ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 نداء الامام الخامنئي‏ الى حجاج بيت اللّه الحرام‏ = ١٤١١ه

بسم الله الرحمن الرحيم‏

«وأذِّن في الناس بالحجِّ يأتوكَ رِجالاً وعلى كُلِّ ضامر يأتينَ من كُلّ فَجٍّ عميق. ليشهدوا منافعَ لهم ويذكروا اسم الله في أيّامِ معلوماتٍ على مارزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير».

حمداً للّه الحكيم العزيز والشكر له سبحانه إذ مَنّ على عباده أن دعاهم ليجتمعوا حول بيته، وكلّف نبيه الكريم أن يرفع على مئذنة التاريخ دعوة الناس بالحج. جعل البيت آمنا ومثابة، وطهّره من أوثان الجاهلية وصيّره مطافا للمؤمنين وميعادا للقاصين وتعبيرا عن شوكة الامة واجتماعها. بيت الله - الذي‏اتخذه سدنةُ الكعبة وخدَمة المطاف والمسعى في الجاهلية الاولى سوقاً لتجارتهم ودكّانا لرئاستهم وسيادتهم - قرره سبحانه للناس، ولمنافع الناس، ورغم كل المحتكرين جعل العاكف فيه المقيم عنده، والباد القادم اليه سواء في الحقوق، وشيّد من الحج رمزا لوحدة المسلمين وعظمتهم وانسجامهم وتلاحمهم، وعاملاً يلقف مايُصاب به الفرد المسلم والمجتمعات المسلمة من سحر وإفك وأمراض نتيجة الابتعاد عن فطرتهم وأصالتهم مثل: الانبهار بالاجانب، ونسيان القدرات الذاتية، والانخداع بالاحابيل، والغفلة عن الله تعالى، والوقوع في أسر أهل الدنيا، وسوء الظن بالاخوة في الله، والاصغاء الى حديث الاعداء بشأن هؤلاء الاخوة، وفقدان الحساسية تجاه مصير الامة الاسلامية بل تجاهل كيانٍ يطلق عليه اسم الامة الاسلامية، والتغافل عما يجري في البلاد الاسلامية الاخرى، وعدم الوعي تجا

ه مؤامرات الاعداء التي تستهدف الاسلام والمسلمين…. وغيرها من أمراض مهلكة أخرى هدّدت المسلمين دوما على مرّ التاريخ نتيجة سيطرة من ليس له قابلية ولا ارتباط بالله على الحياة السياسية ومصير المسلمين…. أمراض اتخذت في القرون الاخيرة شكلا متأزّما وطابعا تخريبيا نتيجة حضور القوى الاستعمارية الاجنبية في المنطقة أو عملائها الفاسدين عبدة الدنيا.

الشكر لله سبحانه وتعالى أن جعل الحجَّ للامة الخالدة ذخيرة لاتفنى، ومعيناً لا ينضبُ، وسلسبيلاً زلالا مستمراً من عرفه حق معرفته وقدره حقّ قدره انتهل منه وارتوى، واتخذ منه بلسماً لتلك الامراض الفتّاكة.

والحمد لله أن أغدق شآبيب رحمته على الشعب الايراني الكريم فارتوى عطش شوقه الى الكعبة المنشودةِ، بعد وخز أشواكِ الفيافي والقفار، من كأس وصال مزاجه حلاوة العزة والانتصار، لقد أعاد لهم جلّ وعلا بكرم وسخاء حقاً سُلِب منهم بظلم لسنين، وملأ بأفضل وجه ذلك الفراغ الذي تركه في ساحة الحرم شعبٌ أحلّ الحج الابراهيمي المحمدي - عليهما وعلى آلهما صلوات الله وسلامه - محل حج أبي جهل وأمثال أبي جهل، وأنزل سبحانه سكينته بجُرعة الوصال على القلوب الملتهبة… قلوبِ المشتاقين المهجورين والمصدودين والمحصورين واستجاب دعاء النفوس المبتهجة بأنوار المعرفة والمفعمة بشوق الزيارة. أنعم بألطافه الخاصة على خُلّص عباده، وأنجز وعده بنصرة المؤمنين، وجعل بيته مقراً للطائفين والعاكفين. اللهم إن هؤلاء الحجاج المشتاقين الوالهين قد نالوا وصال الحبيب بعد انتظار ثقيل، فاعطف عليهم وعلى جميع الاخوة والاخوات ممن قدم الى ساحة الرحمة والغفران من أقطار العالم بلطفك ورحمتك، وأنر قلوبهم بأنوار المعرفة والبصيرة، واشملهم بهدايتك وعونك وجهِّزهم بالعزم على إصلاح حال الامة، وانصرهم على أعدائهم آمين ربّ العالمين.

اللهم ترحَّم وتفضل على أرواح أولئك الشهداء الذين تعرضوا قبل أربع سنين في حرم الآمن الالهي للحقد والخصام، وتضرّجوا نساء ورجالا وشيبا وشبانا بدمائهم مظلومين على عتبة بيت الحبيب، وعادوا الى ذويهم وأحبتهم المنتظرين قدومهم بأجسادهم الدامية. اللهم ومُنَّ بثواب الحج الكامل على أولئك الذين التحقوا بالرفيق الاعلى وفي قلوبهم حسرة أداء الحج.

اللهم وأغدق رحمتك وفضلك على إمامنا القائد الراحل… ذلك العبد الصالح الممتحن، الخلف الصدق لإولياء الله… ذلك الانسان التقي الزاهد الواعي الذي كان ينشد رضاك، وكان حبه وبغضه من أجلك، ولم ترهبه مشكلة في سبيلك. وابعث اللهم لروحه الطاهرة نصيبا وافرا من ثواب حج الحجاج وعبادة العباد وجهد الساعين الذين شملتهم هدايته وتوجيهاته، وحقق اللهم أمنيته الكبرى وهي إقامة الحج الابراهيمي واستثمار الامة الاسلامية لهذه العبادة العظيمة الالهية.

اللهم وابعث أفضل صلواتك وتسليمك وتحيتك لمنجي البشرية في كل القرون والاعصار وسيّد الانبياء والمرسلين المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله فقد بيّن للبشرية مسيرتها، وأبلغها رسالة وحيك، وقدّم لها مفاتيح سعادة الدنيا والآخرة، وجعل من حياته المباركة أسوة للبشرية حتى يرث الله الارض ومن عليها. اللهم صلّ وسلم عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وخاصةً بقية الله الاعظم وحجة الله في أرضه المهدي المنتظر عجل الله فرجه وجعل أرواحنا فداه.

أيها الاخوة والاخوات المتجمعون من مختلف نقاط العالم في محشر الحج العظيم والمهاجرون من «الانا» القومية والعنصرية والطائفية للانضمام الى «نحن» الاسلامية والقرآنية، ثمة مسائل من المناسب أن تضعوها نصب أعينكم وتتبادلوا النظر بشأنها مع المسلمين الآخرين، وتجعلوها بعد سفر الحج في رأس قائمة تدبركم وتفكركم وعملكم.

[فهم مكانة الحج‏]

١ - الموضوع الاول، معرفة قدر ومنزلة فريضة الحج الكبرى المليئة بالاسرار والحكم. الحج مظهر التوحيد، والكعبة بيت التوحيد. تكرر «ذكر الله» في الآيات الكريمة المرتبطة بالحج دلالة على وجوب إزالة كل عامل غير الله تعالى من ذهن المسلمين وعملهم وتطهير حياتهم من أنواع الشرك في هذا البيت وببركة هذا البيت. في محيط الحج، «اللّه» سبحانه محور ومركز كل حركة، والطواف والسعي والرمي والوقوف وسائر شعائر الله في الحج يمثل كل واحد منها مشهداً من مشاهد الانجذاب الى الله وطرد ورفض «أنداد اللّه». وهذه هي الملة الحنيفية… ملة إبراهيم عليه السلام محطّم الاصنام الكبير وداعية التوحيد المطل على قمة التاريخ. ليس الشرك على شكل واحد ولايتمثل الصنم دائما بهياكل خشبية وصخرية وفلزية. مهمة بيت الله وفريضة الحج في كل الأزمنة هي تشخيص الشرك بلبوسه الخاص بذلك الزمان وتشخيص الصنم الشريك لله بمظهره الخاص ثم رفضه وطرده. لاوجود اليوم طبعا للاّت والعزّى ومنات الثالثة الاخرى، لكن هناك اليوم بدلها ماهو أخطر منها وهو أصنام المال والقوّة المستكبرة والانظمة الجاهلية الاستكبارية التي تهيمن على أجواء المسلمين في البلاد الاسلامية… أصنام يساق اليوم كثيرٌ من

شعوب العالم ومنهم كثيرٌ من المسلمين لأداء فروض العبادة والطاعة لها قسراً وجبرا.

إن المهيمن على جميع الشؤون الثقافية والسياسية والاقتصادية للمسلمين وسائق الشعوب شاءت أم أبت في اتجاه مصالحه المتعارضةمع مصالح المسلمين إنّما هو صنمُ الاستكبار الامريكي.

العبادة ماهي إلا هذه الطاعة العمياء وهذا الانقياد بأشكاله المختلفة المفروضة اليوم على الشعوب أمام إرادة جبهة الاستكبار وعلى رأسها أمريكا.

ثقافة الفساد والفحشاء التي تشيعها الايدي الاستعمارية بين الشعوب، والثقافة الاستهلاكية التي تدفع بحياة الشعوب يوما بعد يوم الى مزيد من الانغماس في مستنقعها كي تؤدي الى زيادة أرباح الكارتلات الغربية التي تشكل دماغ وقلب معسكر الاستكبار، والهيمنة السياسية الغربية الاستكبارية التي تضع قواعدها الحكومات العميلة المعادية للشعوب، والتي اتخذت شكلا أكثر علانية بالتواجد العسكري مهما كانت الذريعة، كل هذه وأمثالها من مظاهر الشرك والوثنية المتعارضة مع النظام التوحيدي ومع الحياة التوحيدية التي قرّرها الاسلام للمسلمين.

الحج، هذا التجمع العظيم حول بيت التوحيد يجب أن يرفض مظاهر الشرك تلك ويحذّر المسلمين منها.

[الحج منطلق البراءة من المشركين]

الحج، بهذا المفهوم الجلي الواضح، اعتبر المقر الافضل للبراءة من المشركين، وأوكل اللّه سبحانه اعلان براءته وبراءة رسوله الاكرم‏صلى الله عليه وآله من المشركين الى يوم الحج الاكبر.

«وأذانٌ من الله ورسوله الى الناس يومَ الحجّ الأكبر أنَّ اللّه برئٌ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتُم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبَشّر الذين كفروا بعذاب أليم».

المسلمون اليوم إذ يرفعون أصواتهم بالبراءة من المشركين في الحج، إنما يرفعون أصواتهم بالبراءة من الاستكبار وأعوانه الذين يمارسون مع الاسف نفوذهم باقتدار في البلدان الاسلامية، ويعملون على فرض ثقافة وسياسة ونظام حياة مشوبة بالشرك على المجتمعات الاسلامية، فيهدمون قواعد التوحيد العملي في حياة المسلمين ويزجونهم في عبادة غير الله فيتحول توحيدهم الى لقلقة لسان والى اسم ليس له في حياتهم معنى ولا تأثير.

[الحج منطلق الوحدة الاسلامية]

الحج أيضا مظهرلوحدة المسلمين واتّحادهم، دعوة الله تعالى لكل المسلمين المستطيعين الى مكان خاص وفي زمان خاص ليجتمعوا ليالي وأياماً بعضهم عند البعض الآخر، في إطار أعمال ومناسك هي مظهر التعايش والانتظام والتنسيق، ذات آثار واضحة أولها غرس الاحساس بالوحدة والجماعة في كل فرد منهم، وتقديم صورة لهم عن عظمة وشوكةاجتماع المسلمين وإشباع ذهن كل واحد منهم بشعور العظمة والعزة. استشعار العظمة هو الذي يجعل المسلمين لايحسون بالغربة والوحدة حتى ولو كانوا يعيشون في فتق جبل. واستشعار العزة هو الذي يغذي المسلمين في كل بلد إسلامي بالشجاعة اللازمة لمجابهة المعسكر المعادي للاسلام، أي لمجابهة هذه السيطرة السياسية والاقتصادية لعالم الرأسمالية وعملائها ودسائسها وفتنها، وهو الذي يصون المسلمين من فتنة التحقير التي كانت ولاتزال أول سلاح يمارسه المستعمرون الغربيون تجاه من يهاجمون من شعوب، والاحساس بهذه العزة والعظمة يجعل حكومات المسلمين بالاعتماد على شعوبها مستغنية عن الاعتماد على القوى الاجنبية، وبذلك تنتفي هذه الفواصل المؤلمة بين الشعوب المسلمة وأجهزتها الحاكمة. وباستشعار هذه الوحدة والجماعة تتهاوى الدسيسة الاستعمارية التي استهدفت

بالامس واليوم احياء المشاعر القومية المتطرفة لخلق الفواصل الواسعة العميقة بين الشعوب المسلمة. وتصبح القوميات العربية والفارسية والتركية والافريقية والآسيوية جزء من الهويةالاسلامية الموحَّدة ومعبرة عن سعتها الوجودية بدل أن تكون منافسة ومعارضة لها. وتسمي كل قومية وسيلة لنقل الخصائص الايجابية التاريخية والجغرافية والخصال الذاتية لكل قوم الى الاقوام الاسلامية الاخرى بدل أن تكون ويلة ومبررا لإهانة القوميات الاخرى.

الحج بمشاهده ومناسكه وشعائره يجب أن يحرك روح الوحدة والوئام والجماعة والعظمة والعزة في المسلمين على ظهر المعمورة، وأن يخلق من الشعوب والقبائل المتناثرة أمة واحدة، وأن يقود هذه الامة الواحدة نحو ساحل النجاة حيث العبودية المطلقة للّه وحده، ويوفر المقدمات اللازمة لتحقق قوله سبحانه: «إنَّ هذه أمتّكم أمة واحدة وأنا ربُّكم فاعبدون».

بناء الامة الواحدة التي تعفر ناصية العبودية أمام الربوبية والوحدانية هو أمل الاسلام الكبير الذي يتيسر في ظله بلوغ كل الكمالات الفردية والجماعية بين المسلمين… إنه الهدف الذي شُرع الجهاد في الاسلام من أجل تحقيقه، وكلُّ واحدةٍ من العبادات والفرائض الاسلامية توفر الارضية اللازمة لإيجاد وتأمين جزء من أجزائه. الحج الابراهيمي المحمدي - صلى الله عليهما وآلهما - هو دون شك من أكبر مقدمات وأركان هذا الهدف الكبير، من هنا فإن ساحة الحج العظيمة مع ما فيها من أركان متمثلة بذكر الله: «فاذكروا الله كذكركم آبائكم…» وإعلان البراءة من المشركين: «وأذانٌ من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر أنّ الله برئ من المشركين ورسوله» ففيها أيضا أعلى درجات الحساسية تجاه كل حركة من شأنها أن تخلق تمزقا وعداء بين الاخوة أي بين أجزاء الامة الواحدة، حتى إن الجدال الذي لايحوز على أهمية في الحياة العادية بين أخوين مسلمين محظور في الحد: «فلا رفثَ ولا فُسوقَ ولاجدال في الحج». نعم، نفس الساحة التي تكون فيها البراءةُ من المشركين أي من الاعداء الاصليين ل «الامة الواحدة التوحيدية» لازمة وضرورية، يكون الجدال مع الاخوة المسلمين أي مع الاجزاء الا

صلية ل «الامة الواحدة التوحيدية» محظورا وحراما. وبهذا الشكل فإن نداء «الوحدة والجماعة» يتخذ طابعا أكثر صراحة في الحج.

[الحج قوام الوجود الاسلامي‏]

أسرارُ الحج ورموزه أكثر بكثير مما مرّت اليه الاشارة، والتدبر في هذه الرموز التي تتجه بأجمعها نحو إحياء شخصية الفرد المسلم والجماعة المسلمة ونحو مقارعة عوامل فناء هذه الشخصية، تفتح أمام الحاج أفقا جديدا وتدفعه نحو عالم لامتناه طافح بالحركة والنشاط. أولى الواجبات التي يتحملها كل واحد من الحجاج التأمل في هذه الاسرار والرموز، والبحث وتبادل النظر بشأن العطاء العملي لها، وهكذا التأمل في سبب سعي أيادٍ وأجهزة لإفراغ الحج من كل مفاهيمه السياسية والجماعية، وطرحه كعبادة ذات بعد واحد فردي لاغير، وفي سبب مايعمد اليه المتلبسون بلباس رجال الدين البائعون دينهم بدنياهم، الذين يقتضي عنوانهم وشأنهم الديني أن يعرّفوا الناس بهذه الاسرار، ويوجهوا أبدانهم وأرواحهم صوب أهدافها، لكنهم بالعكس يعارضون كل توعية في هذا المجال ويلجّون في عنادهم وإصرارهم على كتمان الحقائق… ثم التأمل في سبب ما تبثه أبواق مرارا وتكرارا بشأن ضرورة عدم تدخل السياسة في الحج… أليس الاسلام وأحكامه السامية لإدارة الحياة المادية والمعنوية لابناء البشر وهدايتهم؟ أليست الديانة في الاسلام ممزوجة بالسياسة؟ إنها لمن المصائب الكبرى في دنيا الاسلام أن يدفع التحجر

وضيق النظر وحب الدنيا جماعة لتكون دوما في خدمة ماتبيته جماعة اُخرى من أغراض دنيئة وخطط خبيثة، وأن تصبح الاقلامُ والالسن التي يجب أن تكون في خدمة الاسلام وفي اتجاه تبيين حقائقه أدوات بيد الاعداء الذين يتربصون بالاسلام الدوائر.

إنها المأساة التي تحدث عنها وشكا منها الامام الراحل رضوان الله عليه مرارا بمرارة، ومن الضروري أن ينهض مفكرو الامة في تبصير عامة الناس بالخط الفاصل بين العلماء الصادقين وبين العملاء المتاجرين بالدين.

[ارتباط الامة بجذورها]

٢ - المسألة الثانية التي ينبغي التفكير فيها وخاصة في هذه الظروف الزمانية والمكانية مسألة «ارتباط الامة الاسلامية بتاريخها وأيضا بمصيرها الذي يجب أن تقرره لنفسها»، بشأن ماضي الامة الاسلامية حيث سعى الاستعمار منذ دخوله آسيا وأفريقيا أن يشوّهه ويُلقي عليه ضباب النسيان.

السيطرة على الذخائر المادية والانسانية في البلدان الاسلامية وعلى مصير الشعوب الاسلامية هدف نشده المستعمرون المباشرون وغير المباشرين منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وهذا الهدف كان يتطلب بشكل طبيعي كسر الاحساس بالعزة والشخصية بين الشعوب الاسلامية، وقطعها عن تاريخها العظيم بشكل كامل، لتتخلى عن ثقافتها وأخلاقها وتصبح مستعدة لقبول الثقافة الغربية والتعاليم الاستعمارية. وهذه الدسيسة قد نجحت من خلال الأجواء المساعدة التي كان قد وفرها تسلط الحكومات الفاسدة والمستبدة في البلدان الاسلامية، وبذلك هجم سيل الثقافة الغربية وكل المفاهيم التي كان الاستعمار يعتقد بضرورة ترويجها بين الشعوب الاسلامية لضمان سيطرته السياسية والاقتصادية على تلك الشعوب. وكانت النتيجة أن أصبحت البلدان الاسلامية بأجمعها خلال مائتي سنة مائدة ممدوة للغزاة الغربيين لايمنعهم عنها مانع ولايردعهم رادع. وهؤلاء استبدوا بالمقدرات في هذه البلدان؛ ابتداء من فرض الهيمنة المباشرة وحتى تملك الثروات الدفينة وتغيير الخط أو اللغة، بل وحتى الاحتلال الكامل لبلد اسلامي كفلسطين والاستهانة بالمقدسات الاسلامية، ومنعوا عن المسلمين كل بركات الاستقلال السياسي والاقت

صادي والثقافي ومن ذاك النمو العلمي والفكري.

بنظرة واحدة الى الحالة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية الراهنة في البلدان الاسلامية وما يكتنف هذه الحالة من ضعف مادي وروحي، والى الانظمة السياسية ووضع حكومات أغلب هذه البلدان حيث يعبر كل شي‏ء فيها عن الاحساس بالحقارة والضعف، يتبين أن أهم أسباب هذا الوضع هو غربة هذه البلدان والشعوب وانقطاعها عن ماضيها التاريخي وعما ورثته من مفاخر مجد وعظمة تستطيع من وراء القرون أن تبعث في كل إنسان ضعيف يائس حركة فاعلة وعزماً لايلين.

مفاخر المجد والعظمة التاريخية قد شيدت في البداية بالقيام لله وبالجهاد المخلص في سبيله سبحانه، وبالعمل بأحكام الاسلام التحررية الحياتية، وببركة حركة المسلمين في المدينة. والمولد المبارك الذي سمي «المجتمع الاسلامي» قد أضحى شابا قويا رشيدا ببركة الجهاد وكفاح الحجاز، ثم استطاع لقرون أن يحمل مشعل العلم والمعرفة وراية القدرة والسياسة في أرجاء العالم. تلك العظمة استمدت قوامها من عظمة الكفاح في مكة والمدينة. وها هنا مكة والمدينة، مهبط الوحي ومحل نزول البركات الالهية على جماعة مؤمنة مقاومة استطاعت ببركة الايمان والعمل بالآيات الالهية أن تنفض عنها تراب الذل الذي كانت ترقد فيه، وتنهض مرفوعة الهام، وتحقق لنفسها الحرية اللائقة بكرامة الانسان، وترفع راية حرية البشرية ونجاة الانسان من سلطة أباطرة القوة والمال في تلك العصور، وتستهدي بنور المعرفة المستمد من القرآن لتبني صرح العلوم والمعارف البشرية، وتعتلي هي ذروة ذلك الصرح لقرون، وتتولى مهمة نشر العلم بسخاء، وتقدم أنفس الآثار العلمية خلال القرون المتمادية، وتغير بعلمها وسياستها وثقافتها وجهة مصير عالم البشرية، . كل هذه من بركات التعاليم الاسلامية الخالصة والحكومة الالهية

في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وبركات برهة من صدر الاسلام كانت - رغم تسلط واستفحال الشجرة الخبيثة المتثلة بحكومة السلاطين والرجعة عن العصر التوحيدي - تغدق بثمارها لقرون على المسلمين، فتسعدهم وتسعد كل البشرية… كلُّ شبر من هذا التراب وهذه الارض يحمل ذكريات عن عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه المضحين النيرين.

في هذه الارض بزعت شمس الاسلام وخفقت راية الجهاد وانبثق تحرر البشرية من أغلال الجاهلية وقيودها.

واليوم إذ اتجهت الشعوب المسلمة في جميع أرجاء العالم الاسلامي بعد قرون من الانحطاط والركود والذلّة نحو اليقظة والقيام لله سبحانه، وإذ يفوح في أجواء كثير من البلدان الاسلامية عطر الحرية والاستقلال والعودة الى الاسلام والقرآن، فإن المسلمين بحاجة أكثر من أي وقت مضى الى أن يوثقوا ارتباطهم بماضيهم النير المعجز، بعصر القيام لله وكفاح العصور الاسلامية الاولى. الذكريات الاسلامية في هذه الارض هي لكل مسلم متدبر بلسم شفاء ينجيه من الضعف والهزال واليأس والتشاؤم، ويشق أمامه الطريق للوصول الى أهداف الاسلام التي هي لكل إنسان يتمتع بالعمق والحكمة هدف الكدح والحياة.

ها هنا، تحمل الرسول الاعظم مع صحبه المخلصين برحابة صدر ثلاثة عشر عاما مليئة بألوان المصاعب والمشاق حتى أينع غرس الاسلام.

وها هنا بعد سنوات قاسية من المعيشة في شعب أبي طالب، وبعد تعذيب صحابةٍ كبلال وعمار وياسر وسمية وعبد الله بن مسعود وآخرين، وبعد تجوال طويل ومضن وغير مثمر قام به رسول الله صلى الله عليه وآله بين قبائل مكة والطائف، تمت بيعة العقبة مع أهل يثرب، وجاءت الهجرة المباركة الى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وأُقيمت الدولة الاسلامية، وها هنا كان انتصار بدر، وهزيمة أُحد، ومحنة الخندق وامتحان الحديبية، وهاهنا أسفر الاخلاص والجهاد عن الانتصار، وجرَّ الطمع بالمال والغنيمة الى الهزيمة…. ها هنا نزل القرآن آية آية ووضعت لَبنات صرح الثقافة والحضارة والحياة الطيبة الاسلامية لبنة بعد أخرى… والمسلم بتدبر هذا الماضي وبالعيش في كل لحظة من لحظاته، يرتبط بالمستقبل ايضا ارتباطا بنّاءً، ويتعرف على طريق الحياة وهدفها، ويعي أخطار الطريق، ويرى بأُم عينه غد حركته في الحياة، ويعدّ نفسه ليطوي المسير، ويتغلب على كل تلكؤ وتردُّد ناسئ عن الاحساس بالضعف والحقارة والخوف من العدو. وهذه كلّها من بركات الحج.

مما تقدم يمكن أن نفهم سبب تخوف المستعمرين بالامس وزعماء سلطة الاستكبار العالمي اليوم من ارتباط المسلمين فكريا وعاطفيا بماضيهم وسبب محاربتهم لهذا الارتباط. نعم، إنه الارتباط بالماضي الذي يستطيع أن يقرّر مصير الحال والمستقبل.

بعد انتصار الثورة الاسلامية وقيام الجمهورية الاسلامية في ايران وإعلان عزم الشعب الايراني على بناء مجتمع يقوم على أساس القيم الاسلامية وتطبق فيه الشريعة الاسلامية، اتجهت أبواق إعلام الشرق والغرب وعملائهما ليشنّوا هجوما هائلا عنيفا على الجمهورية الاسلامية ويصفوها بالأصوليّة وبأنها عبادة للقديم واتجاه الى الماضي وأمثال هذه العناوين، وينتقدوا باسم التجدّد إيران الاسلامية بحجة أنها تريد الالتزام بتقاليد الماضي.

هذا مع أنّ الانظمة الرجعية المستبدة المتمسكة بالتقاليد البالية البعيدة كل البعد عن المفاهيم العصرية كالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان ليست بالقليلة في شرق العالم وغربه، لكنها لم تتعرض أبداً لهجوم إعلامي بتلك العناوين والاسماء.

ومن العِبَر أن إذاعات أنظمة ليس فيها أبسط تقاليد الحداثة السياسية، ولا عهد لها إطلاقا بمجلس وطني وانتخابات حرّة وصحيفة غير حكوميّة، هي أيضا أطلقت صفة الرجعية على بلد تسود فيه - بحكم الاسلام - دولةٌ شعبية وقوانينه الاسلامية يصادق عليها مجلس مكوَّن من نواب الشعب، وتنفّذ القوانين بيد حكومة تنتخبها الجماهير، والشعب فيها له حضور فاعل في أكثر المسائل حساسية. إنه التقليد المضحك الذي أثار سخرية كل أذكياء العالم. نعم، الاستكبار وبطانته الخبرية والاعلامية وأقلامه وأبواقه المأجورة إن رأوا بلداً يغوص في عبادة القديم وشعباً يحيي تقاليد الجاهلية لايبدون تجاهه أيَّ قلق، بل إنهم يُعربون عن سرورهم تجاهه مادام ذلك البلد قد فتح لهم خزائنه المادية واستسلم أمام مطامعهم وتسلطهم، وتقبّل ماعندهم من ثقافة فساد وفحشاء واستهلاك وخمور وشهوات. إنهم مذعورون وخائفون ومستاؤون من عودة الشعوب الى ماضٍ يُحيي في نفوسهم العزّة والعظمة، ويفتحح أمامهم طريق الجهاد والشهادة، ويعيد اليهم الكرامة الانسانية، ويقطع أيدي التسلطيين التي تنهب الاموال وتعتدي على الاعراض، ويعلمهم قوله تعالى:

«ولَن يجعل اللّهُ للكافرينَ على المؤمنينَ سَبيلا».

ويتلُو عليهم الآية الكريمة:

«وللّهِ العِزّة ولرسُوله وللمُؤمنين».

ويلقي على مسامعهم وقلوبهم حثّه سبحانه إذ يقول:

«وما لكم لاتُقاتلون في سبيل الله والمستضعفين».

ويُطبق في حياتهم الاعلان الالهي:

«إنِ الحُكمُ إلّا للّه».

خائفون ومذعورون ومستاؤون من عودة لمثل هذا الماضي والارتباط بمثل هذا التاريخ حيث اللّهُ والدين والقرآن محور حياة الافراد وحيثُ أيدي المستكبرين والمستبدّين والتسلطيين لاتمتدُّ الى حياتهم، ولذلك يحاولون أن يصدُّوا عن ذلك بأي ثمن.

المسلمون، وخاصة المجتمعات التي هبّ عليها نسيم الحرية والقيام للّه وبالاخص العلماء والمفكرون والقادة، يتحملون مسؤولية الحذر من الوقوع في هذا الفخّ. عليهم أن لايهابوا عنوان الاصولية، ولايرتبكوا من تُهمة الرجعية، عليهم أن لا يتنصّلوا من مبادئهم الاسلاميّة وأحكام الاسلام النيّرة ومن إعلان أهداف المجتمع الديني والنظام التوحيدي في سبيل إرضاء الاعداء الخبثاء المتربصين. عليهم أن يصيخوا السمع لقوله سبحانه:

«ولَن تَرضى عَنك اليهودُ ولا النّصارى حتّى تتَّبع مِّلتهم» و «قل يا أهل الكتاب هل تنقمون مِنّا إلا أن آمنّا باللّه وما أُنزل الينا وما أُنزل من قبلُ وإنّ أكثركم فاسقون» و «فلعلك تاركٌ بعض مايُوحى إليك وضائقٌ به صدُرك أن يقولوا لَولا أُنزل عليه أو جاء معه ملك» و «وما نقموا منهم إلا أن يُومنوا بالله العزيز الحميد».

في الحج، في المدينة ومكة، في أحد ومنى وحراء، في هذه البقاع التي وطأتها أقدام رسول الله صلى الله عليه وآله المباركة وصحبه الكرام، والتي شهدت الآلام والاسقام والتشريد والكفاح، في كل خطوة قدم من أرض الوحي والجهاد والقرآن والسنة، أمعنوا النظر في ذلك الماضي، ارتبطوا به، وشقوا طريقكم واتخذوا جهتكم مستنيرين بهداه، ومن خلال تجاربه ارموا بطرفكم الى النتيجة وعاقبة الطريق. وبحول الله وقوته وبالتوكل عليه والأمل بنصرته والاعتماد على قواكم الذاتية حثوا السير على ذلك الطريق وتجاه ذلك الهدف «واللّه مَعكم ولن يتركم أعمالكم».

[الاهتمام بقضايا العالم الاسلامي]

٣ - الموضوع المهم الآخر الذي يجب أن يلتفت اليه حجاج بيت الله باعتباره جزءًا من أهداف الحج هو المسائل المهمة الراهنة في دنيا الاسلام. فإذا كان الحج مؤتمرا عظيما سنويا لمسلمي العالم، فمن المؤكد أن أعجل قضايا قائمة أعمال هذا المؤتمر هي مسائل المسلمين الراهنة في كل نقطة من العالم. هذه المسائل تطرح في الاعلام الاستكباري بشكل لاينطوي على درسٍ وتجربة ورجاء للمسلمين في أرجاء العالم، كما إن الحادثة لو كان وراءها نوايا استكبارية أوعبث استكباري فانها تطرح بحيث لاتفضح مجرما وتكشف عن حقيقة أو إنها لاتُطرح نهائيا.

للحج مكان يجب أن تنكشف فيه هذه الخيانة الاعلامية، وتتضح فيه الحقيقة، وتتوفر فيه التوعية الاسلامية العامة.

وها نحن نستعرض الحوادث الهامة في العالم الاسلامي لأبناء أمتنا المسلمة رجالا ونساء:

[القضية الفلسطينية]

الف - أهم قضيةٍ راهنة هي القضيةُ الفلسطينية التي كانت في نصف القرن الاخير دائما أهم مسائل العالم الاسلامي بل أهم قضايا البشرية المعاصرة. فالحديث هنا عمّا يعانيه شعب بكامله من محنة وتشريد وظلم… الحديث هنا عن اغتصاب وطن… حديثٌ عن غدة سرطانية في قلب البلدان الاسلامية… في نقطة التقاء شرق العالم الاسلامي بغربه… الحديث هنا عن ظلم متواصل ينزل على جيلين متواليين من الشعب الفلسطيني المسلم. واليوم اذ تتصاعد الانتفاضة الاسلامية الدامية المستندة الى جماهير الشعب في أرض فلسطين، فإن أجراس الخطر الواقعي الجدّي تُقرع في آذان المحتلين الذين افتقدوا الضمير وابتعدوا عن الانسانية وولغوا في دماء الابرياء.

أساليبُ العدوّ أعقد من أي وقت مضى وتتطلب الحذر اكثر من أي وقت آخر، والمسلمون في أرجاء العالم يجب أن ينظروا الى هذه المسألة بعين أكثر جدا وأن يفكروا ويعملوا من أجلها… وهذا هو خبر الساعة. سيادة الاوضاع السيئة في العالم الاسلامي اليوم وتزايد تبعية بلدان المنطقة للقدرة الامريكية الجامحة، عوامل وفرت الفرصة لهجوم حاقد يومي يشنه الكيان الغاصب، ولدخول هذا الكيان علانية في تحقيق أهداف - لم يبذل يوما جهدا كبيرا لإخفائها - بدعم من الشيطان الاكبر الذي يعد حقا من أخطر أعداء الاسلام والمسلمين.

انتقال اليهود السوفيت باعتباره جزءًا من ثمن مساعدةالغرب لتلك القوة الكبرى السابقة… وانتقال الفلاشا الاثيوبيين الذين تقرّر لهم أن يكونوا خدما للصهاينة الامريكيين والاوربيين الغاصبين لفلسطين… وأخيراً يهود الهندو وإنشاء المستوطنات في الاقسام المغتصبة الاخيرة من فلسطين بل واحتمالا في القسم المحتل من لبنان… وزيادة المعدات العسكرية وأسلحة القتل الجماعي متزامنة مع الضجة الامريكية الداعية الى حظر تصدير مثل هذه الاسلحة الى الشرق الاوسط… والغارات الجوية اليومية والمتناوبة على جنوب لبنان وقصف المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين. والتعنت المتزايد في التعامل مع المواطنين العرب الفلسطينيين، أي أصحاب تلك الارض، وممارسة أبشع ألوان القمع البوليسي بحقهم …. وفي نفس الوقت اتخاذ موقف المهاجم على الساحة السياسية أمام تراجع متواصل تبديه الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وحتى رفض فكرة انعقاد المؤتمر الدولي أو الاقليمي رفضا صريحا قاطعا، وهكذا فكرة تشكيل دولة فلسطينية في جزء من أرض فلسطين كحصيلة لتراجع الاطراف الفلسطينية وانقيادها… كل هذه مجموعة ممارسات سياسية وأعمال وقحة يرتكبها الصهاينة أعداء البشر، ومن المؤكد وجود أضع

افها الى جانبها من النشاطات الخفيةالرامية الى التآمر والاغتيال والاختطاف والحرب النفسية والاعلام المسموم والجرائم المعروفة والمجهولة التي لا يتصور صدورها إلا من الصهاينة وأعوانهم. الاستكبار العالمي والدول الاستعمارية ادخرت منذ البداية حتى اليوم النظام الغاصب الاسرائيلي لتستعمله وسيلة ضغط على الدول العربية ثم الاسلامية في المنطقة وهي عازمة على أن تحافظ على هذا الخنجر المسوم باستمرار عند خاصرة العالم الاسلامي. والشيطان الاكبر اليوم يمسك بمقود هذا الكلب المدرّب.

من هنا فلا عجب أن يرتكب الصهاينة انتهاكا مستمرا للقوانين الدولية، وانتهاكا مستمرا لحقوق الانسان وبأفظع صوره، واعتداءً متواصلا على البلدان الجارة، وعمليات إرهاب وخطف فاضحة، وأن يتزودّوا باستمرار بالاسلحة الذرية، وأمثالها من الممارسات التي لو صدرت أية واحدة منها عن أي بلد لايرتبط بأمريكا ارتباط السيد بالمسود، لحولوها الى طامة كبرى… لا عجب أن يرتكب الصهاينة كل هذا ثم يكون موضع قبول ولا يواجه أي اعتراض من شبكات الاعلام الاستكبارية في العالم وخاصة إعلام الشطيان الاكبر.

بهذا يتضح أن الكيان الصهيوني الغاصب يشكل اليوم أكبر خطر على حاضر العالم الاسلامي ومستقبله، والمسلمون هم الذين يتحملون مسؤولية معالجة هذا الخطر ودفع هذا الظلم الفادح.

أقوال معظم زعماء البلدان الاسلامية وأفعالهم لاتنبئ مع الاسف عن عزمهم على أن يجدوا لهذا الخطر الكبرى درءًا لايتمثل إلا بإزالة الكيان العنصري الصهيوني. بل بالعكس، ثمة دلالات تشير الى اتساع نطاق (كمب ديفيد) وإكمال مشوار السادات الخياني في بعض الحكومات العربية. ولا أدري هل تملك هذه الحكومات بمواقفها الذليلة الاستسلامية المخزية هذه جواباً أمام شعوبها وأمام الله سبحانه؟ !

العلاج الحقيقي لهذا الخطر بيد المسلمين. هؤلاء يستطيعون بتقديم المساعدات الحقيقية للمناضلين المسلمين أن يزيدوا الانتفاضة داخل الارض الفلسطينية قوة ومضاء. ويستطيعون أيضا بطرق مختلفة أن يحولوا دون استسلام حكومات المنطقة أمام إسرائيل تلبية لمطالب أمريكا وانصياعا لإرادتها. الاجراءات الفدائية الشهمة التي اتخذها المسلمون الابطال اللبنانيون والتي دفعت الصهاينة المتعنتين وحماتهم مرارا الى موقف ضعف وانفعال دليل صادق على أن الشعوب والشباب المؤمن قادرون على النهوض بكثير من جسام الاعمال.

[الصحوة الاسلامية]

ب - المسألةُ الاخرى، الحركات الاسلامية في بعض البلدان العربية والافريقية. وهذه واحدة من أجمل البشائر في ساحة أحداث العالم الاسلامي، حيث يرفع شعب، شبابه، بمثقفيه، بجماهيره، صوته مطالباً بتطبيق الشريعة الاسلامية وإقامة الحكومة الاسلامية، ويتحرك على هذا الطريق. منذ بزوع فجر الثورة الاسلامية العظيمة في إيران وتشكيل الجمهورية الاسلامية كان ثمة املٌ يراودُ الاصدقاء وخوف شديد يساور معسكر الاستكبار وعلى رأسه أمريكا بشأن امتداد ظاهرة الثورة الاسلامية الايرانية وتحولها الى طليعة لانتصارات المسلمين في سار أرجاء العالم الاسلامي.

ليعلم الاخوة والاخوات في جميع العالم أن الجزء الاعظم من الضغوط الشرقية والغربية المشتركة على إيران الاسلام سواء في سنيي الحرب المفروضة أو قبلها وبعدها كان ينطلق من خيال باطل يتجه نحو إنزال الهزيمة بالجمهورية الاسلامية في إيران، لكي يصوروا فشل تجربة الحركة الاسلامية أمام المسلمين في العالم، ويطفئوا نور الأمل الذي أضاء في قلوبهم بعد انتصار الثورة الاسلامية في إيران، ثم بعد ذلك ليصدوهم عن بذل طاقاتم في هذا الطريق المبارك. واليوم فإن الاعلام الابواق الاستكبارية الذي يحاول أن يصور الثورة الاسلامية في إيران بالركود والتوقف والوصول الى طريق مسدود، ويصور نظام الجمهورية الاسلامية بالإعراض عن خط الثورة والإمام العظيم رضوان اللّه عليه وبالمهادنة مع أمريكا الغادرة ليس له سوى هذا الهدف. هذه هي نفس الابواق التي وجهت مرارا خلال حياة الامام الراحل قدس سره الى إيران الاسلام - وهي ألدّ أعداء العدو الصهيوني - تهمة العلاقة بإسرائيل وشراء الاسلحة منها وبيع النفط اليها. وبفضل الله ومنّه لم تستطع أية واحدة من هذه المساعي الاستكبارية العمليةمنها والاعلامية أن تحقق أهدافها. الأملُ الذي شع بانتصار الثورة الاسلامية ومواقفها الحاسم

ة الصلبة المقاومة على دنيا الاسلام وعلى قلوب المسلمين قد آتى أكله وأسفر عن انطلاق حركات شعبية عظيمة تطالب بالحكومة الاسلامية في عدد من البلدان الاسلامية. وأرى من واجبي باعتباري أخا مهتما ومجربا أن أذكّر هذه الشعوب وخاصة قادتها ومفكريها ومثقفيها وعلماء دينها بما يلي:

[وصايا الى الاسلاميين]

اولا - ثمة أخطارٌ كثيرة تهدد الحركة في هذا الطريق مبعثها قلة الصبر وضعف البصيرة. فركزوا على هذين العنصرين أكثر من أي شي‏ء آخر: الصبر والبصيرة.

ثانيا - الحركة الاسلامية والثورة الاسلامية عبارة عن تمرد على القيم الجاهلية والانظمة الطاغوتية التي تستعبد البشر وتؤدي الى شيوع الظلم والفساد والتمييز الطبقي والعنصري والفحشاء وقهر الجماهير وسائر مصائب الشعوب، وتقدم كل شي‏ء قربانا على مذبح كسب المزيد من الارباح وفرض المزيد من الهيمنة الظالمة الطامعة. للحركة الاسلامية الصحيحة إذن مجابهة بين نظامين مختلفين في القيم، وصراع بين ثقافتين: ثقافة استعباد البشر وثقافة تحريرهم. لذلك يجب على كل حركة اسلامية أن تعدّ نفسها لمقاومة كل جبابرة العالم وأن لاتغفل عن ذلك.

ثالثا - العدو يسعى بافتعال الاجواء وأحابيل الاعلام أن يحذّركم من اسم الحكومة الاسلامية والنظام الاسلامي، ولعل بعض البسطاء يرون أن من الافضل عدم ذكر اسم الحكومة الاسلامية في التصريحات العلنية تجنبا لإثارة حساسية أمريكا والدول الغربية. وتوصيتي هي اجتناب هذا التفكير المصلحي المخالف للمصلحة اجتنابا تاما. صرّحوا بهدفكم في إقامة النظام الاسلامي وحاكمية الاسلام والقرآن دون أي انفعال وكرّروا ذلك في كل الظروف، ولا تطمعوا العدوَّ فيكم بالعدول عن اسم الاسلام المقدس، ولاتجعلوا الهدف وراء ستائر من الابهام والغبار.

رابعا - ماعاناه الاسلام والحركات الاسلامية من النفاق أكثر من الكفر الصريح. واليومَ فإن خطر الاسلام الامريكي أي مايطرح باسم الاسلام ليكون في خدمة الطواغيت وفي اتجاه الاهداف الامريكية وأهداف سائر المستبكرين لايقل عن خطر الاجهزة العسكرية والسياسية الامريكية بل يزيد عليه. فاحذروا من دعاة الاسلام الامريكي؛ سواء تلبسوا بلباس علماء الدين أو كانوا من السياسيين، واتهموهم في حديثهم وإشارتهم وجهتهم، ولا تُبادروا الى الاستعانة بهم إطلاقا.

خامسا - لاتغفلوا عن كسب تجارب الحركات الاسلامية الاخرى في سائر البلدان وعن الاطلاع على أوضاعها وقضاياها ووثقوا ارتباطكم بها وإن أبى المستبكرون.

وسادسا - وأخيرا ضعوا نصب أعينكم قوله سبحانه:

«واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا».

ففيها التوصية بالتمسك بأهداب الدين وبوحدة الكلمة واحذروا في هذا المجال من كيد الكائدين.

[مأساة العراق]

ج - المسألة الاخرى من المسائل الراهنة في العالم الاسلامي قضية العراق والوضع المأساوي المفجع الذي يعانيه شعبه… فإضافة الى مافرض على هذا الشعب - جراء سوء نية وسوء تدبير حكامه - من اضطهاد وحكومة بوليسية فظيعة… وبعد أن زج في حرب ظالمة مع جيرانه، وماتعرض له الآلاف المؤلفة من النساء والرجال والاطفال والشيوخ والشباب العراقيين - بسبب التدابير البلهاء التوسعية لحكامهم - من قتل ويتم وثكل وجرح وتعويق وتشريد في عمليات القصف والتخريب، وبعد إبادة قسم عظيم من ثروته الوطنية والتاريخية، بعد كل هذا فإن هذا الشعب يتعرض بشكل مباشر على يد نفس الحكام الذين سبّبوا له كل هذه المصائب للتهديد ولمجزرة جماعية وتشريد وإحباط عن طريق القصف والاسلحة الفتّاكة والكيمياوية.

حين غزا الجيش العراقي الكويت إرضاء لرغبات حب الجاه والتوسع في زعماء النظام العراقي، ووفر ذريعةً مجّانية لأمريكا كي تتواجد عسكريا ولكي تفرض بالتالي نفوذها المشؤوم السياسي والاقتصادي في منطقة الخليج الفارسي بشكل لم يسبق له نظير، وحين اشتعلت منطقة الخليج الفارسي من جانبين: النظام العراقي والحلفاء… اقترح بعضٌ من المسلمين - عن بساطة تنم عن طيب وحب خير ولعلّ عددا منهم من خطّة مبيَّتةٍ مدروسة - بإصرار على الجمهورية الاسلامية أن تهب لمساعدة النظام البعثي العراقي، وأن تعمل على توسيع نطاق الحرب. هذه النظرة كانت طبعا متعارضةً مع المبادئ الاسلامية الصريحة القاضية بأن الجهاد يتوجب فقط في سبيل نشر دين الله أوالدفاع عن الشعوب المستضعفة أو الدفاع عن الدولة الاسلامية، لا الدفاع عن نظام مهاجم محتل توسّعي يحمل أيديولوجية حزب البعث التي تنكر وتعارض رسميا وعلنيا الدين والمعنويات، أضف الى ذلك مايحمل النظام العراقي من تاريخ استثنائي خاص مفعم بالظلم والفساد والاضطهاد وإهلاك الحرث والنسل، ثم أضف معرفة الشعب الايراني خلال أعوام الحرب الثمانية بسوابق هذا النظام في استسلامه وانقياده للقوى المتجبرة حين فرض على النظام الاسلامي حربا ب

إرادة الاستكبار بأسلحته ومساعداته الشاملة. نعم، الاسلام لايرى الدفاع عن مثل هذا النظام جهادا ولايجيزه. لكن المقترحين كان قد تأثر بعضهم بالتصريحات المرائية الانتهازية التي لوّح بها مسؤولو هدم العراق لبرهة قصيرة من الزمان لاستغلال البسطاء، إذ راحوا يتشدّقون كذبا بالاسلام وبالمقدسات الدينية، وبعض المقترحين كان يعترف بخبث حكام ذلك النظام، لكنه يرى الباعث في اقتراحه الدفاع عن الشعب العراقي. ونحن أكدنا لهم أن مساعدة الشعب العراقيم المظلوم واجبة، لكن دخول الحرب لصالح النظام العراقي ودعم سلطة ذلك النظام لايعد مساعدة للشعب العراقي، بل مساعدة للنظام المعادي للشعب العراقي وبالتالي إحلال الظلم بالشعب العراقي الذي زجه ذلك النظام المنحوس عشرة أعوام في حرب مفروضة.

والآن وقد مُني النظام والجيش العراقي أمام أمركيا والحلفاء الغربيين بالاستسلام والفرار المخزي وقبول كل شروط المستكبرين، فإن ذلك النظام قد استطاع أن يضمن بقاءه لمدة غير معلومة أخرى على أريكة حكومة لامفخرة فيها، وقدرة محاطة بالذل… ومع ذلك فإن الشعب العراقي… هذا الشعب المظلوم الذي يقبع رهينةً بيد نظام متعجرف ظالم فاسد دموي يجب عليه أيضا أن يتحمل - إضافة لما تحمله من أعباء حرب لاهدف لها سوى تحقيق الاهداف التوسعية لزعماء النظام، غرامة الهزيمة والذلة وعقد الحقارة لذلك النظام. نفس زعماء النظام والجيش الذين لم يستطيعوا أن يحاربوا أكثر من مائة ساعة عدوا أجنبيا توغل داخل بيوتهم وأن يصمدوا بوجهه هم الآن يغيرون على الشعب العراقي منذ أكثر من مائة يوم، فيهدمون البيوت ويقصفون المدن، ويهتكون حرمة العتبات المقدسة ويشردون أبناء الشعب من وطنهم، ويعتقلون العلماء والشخصيات الدينية ويعذبون بعضهم، ويذبحون الشعب. الاكراد في الشمال والعرب في الجنوب عرّضوهم لمجازر وتشريد وثكل ويتم بشكل لم نسمع أنه صدر عن أي واحد من المجرمين المعروفين في العصور الاخيرة ولم يخطر ببالنا أنه يصدر عن كائن بشري. عاملوا الشعب العراقي معاملةً لايمارسه

ا ذوو الضمائر مع البهائم. الاكراد في شمال العراق لهم حاليا وضع أفضل بسبب تهديد وتعنيف أمريكا والدول الغربية، ولاندري ماذا تخبّئ لهم الايام في المستقبل، أما الشيعة في الجنوب الذين تحقد عليهم أمريكا وحلفاؤها لأسباب عديدة وعلى رأسها مطالبتهم بالاسلام وإقامة الحكومة الاسلامية، فلايزالون يتعرضون لتهديد مستمر ولمحنة ومصيبة دائمة من قبل النظام الطاغي القاتل المعادي للدين في العراق. هذه صورة مبسطة عن الوضع في العراق: شعب مظلوم مقهور أعزل مغلوب على أمره وحكومة فظة قاسية لاتقيم وزنا لكل المعايير الاسلامية والانسانية والدولية ولا تتهيّب من إراقة دماء الناس وظلمهم… وهاهي أصوات الشعب العراقي تنادي عاليا «يا للمسلمين». في هذه الايام الاخيرة ثمة دلالات على محاصرة وقصف مئات الآلاف من الفارين اللائذين خوفا من الجيش بالأهوار والمستنقعات بين البصرة والعمارة والناصرية وفيهم النساء والرجال والاطفال المرضى والمصابون بالأوبئة والامراض المسرية حسب بعض الاخبار. الغرب وخاصة أمريكا اكتفوا بنقل بعض الاخبار بشكل موجز باهت، ولم يقدّموا أية مساعدة، وأولئك لا أمل لهم إلا بالله وبالجماهير المسلمة التي تستطيع طبعا أن تساعدهم على الاقل على م

ستوى الاحتجاج على مايرتكب بحقهم من ممارسات.

[قضية كشمير]

د - المسألة التالية وضع المسلمين في كشمير. الحكومة الهندية استغلت انشغال العالم الاسلامي بقضايا الاشهر الاخيرة التي أدت الى غفلة عامة عن وضع أولئك الاخوة القاصين المظلومين، فسلّطت أكثر ما تستطيع من ضغط عليهم وعرّضت أرواحهم وأموالهم بل كما قيل حتى أعراضهم للاعتداء والانتهاك. لست الآن في صدد إصدار أحكام على طبيعة قضية كشمير، فالمراقبون يعلمون أنها من الجراحات القديمة التي تركها الاستعمار البريطاني لدى خروجه على جسد شبه القارة وانتقم بذلك من مسلمي الهند الكبرى، بل أريد أن أقول إن حكومة الهند في موقفها من هذه المسألة قد استعانت بوسائل قاسية غير مناسبة ولجأت الى أساليب غير إنسانية وهي واثقة أن القوى الكبرى والمنظمات التي تدّعي الدفاع عن حقوق الانسان سوف لاتقدم على أي دفاع واقعي عن المسلمين. على الشعوب الاسلامية أن تعلم أن المسلمين الكشميريين يتوقعون منها أن تدافع عنهم، وهذا واجب يفرضه الاخاء الاسلامي على المسلمين، وإذا كانت حكومة الهند تتصور أنها قادرة على أن تحتفظ بهذه الجموع الكثيرة من المسلمين تحت وطأة الضغط دائما دون أي رد فعل من مسلمي العالم فانها على خطأ حتما.

وهنا أجد من الضروري أن أشير الى الاقليات المسلمة في بعض البلدان ومنها البلدان الاوربية حيث الضغوط التي يواجهها المسلمون الراغبون في حفظ هويتهم الاسلامية تفضح مايتبجح به الغرب دائما من ديمقراطية وحرية. الحساسيات التي تبديها أو تثيرها في الآخرين بعض الحكومات الاوربية تجاه بناء مسجد أو عقد اجتماعات إسلامية أو رعاية الزيّ الاسلامي وأمثالها يجب أن تنبه المسلمين بالمواقف الحقيقية لهذه الحكومات تجاه الاسلام. هذه من المسائل المهمة التي تستدعي المسلمين أن يفكروا فيها وأن يتعرفوا من خلالها على واجباتهم.

[الاثارات الطائفية]

ه - من القضايا الهامة المعاصرة مسألة الاختلافات الطائفية بين المسلمين. هذه طبعا ليست بمسألة جديدة، فقد كانت الاختلافات والنزاعات وأحيانا الصراعات قائمة حول المسائل الكلامية والفقهية والمذهبية منذ القرن الاسلامي الاول. لكنّ الحديث الجديد هنا هو أنه بعد انتصار الثورة الاسلامية في إيران وانتشار فكرها في أرجاء الآفاق الاسلامية توسل الاستكبار - فيما توسل به من دسائس لمواجة هذا الموج الهادر - بتصوير الثورة الاسلامية في إيران بأنهاحركة شيعية بالمعنى الطائفي للكلمة وليست إسلامية بالمعنى العام. هذا من جهة، ومن جهة اُخرى سعى بجد لإثارة النفاق والاختلاف بين الشيعة والسنّة. وأمام هذا المكر الشيطاني سعينا دائما ومنذ البداية بإصرار على وحدة فرق المسلمين وحاولنا إحباط هذه المحاولات، وحققنا بحمد الله ومنّه نجاحات كثيرة كان من آخرها إقامة المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، وها هم العلماء والمثقفون والشعراء والكتاب والجماهير في جميع أرجاء العالم الاسلامي ومن جميع المذاهب الاسلامية يدافعون متكاتفين متعاضدين متجاوبين عن الثورة الاسلامية والجمهورية الاسلامية الايرانية، لكن العدو مجهز بالاموال والخطط الاعلامية و

الاساليب الخبيثة الكثيرة. ومع الاسف فإنه يجد في نقاط من العالم أفرادا يستطيع أن يسيطر على أذهانهم وألسنتهم بالتطميع والخداع. لذلك ترتفع بين الحين والآخر عقيرة رجل سياسي في بلد أو عالم مزيف أو ثوري مزيف في بلد آخر بالسب والتشنيع بالشيعة أو بالشعب الايراني الذي سجل أكبر ثورة معاصرة ودافع عنها دفاعا يبعث على الدهشة والاستغراب. أو في باكستان المسلمة حيث شعبها من أعز الشعوب الى قلوبنا وقد كان ولايزال في خط الدفاع المستمر عن الاسلام والجمهورية الاسلامية الايرانية، يظهر أفراد تحدوهم دولارات أعداء الاسلام والوحدة الاسلامية على عقد الاجتماعات تحبير الكتب والمقالات لشن هجوم على الشيعة وعلى تشيع أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ويطعنون بالمقدسات.

نحن نتّهم في كل ذلك أمريكا وأتباعها وعملائها، وننزّه الشعوب وعلماء الاسلام الحقيقيين منه، غير أن هذا من المسائل التي يجب حلّها بيقظة المسلمين لتفويت الفرصة على أعداء الاسلام.

[استفحال الشيطان الاكبر]

و - وآخر حديث عن قضية مهمة جدا هي تزايد سلطة الشيطان الاكبر على ثروات البلدان الاسلامية وتزايد تواجده السياسي والاقتصادي بل والعسكري في هذه البلدان. هذه القدرة الكبرى الظالمة التسلطية، بعد التحولات العالمية الاخيرة التي أدت الى انهيار الانظمة الشيوعية الالحادية وتخلّي الاتحاد السوفيتي عن موقف المنافسة مع أمريكا، تستهدف أن تحول العالم وخاصة المنطقة الاسلامية الثرية الى منطقة نفوذ خاصة بها لاينازعها فيها منازع. بعد أن انتهت مما يسمى بالحرب الباردة شمرت عن ساعد الجد لخوض حرب شاملة مع اليقظة الاسلامية التي تشكل سدا منيعا أمام هذا النفوذ. هذه الحكومة الشيطانية تعاني في داخلها من مشاكل مستعصية ناجمة عن طبيعتها المعادية للفطرة والانسانية. لكنها انطلاقا من نفس طبيعتها الاستكبارية التوسعية تسعى لنقل مشاكلها الى كل العالم، وللسيطرة على جميع المراكز الحساسة والثريّة في العالم بما فيها الشرق الاوسط والخليج الفارسي بشكل خاص لتواصل حياتها باقتدار أكثر. لو تحققت هذه الاحلام المشؤومة فإن شعوب المنطقة ستواجه أياما حالكة لم يسبق لها مثيل. النظام الامريكي يستغل اليوم كلَّ الوسائل لتحقيق هذا الهدف الشيطاني، ومن المؤسف أن ج

هل حكام العراق وغرورهم وروحهم التوسعية التي وفرتها فيهم المساعدات الامريكية والغربية السابقة الى العراق قد خلقت في المنطقة أوضاعا يعلم الجميع بدرجة وأخرى عواقبها المرة المؤلمة. ومن تبعات ذلك أن أمريكا تحولت في جزء هام من هذه المنطقة الى صاحبة القرار الاصلي وبثت الرعب في حكومات المنطقة، وهذا يشكل تهديدا للوجود الاسلامي بل الكيان الانساني في هذه المنطقة وفي كل بقعة من العامل تتكرر فيها مثل هذه الاحداث.

لا أمل في مواجهة هذا التهديد الكبير إلا بالاسلام وبالمؤمنين الصامدين. وبفضل الله ومنّه فإن شمس الاسلام قد بدأت ثانية تبعث في قلوب الناس ونفوسهم بأشعتها النيرة الطافحة بالحياة. وبدأت كثير من الشعوب المسلمة في مقارعة عوامل ابتعاد الناس عن دين الله وهي تشق طريقها لتحقيق الاسلام في حياتها، هذه حركة مباركة مفعمة بالامل. وستمزّق بتوفيق الله قيود السلطة الشيطانية الامريكية وكل قدرة طاغية أخرى، وتنجي الجميع:

«كَتَب اللّهُ لأغلبَنَّ أنا ورُسلي».

الشعوبُ والحكومات تتحمّل مسؤولية مشتركة تجاه تصاعد الاتجاه نحو الاسلام الاصيل المحمّدي صلى الله عليه وآله، الاسلام الذي يضع مسؤولية قطع نفوذ الشيطان الاكبر وبقية الشياطين عن حياة الشعوب في رأس قائمة اهتماماته. وإذا كانت الحكومات الاسلامية تحمل ولاءً لبلدانها وشعوبها فلتعلم أن هذا الاسلام الاصيل المحمدي هو القادر على ضمان حياة شريفة مستقلة للشعوب والبلدان واقتدار وقوة للحكومات. أسال الله سبحانه وتعالى أن يمنّ على المسلمين في العالم باليقظة والشرف والعزة والنجاة من براثن الاستعمار والنصر في مواجهة اعداء الله.

اللهم اجعل قلوب المسلمين عامرة بنور القرآن والاسلام، وأنزل عليهم رحمتك وفضلك، وأيدهم بتأييدك وقوّة قلوبهم بالامل والايمان. اللهم واجعل قلب ولي الله الاعظم المهدي المنتظر - أرواحنا فداه وعجل الله تعالى فرجه - مسرورا بنا، واستجب دعاءه بحقنا. اللهم تقبل حج الحجاج وسعي العاملين، في سبيلك بأحسن قبول، وقرّب بين قلوب المسلمين أكثر وأزل عنهم عوامل تفرقهم. وتغمّد برحمتك اللهم أرواح شهداء طريق الحق، وترحّم على من أصيبوا في هذا الطريق. اللهم أجز عبدك الصالح المجتبى الامام الخميني خير جزاء عن كلِّ حركة في العالم من أجل حاكمية دينك. آمين يارب العالمين.

والسلام على جميع إخواننا المسلمين ورحمة الله وبركاته.

علي الحسيني الخامنئي

٣ ذي الحجة سنة ١٤١١ه. ق



[ Web design by Abadis ]