ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 نداء الامام الخامنئي‏ الى حجاج بيت اللَّه الحرام = - ١٤٠٩ه. ق‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

«يا بنيَّ إذهبوا فتحسَّسُوا من يوسُفَ وأخيهِ ولاتايئَسُوا من رَّوحِ اللّه…. » [١].

اللهُمَّ: نحمدك ولك الثناء على أن فتحتَ لعبادِك باب مناجاتك، وأنعشت قلوبَ عشاق الجمالِ بوعدك الصادق بالرحمة والمغفرة، ودعوت عبادك الى التطهر من أوزار الشرك، والتّحلي بحلية الصلاح والتوحيد والأخلاص.

اللهم؛ ونحمدك على أن أنزلت على عبدك المصطفى محمد صلى الله عليه وآله الكتاب والحكمة ومافيه الشفاء للناس؛ فيسّرت للعالمين سبيل السعادة بقول رسولك وسيرته.

اللهمَّ، وصل وسلم على محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وعلى سلالة النور - من أنبياء - وأوصياء وأولياء - الصادعين بكلمة الحق الماحقين للباطل المحطمين لأصنام الجاهلية؛ والناصحين المشفقين لأمة الاسلام؛ اللهم وزد دربهم يوما بعد اخر إشراقا في أعين الخلائق وزد في قلوبها حبَّه….

اللَّهم؛ وسلم ومُنَّ بالرحمة، والرضوان على عبدك الصالح المتواضع الامام الخميني، هذا الذي اختار رِضاكَ على رضا غيرِك؛ واشترى بالنَّفس المحن والصعاب في سبيل إعلاء كلمتِك وإحياء دينك فأفنى عُمُرَهُ بالجهادِ على ملَّةِ إبراهيمَ وسُنَّةِ محمد صلى الله عليه وآله.

ولَم يتوان لحظة عن ذلك حتى نهاية عمره، فعاش باسمك وذكرك والتحقَ بالملكوت الأعلى يرافقه رجاؤه فيك وعشقه لك؛ اللهم فاجعل كلمته في العلى؛ واجعل دربه وضاءً؛ واحفظ في حصنك إرثه الفريد وحقق أمانيه وأهدافه وأجعلنا خلفا صالحا له.

اللُّهم؛ لاغاية لي من هذا الحديث سوى إبلاغ رسالتك والقيام بواجب المسؤولية التي أحسّها على عاتقي؛ فاجعل فيه حرارة كلمة الحق وأوصله الى أسماعِ وقلوبِ المؤمنين وجميع طلاب الحقيقة في العالم؛ وأكسبه ذلك الاخلاص والصفاء والنقاء الذي كان يتجلى في حديثِ عبدكَ الصالح وإمامنا وقائِدنا؛ اللّهم وتقبله بقبولٍ حَسن آمين ربَّ العالمين.

[الصدّ عن سبيل اللَّه والمسجد الحرام]

مرَّة إخرى تحل أيام الحج؛ فيدعو النداء الابراهيمي «وأذّن في الناس بالحج» وهو النداءُ المستقر في أعماق الوجدان الاسلامي النقي؛ يدعو لتلبية هذه الدعوة؛ فيقطّعَ ألم فراقِ بيت الله قلوب العشاق؛ إذ أن ايدي الظُّلمِ والعدوان الخارجة من أكمامِ حكام الحجاز لم تكتفِ بذبح المئات من ضيوف الرحمن وفي حرم الأمن الالهي؛ ولم تكتف بسحق الآلاف من حمائم الحرم الالهي المخضبة ومهاجمتها لالجرم سوى إعلان البراءة، من المشركين والجهر بكره أميركا وإسرائيل، ولا لجرم سوى دعوة المسلمين الى الاتحاد والاعتصام بحبل الأُخوةِ الايمانية؛ لم تكتفِ أيدي الظلم والعدوان بكل ذلك، بل عمدت إلى إغلاق طريق بيت الله وحرم أمن الخلائق بوجه شعب انبرى لمهاجمة قوى الاستكبار في كافة الميادين، فسلب نوم الدعة والراحة من أعين ناهبي العالم وجبابرته؛ نعم، صدَّت أيدى الظلم والعدوان وجندت ضده ألسنة وأقلام المرتزقة تعينها وسائل الدعاية الصهيونية والامريكية وكل ذلك من أجل أن تزيل آثار حج السنين المعدودات تلك؛ الذي اقترن بنداء البراءة؛ فأفعم حضور أبناء الثورة والمجاهدين في سبيل القرآن والاسلام - أجواء الحرمين الشريفين وعرفات والمشعر الحرام ومنى بنداء التوحيد الخال

ص والبراءة من الآلهة المتفرقين؛

وهذا هو موسم الحج الثاني الذي يصد فيه عن الطواف حول بيت العشق الالهي؛ وشعب ايران الذي يَضم اكثر أبناء الاسلام فدائيةً، فالحكومة السعودية وبالتذرُّع بحجج واهية عمدت هذا العام أيضا الى الصدِّ عن سبيل الله مثلما فعلت في العام المنصرم؛ لتجعل نفسها مصداقاً للأية الكريمة: «إنَّ الذين كفروا ويصدُّون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناهُ للناس سواءٌ العاكفُ فيه والباد» [٢] ولن يمحى من ذاكرة تأريخنا هذا العدوان.

[فقدان الامام الراحل‏]

واليوم وحيث أبتلي شعب ايران تزامناً مع ذكرى فاجعة مكة الدامية؛ بالفاجعة العظيمة؛ إذ فقد القائد الاكبر الداعي لوحدة المسلمين والرافع لراية الاسلام والقرآن، عبد الله الصالح والناصح المخلص للأمة؛ ابن النبي وخلَفه؛ الخميني الكبير. فجدير بحجاج بيت الله الحرام من أي بلد وشعب أن يصغوا بقلوبهم لأصداء نداء التوحيد والوحدة الذي كان ينطلق في كل عام من تلك الحنجرة الإبراهيمية ليفعم أجواء بيت الله ومن ثَمَّ أجواء العالم الاسلامي؛ ويهُزَّ أوثان التسلط؛ وحري بهم أن يلُبوا دعوة هذا الابراهيمي وهي حديث قلوب الملايين من المسلمين المضطهدين والمظلومين من قبل الحكام العملاء والمستكبرين.

[سيبقى الامام الراحل حيّا]

نعم. رغم أن يوسف أمة الاسلام الحبيب، ليس بيننا اليوم، ورغم أنَّ مكانه خال هذا العام فيما كان يتجلى في العشاق والمضحين من الحجاج الايرانيين، لكنه اليوم أيضا حاضر في قلب كل ذاكر وعارف، وفي كل روح ملحمية وكل لسان، يصدع بالحق، وفي وجود كل مسلم غيور مخلص، نعم الامام الخميني حاضر في كل مكان يتردد فيه الحديث عن عزة الاسلام ووحدة المسلمين والبراءة من المشركين وبُغض أنداد الله واصنام الجاهلية، فهو حيٌّ مادام الاسلام المحمدي حيّاً، وهو حيُّ مادامت مرفوعة خفاقة راية عظمة الاسلام ووحدة المسلمين والبراءة من الظالمين.

ولازال مدوياً في سماء مكة نداؤه الملائكي «حاشا ومحال أن يتحقق إخلاص العشق لدى الموحدين إلا بالظهور الكامل للبراءة من المشركين والمنافقين».

ولن يزال راسخاً في الأذهان درسه الخالد عندما قال: «أي بيت أليق وأجدر أن يعرض فيه قولا وعملا عن كل ظلم وعدوان واستغلال وعبودية وعن كل رذيلة وشذوذ من الكعبة وهي بيت أمن الناس وطُهوهم»؟ وبتساؤله التحذيري حيث يقول «أينبغي القعود في المنازل والصبر على الشياطين وأفراخهم وتجسيد ذلك عملا عبر التحليلات الخاطئة وإهانة مقام الانسانية»؟ بهذا التساؤل يهز وجدان المسلمين الغيارى ويطلب منهم الجواب عليه بصدق وإخلاص، ولايزال حديثه الرسالي صادعا يأسر قلوب العشاق حيث يقول «هيهات وحاشا لأمة محمد صلى الله عليه وآله والمرتوين من كوثر عاشوراء والمنتظرين لوراثة الصالحين أن يخضعوا للموت الذليل وأسر الغرب والشرق، وهيهات أن يسكت الخميني أو يهدأ عن مواجهة عدوان الأبالسة والمردة والمشركين والكافرين على حريم القرآن الكريم وعترة رسول الله وأمة محمد صلى الله عليه وآله وأتباع ابراهيم الخليل، وهيهات أن يسكت الخميني ويهدأ وهو يشاهد ذلَّ المسلمين؛ ولتتيقن القوى والقوى الكبرى أن الخميني مواصل لطريقه وهو طريق مقارعة الكفر والظلم والشرك وعبادة الاصنام حتى لو ظلَّ وحيداً في هذا الدرب».

والحمد لله أن الخميني لم يبق وحيدا، بل ومثلما كان يقول، ومثلما كان يريد ف «إن الجماهير المعبأة هؤلاء الحفاة المغضوب عليهم من قبل الطواغيت قد سلبوا نوم الدعة من أعين ناهبي العالم وعملائهم».

ولايزال هذا النداء الحبيب الباعث للأمل في قلوب المؤمنين ينير دروب الحياة ويهب دماء الامل والفاعلية في جسد الامة الاسلامية حيث يقول «ليشعر مسلمو العالم ومحرومو أرجاء المعمورة بالعزّ تجاه هذا الاضطراب المتفاقم الذي أوجدته ثورتنا الاسلامية لكل ناهبي العالم، وليتسنموا أريج الحرية وليرددوا نداءها ونداء التحرر فيه يحيوا الحياة الحقة وفبه يقرروا مصيرهم، ويداووا جراحهم ببلسم - أن قد ولى عهد القنوط واليأس والعيش في ظل أجواء الكفر، وتفتحت أزهار الشعوب، والأمل أن يشهد المسلمون كافة تفتّح براعم الحرية ويشموا عطور ربيعها، وينظروا نضارة وردود المحبة والعشق وزلال ينابيع تفجّر إرادتهم».

نعم… إن الامام الخميني حيُّ مادام الاملُ حيّاً؛ ومادام هُناك تحرك وفاعلية وجهاد ومقارعة، فالامام الخميني وأمته المضحية ليسا بغائبين عن مكة والمواقيت، وله الحضور المعنوي والروحي الدائم مادامت أفكار الجهاد والشهادة والمقاومة والبراءة من المشركين وموالاة المؤمنين، تجري من ذرى أفكاره السامية الى القلوب والارواح الواعية للحق.

نعم، فالأمر كما قال الامام نفسه: «ونحن، سواء كنا في مكة أم لم نكن، فإن قلوبنا وأرواحنا هي مع إبراهيم وفي مكة، وسواء أغلقوا أبواب مدينة الرسول في وجوهنا أم فتحوها، فإن وشائج حبنا للنبي‏صلى الله عليه وآله محال أن تتقطع أوتضعف، نقيم الصلاة باتجاه الكعبة، ونموت مستقبليها، ونشكر الله حامدين له أن ثبتنا واستقمنا على ميثاقنا مع رب الكعبة، وأن بنينا دعائم البراءة من المشركين بدماء الآلاف المؤلفة من شهدائنا الأعزاء، ولم ننتظر أن يؤيد أو يدعم حركتنا بعض الحكام التافهين في البلدان الاسلاميةوغير الاسلامية.

نحن المظلومون على مدى التأريخ ونحن المحرومون الحفاة وليس لنا سوى الله، لكنَّنا لو قُطعنا إربا إرباً ألف مرة لما توانينا عن مجاهدة الظالمين».

واليوم فقد صدَّت أيدي الجور والعدوان المسلمين المتوجهين لله عن بيته الحرام، وخدمة لاميركا وإسرائيل تعاملت بجفاء مع الشعب الذي رفع أسمى ألوية المقارعة والجهاد بوجه الشطيان الاكبر والحكومة الغاصبة، وبهذا التعامل زادت من لوعة شعبنا الذي ارتدى لباس الحزن على فقد إمام الاسلام.

إنني وعلى سبيل الذكرى أُحدّثُ الاخوة والاخوات الحاضرين في ميادين الحج ولسائر مسلمي العالم وكذلك لشعب ايران العظيم ببعض القضايا:

[اغتنموا ثمرات الحج]

الآن وقد توجهتم باسم الله وتلبية لدعوة نبيه الى درب الحبيب ووفدتم من كل فج عميق على حرم بيت الله الحرام وأحرمتم للحج والهجرة الى الله منشدين بصوت الفطرة الانشودة الإبراهيمية «إني ذاهبٌ الى ربّي سيهدين»، لاهجين - بلسان الحال والقول بترتيلة «أرنا مناسكنا وتُب علينا»، فالامل أن تتنعموا بثمرات «كل شي‏ء» التي طلبها ابراهيم الخليل عليه السلام من بارئه والأمل أن تنير بصائركم مشاهدة المنافع التي بشرَّ بها الرب سبحانه وتعالى، ويقين أن إحدى هذه المنافع هي أن تودعوا الله - في ظل مناسك الحج وشعائره ذات العبر - تودعوه قلوبكم وهي حرم الله وأمانته، وأن يطهروها من الشرك والزيغ والأدران، وأن تجددوا ميثاق «ألم أعهد اليكم يابني آدم أن لاتعبدوا الشيطان»، وأن تسموا أعزاء بالتمسك بالأمر الالهي «فاجتنبوا الرجس من الاوثان» لتكون من نصيبكم البُشرى الالهية «والَّذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا الى الله … لهم البشرى».

[الحج تجسيد لمنهج الحياة]

الحج هو نقطة إشعاع المعارف الاسلامية والمبيّن للخطوط العامة لسياسة الاسلام في تسيير شؤون الحياة الانسانية، الحج هو مرآةُ تجلي التوحيد ودحر ورجم الشيطان: وتكرار نداء ابراهيم عليه السلام القائل «إني بري‏ءٌ من المشركين»، والحج ميدان تجلي الاتحاد العظيم للامة الاسلامية والتفافها حول محور التوحيد والبراءة من المشركين ورفض ودحر كافة الاصنام.

والصنم هو كل مايغتصب موقعا هو لله، فيستبدل الولاية الالهية بولايته ويتسلط على طاقات وإرادات بني الانسان، ولافرق أن يكون هذا الصنم حجارة وخشباً أم قوى شيطانية متسلطة ومتجبرة، أو يكون على شكل عصبيات جاهلية عل غير حق و «فما بعد الحق إلا الضلال».

إذ الحج الابراهيم والمحمدي والعلوي والحسيني هو الحج الذي يقترن فيه التوجه الى الله والتحصن بحكمه وقدرته، يقترن بالاعراض عن قوة الطواغيت والجبابرة، وكم هي بليغة رائعة مناجاة سيد الشهداء وسيد شباب اهل الجنة في عرفات، حين تجمع بين هذا التوجه وهذا الاعراض، في كلام واحد، حيث يقول عليه السلام «الهي أنت كهفي حين تعييني، المذاهب في سعتها… وأنت مؤيدي بالنَّصر على أعدائي: ولولا نصرك إيايَّ لكنت من المغلوبين… يامن جعلت له الملوك نير المذلة على أعناقهم، فهم من سطواته خائفون».

ولقد حددت المنهج العام للحج خطبة رسول الله‏صلى الله عليه وآله في يوم التورية عندما أبطلت سنن الجاهلية وحذّرت من خداع الشيطان وسعيه لجر الانسان الى عبادته وأعلنت جهاراً وبصورة واضحة صريحة حاكمية رابطة الاخوة بين جميع المسلمين… فأي روح ظمأى ترتوي بأمثال هذه الجريمة أو تلك من فيض الكوثر المحمدي وينبوع الزمزم الحسيني الثر ثم تبقى في شك وغموض تجاه المحتوى السياسي للحج؟ !

[المحتوى السياسي للحج]

ما هو بحج الحج بدون براءة ووحدة وتحرك وقيام.

ماهو بحج: الحج الذي لاينطلق منه الخطر الماحق للكفر والشرك، فحج كهذا يفتقد روح الحج الحقيقي ومعناه ومحتواه.

إن الاوثان المنحرفة المسندة والاستعمار والحكام الغافلين عن الله والقوى السلطوية الدولية كانت جميعا ولاتزال تخشى باستمرار الحج بمحتواه البناء السير والملهم، ولذلك عمدت لمواجهته وانبرت لشن حملة دعائية واسعة ومعادية للمحتوى السياسي للحج، مسخرة لذلك فقهاء البلاط المرتزقين من فتات موائد لهوها وفسادها، وبضجيج مفتعل سعت الى فرض الاقتناع بزعم أن الحج معزول عن السياسة وماهو باكثر من عبادة كسائر العبادات الفردية، غافلة عن أن أي انسان مهما كان ذكاؤه بسيطا، يتساءل بداهة عن المبرر للمجئ من كل فج عميق رجالاً وعلى كل ضامر وفي أيام معلومات بالذات، إذا كان المطلوب يتعلق فقط بعبادة فردية مجردة بين الانسان وربه دون أن تكون لها علاقة ولا هدف من تضمن درس وحدة المسلمين وتبيان عظمة الامة الاسلامية وحصول التعاون بين الاخوة القاطنين في أماكن متباعدة: واتحاد كلمة المسلمين باختلاف لغاتهم وقومياتهم وبلدانهم والتفافهم جميعاً وبصورة طوعية طبيعية حول الاعتصام بحبل الله: فما المبرر إذن من تحمل صعاب طي هذا التطريق الطويل وما المبرر من التواجد في مكة ثم في عرفات والمشعر ومنى وفي أيام معلومات وساعات محددة لجميع المسلمين وما المبرر من الطوا

ف حول مركز واحد ورجم جمرات معدودة؟ !

نعم، إن الحجّ عبادة وذكر ودعاء واستغفار، لكنَّها عبادة وأذكارٌ واستغفار هادفة لايجاد الحياة الطيبة للأمة الاسلامية وإنقادها من قيود وأغلالِ الاستعباد والاستبداد والآلهة المتفرقين، وهادفة لبعث روح العزة والعظمة فيها واستئصال روح الكسل والضجر منها، وحج كهذا هو الذي يعتبر من دعائم الدين وهو الذي يصفه أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة بأنه جعله الله تعالى للأسلام علما، وأنه جهاد كل ضعيف، كما وصفه بأنه مزيل الفقر والفاقة ووسيلة تآلف أهل الدين، وحج كهذا هو الذي كان يتوجه اليه بشوق ولهفة واندفاع من ايران عباد الله المجاهدون ويعتبرون أن من شروطه الاساسية البراءة من أميركا والصهيونية ورفض ولاية الاستكبار والمطالبة بتعميم الاحتكام للولاية الالهية، وحج كهذا هو الذي يخشى أخطاره اولئك الذين وجه اليهم الاسلام والثورة الصفعات وعلى رأسهم أميركا المجرمة.

وحج كهذا هو الذي صد حكام آل سعود المؤمنين عن إقامته للسنة الثانية اليوم، فعلوا ذلك من أجل إدخال السرور والارتياح الى قلوب أميركا وإسرائيل، بل ومن أجل شجب هذا الحج جندوا الالسن والاقلام المرتزقة ووعاظ البلاط المطبوعين على ذل العبودية الباطلة وكل ذلك خدمة لمصالح اميركا وإسرائيل.

وأنتم يا حجاج العالم الاسلامي، يامن لم يرد أعداء الوحدة الاسلامية أن تكونوا مع إخوتكم الايرانيين في الطواف والسعي والوقوف في المشاعر وفي رمي الجمرات والصلاة وزيارة قبر النبي الاكرم‏صلى الله عليه وآله وحالوا بينكم وبين لقاء إخوتكم الايرانيين في هذه المواقف، أحيوا ذكرى إخوتكم الذين صدوا عن هذه المشاعر والمواقف المقدسة، وقربوا الحج ما استطعتم من روحه وحقيقته، واعلموا أن كل من يعزل الحج عن هويته السياسية: فهو إما جاهل وإما مغرض ولن يغفر الله لاولئك الذين ومن أجل تحقيق أهدافهم الدنيئة الخبيثة هم على استعداد لسلب الأمة الاسلامية أمضى أسلحتها في مواجهة عالم الكفر والاستكبار وتحويل الحج الموجد للحياة الحقة والباعث للروح الملحمية الى عبادة فردية وطقوس شكلية مقرونة بسياحة وتجارة.

[فصل الدين عن السياسة]

إن من أكبر مظاهر الشرك في العصر الحاضر، هو عزل الدنيا عن الآخرة والحياة المادية عن العبادة وفصل الدين عن السياسة، وكأن أرباب الدنيا هم (والعياذ بالله) الجبابرة والطواغيت والسراق والقوى الكبرى والجناة، وكأن من حقوقهم الثابتة المشروعة استضعاف الخلق واستعبادهم واستغلالهم والعلو في الارض والاستكبار والتكبر على عباد الله. وكأنّه فرض على الجميع أن يمسحوا بأيدي الولاية والطاعة على أكمام اولئك الجبابرة ويستسلموا لمنطق القوة وشريعة الغاب ولايعترضوا على نهبهم وأهوائهم ورغباتهم التي لاحدَّ لمطامعها، لماذا؟ ! لأنهم لو اعترضوا فإن وعاظ السلاطين وحفدة بلعم بن باعورة سيطلقون صرخات الاحتجاج ضاجين بأنكم تدخلتم في السياسة وأنْ ماللاسلام والسياسة، وهذا هو الشرك الذي يجب على المسلمين أن يطهروا أذيالهم وساحة الاسلام المقدسة منه.

ومما يؤسف له، أنَّ سني غفلة المسلمين وحجر القرآن قد أدّت الى نجاح أيدي التحريف في إدخال أيّة فكرة باطلة الى الاذهان وباسم الدين ايضا، ولتنكر أكثر مبادئ الدين بديهية وتلبس الشرك خلعة التوحيد وتنكر دون أدنى خشية مضامين آيات القرآن، وليظهر من يقول بفصل الدين عن السياسة ويظهر من يصدقهم في هذه المقولة المناقضة للاسلام، يظهرون أمثال هؤلاء رغم أن القرآن يعتبر أن الهدف من إرسال الرسل هو إقامة القسط «لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا مَعَهُمُ الكتاب والميزان ليقومَ الناسُ بالقسط»، ورغم أنَّ القول يوجب على جميع المؤمنين السعي لإقامة القسط حيث يقول «كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله»، ورغم أنَّ آياتِ القرآن تحرم الركون الى الظالمين «ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسَّكم النار» وتعتبر الخضوع لظلم الطاغوت ناقضاً للايمان وتقول «أَلَمْ تَر إلى الذين يَزْعُمُون أنهم آمنوا بما أُنزِلَ اليك وما أُنزِلَ من قبلك يريدونَ أن يتحاكموا الى الطاغوتِ وقد أمروا أن يكفروا به»، كما تجعل الكفر بالطاغوت قريناً للايمان بالله، «ومَن يكفر بالطاغوتِ ويؤمن باللهِ فقد استمسكَ بالعروة الوثقى».

ورغم أنَّ التوحيدَ هو شعار الاسلام الأول، بما يعنيه من رفضٍ لصنمية كافة القوى المادية والسياسية وكافة الاوثان سواءُ تلك التي ذاتُ روح أو بدونها.

ورغم أن الخطوةالاولى التي اتخذها النبي الاكرم‏صلى الله عليه وآله بعد الهجرة هي تأسيس الحكومة وإدارة الشؤون السياسية للمجتمع؛ ورغم توافر البراهين والشواهد الكثيرة الدالة على شمولية الدين للسياسة؛

فهل تدبَّر ولو لمرة واحدة في آيات القرآن وتأريخ الاسلام وأحكام الشريعة أولئك الساسة الذين يروّجون دوماً لمقولة فصل الدين عن السياسة وأولئك أدعياء التدين الذين انبروا لمعاضدتهم مردّدين نفس المقولة؟ ! هل فكَّروا في مبرر ربط القرآن لكافة الامور السياسية بالله ودينه وأوليائه، بدءًا من شؤون الحكم والقانون وتنظيم شؤون الحياة الاجتماعية وقضايا الحرب والسلام وتحديد الاعداء والأصدقاء وغيرهما؟ فما هو مبرر ربط هذه القضايا بالله ودينه وأوليائه إذا كان الدين معزولا عن السياسة؟

هل تدبَّروا في الآيات الكريمة من أمثال قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا عدوي وعدوَّكم أولياء» أوقوله «ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يُفسدون في الارض ولايصلحون»، أو الايات المتحدثة عن حزب الله وحزب الشيطان أو أيات الولاية الالهية والحكم بغير وأنزل الله.

هل إن الاعمال وأشكال التعامل ذات الجنبة السياسية والاجتماعية لبني البشر والتي تشكل القسم الاكبر من شؤون حياتهم هل هي متروكة دون حساب؟ إذن ما معنى قوله تعالى «ووجدوا ماعملوا حاضراً» وقوله «ووفّيت كل نفس ما عملت» وبأي معيار تحدد مفاهيمها؛ وهل يمكن القول بأن لاعلاقة للأسلام بتحديد حسن وقبح أعمال كهذه ولايحدِّد مواقف ما تجاهها في الدنيا لكنه يحاسبه عليها في الاخرة؟ !

من أجل الحصول على أي شي ء ومن أجل الدفاع عن أية قيم شرع الجهاد في الاسلام واعتبر من أسمى الفرائض الدينية فيما اعتبر تركه موجباً للذلة والمسكنة والشقاء في الدنيا والآخرة كما تحدثت عن ذلك المئات من النصوص الشرعية - من آيات القرآن وصحاح السنة النبوية -؟ ! هل إن الحياة الطيبة التي يجب الجهادُ من أجل الوصول اليها، تتحقق في ظل الولاية المشؤومة لغير الله؟ ! وهل تتحقق بالقعود الذليل والتفرج على حاكمية الجبابرة وسيادة الأفكار المناقضة للقيم الالهية والخضوع لها؟ ! وإذا كان الامر غير هذا وكانت غاية الجهاد إقامة الحاكمية الالهية والتحرر من ولاية الطاغوت تجاه ولاية الله، فكيف يمكن تجاهل أو استصغار دور وقيمة السياسة في الدين وأهدافه المحدَّدة؟ !

معلومٌ أن مقولة فصل الدين عن السياسة هي من إثارات الاعداء الخبثاء الذين هزمهم الاسلام الحي الفاعل في شؤون الحياة، فأرادوا من إثارة هذه النعرات إخراج الدين من ميادين الحياة: ليمسكوا هم بزمام الامور الدنيوية للناس ويتسلطون على مقدّراتهم دون قلق، ولكن المؤسف المثير للمرارة هو أن يكرر نفس تلك المقولة باسم الدين أشخاص متلبسون بزي علماء الدين فيسعون لترويجها جاهدين، ورغم أن معاضدة هؤلاء المتلبسين لدعوات أولئك الاعداء الخبثاء والخطرين، ننسى أحياناً بسبب غفلتهم عن أهمية السياسة ودورها في الحياة الانسانية وأحياناً اُخرى عن تقاعسهم وخوفهم وركونهم لحياة الراحة والدعة إلا أنها تنشأ أيضاً في موارد اُخرى عن تحالف خطير بين باعة الدين وحفدة بلعم بن باعورة وبين أصحاب السلطة، ويجب على المسلمين أن يعتبروا هذا التحالف الخطر الاكبر وهؤلاء المتلبسين بزي العلماء بأنهم أسوأ من أربابهم السياسيين وعليهم أن يستعينوا على شرهم باللجوء الى الله والاعتماد على وعيهم وعزمهم.

إن وعاظ السلاطين هؤلاء - لعنهم الله - لم يكتفوا بترويج مقولة فصل الدين عن السياسة وتوفير غطاء ديني لها، بل تمادوا الى السعي لتدعيم سلطة الشياطين عبر مدحهم وثنائهم على الجناة، أليس هذا تدخلا محرما في السياسة؟ !

هل إن إضعاف الاسلام والمسلمين وإثارة الفُرقة ومواجهة الثورة الاسلامية والبراءة من أولياء الله والافتراء عليهم وإنكار آيات الله حتى لو كانت سياسية من المباحات؟ مساندة المظلومين والبراءة من المشركين والدفاع عن المحرومين والاعتراض على تسلط أميركا وإسرائيل على البلدان الاسلامية؛ ومناهضة نهب الشركات الاجنبية وإدانة خيانات الرؤوساء والملوك المسلمين اسمياً فقط ودعم جهاد المسلمين الحقيقيين معاصٍ وجرائم؟ هنا يتضح كلام إمامنا الفقيد؛ ذاك الداعي الى الله والفاني في الله عندما ميّز بين الاسلام المحمدي النقي وبين الاسلام الأميريكي.

[الاسلام المحمدي والاسلام الامريكي]

الاسلام المحمدي الأصيل هو إسلام العدل والقسط، إسلام العزة إسلام الدفاع عن الضعاف والحفاة والمحرومين، إسلام الدفاع عن حقوق المظلومين والمستضعفين، إسلام مجاهدة الاعداء ورفض مساومة مثيري الفتنة والمتعاملين بمنطق شريعة الغاب، إسلام الأخلاق والفضيلة والسمو المعنوي… أما الاسلام الاميريكي فهو مايطرح باسم الاسلام لخدمة مطامع القوى الاستكبارية وتبرير أعمالها، وهو ذريعة لاعتزال أهل الدين وعدم تدخلهم في أمور المسلمين ومصائر شعوبهم، ووسيلة لتعطيل قسم كبير من الاحكام الاجتماعية والسياسية في الاسلام وحشره في إطار المسجد وهنا أيضاً ليس باعتبار أن المسجد مركز الحل والفصل في شؤون المسلمين كما كان عليه في صدر الاسلام: بل باعتباره زواية يعتزل فيها عن الحياة وبالتالي تعزل الدنيا عن الاخرة.

إن الاسلام الأمريكي هو. اسلام الذين لايفكرون سوى بأنفسهم ورفاههم وشهواتهم الحيوانية؛ فلا همَّ لهم غير ذلك وكما يفعل التجار برؤوس الاموال يتخذون الله والدين وسيلة لكنز الاموال أو الوصول للجاه والاستقواء ويحملوا دون تردد كل الآيات والروايات التي لاتنسجم مع أهوائهم ومصالحهم أويؤلونها بوقاحة.

الاسلام الامريكي هو إسلام السلاطين والرؤوساء الذين ينحرون مصالح شعوبهم المحرومة والمظلومة، ويقدمونها قرابين على أعتاب آلهتهم الأمريكية والأوربية ويتطلعون مقابل ذلك لهذه الآلهة لتقدم لهم الدعم اللازم للاستمرار في الحكم والتسلط الذليل.

الاسلام الامريكي هو إسلام الرأسماليين الذين يسحقون كل فضيلة وقيمة سامية من أجل ضمان منافعهم.

نعم، هذا هو الاسلام الامريكي الذي يدعو الناس الى الابتعاد عن السياسة وعن وعي الاعمال السياسية والبحث فيها والتحرك بها، أما الاسلام المحمدي الأصيل فيعتبر السياسة جزء لايتجزءًا من الدين ويدعو جميع المسلمين الى وعي التحركات السياسية والأشتراك فيها، وهذا هو الذي ينبغي للشعوب الاسلامية كافة أن تحفظه عن إمامها الفقيد والناطق الحق بالأسلام.

[الهجوم على الاسلام]

من القضايا الراهنة المهمة بالنسبة للعالم الاسلامي هي قضية موقف العداء الجنوني الحقود الذي تتخذه الجبهة الشيطانية وخاصة الشيطان الاكبر ضد الاسلام ومفاهيمة وعقائده.

ومعلوم إن تأريخ المعاداة المبرمجة والحرب الشاملة ضد الاسلام يعود الى بدايات ظهور الاستعمار، حيث رأى الاستغلاليون في الاسلام وطوال القرون الاخيرة العقبة القوية في طريق تحقق أطماعهم وإثارتهم الفتنة في البلدان الاسلامية التي حولوها الى ساحة لقيامهم بالنهب والسلب والقتل والعدوان، وانطلاقا من هذه النظرة للاسلام؛ جعلوه هدفا لهجماتهم السياسية والثقافية العنيفة، ونفذوا خطط عزل المسلمين عن القرآن والاسلام مستعينين بمكائدهم الشيطانية، ومنها إشاعة الفساد والفحشاء والسلوكيات المبتذلة؛ ولكن ومع تفجر بركان الثورة الاسلامية وإحراقه لبيادر أمانيهم الشريرة؛ وبعثه الأمل في قلوب مسلمي العالم مبشراً بحياة جديدة للاسلام، مع هذا التطور عمدت قوى الاستكبار وكذئب مكلوم الى تصعيد هجمة واسعة شاملة وجنونية ضد الاسلام.

وبديهي توقع تحقق السنن الالهية في دحر وفضح المستكبرين، بل ذلك من المحتوم إن شاء الله مثلما يؤكد القرآن «ولاتزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة». ولكن تحقق ذلك مشروط بعمل المؤمنين بالاسلام لواجباتهم في مواجهة هذه المؤامرات فلا يغفلوا عنها.

ومعلوم أن الهدف المركزي الذي توجهت اليه سهام المؤامرات المضادة للاسلام خلال العقد الأخير: تمثل في الجمهورية الاسلامية باعتبارها «أم القرى» المعاصرة بالنسبة للاسلام فهي رائدة حركته العالمية؛ وتلقّى شعب إيران أشكال الضربات الموجهة في الحقيقة الى الاسلام وإندفاعته الثورية العظيمة، إن معاداة الاسلام والتضييق عليه كانا الدافع الأساسي لفرض حرب الاعوام الثمانية على الجمهورية الاسلامية والمقاطعة الاقتصادية ولكل ماتعرضت له من شتى الهجمات السياسية والدعائية والاقتصادية التي لاحد لها،

ونحن نفخر بكوننا عُرِّضنا سنينا لسخط جنوني وانتقام وحشي من قبل القوى الكبرى فأصبحنا درعا لصد سهامها وكل ذلك لأن عندنا الجوهرة الوحيدة العزيزة جوهرة الايمان بالله والعمل بالاسلام؛ نعم و «ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد».

ولكن محاربة القوى الاستكبارية للاسلام لم تبق محصورة في حدود ضرب ايران وشعبها ونظام الجمهورية الاسلامية، بل اتسعت دائرة مظاهر معاداة الاسلام وتوبعت عبر جهود جاده بأساليب سياسية ودعائية بل وثقافية أيضا، فمن المظاهر البارزة للحرب السياسية ضد الاسلام: ظاهرة الضغط والتضييق على المجاهدين والأحرار والعلماء والمفكرين في البلدان الاسلامية والتعامل معهم بشدة، ومن تلك المظاهر أيضا، ظاهرة التضييق والتشديد في التعامل مع الأقليات المسلمة في البلدان غير الاسلامية.

ومن الأمثلة البارزة للحرب الثقافية ضدالاسلام، ظاهرة إعداد المقالات والكتب والافلام المسيئة للاسلام وترويجها في المجتمعات الاسلامية وغيرها، وهاهي الحكومات الاستكبارية نظائر أميركا وانجلترا تنفق مبالغ طائلة لتنفيذ هذه المؤامرات ومما، يؤسف له أن هناك كتاباً وفنانين يتاجرون بأقلامهم وفنهم ويسخرونها لخدمة تلك الأهداف المشؤومة ناحرين ضميرهم الفني والأدبي.

والحقيقة الجديرة بالاهتمام هنا، هي أن منشأ هذه الحركات المعادية أساساً هو إحساس معسكر الاستكبار بالضعف في مواجهة الاسلام.

إن صلابة واستقامة الشعب الايراني المسلم، والصرخات الأبية الهادرة التي أطلقها محطم أوثان العصر الحاضر؛ والتاييد والنصر الالهي الذي أحاط على الدوام هذا العبد الصالح وأنصاره؛ هذه العوامل أدت الى تصدير الأفكار الاسلامية الثورية، وهو الأمر الذي طالما أرعب الاعداء، والأهم أن تحقق هذا الأمر تم عبر نفس المنافذ التي سلكها الأعداء لمنعه.

كما إن ظلامة الشعب الايراني وصبره على الشدائد، أثبتا أحقية هذا الشعب العظيم ووسع دائرة الثورة في الكثير من البلدان ووهب مسلمي العالم عزماً أشد رسوخاً وشعوراً أكثر عمقاً بانتمائهم الاسلامي.

إنَّ طابع الانفعال هو الطاغي في كل مكان على سلوكيات أيدي الاستكبار العالمي في مواجهة الاسلام، يدفعها إحساسها بالضعف والخوف من تنامي التيار الاسلامي الى مهاجمة الاسلام سواء على الصعيد الثقافي بأساليبه المختلفة أو على الصعيد السياسي بالقوة والحراب.

وإنه لمن الألطاف الألهية أيضا أن يتحول كل إجراء يتخذه المستكبرون من أجل الاساءة للاسلام وضربه، الى عامل يصعّد غضبة المسلمين ويرسخ عزمهم في الدفاع عن الاسلام، والمثال البارز على ذلك يتجلى في قضية نشر الكتاب الشيطاني للمرتد الانجليزي المهدور الدم، فالحكومات الاستكبارية أرادت إضعاف الاسلام عبر هذا التحرك فردّ الله سبحانه وتعالى سهام كيدهم الى نحورهم، وعلى نقيض ما أرادوا تحول هذا العمل الى عامل فضح لهم، فكان أن عززت فتوى إمام الامة باهدار دم مؤلف هذا الكتاب انسجام المسلمين ووحدة كلمتهم، وستنتهي الى هذه النتيجة بمشيئة الله جميع مساعي الاعداء بمحاربة الاسلام ف «إنَّ كيد الشيطان كان ضعيفا».

[ضرورة اليقظة والحذر]

وهناك قضية إخرى مهمة في هذا المجال، وهي ضرورةُ أن يكون المسلمون في كافة أنحاء العالم على كامل اليقظة والحذر تجاه تحركات الاعداء لإضعاف الاسلام والاساءة إليه، خاصة تجاه المؤامرات الثقافية كتأليف الكتب وإعداد الأفلام المضادة للاسلام وتقع المسؤولية في هذا الميدان بالدرجة الأولى على عاتق الكتّاب والفنانون من الذين تخفق قلوبهم للأسلام؛ والعارفين بعمق حقد الاجهزة الاستبكارية على الاسلام والمسلمين، فواجب هؤلاء العام والكبير هو تأليف المؤلفات والآثار الادبية والفنية المبينة لحقيقة الاسلام والكاشفة لمؤامرات الاعداء والمدافعة عن حقوق مسلمي العالم.

ومعلوم وواضح واجب في لزوم التصدي لأي إساءة توجه للمقدسات الاسلامية، وحكم الامام الفقيد تجاه المؤلف المرتد والخبيث لكتاب الآيات الشيطانية يحدد بوضوح واجب الجميع تجاه الموارد المشابهة، وحكم إمام الامة تجاه هذا الكاتب التعيس لايزال نافذ المفعول وعليه الانتظار حتى تحين اللحظة المقدرة. لينتفع المسلمون بأقصى الاستطاعة من الاجتماعات الكبرى لاسيما في موسم الحج العظيم، من أجل إعلان رفضهم وشجبهم للمؤامرات الثقافية التي ينفذها الاستكبار ضد الاسلام وإظهار استعدادهم الكامل للتصدي لها بحزم، واني لواثق من أن المسلمين الغيارى ومثلما فعلوا سابقاً سيتخذون المواقف الحازمة تلبية لنداءات إمام الامة أعلى الله كلمته.

[قضية الشعب الفلسطيني]

يجب أن تبحث في موسم الحج قضايا العالم الاسلامي، وأهم القضايا التي تهم المسلمين كافة بعد وجوب الاستعداد الكامل للدفاع عن الاسم والشخصية الاسلامية، هي قضية وضع الشعوب المظلومة المناضلة التي عمدت أيدي الطغيان والكفر والاستكبار الى اضطهادها وظلمها وفرضت عليها أصعب الأحوال المعيشية، وحال شعب فلسطين هو مثال بارز لهذه الشعوب.

أربعون عاما تصرمت وهذا الشعب إما مشرد عن دياره وإما يحيا حياة الغربة وهو في وطنه، وهذا الجرح المؤلم الذي سببته للأمة الاسلامية مؤامرات الحكومات الاسلامية المعادية للاسلام والتي نفذت بأيدي الصهاينة المجرمين لازال ينزف منذ أربعين عاما، وكل يوم يذرون مزيدا من الملح عليه.

كثيرون هم الاشخاص والمجاميع الذين تصدوا لإنقاذ هذا الشعب أو إدّعوا ذلك، ولكن أيّاً منهم لم ينجز شيئاً، بل على العكس زادوا المشكلة تعقيداً، ولم يكن السبب عجز الشعب الفلسطيني عن الدفاع عن نفسه ولاعجز العالم الاسلامي عن إحباط مؤامرات أميركا والغرب الهادفة للدفاع عن حكومة الغاصبين، بل إن السبب الاساسي يكمن أولاً في نسيان الانتماء الاسلامي لشعب فلسطين وعدم الانطلاق فى الصراع من مبادئ الاسلام والجهاد الاسلامي طوال العقود الماضية، وثانياً يكمن في خيانات الحكام والزعماء العرب وحتى الفلسطينيين.

واليوم فقد عاد للحياة ولله الحمد عامل الايمان والجهاد الاسلامي فاعلاً في نشاطات شعب فلسطين داخل الارض المغتصبة، وبسبب هذه العودة تغيرت كفة معادلة الصراع ورجحت لصالح الفلسطينيين، فلم تشهد الأرض المغتصبة طوال عقود الاغتصاب الاربعة وقبلها في ظل القمع والارهاب الانجليزي، لم تشهد ماتشهده اليوم إشعاعات الأمل الكبير المتألقة في أرجاء فلسطين بفضل تضحيات الفتية والاطفال والنساء والرجال الذين يصبغون اليوم أزقة وشوارع الوطن السليب بدمائهم الزكية فيما يُنزل المصلون في اجتماعات الجمعة الاسبوعية صواعق كوابيس الموت على رؤوس الصهاينة الغاصبين والغرباء، والمستقبل المشرق هو بلاشك حليف هؤلاء المؤمنين المجاهدين ذوي العزم الراسخ.

لقد ولّى اليوم عهد طغيان حالة الضعف والمسكنة وانفعال الألم والانتظار على شعب فلسطين، فقد أعاد الاسلام له قوته الحقيقية، ولم يعد يتحكم بمصيره الزعماء الخونة والمساومون من الرموز الفلسطينية التي باعت فلسطين وحولتها الى بضاعة يتساومون عليها في دهاليز اللعب السياسية التي انغمست فيها بعيدة عن أدنى درجات الاحساس بمعاناة الفلسطينيين في الارض المغتصبة أو في المخيمات، إن مستقبل فلسطين ومصيرها يتقرر في المساجد وصلوات الجمعة وميادين المواجهة الممتدة عبر شوارع وأزقة الارض المحتلة، وهذه هي من بركات الاسلام.

ولقد وجد طريق خلاصه أيضا شعب لبنان الذي يعيش منذ سنين متمادية في خضم النار والدم بسبب الضغوط المفروضة عليه من جهتي الصهاينة وحلفائهم الكتائب، واتخذ قرار مواجهة النظام الفاشي والعشيرة ذات الظاهره العصري المدعومة من قبل أميركا وفرنسا وانجلترا، لقد ربط مسلمو لبنان المظلومون مصيرهم بمصير الشعب الفلسطيني حيث يتحملون آلام مجاورة المعتدين التوسعيين، وهنا أيضا سيفتح الايمان والجهاد كل الطرق المغلقة، فقد شاهد العالم مذهولاً لايصدق مايراه من فتح إحدى هذه الطرق في قضية أفغانستان، فقد استطاع المجاهدون الأفغان طرد الجيش الأجنبي وذلك بفضل بركة الاسلام ووحدة الكلمة، وإذا ما استمروا على التمسك بهذين العاملين فإنهم سيمحقون النظام العميل الحالي وسيأسّسون الحكومة اللائقة التي يطمحون إليها، وهذان العاملان بالذات هما البلسم الناجع لجميع آلام ومشاكل فلسطين ولبنان، ولا علاج نرتجيه لقضية فلسطين من الحلول المفروضة من قبل الدول الكبرى.

فلا علاج لها ولا حلّ إلا بأستئصال الغدة السرطانية المتمثلة في الحكم الصهيوني، وهذا أمر ممكن؛ بل وممكن جدا، وعلى المسلمين أن يبحثوا هذه القضية في موسم الحج، ويلتزموا بمسؤولياتهم تجاهها وأن يوجدوا حالة من الانسجام بين الشعار والعمل بشأنها، ويرى شعب إيران نفسه حليفاً استراتيجياً للمجاهدين الفلسطينيين ويرى انتصاره ناقصاً بدون انتصار قضية فلسطين، فالامام الراحل العظيم وضع قضية فلسطين في صدر اهتماماته منذ بدايات جهاده واستمر على ذلك وتابع الاهتمام بها بعد انتصار الثورة وحتى بعد رحيله الى الملكوت الاعلى، فقد ترك فينا وصيته السياسية الالهية وفيها حدثنا وحدث جميع مسلمي العالم عنها، فلا يجوز التخلف عن هذا الواجب، وأنتم أيها الحجاج وقع عليكم هذا الواجب أيضاً، وإذا ما نهضنا بمسؤولية هذا الواجب، فسيلتئم إن شاء الله الجرح العميق النازف في جسد الاسلام … والله معنا.

[نهج الخميني مستمر]

زهاء الاربعين يوماً تصرمت والامة الاسلامية في مأتم فقد إمامها وحبيبها وقائدها، تعيش اللوعة والحرقة ويغليها الوجد…

الأربعون يوماً تصرمت وليس بيننا الامام الخميني؛ هذا العبد الصالح المطيع لله… هذا العدو الصلب للمستكبرين، هذا النصير الخدوم للمستضعفين والمحرومين والمظلومين، هذا الرافع لراية الاسلام المحمدي الاصيل، وفاضح الاسلام الامريكي، هذا المغيث لمسلمي العالم كافة، هو الذي تجمّعت فيه فصائل الخصال الاسلامية السامية وهذا الكامل في إسلامه، لقد التحق بالملكوت الاعلى وترك شعب إيران الثورة وسائر ابناءه في أرجاء المعمورة في لوعة وحداد، ولكن لم ولن يرحل صوته وهو صت الحق والعدل، بل سيخلد مدوياً في الخافقين، الخميني لم يمت ولن يموت، فهو السائر على نهج الانبياء؛ كالانبياء لايموتون بموت أجسادهم.

الخميني حي في صرخات تكبير المجاهدين، وحي في الارادة القاهرة المتجلية لدى الشعوب المظلومة.

الخميني حي في الايمان الواعي لجيل الشباب في العالم الاسلامي المعاصر؛ وحي في الامل المشرق لدى المستضعفين والمظلومين.

الخميني حي في إخلاص وسمو معنويات العارفين حلفاء المناجاة، وحي في الحياة الجديدة للقيم المعنوية والاخلاقية في العالم.

الخميني حي في كافة هذه المظاهر الرائعة للحركة الثورية الصانعة للتأريخ في عالمنا المعاصر، وهو حي في قلب كل واحد من عشاقه ومريديه.

لقد انتظر الاعداء المكلومون من الثورة طويلا يوم رحيله، لينتهزوا غياب الحارس اليقظ القوي فينقضّوا على الجمهورية الاسلامية ونهضة الصحوة الاسلامية العالمية وهما وليدة المبارك وإرثه وثمرة جهاده، ولكن الذي أدخل اليأس الى قلوب الاعداء وحوَّل تحليلاتهم وتوقعاتهم الى خرافات وأوهام، هي اليقظة الثورية والايمان الواعي ووفاء العشاق الذي تجلى في شعب ايران العظيم وأثبته حضوره التأريخي الفريد في مراسم تشييع وعزاء هذا العظيم والوقائع التي تلت ذلك.

عليَّ واجب تقديم كامل تقديري وإبراز إحترامي العميق لهذا الشعب العظيم وأقول له بخضوع: لقد مررت بامتحان عسير كبير فخرجت منه عزيزا مبيض الوجه، فعليك سلام الله ورحمته، لقد كنت في حياة الامام المباركة خير وأصدق نصير له، لقد كنت سبباً لافتخار سليل رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعد رحيله الى الملكوت الاعلى أثبتّ أيضا عمق وفائك له والتزامك بوصيّته، فرضي الله عنك أيها الشعب النبيل.

وعليَّ أيضاً واجب شكر جميع الاخوة والاخوات المسلمين في سائر أرجاء المعمورة، فقد واسوا شعب إيران وأرعبو الاعداء، وجسّدوا جهاراً عظمة الوحدة الاسلامية، رضيت عنهم جميعاً الروح الطاهرة لرسول الله صلى الله عليه وآله.

وأسفاً أن هناك في العالم الاسلامي أيضاً أفرادا من الحكام والمتسلطين والمرتزقة وأدعياء العلم والمتاجرين بكرامة القلم، لم يعرفوا منزلة الامام الذي كان جوهرة تاج العزة للامة الاسلامية، فجفوه وانبروا لمعاداته إرضاءً لأميركا وإسرائيل وسائر أعداء الاسلام، وكفعل الخفافيش سعوا حاقدين لاطفاء نوره وأنّى لهم ذلك؟ وير يدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون لعنة الله وبراءة المسلمين والندامة الابدية لأولئك الذين فعلو بالخلف الصادق للنبي‏صلى الله عليه وآله. من فعله أبو جهل وأبو لهب وفرعون وبلعم بن باعورة وأئمة النار كافة، بالانبياء والصديقين وأئمة النور؟ وأتبعناهم في الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين».

لقد عاهدنا الله سبحانه وتعالى على أن نواصل السير في طريق الامام الخميني أعلى الله قدره. فهو طريق الاسلام والقرآن وهو سبيل عزة المسلمين، إن المبادئ الاساسية لخططنا وسياستنا تتمثل في الالتزام بمبدأ اللاشرقية واللاغربية، ودعم وتأييد المستضعفين والمظلومين، والدفاع عن وحدة الامة الاسلامية وحركتها العظيمة، والتغلب على عوامل الاختلاف والفُرقة بين المسلمين في أنحاء المعمورة، والجهاد من أجل خلق المدينة الاسلامية الفاضلة، والالتزام بمناصرة الفئات المحرومة وسكنة الاكواخ، وتعبئة كافة الطاقات والامكانات في سبيل إعادة بناء البلد على الصعيد الداخلي، وهدفنا الاساسي من كل ذلك هو إحياء الاسلام، والعودة الى القيم القرآنية، ولن نتراجع عن هذا الهدف ولا بقيد أنملة أيها الاخوة، والاخوات… يا شعب إيران العزيز… لقد صدَّكم الاعداء هذا العام أيضا عن حقكم الثابت في حج بيت اللله الحرام وزيارة مرقد نبيه صلى الله عليه وآله ومراقد أئمة الهدى سلام الله عليهم في البقيع، وحرموكم هذه النعمة، ليضيفوا صفحة اُخرى في سجلهم الاسود، ولكن آفاق المستقبل مشرقة واضحة أمامنا وهي مفعمة بالأمل، لقد التزمنا بالعمل وفق واجبنا الاسلامية وصبرنا على تبعاته

ا، ونسأل الله أن يشملنا بألطافه ويتلطف علينا ولي العصر أرواحنا فداه برضاه ودعائه، وسيتحقق بحقكم أنتم أيضاً يا أبناء الامام البارين ويا أيها الانصار المضحون في سبيل الاسلام، وعد الله تعالى رسوله حيث يقول «لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ان شاء آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لاتخافون».

الاول من ذي الحجة الحرام عام ١٤٠٩ للهجرة

علي الحسيني الخامنئي

………………………. ) Anotates (…………………….

١) يوسف / ٨٧.

٢) -



[ Web design by Abadis ]