راية العزّة والعظمة على رؤوس المسلمين في بيته الآمن، واستضاف الحجاج الايرانيين مرة اُخرى على مائدة الرحمة والعظمة. يعجز اللسان والقلم عن وصف هذه النعمة الكبرى وقدرها. علّ الله سبحانه أن ينير قلوبكم المضيئة أنتم حجاج بيت الله وتتجلّى في. قلوبكم المشتاقة تلك الحقيقة المستغنية عن وسائط القول والكلام.

[نعمة الحج]

مايهمّني أن أقوله لكم أيها الاخوة والاخوات من أي بلد كنتم والى أي شعب انتميتم هو أنّ الحج نعمة الهيّة منّ بها الله سبحانه على الاجيال المسلمة.

شكر هذه النعمة ومعرفة قدرها يزيدها، والكفران بها ونكران قدرها يسلبها من المسلمين وهو العذاب الالهي الشديد نفسه: «ولئن كفرتم إن عذابي لشديد».

سلب نعمة الحج ليس في عدم توجّه المسلمين لأداء هذه الفريضة، بل في حرمان المسلمين من منافعه التي لاتحصى. وزيادة هذه النعمة ليس في زيادة عدد الحجاج كل عام، بل في استثمار منافعه: «ليشهدوا منافع لهم».

جدير بنا أن نفكّر جيدا، هل إن العالم الاسلامي استطاع أن يستمثر منافع الحج؟ وماهي هذه المنافع أساسا؟

الحج الصحيح يستطيع أن يحدث تغييرا في المحتوى الداخلي لكل فرد من أفراد المسلمين. يستطيع أن يغرس في نفوسهم روح التوحيد والارتباط بالله والاعتماد عليه، وروح رفض كل الاصنام الداخلية والخارجية في وجود الكائن البشري، هذه الاصنام المتمثلة في الاهواء والشهوات الدنيئة والقوى الطاغية المسيطرة، يستطيع أن يرسّخ الاحساس بالقدرة والاعتماد على النفس والفلاح والتضحية. ومثل هذا التحول يستطيع أن يصنع من كل إنسان موجودا لايعرف الفشل ولا ينثني أمام التهديد ولا يضعف أمام التطميع.

والحج الصحيح يستطيع أن يصنع من الاشلاء الممزقة لجسد الامة الاسلامية، كيانا واحدا فاعلا مقتدرا، وأن يجعل هذه الاجزاء المتفرقة تتعارف وتتبادل الحديث عن الآمال والآلام والتطورات والاحتياجات المتقابلة والتجارب المستحصلة. لو أن الحجّ وضع ضمن إطار برنامج يتوخّى هذه الاهداف والنتائج وتتضافر عليه جهود الحكومات والعلماء وأصحاب الرأي والكلمة في العالم الاسلامي، لعاد على الامة الاسلامية بعطاء ثرّ لايمكن مقارنته بأي عطاء آخر في دنيا الاسلام. يمكن القول بكل ثقة أن هذا التكليف الالهي وحده، لو استثمر استثمارا صحيحا كما أرادته الشريعة الاسلامية، يستطيع بعد مدة غير طويلة أن يبلغ بالامة الاسلامية مايليق بها من عزّة ومنعة.

لابد أن نذعن بمرارة الى أن الفاصلة كبيرة بين الشكل الحالي لأداء هذه الفريضة الالهية والشكل المطلوب. الامام الراحل العظيم بذل جهودا فعّالة في هذا السبيل، ووضع نصب أعين الامة الاسلامية تصويرا واضحا عن الحج الابراهيمي، حج العظمة والعزّة، حجّ الخلاقية والتحول وكان طرح هذا التصور بحد ذاته مبعث بركات وافرة في العالم الاسلامي غير أن نشر هذه الفكرة وهذا المنهج العملي بين جميع الشعوب المسلمة بحاجة الى جهود مخلصة ينهض بها علماء الدين، ووعي وتعاون يبديه حكام كل البلدان الاسلامية، وآمل أن تكون هذه المهمة الحساسة موضع اهتمامهم وعملهم.

والآن، من المناسب أن نستفيد من هذا الجوّ العبق بشذى الاخوّة، مؤدّين جانبا من واجبات الحج الملقاة على عاتقنا، ونلقي نظرة على العالم الاسلامي ومكانته؛ انطلاقا من الحوادث التي طرأت بعد الحج الماضي حتى اليوم في أرجاء العالم، لنستخلص ماعلينا في هذا الخضمّ من واجبات.

حوادث العام الماضي كانت من مواكب الاحداث النادرة التي قلَّ أن شهد زمان قصير كهذا في التاريخ مثل هذه المجموعة الهائلة من الاحداث الكبرى.

[انهيار قوة كبرى‏]

على رأس هذه الحوادث. انهيار القوة الشرقية الكبرى وانهدام القدرة المتعملقة التي كانت لعشرات السنين تعتبر إحدى أكبر القوتين العظميين في العالم سياسياً وعسكرياً وإعلاميا. اضمحلال الامبراطورية المترامية الاطراف ذات القدرة العسكرية الاسطورية والمجهزة بالاسلحة الذرية وكل وسائل السيطرة والنفوذ في العالم، هي في المحاسبات العاديّة المادية من المستحيلات، لكن هذه الحادثة قد وقعت، والمحاسبات المادية أثبتت فشلها من جديد.

تفكك الكتلة الشرقية، والتغيير الهائل في الجغرافيا السياسية للقارة الاوربية، وبروز شعوب وبلدان كانت لسنوات متمادية راضخة عنوة وغصبا تحت احتلال الاجانب أو قابعة تحت نفوذهم، هي أيضا من هذه الحوادث المدهشة.

وبنفس القدر من الروعة والاثارة كان انتصار الثورة في افغانستان، وتولى القدرة فيه شعب حمل أعباء الجهاد المر خلال أربعة عشر عاما من الغربة والمظلومية والفقر المادّي ولكن، بإيمان عميق بالاسلام. وهكذا ظهور عدد من البلدان المسلمة المستقلة في آسيا الوسطى وهي تضمّ شعوبا ترفع صوتها بالاسلام وتفخر بإسلامها وتنشد تطبيق الشريعة الاسلامية. سبعين عاما من الاعلام المضلل الشيوعي المسموم، ورغم جهود بقايا ذلك العهد الذين لم يتصالحوا مع الاسلام ولن يتصالحوا معه. وهكذا ولادة مالايقل عن بلدين مسلمين في اُوربا أعني البوسنة والهرسك، والبانيا بما بعث حتى الآن على تشويش الحكومات الاوربية.

[انتصار الاسلاميين في الجزائر]

ونوع آخر من الاحداث تمثّل في انتصار التيار الاسلامي في الجزائر خلال انتخابات حرة منطبقة مع معايير الديمقراطية، وكان هذا الانتصار مبعث أمل كل المسلمين واعتزازهم، وتعبيرا عن عمق الايمان الاسلامي في ذلك الشعب المجاهد المجرب. ويكفي هذا الانتصار عظمة أن بعث الرعب في القوى المعادية للاسلام وفي رجعيّة المنطقة على حدّ سواء. حتى عمدوا عن طريق انقلاب عسكري خادع الى التغطية على تلك الصحوة الاسلامية وحاصروها وقيّدوها في الوقت الراهن. وواضح لكل ذي بصيرة أنهم لايستطيعون الابقاء على هذا الوضع لمدة طويلة.

على أي حال، كان العام الماضي صاخبا بمثل هذه الحوادث النادرة العجيبة، وأضف الى ماسبق تصاعد الحركات الاسلامية وصحوة المسلمين وإصرار الامة على استعادة هويتها الاسلامية وعلى الوقوف بوجه القوى المتعنتة المخالفة، في كثير من مناطق العالم، خاصة في فلسطين العزيزة، وبعض بلدان شمال أفريقيا والشرق الاوسط… كانت هذه جميعا من المميزات البارزة لهذا العام.

[دلالات الاحداث]

هذه الحوادث الهامة المعبّرة التي كان كثير منها متأثرا مباشرا أو بصورة غير مباشرة بالاسلام أوجدت بمجموعها وضعا جديدا للاسلام والمسلمين، وواجب كل الشعوب المسلمة أن تستوعب بدقة هذا الوضع وأن تتخذ منه، دون إضاعة للوقت، موقفا موحّدا وزينا ومدروسا.

هذا الوضع الجديد ينطوي على جانبين أو عنصرين: الاول، تزايد الفكر الاسلامي والهوية الاسلامية على الساحة العالمية شوكة وعزة وحيوية، حيث أضحى الاسلام واحدا من أبرز الحقائق العالمية المطروحة على أرجاء الارض.

والثاني، أن القوى المتسلطة العالمية قد اتخذت موقفا أكثر صراحة في عدائها للاسلام والاهداف الاسلامية. ومن الموكد أن أحد الفصول الهامة في النظام الدولي الجديد المقترح من قبل أمريكا للعالم بعد سقوط الشيوعية هو فصل حذف الاسم ومجابهة النمو المتزايد في الحركات الاسلامية.

ومن يتابع تصريحات حكام النظام الامريكي ومواقفهم بشأن الاسلام والنهضات الاسلامية المعاصرة، وبشأن البلدان والشعوب التي تنشد الاسلام وتدعي أو تأمل إقامة النظام الاسلامي، يلمس عمق الحقد الدفين تجاه الاسلام والنظام الاسلامي.

[مذابح وإرهاب بوجه العودة الاسلامية]

حوادث العالم الجارية أيضا تحمل أكثر من شاهد مشهود على مانقول. ومن أشدّها مرارة وأمضّها ألماً تلك الحوادث التي تلّم بالبوسنة والهرسك، وهكذا الحروب الداخلية في قره باغ وعامة منطقة القفقاز. القمع الدموي الوحشي الذي يتعرض له المسلمون في سراييفو الواقعة في قلب أوربا المسماة بالمتحضرة تبلغ درجة من الخشونة والوحشية بحيث تذكّر الانسان بالمجازر الاوربية المعروفة في القرون الوسطى وبالحروب الدينية والعنصرية التي شهدتها هذه القارة الغامرة. مع فارق هو أن صرب يوغسلافيا السابقة يستفيدون اليوم من الآلة الحربية المتطورة في ارتكاب المذاحب الجماعية بحق المسلمين.

ومع كل هذا فإن الحكومات، التي تتذرع بحقوق الانسان في تدخلها وفي إصدار أحكامها بشأن البلدان حتى النائية منها، تقف مكتوفة الايدي تجاه هذه المآسي. أمريكا والبلدان الاوربية في نفس هذه المنطقة وتجاه الجمهوريات الاخرى لنفس هذا البلد (يوغسلافيا السابقة) قد حالوا بشكل حازم دون وقوع مثل هذه المذاحب حين لم تكن المسألة ترتبط بالمسلمين. وفي منطقة القفقاز أيضا، فإن الدول التي كانت قادرة بممارسة ضغط اعتيادي لتحول دون قتل المسلمين في قره باغ، لم تتخذ اية خطوة جادّة في هذا المجال، وليس هذا فحسب، بل إنها أحاطت مساعي الوساطة التي بذلتها الجمهورية الاسلامية الايرانية بانواع المؤامرات والمخالفات، مثبتة بذلك عدم اكتراثها بمصير الشعب القفقازي الذي نال استقلاله حديثا.

الاتصالات المكثفة التي تجريها أمريكا وعملاؤها مع البلدان المستقلة الفتية في آسيا الوسطى من أجل إرعابهم من الاتجاهات الاسلامية ومما يسمونه بالاصولية… وموقفهم العدائي تجاه الصحوة الاسلامية في كل مكان وكنموذج بارز موقفهم من الحركة السياسية المنتصرة لمسلمي الجزائر… وسلوكهم المتحايل الغادر تجاه الشعب العراقي ودفع هذا الشعب الى الوضع المؤلم المفجع الحالي… ولجاحتهم في الخصومة مع حكام السودان لالشي‏ء إلا لتوجههم الاسلامي… وعشرات النماذج الاخرى في أرجاء العالم، التي تشكل بمجموعها شواهد لاتقبل الانكار على علانية خصومة أمريكا وغيرها من القوى السلطوية تجاه الاسلام واليقظة الاسلامية وتجاه عودة الملسمين في العالم الى هويتهم الاسلامية.

[واجب المسلمين أمام هذا العدوان]

على الشعوب الاسلامية أن تجيب على هذا السؤال: ماهو واجب المسلمين تجاه هذه المواقف المعاندة الحاقدة؟ لاشك أن المتجبّرين لايكتفون بالاعراب عن مشاعر العداء، بل يعمدون الى الاستفادة من كل الامكانات المالية والسياسية والاعلامية بل والعسكرية إن استطاعوا في خصومتهم كما فعلوا ذلك حتى الآن. والشعب الايراني حتى اليوم قد جرّب هذه الخصومات والامة الاسلامية الكبرى شهدت حقد الاستكبار العالمي‏على إيران الاسلام وعلى سائر مظاهر التحرك الاسلامي في نقاط العالم الاخرى.

لاشك أن عدم اكتراث الشعوب المسلمة تجاه هذا الوضع، يشجع العدو ويضيق الخناق أكثر كل يوم على المؤمنين بالاسلام. المسلمون يجب أن يثبتوا أن العالم الاسلامي له القدرة التي تمكنه أن يقف بوجه عدوان وعداء أمريكا وكل معتد أثيم آخر. كل ما أنزله لمستعمرون بالامس والمستكبرون اليوم من ضربات قاصمة بالامة الاسلامية حتى الآن كان ناتجا أساسا عمّا اعترى الحكومات أو الشعوب من ضعف في النفوس والمعنويات. مقاومة الشعوب تشلّ العدوّ، وتؤدي الى فشله في الوصول الى أهدافه المتجبرة. لو أن القادة والشعب الفلسطيني أبدوا من أنفسهم في بداية إقامة الدولة الغاصبة الصهيونية نفس روح الشجاعة والتضحية التي تبديها الانتفاضة الاسلامية تجاه الصهاينة اليوم، لما شهدت الساحة هذا المصير المرّ المأساوي لفلسطين، ولو أن قادة النهضات الاسلامية والجماهير المؤمنة وطّنت نفسها على تحمل مشاق النضال فالامة الاسلامية ستحقق دون شك مستقبلا زاهرا.

الاستكبار لايعرف حدا في عدوانه على الشعوب المسلمة. الصهاينة الغاصبون وأمريكا باعتبارها حاميتهم في كل المجالات، تمادوا في غيّهم حتى بلغ بهم إنكار حتى المواطنة الفلسطينية، وإنكار حقيقة اسمها الشعب الفلسطيني بينما الشعب الفلسطيني شعب عريق ذو جذور ضاربة في أعماق التأريخ وذو ارتباط جغرافي وثيق والذي لاجذور تاريخية له ولا ارتباط جغرافي انما هو مايسمى زورا وكذبا بالشعب الاسرائيلي.

في البلدان المسلمة التي ترتبط شعوبها بالاسلام ارتباطا إيمانيا وثيقا مثل الجمهوريات الفتية الاستقلال التي تتحدث بحرارة وشوق عن حاكمية الاسلام رغم سبعين عاما من المساعي الشيوعية في إزالة الاسلام، يبلغ بالقوى المعادية للاسم أن تتحدث عن أخطار الميول الاسلامية في هذه البلدان، مضفين صفة الخطورة على أعزّ ما عند هذه الشعوب من أمانٍ قلبية.

هذه الصلافة التي يبديها الاستكبار وعملاؤه يجب أن تجابه بإرادة شعبية عامة وبموقف موحّد من قبل كل أبناء العالم الاسلامي، وبردّ شرور المؤامرات الاستكبارية المحيطة بالشعوب المسلمة الى نحور مدبريها. تهاون الحكومات الاسلامية في النضال ضدّ النظام الصهيوني الغاصب شجّع أمريكا على عقد المحادثات المباشرة بين العرب وإسرائيل، ومن المؤسف أن بعض زعماء العرب رضخوا لهذه المهانة دون أن يلتفتوا الى ما تنطوي عليه هذه الضربة من أبعاد واسعة. وكانت النتيجة أن حققت الدولة الغاصبة الاسرائيلية ما كانت تصبو اليه وهو اعتراف البلدان العربية دون أن تتراجع قيد أنملة عن مواقفها العدوانية.

الصهاينة الآن، إضافة الى ماكانوا يرتكبونه في الماضي من عمليات إرهاب واختطاف وغصب للأرض الفلسطينية واللبنانية وقمع للفلسطينيين ومذابح جماعية وسائر الجرائم الفظيعة، يشنون يوميا غارات جوية مدمرة على قرى جنوب لبنان، ويرتكبون، وهم واثقون من عدم التعرض لأية ضغوط من قبل أمريكا وأروبا، أفظع ألوان الجرائم بحق سكان تلك المنطقة. المحادثات بين العرب واسرائيل لم تستطع حتى أن تحول دون استمرار الصهاينة في عدوانهم وجرائمهم.

هذا نموذج من نتائج التراجع الذي زاد العدوّ تعنتا وصلافة.

[دعوة الى الحكومات الاسلامية]

اُهيب برؤساء البلدان الاسلامية أن يلتفتوا الى ما عندهم من قدرة هائلة، ألا وهي قدرة الشعوب الاسلامية. فبمساعدة هذه القدرة الصلدة تستطيع الحكومات الاسلامية أن تقف بوجه القوة الامريكية التي تتزعم اليوم جبهة الاستكبار المعادية للاسلام، وأن تدافع عن حق شعوبها وعن الشعوب المظلومة المسلمة، الاسلام أفضل ضمان لإدارة حياة شعب من الشعوب، وفي ظله تستطيع الشعوب أن تذوق شهد الحرية والاستقلال التام، وتتمتع بمعطياتها، والايمان الاسلامي الراسخ في جميع أفراد البلدان المسلمة أعظم سند لتحقيق هذه الاهداف.

المؤمَّل من الحكومات المسلمة أنها، بدلا من أن تساورها المخاوف والهواجس من الاسلام، وهي مخاوف وهواجس تسعى أمريكا وغيرها من زعماء الاستكبار حثيثا الى إلقائها في روع زعماء البلدان الاسلامية، بدلا من ذلك تنظر الى هذا الدين الالهي باعتباره منقذا لشعوبها، وعاملا على شدّ الشعوب المسلمة أعني أجزاء الامة الاسلامية ببعضها، ومصدرا تنتهل منه مقومات العزّة والمنعة. إنه أقوى وسيلة لكسب دعم الشعوب، والحكومة التي يساندها شعبها تستطيع أن تتحدى كل تهديد.

[دعوة الى الشعوب المسلمة]

وأتوجه بالخطاب أيضا الى الشعوب الاسلامية وأبناء الامة الاسلامية فرداً فرداً وأقول: علاج كل مايلم بالامة من آلام واحباطات يتمثل في العودة الى الاسلام، والانضواء تحت لواء النظام الاسلامي والاحكام الاسلامية. وبذلك يستطيع المسلمون أن يستعيدوا عزتهم وشوكتهم وتمتعهم بمعيشة مرفهة آمنة، وأن يتبعدوا عن المصير المر المذلّ الذي تسوقهم اليه دوائر التخطيط الاستكبارى.

[افهموا قدرة الاسلام]

الاعلام الاستكباري المعادي للاسلام الذي يشكل جزءاً من الحملة الصليبية الجديدة يوحي إن الاسلام عاجز عن تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية للشعوب الملسمة، ولاسبيل للشعوب المسلمة إلا أن تعيش وفق مايقدمه النظام الرأسمالي الغربي من معايير وأشكال ومحتويات. وهذه خدعة كاذبة مزورة تروج منذ سنوات وتستهدف تبعية البلدان الاسلامية للمعكسر الغربي وامتصاص خيرات هذه البلدان. النظام الرأسمالي الغربي غارق حتى ذقنه في مشاكل إنسانية مستعصية، ومع كل مايمتلكه من ثروات طائلة ظلّ عاجزا تماما عن إحلال العدالة الاجتماعية.

التمرّد الاخير للسود في أمريكا أوضح أن النظام الامريكي لايتعامل بعدالة مع الشعوب، وليس إجحافه مقتصرا على شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بل يشمل الشعب الامريكي أيضا. وفي أمريكا بالذات كما في البقاع الاخرى يواجه الاعتراض بالقمع والعنف. صحيح إن المعسكر الشيوعي قد مني بالانهيار، لكن منافسه أعني المعسكر الرأسمالي أيضا، بوضعه الحالي وبما اعتراه خاصة من غرور وطغيان على أثر انفراده في ساحة القوى، سوف لايكتب له البقاء وسيشهد العالم سقوطه وانهياره عاجلا أو آجلا.

الاسلام قادر على إنقاذ المسلمين وجميع البشرية، شرط أن يفهم ثم أن يدخل حيّز التنفيذ. النظام الاسلامي في إيران هو بفضل الله مظهر قوة الاسلام واقتداره، وتجربة مجسمة للمسلمين، مع أن هذا النظام امضى ثماني سنوات من أعوامه الثلاثة عشر في حرب فرضت عليه بتخطيط وحقد الاستكبار الشرقي والغربي. وكان قبلها وبعدها حتى اليوم هدف هجوم متواصل ينفث فيه معسكر العدو خصوماته وخبائثه.

الامام الخميني العظيم قدس الله نفسه الزكية أيقظ الشعب الايراني وسلّحه بعزم صلب لايلين وبعمل مخلص دائب، وهذا الطريق قائم الآن أمام جميع الشعوب.

[ساندوا الحكّام على طريق الاسلام]

كل مايومّل من الحكومات المسلمة يمكن تحققه بإرادة وعزيمة شعوبها. فعليكم يا أبناء الشعوب الاسلامية أن تطالبوا حكامكم بالوقوف بوجه الصهيونية والاستكبار، وبالدفاع عن المسلمين المظلومين في أرجاء العالم، وبالتلاحم والاخوة مع سائر الشعوب والبلدان الاسلامية، وكونوا لهم على طريق تحقيق هذه الاهداف السامية سندا حميما وباذلا سخيا.

عليكم أن تقنعوهم بالابتعاد عن الخوف من أمريكا وبالوقوف بوجه تعنتها. وعليكم أن تفهموهم بأن الاسلام والقرآن هما الطريق الوحيد للانقاذ، ووجّهوهم الى ذلك الحصن المنيع، حصن (لا اله الا الله).

ويتحمل علماء الدين، والمثقفون، والخطباء والفنانون، والطلبة، والشباب في هذه المهمة الكبرى مسؤولية أجسم. والنساء لهن جنبا الى جنب مع الرجال نصيب في هذه المهمة… وهذا هو الذي يؤمّن استجابة دعاء ابراهيم الخليل عليه السلام بحقكم جميعا، ويربطكم بمنادي التوحيد الكبير برباط، الهي.

في الخاتمة اُوصي الحجاج المحترمين الايرانيين أن يغتنموا هذه الفرصة القيمة أكثر اغتنام لتزكية النفس والارتباط بالله والتوبة والانابة اليه سبحانه وتحقيق الفلاح الروحي، وأن لايغفلوا لحظة واحدة عن الدعاء والتضرع والتفكير وتصفية الروح، وأن لايدعوا المظاهر المادية التافهة، التي يمكن أن يوجد نظائرها في كل مكان، تجتذب لاسمح الله أعينهم وقلوبهم، وتسرق منهم عبثا هذه الايام والساعات الاستثنائية الخاصة بالمعنويات وكمال النفس وتربية الروح وتوثيق الارتباط بالاخوة المسلمين.

أسال الله سبحانه أن يشملكم جميعا بفضله الواسع وبدعاء ولي العصر المهدي المنتظر أرواحنا فداه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏

علي الحسيني الخامنئي

اول ذي الحجة الحرام ١٤١٢ه



[ Web design by Abadis ]