ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الفصل الرابع: ابن المقفع أديباً

ابن المقفع أديباً

١ - مدخل

لم تكن الديانة يوماً من الأيام عياراً يحكم به بعضُ النقاد والناس على جودة كاتب ما؛ أو شاعر من الشعراء؛ وإن أخذها الدارسون بعين النظر حين يدرسون أدباً ما من جهة الوظيفة والدلالة والهدف… ولذلك لم يكن سوء الاعتقاد الديني يرفع مكانة هذا ويؤخر منزلة ذاك؛ قديماً وحديثاً… مع الالتزام باعتماد الحكم النقدي للشروط الموضوعية للنقد، وروح المنهج العلمي الدقيق.

ويبدو لدينا أن ابن المقفع الفارسي الأصل المتهم بدينه قد أهَّلته قدراته الذاتية والموضوعية، ولاسيما قدراته الإبداعية التأليفية لكي يرتقي إلى منزلة مرموقة فـي نفوس خصومه قبل مناصريه، وليجمع من جديد بين حضارتين؛ فهو فارسي التراث عربي اللغة والغاية.

وقبل أن نتناول شهادة القدماء والمحدثين به وبأدبه وأثره فيهم؛ علينا أن نشير بسرعة إلى الأسباب التي جعلته يحظى باحترامهم وتقديرهم لمنزلته الأدبية والفكرية…

فابن المقفع نشأ فـي كنف أسرة تضطلع بمسؤوليات ثقافية غير هيّنة؛ فأبوه - مثلاً - كان يعمل لدواوين الولاة فـي صناعة الكتابة زمن الحجاج بن يوسف الثقفي… وهذه المهنة تتطلب مهارات عالية وخاصة من صاحبها… والظاهر أنه أدرك ما يتصف به ابنه عبد الله من ملامح النجابة والاستعداد لهذه الصناعة… فعُني به عناية فائقة سواء على صعيد تدريبه على الكتابة أم على صعيد تزويده بالأسلحة المطلوبة لها… ولم يخيب الابن آمال أبيه فسرعان ما ارتقى فـي هذه الحرفة الهامة مبكراً، ودخل دواوين الولايات لعهد بني أمية… ساعده على هذا حدة ذكائه؛ ورهافة حسه، ورقة ذوقه؛ وسرعة فطنته، وشدة بداهته… وما امتلكه من معارف واسعة ومتنوعة، وبخاصة ما يتعلق بالثقافة الفارسية، … ثم عضد ذلك كله بإتقان الفارسية القديمة (الفهلوية) التي لا يعرفها إلا القليل النادر من أبناء فارس فضلاً عن حذقه للعربية؛ … مما هيأه للتسلح بمنهج علمي معرفـي دقيق… وقد ساعده على ذلك كله مناخ الحرية الفكرية التي سادت فـي الدولة الإسلامية.

وكان يستكمل ثقافته العربية وعلوم لغتها كلما تردد على بني الأهتم، وهم أفصح تميم؛ على شهرة هذه القبيلة بالفصاحة… فنشأ ابن المقفع فصيحاً بليغاً عارفاً بأساليب العربية وألفاظها… حتى شهد له الأصمعي بها فقال: «قرأت آداب ابن المقفع فلم أرَ فيها لحناً إلا قوله: العلم أكثر من أن يحاط بالكل منه فاحفظوا البعض» فموضوع اللحن الذي يراه إدخال (أل) التعريف على (كل) و (بعض) [١].

وكان يحفزه إلى هذا كله دافع ذاتي شخصي، وطموح لا نظير له حتى روى الأصمعي أنه قيل لابن المقفع: «من أدَّبك؟ فقال: نفسي، إذا رأيت من غيري حسناً أتيته؛ وإن رأيت قبيحاً أبيته» [٢].

ومن ثم وجدنا لديه إخلاصاً منقطع النظير فـي طلب العلم والصبر فيه، والسعي الدؤوب إلى تحقيق المزج الحضاري بين الثقافة الفارسية والعربية بدافع ذاتي صرف… ولم يكن بدافع من والٍ أو وزير أو خليفة… إذ لم يستوزر لأحد، وإن كان قد عمل لبعض الولاة فـي نيسابور والأهواز والبصرة…

فما كسبه من مال فـي عمله لدواوين هذه الولايات جعله فـي اتجاه نبيل وشريف… إما أنه تكرم بقسم منه على من يحتاج إليه… وإما صرفه فـي حقول المعرفة فـي ترجمة الكتب وتأليفها…

ولهذا كله نرى أن طموح ابن المقفع لم يتوقف عند كسب المال، وإنما كان ذلك منه لإثبات ذاته الإبداعية الأدبية بين كتّاب عصره، والتفرد بإبداعات لم يكن بمقدورهم أن يقوموا بها… فـي عهد لم يكن للكاتب الناشئ حظه من الشهرة، ولم يكن للكاتب الذي يعمل بجهد فردي خاص الحظوظ الكبرى من المعرفة أو دخول الدواوين… فهو أقل حظاً وشأناً من الكتاب الذين تتبناهم مراكز الولايات أو الخلافة…

ويبدو أن الحظ ابتسم لابن المقفع فـي مطلع الدولة العباسية حين راسل عيسى بن علي عم المنصور وكان بالأهواز… فرحب به كاتباً له ولأخيه إسماعيل، ومن ثم مؤدباً لأولاده… وقد وفق لهذا الرضا الكبير من قبل أعمام الخليفة ما كان يتصف به ابن المقفع من قدرات أدبية رفيعة، وما انطبع عليه من أدب خلقي نبيل، مما جعله يخترق المسلمات المعروفة فـي عصره بشأن الكتّاب… ليصبح واحداً من عباقرة الأدب العربي الذين طوّروا أساليبه، وبخاصة ما يرتبط بالتأليف؛ وصناعة الرسائل… بينما ظل أبو أيوب المورياني حبيس ما كتب وكان من أشد الكتّاب عداء لابن المقفع؛ ولعله وحده كان وراء عدم دخوله لدواوين الخليفة أبي جعفر…

لقد استطاع ابن المقفع بعقله الجبار، وبداهته الحاذقة أن يملك ذخيرة لغوية عظيمة، ومادة فكرية واسعة؛ مما هيأه لتطوير أساليب العربية ذاتها؛ فوصل بها إلى درجة قربته من الإتقان المنشود القائم على الوضوح والجمال الفني.

ولعل زمن البدايات الذي عاش فيه ابن المقفع يبرز قيمة ما قدمه للعربية والبحث الأدبي والفكري، إذ لم يسبق من الكتّاب المبرزين إلا بأستاذه وصديقه عبد الحميد الكاتب؛ وسالم مولى هشام بن عبد الملك… وزمن البدايات - عادة - تعتوره أخطاء كثيرة؛ وتشوبه أوهام عديدة؛ وتحيط به أخطار شتى؛ علماً أن معارف الناس - دائماً - مركبة على النقص… وكذلك عقولهم… والكمال لله وحده.

وإذا كانت تلك البدايات قد ضربت بعصاها الغليظة العديد من الكتاب ممن لم يتصفوا بالموهبة والإبداع والتفرد فإنها كانت تهيئ ابن المقفع ليكون جسراً حضارياً من جسور العمالقة التي تعبر عليها الأجيال من حضارة إلى أخرى، وليصبح المثل الحي للشباب العالم الطموح فـي الوصول إلى مكانة متفردة فـي الإبداع يقر بها العدو قبل الصديق. إذ أكد - بما لا يقبل الشك - أن الإبداع الذاتي الفردي المتصف بالدقة والنزاهة والوضوح والموضوعية والمنهجية… و … قادر على البقاء والنفاذ إلى الناس فـي كل زمان ومكان، وإلى أي جنسية ينتمون… ولا يمكن لهذا الإبداع أن يذهب أدراج الرياح… ولاسيما حين يثبت حيويته وعظمة الأفكار التي يقدمها للأمة وللبشرية… فضلاً عن الأساليب الكتابية والبلاغية التي يرتقي بها عما قبل… ومن هنا نتحدث عن مكانته الأدبية.

٢ - مكانته وأثره

نفذ ابن المقفع ببصيرته الثاقبة إلى الثقافة الفارسية التي يمتلكها ويعرفها فجعلها مادة ثرة يعتمد عليها فـي آثاره التي صيّرها وسيلة أساسية إلى تحقيق جسر التواصل الحضاري بين أبناء الأمة الإسلامية بكل انتماءاتهم العرقية؛ وإن كان العرب والفرس يشكلون فيهم الكتلة الأعظم… فابن المقفع حقق بالمادة الثقافية التي توافرت له من التراث الفارسي جسر المزج الثقافـي بين القديم والحديث؛ دون أن يكون لديه روح التعصب الشعوبي… كما زعمه عليه غير دارس … ولو أن هذه الشعوبية مطبوعة فيه لما ترجم كتاب (كليلة ودمنة) وهو على دراية حقيقية بأنه هندي، وقد ذكر ذلك فـي مقدمته… [٣] ويؤيد هذا - أيضاً - أنه ترجم المؤلفات اليونانية المكتوبة بالفارسية. وقد يقال: إنه لا يتقن من اللغات إلا الفارسية والعربية؛ لذلك ترجمها… ونقول: كان بإمكانه أن يترجم غيرها من التراث الفارسي الخالص، لو كانت النزعة الشعوبية تتملكه [٤].

وبناء على ذلك كله نذهب إلى أن ابن المقفع ترجم ما يراه مفيداً للأمة الإسلامية؛ سواء أصاب أم جانبه الصواب… ولهذا نقول: أياً كان اختلاف القدماء والمحدثين حول زندقته أو عصبيته لفارس مثيراً للجدل والنقاش فـي كل زمان ومكان… فإنهم اتفقوا - غالباً - على أن ابن المقفع أديب من طراز خاص، استحق بكل جدارة أن يكون رأس البلغاء العشرة فـي زمانه [٥] وهو عند الخليل بن أحمد الفراهيدي يتصف بعلم غزير؛ وإن لم يكن عقله بمقدار عظمة علمه [٦] … ثم إن الأصمعي كما سبق لنا إثباته قبل قليل قد شهد له بالفَصاحة والخُلق، بينما جعل الجاحظ كتبه وبلاغته مصدراً لتعليم الناشئة، فضلاً عن اقتباساته العديدة منه فـي مؤلفاته المتنوعة. فالجاحظ يقر له بذلك حين يحدثنا عن الكاتب الناشئ من كتّاب الفرس فيقول: «إذا وطئ مقعد الرياسة؛ وتورك مشورة الخلافة… وروى لبُزرجْمِهر أمثاله، ولأرْدشير عهده، ولعبد الحميد رسائله؛ ولابن المقفع أدبه، وصَيَّر كتاب مزدك معدن علمه؛ ودفتر كليلة ودمنة كنز حكمته ظن أنه الفاروق الأكبر فـي التدبير، وابن عباس فـي العلم بالتأويل…» [٧].

وهذا أبو بكر الأصم (ت ٢٢٥هـ) - على اتهامه لابن المقفع برقة الدين - يعترف له بالعلم وجودة الرواية فيقول: «ما رأيت شيئاً إلا وقليله أخف من كثيره إلا العلم؛ فإنه كلما كثر خف محمله. ولقد رأيت عبد الله بن المقفع هذا مع غزارة علمه وكثرة روايته كما قال الله سبحانه: (كمثل الحمار يحمل أسفاراً ( (الجمعة ٦٢ / ٥)؛ قد أوهنه علمه، وأذهله حلمه، وأعمته حكمته، وحيرته بصيرته» [٨].

فأبو بكر على الرغم من أنه يقدح فـي دين الرجل لكنه يقر له بأربعة أشياء العلم والحلم والحكمة والبصيرة… وقد جعله المؤرخون والأدباء مصدراً أساسياً فـي كتبه يثقون بكل ما يكتبه… ومن هنا نعجب كيف يوثّقون من لا دين له ويأخذون عنه العديد من الأفكار والآراء؟ ! فلعمري هذا مما يحتاج إلى النظر فيه طويلاً من كل من اتهمه برقة الدين… فابن قتيبة الفقيه الموثق فـي خلقه ودينه ينقل عن آثار عديدة لابن المقفع، ويصرح بأسمائها فينقل عن كتاب سير العجم والآداب الكبير والتاج وكليلة ودمنة واليتيمة والآيين [٩].

وحين صرح بأسماء الكتب التي نقل عنها، فإنه أشار إليها دون تصريح فـي العديد من المواضع في كتابه (عيون الأخبار) [١٠]، وكذلك أفاد (الطبري: القارئ المفسّر) فـي كتابه (تاريخ الرسول والملوك) وذكر أنه أفاد من كتاب ابن المقفع (تاريخ ملوك الفرس)، وهو المعروف بـ (خداى نامه) [١١].

وجعل ابن طيفور رسائله فـي نهاية المختار من الكلام وحسن التأليف والنظام [١٢].

وكذلك شهد ابنُ عبد ربه (ت ٣٢٨هـ) لابن المقفع بأنه أحد من نَبُل بالكتابة [١٣]؛ بينما هو عند ابن خلكان (٦٠٨ - ٦٨١هـ) «الكاتب المشهور بالبلاغة، صاحب الرسائل البديعة» [١٤].

فابن المقفع خطيب شاعر كاتب «جيد الكلام، فَصيح العبارة، له حكم وأمثال مستفادة» على حد قول الشريف المرتضى؛ وإن كان عنده قليل الدين [١٥]. وكذلك هو من رواد البلاغة وجهابذة الفصاحة عند ابن الأثير [١٦].

ولعل من أهم الأمور التي تبرز مكانة ابن المقفع فـي الكتابة والأدب أن عيسى بن علي وأخوته قد استخلصوه لأنفسهم؛ وأغدقوا عليه المال الوفير؛ لما وجدوا فيه من كفاءة معرفية، ومهارة إبداعية فـي الكتابة؛ وما يملكه من صفات خلقية قلَّ اجتماعها عند غيره فـي شخص واحد… مما هيأه لكي يكون مؤدباً لأولادهم، أيضاً… [١٧].

ويمكن للباحث أن يدرك مكانة ابن المقفع الأدبية مما تركه من أثر واضح فـي الشعراء والكتاب، فأكثر حكم أبي العتاهية وزهده من كتب ابن المقفع، وكذلك فُتنَ العتّابي بها وظهر أثرها فـي شعره؛ كما برزت فـي زهديات صالح بن عبد القدوس [١٨]. ولعل بشار بن برد قد استلهم أبياته فـي الصداقة؛ مما قيل فيها فـي كتابي (الأدب الكبير - والأدب الصغير)؛ وإن كان بشار قد مزج هذا الأثر بما ورثه من الشعر القديم كما فـي قول النابغة: [١٩]

ولست بمُسْتَبْقٍ أخاً لا تَلُمُّهُ

على شَعَثٍ؛ أيُّ الرجال المُهّذَّب؟ ‍

وقال بشار: [٢٠]

إذا كنت فـي كُلِّ الذنوب معاتباً

صديقَك لم تَلْقَ الذي لا تُعاتبُهْ

فعش واحداً أوصل أخاك فإنه

مقارف ذَنْبٍ مَرَّةً ومُجانبُهْ

إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى

ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربُه؟ ‍

فمعاني هذه الأبيات مشابهة لما عند ابن المقفع فـي قوله: «تَحفّظ فـي مجلسك وكلامك من التطاول على الأصحاب، وطب نفساً عن كثير مما يعرض لك فيه صواب القول والرأي؛ مداراة لئلا يّظنَّ أصحابك أن دأبك التطاول عليهم» [٢١]؛ وقوله: «وإن استطلت على الأَكْفاء فلا تثقن منهم بالصفاء» [٢٢] … ومن أحسن ما قاله فـي هذا المقام وأخذ غيره منه قوله: «اجعل غاية تشبثك من مؤاخاة من تؤاخي ومواصلة مَن تواصل توطين نفسك على أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك، وإن ظهر لك منه ما تكره فإنه ليس كالمملوك تعتقه متى شئت أو كالمرأة تطلقها إذا شئت، ولكنه عرضك ومروءتك؛ فإنما مروءة الرجل إخوانه وأخدانه» [٢٣].

تلك هي صورة مجتزأة من مكانته وتأثيره فـي القدماء، ولابد لنا من أن نشير، إلى هذا عند بعض المحدثين… ولو أردنا الاستفاضة حول مكانته لذهبت بالدراسة كلها، وكذلك يقال فـي أثره فـي كل من جاء بعده…

فالدكتور طه حسين أحد مَن اتهمه بالزندقة، كما اتهمه بضَعف التراكيب، ووصفه بأنه أشبه بالمستشرقين هذه الأيام… فيقول: «عندما تقرؤون كتابة ابن المقفع تجدون فيها شيئاً من الالتواء والدوران، ونحسّ ونحن نقرأ أن الكاتب يجد مشقة فـي التعبير عن المعاني التي يحسها، ونحس هذا الضَّعْف الذي يكلفه الكاتب للعربية؛ ربما لم يكن النحو العربي مستعداً لأن يحتملها. وابن المقفع - مع أنه زعيم الكتّاب وصاحب الآيات؛ وواضع المثل الأعلى للكتابة - لم يكن عظيم الحظ فـي الفصاحة والنحو العربي. والمقارنة بينه وبين ما كتب أصحاب النحو وغيرهم تظهركم على أنه لم يكن أكثر من مستشرق يحسن اللغة العربية والفارسية، ويبذل جهداً عظيماً فيوفّق كثيراً، ويخطئ أحياناً» [٢٤].

فابن المقفع عند الدكتور طه زعيم الكتاب، وواضع المثل الأعلى للكتابة؛ ولكنه من جهة التراكيب النحوية يوفق كثيراً فـي استعمالها استعمالاً يوافق النحو العربي، ويخطئ أحياناً… فهو يشهد له بمكانته الفريدة فـي الكتابة؛ لكنه يأخذ عليه ضعف بعض التراكيب بفعل الترجمة. وإذا كان الضعف لم يخرجه من الفصاحة فإنه لم يكن عظيم الحظ فيها؛ فهو لا يبلغ مبلغ سالم بن عبد اله (مولى هشام) وكاتبه على ديوان الرسائل، الذي نقل رسائل أرسطو المفقودة [٢٥].

ومن ثم فإن الدكتور ضخّم الخطأ الوحيد الذي أخذه الأصمعي عليه، ثم خالف ما قاله الخليل بن أحمد وغيره؛ [٢٦] لأنه جعل لغة الترجمة المباشرة للمعاني فـي كليلة ودمنة طعناً فـي فصاحته؛ فهي لا تبلغ مرتبة فصاحة أصحاب النحو، على اعترافه بفضله فـي هذا الكتاب فقال: «و أبقى أثر حفظ منه هو كتاب كليلة ودمنة الذي لا أحدثكم عنه فكلكم يعرفه؛ وإذا قرأتموه متفكرين متدبرين، فقد ترون أن لغته العربية تحتاج إلى شيء من العناية أكثر مما فيه الآن». ثم يفضل عبد الحميد الكاتب عليه فـي لغته «وربما لم يوجد كاتب يعدل عبد الحميد فصاحة لفظ، وبلاغة معنى، واستقامة أسلوب. فهو من أحسن من كتب العربية؛ ومرنها، وأقدرها على أن تتناول المعاني المختلفة وتؤديها. وربما كان عبد الحميد الأستاذ المباشر للكتاب المترسلين وبنوع خاص للجاحظ. أما ابن المقفع فأمره مختلف، وله عبارات من أجود ما تقرأ فـي العربية، وبنوع خاص فـي الأدب الكبير؛ وفـي كليلة ودمنة… فلاحظ الأصمعي أنه كان يلحن فيضيف (أل) إلى كل وبعض، وأخذ عليه الجاحظ أنه لم يكن يحسن كل ما يحاوله من الفنون» [٢٧]. ومأخذ الجاحظ على ابن المقفع بأنه لا يحسن الشعر، بينما يقر له بالفصاحة [٢٨]. والعجب كل العجب من الدكتو

ر كيف يسند إلى الجاحظ رأياً لم يقله وكذا أوّل رأي الأصمعي ثم حاول أن يدعم زعمه باختيار مثال من (رسالة الصحابة) يدل على «لغة ابن المقفع المضطربة لا الجيدة». ثم يقول فيه: إنه «يحسن اللغة العربية فهماً، وربما أعياه الأداء فيها» [٢٩].

والظاهر أن الدكتور قد أدرك قيمة ابن المقفع وكتاباته فـي إطارها الزماني، وبأن الضّعف الذي أصابها لم يكن إلا لأن الرجل «يكتب فـي أول عهد النثر الفني بالوجود؛ فليس غريباً ألا يستقيم له النثر كما كان يستقيم لرجل كعبد الحميد. وليس ابن المقفع بدعاً فـي هذا فكتاب اليونان كانوا على مثل ما كان عليه ابن المقفع من ضعف فـي التعبير؛ لأنهم لم يتعودوا أداء هذه المعاني من قبل. فليس على ابن المقفع حَرج فـي أن تضطرب لغته وتستعصي عليه، وإنما الحرج على الذين يريدون أن يتخذوا ابن المقفع مثلاً وآية للبلاغة دون إمعان أو روية» [٣٠]. ويبدو أن هذا الرأي وغيره من آراء الدكتور طه حسين قد لقي صدىً طيباً عند الدكتور حمزة فاحتذاه حذو القُذَّة بالقذة [٣١].

ومن يتأمل موقف الدكتور طه ومناصره يدرك جملة من القضايا؛ أبرزها أن الرجلين يقران لابن المقفع بالفصاحة والبلاغة؛ ولكنها ليست البلاغة الكاملة؛ وتعليل ذلك أنه كان يعيش فـي زمن بدايات النثر الفني… بيد أن هذا الزمن لم يجعل لغة عبد الحميد مضطربة كما هي لغة ابن المقفع على الرغم من أن عبد الحميد أستاذ ابن المقفع وسابقه فـي ترتيب الأجيال على معاصرتهما… ولو افترضنا جدلاً أن لغة عبد الحميد أفصح من لغة ابن المقفع … فهذا لا يسقط من منزلة ابن المقفع وفصاحته عندنا؛ بل يجعله فـي منزلة أعلى - على الأرجح - لأنه راد حقولاً من المعاني والفنون والأساليب لم يعرفها عبد الحميد. ولهذا يصح ما قيل: «عبد الحميد أصل، وابن المقفع ثَمَر» [٣٢] … بهما معاً تأثر الجاحظ وغيره، وشهد لابن المقفع بالفضل لأنه مقدّم «فـي بلاغة اللسان والقلم والترجمة واختراع المعاني وابتداع السير…. » [٣٣].

ونكتفـي بهذا لنقف قليلاً مع أحمد أمين، ونراقب قوله: «وابن المقفع من أقوى الشخصيات في عالم الأدب العربي؛ قوي في خلقه؛ قوي في عقله وسعة علمه؛ قوي فـي لسانه… ثم هو واسع الاطلاع، مضطلع باللسانين العربي والفارسي، نقل خير ما رأى باللغة الفهلوية إلى اللسان العربي» [٣٤].

وقد يكون الدكتور حمزة من أشد أعداء ابن المقفع من المحدثين، ولكنه اعترف له بفن الكتابة فقال: «وأنت تعلم أن هذا الرجل من أوائل الكتاب فـي العربية، و قل ثاني اثنين مارساً فن الكتابة الفنية» [٣٥].

أما الدكتور شوقي ضيف، وهو من أيد القدماء بتهمة الزندقة؛ فإنه يروي عنهم أيضاً كل ثناء على بلاغته وتقدمه فـي الترجمة والكتابة، وينقل رأي ابن النديم الذي يجعل ابن المقفع رأس البلغاء العشرة فـي زمانه [٣٦]. ولا يكتفـي بهذا بل يقول: «من يتقصّ المراحل الأولى من نشأة الكتابة الفنية يكشف عن جملة من جوانب الإبداع والتفرد كسالم مولى هشام، وعبد الحميد الكاتب وابن المقفع الذي شهد له الكثيرون من القدماء والمحدثين بالتقدم والبلاغة» [٣٧].

ونقول ما قاله محمد كرد علي فـي هذا المقام؛ «ولا نطيل بنقل ما قاله أعيان البيان فـي بلاغة ابن المقفع؛ فإن كتابته تدل على نفسها، ولم يعرف لمتقدم ولا لمتأخر أن نقل إلى اللسان العربي شيئاً فـي الأدب والعلم، لا تحس فيه أثر اللغة المنقول عنها إلا ابن المقفع. وكانت الترجمة غالبة عليه فـي أول حياته، فلما استوت أدواته أنشأ ينشئ رأساً؛ فبذّ البلغاء فـي الناحيتين: فـي الترجمة والتأليف» [٣٨].

ولا بأس علينا - أيضاً - أن نثبت ما قاله أحمد حسن الزيات: «كان ابن المقفع ذكي القلب فصيح المنطق ضليعاً فـي أدب العرب والفرس» ثم ربط كلامه بكلام للجاحظ… كان… «مقدّماً فـي بلاغة اللسان والقلم والترجمة واختراع المعاني وابتداع السير» [٣٩].

ولهذا كله ظهر أثر ابن المقفع فـي المحدثين؛ حين أنزلوه فـي منزلة أدبية مرموقة؛ وحين جعلوه أحد عباقرة التجديد فـي النثر العربي وأساليبه؛ فما استطاعوا تجاوزه؛ وهم يتحدثون عن الأدب العربي، ولا سيما أولئك المعادين له. ولا يسقط مكانته عند المحدثين أن بعضهم أعرض عن ذكره إعراضاً كلياً، كما فعل أنيس المقدسي فـي كتابه (تطور الأساليب النثرية)، ومحمد يونس عبد العال فـي كتابه (فـي النثر العربي)؛ ومصطفى ناصف فـي كتابه (محاورات مع النثر العربي) الذي خصّه بالجاحظ وأبي حيان التوحيدي… وتوقف عند الجاحظ فـي نقطتين (النثر فـي عالم متغير؛ وشروط الكتابة) … وهي الشروط التي استمدها من السابقين له، ومنهم ابن المقفع. فنحن لا ننكر عظمة الجاحظ فـي إنضاج أسلوب الترسل؛ لكننا ننكر تغافل بعض الكتاب عن ابن المقفع.

ولم ينتظر ابن المقفع من الدارسين جميعاً أن يقفوا عنده - وليس بالضرورة هذا - تبعاً لطبيعة كل بحث لهم… على الرغم من أن مكانته فـي النثر العربي لم تعد مكانة عربية إسلامية، ولم يعد - من ثم - أثره محصوراً فـي الأدب العربي والإسلامي قديماً وحديثاً… فمكانته غدت مكانة عالمية، ولا سيما ما يرتبط بالحديث عن كتابه (كليلة ودمنة). فهذا الكتاب ترك أثره فـي الأدب العربي والإسلامي القديم وأخذ كثير من الأدباء ينظمونه أو يجرون على منواله فـي التأليف [٤٠]، ويعدّ المعري أحمد بن عبد الله (٣٦٣ - ٤٤٩هـ / ٩٧٣ - ١٠٥٧) أحد من ألف كتاباً على مثال (كليلة ودمنة) سماه (القائف) ثم فسره بكتاب آخر سماه (منار القائف) بلغ عشرة كراريس [٤١].

وكذلك ظهر أثر الكتاب فـي الآداب الغربية، وأبرز مكانة عظيمة لابن المقفع؛ فترجم إلى عدد من اللغات قديماً وحديثاً؛ مثل الفارسية واليونانية واللاتينية والتركية والعبرية والإسبانية والفرنسية والإنكليزية والألمانية والإيطالية والسلافية والدنمركية والهولندية… [٤٢].

ويعد الشاعر الفرنسي (جودو لافونتين ١٦٢١ - ١٦٩٥م) من أبرز الغربيين تأثراً بكتاب (كليلة ودمنة). وقد ترجمه إلى الفرنسية عن اليونانية (جبرائيل كوتيه) سنة (١٥٥٦م)، وهناك ترجمات أخرى تحدث عنها (لافونتين) نفسه فـي الجزء الثاني من حكاياته التي اقتبسها من كليلة ودمنة؛ وبلغت عشرين حكاية صاغها بأسلوبه الخاص المتعمق بالفرنسية وتعابيرها الأصيلة والمعاصرة وقد اتصفت بشدة الإيجاز؛ وكان بهذا الأسلوب أكثر حنكة وقدرة على التكثيف من ابن المقفع.

ونرى أن (لافونتين) لم يكتف بتأثره الكبير بابن المقفع، وإنما ظهر أثر غيره كذلك فـي حكايات لافونتين؛ فقد تأثر بثقافته القديمة والمعاصرة؛ مما جعله يتصرف تصرفاً واسعاً فـي الحكايات المستمدة من كليلة ودمنة، مثل قصة (الثعلب والتيس). فبعد أن يعرض تصوره لكل منهما يوردهما بئراً؛ فيرتويان منه؛ لكنهما لا يفلحان فـي الخروج منه؛ فاحتال الثعلب وصعد على قرن التيس مستغلاً غباءه، ثم تركه ليقول له فـي ختام الحكاية: «لو منحك الله من الذكاء بقدر ما أنبت شعراً فـي لحيتك لما نزلت [من دون] تفكير إلى هذه البئر… أما أنا، فالوداع.

لقد نجوت، حاول أن تنقذ نفسك، وابذل الجهد. إنني مشغول جداً الآن؛ ولا أستطيع التوقف فـي الطريق، وعلى كل حال: يجب التفكير فـي نهايات الأمور» [٤٣].

ولا يمكن للباحث أن يرتاب لحظة واحدة فـي تأثر لافونتين بابن المقفع، وإن كان كل منهما قد عالج موضوعات تناسب روح العصر الذي يعيش فيه؛ لكنها تتركّز فـي الظلم السياسي وما فيه من قهر واستبداد واغتصاب… وبالواقع الاجتماعي الفاسد.

وإذا كان لافونتين قد تفوق على ابن المقفع فـي استبطان عالم الحيوان وأنسنة أفكاره وشخصياته فإن الفضل الأكبر لابن المقفع الذي قدم له مادة جاهزة قائمة على أسلوب الإلغاز والاستعارة… ومن ثم فكل منهما قدّم تراثاً عظيماً للإنسانية، وأسهما فـي مفهوم التفاعل الثقافـي الحضاري بين الشعوب فـي معالجة الهموم الإنسانية المشتركة.

ثم عاد العرب فترجموا أكثر حكايات (لافونتين)، كما سبق إليه محمد عثمان جلال (ت ١٨٩٨م) فـي كتابه (العيون اليواقظ فـي الحكم والأمثال والمواعظ) … ولكنه عَرَّب الأماكن، وأضاف إلى الترجمة بعض النصائح والحكم المستمدة من القرآن الكريم والحديث الشريف، وأضاف أيضاً بعض الأزجال والأشعار، كحكاية (الثعلب والعنب) التي يحفظ بعضنا أبياتاً منها منذ المرحلة الابتدائية [٤٤].

وأما أحمد شوقي الذي فتح باب الحكايات فـي الشعر العربي الحديث فقد جمع بين تأثره بابن المقفع وتأثره الواضح بحكايات لافونتين… وقدّم لنا أكثر من خمسين قطعة قصصية حيكت على لسان الحيوان؛ تضمنها الجزء الرابع من الشوقيات [٤٥]. ولعل أكثرنا يحفظ قصيدته (الثعلب والديك)؛ وفيها يقول: [٤٦]

برز الثعلب يوماً

فـي شعار الواعظينا

فمشى فـي الأرض يهذي

ويسبُّ الماكرينا

ويقول: الحمد لله

إله العالمينا

يا عباد الله، توبوا

فهو كهف التائبينا

وازهدوا فـي الطير إن الـ

ـعيش عيش الزاهدينا

واطلبوا الديك يؤذّنْ

لصلاة الصبح فينا

فأتى الديكَ رسولٌ

من إمام الناسكينا

عرض الأمر عليه

وهو يرجو أن يلينا

فأجاب الديك: عذراً؛

يا أضَلَّ المهتدينا

بلّغ الثعلب عني

عن جدودي الصالحينا

عن ذوي التيجان ممن

دخل البطن اللعينا

أنهم قالوا، وخير الـ

ـقول قول العارفينا:

مخطئ مَن ظنَّ يوماً

أنَّ للثعلب دِينا

فالانزياح فـي دلالة الذكاء عند الثعلب واضح فـي القصة الشعرية عند أحمد شوقي؛ فالثعلب على شهرته فـي الذكاء وعظمة الحيلة لم يستطع أن يخدع الديك المشهود له بالصدق وحسن النية… وهو بهذا التصور يسوق انزياحاً دلالياً مغايراً فـي الأسلوب والوظيفة لما نجده فـي حكايات الثعلب عند ابن المقفع، ومن ثم عند لافونتين…

وأياً ما يكن شأن التوظيف الحكائي لقصص عالم الحيوان فالفضل الأكبر يرجع إلى ابن المقفع الذي قام بدور حضاري رفيع حين مزج الثقافة الهندية الفارسية الممثلة بكتاب (كليلة ودمنة) بالثقافة العربية الإسلامية ليعالج فـي ضوء حكاياته النظم السياسية والإدارية فـي عصره؛ ومن ثم معالجة كثير من الهموم الاجتماعية التي يعاني منها مجتمعه…

ثم أدى هذا الكتاب دوراً حضارياً آخر فـي الأدب الغربي، فجعله لافونتين منارة يهتدي بها فـي انتقاد ما يعاني منه مجتمعه… ولما قام الكتاب بهذا الفعل الحضاري المتميز باعتباره أنه أصبح هدية عظمى للبشرية كلها أعاد تفتيح العيون العربية على منزلته ومكانة صاحبه التي التقطت مرامي أهدافه فأفادت منه ومما جاء فـي حكايات لافونتين؛ لتجمع بينهما وتحيي صورة أدبية رفيعة لها فـي الأدب العربي الحديث كما تمثّل فـي حكايات شوقي.

هكذا استطاع ابن المقفع أن ينزل نفسه فـي منزلة مرموقة من نفوس الأدباء قديماً وحديثاً؛ وليصبح أدبه وترجماته جسر تواصل ثقافـي بين الثقافات القديمة من جهة، وبينه وبين الحضارة المعاصرة من جهة أخرى ليس فـي كليلة ودمنة فقط ولكن فـي بقية كتبه أيضاًُ التي ترجمت إلى عديد من لغات العالم [٤٧]. فابن المقفع احتل مكانة ملحوظة فـي تاريخ البشرية فكراً وأدباً، وقدم للعربية جملة من الأٍساليب الفنية الجديدة فـي التعبير لكل من جاء بعده، فضلاً عن المنهج العلمي فـي الكتابة والتأليف…

ولعل هذا كله يتضح لدينا فـي العديد من الفنون النثرية وموضوعاتها وترقيق أساليبها مما يأتي.

٣ - فنونه النثرية وموضوعاته

حفل الأدب العربي خاصة، والثقافة العربية عامة بكتاب بلغوا بكتاباتهم النثرية درجة عالية، ومرموقة تركت بصماتها فـي نفوس القدماء والمحدثين… أياً كان الجنس النثري الذين يتفوقون فيه أدباً أو نقداً؛ تاريخاً أو لغة، ترجمة أو سِيراً؛ فقهاً أو تفسيراً، فلسفة أو علماً…

ومن يرجع إلى ما تركه ابن المقفع يدرك أن تَرِكَته الإبداعية كانت متنوعة على الصعيد الأدبي، والتاريخي، والفلسفـي والديني، والسياسي والاجتماعي… فإنتاجه متنوع الاتجاهات؛ إذ كتب فـي التاريخ والسِّيَر والاجتماع والأخلاق والأدب، ونطق بالحكمة والشعر، وفهم البلاغة بأسلوب حضاري ينبع من طبيعة عصره وثقافته…

إننا حين نقرأ آثاره نتعرف فـي قراءتها إلى كنوز قديمة تتحدث عن شخصيات ومناهج وأفكار وعقائد وفنون… وآداب وحكم وأمثال… فـي الوقت الذي تطلعنا على طبيعة أدبه، وفنون الكلام فـي عصره، وتطلعنا على تفرده فـي مصنفاته التي أثنى عليها الأصمعي قائلاً: «صنف ابن المقفع المصنفات الحسان التي لم يصنّف فـي فنها مثلها» [٤٨].

فكثير منا قد لا يدرك الفرق بين ما كتبه ابن المقفع من موضوعات وفنون أدبية وبين ما كتبه غيره من سابقيه أو معاصريه أو لاحقيه. فالشريف الرضي يرى أن النثر عند العرب منذ القديم ثلاثة أجناس أو ثلاثة اتجاهات فنية كبرى وهي: [٤٩]

١ - الخطب والأوامر

٢ - الكتب والرسائل

٣ - الحكم والمواعظ

وبهذا ألغى سجع الكهان المعروف للجاهليين، وأدخل الوصايا فـي الخطب إن كانت مشافهة وبالرسائل إن كانت مكتوبة… كما أدخل الأمثال والأدعية فـي الحكم والمواعظ. ومثله فعل على نحو ما الدكتور زكي المبارك فـي كتابه (النثر الفني) فصنف النثر أربعة أصناف؛ فضلاً عن أنه يرى أن النثر الفني عرف منذ العصر الجاهلي [٥٠]. وهذا الرأي غير دقيق على إطلاقه؛ إذ أخذ النثر الفني يظهر شيئاً فشيئاً بنتيجة التأثير الإسلامي؛ ودخل أبناء البلاد المفتوحة فـي الإسلام… دون أن ننكر وجود نثر عربي جاهلي ظهر بمقتضى حاجتهم إليه؛ واتسم بأساليب كلامهم التداولي كالإيجاز والسجع والازدواج… أما تصنيف الدكتور زكي المبارك فهو كما يلي:

١ - الأخبار والقصص

٢ - النقد الأدبي

٣ - الآراء والمذاهب

٤ - الرسائل والعهود

أ. ـ فنونه النثرية:

لما صنف زكي المبارك كتابه (النثر الفني فـي القرن الرابع) على هذا التصور كان يتجاهل على نحو ما جملة من فنون القول التي أوجدها ابن المقفع، وهي خمسة: (٥١)

١ - التراجم والسِّير:

مثل (خداى نامه) و (آيين نامه) و (التاج).

٢ - الأحاديث المختلفة:

وتشمل الحكم والأمثال والفكاهة والأخبار والخطب

والوصايا، وغيرها مما يتفق معها كالنصائح الأخلاقية والتربوية (٥٢).

٣ - الرسائل والعهود:

وتشتمل على الرسائل الرسمية والإخوانية وبما يتصل بها من الأجوبة والتوقيعات… أياً كان الموضوع الذي تعالجه سياسياً؛ أو فكرياً؛ و تربوياً أو اجتماعياً كالتعزية والتهنئة بالسلامة وغيرها (٥٣).

ومن ثم رافقت العهود والمواثيق مبدأ الرسائل لاجتماعهما فـي عنصر الكتابة منذ القديم… مهما كانت طبيعتها الفنية، وحجمها وهيكلها، ومن أهمها لديه كتاب الأمان المشهور.

٤ - الكتابات الدينية والصوفية:

عرفت الكتابة الدينية فـي الجاهلية بما تواضع عليه القوم من سجع الكهان؛ ولما جاء الإسلام، وضعت الخطب والرسائل والوصايا فـي سبيل الدعوة الجديدة… ثم نشأت أنماط فنية نثرية إسلامية كالمناظرة الدينية بين الأنبياء والمشركين، أو كالقصص الديني؛ والإخبار بالغيب، وكالدعاء… مما أوحى به القرآن الكريم من أنماط نثرية… ثم عرف على يدي معاصري ابن المقفع وضع كتب السير والمغازي المتعلقة بالرسول الكريم… مثل ابن إسحق فـي السيرة النبوية.

أما ابن المقفع فقد جعل الكتب الدينية منصبة على ترجمة ما يتعلق بسير رجال العقائد الفارسية، مثل (مزدك) و «الدرة اليتيمة) … كما وشَت به الكتابات التي تناولت هذين الكتابين… ويبدو أن كتاب (الدرة اليتيمة) نحا منحى زاهداً جعل بعض المتصوفة يفيدون منه ويكتبون على منواله.

ولهذا كله صارت الكتابات الدينية والتاريخية المتعلقة بالمذاهب والعقائد منبعاً للفنون النثرية المختلفة فـي الفلسفة والمنطق وعلم الكلام وغيرها…

٥ - الكتب المتخصصة:

أوجد ابن المقفع للمرة الأولى فـي تاريخ الأدب العربي ما عرف بالكتب المنظمة المبوبة فـي موضوعات خاصة محددة الأهداف سواء كانت مترجمة أم مؤلفة… وهذا شكل من التأليف لم يعرفه العرب من قبل… ويمثله كتاب (كليلة ودمنة) و (الأدب الكبير) و (الأدب الصغير) …

وهذا النمط من البحوث يتعلق بموضوع ما فـي أي اتجاه فني أو اجتماعي أو فكري أو ديني… أو أدبي أو لغوي أو نقدي…

فقد صار الكتاب مبنياً على تبويب دقيق وفق منهج يقوم على المقدمات والنتائج؛ والعلة والمعلول. وفيه تسخر الحكمة والنصيحة والوصية والموعظة والأمثال كلها للموضوع الذي يعالجه الكاتب…

هكذا ندرك أن النثر الذي أبدعه ابن المقفع لم يعد مقسوماً إلى جنسين أساسيين الخطب والرسائل؛ وباقي الأنماط النثرية داخلة فيهما… وإنما صارت فنون النثر على يديه ذات أشكال جديدة… فنثره قائم على التنوع والتعدد، ولكنه يتصل بوحدة المنهج العلمي السديد للبنية الشكلية والداخلية. فلا رسالة ولا كتاب من دون مقدمة ترسم كل ما هو مقبل عليه صاحبهما من جهة الطبيعة والمضمون والهدف… ومن ثم فإن كل موضوع نثري صار وحدة متكاملة للعديد من الأفكار المتوافقة… فـي بنية داخلية متماسكة… ولعل الحكم والنّصائح كانت تدخل فيها وكأنها أشبه باللآلئ التي تنتظم فـي عقد متصل…

بهذا كله نهض ابن المقفع بالنثر الفني الذي تجاوز فيه أستاذه عبد الحميد الكاتب؛ إذ أفاد فيه من تجارب سابقيه؛ وحدة ذكائه، واتصاف عقله بالتنظيم والدقة؛ مع حس سليم مرهف، ومنهج علمي واضح ومدروس مسبقاً…

إن المعارف الكثيرة التي حازها ابن المقفع، والتجارب العميقة التي عايشها على الصعيد الشخصي والاجتماعي والسياسي والديني…. جعلته يرود فنوناً نثرية لم يتقدم فيها عليه أحد… وكذلك راد حقولاً من المعاني والموضوعات المبتكرة؛ فضلاً عن تجديده فـي العديد من الأساليب وترقيق عدد آخر غيرها… (٥٤)

ب. موضوعات نثره:

غدا ابن المقفع مدرسة فـي النثر الفني، منهجاً، وفنوناً وموضوعات، وأساليب؛ يحتذي حذوها كثير من الأدباء… ومن هنا لابد أن نشير إلى أبرز الموضوعات التي عالجها، سواءً كانت موضوعات ذاتية أم موضوعية… متوجهة للنفس أم للآخر… كما رأيناها فـي كتابي (الأدب الصغير والأدب الكبير) … علماً أننا لا نستطيع أن نهمل الإشارة إلى بعض آثاره الأخرى فـي الحواشي بادئاً بالموضوعات العامة.

١ - الموضوعـات العامـة

١ - الموضوعات الدينية والاجتماعية:

لا يتسع المجال لدينا لكي نتحدث عن هذا الاتجاه برمته؛ ولعل موضوع معالجة أمور الدنيا والآخرة يعد واحداً من أبرز الموضوعات الدينية التي فُتح المجال أمامها رحباً فـي الدين الإسلامي منذ بعثة النبي الكريم… إذ لابد للمؤمن من القيام بالموازنة الدقيقة بين دنياه وآخرته، وإلا خسر إحداهما… فالعاقل هو الذي يقيم علاقته مع كلتيهما على ميزان دقيق مستمد من قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة؛ ولا تنسَ نصيبك من الدنيا ( (القصص ٢٨ / ٧٧) …

ومن هنا وجدنا ابن المقفع أول من يعمل بهذا قولاً وفِعلاً؛ كما فـي عبارته: «من أراد أن يبصر شيئاً من علم الآخرة، فالعلم الذي يَعْرف به ذلك؛ ومَنْ أراد أن يبصر شيئاً من أمر الدنيا فبالأشياء التي هي تدل عليه» (٥٥).

فالعالم العاقل يهتدي إلى الله بكل ما فـي الكون من دلائل… و «أفضل ما يَعْلَم به علم ذي العلم وصلاح ذي الصلاح أن يستصلح بما أوتي من ذلك ما استطاع من الناس؛ ويرغّبهم فيما رغب فيه لنفسه من حب الله، وحب حكمته، والعمل بطاعته، والرجاء لحسن صوابه فـي المعاد إليه، وأن يبين الذي لهم من الأخذ بذلك، والذي عليهم فـي تركه؛ وأن يورّث ذلك أهْله ومعارفه ليلحقه أجرُه من بعد الموت» (٥٦). ومن ثم وقف مصلحاً اجتماعياً ودينياً، وإن لم يبلغ فـي هذا مرتبة رجل الدين؛ إذ ربط بين مفهوم الدين والدنيا. ولكي يضمن هذا التوازن بين الدنيا والآخرة، كان يتوجه إلى النفس والناس بالنصح والإرشاد، وتهذيب السلوك والسمو بالمثل… حتى صار ذلك كله موضوعاً بارزاً فـي كتبه التي جعلها بين أيدي الناس… فالخلق الكريم يبني المجتمع السليم.

٢ - الموضوعات الأخلاقية:

تعد الموضوعات الخلقية ذات منزلة خاصة عند كثير من القدماء والمحدثين وفـي طليعتها الدعوة إلى مكارم الأخلاق والنهي عن الرذائل، وتهذيب النفس. ونرى أن هذا الاتجاه ليس من صنع أمة دون أخرى؛ ولكن الإسلام كان به أخصّ، وكذلك الديانات السماوية الأخرى… والظاهر أن ابن المقفع قد أكثر منه حتى احتل مساحة عظيمة من آثاره؛ وتنوعت اتجاهاته… فتميز بنسبة تناوله عما وجدناه عند العديد من دعاة الأخلاق… وهو حين يدعو إلى مكارم الأخلاق، ويحض على التواضع والصدق والصبر والكرم والشرف ونزاهة العرض والحذر من أكاذيب الناس والابتعاد عن الحسد (٥٧) وغير ذلك فإنه فـي الوقت نفسه ينهى عن كل رذيلة وإثم. فهو مثلاً يرى (رأس الذنوب الكذب) (٥٨)؛ ويحذر تحذيراً شديداً من العجب واللجاجة والغضب اللعن والمراءاة والمماراة، ويعيب الجبن والحرص والبخل… والنفاق… (٥٩)

[١] انظر المزهر ٢ / ١٥٨.

[٢] وفيات الأعيان ٢ / ١٥١.

[٣] انظر كليلة ودمنة ٣٢ ودراسات فـي الأدب المقارن ١٨٦.

[٤] راجع ماتقدم (حاشية ١٨. ١٧. ١٦) من الفصل الثاني.

[٥] انظر مثلاً: الفهرست ١٨٢ وخزانة الأدب ٣ / ٤٦٠ وضحى الإسلام ١ / ١٧٣.

[٦] انظر رسائل الجاحظ ٢ / ١٢٢.

[٧] رسائل الجاحظ ٢ / ١٢٢ وانظر البيان والتبيين ١ / ١١٥ و ٢٠٨ و ٢٥٢ , ٢ / ١٩٨؛ و ٣ / ٢٩ و ١٧٤ و ٢٦٧ و ٤ / ٢٤ والصناعتين ١٧١.

[٨] رسائل الجاحظ ٢ / ١٢٥.

[٩] انظر عيون الأخبار ١ / ٣ و ٥ و ١٨ و ٢٧ و ٥٩ و ٩٦ و ١٣٣ و ١٥١ و ١٦٨ و ١٧٦ و ٢٨١ و ٢٨٩ … وغير ذلك.

[١٠] انظر مثلاً عيون الأخبار ١ / ١٥و ١٨ و ١٩ و ٢٢ و ٢٥ و ٢٧ و ٣٠ و ٣ / ١٩١.

[١١] انظر ضحى الإسلام ١ / ١٧٧.

[١٢] انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٨

[١٣] انظر العقد الفريد ٤ / ١٧٠.

[١٤] وفيات الأغيان ٢ / ١٥١.

[١٥] أمالي المرتضى ١ / ١٣٦.

[١٦] انظر المثل السائر ٤ / ٥٠ - ٥١.

[١٧] انظر العقد الفريد ٤ / ١٧٩ ومابعدها.

[١٨] انظر ضحى الإسلام ١ / ١٨١ و ١٩٠ وابن المقفع ٢٣٩.

[١٩] ديوان ديوان النابغة الذبياني ٧٤.

[٢٠] ديوان بشار بن برد ١ / ٣٠٩.

[٢١] الأدب الكبير ١٠٥.

[٢٢] الأدب الكبير ١٠٦.

[٢٣] الأدب الكبير ١٠٨.

[٢٤] من حديث الشعر والنثر ٣٢ - ٣٣.

[٢٥] انظر الفهرست ١٧١.

[٢٦] راجع مدخل الفصل الأول وحاشية ٧٠ و ٧١ و ٧٢ من الفصل الأول.

[٢٧] من حديث الشعر والنثر ٤٨ - ٤٩.

[٢٨] انظر البيان والتبيين ١ / ٢٠٨ و ٢١٠، ـ ٢ / ٢١١.

[٢٩] من حديث الشعر والنثر ٤٩.

[٣٠] من حديث الشعر والنثر ٥١.

[٣١] انظر ابن المقفع ١٢٠ - ١٢٤.

[٣٢] ضحى الإسلام ١ / ١٩٨.

[٣٣] أمراء البيان ٩٥، وانظر البيان والتبيين ١ / ٢٠٨.

[٣٤] ضحى الإسلام ١ / ١٩٧ - ١٩٨ وانظر الصناعتين ٢٣ و ٦٤ و ١٧١.

[٣٥] ابن المقفع ١٢٥.

[٣٦] انظر الفهرست ١٨٢ والعصر العباسي الأول ٥٢٢ والفن ومذاهبه فـي النثر ١٨٥ - ١٨٦.

[٣٧] العصر العباسي الأول ٥٠٧.

[٣٨] أمراء البيان ٩١.

[٣٩] تاريخ الأدب العربي - الزيات - ٢١٣.

[٤٠] انظر ضحى الإسلام ١ / ٢٢٠ - ٢٢١ وتاريخ الأدب العربي - بروكلمان - ٣ / ٩٦ وابن المقفع ٢١٨ - ٢٢١ عن كشف الظنون ٢ / ١٦٠ وانظر حاشية ٢٣٠ مما يأتي.

[٤١] انظر ضحى الإسلام ١ / ٢٢١ عن كشف الظنون ٢ / ١٦٠ وانظر حاشية ٢٣٠ مما يأتي.

[٤٢] انظر تاريخ الأدب العربي - بروكلمان - ٣ / ٩٢ - ٩٦ وابن المقفع ١٨٨ - ٢١٣ - ٢١٨، ودراسات فـي الأدب المقارن ١٧٥ و ١٩٣ - ١٩٦.

[٤٣] بين ابن المقفع ولا فونتين ٩١ - ٩٢.

[٤٤] انظر العيون اليواقظ فـي الأمثال والمواعظ / ص١٠ / مثلاً، وفيه هذه الحكاية عن (الثعلب والعنب):

حكايـة عـن ثعـلب قد مّرّ تحت العنب

وشاهد العنقود فـي لون كلـون الذهـب

وغـيره فـي جنبـه أسود مثل الـرطـب

والجوع قد أودى به بعـد أذان المغـرب

فهـمّ يبـغي أكلـه منـه ولـو بالتـعـب

عـالـج مـا أمكنـه يطلع فـوق الخشـب

فـراح مثـلمـا أتـى وجوفـه فـي لهـب

وقـال: هـذا حصرم رأيتـه فـي حلـب

وانظر دراسات فـي الأدب المقارن ٢٠٥.

[٤٥] انظر الشوقيات ٤ / ١٢٠ - ١٨٦ ودراسات فـي الأدب المقارن ٢١٠.

[٤٦] الشوقيات ٤ / ١٥٠.

[٤٧] انظر تاريخ الأدب العربي - بروكلمان - ٣ / ٩٨ - ٩٩.

[٤٨] انظر وفيات الأعيان ٢ / ١٥١.

[٤٩] انظر مقدمة شرح نهج البلاغة ½ - ٣ بينما أجناس الكلام المنظوم عند أبي هلال ثلاثة (الرسائل والخطب والشعر) انظر الصناعتين ١٧٩.

[٥٠] انظر النثر الفني فـي القرن الرابع ١١ - ١٣.

(٥١) راجع ما تقدم ص ٤٤ وما بعدها.

(٥٢) انظر مثلاً أمالي المرتضى ١ / ١٣٦ وجمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٤ (فـي وصف أخ له) وراجع ماتقدم (حاشية ٤٩ و٥٠ و٥٢) من الفصل الأول وانظر ما يأتي حاشـية (١٦٠و ١٦١ و ١٧١ و ١٧٤ و ٢٣٧ و ٢٣٩ و ٢٤٠ و ٢٤٣ و ٢٤٧).

(٥٣) انظر مثلاً: جمهرة رسائل العرب ٣ / ٣٠ (رسالة الصحابة) و ٤٨ (رسالة اليتيمة) و ٥٣ رسالته إلى يحيى بن زياد.

(٥٤) انظر الفن ومذاهبه فـي النثر العربي ١٣٣ و ١٢٨.

(٥٥) الأدب الصغير ٤٤ وانظر فيه ١٥ و ٢٢ وجمهرة رسائل العرب ٢ / ٥٧.

(٥٦) الأدب الصغير ٣٧ - ٣٨ وانظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٨، وراجع ما تقدم عن إسلامه فـي الفصل الأول، وانظر فيه حاشية (٢١ و ٢٥ و ٢٦ و ٢٧ و ٢٩ و ٣١) خاصة.

(٥٧) انظر مثلاً: الأدب الصغير ٤٤ - ٤٥ والأدب الكبير ١١٦و١٢٢و١٢٦ - ١٢٧ وجمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٨.

(٥٨) الأدب الصغير ٤٦.

(٥٩) انظر مثلاً: الأدب الصغير٤٠ والأدب الكبير ١١٣و ١١٨و ١٢٢و ١٢٩ وجمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٦.

***

فتميّز بنسبة تناوله عما وجدناه عند العديد من دعاة الأخلاق… وهو حين يدعو إلى مكارم الأخلاق، ويحض على التواضع والصدق والصبر والكرم والشرف ونزاهة العرض والحذر من أكاذيب الناس والابتعاد عن الحسد (٥٧) وغير ذلك فإنه فـي الوقت نفسه ينهى عن كل رذيلة وإثم. فهو مثلاً يرى (رأس الذنوب الكذب) (٥٨)؛ ويحذر تحذيراً شديداً من العجب واللجاجة والغضب اللعن والمراءاة والمماراة، ويعيب الجبن والحرص والبخل… والنفاق… (٥٩)

وهو حين يتحدث عن ذلك كله فإنه يربط موضوعاته بمفهوم العقل؛ فيجعل له المكانة الأولى باعتباره الرقيب الدائم على النفس لمحاسبتها فـي كل أمر، فيقول: (وعلى العاقل مخاصمة نفسه، ومحاسبتها والقضاء عليها، والإثابة والتنكيل بها) (٦٠). فما هذّب المرء كنفسه، ومراقبة عقله لكل تصرف يصدر عن النفس الأمّارة بالسوء. فالعقل يحصي مساوئ النفس فـي الدين والأخلاق، ويتفقد (محاسن الناس ويحفظها على نفسه) (٦١)، و (لو كان حسن الخلق رجلاً يمشي بين الناس لكان رجلاً صالحاً) كما فـي الحديث الشريف (٦٢)، وليعلم كل إنسان (أن الصبر صبران: صبر المرء على ما يكره، وصبره عما يجب) (٦٣). وأول ما ينبغي عليك أن تحفظه من الرذيلة والشر إنما هو لسانك؛ لأنه (أداة مُصْلتة يتغالب عليه عقلك وغضبك وهواك وجهلك. فكل غالب عليه مستمتع به وصارفه فـي محبته؛ فإذا غلب عقلُك فهو لك؛ وإن غلب عليه شيء من أشباه ما سميت لك فهو لعدوك) (٦٤)؛ و (رحم الله امرأ أصلح من لسانه) (٦٥).

فالتأسيس للمفهوم الخلقي يبدأ من الفرد، ثم ينتهي إلى الجماعة؛ لتصبح التربية الخلقية الفردية الذاتية تربية جماعية اجتماعية… وكأني بابن المقفع يرى تدني العلاقات الخلقية الفردية والاجتماعية فـي عصره… ولما تعمّق بمعرفة واقعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولمس فيه مدى ما وصل إليه من فساد وانحراف وفوضى وانهيار… أكثر من مقولاته الأخلاقية التي تحث على مكارم الأخلاق، وتنهى عن الرذائل والشر… ومن ثم ربط ذلك بالسلطان والأحداث السياسية التي تعصف بالمجتمع… ولا صلاح للجسد بغير صلاح الرأس… على أهمية كل منهما…

فالدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي إنما هي دعوة إلى تهذيب النفوس وتربيتها على كل خلق رفيع… ومن هنا تأتي الأهمية الكبرى لموضوع التأدب والتأديب؛ وهو موضوعنا الآتي.

٣ـ موضوعات التربية والتأديب

هذا الموضوع أحد الموضوعات القديمة للعرب وغيرهم… وقد شدد عليه القرآن الكريم كثيراً… فالتأديب يبدأ بالنفس ليكون صاحبها قدوة حسنة للمتعلمين على يديه… فحاجة المربي إلى تأديب نفسه أكثر حاجة من أي شيء آخر… وهو مصداق لقول أبي الأسود الدؤلي (٦٦):

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

ابدأ بنفسك وانهها عن غيها

بالقول منك وينفع التعليم

فهناك يسمع ما تقول ويشتفي

ذ

وكأن ابن المقفع نظر إلى شعر أبي الأسود وهو يقول: (من نصّب نفسه للناس إماماً فـي الدين فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه وتقويمها فـي السيرة والطُّعْمة والرأي واللفظ والأَخْدان؛ فيكون تعليمه بسيرته أبلغ من تعليمه بلسانه). (٦٧)

ومن ثم يربط بين التعلم والرغبة؛ فلا علم بلا رغبة فقال: (من أبواب التوفق والتوفيق فـي التعلّم أن يكون وجه الرجل الذي يتوجه فيه من العلم والأدب فيما يوافق طاعةً ويكون له عنده مَحْمَل وقبول. ) (٦٨). ومن ثم لابد للمتعلم أن يحسن الاستماع، فالأدب كل الأدب الصمت الواعي بين يدي المؤدب… (٦٩)

ومن هنا فإن العقل يرافق الأدب، ويحتاج إليه كاحتياج الجسم إلى الطعام فيقول: (ولسنا إلى ما يمسك أرماقنا من المأكل والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبّت عقولنا من الأدب الذي به تفاوت العقول. ) (٧٠)

وإذا كان المعلم بحاجة إلى تعميق معارفه بعد أن تحلّى بكل خلق كريم فلابد له من السعي إلى العلم النافع… ليصبح فـي عداد العلماء… وهو ما نتحدث عنه فيما يلي.

٤ـ الموضوعات العلمية:

لقي موضوع العلم فـي كل زمان ومكان منزلة مرموقة؛ واحتل من مفاهيم الدين المنزلة الأولى بعد صحة الاعتقاد… وجعل العلماء ورثة للأنبياء؛ وارتبط العلم بالحكمة والنبوة… فالحكمة (تزيد الشريف شرفاً، وترفع العبد المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك) (٧١)، والإنسان يأخذها أنى وجدها، مهما كانت أقدار قائلها. وهذا ما انتهى إليه ابن المقفع فـي مفهوم العلم، قائلاً: (لا يمنعنَّك صغر شأن امرئ من اجتناء ما رأيت صواباً والاصطفاء لما رأيت من أخلاقه كريماً؛ فإن اللؤلؤة الفائقة لا تهان لهوان غائصها الذي استخرجها).

فهذه الحكمة الرائعة تبين مدى قيمة العلم فـي ذاته، ثم يتابع حكمته لبيان أثره مع الأدب فيقول: (العلم زين لصاحبه فـي الرخاء، ومنجاة له فـي الشدة. بالآداب تعمر القلوب وبالعلم تستحكم الأحلام. ) (٧٢)

ولهذا كله فهو يحبّبُ بالعلم والعلماء نفوس الناس فيقول: (حَبّب إلى نفسك العلم حتى تلزمه وتألفه، ويكون هو لهوك ولذتك وسلوتك وبُلْغتك. واعلم أن العلم علمان: علم للمنافع، وعلم لتذكية العقول) (٧٣).

وبهذا فالعلم قرين العقل، وعلى كل ذي لُبّ أن يدرك أن العلماء يتفاوتون بدرجات العلم، وعليه أن يطلبه ممن هو أعلم منه، وأن يقدمه إلى من هو أدنى منه فيقول: (أما بعدُ فتعلم العلم ممن هو أعلم به منك، وعلمه من أنت أعلم به منه؛ فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت) (٧٤).

وكأن هذا الكلام مأخوذ من الحديث الشريف: (العلم حياة الإسلام وعماد الإيمان؛ ومن علم علماً أتم الله له أجره؛ ومن تعلم فعمل علّمَه الله مالم يعلم) (٧٥). وكل من علم لا ينبغي له أن يَغْترَّ بعلمه، ولا أن يَعْتدَّ به، فالعلم لابد له من المذاكرة الدائمة مع ذوي الألباب فيقول: (لا ينبغي للمرء أن يعتد بعلمه ورأيه ما لم يذاكره ذوو الألباب، ولم يجامعوه عليه؛ فإنه لا يستكمل على الأشياء بالعقل الفرد) (٧٦).

وإذا كان الإنسان قليلاً بنفسه، والعقل مركب على النقص، فإن العلم يبنى على أساس المعارف التراكمية واجتماع العقول على الآراء… مما يدعو العالم إلى المعرفة بدقائق الأمور؛ وبمواضع العلوم (٧٧) فالعالم فَطِن كيّس لا يتطاول على الجهال، ولا يتكاسل عن طلب العلم عند أهله… ولكل فئة أحوالها وطرائقها مما يجعله يتكيف مع كل حالة وطريقة. (٧٨)

وبهذا كله يُسْتدل على علم العالم العاقل، فالعالم الحقيقي الذي يشدد عليه ابن المقفع إنما هو العاقل الفَطن الذي يختار مجالس العلماء ويفيد منها، دون أن يزعم أنه قد وصل إلى غاية العلم. وهذا مصداق للحديث الشريف (العلماء قادة والمتقون سادة؛ ومجالستهم زيادة) (٧٩)؛ و (العلم خليل المؤمن؛ والعقل دليله، والعمل قيّمه، والحلم وزيره، والصبر أمير جنوده، والرفق والده؛ واللين أخوه) (٨٠) كما ورد فـي حديث آخر.

ولعل هذا ما نظر إليه ابن المقفع حين جعل العلماء أحق بالتدبير فقال: (وأحقهم بالفضل أعودهم على الناس بفضله؛ وأحقهم بالعلم أحسنهم تأديباً… وأقربهم إلى الله أنفذهم فـي الحق علماً وأكملهم به عملاً؛ وأحكمهم أبعدهم من الشك فـي الله) (٨١). وفـي الحديث نقرأ (العلماء أمناء الله على خلقه) (٨٢)، «والعالم أمين الله فـي الأرض (٨٣)».

إن ما بين أيدينا من حكم بليغة عن العلم لابن المقفع يبرز مدى إيمانه الصحيح؛ سواء استمدها من تراثه الفارسي، أم استقاها من الحكمة النبوية الشريفة؛ فجمع حسناً على حسن فـي هذا المضمار… ومن هنا يتصل أي علم بعقول العلماء واستشارتهم، وما خاب من استشار… وهذا موضوع آخر ركز عليه ابن المقفع ليجمع بين ثقافته الفارسية والثقافة الإسلامية؛ وليكون جسراً حضارياً فاعلاً بينهما… وليس غايته - كما ذهب إليه حامد عبد القادر حين عمم عبارته باتهام من نقل عن الفارسية، وكأنه يعني ابن المقفع قبل غيره - أن يعيد أمجاد قومه فقال: (بقيت آثارهم وآدابهم كامنة فـي صدورهم، أو مدونة فـي بعض الكتب أو متداولة فيما بينهم فـي منازلهم، حتى ظهر أمرها حين قامت قائمتهم، وتألق نجمهم فـي أفق التاريخ مرة أخرى؛ فحاولوا إعادة أمجادهم وإحياء علومهم وآدابهم فـي العصور القديمة) (٨٤).

٥ - الحث على الرأي والاستشارة:

يعد هذا الموضوع أحد الموضوعات الهامة التي ارتبطت بالعلم والمعرفة عند ابن المقفع؛ وكذلك ارتبط بأمور خلقية وتربوية واجتماعية وسياسية… كثيرة. وعلى شدة ولعه بالحديث عنه فهو ليس فرداً فيه؛ فكل عاقل حكيم يرى أنه بالاستشارة يشارك الناس فـي عقولهم؛ ويصل إلى أحسن رأي… وفـي الحديث الشريف: (ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد) (٨٥). وكأن الرجل نظر إلى هذا الحديث فـي قوله: (إن المستشير - وإن كان أفضل من المستشار رأياً - فهو يزداد برأيه رأياً؛ كما تزداد النار بالوَدْك ضوءاً) (٨٦).

وليس بالضرورة أن تكون الاستشارة مفيدة على الدوام، ولا الرأي بمضمُون؛ مما يستدعي إمعان العقل فـي كل ما يعرض على المستشير؛ قبل أن تجر الاستشارة ندامة؛ فيقول: (اعلم أن المستشار ليس بكفيل، وأن الرأي ليس بمضمون… فإذا أشار عليك صاحبك برأي، ثم لم تجد عاقبته على ما كنت تأمل فلا تجعل ذلك عليه ذنباً، ولا تلزمه لوماً وعذلاً…) (٨٧).

وقيل: المستشير مؤتمن، و (إنما المجالس بالأمانة) (٨٨) فعلى العاقل أن يكون أميناً بإسناد الآراء إلى أهلها، لا أن ينتحلها لنفسه، فيقول: (إن سمعت من صاحبك كلاماً أو رأيت منه رأياً يعجبك فلا تنتحله تزيناً به عند الناس… واعلم أن انتحالك ذلك مَسْخطة لصاحبك؛ وأن فيه مع ذلك عاراً وسخفاً. فإذا بلغ بك ذلك أن تشير برأي الرجل وتتكلم بكلامه، وهو يسمعُ جمعْتَ مع الظلم قلةَ الحياء. وهذا من سوء الأدب الفاشي فـي الناس). (٨٩) وفـي الحديث (إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله تعالى، فلا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يخاف) (٩٠)، بيد أن هذا كله فشا فـي كثير من الناس اليوم دون أن يردعهم دين ولا خلق… ولا سيما أن سنة التأليف بين الكتاب - من يزعمون أنهم كتاب - صارت مبنية على السرقة والوقاحة…

وإذا كان يشدد على الاستشارة بين الأخوان والناس عامة فإنه يجعل الاستشارة واجبة على السلطان؛ إن لم تكن فرضاً عليه، ولا سيما حين يختار بطانته؛ فهي بطانة مأمونة ولها مزية وفضل. لهذا فإن الرجل فيها يجب أن (يكون شرفه ورأيه وعلمه أهلاً لمجلس أمير المؤمنين، وحديثه ومشورته)، لا أن يكون ذا قرابة. (٩١)

ولسنا نرتاب فـي أن ابن المقفع قد أقام مفهومه للاستشارة على أساس عقلي منظم يستشعر فيه مدى خطورة الرأي الفردي؛ لأنه يتصف بالنقص مهما بلغت عبقرية صاحبه؛ وهو ما يتفق مع مفهوم الدين الإسلامي، والسنة النبوية المطهرة… فالاستشارة مؤسسة فـي قوله تعالى: (وشاورهم فـي الأمر ( (آل عمران ٢ / ١٥٩) وقوله سبحانه (وأمرهم شورى بينهم ( (الشورى ٤٢ / ٤٨) … ولا يساورنا شك فـي أن المقفع قرأ القرآن الكريم، وأدرك قيمة الشورى التي يطرحها فأسس كلامه على موافقته… منطلقاً فـي ذلك من تجاربه الواقعية التي يراها، فما يستشعر فيها إلا الاستبداد بالرأي؛ وكذا لم يجد مفهوم المشورة واضحة فـي أنظمة فارس الإدارية والسياسية، لأنها أنظمة سلطوية ملكية كسروية…

٦ - الموضوعات السياسية (السلطان):

كل مَنْ قرأ (كليلة ودمنة) أدرك أن موضوع السلطان وكل ما يتصل بالكتابة فيه، وفـي شؤون الحكم والدولة… هو من صناعة الأمم القديمة… ولكن أول من عرّفنا بهذا الكتاب كان ابن المقفع نفسه… ويبدو لنا أن الواقع الإداري السياسي للخلافة والولايات فـي عهد أبي العباس السفاح وفـي عهد أخيه المنصور قد زاده قلقاً وهلعاً، لانتشار الظلم والفساد والفقر… فـي أنحاء الدولة…

ومن هنا كان ابن المقفع قد لجأ إلى الترميز والاستعارة فـي هذا الكتاب المترجم ليعبر عما يتوخاه ولكنه سرعان ما تخلى عن ذلك وكتب عدة أفكار نثرية متكاملة النسق حول السلطان فـي الأدب الصغير… ثم صارت موضوعاً مبوباً مترابطاً يحمل عنوان (السلطان) فـي الأدب الكبير… ثم إن جملة من رسائله تناولت جوانب هامة جداً من أمور السلطان تتعلق بالخلافة والولايات، ووضع الرؤية النافعة للقضاء على المفاسد التي وقعت فيها، وشعر بها قبل غيره، ثم قدمها للخليفة على سبيل مذكرة أو كتاب.

إذاً؛ أخذ موضوع (السلطان) حيزاً كبيراً من عقل ابن المقفع وأدبه؛ واتصف بخصائص فنية راقية لم يسبقه إليها أحد… بما فيهم عبد الحميد الكاتب الذي عرف برسالته المشهورة إلى ولي العهد. (٩٢)

وكل من قرأ موضوعاته النثرية عن السلطان أدرك أنها ذات وجه أخلاقي اجتماعي وديني، ولم تكن مخصصة فقط للجانب السياسي والاقتصادي فـي الدولة… ولما ظهرت (رسالة الصحابة) ملبية للوجوه كلها فإن (الأدب الكبير) قد حمل وجهاً أخلاقياً سياسياً واجتماعياً، لأنه حكم رائعة ونصائح بديعة مقدمة إلى السلطان…

ومما ورد فـي شأن الرعية والسلطان قوله ينصحه: (لتعرف الرعية أبوابك التي لا ينال ما عندك إلا بها؛ والأبواب التي لايخافك خائف إلا من قِبَلها. احرص الحرص كله على أن تكون خابراً أمور عمالك، فإن المسيء يَفْرق من خُبْرتك قبل أن تصيبه عقوبتك؛ وإن المحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفك. ليعرفِ الناس - فيما يعرفون من أخلاقك - أنك لا تعاجل بالثواب ولا بالعقاب، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي) (٩٣).

إذاً؛ شدد ابن المقفع فـي موضوع (السلطان) على العَدْل ومحاسبة النفس، ومحاسبة الولاة (٩٤) كقوله: (إن للسلطان المقسط حقاً لا يصلح بخاصة ولا عامة أمر إلا بإرادته) (٩٥).

وقد يكون ابن المقفع من الكتاب القلائل الذين تحدثوا عن العلاقة بين الراعي والرعية؛ وطلب إلى الرعية طاعة الخليفة ما لم تكن طاعته فـي معصية الله (٩٦). وهذه الفكرة - كما أعتقد - مستمدة من المفاهيم الإسلامية وفق القاعدة الشهيرة: لا طاعة لمخلوق فـي معصية الخالق… بيد أن ابن المقفع قد تفرد بكتاباته عن السلطان حين قسم الفساد والظلم بين الرعية والراعي على أساس فساد الزمن، وهو ما بينه فـي رسالته (اليتيمة) (٩٧).

ومهما يكن الأمر فموضوع السلطان صار أحد الموضوعات النثرية التي تناولها ابن المقفع بالحديث… وبيّن كيفية التعامل مع السلطان إذا ابتلي الإنسان بمنصب فـي ولاية أو مركز ما. ومن ثم عليه أن يدرك بوعي كامل ما الذي يفعله مع الأعلى منه، والأدنى منه؛ وأن يلتزم الأدب والاعتدال فـي المنطق أمام السلطان… ولا يمتنع عليه وهو يحمل أعباء الرعية ويتفقد أحوالها أن يتزين بالمشورة وأهل الفضل والرأي. ومما قاله فـي الحذر من سخط السلطان: (اعلم أن أكثر الناس عدوّاً جاهداً حاضراً واشياً وزيرُ السلطان ذو المكانة عنده… غير أنه يجترأ عليه ولا يجترأ على السلطان) (٩٨).

هكذا وجدنا أن موضوع السلطان إنما هو باب نثري يستند إلى المناقشة العقلية المستمدة من الثقافة الفارسية لأنظمة الحكم، وإن ساقه بأسلوب عربي رصين. فابن المقفع يملك عقلاً منظماً مرتباً ومدركاً لطبيعة النظام السياسي لأنه يعمل فـي أحد مفاصل الحكم عند أعمام الخليفة… مما هيأه للاطلاع على خفايا كثيرة… تعاني منها أجهزة الخلافة العباسية… ولما رأى هذه المفاسد واستشعر عظمة تأثيرها فـي أخلاق المجتمع وحياة أبنائه قدم هذه النّصائح للخليفة لعلها تلقى طريقها إلى عملية الإصلاح الاجتماعي والسياسي والإداري…

ولا ريب أن كل من يتابع كتابات ابن المقفع سيجد جملة أخرى من الموضوعات؛ ولكنني أوثر أن أكتفـي بما قدمت، لأقف عند موضوعاته الخاصة، وأُقَدّم موضوع المرأة وأخصّه بالإبراز، وإن كان أحد الموضوعات الاجتماعية، لتفرد ابن المقفع فيه.

٢ - الموضوعـات الخاصـة:

١ـ موضوع المرأة:

قد تكون المرأة موضوعاً هاماً من موضوعات الشعر العربي منذ القديم؛ إذ جعلها الشاعر الجاهلي مدار حياته وفنه، ثم أحاطها الإسلام برعاية عظيمة، وخصّها فـي القرآن الكريم بالعديد من الآيات؛ فضلاً عن بعض السور المسماة باسم النساء (٩٩) وهي راعية البيت وسيدته ولا تُزَوّج إلا بإذنها (١٠٠) و (إنما النساء شقائق الرجال)، كما فـي الحديث الشريف (١٠١) …

وعلى أهمية هذا فـي التشريع والدين، فـي تعزيز قيمة المرأة… فإن الأدباء والكتاب قبل ابن المقفع لم يعنوا بالحديث عنها فـي كتبهم، ماعدا رجال الحديث ومؤرخي السيرة الذين تعرضوا لها فـي إطار موضوعاتهم عامة بينما جعلها ابن المقفع موضوعاً اجتماعياً وخلقياً تتركز فيه القيم الدينية والفكرية… فهو يربط البناء الاجتماعي الصحيح للمجتمع بصلاح الأسرة، وأعظم ما فيها المرأة، باعتبارها مربية… فالمرأة ليست مجرد مادة للاستمتاع عند الرجال الذوّاقة؛ أو أنها تُحْفة مُلَفَّفة بالثياب لا تقود إلا إلى الشهوات؛ لأنه (لا يزال مشغوفاً بما لم يذق، حتى لو لم يبق فـي الأرض غير امرأة واحدة، لظن أن لها شأناً غير شأن ما ذاق. وهذا هو الحمقُ والشقاء والسفه) (١٠٢).

ويناقش ابن المقفع هذه المسألة مناقشة دقيقة قائمة على العقل والإيمان معاً حين يحذر من الغرام بالنساء؛ فيقول: (اعلم أن من أَوقع الأمور فـي الدين، وأنهكها للجسد وأتلفها للمال وأقتلها للعقل، وأزراها للمروءة وأسرعها فـي ذهاب الجلالة والوقار الغرامَ بالنساء) (١٠٣).

فمن يسعَ وراء النساء للمتعة فإنما يُذْهب مروءته، ويُزري

بعقله، ويُتْلف ماله وينهك جسمه… فيُذهب وقاره… وهذا كله أوقع ما يكون فـي الدين نفسه فيخالف تعاليمه ومبادئه وتشيع الفاحشة فـي المجتمع… فابن المقفع يثير فـي الرجل حس المسؤولية الواعية العاقلة لكي يسيطر على نزوعه الشهواني، هذا النزوع الذي لا يقود إلا لهدم الذات، ومفاهيم الدين والمجتمع…

ويوغل فـي مخاطبة عقل الرجل ومروءته حين يجعل الولع بالنساء والغرام بهن بلاءً ولم يعلم أنما (النساء أشباه… وإنما المرتغب عما فـي رحله منهم إلى ما فـي رحال الناس كالمرتغب عن طعام بيته إلى ما فـي بيوت الناس: بل النساء بالنساء أشبه من الطعام بالطعام، وما فـي رحال الناس من الأطعمة أشد تفاضلاً وتفاوتاً مما فـي رحالهم من النساء) (١٠٤) … وهذا المعنى - من دون ريب - مستمد من حديث الرسول الكريم (ص): (إذا رأى أحدكم امرأة حسناء فأعجبته فليأتِ أهله فإن البُضْع واحد؛ ومعها مثل الذي معها) (١٠٥)؛ وعبارة الحديث أوجز وأدق، ويؤيده حديث صحيح آخر قريب منه فـي لفظه ومعناه. (١٠٦).

ولذلك كله ينصح ابن المقفع صديقه بحماية نفسه من مطاردة الشهوة وتعقب النساء؛ فعاقبة هذا وبال عليه فـي أمر مروءته وفـي أمر دينه، ومجتمعه حين يعرض نفسه للريبة؛ والشبهة والطمع (١٠٧). ويظل هذا المعنى دون ما يأمر به الحديث الشريف: (عفّوا عن نساء الناس تعفَّ نساؤكم) (١٠٨).

ولست الآن بصدد موقفه من المرأة على اتصافه برجاحة العقل، وكان الأستاذ محمد كرد علي قد أشار إلى ذلك؛ (١٠٩) ولكني بصدد التنويه بعمل ابن المقفع؛ حين جعل المرأة موضوعاً فكرياً وأدبياً يعالج فيه جملة من الرؤى الأخلاقية والاجتماعية فـي وحدة فنية متكاملة ومترابطة… مستندة إلى مفهوم عقلي متدرج فـي تحليل ينتهي إلى درجة الإقناع. وهو يعرض ذلك بلغة سهلة واضحة يظن الجاهل أنه يُحْسن مثلها؛ وهذا هو مفهوم البلاغة لديه. (١١٠) وقد استخدم فـي هذا الموضوع كغيره الأمثال التي غدت أداة للتوضيح والشرح من جهة؛ ودليلاً مادياً حسياً للوصول إلى العقل… بهذا وضع أول لبنة فـي الحديث عن المرأة، ثم فتح الطريق لغيره من بعده فخصوها بمؤلفاتهم، ومن ثم ارتبطت حركة التأليف بالرجال، وتخلفت النساء عنهم فيها. (١١١) وهذا الموضوع كغيره يشهد لابن المقفع بالعمل المرتب المنظم القائم على أساس من الأوليات التي تتعلق بها النفس… فالرجل لا يغادر الفكرة إلا بعد إيصالها إلى المتلقي لإقناعه والتأثير فيه؛ وهو ما نجده فـي موضوع الصداقة أيضاً.

٢ـ الصداقة والحرص على الإخوان:

قد يكون أبو حيان التوحيدي أشهر من نار على علم فـي الحديث عن هذا الموضوع إذ خص (الصداقة والصديق) بكتاب حمل هذا العنوان. وقد بين سبب كتابته له؛ وهو يفيد فيه أن الوزير ابن سعدان أمره أن يدون كلامه فـي هذا الموضوع الهام ويصله بصلاته مما يصح عنده للقدماء… فلبى أمره (١١٢). ونقل أبو حيان أقوالاً فـي الصداقة عن ابن المقفع دون أن يشير إلى أنه أول من ألف باباً خاصاً فـي هذا الموضوع، وخصه بقسم من كتابه (الأدب الكبير) فضلاً عما بثه من آراء كثيرة فـي (كليلة ودمنة) و (الأدب الصغير) ورسائله الأخرى. ومما نقله عنه قوله: (وقيل لابن المقفع: الصديق أحب إليك أم القريب؟ قال: القريب أيضاً يجب أن يكون صديقاً) (١١٣) وربما صرح باسمه (١١٤) وربما أغفله دالاً عليه بعبارة أخرى. (١١٥)

ولا شك فـي أن عمل التوحيدي يمتاز كثيراً عما وجدناه عند ابن المقفع من جهات عدة؛ فـي المضمون والشكل، لكن ابن المقفع يظل له فضل السبق، والتبويب، والترتيب فـي الموضوع. ولمّا لم يكن الأمر هنا لهذه الموازنة وبيان خصائص كل منهما لزمتنا تلك الإشارة؛ لنقول: إن تجارب ابن المقفع وثقافته الفارسية كانت المصدر الأول لباب الصداقة عنده ثم أتى المصدر الثاني المتعلق بالثقافة العربية، ولكنه بدا باهتاً أمام السابق… على حين بدت الثقافة العربية المختزنة بالأشعار العربية وآراء البلغاء من العرب وغيرهم بارزة عند التوحيدي… وإذا كان خلو باب الصداقة من الأشعار العربية عند ابن المقفع قد قلّل من اتساع دلالته فإنه قد عضده بكثرة ما قدم فيه من حكم وأمثال بمقتضى ثقافته، وبمقتضى زمن البدايات التي ألف فيها هذا الباب، فثقافة التوحيدي عربية أعرابية قبل كل شيء مما جعله يعتمد على الشعر العربي ونثره - غالباً ـ؛ وإن جاء بأقوال كثيرة للقدماء من الفرس واليونان؛ بينما ثقافة ابن المقفع فارسية عربية، سابقة في الزمان، مؤسسة لغيرها…

وظل ابن المقفع متفرداً بالحديث عن شروط الصداقة وطبيعتها، وأولها الإخلاص والتضحية، وعدم انتحال الصديق آراء صديقه، أو التطاول عليه علماً، ومنصباً… ومن ثم حدّد كيفية اختيار الصديق والتشبث به؛ فليس هو كالمرأة يطلقها متى أراد، (فإنما مروءة الرجل إخوانه وأخدانه) (١١٦). ولهذا لابد من صون اللسان عن أذاته، ومواساته فـي حال النوائب؛ لأن (إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا هم زينة فـي الرَّخَاء، وعُدَّة فـي الشدة، ومعونة على خير المعاش والمعاد) (١١٧).

ومن هنا يكمن التعامل الصحيح مع الصديق لديه فيقول: (انظر من صاحبت من الناس؛ من ذي فضل عليك بسلطان أو منزلة؛ أو من دون ذلك من الأكْفَاء والخلطاء والإخوان؛ فوطّن نفسك فـي صحبته على أن تقبل منه العفو وتسخو نفسك عما اعتاص عليه مما قِبَلَه، غير معاتب ولا مستبطئ، ولا مستزيد) (١١٨).

فالصديق فـي مفهوم ابن المقفع يتصف بالمروءة والكمال، والقريب الذي لا يتصف بذلك لا يوصف بالصديق؛ فإنما سمي الصديق صديقاً لما يرجى من صدقه ونفعه، وسمي العدو عدواً لما يخاف من اعتدائه وضرره (١١٩).

بذلك كله يظل صاحبنا نسيج وحده فـي هذا الموضوع؛ ولاسيما حين انتقل فيه إلى رحاب الصفاء الأخلاقي… ومن ثم طلب إلى السلطان أن يختار بطانته (صحابته) من أهل الصدق والرأي… وأن يستمع إلى مشورتهم لأنهم أهل شرف وعلم، كما أثبتناه قبل قليل…والصدق أس الصداقة وسنام الحياة والعقل.

وبناء على ذلك يصبح الحرص على الأخوان من صميم المروءة والأخلاق، وهذا يوافق تعاليم الدين الحنيف… ومن ثم يصبح الاستماع إليهم قبل غيرهم مدعاة للوعي والفهم والحفظ، ومن ثم تمثله والتعبير عنه بأحسن صيغة. وهو الموضوع الآخر الذي تفرد به ابن المقفع.

٣ـ الانتفاع بحسن الاستماع والحفظ:

لقد كانت الدعوة إلى الاستماع دعوة قرآنية خالصة من أجل الفهم والتعبد؛ لقوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تُرحمون ( (الأعراف ٧ / ٤٠٢) ومن ثم فالسماع دعوة للفهم والحفظ والتعبد لقوله تعالى: (وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا، وإليك المصير ( (البقرة ٢ / ٢٨٥) … وكان أدب العرب فـي الجاهلية والإسلام قائماً على الرواية والسماع؛ … ولما كان ابن المقفع قريباً من العصر الإسلامي، ومن ثم شهد بدايات تدوين الشعر… فإنه أدرك قيمة الاستماع الجيد المرهف إلى الذخائر من الكلام؛ ولكنه بيَّن لشداة الثقافة كيفية الاستماع، وهذا ما تفرد به فقال: (تعلم حسن الاستماع، كما تتعلم حسن الكلام، ومن حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه، وقلّة التلفّت إلى الجواب، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم، والوعي لما يقول. واعلم فـي ما تُكلّم به صاحبك أن مما يهجّن ما يأتي به؛ ويَذهَبُ بطعمه وبهجته ويُزْري به فـي قبوله عَجَلتك بذلك، وقطعَك حديث الرجل قبل أن يفضي إليك بذات نفسه) (١٢٠).

فهذه المعالجة لشروط الاستماع فـي الكتابة النثرية هي المبتكرة عند ابن المقفع؛ ولم أجد - فيما أعلم - أحداً سبقه إليها… وإن جعلها فـي سياق موضوع الصداقة. وكذلك ضَمَّنها الدعوة إلى حفظ الأقوال المثيرة للإعجاب والعقل، مما تنشغل بها النفس، ومن ثم تعويدها عليها؛ فيقول: (اعلم أنه ستمر عليك أحاديث تعجبك: إما مليحة، وإما رائعة. فإذا أعجبتك كنت خليقاً أن تحفظها؛ فإن الحفظ مُوَكّل بما مَلُح وراع. وستحرص على أن تعجب منها الأقوام) (١٢١).

ثم يشدد على عدم إكراه الناس على ما أُعجِب به، وإلا وقع من نفوسهم موقعاً سيئاً، وكذلك هو موقفه من الأخبار الرائعة، فيقول متابعاً: (ثم انظر الأخبار الرائعة فتحفظ منها. فإن الإنسان من شأنه الحرص على الأخبار، ولاسيما ما راع منها، فأكثر الناس من يحدث بما سمع، ولا يبالي ممن سمع. وذلك مفسدة للصدق ومزراة بالمروءة؛ فإن استطعت ألا تخبر بشيء إلا وأنت به مُصَدَّق، ولا يكون تصديقك إلا ببُرهان، فافعل. ) فالاستماع لديه وجه من وجوه البلاغة (١٢٢).

هكذا ابتدع ابن المقفع موضوعات نثرية منتزعة من الثقافة ولكنها حيكت بيد صَنَاع ماهر قائمة على المنطق والبرهان؛ مما أتاح لها القبول والبقاء…

ولعل سائل يسأل: كيف يصبح الاستماع موضوعاًَ نثرياً، أو غيره؟ ! ونرى فـي هذا المقام أمرين: الأول يؤكد أن الاستماع والحفظ أداة أصيلة للأديب الواعي لكي يبدع إنتاجه… والثاني يوضح أن ابن المقفع ينظر إليه كأسلوب من أساليب الإيجاز فـي القول… ولكنه حين تحدث عن الاستماع والحفظ فـي موضوعات كتابه، أصبحا مادة موضوعية نثرية تناولها بالمعالجة، وكذلك هو مفهوم العمل عنده.

٤ـ مفهوم العمل المنظم:

يستند هذا المفهوم إلى التدرج المنطقي فـي عرض الأعمال؛ وهو عرض عقلي ينسجم مع انشغال النفس بالأوليات التي تشغف بها… ومن ثم يراعي التعاقب الزمني للمفاهيم والثقافات، إذ يحاول أن يبني البناء على البناء؛ وإن تطرف فـي نظرة التقديس للقدماء… (١٢٣)

ولعل ما يسوغ له هذه النظرة ما يراه من مفاسد مستشرية فـي نواحٍ شتى من حياة مجتمعه… فهو يحاول إصلاحها بما يراه الأمثل… لهذا جعل همه الأساسي إصلاح الفرد والتسامي بخلقه وعمله… وإذا صلح الفرد صلح المجتمع… وعليه بنى موضوعه الأخلاقي الإصلاحي برمته… سواءً كان إنساناً عادياً أم مسؤولاً؛ ولابد لأي منهما من اعتماد مبدأ الأوَّل فالأول حيث يقول - مثلاً: (إذا تخالجتك الأمور فاشتغل بأعظمها خطراً؛ فإن لم تستبن ذلك فأرجاها دَرْكاً؛ فإن اشتبه ذلك فأجدرُها أن لا يكون له مرجوع حتى تولّي فُرصَتُه) (١٢٤). وفـي الوقت نفسه يرى أن مباشرة الصغير إنما يضيع الكبير؛ ولكل وقته، فيقول: (لا تتركنّ مباشرة جسيم أمرك فيعودَ شأنك صغيراً؛ ولا تلزِمٍنَّ نفسك مباشرة الصغير فيصير الكبير ضائعاً… وأن قلبك لا يتسع لكل شيء ففرّغْه للمهم، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك؛ وإن دأبت فيهما؛ وأنْ ليس لك إلا إدامة الدأب فيهما سبيل مع حاجة جسدك إلى نصيبك منهما؛ فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك) (١٢٥).

ولعل هذا الموضوع يعد أحد الموضوعات المستجدة فـي عالم النثر، وهو يدل على قدرة عقلية جبارة عند الرجل… تدعو كل إنسان إلى العمل المنسق على أساس البناء على البناء لا النقض والهدم؛ ومن ثم حسن تقسيم الزمن فـي أداء العمل واعتماد مبدأ الأَوْلى فالأَوْلى… فـي أي شأن فكري أو اجتماعي أو سياسي… ولعل أهم ما ينبغي للسلطان أن يفعله أن يختار البطانة الصالحة التي تساعده فـي شؤون الحكم ثم يتفقدها بالرعاية والمراقبة والمحاسبة، ويتفقد أحوال الرعية؛ ويزور أمصار الدولة… (١٢٦) أما المفكر المثقف الأديب فعليه أن يفهم تراثه ليأخذ منه العبر، ويبني عليه؛ لا أن يتنكر له؛ ثم يضعه موضعه المناسب، لذا يقول: (من أخذ كلاماً حسناً من غيره فتكلم به فـي موضعه وعلى وجهه فلا تريَنّ عليه فـي ذلك ضؤولة؛ فإنه من أعين على حفظ كلام المصيبين، وهُدِي للاقتداء بالصالحين؛ ووُفِّق للأخذ عن الحكماء، ولا عليه أن يزداد فقد بلغ الغاية) (١٢٧).

وفـي ضوء ذلك ندرك أنه يعد أحد أعظم الكتاب الذين نبهوا على أهمية ما لدى القدماء، والبناء على ما عندهم من معارف؛ فمارس بهذا أول عملية مزج بين الأصالة والمعاصرة، أو بين القديم والجديد… وجعل قيمة التراث عصية على النيل منها… فالتراث أداة فعل وتغيير وتوجيه إن أُحسن فهمه… بيد أن ما نأخذه عليه إنما هو تطرفه الشديد فـي تنزيه القدماء عن كل خطل حتى فـي القضايا الدينية؛ كما يقول: (كان صاحب الدين منهم أبلغ فـي أمر الدين علماً وعملاً من صاحب الدين منا، وكان صاحب الدنيا على مثل ذلك من البلاغة والفضل… فمنتهى علم عالمنا فـي هذا الزمان أن يأخذ من علمهم، وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم) (١٢٨).

ولو صح كلامه فـي مفهوم التقليد غير المبدع لما درسناه على أنه صورة من الإبداع التي تجسد مفهوم الاتصال الحضاري بين القديم والجديد؛ وبين الثقافة الفارسية والعربية… ومن ثم فـي بيانه للعمل المنظم الذي نتحدث عنه… وفـي خصائص فنه النثري الذي ميزه كثيراً من سابقيه… مثلما تميزت موضوعاته الكثيرة التي ذكرنا بعض مفاصلها الأساسية، وأثرت فيمن جاء بعده، فـي احتذاء القديم، ومنهج الكتابة (١٢٩).

ولعلنا نستمد من حكمته ما يسوغ لنا هذا الرأي فهو القائل: «إذا نزل بك أمر مهم فانظر؛ فإن كان مما له حيلة فلا تعجز؛ وإن كان مما لاحيلة فيه فلا تجزع» (١٣٠). ونحن لم نعجز - كما نعتقد - عن تحليل مفهومه للعمل المنظم المرتب الذي تمثله حياة وفكراً وآثاراً أبدعها فـي ضوئه…

وبعدُ؛ فقد يقول قائل: إن هذه الموضوعات لا تقابل ما تعارف عليه النقاد وغيرهم من قبل؛ وكان الأَولى أن تصنفها داخل الأجناس الأدبية الفنية كالحكمة والوصايا؛ والنصائح والمواعظ، والخطب والرسائل… ولا سيما أن الكلام تركز - غالباً - فـي كتابي الأدب الكبير والأدب الصغير؛ إذ تغافلت عن الرسائل الصغيرة التي تناولت ضروباً من الآراء الاجتماعية والإخوانية التي تمثلت بين الأصدقاء فـي التعزية والتهنئة والدعوة إلى الإخاء… (١٣١)

ونقول: إن البحث يفرض نفسه؛ إذ يقوم على أساس بيان ما قدمه ابن المقفع من تفاعل حضاري بين الثقافة الفارسية القديمة وبين ثقافة أمة إسلامية جمعت أجناساً متعددة، وكانت ثقافتهم ولغتهم الغالبة هي العربية… ثم عاشت هذه الأمة تناقضات عديدة فـي مناحي الحياة والثقافة والأدب… فرأى ابن المقفع أن يضع قلمه وسيلة لانتشالها مما هي فيه… فاتجه إلى ما اتجه إليه من موضوعات؛ وأفكار… وهي التي فرضت هذا المنهج في دراسة الموضوعات…

وكذلك سندرس الخصائص الفنية الشكلية فـي ضوء هذا المنهج الذي يبرز الأثر الحضاري الذي قدمه ابن المقفع لأساليب النثر العربي… بينما رأى أحمد أمين أن هذا كله لا يتعلق بمسألة التأثر الثقافـي الفكري بين العرب وغيرهم. فابن المقفع فعلاً كما قال: نتاج ثقافة فارسية لقحت بلقاح عربي (١٣٢) ولكنه لقاح يتصل بالأدب والفكر والخلق معاً… ولعلنا نكتشف أثر هذا فـي خصائص أساليبه النثرية الشكلية.

٤ـ الخصائص الشكلية لنثره

اتضح لنا فـي حديثنا عن فنونه وموضوعاته أنه استطاع أن يرود حقولاً جديدة من الموضوعات، ويطرح العديد من الأفكار المثيرة فـي السلطان والمرأة والعلم والعلماء والمشورة والتأدب والتأديب والصداقة… وظهر لنا بكل جلاء أن ابن المقفع ذو حس أصيل ودقيق فـي رؤية القضايا التي يعالجها، فهو يتلمسها فـي واقعه ويشخصها ويصف ظواهر عللها ثم يكشف عقله الفذ عن العلاج الشافـي لكل قضية أو موضوع…

ومن هنا تبنى مفهوم العمل المنظم فـي حقول المعرفة وقضايا الأخلاق والمجتمع؛ مبيّناً مبدأ الإصلاح فـي كل ذلك مما جعل أدبه مادة خصبة لموضوعات الأخلاق والتربية الاجتماعية والدينية.

وكان يعتمد طريقة التحليل الموضوعي المتكامل - غالباً - القائم على تصور عقلي مسبق للهدف الذي يرمي إليه من وراء كل قطعة أدبية صاغها عقله فـي لغة رشيقة سهلة ودقيقة…

وبناء على ذلك ظهرت جملة من الخصائص الفنية والأساليب النثرية التي فاق فيها القدماء… قبله كعبد الحميد بن يحيى الكاتب وسالم مولى هشام بن عبد الملك وغيرهما… فقد ارتقى ببعض الأساليب، ورقق قسماً آخر من الأساليب التقليدية؛ بينما جاء بأساليب أخرى لم تعرف لسابقيه…

ولعله بهذا كله قد أغنى النثر العربي فـي زمن بدايات النثر الفني، واستحق أن يكون أحد عباقرة الأدب والفكر والفن… عند العرب والمسلمين.

ولما كان علينا إبراز الخصائص الشكلية لنثره، كان علينا أن نحيط

بالملامح الفنية الكبرى لتلك الأشكال من دون تفصيل فـي الجزئيات؛

اعتقاداً منا بأن فيما سبق من القول غناءً عنه؛ وإلا وقعنا فـي مطب التكرار… وسنقدم ما يتعلق بوحدة الموضوعات والأفكار من جهة البناء المعماري للنص النثري؛ ثم نُبرز الخَصائص اللفظية…

١ـ البناء المعماري للنص النثري:

تجلى لنا ابن المقفع ناثراً من طراز رفيع وعالٍ فـي ممارسته التطبيقية لبناء النص؛ أغنت عن مفهوم التنظير الذي ذهب إليه من جاء بعده كالجاحظ وابن قتيبة وابن طباطبا وأبي هلال العسكري وابن رشيق وغيرهم…

فابن المقفع يصوغ موضوعه النثري فـي نص مترابط الأجزاء ليعالج فكرة ما؛ ثم ينتقل إلى غيرها… وما من أحد يرجع إلى ما قلناه قبل قليل فـي الموضوعات إلا تأكد له ذلك. ولعل (الأدب الكبير) يقوم على موضوعين أساسين (السلطان) و (الصداقة) ومن ثم عالج فـي إطارهما جملة من الموضوعات الجزئية. وفـي (الأدب الصغير) عالج هذين الموضوعين، ولكن فـي إطار حكم رائعة مرصوصة… وقبل أن يتناول أياً منهما وضع مقدمة لهما، بينت طريقته فـي الإفادة من القدماء ورؤيته لما هو مقدم عليه…

وتظل الوحدة الموضوعية أقل تلاحماً مما نجده فـي (رسالة الصحابة) أو فـي (رسالة اليتيمة) أو بقية رسائله الأخرى… أو فـي (كليلة ودمنة) التي عالجت موضوع السلطان والصداقة في صميم النسيج القصصي.

نحن لا نشك لحظة واحدة فـي أن البنية المعمارية القائمة على التدرج فـي عرض الأفكار إنما هي إبداع يعود فيه الفضل إلى عبد الحميد الكاتب فـي رسالته إلى (ولي العهد) أو فـي رسالته عن (الشطرنج) (١٣٣) لكن تلميذه ابن المقفع خطا خطوات كبرى حين انتقل بالموضوع إلى إطار نثري وفكري أوسع ومتنوع اعتمد فيه على تراث ثقافـي فارسي عريق… ثم وصله بثقافته؛ وبقي على إخلاصه لمبدأ الوحدة الفكرية الموضوعية للنص المعالج… فأي نص لديه ينقسم إلى مقدمات ومتن ونتائج؛ ثم يتفرع كل موضوع فـي هذا المنهج إلى أفكار تتكامل فيما بينها… وهذا الذي ميزه من سابقيه…

وبهذا وضع الأسس التطبيقية لفن الكتابة بمثل ما وضع الأسس النظرية والتطبيقية لتأليف الموضوعات النثرية فـي كتب خاصة… ومقدمة الأدب (الصغير والأدب الكبير) ومقدمة (كليلة ودمنة) تشهدان بذلك… (١٣٤) وهي أسس تبناها من جاء بعده من الكتاب (١٣٥).

ولعل الجاحظ (ت ٢٥٥هـ) قد استقى منه مفهوم تلاحم الأجزاء فـي الشعر، فقال: (أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغاً واحداً، وسبك سبكاً واحداً؛ فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان) (١٣٦) …

ونتساءل متى كان الشعر العربي يبنى هذا البناء… فهذه الطريقة المتماسكة إنما هي طريقة النثر التي أسسها الرواد… على حين أن الوحدة فـي الشعر كانت تقوم على وحدات أخرى لعل من أبرزها الوحدة النفسية التي ذهب إليها ابن قتيبة فـي كتابه الشعر والشعراء حين تحدث عن منهج القصيدة المدحية (١٣٧)، وإن كنا لا نهمل الوحدة الموضوعية المرتبطة بالمقاصد وأغراض الشعر.

ونحن لا نشك أن فـي داخل البنية النصية لقصيدة الشعر موضوعات متكاملة الأفكار، مما يشجع على القول: إنها تكوّن وحدة فكرية موضوعية قائمة على وحدات جزئية، فيصدق عليها ما نقله ابن طباطبا (ت ٣٢٢هـ) عن العتابي: (قيل للعتابي: بماذا قدرت على البلاغة؟ فقال: بحل معقود الكلام؛ فالشعر رسائل معقودة، والرسائل المعقودة بشعر، وإذا فتشت أشعار الشعراء كلها وجدتها متناسبة؛ إما تناسباً قريباً أو بعيداً. وتجدها مناسبة لكلام الخطباء، وخطب البلغاء) (١٣٨).

ونحن لا نتردد فـي القول: إن هناك شعراً محكم الموضوعات والبناء تعرض له ابن طباطبا وابن رشيق وغيرهما (١٣٩) ولكنه لا يبلغ فـي تدرجه المعماري وتخلصه من معنى إلى آخر ما أرساه ابن المقفع فـي رسائله وأدبه.

ولعل هذا ما جعله يتحدث عن صناعة الشعر ونسجه، ويذهب إلى أن الشاعر يمكن أن يحقق وحدة تلاحم الأجزاء التي ذكرها الجاحظ إذا سلك (منهاج أصحاب الرسائل فـي بلاغاتهم، وتصرفهم فـي مكاتباتهم؛ فإن للشعر فصولاً كفصول الرسائل، فيحتاج الشاعر إلى أن يصل كلامه على تصرفه فـي فنونه صلة لطيفة) (١٤٠). وبهذا تفهم كلمته الأخرى عن جسد النص، حيث يقول: (للكلام جسد وروح، فجسده النطق وروحه معناه) (١٤١).

ومرة أخرى نقول: كانت كتابة ابن المقفع محكومة بعقل منطقي سديد، ومنهج كتابي علمي موضوعي مرسوم بأهداف مسبقة… وكانت مادة موضوعاته مستمدة من ثقافته وبيئته وخبراته وتجاربه… ولم تتخذ فـي بنى العرض الداخلي طريقة واحدة، وإنما تنوعت تبعاً لكل مادة فكرية، أو فن من الفنون…

فالبنية المعمارية فـي (الأدب الصغير) سيقت بعبارات رشيقة جذابة وموجزة؛ فـي سياق عام متراص. وهي لا تبلغ فـي ترابطها ما بلغه (الأدب الكبير) الذي دار على موضوعين كبيرين… ومن ثم فإن نظام الجمل الأدبية للبنى الداخلية يختلف فيهما عما فـي (رسالة الصحابة) أو فـي (كليلة ودمنة) … فالنظام البنائي لرسالة الصحابة شديد الترابط، متلاحم الأجزاء لفظاً ومعنى، وإن عالج العديد من الأفكار الفرعية؛ بينما تلاحم البنى الداخلية لكليلة ودمنة يقوم على مبدأ السرد القصصي فـي كل حكاية يقدمها… وهذا كله يختلف عن البناء المعماري القصير جداً فـي كتبه الإخوانية، ذات المنهج الترسلي الخاص الذي يطرق الفكرة مباشرة بسطر أو اثنين أحياناً، كما سيأتي.

هكذا حمل ابن المقفع إلى النثر العربي موضوعات جديدة؛ بناها بناء شمولياً فـي وحدة فنية متسلسلة يتصل بعضها ببعض مما يقاربها من مفهوم الوحدة العضوية - اليوم - . ومن ثم استطاع أن يحتفظ بقالب الجملة العربية وأوضاعها اللغوية والتصويرية ويذلل المعاني الفكرية الفلسفية والاجتماعية والسياسية. لذلك كله مزج بين الثقافة الفكرية التاريخية وبين الثقافة اللغوية المستحدثة، وقدّمها بأبهى حلة؛ وبأحسن الأصباغ والألوان… مما يدل على حذقه وفطنته، ورهافة حسه وذوقه.

ولهذا أبدع فـي تصميم فنونه وموضوعاته طرائق فـي الأداء البليغ بما يلذ سماعه، ويرقق الذوق فـي الكتابة؛ ويثير العواطف المتبلدة… وفيها جميعاً تكمن البلاغة كما يتفق مع مفهومه لها حين سئل: (ما البلاغة؟ فقال: اسم تجري فـي وجوه كثيرة: فمنها ما يكون فـي السكوت، ومنها ما يكون فـي الاستماع، ومنها ما يكون فـي الإشارة؛ ومنها ما يكون شعراً؛ ومنها ما يكون سجعاً، ومنها ما يكون ابتداءً، ومنها ما يكون جواباً؛ ومنها ما يكون فـي الحديث، ومنها ما يكون فـي الاحتجاج؛ ومنها ما يكون خطباً؛ ومنها ما يكون رسائل؛ فعامة هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة) (١٤٢).

ومن هنا نستكمل الحديث عن وجوه البلاغة فـي أساليبه الفنية الشكلية.

٢ـ الوضوح والسهولة:

اللغة هي الأصل الذي يقوم عليه أي عمل فكري أو نقدي أو أدبي… وأساليب استعمالها فـي الوظائف والدلائل والأهداف هي التي تبرز مزية لهذا المبدع أو ذاك… والكلام (يحسن بسلاسته، وسهولته، ونصاعته، وتخير لفظه؛ وإصابة معناه، وجودة مطالعه، ولين مقاطعه، واستواء تقاسيمه…) (١٤٣).

ولعل أهم سمة فنية تطالعنا فـي نثر ابن المقفع هي السهولة والوضوح؛ فهي لا تقع لديه فـي المقام الأول فحسب، بل تدل على سمة حضارية ثقافية تمثل عصره، فـي الوقت الذي تمثل مفهوم البلاغة لديه؛ كما فـي قوله: (إياك والتتبع لوحشي الكلام طمعاً فـي نيل البلاغة؛ فإن ذلك هو العيُّ الأكبر) (١٤٤). فالعي أدنى درجة من الحَصْر؛ وقلة الحصر عند الإنسان تقابل مفهوم البلاغة عنده, كما فـي إجابته على سؤال من سأل: (ما البلاغة؛ قال: قلة الحصر، والجرأة على البشر؛ قيل له: فما العي؟ قال: الإطراق من غير فكرة؛ والتنحنح من غير علة) (١٤٥).

ولهذا شغف بكل لفظ رقيق شفاف وواضح بعيد عن العامية لا مرذول ولا ممجوج، على الرغم من أن خطابه النثري موجه - غالباً - للعامة… لكنه لم يسقط فـي حمأة الألفاظ الدارجة السوقية، ومن ثم ابتعد عن الألفاظ الغريبة، النادرة الاستعمال؛ والغامضة أو العويصة… فكان يتخير أحسن الألفاظ وأرقها لتقع من المعنى الموقع المناسب الجميل، وتلذ فـي أذن السامع… ثم يزداد ألقها بهاء فـي تأليف بديع مؤثر ودقيق فـي الدلالة… كما فـي حكمته الرائعة: (ذلل نفسك بالصبر على الجار السوء، والعشير السوء؛ والجليس السوء؛ فإن ذلك لا يكاد يخطئك) (١٤٦)، فحقق بذلك عناصر الجمالية الفنية بأجلى صورها.

فلو فتش أحدنا عن لفظ عويص أو نادرٍ جافٍ لما وَجَد، ولهذا عمل بالنّصيحة التي كان دائماً يوجهها إلى الآخر (عليك بما سهل من الألفاظ؛ مع التجنب لألفاظ السِّفْلة) (١٤٧).

وكان يحيى بن زياد الحارثي قد كتب له يطلب منه الإخاء؛ فتلبث عليه، وكرر الكتابة، فأجابه إلى طلبه؛ ومن تقريظه ليحيى قوله: (وقد لزمتَ من الوفاء والكرم فيما بينك وبين الناس طريقة محمودةً، نسبت إلى مزيتها بالفضل، وجَمُل بها ثناؤك فـي الذكر؛ وشهد لك بها لسان الصدق، فعرفت بمناقبها؛ ووسمت بمحاسنها، فأسرع إليك الإخوان برغبتهم مستبقين يبتدرون ودك… فلو كنت لا تؤاخي من الإخوان إلا من كافأ بودك، وبلغ من الغايات حَدَّك ما آخيت ولصرت من الإخوان صفراً، ولكن إخوانك يقرون لك بالفضل، وتقبل أنت ميسورهم من الود…) (١٤٨).

وكتب فـي تعزية رجل عن ابنته فقال: لا ينقص الله عددك، ولا ينزع عنك نعمته التي ألبسك، وأحسن العِوَض لك؛ وجعل الخَلَف لك خيراً مما رزأك به؛ وما أعطاك خيراً مما قبض منك) (١٤٩).

هذا هو كل ما جاء فـي كتاب التعزية، وذاك جزء من رسالة مطولة له إلى يحيى؛ وهما أو غيرهما من كتابات ابن المقفع يؤكدان مقولته فـي بلاغة الكتابة؛ إذ يظن الجاهل أنه قادر عليها؛ حين سئل عن البلاغة فقيل له: (ما البلاغة؟ فقال التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها) (١٥٠).

فهو يتخير أحسن الألفاظ للمعاني المركبة المنتخبة، ويتميز بالألفاظ العذبة والمخارج السهلة بديباجة كريمة تدل على عقل مثقف، وطبع متمكن… فأساليبه دلت على فصاحة عالية من السبك الجيد، والكلام الذي يظهر عليه ماء الرونق (١٥١) فـي الوقت الذي استطاعت أن تعبر فيه عن ثقافة عالية قديمة ومعاصرة… فالسهولة والوضوح بمثل هذه الخصائص إنما تمثل الفصاحة والبلاغة، لا الضّعف والركاكة اللذين ذهب إليهما الدكتور طه حسين، ونعت ابن المقفع بهما أحياناً. (١٥٢) فالفصاحة لا تكون فـي الألفاظ الكزة الغليظة الجاسية، أو المتوعرة المتقعرة، أو المكدودة المستكرهة؛ وإنما تكون بالكلام الجزل السهل الذي (لا يتغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه… ويكون بريئاً من الغثاثة، عارياً من الرثاثة) (١٥٣)، وبه تتركز قيم الجمال الفني.

فابن المقفع حرص على التراكيب البليغة الرقيقة التي تقع موقعاً طيباً ومثيراً وجذاباً عند المسامع، وتدخل إلى عقله بيسر وسهولة. وهذا ما ينطبق عليه مفهوم البلاغة نفسه باعتبار أنها (تخيّر اللفظ فـي حسن الإفهام) (١٥٤). ولهذا لا يؤدي ما وقع فـي بعض أساليبه من اعتراض فـي الجملة، أو عودة بعض الضمائر على ألفاظ سابقة إلى اتهامه بالضّعف أو الغموض، وخروجه عن البلاغة (١٥٥). فألفاظه فـي أساليبه اللغوية والبلاغية تبتعد عن كل ما هو مستكره ومبهم وغامض… حتى حينما لجأ إلى الإلغاز فـي كتابه المترجم (كليلة ودمنة) لم تكن ألفاظه مستغلقة المعاني، وإن كثر فيها الترميز، والاستعارة… فضلاً عن أن الترجمة لم تجعله يهوي فـي ديباجته إلى منزلة الركاكة والرثاثة، والغموض والإبهام كما ذهب إليه بعضهم. (١٥٦) فأي مقطع من حكاياته يتصف بالوضوح بما فيه أسماء الحيوانات التي غدت مألوفة… ومما جاء فـي حكاية الأسود من الحيّات وملك الضفادع قوله: (فرغب ملك الضفادع فـي ركوب الأسود؛ وظن أن ذلك فخر له وشرف ورفعة، فركبه واستطاب ذلك. فقال له الأسود: قد علمتَ أيها الملك أني محروم؛ فاجعل لي رزقاً أعيش به. قال ملك الضفادع: لعمري لابد لك من رزق يقوم بك إذ كنت مركبي. فأ

مر له بضفدعين يؤخذان فـي كل يوم ويُدْفَعان إليه. فعاش بذلك، ولم يضرَّهُ خضوعه للعدو الذليل بل انتفع بذلك وصار له رزقاً ومعيشة) (١٥٧).

فصرعة اللين والرفق أشد استئصالاً للخصم من صرعة المكابرة والعناد فـي وقت لا تزيد النار إذا وقعت فـي الشجرة إلا احتراقاً… وما أشبه الليلة بالبارحة!!

وبهذا يصدق فيه ما قاله الجاحظ عن الكتاب: (ما رأيت قوماً أنفذ طريقة فـي الأدب من هؤلاء الكتاب فإنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعراً وحشياً؛ ولا ساقطاً سوقياً. ) (١٥٨) فالألفاظ عنده احتفظت بجماليات التعبير الأدبي الراقي على سهولتها، وكثرة تداولها… وقد ابتعد فيها عن أساليب الحذف والفصل والتعقيد والتقديم والتأخير… مما يجعل الكلام بعيداً عن أفهام الناس. وكان يرسلها عقله بعفوية وفطرية عالية من غير تكلف ولا تصنع… معتمداً فـي ذلك على الذوق المرهف الذي نمّاه بحذقه للغة العربية، وهذا ما نجده أيضاً فـي الدقة والتلاؤم.

٣ـ الدقة والتلاؤم:

إذا كانت البلاغة تعني اللفظ الواضح السهل السمح البعيد عن التقعر والغموض، الواصل بشكل حَسَن إلى الأفهام كما انتهى إليه ابن المقفع تنظيراً وتطبيقاً فـي كتاباته كلها؛ حتى حذا حذوه كل من جاء بعده؛ فجعلوا البلاغة مرتبطة باللفظ إذا كان (سمحاً، سهل مخارج الحروف فـي مواضعها؛ عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة) (١٥٩) فإن التلاؤم والإئتلاف بين الألفاظ فـي النظم، وبينها فـي هذه الحال وبين معانيها؛ وإنزالها بدقة فـي مواضعها إنما هي الشكل الأرقى للبلاغة وروح الجمالية المتقنة.

وقد برزت قَصْيدة ابن المقفع فـي استعمال الألفاظ الواضحة المتخيرة فـي ديباجة بديعة منتخبة عليها ماء الرونق وجودة السبك لتقع فـي مواضعها المناسبة من جهة وظيفتها ودلالتها على معانيها التي تعبر عنها فـي الوقت الذي تطابق حال المتكلم والمخاطب، أياً كانت منزلته؛ خليفة أو والياً أو صديقاً، قريباً أو بعيداً…

فالبلاغة ليست ألفاظاً ولا معاني؛ وإنما هي ألفاظ تدل على معانٍ بقَدَرٍ، وبصورة مثيرة جذابة… وليست كما اتفق… وقد برز الذوق الحضاري المرهف عند ابن المقفع عن حذق ومهارة فـي العربية لما اختزنه من أساليب دقيقة فـي التعبير عن المشاعر والأفكار؛ بيسر ووضوح… فكان كلامه فـي الدرجة العليا من التلاؤم والدقة حين عرف أقدار المعاني وأحوال الخطاب… فقسم كلامه بدقة على تلك الأقدار والأحوال… وما كتاب (الأمان) أو (رسالة الصحابة) إلا شكل فني دقيق يبين فيه ابن المقفع موافقته لحال السلطان وأفكاره… بينما رسالته إلى يحيى بن زياد التي أثبتنا منها مقطعاً قبل قليل تختلف كل الاختلاف عنهما، وكذلك تختلف جميعها عن وصيته لابنه؛ إذ يقول: (يا بني!! الصبر على كلمة تسمعها خير من ألف كلمة تطلب التخليص منها؛ فأكرم نفسك عما الخيرُ فـي غيره) (١٦٠).

فهذه الحكمة الرائعة تعبر بدقة متناهية عن معانيها، وتتلاءم فـي صورتها وطبيعتها مع حال المتكلم والمخاطب… وكذا نجد حاجته إلى الاقتصاد فـي اللفظ الدقيق فـي كتاب أرسل به إلى صديق له يعزيه عن ابنته؛ فقال: (جَدَّد الله لك من هبته ما يكون خلفاً لك بما رزئته، وعِوضاً من المصيبة به؛ ورزقك من الثواب عليه أضعاف ما رزأك به منها، فما أقل كثير الدنيا، فـي قليل الآخرة) (١٦١).

فالرسالة مقدودة على مقدار الحاجة فـي تخفيف لوعة الصديق، وتذكيره بأن عطاء الله على صبر من احتسب مصيبته عنده كبير وعظيم فـي الآخرة… ومن ثم هناك مشاكلة معنوية دقيقة بين الألفاظ والمعاني… تبعاً للموضوع وهو العزاء، وهي ألفاظ تغاير تماماً فـي الأسلوب ما رأيناه فـي نصيحته لابنه…

ومن ثم فهو يؤكد فـي تراكيبه، وكتاباته أنه يوجز ويطنب تبعاً لمقتضى الحال، ووفاء الموضوع حقه من المعالجة… بما يلائم كل جنس أدبي لهذا نشأت لديه الكتابة المتخصصة بالموضوعات الطويلة ذات الاتجاهات الفكرية الكبرى فـي التاريخ والسير، وفـي الحكم والمواعظ؛ وفـي الرسائل والعهود. أو فـي كليلة ودمنة… وربط بمهارة عالية بين العقل والجمال، وهو أحدث ما توصلت إليه النظرة الجمالية فـي عصرنا.

فقد ظهرت براعة ابن المقفع فـي أسلوب التلاؤم الدقيق بين الألفاظ والتراكيب وبين معانيها؛ من جهة؛ وبينها وبين مراعاة مقتضى الحال من جهة أخرى… مما جعل جمله جملاً موجزة قصيرة كما رأيناه فيما سبق؛ على حين قد تتدافع المعاني عليه وتزدحم فـي موضوع ما فيقف القلم ليتخيّرَ منها كل دقيق… إذ سئل عن هذا يوماً فقال: (إن الكلام يزدحم فـي صدري، فيقف قلمي ليتخيَّر) (١٦٢)، فلا تطول الكتابة، أو يطول الموضوع إلا عند الحاجة.

ولهذا يرى أحمد أمين أنه كان (غزير المعاني؛ إذا كتب ليست كتاباته جوفاء - ككثير من كتابات الناس - يمعن فـي اختيار المعنى؛ ثم يمعن فـي اختيار اللفظ له) (١٦٣) ثم يجري مجرى التذييل لتوليد المعاني على سبيل الاستشهاد على الأول والحجة على صحته. (١٦٤)

فعلمه الواسع وثقافته الغزيرة ودقة منهجه، كل ذلك ألزمه بمبدأ الدقة فـي الاختيار وإقامة التلاؤم فـي أساليب التصوير والتعبير عن المعاني، بحيث يأتي الموصوف بكل صفات الملاحة، ولا يكون تحته من المعاني ما يماثله أو يساويه كقوله فـي الطمع: (لا يطمعنّ ذو الكِبْر فـي حسن الثناء، ولا الخِبُّ فـي كثرة الصديق، ولا السيئ الأدب فـي الشرف؛ ولا الشحيح فـي المحمدة، ولا الحريص فـي الإخوان، ولا المَلكُ المُعْجَب بثبات الملك) (١٦٥).

فكل لفظ موضوع فـي جملته بإيجاز مكثف شديد الإيحاء، دقيق الدلالة… فالناظر المتأمل فـي هذا النص الرائع يدرك أن الحكم البليغة التي اشتمل عليها؛ إنما جعلت فـي عقد بهي من النظم الدقيق دون تعقيد أو غموض؛ ومن دون تقديم أو تأخير… ومن ثم يأخذ التوازن فـي العبارات طريقه إلى النفس ليترك فيها جمالية مثيرة؛ وتأثيراً متصاعداً كلما مضى من عبارة إلى أخرى…

هذا ما عنى به الجاحظ رونق الكلام؛ فـي دقته وتلاؤمه مع معانيه، ومع التأثير الذي يتركه فـي المتلقي. فالمؤاخاة فـي الأنساق التعبيرية؛ إذ كل نسق يسلم إلى الآخر بكثير من الائتلاف والتلاؤم من جهة النظم ومن جهة الإيحاء فـي المعاني… لتترك فـي المتلقي الاستجابة المثلى للإقلاع عن كل ما ينهى عنه ابن المقفع من رذائل مستقبحة فـي المجتمع…

وبهذا يؤكد ابن المقفع أن الدقة والتلاؤم فـي الأساليب النثرية ليستا مما يؤخذ من العرب بالتقليد، وإنما لكل شيء خَصائصه وطبيعته الفنية المبدعة إذا توافر لها مبدع متميز… فالذي يقع فيه التقليد الاستشهاد أو الاقتباس… وإن قدم هو الآخر بطريقة مبدعة كما سنراه عنده من بعد… وهذا ما قلناه فيه: إنه ارتقى ببعض الأساليب ورققها لتحسن فـي مواقعها دلالة ونظماً وإيقاعاً… ولا بأس علينا أن نشير إلى مثال آخر من كتاب (الأدب الكبير) فـي مخاطبة من يرغب أن يكون والياً فيقول: (وإياك؛ إذا كنت والياً؛ أن يكون من شأنك حُبُّ المدح والتزكية، وأن يعرف الناس ذلك منك، فتكون ثُلْمة من الثُّلَم يتقحَمون عليك منها، وباباً يفتتحونك منه؛ وغِيْبةً يغتابونك بها ويضحكون منك لها) (١٦٦).

فهذا الكلام على غاية من الدقة والتلاؤم فـي إرسال الحكمة الرائعة التي تصلح لكل زمان ومكان، وإذا كانت قد صلحت لزمان ابن المقفع، فهي أشد صلاحاً لحالنا، ومثله قوله: (يبقى الصالح من الرجال صالحاً حتى يصاحب فاسداً فإذا صاحبه فسد، مثل مياه الأنهار تكون عذبة حتى تخالط ماء البحر فإذا خالطته ملحت) (١٦٧).

فالألفاظ المدبجة المتخيرة فـي تراكيبها، وأساليبها البلاغية لائقة بهذا المعنى المرتبط بالسلطان… وهو ما تنطبق عليه مفاهيم البلاغة فـي الجزالة والفخامة والسمو والرشاقة… من جهة الوضوح والسهولة أولاً؛ ومن جهة الدقة والتلاؤم ثانياً، ومن جهة التوازن والإيجاز ثالثاً… ولا علاقة بهذا كله إن كان المعنى قديماً أو مولَّداً… فالمعاني التي يطرقها ابن المقفع مستحدثة… ولكنها جاءت فـي صيغ يتعلق بعضها ببعض على مقتضى المعنى والحال… وهي تتسربل بثوب البهاء والجمال.

ولعل الدقة والتلاؤم تبرز فـي حسن النسق وتلاحمه تلاحماً رائعاً وسليماً غير مستهجن ولا قبيح، فكل لفظ يردف بدقة متناهية فـي الجملة النثرية التي غدت كأنها البيت الواحد. وهذا ينطبق على كتاباته فـي كليلة ودمنة التي اتهمها الدكتور طه حسين بالضعف والركاكة؛ مما يحدونا فـي هذه السمة أن نستشهد بشاهد واحد لننتقل إلى سمة فنية أخرى فـي أساليبه… ونقتبس من حكاية «العلجوم والسرطان» هذا الشاهد؛ (فانطلق السرطان إلى جماعة السمك فأخبرهن بذلك. فأقبلن على العلجوم فاستشرنه، وقلن له: إنا أتيناك لتشير علينا؛ فإن ذا العقل لا يدع مشاورة عدوه، وبقاؤك ببقائنا) (١٦٨).

سنترك الآن دلالة هذه الجملة الرائعة على موضوع الاستشارة وأبعادها من جهة قيمتها، والعمل بها لنتوقف عند الدقة المتناهية فـي استعمال أسلوب النسق بحرف العطف الفاء الدال على ترتيب وتعقيب فـي خطوات الحدث، وتتابعه… فالترتيب فـي سياق الجمل المتفرعة عن الجملة الكبرى اقتضته البلاغة فـي الالتئام والاجتماع فيما بين الأنساق وفق الحدث الذي يجري… وهي تتابُع فـي سهولة وعذوبة؛ على ما قيل فـي النصوص المترجمة؛ وعلى ما قيل فـي ابن المقفع من أنه ليس أكثر من مستشرق يفهم العربية… وهو الذي استشهد الفصحاء بأقواله كالجاحظ (١٦٩) الذي أخذ منه حكماً بليغة مثل: (الجود بالمجهود منتهى الجود) و (الدَّين رِقٌّ فانظر عند من تضع نفسك).

ونختم كلامنا عن هذه السمة الفنية لنثر ابن المقفع من جهة الدقة العالية لديه فـي إيصال المعنى إلى السامع أن كلامه لا يحتاج إلى تأويل وتفسير، فالوضوح سمة للألفاظ، ومن ثم سمة للمعاني… ودقتها فـي أن كل لفظ يوضع فـي موضعه الملائم… ويبدو أن مفهوم الدقة والوضوح قد عِيْب فيه ابن المقفع، وذهبوا إلى أنه يقدم معانيه بأساليب مباشرة - غالباً - … وإننا لنرى فـي هذا المقام تأثير الحياة الحضارية والثقافة الفارسية فـي أساليبه العربية… وهو مما تجلى فيها… ولكن المباشرة لم تكن ممجوجة؛ ولا مستكرهة… وقد أنقذها من الابتذال والسطحية والضَّعف الدقة فـي اختيار الألفاظ والصور وتلاؤمها لكي تدل على معنى ما، ولا شيء آخر… لكن هذا لم يكن دأبه دائماً كما سبقت الإشارة إليه وكما سيتضح لنا مما يأتي…

٤ـ التوازن والترسل:

ما من أحد لم يعد يعرف أن ابن المقفع قد عاش فـي زمن بدايات النثر الفني العربي… وهو زمن ورث أساليب بلاغية وفنية فـي الكتابة مما تقدمه من الأزمان، مثل الازدواج والسجع والتوازن، والإرداف والترسل الذي بدأ على أيدي عبد الحميد الكاتب…

وكل من يتعقب أساليب ابن المقفع فـي هذا الاتجاه يلحظ بكل جلاء أنه قد عني ببعض منها وارتقى فيها عما جاء من قبل؛ بينما تراجعت أساليب أخرى حتى ظهرت باهتة فـي كتاباته… وما وقعت إلا فـي مواطن تقتضيها البلاغة فـي المقام والمعنى… وهذا ما نراه فـي أسلوب الازدواج والسجع… فمن يتصفح كتاب (الأدب الصغير) وهو عبارة عن حكم رصفت بعناية فائقة فـي أدب الصداقة والسلطان يجد عدداً يسيراً من العبارات التي انتظمت فـي الازدواج والتوازن، بينما أغلبه جاء على أسلوب التوازن المؤلف من ثلاث كلمات فأكثر؛ مقترناً بأسلوب الترسل (١٧٠). فما وقع فيه الازدواج قوله: (وعلى العاقل أن لا يكون راغباً إلا فـي إحدى ثلاث: تزد لمعَادٍ، أو مَرَمَّةٍ لمعاش، أو لذةٍ فـي غير محرم) (١٧١). فالازدواج مجيء فاصلتين من النثر متواليتين فـي كلمة أو كلمتين من دون سجع. ويبدو لي أنه حاول أن يسوق هذا النسق اللغوي الدقيق فـي أسلوب آخر، يسمى أسلوب التقسيم، وكأني به يربطه بحنكة عالية بأسلوب الازدواج (١٧٢) مما صيّر الحُسْن فـي التقسيم يضاهي الجمالية فـي الازدواج لديه… فوافق بذلك البلاغة البديعة… أما السجع فقد هرب من الفواصل المنتهية بحرف واحد فـي اللفظ إلى الصيغة

الصرفية (لمعادٍ - لمعاشٍ) وفيهما وقع - أيضاً - التجنيس بالألفاظ (١٧٣) مما أضفى جمالية أخرى على الأسلوب، وإن لم يكن يقصد إليه… وهو نادر فـي أساليبه إلا ما ورد على الفطرة، كقوله: (كلام اللبيب - وإن كان نزراً - أدب عظيم؛ ومقارنة المأثم - وإن كان محتقراً - مصيبة جليلة؛ ولقاء الإخوان - وإن كان يسيراً - غُنْم حَسن). (١٧٤)

وأنا لن أقف عند الاعتراض الرائع فـي هذا الكلام المتقن - ويسميه بعض البلاغيين الحشو - فإنما جرى فـي هذا الأسلوب القائم على الازدواج مجرى التوكيد والشرح والإيضاح على تكراره؛ لأن التكرار جاء بمقتضى المعنى؛ وإلا فسد، واختل (١٧٥). ومن هنا دخل فـي باب الدقة؛ والوضوح والتلاؤم مع أسلوب الازدواج… ولم يكن مجيئه عبثاً… فابن المقفع يقدم نصيحته إلى صديقه فيما يراه مفيداً له من الكلام البليغ الذكي الموجز الذي ارتفع عن الابتذال والسفه؛ ومن ثم يحرضه على لقاء الإخوان الذي يجعله غنيمة لكل لبيب… والازدواج كان قائماً على الابتداء فـي الكلام الأول معنى وتركيباً فـي نسق مترابط منسجم ينحدر كالماء الرقراق؛ فـي سياق مفهوم النثر المرسل غالباً.

وبناء على ذلك كله نرى أن الازدواج على شهرته فـي الخطابة والكتابة عند العرب فـي الجاهلية والإسلام قد تراجع عند ابن المقفع كثيراً، وما ورد فـي كتاباته لا يكاد يذكر، وكذلك هو السجع؛ فقد ندر فـي (الأدب الصغير والأدب الكبير) وغيرهما؛ إلا ما وقع منـه عفـو الخاطـر (١٧٦)، وإن كانت رسـائله الصغيرة فـي التعزيـة

والتهنئة والتحميد قد حظيت بشيء منه… ومما وقع منه فـي مطلع باب (الصداقة) قوله: (ابذل لصديقك دمك ومالك؛ ولمعرفتك رفدك ومحضرك؛ وللعامة بشرك وتحنُّنَك، ولعدوك عَدْلك وإنصافك، واضنن بدينك وعرضك على كل أحد) (١٧٧). ووقع السجع فـي رسالة كتبها يعزي عن ولد وهي (أعظم الله على المصيبة أجْرك، وأحسن على جليل الرُّزْءِ ثوابك؛ وعجَّل لك الخلف فيه؛ وذخر لك الثواب عليه) (١٧٨).

ولا يخالجنا شك فـي أن السجع كان نادراً بل عزيزاً فـي كتاباته ما عدا التحميدات التي وقع السجع فيها كثيراً، اقتداءً بأستاذه عبد الحميد الكاتب فـي التحميدات وغيرها. (١٧٩)

وأياً كان السجع الذي وقع عند ابن المقفع فإنما جاء عفو الخاطر كالإزدواج، ولم يكن متكلّفاً ولامتصنّعاً؛ فلم يقصد إليه ولم يعن به كما ذهب إليه بعض الباحثين. (١٨٠)

ومن هنا نرى أنه عوض عن هذه الأساليب القديمة بأساليب جديدة ارتقى فيها بعيداً عما عرف فـي أواخر العهد الأموي، وهو أسلوب الترسل والقص الذي ساد فـي كتابه (كليلة ودمنة) وأسلوب الترسل والتوازن الذي ساد فـي (الأدب الصغير والكبير) وأسلوب الترسل الذي ساد فـي (رسالة الصحابة) و (اليتيمة) ورسالته إلى يحيى بن زياد… وقد ترابط أسلوب الترسل مع التقسيم تارة ومع التفريع والتكرير تارة أخرى على مبدأ تكثيف عددٍ من الأساليب فـي سياق واحد لتتضح جمالية الكتابة لديه. ويلحظ المرء أن الترسل والتوازن قد حقق للتراكيب جاذبية عالية فـي الإيقاع والإثارة؛ مما خلق استجابات عالية فـي النفس لمتابعة الفكرة التي يعرض لها، ثم استيفاء عناصرها الفنية والجمالية… ومن الأمثلة على هذا قوله: (لا ينفع العقل بغير وَرَع؛ ولا الحفظ بغير عقل؛ ولا شدة البطش بغير شدة القلب، ولا الجمال بغير حلاوة؛ ولا الحَسَب بغير أدب ولا السرور بغير أمن؛ ولا الغِنى بغير جود، ولا المروءة بغير تواضع؛ ولا الخفض بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق. ) (١٨١)

فالتراكيب قائمة على أسلوب الترسل المتوازن المعتدل الذي وَفَّر إيقاعاً مثيراً وجميلاً فـي جذب المتلقي… لكنه لم يكن عائقاً فـي الكلام… فالتوازن أغنى عن السجع والإزدواج فـي آن معاً، وقام مقامهما… فـي جماليتهما وأضاف للترسل قيمة فنية كبرى وهو يتتابع لاستيفاء المعاني، لأن كل جملة تكاد تعادل أختها.

ولهذا قد يرتبط أسلوب الترسل والتوازن مع التفريع فـي الجمل والتقسيم… وهذا أسلوب أليق بالنثر منه بالشعر، وإن وقع فـي هذا… فإذا كانت مفاصل الكلام متعادلة كانت جميلة وإذا تفرعت؛ وقسمت زاد استحسانها فـي النفس، ومن ثم تظهر الجملة الصغرى جزءاً من أختها، وهي تنتمي فـي اتصال وثيق إلى الجملة الكبرى. فالجمل شديدة التلاحم كل جملة تسلم إلى الأخرى كما نراه فـي قوله: (خمسة غير مغتبطين فـي خمسة أشياء يتندمون عليها: الواهن المفرط إذا فاته العمل؛ والمنقطع من إخوانه وصديقه إذا نابته النوائب، والمستمكن منه عدوه لسوء رأيه إذا تذكر عَجْزه، والمفارق للزوجة الصالحة إذا ابتلي بالطالحة، والجري على الذنوب إذا حضره الموت) (١٨٢).

فابن المقفع حاول استقصاء المعاني الخمسة المطلوبة، فطفق يقسمها ليصل إلى إيضاحها واحداً إثر آخر منتقلاً من العام إلى الخاص… على سبيل التفريع لا الاستطراد المعروف، الذي برع فيه الجاحظ من بعدُ.

ومن أحسن ما وقع فـي الترسل المتوازن المرتبط بالتقسيم والتفريع قوله: (اعلم أن الصبر صبران: صَبْر المرء على مايكره، وصبره عما يحب؛ والصبر على المكروه أكبرهما وأشبههما أن يكون صاحبه مضطراً. واعلم أن اللئام أصبر أجساداً وأن الكرام هم أصبر نفوساً) (١٨٣). وقوله: «إن الحسد خُلق دنيء، ومن دناءته أنه موكّل بالأدنى فالأدنى» (١٨٤).

وقد يلحظ المرء أن هناك تكراراً فـي الألفاظ… ولكنه تكرار مقصود لذاته على سبيل التفريع والتوكيد والتوضيح للفكرة الكبرى المطروحة فـي بداية التراكيب…

ولهذا كله يصبح التوازن مقارباً لأسلوب الموازنة وإن خلا أحياناً من الإيقاع (١٨٥) ومُشَاكِلاً لأسلوب المماثلة أكثر مما يشاكل المساواة؛ لأن المساواة تعني أن يساوي اللفظ المعنى فلا يزيد عليه ولا ينقص… على حين أن المماثلة تعني التماثل فـي إيقاع الألفاظ المفردة وزنتها دون التقفية (١٨٦). بينما التوازن يقع فـي التراكيب المتقاربة فـي العدد والحجم.

وهذا لا يعني أن أسلوب التوازن كان رفيقاً مطرداً لأسلوب الترسل فـي إرسال الجملة المعبرة عن المعنى واستقصائه حتى يأتي عليه… فكتابات ابن المقفع - غالباً - تخلصت من السجع والازدواج واعتمدت نثراً متأنقاً رقراقاً تفوق به على عبد الحميد الكاتب، ثم تفوق الجاحظ به عليهما؛ ولا سيما فـي سمة الاستطراد والتصوير اللتين رافقتا الترسل عنده.

وإذا كان أسلوب الترسل قد ظهر بوضوح فـي كتابيه (الأدب الصغير والأدب الكبير) واعتمده فـي (رسالة الصحابة) و (اليتيمة) ورسالته إلى (يحيى بن زياد) فإنه جمع بين هذا الأسلوب وأسلوب القص فـي (كليلة ودمنة) وإن فصل فيما بينهما إذا اقتضى الحدث أو الفكرة ذلك منه… فهو يبدأ حوارياً ثم يتابع مترسلاً؛ كقوله (قال كليلة: أخبرني عن رأيك وما تريد أن تعزم عليه فـي ذلك. قال دمنة: أما أنا فلست اليوم أرجو أن تزداد منزلتي عند الأسد فوق ما كانت عليه. ولكن ألتمس أن أعود إلى ما كانت حالي عليه. فإن أموراً ثلاثة؛ العاقل جدير بالنظر فيها والاحتيال لها بجهده: منها النظر فيما مضى من الضر والنفع؛ أن يحترس من الضر الذي أصابه فيما سلف لئلا يعود إلى ذلك الضر، ويلتمس النفع الذي مضى ويحتال لمعاودته. ومنها النظر فيما هو مقيم فيه من المنافع والمضار؛ والاستيثاق مما ينفع، والهرب مما يضُر؛ ومنها النظر فـي مستقبل ما يرجو من قبل النفع وما يخاف من قبل الضر ليستتم ما يرجو ويتوقى ما يخاف بجهده) (١٨٧).

وإذا كان المرء يحرص على هذا المثال فلأنه يبين أن التقسيم هنا ومن ثم التفريع لا يشابه ما مر فـي النص السابق، فهو يترافق مع الترسل القائم على الجملة الطويلة؛ فضلاً عن انسجامه مع طريقة السرد الذاتي… بعد الحوار المعروف بين الشخصيات؛ وهو ما يدعى بالحوار الخارجي، علماً أن الازدواج قل ذكره فـي أسلوب كليلة ودمنة (١٨٨).

وليس هناك من شك فـي أن هذا النص مترجم عن نص آخر من أصل هندي؛ بيد أن شخصية ابن المقفع تظهر بقوة فـي النص المترجم من جهة أسلوب السرد القصصي المعتمد على الجملة الطويلة المعبرة بدقة عن المعنى المراد… مما يؤكد أن ابن المقفع أدخل إلى النثر حقولاً جديدة من المعارف، فـي الوقت الذي أدخل إلى الكتابة العربية حقل الترجمة ذاته… فقد قدم بأسلوبه الطريف البديع الثقافة الهندية ومزجها بالثقافة العربية لتصبح ثقافة إنسانية. فقد نقل ذلك بأسلوب عربي فصيح استوفى تحليل الأبعاد الذاتية والنفسية والموضوعية للفكرة… وفـي آن معاً استوفى أسلوب التكثيف فـي الجمع بين أكثر من أسلوب بلاغي.

لهذا مزج بين أساليب العربية، وأساليب اللغة الفهلوية معاً فـي التعبير عما يريد؛ فاتجه إلى المباشرة فـي تناول معانيه من دون الوقوع فـي السطحية والابتذال والإسفاف والسوقية… ومن دون الوقوع في الغرابة والتعقيد المنفر في اللفظ والجملة… فكان يسعى إلى إبراز معانيه بتراكيب واضحة ودقيقة الدلالة فلجأ إلى الجمل القصيرة المنتزعة من أساليب الفرس… وحين تخلى عن سعة الجملة العربية التي تعنى عناية فائقة بالإحاطة والشمول لعدد غير محدود من المعاني والأفكار؛ فإنه مزج بين الجملة العربية والجملة اللغوية الفارسية، فقسم الجملة الطويلة إلى جمل قصيرة ذات معان محددة…

وبهذا تم له التوفيق بين أساليب العربية وأساليب الفارسية، ومزجها مزجاً أدبياً حضارياً… فجاءت لغة الترسل وأسلوبها فـي ثوب جميل مثير يجتمع على حكم رائعة فـي مختلف الموضوعات التي عالجها.

بقي علينا أن نشير إلى فكرة أخيرة فـي مفهوم أسلوب الترسل كنمط فـي الكتابة النثرية وهي فكرة تتعلق بمنهج هذا الأسلوب… ونتساءل هل الأسلوب واحد أو متماثل؟ ‍!

والإجابة على هذا تكون فـي النفي… فهو لم يتبع منهجاً واحداً فـي كتاباته الترسلية؛ فمن الرسائل ما كتبت على أنها مذكرة فخلت من العناصر الأساسية للرسالة كما تعارف عليها الناس فـي كتابات العصر الأموي، كرسالة الصحابة واليتيمة؛ ومنها ما كتبت على أساس أبواب معرفية، يكتبها صاحبها لنفسه وإن كان المقصود منها أشخاصاً محدودين يتوجه بها إليهم؛ مثل باب (السلطان) فـي (الأدب الكبير)، ومثل (كليلة ودمنة) … ومنها ما كتبت رسالة موجهة إلى شخص بعينه، ومن ثم يرسلها إليه… ومنها ما تكون للتحميد والثناء على الله، وهذا فن ترسلي ابتدعه عبد الحميد الكابت، له سماته الخاصة.

وحين نتابع هذين النمطين نجد أن ابن المقفع تخلى عن عناصر الرسالة المنهجية التي عرفت فـي صدر الإسلام والعهد الأموي… فلم نجد لديه البسملة والعنوان والتحية والتحميد والصلاة فـي جميع كتاباته، فهناك قسم أول يشتمل على عبارة التخلص مثل (أما بعد) و (المضمون) (١٨٩) وقسم ثانٍ تخفف من عبارة التخلص، ولم يبق إلا المتن ككتاب له بعث به إلى صديق له بمناسبة رزقه بمولودة، فقال: (بارك الله لكم فـي الابنة المستفادة، وجعلها لكم زيناً، وأجرى لكم بها خيراً، فلا تكْرَهها؛ فإنهن الأمهات والأخوات والعمات والخالات؛ ومنهن الباقيات الصالحات، وربًّ الغلام ساء أهله بعد مسرتهم؛ وربَّ جارية فرَّحت أهلها بعد مساءتهم) (١٩٠) وقسم ثالث فيه عبارة التخلص وتحية الختام (١٩١).

فسنترك دلالة هذه الرسالة الموجزة القصيرة ذات العبارات الرقراقة المنسابة انسياب الماء الهادئ، وسنترك دلالتها على صحة إيمانه، وابتعاده عن المانوية التي ترى المرأة مصدر شر، فيزهد المانوي فـي النساء والخمر… ولكننا لن نترك عناصر الترسل التي قامت عليها… إنه لا يوجد منها إلا (المضمون) وكاف الخطاب الذي يدل على المرسل إليه وإن لم يعرف… ويظل للتحميد طبيعة خاصة سنتحدث عنه مستقلاً فيما يأتي.

٥ - التحميد والإرداف:

اقترن التحميد فـي الرسائل بعنصر التوحيد فـي مقدمة كل رسالة؛ بحيث يعبر الكاتب عن شكره لله سبحانه ويثني عليه، ثم يتابع كتابة عناصر الرسالة؛ كما فـي رسالة (الحسين (ع) ) إلى أهل الكوفة: «بسم الله الرحمن الرحيم؛ من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم؛ فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد؛ فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني …» (١٩٢) فلما جاء عبد الحميد بن يحيى الكاتب … أخذ يبدأ بعبارة التخلص فـي رسائله، وقلده فـي ذلك ابن المقفع؛ ثم جعل التحميد أشبه برسالة يقوم على موضوع بعينه، كأن يثني على الله - تعالى - حامداً إياه على فتح جديد أمام الإسلام فـي بلد من البلدان (١٩٣)؛ أو أن يخصصه لتعظيم نبي الأمة (عليه أفضل الصلاة والسلام) (١٩٤)؛ أو يثني عليه شكراً وعرفاناً …. (١٩٥).

وبهذا اتخذت التحميدات لنفسها موضوعات خاصة؛ فـي الوقت

(٥٧) انظر مثلاً: الأدب الصغير ٤٤ - ٤٥ والأدب الكبير ١١٦ و ١٢٢ و ١٢٦ - ١٢٧ وجمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٨.

(٥٨) الأدب الصغير ٤٦.

(٥٩) انظر مثلاً: الأدب الصغير٤٠ والأدب الكبير ١١٣ و ١١٨ و ١٢٢ و ١٢٩ وجمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٦.

(٦٠) الأدب الصغير ٢٣.

(٦١) الأدب الصغير ٢٥.

(٦٢) الجامع الصغير من حديث البشير النذير ٢ / ٣٧٤ رقم ٧٤٧٢.

(٦٣) الأدب الكبير ١١٤.

(٦٤) الأدب الكبير ١١١.

(٦٥) الجامع الصغير رقم ٤٤٢٣.

(٦٦) ديوان أبي الأسود الدؤلي ٤٠٤ وراجع مضمون حاشية (٤ و٢٥ و٢٦ و٢٧) من الفصل الأول.

(٦٧) الأدب الصغير ٢٩.

(٦٨) الأدب الصغير ٤١.

(٦٩) انظر الأدب الكبير ١٣٣.

(٧٠) الأدب الصغير ١٩.

(٧١) انظر الجامع الصغير من حديث البشير النذير ١ / ٥١٩ رقم ٣٨٢٧.

(٧٢) الأدب الصغير ٤١.

(٧٣) الأدب الكبير ١١٥.

(٧٤) أمالي المرتضى ١ / ١٣٦ - ١٣٧ وانظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٤.

(٧٥) الجامع الصغير ٢ / ١٥٤ رقم ٥٧١١ وانظر رقم ٥٦٥٦.

(٧٦) الأدب الصغير ٤٥.

(٧٧) الأدب الكبير ١٣١.

(٧٨) الأدب الصغير ٢٨ - ٢٩.

(٧٩) الجامع الصغير من حديث البشير ٢ / ١٥٣ رقم ٥٧٠٤.

(٨٠) الجامع الصغير من حديث البشير ٢ / ١٥٤ رقم ٥٧١٣.

(٨١) الأدب الصغير ٣٨ - ٣٩.

(٨٢) الجامع الصغير١ / ١٥٢ رقم ٥٧٠٠.

(٨٣) الجامع الصغير رقم ٥٦٥٥.

(٨٤) انظر قصة الأدب الفارسي ١ / ١٠١.

(٨٥) الجامع الصغير ٢ / ٤٢٥ رقم ٧٨٩٥.

(٨٦) الأدب الصغير ٥٨ - ٥٩؛ والوَدْك: الدهن الأبيض.

(٨٧) الأدب الكبير ١٣٣.

(٨٨) الجامع الصغير من حديث البشير رقم ٢٥٧٥.

(٨٩) الأدب الكبير١٠٢ - ١٠٣.

(٩٠) الجامع الصغير رقم ٢٥٧٦.

(٩١) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٤ (رسالة الصحابة) وانظر الأدب الصغير ٣١.

(٩٢) جمهرة رسائل العرب ٢ / ٤٠٦، رقم الرسالة ٥٠٥.

(٩٣) الأدب الكبير ٧٥.

(٩٤) انظر جمهرة رسائل العرب٣ / ٣٦.

(٩٥) الأدب الصغير ٤٣.

(٩٦) انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٣٤.

(٩٧) انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٣٤.

(٩٨) الأدب الكبير ٨٩، وانظر كليلة ودمنة ١١ - ١٢ وبعد، و ٥١ - ٥٣ و ٧٣.

(٩٩) انظر مثلاً: سورة النساء، ومريم، والمجادلة، والممتحنة…

(١٠٠) انظر مثلاً: الجامع الصغير ٢ / ٢٤٣ - ٢٤٤ رقم ٦٣٦٤ و ٦٣٧٠، وانظر فيه رقم ٦٥٦١.

(١٠١) الجامع الصغير رقم ٢٥٦٠.

(١٠٢) الأدب الكبير ١٢٢.

(١٠٣) الأدب الكبير ١٢١.

(١٠٤) الأدب الكبير ١٢١.

(١٠٥) الجامع الصغير ١ / ٨٢ رقم ٦٢٤.

(١٠٦) الجامع الصغير ١ / ٢٨٤ رقم ٢١١٣.

(١٠٧) الأدب الكبير ١٢٢.

(١٠٨) الجامع الصغير ٢ / ١٦ رقم ٥٤٤٣ وانظر فيه رقم (٥٤٤١ و ٥٤٤٢).

(١٠٩) انظر أمراء البيان ١١٩.

(١١٠) انظر الصناعتين ٦٤.

(١١١) هناك كتب ألفت فـي النساء منذ القديم، وقد بلغت أكثر من (٧٠) كتاباً كما ذكرها الأستاذ الدكتور صلاح الدين المنجد فـي مجلة مجمع اللغة العربية (مجلد ١٦ جزء (٥ - ٦) صفحة ٢١٢ - ٢١٩) لسنة ١٩٤١م… وقد أضيف إلى ماذكره الكثير. ويلحظ المرء أن الرجال هم الذين بدؤوا بالتأليف عن المرأة وكان يونس الكاتب (ت ١٣٥هـ) المعاصر لابن المقفع أول من جمع أخباراً تتصل بالقيان، وعرف بكتاب (القيان) لكنه فقد مع غيره من الكتب التي ألفت بعده؛ وكلها تتجه اتجاهاً مغايراً لما صنعه ابن المقفع، ويمكن ذكر بعض منها مثل (النساء للهيثم بن عدي: ت ٢٠٩هـ) و (أخبار النساء وغيره للمدائني: ت٢٢٥هـ) و (النساء للجاحظ: ت ٢٥٥هـ) والنساء والغزل لابن قتيبة: ت ٢٧٦هـ) وكلها مفقودة؛ وإن وصلت رسالة القيان والجواري للجاحظ؛ وهي ضمن كتابه (رسائل الجاحظ) وعنوان مقالة د. المنجد (ما ألف فـي النساء).

(١١٢) انظر الصداقة والصديق ١٠.

(١١٣) الصداقة والصديق ٢٨ وانظر فيه ٢١.

(١١٤) انظر الصداقة والصديق ٢١ و٢٣٢ و٣٤٨ على سبيل المثال.

(١١٥) انظر الصداقة والصديق ٤٥ و٣٥٧ على سبيل المثال.

(١١٦) الأدب الكبير ١٠٨.

(١١٧) الأدب الكبير ١١٢.

(١١٨) الأدب الكبير ١٢٦ - ١٢٧.

(١١٩) الأدب الكبير ١٢٧، وانظر مثلاً كليلة ودمنة ٧٨ - ٧٩ و ٩٣ و ٩٦….

(١٢٠) الأدب الكبير ١٣٣ - ١٣٤.

(١٢١) الأدب الكبير ١٢٥.

(١٢٢) انظر البيان والتبيين ١ / ١١٥ - ١١٦ والصناعتين ٢٣ و١٥٣ و١٩٣ والعمدة ١ / ٢٤٣، وانظر حاشية ١٤٢ مما يأتي.

(١٢٣) انظر الأدب الكبير ٦٧ - ٦٩.

(١٢٤) الأدب الصغير ٤٧ - ٤٨.

(١٢٥) انظر الأدب الكبير ٧٥ - ٧٦.

(١٢٦) انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٣٢ - ٤٠ (رسالة الصحابة) والأدب الصغير ٢٣.

(١٢٧) الأدب الصغير ١٧ - ١٨.

(١٢٨) الأدب الكبير ٦٧ - ٦٨.

(١٢٩) انظر مثلاً: الصناعتين ١٧١ و المثل السائر ١ / ٩٦ - ٩٧ و ١٠٠.

(١٣٠) أمالي المرتضى ١ / ١٣٦.

(١٣١) انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٠ ومابعدها فـي كتب التهنئة والتعزية والدعوة إلى الإخاء.

(١٣٢) انظر ضحى الإسلام ١ / ١٩٥.

(١٣٣) انظر جمهرة رسائل العرب ٢ / ٤٠٦ - ٤٥٥ (رسالة رقم ٥٠٥) و ٤٦٠ - ٤٦٤ (رسالة رقم ٥٠٧).

(١٣٤) راجع ماتقدم حاشية ٦٤ و٧٤ و٩٣ و٩٤ ومضمونها من الفصل الثاني، وانظر صفحة ٩٨ - ١١١ مما تقدم.

(١٣٥) انظر مثلاً: المثل السائر ١ / ٩٦ - ٩٧ و ١٠٠.

(١٣٦) العمدة ١ / ٢٥٧ وانظر مثلاً: الصناعتين ١٥٩ - ١٦٠.

(١٣٧) انظر عيار الشعر ١٩ و١٢١ و ١٤٦ والعمدة ١ / ٢١٧ ومابعدها.

(١٣٨) عيار الشعر ٩٣.

(١٣٩) انظر عيار الشعر ١٩ و١٢١ و١٤٦ والعمدة ١ / ٢٣٧ - ٢٣٨ والصناعتين ١٧٥.

(١٤٠) عيار الشعر ٢٠ وانظر الصناعتين ١٥٤.

(١٤١) عيار الشعر ٢٥ وانظر المثل السائر ١ / ٩٦ - ٩٧.

(١٤٢) نقل ابن رشيق هذا الخبر فـي العمدة ١ / ٢٤٣ عن البيان والتبيين ١ / ١١٥ - ١١٦، ووقع فيه شيء من التغيير، انظر البيان … والصناعتين ٢٣ وزهر الآداب ١ / ١٤٥ - ١٤٦ وغيرهما ممن روى مفهوم ابن المقفع للبلاغة، وراجع حاشية ١٢٢ مما تقدم.

(١٤٣) انظر الصناعتين ٦٩.

(١٤٤) أمالي المرتضى ١ / ١٣٧، وكان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قد سبق إلى مفهوم الإحكام فـي تلاحم أجزاء الكلام، ووضوحه من دون تعقيد، ولا تقديم ولا تأخير حينما حكم على شعر زهير بقوله: «كان لا يعاظل بين الكلام ولا يتبع وَحْشيّه» طبقات فحول الشعراء ١ / ٦٣، ثم أخذه ابن المقفع، وزاد عليه، ومن ثم تبعه من جاء بعده فـي الرأي مثل قدامه بن جعفر حين تحدث عن عيوب اللفظ فـي (نقد الشعر ١٧٢) وابن عبد ربه فـي العقد الفريد ٤ / ١٨٩ - ١٩٠، وأبي هلال العسكري فـي الصناعتين ١٥٩ - ١٦٠ والحصري فـي زهر الآداب ١ / ١٦٢…

(١٤٥) العقد الفريد ٤ / ١٨٩ - ١٩٠.

(١٤٦) أمالي المرتضى ١ / ١٣٦.

(١٤٧) أمالي المرتضى ١ / ١٣٧ وعنه أخذ قدامة سمات اللفظ الفصيح، انظر نقد الشعر ٧٤ ومضمون حاشية ١٥٩ مما يأتي.

(١٤٨) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٦٢.

(١٤٩) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٦.

(١٥٠) أمالي المرتضى ١ / ١٣٧.

(١٥١) انظر البيان والتبيين ٣ / ٢٩ و ٤ / ٢٤ وابن المقفع ١٢٧ ودراسات فـي الأدب المقارن ١٧٩.

(١٥٢) انظر من حديث الشعر والنثر ٣٢ - ٣٣ و ٤٨ - ٤٩.

(١٥٣) الصناعتين ٨١.

(١٥٤) العمدة ١ / ٢٤٧.

(١٥٥) انظر ابن المقفع ١٢٩ - ١٣٥.

(١٥٦) انظر حاشية ١٥٢ مما تقدم، وابن المقفع ١٢٩ - ١٣٠.

(١٥٧) كليلة ودمنة ١١٣.

(١٥٨) العقد الفريد ٤ / ١٧٩.

(١٥٩) نقد الشعر ٧٤.

(١٦٠) الفاضل فـي صبغة أدب الكامل ٢ / ١٥.

(١٦١) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٦ - ٥٧.

(١٦٢) زهر الآداب ١ / ١٥٤ وانظر ضحى الإسلام ١ / ١٩٨ وابن المقفع ٢٧.

(١٦٣) ضحى الإسلام ١ / ١٩٨.

(١٦٤) انظر الصناعتين ٤٧٠.

(١٦٥) الأدب الصغير ٥٩.

(١٦٦) الأدب الكبير ٧٣.

(١٦٧) كتاب الصناعتين ٢٦٧.

(١٦٨) كليلة ودمنة ٦٠.

(١٦٩) البيان والتبيين ٣ / ١٧٤ و ٣٦٧ على الترتيب، ونحوه فـي الرواية فـي عيون الأخبار ١ / ١٦٦، وفيه حكم أخرى.

(١٧٠) انظر مثلاً: الأدب الصغير ٤٠ و٥١ و٦٢ والأدب الكبير ٦٧.

(١٧١) الأدب الصغير ٢٧.

(١٧٢) انظر مثلاً: الأدب الصغير ٥٣ والأدب الكبير ٧٧ و ١١٤.

(١٧٣) انظر تحرير التحبير ١٠٢ وبعد، و ٤٥٢ والمثل السائر ١ / ٢٦٨.

(١٧٤) الأدب الصغير ٣٤.

(١٧٥) انظر: الأدب الصغير ٥٨ والأدب الكبير ١١٤ عن ظاهرة التكرار والازدواج.

(١٧٦) انظر مثلاً: الأدب الكبير ١٠٢.

(١٧٧) الأدب الكبير ١٠٢.

(١٧٨) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٦ وانظر فيه ٦٠ و ٦١.

(١٧٩) انظر مثلاً: جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٣ - ٥٤، تحميد لابن المقفع، ووازن بينه وبين تحميدات عبدالحميد الكاتب فـي الجمهرة نفسها ٢ / ٤٦٩ - ٤٧٢.

(١٨٠) انظر الفن ومذاهبه فـي النثر العربي ٣٨ - ٣٩.

(١٨١) الأدب الصغير ٥٠.

(١٨٢) الأدب الصغير ٥٠.

(١٨٣) الأدب الكبير ١١٤ وانظر فيه ٧٧ و ٧٩ - ٨٠ و ١٠٥ و ١١٥ و ١١٦.

(١٨٤) بهجة المجالس ١ / ٤١٠.

(١٨٥) انظر تحرير التحبير ١٩٧ (المساواة) و ٢٩٧ (المماثلة) و ٣٨٦ (الموازنة).

(١٨٦) تحرير التحبير ٢٩٧.

(١٨٧) كليلة ودمنة ٥٨ - ٥٩.

(١٨٨) انظر مثلاً: كلية ودمنة ١٣١.

(١٨٩) انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٤ كتاب رقم ٣٠ / ٥٧ رقم ٣٨ و ٥٨ رقم ٣٩ و ٥٩ رقم ٤١ و ٦١.

(١٩٠) انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٥ وانظر فيه كتاب رقم ٣١ و ٥٦ رقم ٣٣ و ٣٤ و ٣٥ و ٣٦ و ٥٧ رقم ٣٧ و ٥٨ رقم ٤٠ و ٦٠ رقم ٤٤.

(١٩١) انظر مثلاً جمهرة رسائل العرب٣ / ٦٠ كتاب رقم ٤٣ و ٦١ رقم ٤٦.

(١٩٢) انظر جمهرة رسائل العرب ٢ / ٨٠.

(١٩٣) انظر جمهرة رسائل العرب ٢ / ٤٧٠.

(١٩٤) انظر جمهرة رسائل العرب ٢ / ٤٧٠ - ٤٧١.

(١٩٥) انظر جمهرة رسائل العرب ٢ / ٤٦٩ - ٤٧١.

***

التحميد أشبه برسالة يقوم على موضوع بعينه، كأن يثني على الله تعالى حامداً إياه على فتح جديد أمام الإسلام فـي بلد من البلدان (١٩٦)؛ أو أن يخصصه لتعظيم نبي الأمة (ص) (١٩٧)؛ أو يثني عليه شكراً وعرفاناً …. (١٩٨).

وبهذا اتخذت التحميدات لنفسها موضوعات خاصة؛ فـي الوقت

الذي اتخذت أيضاً أساليب محددة غلبت عليها كالإزدواج والاتزان؛ والسجع والتكرار؛ والاقتباس من القرآن مع التضمين؛ والإرداف، أو التتبيع. والتحميد والثناء على الله وتوحيده، وشكره كان مقتصراً على (فصل الخطاب) بعبارة قصيرة كما رأينا فـي كتاب الحسين (ع)؛ بينما غدا طويلاً يبلغ صفحات أحياناً يستقصي فيه الكاتب أغلب معاني الثناء والشكر على الله.

واقتفى ابن المقفع أثر أستاذه فكتب هذا النمط الفني المبتكر؛ لا ليمارس فيه روح الإعجاب والتقليد، ولكن ليقول: إنه على منهج أستاذه فـي الكتابة والإيمان بالله …فالتحميدات تحمل من النفحات الروحية الإيمانية، ما لا يوجد فـي أي كتابة أخرى؛ وكأنها تشبه قصائد المدح النبوي …فحين يمن الله على الإنسان بالإيمان، لابد له من أن يحمده ويجدَّ فـي شكره على هذه النعمة الكبرى …مما يصل به إلى راحة نفسية عظيمة فـي نهاية المطاف …ومن هنا نجد العاطفة المتأججة التي تسيطر على الكاتب مما يجعله يكرر كثيراً في صيغه أو إيقاعاته، أو أفكاره، ويضمن معاني القرآن أو يقتبسه بلفظه ومعناه. ولو لم تكن هذه النفحات الإيمانية تغمر روح ابن المقفع لما كتب مثل هذا النمط من التحميدات وتخلى عنه دون أن يعيبه إنسان ما …وبهذا يمكننا أن نثبت جزءاً من التحميدات التي قالها خالصة لتعظيم الله، وإعزازه لدين الإسلام: «الحمد لله ذي العظمة القاهرة، والآلاء الظاهرة؛ الذي لا يعجزه شيء، ولا يمتنع منه، ولا يُدْفع قضاؤه ولا أمره؛ (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون ( (يس ٣٦ / ٨٢). والحمد لله الذي خلق الخلق بعلمه؛ ودبّر الأمور بحكمه، وأنفذ فيما اختار واصطفى عزمه؛ وبق

درة منه عليها، وملكة منه لها (لامعقب لحكمه ( (الرعد ١٣ / ١٤). ولا شريك له في الأمور، (يخلق ما يشاء ويختار ( (القصص ٢٨ / ٦٨). ماكان للناس الخيرة فـي شيء من أمورهم (سبحانه وتعالى عما يشركون ( (القصص ٢٨ / ٦٨). بل إن كلمة ما كان للناس الخِيَرة، مأخوذة من الآية نفسها مع تبديل كلمة واحدة ونص الجملة فـي الآية السابقة من سورة القصص (ما كان لهم الخِيَرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون (».

ثم يتابع قوله: «والحمد لله الذي جعل صَفْوة ما اختار من الأمور دينه الذي ارتضى لنفسه، ولمن أراد كرامته من عباده، فقام به ملائكته المقربون، يعظّمون جلاله؛ ويقدسون أسماءه، ويذكرون آلاءه؛ لا يستحسرون عن عبادته ولا يستكبرون» (١٩٩) والعبارة الأخيرة نص آية وقع فيه تقديم وتأخير، ونصها (لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ( (الأنبياء ٢١ / ١٩).

ونكتفـي بهذا القسم من التحميد المطول عنده، وفيه ظهرت أصول التحميد التي أرساها أستاذه فـي هذا النمط من الكتابة الفنية النثرية؛ وفيها أظهر مهارة عجيبة فـي اقتباس آيات من القرآن، وتضمين آياتٍ أخرى فـي معانيها تلميحاً وإشارة …فـي الوقت الذي اعتمد على الإزدواج المسجوع فـي فواصله النثرية …وعلى التكرار المثير والمعبر ولا سيما فـي عبارات الحمد والتوحيد …

وأياً كان أمر هذا التحميد فـي دلالته المعنوية والإيمانية والأسلوبية فإننا نستخلص منه أمراً آخر؛ هو أن الكتابة النثرية الفنية فـي العهد العباسي قد أخذت قواعد معينه فـي العديد من أصناف الكتابة… معتمدة أحياناً على الموروث من الثقافة الفارسية، وأحياناً على الموروث من الثقافة العربية …وفـي هذا النمط من التحميدات كان يعتمد الموروث من الثقافة العربية، ويجعله مصدره الأساسي لكتابته وبخاصة القرآن الكريم …وقد استطاع أن يستمد منه أبعاداً فنية وفكرية هيأت له تلك المهارة فـي صناعة أسلوب التحميد …ولم يكن هذا الأسلوب منه لأن هذا الأسلوب يحتل من نفوس المسلمين مكانة أثيرة، لذلك اعتمده فـي هذا النّص …كما زعمه براون (٢٠٠).

ولو كان الأمر على ما ذهب إليه براون لاستكثر منه ابن المقفع، ولكنه كان يتفق مع صحة إيمانه، والتعبير عنه، وهو القائل: «ومن أخذ بحظه من شكر الله وحمده ومعرفة نعمه والثناء عليه والتحميد له فقد استوجب بذلك من أدائه إلى الله القُرْبة عنده، والوسيلة إليه، والمزيد فيما شكره عليه من خير الدنيا وحسن ثواب الآخرة» (٢٠١).

لعلنا بذلك قد أوضحنا سمة أسلوب التحميد فـي بعض كتاباته، التي استندت فيما استندت إليه إلى الإرداف أو الترادف أو التتبيع … فقد يريد المتكلم معنى يعبر عنه بلفظ ما حتى يستوفيه ثم يردفه (يتبعه) بلفظ آخر قريب من الردف وينوب عنه (٢٠٢).

وهذه الظاهرة الأسلوبية تزيد المعنى وضوحاً وجلاء؛ على أن لا يكثر منها الكاتب. وحين نقرأ النص السابق فـي التحميد عند ابن المقفع نجد أن الإرداف متتابع فـي أسلوبه وإن لم يكن فـي بقية كتاباته بهذه الكثرة… وهو أحد الأساليب القرآنية المعجزة. ولنأخذ المقطع قبل الأخير من تحميده وفيه يقول: «والحمد لله الفتاح العليم، العزيز الحكيم؛ ذي المَنّ والطَّوْل؛ والقدرة والحَوْل؛ الذي لا ممسك لما فتح لأوليائه من رحمته؛ ولا دافع لما أنزل بأعدائه من نقمته، ولا راد لأمره فـي ذلك وقضائه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد» (٢٠٣) فلو تأمل أحدنا هذا النص لوجد أن الإرداف يشيع فيه (ذي المن والطول) مع (القدرة والحَول) و (لا دافع لما…) مع (ولا راد لأمره…) و (يفعل ما يشاء) و (يحكم ما يريد). فكل جملة تقارب أختها فـي المعنى، وهو معنى قائم على التوكيد والإيضاح.

وهكذا اتضح لنا أن أسلوب التحميد جمع العديد من أساليب البلاغة العربية؛ وفـي طليعتها أسلوب الإرداف الذي عرف فـي الشعر العربي، والقرآن الكريم كما مثل له ابن رشيق وابن أبي الإصبع (٢٠٤) فابن المقفع يعتمد على تكثيف عدد من الأساليب فـي سياق فني واحد …كما انتهينا إليه …

ومن هنا نتساءل إذا كانت أساليب الإرداف والازدواج والتضمين والاقتباس والتكرار قد اجتمعت معاً فـي التحميد… فهل نجد هذا التكثيف عاماً فـي كتاباته…؟ !

والإجابة: لا …فالإرداف - مثلاً - ومثله الإزدواج قلَّ أن وقع فـي كتاباته الأخرى بما فيها الرسائل …ويمكن أن نقع عليهما معاً فـي رسائله، لكن على ندرة كما فـي قوله: «…ويقوّم أوَدَهم؛ ويلزمهم مراشد أمورهم» وقوله: «هم بَهاء فنائه؛ وزينة مجلسه» (٢٠٥). وكذلك رأينا الإرداف فـي رسالة له يصف فيها أحد إخوانه؛ ومنها: «إني مخبرك عن صاحب لي كان أعظم الناس فـي عيني؛ وكان رأس ما عظّمه فـي عيني صغر الدنيا فـي عينه؛ كان خارجاً من سلطان بطنه؛ فلا يتشهّى ما لا يجد؛ ولا يكثر إذا وجد. وكان خارجاً من سلطان فرجه فلا يدعو إليه ريبة …» (٢٠٦) ومما وقع من الإرداف فـي الأدب الكبير قوله: «…وإما عبث بالقول؛ وإرسال للسان على غير روية ولا حسن تقدير، ولا تعويد له قول السداد والتثبت» (٢٠٧).

أما فـي كليلة ودمنة فهو نادر جداً، على الرغم من أن هذا الأسلوب ينسجم تماماً مع أسلوب القص لأنه يفيد الشرح والتوضيح فـي صفات الكلام المتماثل معنى المترادف لفظاً، كما فـي قوله: «ومن لا يقدّر لطاقته طعامه وشرابه، وحمّل نفسه ما لا تطيق - ولا تحمل - فقد قتل نفسه. ومن لم يقدّر لُقَمَتَه، وعظَّمَها فوق ما يسع فوه غص بها فمات» (٢٠٨).

وأخيراً نؤكد أن هناك أسلوباً أساسياً يجعله ابن المقفع كالأصل ثم يعضده بأساليب أخرى تعززه وتوضحه …ولكن هذا لا يعني أنه يستخدم تكثيف الأساليب بشكل مطرد …بل أحياناً يطغى أسلوب أو أكثر على بعض كتاباته ويصبح شائعاً فيها كالإطناب فـي حجم الرسائل وحجم الجملة الذي جاء على حساب الإيجاز فـي كثير من الأحيان عنده …وإن كان ممن يعتمد الإيجاز …فهو يرى السكوت والاستماع بلاغة لأنه يرغب فـي قلة الكلام إذا أفاد …لكن إذا كان لا بد من الإطناب فعلى الكاتب أن يأخذه به.

وهذا كله يدل على تمرس بالعربية وحذق فيها لا يقل عن حذقه بالفارسية؛ مما جعل عباراته قوية متماسكة؛ إذ كل معنى يُفضي إلى المعنى الآخر بيسر ودقة، وكأن عباراته سلسلة مترابطة يأخذ بعضها برقاب بعض …وهذا ما نراه فـي استعماله لأسلوب الإيجاز والإطناب على السواء.

٦ - الإيجاز والإطناب:

ما ذكر الإيجاز إلا تذكر الإنسان الإطناب، وكذلك المساواة التي أدخلها الرماني فـي الإيجاز …فحين يساوي اللفظ معناه يكون إيجازاً؛ لأن الإيجاز استيفاء الغرض من العبارة بأقل الألفاظ المعبرة. وهو يختلف عن أسلوبي التلميح والإشارة …اللذين يعدان كاللمحة الدالة على معانٍ كثيرة …بينما الإيجاز يقوم على حذف بعض الألفاظ، ويسمى إيجاز الحذف؛ دون أن يخل بالمعنى؛ لأن السياق يدل عليه؛ وهو ما أكثر منه الشعراء …أو يكون عدولاً عن ألفاظ إلى ألفاظ أقل تحمل المعاني ذاتها، فتأتي موجزة (٢٠٩).

فالعناية بالمعاني فـي هذا الأسلوب لا يكون على حساب الألفاظ حتى تعرّى من أوصافها؛ وإنما يكون بهما معاً. «ومثال هذا كالجوهرة الواحدة بالنسبة إلى الدراهم الكثيرة» (٢١٠).

أما الإطناب فيكون فـي تطويل الكلام الذي يفيد معنىً إضافياً، وربما يقع فـي التكرار مما يجعل الألفاظ أكثر من المعاني …وبهذا يكون عكس الإيجاز… «وهو - فـي أصل اللغة - مأخوذ من أطنب فـي الشيء إذا بالغ فيه». وحَدّه «زيادة اللفظ على المعنى لفائدة. فهذا حده الذي يميزه من التطويل؛ إذ التطويل زيادة اللفظ عن المعنى لغير فائدة» (٢١١).

وهكذا يكون التكرار إذا أفاد معنىً إضافياً ما فهو إطناب وإلا فهو تطويل. ولذلك نرى أن تعريف البلاغة إنما هو إبلاغ المتكلم بعبارته كُنهَ مراده مع الإيجاز بلا خلل، وإطالة من غير إملال… مما ينبغي أن يوجز فيه فـي مقام وفي موضوع لا يصح له إلا الإيجاز… وإذا كان المقام والموضوع يطلبان الإطناب فلابد منه؛ ولكل مقامه… ولهذا قيل: البلاغة «قليل يفهم، وكثير لا يُسْأم» وروى المفضل تعريف البلاغة بأنها «الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل» (٢١٢).

وأياً كانت تعاريف البلاغة عند النقاد والبلاغيين، واللغويين فغاية المتكلم إبلاغ المخاطب حاجته من الكلام بأسلوب دقيق يؤدي إلى إفهامه… فهي مرتبطة بالمقام والموضوع …ولكن العرب قديماً كانوا أميل إلى الإيجاز، فأبلغ «الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه؛ وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه» (٢١٣) …وعُدّ الإيجاز من أدب المرؤوس مع الرئيس، وهو «الإتيان بقليل اللفظ الدال على المقصد، حتى لا يكون فيه شُغْل للرئيس بطول الكلام وبَسْط القول» (٢١٤).

وحينما نرجع إلى ابن المقفع ندرك أنه استعمل الإيجاز والإطناب كل فـي موضعه؛ فرسائله الاجتماعية إلى أصدقائه فـي حالة العزاء والتهنئة أو ما شاكلهما اعتمد فيها على الإيجاز، مع التقصير فـي الرسالة …بينما (رسالة الصحابة) أو (اليتيمة) أو رسالته إلى (يحيى بن زياد) فهي من الرسائل المطولة فـي الحجم، والمعتمدة على الجملة المرسلة المتحدرة بيسر وسهولة …علماً بأنه يجمع بين مفهوم الإيجاز والإطناب على السواء من جهة الألفاظ والمعاني …وربما يميل إلى جهة الإطناب فيها لأنها مستندة إلى الشرح والتعليل لجملة من القضايا المطروحة فـي كل منها؛ كما نجده فـي رسالة الصحابة، ومنها: «ومما يُذكّر به أمير المؤمنين، أمر الأرض والخراج؛ فإن أجسم ذلك وأعظمه خطراً، وأشده مُؤْنة، وأقربه إلى الضَّياع؛ ما بين سهله وجبله، ليس لها تفسير على الرساتيق والقرى؛ فليس للعمال أمر ينتهون إليه، ولا يحاسبون عليه؛ ويحول بينهم وبين الحكم على أهل الأرض بعدما يتأنّقون لها فـي العمارة؛ ويرجون لها فضل ما تعمل أيديهم …» (٢١٥).

فنراه يعيد على سبيل الإرداف بعض المعاني، ومن ثم يبدي جملة من الآراء؛ ويشرح حالة المزارعين …ويحذر الخليفة من سوء صنيع العمال معهم …وهذا يعني أنه يعرض جملة من الحقائق والمعارف، ويحاجج عنها، ولا سيما حين يضع العلة قبل المعلول. فإنما يحتاج إلى أسلوب الإطناب …ولكن هذا لا يمنعه من التوفيق بينه وبين أسلوب الإيجاز فـي الرسالة تبعاً للموضوع والمقام، ومثاله: «فأما اختلاف الأحكام، فإما شيء مأثور عن السلف غير مجمع عليه، يدبره قوم على وجه؛ ويدبره آخرون على وجه آخر، فينظر فيه إلى أحق الفريقين بالتصديق وأشبه الأمرين بالعدل. وإما أجراه على القياس، فاختلف وانتشر بغلط فـي أصل المقايسة، وابتداء أمر على غير مثاله» (٢١٦).

فإقامة المعلول على العلة شديد الوضوح فـي هذا المثال، وهو يعمد إلى أسلوب التقسيم والتفريع للشرح والتوضيح، ولكنه فـي آن معاً كان ملتزماً ببعض العبارات الموجزة التي ترك للمتلقي تدبرها؛ كقوله فـي المأثور عن السلف؛ وفـي إجراء القياس فلم يشرح أياً من الأمرين …

ويبقى الإطناب فـي هذه الرسالة وما ذكرناه الأسلوب المفضل عنده؛ إذ يناسب مقام التفخيم فـي حالة المخاطب؛ ومقام الشرح والتعليل فـي بيان أسباب كل مسألة يعرض لها فـي الموضوع الذي يعالجه، وهو مقام يبتعد عن عبث المتكلمين وأهل الكلام.

أما الإطناب فـي كليلة ودمنة فله شأن آخر، فهو يأتي بمقتضى مفهوم السرد والقص فـي كثير من الأحيان، فضلاً عن الشرح والتوضيح والتعليل؛ وإن وقع هذا فـي بعض أقواله؛ كقوله: «ثلاثة لا آراء لهم: صاحب الخُفّ الضيق، وحاقن البول؛ وصاحب المرأة السليطة» (٢١٧).

فإذا جئنا إلى كتابي (الأدب الصغير والأدب الكبير) وجدناه يفضل الإيجاز على الإطناب …مما جعله حكمة مرصوفة بألفاظ رشيقة غزيرة المعاني، مشرقة العبارة (٢١٨) ساد فيها حلاوة الاستخدام بأسلوب طلبي يكثر فيه أسلوب النهي والأمر عادة… لكنه الأمر الذي يفيد الالتماس، دون أن يتخلى عن الجملة الخبرية.

ومن هنا فقد جمع فـي أسلوب الإيجاز جزالة العبارة الموحية بالمعاني الكثيرة - وهو أثر عربي خالص - وبين حلاوة أسلوب الطلب المثير للتساؤل والعقل؛ وهذا أثر فارسي خالص …

فابن المقفع كان يختصر ويوجز فـي عباراته، وهذا أبعده عن أسلوب الإرداف والإطناب والتكرار الذي عرفناه فـي رسالة التحميد وما ذكرناه قبل قليل.

ونرى فـي هذا المقام أنه استطاع أن يمزج بين نمطين من الحضارة الأدبية؛ حضارة أدبية عربية قديمة تفضل الإيجاز… وحضارة أدبية عربية معاصرة تفضل الإطناب بعد أن امتزجت بالثقافات الأخرى؛ وانتقلت من البادية إلى الحاضرة… فحين كان الأديب يختصر كلامه ويوجز فيه فإنما هدفه أن يحفظ الكلام… ومن هنا اعتمد الشعر القديم الوحدة الجزئية فـي البيت… ليسهل حفظه وروايته…. بينما أصبحت الحاجة ملحة للإطناب فـي الحاضرة لمعالجة جملة من شؤون الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولهذا لابد من البسط فـي القول شرحاً وتحليلاً، فكان الإطناب؛ ونهض النثر ليقوم بهذه المهمة مما أدى إلى ازدهار الكتابة الفنية… وفـي هذا السياق جاء كتاب كليلة ودمنة…

ولعل أسلوب الإطناب كان وراء ضَعف التصوير فـي رسائله المتنوعة، على حين ظل التصوير من خصائص (كليلة ودمنة) علماً بأن التصوير كان أحد أساليب النثر فـي صدر الإسلام - على سبيل المثال.

ولكي نستدل على ما قلناه فـي الأدب الصغير والكبير نقدم هذا المثال الجامع للحكمة والنصيحة البارعة، حيث يقول: «إذ هممتَ بخير فبادر هواك؛ لا يغلبك؛ وإذا هممت بشرّ فسَوِّف هواك؛ لعلك تظفر. فإن ما مضى من الأيام والساعات على ذلك هو الغُنم. لا يمنعنك صِغر شأن امرئ من اجتناء ما رأيت من رأيه صواباً» (٢١٩). ويقول: «احذر خصومة الأهل والولد والصديق والضعيف، واحتجّ عليهم بالحجج. لا يوقعنّك بلاء خلصت منه فـي آخر؛ لعلك لا تخلص منه. الوَرِع لا يُخدع، والأريب لا يُخدَع» (٢٢٠). وقوله: «اعلم أن المُلك ثلاثة: مُلك دِين، ومُلك حزم، وملك هوىً» ثم يشرح ذلك ويعلله فيقول: «فأما ملك الدين فإنه إذا أقام للرعية دينهم؛ وكان دينهم هو الذي يعطيهم الذي لهم، ويلحق بهم الذي عليهم؛ أرضاهم ذلك؛ وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي فـي الإقرار والتسليم. وأما مُلك الحزم فإنه يقوم به الأمر ولا يسلم من الطعن والتسخّط. ولن يضر طعن الضعيف مع حزم القوي. وأما ملك الهوى فلِعبُ ساعة ودمار دهر» (٢٢١).

فهذا الكلام الموجه للسلطان على غاية من الدقة فـي الدلالة… قام على أسلوب الإيجاز والإطناب… وهو إطناب جاء من أسلوب التقسيم والإرداف…

أما ما يتعلق بالأمثلة من كليلة ودمنة، فإن أسلوب القص والترميز سيشتمل على شيء منها… وهو حديثنا التالي.

٧ - القَصُّ والترميز:

الرمز لفظ كنائي موحٍ إيحاءً بعيداً بالمعنى الحقيقي بينما يوحي بمعنى آخر قريب …فالرمز قناع لفظي لمعنى لا نُريد التصريح به؛ ولعل الإشارة والتلميح يماثلان الرمز، لكنهما ليسا متطابقين معه على وجود التشابك فـي هذا، كما فـي قوله تعالى: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً ( (آل عمران ٣ / ٤١) فالإشارة تكون باليد أو الوجه، أو العين، أو الحاجبين …فهو فـي اللغة باللفظ من غير إبانة، وبغيرها بما يكنّى عنه مما أشرنا إليه (٢٢٢).

ومن هنا نجد أن الترميز ليس غريباً عن العرب، استعملوه قديماً فـي الشعر كما وجدناه - مثلاً - فـي شعر لقيط بن يعمر الإيادي (٢٢٣)، ثم جاء فـي القرآن الكريم …وكذلك كان لديهم أسلوب القصة الشعرية المكثفة الدلائل المستندة إلى الصورة الشعرية كما نجده فـي مشاهد الحيوان، والحكايات العجائبية وغيرها فـي الشعر الجاهلي والإسلامي (٢٢٤)؛ إذا تجاوزنا الإشارة إلى قصص الأمثال التي تُلخِّص بعبارة شديدة التكثيف حكاية وقعت لهذا أو ذاك كما هو المثل المشهور: لأمر ما جدع قصير أنفه (٢٢٥). ثم اعتمد القرآن مبدأ القص (القصص). ثم وقع القص فـي كتب التاريخ والمغازي، ككتاب (المغازي) للواقدي، وفـي كتب السيرة النبوية؛ كسيرة ابن اسحاق فـي سيرة المصطفى، وقد هذبها، وأعاد توثيق أشعارها ابن هشام (ت ٢٠٤ هـ) فـي كتابه المشهور (السيرة النبوية) … وكل هذه الكتب جاءت تالية لزمان ابن المقفع، وكذلك جاءت المقامات ورسائل إخوان الصفا المتأثرة بآثاره.

وهذا يعني أن كل باحث مُنصف للنثر القصصي يرى أن ابن المقفع أول من فتح أنظار العرب على القصة المكتوبة فـي كليلة ودمنة؛ وإن عرف بعض العرب أشكالاً من قصصها تناولتها الذاكرة الجماعية بعد أن ترجمت باللغة السريانية للمرة الأولى؛ ثم ضاعت الترجمة إلى أن جاء ابن المقفع (٢٢٦) فترجمها من جديد.

فالقَّصُّ فعل القاص؛ وقَصَّ القصّة بينها أَحسن بيان، لقوله تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص ( (يوسف ١٢ / ٣) والقَصُّ: الإخبار؛ لقوله تعالى: (فلما جاءه وقصَّ عليه القصص؛ قال لا تخف … ( (القصص٢٨ / ٢٥).

وقصصت الشيء إذا تتبعت أثره شيئاً بعد شيء؛ والقاص الذي يأتي بالقصة (٢٢٧).

وأما القصة باعتبارها فناً أدبياً نثرياً فلم يعرفه العرب قديماً إلا على يد ابن المقفع فهو «أول الذين فتحوا للناس بابها» فـي كليلة ودمنة (٢٢٨)، ثم جاء بعده أدباء ألّفوا فـي السير الشعبية كسيرة عنترة؛ وذات الهمة… ولكن هذا كله لا يتجه وفق مفهوم ما هو معروف فـي عصرنا؛ إذ كان للأوربيين فضل تطوير هذا الفن… بيد أننا حين نطبق عناصر هذا الفن وأسلوبه على ما قام به ابن المقفع فـي الكتاب المشار إليه …فإنه يعدُّ بجدارة رائد هذا الاتجاه فـي الأدب العربي المنثور، وإن لم يرمِ إليه قصداً، ومن ثم لم ينظّر له …إذ جاء عفوياً باعتبار ما بنيت عليه حكايات (كليلة ودمنة)، بيد أنه حقق جماليات فنية عالية في دقة اختيار ألفاظه وإنزالها منازلها من جودة النسج، والقدرة على التصوير الموحي.

فابن المقفع أفاد من الأصل الهندي لحكايات هذا الكتاب؛ المبنية على القص والترميز فـي آن معاً؛ ثم حمّله همومه ومشكلات عصره الاجتماعية والسياسية …لذا تدخل فـي بناء كل قصة لتنسجم مع أهدافه؛ كما ظهر فـي المقدمة التي وضعها له …لهذا قيل: إن ابن المقفع كان يؤلف الكتاب من جديد وهو يترجمه. فعالم الحيوان - لديه - كان ينطق بأمور كثيرة لا يمكن للإنسان أن يبوح بها فـي إطار المواجهة مع السلطان أو غيره… ولهذا تبنى مستويين للسرد؛ مستوىً باطنياً ضمنياً يختزن أفعال الشخصيات ومواقفها؛ ومستوىً ظاهرياً تعبر عنه الأفعال باعتبار ما توحي به عن السارد الحقيقي… ولكن ابن المقفع أشعرنا أنه خارج المسرود (المكتوب)، وكأنه خارج الزمن السردي.

وهنا تلزمنا الإشارة إلى أن أنسنة عالم الحيوان كانت معروفة منذ القديم؛ لاستنطاقه بما يحمله الكاتب من أفكار وأهداف… وهذا ما يجعله مشابهاً لحكايات تأبط شراً عن الغيلان؛ فما ظهرت فـي قصصه الشعرية إلا لتؤكد تفرده (٢٢٩). وكذلك يشابه ما نجده فـي حكاية (الحية الصفراء) عند النابغة الذبياني؛ التي نطقت عنه بمصير الإنسان الطماع (٢٣٠).

وقد لزمتنا هذه الإشارة؛ لكي ننبّه على أن بناء حكايات (كليلة ودمنة) تغاير فـي طرائقها وأساليبها ما عرف فـي الحكايات الخرافية العربية …لتقترب من الحكايات الرمزية الحديثة شرقاً وغرباً؛ ولا سيما ما يرتبط بالدور الرمزي للشخصيات، وبطرائق السرد والحوار، وبخاصة السرد الوصفي.

وربما كانت لغة القص والسرد معروفة فـي كتبه الأخرى التي تحدثت عن سير ملوك فارس مثل (خداي نامه) و (آيين نامه) و (التاج فـي سيرة أنوشروان) لكنها لاتماثل ماعرفناه فـي كليلة ودمنة كما يبدو مما نقل عنه ابن قتيبة فـي كتبه، مثل عيون الأخبار.

وإذا كنا لا نعلم بالضبط كيفية طرائق السرد القصصي فـي مثل تلك الكتب فإن من نقل عنها يوحي بأنها لا تخرج عما نعرفه اليوم بمفهوم القصص المعروفة فـي تراجم الشخصيات …ولا شيء أدل على هذا من أن ابن المقفع كان يجتمع إليه الناس فـي سوق (المِرْبد) من البصرة، ويرددون عليه ما كتبه (٢٣١) هذا إذا تغافلنا عن الفردوسي الذي بنى كتابه (الشاهنامه) أو (تاريخ ملوك فارس) على منهج ابن المقفع فـي كتبه المشار إليها …واستقى منها كثيراً عن أخباره وحكاياته؛ كما نظن (٢٣٢).

وتبقى حكايات كليلة ودمنة متفردة فـي هذا الاتجاه، وتعد فـي النّمط الأعلى من الحكايات النثرية الخرافية العجائبية باعتبار أنها تستند إلى السرد الرمزي الوصفـي والحواري المتنوع …بما يقع على لسان الشخصيات؛ سواء كان سرداً داخلياً أم سرداً خارجياً يجري بينها …وهو المعتمد غالباً، فالشكل السردي يسير في خطين متوازيين متكاملين متناغمين ليتداخل الزمن السردي التاريخي والمعرفي والخطي بالسارد الداخلي….

بهذا كله استطاع ابن المقفع أن يمارس كتابة القصة بكل عناصرها الفنية المعروفة اليوم وإن لم ينظر لها …مما مَهّد الطريق لمن جاء بعده كالمعري مثلاً فـي قصة الغفران وكتاب القائف (٢٣٣) فقد وفر لها عناصر الحدث والزمان والمكان والحوار والشخصيات؛ ثم عرضها بطريقة جذابة ومتسلسلة فـي البداية والوسط والنهاية…

وأي قصة من قصصه يمكن أن تكون مثالاً لذلك كله؛ دون أن يسهو عن طبيعة الحوار والسرد بما يناسب مستوى الشخصيات ثقافة ومنزلة؛ ويناسب الموضوع الذي يعالجه؛ ويتفق مع الوظيفة والغاية التي يرمي إليهما …

لهذا كانت كل حكاية موضوعة لهدف ووظيفة يغايران الحكاية الأخرى؛ سواء كانت ذات هدف أخلاقي أم سياسي أم اجتماعي… وسواء كانت الوظيفة تربوية أم نفسية أم خلقية أم سياسية… وهذا وفّر له التنوع فـي الموضوعات وفـي طرائق التعبير، إذ كانت الجملة تطول أو تقصر تبعاً لذلك …ومن ثم كان القالب التعبيري يفرض بصورته المرسلة المباشرة، أم بصورته المرسلة الرمزية.

وهذا كله يفرض علينا أن نقدم شواهد تؤكد ما ذهبنا إليه؛ فمن شواهد السرد الذاتي الذي جاء بلسان الراوي قوله فـي مثل الرجل الهارب من الفيل: «فالتمست للإنسان مثلاً؛ فإذا مَثله مَثل رجل نجا من خوف فيلٍ هائج إلى بئر فتدلى فيها وتعلّق بغصنين كانا على سمائها. فوقعت رجلاه على شيء فـي طي البئر. فإذا حيّات أربع قد أخرجن رؤوسهن من أجحارهن، ثم نظر فإذا فـي قعر البئر تنين فاتح فاه منتظر له ليقع فيأخذه. فرفع بصره إلى الغصنين فإذا فـي أصلهما جُرذان أسود وأبيض وهما يقرضان الغصنين دائبين لا يفتران.

فبينما هو فـي النظر لأمره والاهتمام لنفسه إذ بَصر قريباً منه بخليّة فيها عَسل فذاق العسل فشغلته حلاوته وألهته لذته عن الفكرة فـي شيء من أمره، وأن يلتمس الخلاص لنفسه. ولم يذكر أن رجليه على حيّات أربع لا يدري متى يقع عليهن. ولم يذكر أن الجرذين دائبان فـي قطع الغصنين، ومتى انقطعا وقع على التنين. فلم يزل لاهياً غافلاً مشغولاً بتلك الحلاوة حتى سقط فـي فم التنين فهلك.

فشبّهت بالبئر الدنيا المملوءة آفات وشروراً ومخافات وعاهات» (٢٣٤).

إن كل فاحص لهذا النص السردي الوصفـي الذي لجأ إليه الراوي كاتب القصة يدرك الهدف من لجوئه إلى هذه الطريقة… فهو يبغي أن يعرض فكرته والهدف منها دون أن يشوش عليها أي شيء …ولذلك قص هذه القصة المحكمة النسج، من البداية حتى النهاية …إنها أقصوصة متكاملة البناء - فـي عرف هذه الأيام - وهي تقوم على اللغة المرسلة التي تخلت عن السجع والازدواج، والتوازن والإيجاز، والتكرار والإرداف… واختارت الجملة المرسلة القائمة على أسلوب الإطناب، دون أن تقع فـي الإسفاف والضّعف…

وإذا كان الحوار الخارجي يطول عادة على لسان بعض الشخصيات لأنه يناسب الهدف من مفهوم تشخيص كل فكرة أو حالة وشرحها وبيان علتها ليضع لها الدواء الناجح …فإن هذا الحوار الرشيق الدقيق الجذاب قد يقصر أيضاً كما نراه فـي هذا المقطع الحواري بين كليلة ودمنة؛ «قال كليلة: وما يدريك أن الأسد قد التبس عليه أمره؟ ! قال دمنة: بالحس والرأي أعلم ذلك منه؛ فإن الرجل ذا الرأي يعرف حال صاحبه، وباطنَ أمره بما يظهر له من دَلّه وشكله. قال كليلة: فكيف ترجو المنزلة عند الأسد، ولست بصاحب السلطان، ولا لك علم بخدمة السلاطين وآدابهم وآداب مجالسهم؟ ! قال دمنة: الرجل الشديد القوي لا ينوء به الحمل الثقيل وإن لم تكن عاداته الحمل؛ والرجل الضعيف لا يستقل به؛ وإن كان ذلك من صناعته» (٢٣٥).

وكل من يتأمل هذا النص الحواري القصصي يدرك مدى الوضوح والترسل السلس المترابط فـي جمله، والدال على معناه بشكل صريح …وهو يخالف النّص السابق له من جهة الترميز والاستعارة. وكلاهما يدلان على قوة التخيّل المبدع ودقة تعبيرهما، فـي الوقت الذي يبرزان مدى الملكة الإبداعية، والقدرة الذهنية التخيلية فـي جمع الصور المختزنة للوظائف النفسية والخلقية والفكرية.

فالرمز بكل مكوناته الاستعارية والكنائية، ومجازاته المرسلة خلق حيوية فعّاله لطريقة السرد فـي إطارها الزماني والمكاني والهدف الذي ترمي إليه؛ فأبعدها عن السأم والملل على الرغم من طول المقطع عنده …وهذا ما يمكن أن نراه فـي أمثاله …فابن المقفع خلق نوعاً مثيراً من الانزياح اللغوي والدلالي ليصل إلى ما يريد؛ باعتبار أن الرمز لديه إنما هو عملية انحراف فـي اللفظ لكي يصل إلى المعنى البعيد، وهو المقصود …وبهذا ينطبق عليه مفهوم تعريف الرمز بأحدث صوره عند مورييه فيقول: «هو شيء محسوس للدلالة على إحدى صفاته» (٢٣٦). وهذا يبعده عن التعمية والإلغاز، أو التلميح الشديد الخفاء …دون أن ننسى أن وضوح الرمز فـي حكاياته يتفاوت فـي درجاته بين واحدة وأخرى (٢٣٧).

هكذا يظل فـي كليلة ودمنة علماً فرداً فـي أسلوب القص والترميز، لم يستطع من جاء بعده من العرب أن «يتقدموا بالقصة نفسها - مع الأسف - إلى أبعد من الحد الذي وصل إليه» (٢٣٨).

ومن هنا أعاد المحدثون النظر فيها فتركت آثارها واضحة فـي خيالهم القصصي والفني؛ ودفعت مخيلتهم إلى تجسيد حكاياتها بصور طريفة ورسوم تصطبغ بالألوان والأشكال والأحجام؛ مثلما اصطبغت قصص كليلة ودمنة. فالأديب اللبناني (أحمد حسن طبارة) أظهر خمساً وثمانين لوحة فنية لخيالات حيواناتها، واستعان فيها - غالباً - بالأديب المصري مصطفى لطفـي المنفلوطي (٢٣٩).

وقبل أن ننتقل إلى أسلوب التضمين نشير إلى أن لغة السرد والحوار قد وقعت فـي كتابيه (الأدب الصغير والأدب الكبير)؛ ولكنها جاءت بمقتضى الوظيفة والدلالة والغاية؛ ولم يكن ابن المقفع يقصد إليها من جهة البناء القصصي …ويستدل على هذا بقوله: «قال رجل لحكيم: ما خَيْر ما يؤتى المرء؟ قال: غريزة عقلٍ. قال: فإن لم يكن؟ قال: فتعَلُّم علمٍ. قال: فإن حُرمَه؟ قال: صدق اللسان. قال: فإن حرمه؟ ! قال سكوت طويل. قال: فإن حرمه؟ ! قال: ميتة عاجلة» (٢٤٠).

فهو يريد أن يقدم عدداً من الحكم، فساقها على سبيل القصة الحوارية… وقد تكون من بعض محفوظه… وهي تدل على تظرف؛ لكنه تظرف لا يدخله فـي باب الزندقة؛ كما ذهب إليه بعض الباحثين، مؤيداً رأيه بشهرة الزنادقة بالتظرف (٢٤١). وكان ابن المقفع ظريفاً، كما يرويه البيهقي فـي قصة واقعية وقعت للرجل، قيل فيها: «أتى رجلٌ ابن المقفع فـي حاجة فلم يصل إليه، وكان مستثقلاً له؛ فكتب بيتاً فـي رقعة وأرسل به إليه:

هل لذي حاجة إليك سبيل

وقليل تَلبُّثي لا كثير

فوقّع عليه:

أنت يا صاحب الكتاب ثقيل

وقليل من الثقيل كثيرُ

فأجابه الرجل:

قد بدأتَ الجواب منكَ بفُحشٍ

أنت بالفحش والبذاء جدير

فضحك وقضى حاجته» (٢٤٢).

فالسرد القصصي ولاسيما الحوار الخارجي يختلف فـي هذه الحكاية الواقعية عما نجده فـي كتبه الأخرى كالأدب الصغير الذي أشرنا إلى بعض أمثلة منه …فالحوار جاء مكتوباً، شائقاً وجذاباً ودلّ على نمط من التوقيعات الشعرية التي استحدثت بعد صدر الإسلام…

وكذلك روى الجاحظ قصة أخرى رواها عن ابن المقفع قال: «روى أصحابنا عن عبد الله بن المقفع قال: كان ابن جُذام الشبي يجلس إليّ، وكان ربما انصرف معي إلى المنزل، فيتغدى معنا ويقيم إلى أن يُبْرد. وكنت أعرفه بشدة البخل، وكثرة المال. فألح علي فـي الاستزارة، وصمّمْتُ عليه فـي الامتناع. فقال جعلت فداك أنت تظن أني ممن يتكلف، وأنت تشفق علي؟ ! لا والله؛ إن هي إلا كُسَيرات يابسة، وملح، وماء الحَبّ. فظننت أنه يريد اختلابي بتهوين الأمر عليه وقلت: إن هذا كقول الرجل: يا غلام؛ أطعمنا كِسْرة، وأطعم السائل خمس تمرات. ومعناه أضعاف ما وقع اللفظ عليه. وما أظن أحداً يدعو مثلي إلى الخُرَيبة من الباطنة، ثم يأتيه بكِسرات وملح.

فلما صرت عنده، وقَرّبه إلي؛ إذ وقف سائل بالباب فقال: أطعمونا مما تأكلون؛ أطعمكم الله من طعام الجنة. قال: بورك فيك. فأعاد الكلام، فأعاد عليه مثل ذلك القول. فأعاد عليه السائل؛ فقال: اذهب - ويلك - فقد ردوا عليك. فقال السائل: سبحان الله! ما رأيت كاليوم أحداً يُرد من لقمة؛ والطعام بين يديه. قال: اذهب؛ ويلك، وإلا خرجت إليك - والله - فدققت ساقيك. قال السائل: سبحان الله!! ينهى الله أن يُنْهر السائل؛ وأنت تدق ساقيه؟ !! فقلت للسائل: اذهب وأرح نفسك؛ فإنك لو تعرف من صِدق وعيده مثل الذي أعرف، لما وقفت طرفة عين، بعد رده إياك» (٢٤٣).

لا مرية فـي أن هذا النص يدل على مهارة ابن المقفع فـي السرد القصصي، والإيماء بقدرة عجيبة إلى العديد من الآيات القرآنية التي ضمنها إياه …فـي الوقت الذي يدل على سخائه وكرمه …وتواضعه فـي معاشرة هذا البخيل - وقاك الله شر مثله ـ.

ومن ثم فإن فطنته وظرفه هما اللذان قدما النّصيحة لذلك السائل بأنه لن يلقى أحسن مما لقيه هو فـي استزارة هذا البخيل، فقد صدق ما وعده به إذ قدّم له فقط كُسيرات وملحاً وماء الحَبّ… فلو عرف السائل صدق هذا البخيل مع ابن المقفع لما وقف فـي الباب طرفة عين …

فالقصة تشرح نفسها؛ لكنني آثرت إبراز ملامحها لنتساءل كيف استقام للدكتور حمزة أن يجعلها هي وسابقتها دليلاً على زندقة ابن المقفع؟ ! (٢٤٤).

بقي علينا أن نشير إلى أن الحوار فـي هذه القصة يخالف ما وجدناه فـي كليلة ودمنة من جهة الترسل الاستعاري؛ ويوافق ما وقع له فـي الأدب الصغير والكبير من شدة الإيجاز والوفاء بالمعنى دون زيادة أو نقصان …وقد استعمل فيها أسلوب السارد الذاتي الذي يروي ما وقع له …وهذا يوافق أحدث ما تبني عليه القصة اليوم؛ وربما وقع هذا الأسلوب فـي الأدب الصغير كقوله: «سمعت العلماء قالوا…» (٢٤٥) فهو يعتمد على حكاية خبر ما ليقدم العديد من الحِكَم الرشيقة المرصوصة الموجزة العبارة المليئة بالوعظ والإرشاد.

ونختم بمقالة للدكتور شوقي ضيف، وإن اتهمه بالزندقة: «ويظهر أنه على الرغم من زندقته كان يبهره جمال القرآن وصياغاته؛ فاستعار من ألفاظه وأساليبه كثيراً من جوانب كتاباته حتى فـي القصص الحيواني؛ قصص كليلة ودمنة» (٢٤٦). ومن هنا ننتقل إلى أسلوب التضمين.

٨ - أسلوب التضمين:

الاقتباس داخل فـي التضمين عند القدماء؛ وعند ابن المقفع… فالتضمين أن يجعل المتكلم فـي «كلامه كلمة من بيت أو من آية، أو معنىً مجرداً من كلام أو مثلاً سائراً أو جملة مفيدة أو فقرة من حكمة» (٢٤٧)، ثم يدمج ذلك فـي أساليبه حتى يصبح جزءاً منها دون أن ينص على نوع الكلام المدرج فيها، أو يعنى بنسبته إلى قائله عناية مطلقة. وأطلق عليه ابن الأثير التضمين الحسن؛ إذ يكتسب به الكلام طلاوة وطعماً خاصاً لا نحس به من دونه…. أما التضمين المعيب عند بعض القوم فهو تعليق بيت من الشعر فـي بيت آخر يليه معنىً ولفظاً، على حين أنه غير معيب عنده (٢٤٨).

وكأن القدماء قد لحظوا فـي هذه المسألة قدرة المبدع على التصرف الدقيق والعالي فـي كل ما أخذه من كلام الآخرين، وعلى حسن توظيفه له فـي سياق كلامه …مما يدل على مخزون ثقافـي عالٍ؛ وتمكن من أساليب العربية… من دون أن يتهم صاحبه بالسرقة.

ولعل هذا جعلهم يُضربون عن الاقتباس الذي يصرح بنسبة الكلام المأخوذ من صاحبه ومكانه لفظاً ومعنىً، ويوضع بين إشارتين تبرزان ذلك خشية الاتهام بالسرقة، وخشية التحريف والتغيير …فالأمانة تقتضي عدم التصرف فـي أقوال الآخر.

ولا يساورنا شك فـي أن الاقتباس يدل على ثقافة الكاتب، ولكنه يقيده بقيد التنصيص والنسبة؛ وإن لم يحسن استخدامه سقط فـي مهاوي الضّعف والركاكة، مما يجعله أكثر تعقيداً فـي الكتابة من التضمين …

وفـي ضوء ما تقدم وجدنا أن التضمين وحده المعمول به عند القدماء؛ وهو يحتاج من القارئ إلى معارف واسعة وشاملة لكي يقبض عليه لديهم؛ ولاسيما إذا كان شفيفاً وغير مباشر …ويبدو لنا أن ابن المقفع قد استطاع استخدام أسلوب التضمين ببراعة فائقة فـي الأدب الكبير والأدب الصغير خاصة …فقد قيل: إنهما حكم مستمدة من القدماء؛ ومن يتفحص أساليبه فيهما يوقن بأنهما من عنده. وهو لم ينكر ذلك لكنه صاغها بشكل فني طريف يناسب العربية؛ وهي داخلة فـي صميم كتابه الذي أبدعه بمهارته فيقول: «وقد وضعت فـي هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفاً فيها عون على عمارة القلوب وصقالها، وتجلية أبصارها…» (٢٤٩).

فابن المقفع أدرج كلام الناس فـي كلامه وقلَّ أن صرح بنسبته كما نراه فـي قوله: «سمعت العلماء قالوا: لا عقل كالتدبير، ولا وَرَع كالكفّ، ولا حسب كحسن الخلق» (٢٥٠) وربما أوحى فـي أماكن أخرى أنه مأخوذ من الآخرين، ولم يُسمّ أحداً منهم؛ كقوله: «وكان يقال، الرجال أربعة: اثنان تَختَبر ما عندهما بالتجربة، واثنان قد كُفيت تجربتهما» (٢٥١). وكنا قد كشفنا عن أمثال هذا التضمين للحديث الشريف والقرآن الكريم فـي كتابيه (٢٥٢) مما يؤكد قدرته الفائقة على التصرف فـي الكلام دون أن يظهر عليه …بعكس (كليلة ودمنة) المنسوب صراحة لواضعه الفيلسوف الهندي (بَيْد با) وصنعه لملك الهند (دَبْشَليم) (٢٥٣).

ويبدو لنا أن أسلوب التضمين فـي رسائله أكثر وضوحاً مما تبيناه فـي (الأدب الصغير والكبير)، ونقع فيها على آيات قرآنية بلفظها ومعناها، كما نقع على بعض الشواهد الشعرية التي خلا منها كتاباه السابقان …فإذا تركنا التحميد الذي يكثر فيه تضمين القرآن فإننا نقف عند ختام (رسالة اليتيمة) وفيه يقول: «فمن كان سائلاً عن حق أمير المؤمنين فـي معدنه فإن أعظم حقوق الناس منزلة، وأكرمها نِسبةً، وأولاها بالفضل حقُّ رسول الله (ص) نبي الرحمة، وإمام الهدى؛ ووارث الكتاب والنبوّة؛ والمهيمن عليهما، وخاتم النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، بعثه الله بشيراً ونذيراً؛ وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً؛ ثم هو باعثه يوم القيامة مقاماً محموداً؛ شرع الله به دينه، وأتم به نوره على عهده، ومحق رؤوس الضلالة؛ وجبابرة الكفر وخوله الشفاعة؛ وجعله فـي الرفيق الأعلى (ص)» (٢٥٤).

فهذا النص مملوء بتضمين الآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة؛ وكل كلمة فيه يمكن إرجاعها إلى موضعها منهما، كقوله تعالى: (وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ( (الأحزاب ٢٣ / ٤٠) وقوله سبحانه: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ( (الأحزاب ٣٣ / ٤٥ - ٤٦) …ومثل هذا نجده فيما وصل إلينا من (الدرة اليتيمة) سواء ما أثبته الحصري منها فـي الحسد والحساد أم ما أثبته الثعالبي فـي ذكر السلطان (٢٥٥).

وكل من يتلطف برؤية آثاره وما نثره فيها من حكم ونصائح ووصايا لأيقن أن قامة القرآن الكريم واضحة فـي ألفاظه وأساليبه (٢٥٦) مما يثبت لكل ذي نظر أن تضمين صور الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة على الوجه المشار إليه إنما يبرئه من تهمة الزندقة …وإن كان كثير من أساليبه قد تأثر بكلام حكماء الفرس وضمنها فـي كتبه …وهو تيار لا يمتّ إلى الزندقة بصلة… بل يدل على حيوية ابن المقفع وفاعليته فـي التضمين …إذ استطاع عقله الحر الوقّاد أن يستوعب القديم والجديد …بما فيه الشعر العربي القديم …فالشعر نادر الاستعمال لديه فـي أسلوب التضمين لكنه ورد فـي بعض رسائله فقط؛ كما نجده فـي رسالة الصحابة؛ فضلاً عن تضمينه للآيات القرآنية والأدعية الإسلامية؛ فهو يخاطب أمير المؤمنين داعياً له: «أكرمك الله؛ أما يصير العدل كله إلى تقوى الله عز وجل وإنزال الأمور منازلها؟ ! فإن الأول قال:

لايصلح الناس فوضى لاسراة لهم

ولا سراة إذا جُهّالهم سادوا

وقال:

هم سَوّدوا نصراً، وكلّ قبيلة

يُبيِّن عن أحلامها مَنْ يَسودها

وإن أمر هذه الصحابة قد كان فيه أعاجيب؛ ودخلت فيه مظالم» (٢٥٧).

فإذا تغافلنا عن عبارته (قال الأول، وقال) التي تدل على تمييزه الشديد لزمانية القول ومعرفته بأنه جاهلي قديم للشاعر الأفوه الأودي فإنه يدل فـي آن معاً على دقة اختياره لشعر تضمن الكثير من الحكم والمواعظ؛ وهو ما حرص عليه فـي أدبه. فقد كان مولعاً بالحكمة، مما جعله مشغوفاً بالأمثال قديمها وحديثها، وهو القائل: «إذا جعل الكلام مثلاً كان ذلك أوضح للمنطق وأبين فـي المعنى، وآنق للسمع وأوسع لشُعوب الحديث» (٢٥٨).

فأفضل الأمثال أوجزها، وأحكمها أصدقها، وفـي (كليلة ودمنة) عدد منها نقلها من جاء بعده؛ كالماوردي، كقوله: «طالب الدنيا كشارب ماء البحر كلما ازداد شراباً ازداد عطشاً» (٢٥٩). وسرد العديد من أمثاله؛ مثل: «ينبغي للعاقل أن يكون عارفاً بزمانه حافظاً للسانه؛ مقبلاً على شأنه، وألا يرى إلا فـي ثلاث: تزودٍ لمعادٍ أو قربة؛ أو لذة فـي غير مُحرّم» (٢٦٠). وهو مُحَرَّف الألفاظ عما جاء فـي الأدب الصغير، وما ورد فـي قوله: «الوَرِعُ لا يُخْدع؛ والأريب لا يُخْدع» (٢٦١) و «لا يستخف ذو العقل بأحد» (٢٦٢).

ومما ورد فـي الأدب الكبير؛ قوله: «اعلم أن لسانك مَصْلَتة» (٢٦٣) وهذا يشبه المثل الذي أخذه الناس عن امرئ القيس «جرح اللسان كجرح اليد» (٢٦٤) وقوله: «اعلم أن الجبن مقتلة؛ وأن الحرص مَحْرمة». وهو مثل أخذه الجاحظ وابن قتيبة (٢٦٥). وكذلك وقعت الأمثال والحكم فـي رسائله؛ منها: «فإن أهل الفضل فـي اللُبّ؛ والوفاء فـي الود؛ والكرم فـي الخلق» (٢٦٦).

وقد عُرفت العرب منذ القديم بالحكم والأمثال ونطقت بها على السليقة، ثم ألفت فيها الكتب قبل ابن المقفع، كما فـي كتاب الأمثال لعُبَيد بن شرية الجرهمي (ت ٧٠ هـ) وهو فـي خمسين ورقة كما رآه ابن النديم (٢٦٧) ولكن ابن المقفع لم يؤلف فـي الأمثال كتباً، بل أبدع الأمثال واخترعها، وضمّن كتاباته أمثالاً للعرب وغيرهم دلت على عبقرية فذة؛ وعبرت عن ثقافة عصره ومجتمعه من جهة الوظيفة والدلالة والهدف. وكلنا يحفظ المثل الذي نطق به الثور الأحمر لمّا حانت منيته على يد الأسد: «دعني أنادي ثلاثاً. فقال: افعل. فنادى: ألا إني أكلت يوم أُكل الثور الأبيض». وربما شاعت هذه الحكاية بين العرب قبل ابن المقفع؛ كما يحكيه لنا الميداني على لسان أمير المؤمنين (علي) حين قُتل (عثمان) رضي الله عنهما جميعاً فقال علي (ع) بعد أن روى قصة الأثوار الثلاثة: «ألا إني هُنْتُ يوم قُتِل عثمان» (٢٦٨).

فإذا صح ما رواه الميداني فإن العرب الآراميين عرفوا كتاب (كليلة ودمنة) المنقول إلى السريانة سنة (٥٧٠م) ثم حفظته الذاكرة الشعبية حتى صدر الإسلام (٢٦٩) وقد عرض عابدين لأمثال كليلة ودمنة بأشكالها الثلاثة؛ الشكل (الموجز والقياسي والخرافي) (٢٧٠).

وإذا كان المثل قد حقق لابن المقفع فكرة التضمين أسلوباً ومعنىً؛ فإنه وفر له قطعاً أدبية رفيعة المستوى؛ باعتبارها جواهر منظومة فـي عقد ثمين، مما أضفى على أسلوبه صفات الرونق والبهاء والإيجاز …فضلاً عما تشتمل عليه من النغمة التأديبية الخلقية المشبعة بالمبادئ والقيم التي تنظم جوانب الحياة كلها …

وقد دلت الأمثال والحكم الواردة فـي كتاباته على أنها نتاج مشترك للشعوب الشرقية الممثلة بأبناء فارس وللشعوب العربية على السواء مما يجعلها تتصف بخصائص مشتركة فـي التفكير والعادات والقيم …سواء منها ما ورد على لسان الإنسان أم على لسان الحيوان (٢٧١).

هكذا ينتهي بنا الطواف فـي حديقة ابن المقفع النثرية التي امتلأت بالأزهار والأوراد والأشجار الطيبة الثمر …فدلت على أنه لم يكن أديباً مرهف الحس، بليغ اللسان، فحسب «بل كان أكبر بلغاء عصره؛ إذ استطاع أن يملأ أواني العربية بمادة أجنبية غزيرة، دون أن يحدث فيها انحرافاً من شأنه أن يجر ضرباً من الازدواج اللغوي؛ إذ من المعروف أن لكل لغة صياغتها وأنماطها الخاصة فـي التعبير، ولها أيضاً صورها وأخيلتها التي قد تستعصي على الأداء فـي لغة أخرى. وشيء من ذلك لا يصادفنا عند ابن المقفع؛ فقد استطاع أن يحتفظ للعربية فـي ترجماته بمقوماتها الأصلية، كما استطاع الملاءمة بين الأخيلة والصور الفارسية وذوق اللغة العربية؛ بحيث لا نحس نُبُوّاً ولا انحرافاً، مما يشهد له بقدرته البيانية؛ وأنه استطاع أن يحوز لنفسه السليقة العربية التامة بكل شاراتها وسماتها اللغوية» (٢٧٢).

«ومن الخطأ البيّن أن يقال: إنه كان أحد المستشرقين يتعثر فـي أساليبه وتضطرب لغته …فقد كانت اللغة العربية تستقيم له؛ وكان أعجوبة زمانه فـي البيان والبلاغة مع الجزالة والنصاعة حيناً، وحيناً آخر مع العذوبة والرشاقة» (٢٧٣).

وما الذي يتبقى لنا للقول بعد كلام الدكتور شوقي ضيف؛ لم يبق لنا إلا أن نقول ما قاله أحمد أمين: إنه «نتاج ثقافة فارسية عميقة واسعة لَقِحت بعدُ بلقاح عربي؛ فكان من هذا أدبٌ جَمٌّ، مدين فـي أكثر معانيه للفرس؛ وفـي أكثر ألفاظه وأساليبه للعربية» (٢٧٤).

ولم يبق لنا إلا أن نردد مع ابن المقفع مقولته: «فإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمى إلا بالموافقين والمؤيدين. وليس لذي الفضل قريب ولا حميم أقرب إليه ممن وافقه على صالح الخصال فزاده وثبّته» (٢٧٥).

وكم كنا نود أن يكون شعره الذي نطق به بمستوى نثره؛ ولكن الكمال لله وحده …مما يحدونا لكي نتعرف إلى صورته الشعرية؛ فإذا كنا قد عرفناه ناثراً مبدعاً فكيف يظهر شاعراً؟

٥ - ابن المقفع شاعراً

١ - حدود و أبعاد:

ليس من مهمتنا فـي هذه الدراسة أن نتعقب كل ما قاله ابن المقفع من شعر ولا أن نوثقه؛ وإن حدث أحياناً شيء من التوثيق؛ ولكننا نريد أن نثبت بأنه لم يكن كاتباً بليغاً، وخطيباً مفوهاً فحسب، بل كان يصوغ الشعر فـي بعض الحالات والمواقف؛ وإن لم يكن يرضى عنه كله (٢٧٦). وهو يعترف بأنه ليس شاعراً فحلاً خنذيذاً؛ لايشق له غبار؛ إذ سئل مرة عن ذلك فقال: «الذي أرضاه لا يجيئني والذي يجيئني لا أرضاه» (٢٧٧). فقد كان «محجماً عن قول الشعر» على الرغم من أنه «من حكماء زمانه، وله مصنفات كثيرة ورسائل مختارة» (٢٧٨). فهو كما قال: «المسن يسن الحديد ولا يقطع» (٢٧٩). لذا رأى الجاحظ أنه على الرغم من فصاحة عبد الحميد الكاتب، وابن المقفع «وبلاغة أقلامهما وألسنتهما لا يستطيعان من الشعر إلا ما لا يذكر مثله» (٢٨٠).

فالأول استخرج أمثلة الكتابة ورسمها لمن بعده؛ والثاني طار بالكتابة الفنية النثرية مسافات كبرى، إذ ارتقى فـي أساليب وجوه استعمال المعاني قبل وجوه الألفاظ والتراكيب …ولعل الكلام الذي قاله البحتري فـي محمد بن عبد الملك الزيات ينطبق على ابن المقفع قبل غيره؛ ومنه: (٢٨١)

قد تصرَّفْتَ فـي الكتابة حتى

عطّل الناس فنّ عبد الحميد

فـي نظامٍ من البلاغة ما شـ

ـك امرؤ أنه نظام فريد

ولكنهما على شهرتهما بالكتابة وصناعتها فـي دواوين الدولة لم يحسنا قول الشعر…

ويبدو لنا أن ابن المقفع قد رأى السكوت والاستماع والإشارة والوحي بلاغة …فلما كان الكلام قاصراً وغير مفيد وغير ناجع، صار السكوت بلاغة على المجاز فـي الإيجاز (٢٨٢). وهو أحرى الناس بالابتعاد عن الشعر إن لم يكن ملبياً لآماله …وهذا نمط جديد من البلاغة والحكمة أولى بكثير منها أن يطبقها، فلو ابتعد كل منّا عمّا لا يحسنه لصار بليغاً وحكيماً …فابن المقفع الخطيب والكاتب العظيم الذي شرب من الخطب رياً، ومن البيان رحيقاً رقراقاً لا يقنعه أن يكون فـي الشعر إلا فـي المنزلة التي يرغب فيها؛ لأنه أخذ نفسه بالكمال، وبالمثال الأرحب مروءة وخلقاً وكتابة …وكيف يقول شعراً دون شعر بشار بن برد؛ وحمّاد عجرد، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد… وهو يستمع إليهم وإلى أمثالهم كلما اجتمع بهم…. ويقول الجاحظ: إنهم كانوا؛ «يجتمعون على الشرب وقول الشعر، ويهجو بعضهم بعضاً …» (٢٨٣).

ومن المرجح أنه لا يُدْخِل فـي الهجاء ابن المقفع؛ لأنه لم يُشْهَد له فـي حياته أن تهاجى مع هؤلاء أو غيرهم …بينما اشتهر التهاجي بين بشار وحمّاد عجرد …ثم إن مروءته وأخلاقه ودينه نأى به بعيداً عن ذلك كله؛ فضلاً عن أنه يدرك تمام الإدراك أن شعره لم يكن بمستوى أشعارهم كما تؤكده الأشعار التي صحّت له ووصلت إلينا؛ على الرغم من جودة أبيات منها اختارها أبو تمام فـي حماسته وتأثر بها من جاء بعده، كقوله من رثاء لعبد الكريم بن أبي العوجاء:

فقد جَرّ نفعاً فقدنا لك أننا

أمِنّا على كل الرزايا من الجَزَعْ

فأخذه منه شاعر آخر وزاد فيه إبداعاً آخر؛ فقال: (٢٨٤)

وقد عزَّى ربيعةَ أنّ يوماً

عليها مثلَ يومِك لا يَعود

فابن المقفع نطق بالشعر - وإن لم يرضَ عن شعره - ورواه وضمّن فـي كلامه أشعار الآخرين؛ ولاسيما تلك الأبيات المقلَّدة، الذائعة، المختزنة بالحكمة …واستشهد بها فـي بعض مواقفه… وكأن عزوفه عن قول الشعر يفسر ما قاله مرة - وقد أنشد بيتاً للقطامي - وقوله هو؛ «الحاجة يعتري صاحبها الخيفة من مكانين: الاستقبال بها قبل وقتها؛ والثاني حتى تفوت؛ وأنشد: (٢٨٥)

وقد يفوت أناساً بعض ما طلبوا

عند التأني فكان الحزم لو عجلوا

وكلنا قد حفظ البيتين اللذين ذهب الأدباء إلى أنه أنشدهما حين مَرّ ببيت نار للمجوس، رامزاً بهما إلى حنينه للمانوية؛ وحمّلوه بذلك وزراً عظيماً …والبيتان من شعر الأحوص وهما: (٢٨٦)

يا بيتَ عاتكةَ الذي أتَعَزَّلُ

حَذر العِدا؛ وبه الفؤادُ مُوَكّلُ

أصبحت أمنحُك الصدودَ وإنني

قسماً إليك؛ مع الصدود لأَمْيَلُ

وسبق أن تبينا فـي أسلوب التضمين أنه ضمّن رسائله الإخوانية والرسمية أبياتاً مُقَلَّدة من الشعر؛ كما فعل فـي رسالته إلى يحيى ابن زياد الحارثي؛ والبيت هو: (٢٨٧)

ومَنْ ينازعْ سعيدَ الخير فـي حَسَبٍ

يَنزِعْ طليحاً ويُقْصِر قيدَهُ الصّعَدُ

وقد يتساءل المرء: لماذا تقدم بما ليس من شعره؛ وأنت تريد شعره؟ …ويأتي رجع الجواب من صميم ثقافة ابن المقفع العربية التي تؤكد حذقه باللغة العربية وحفظه لأشعارها، والإفادة منها فـي مواضعها؛ مثلما كان يفعل بالثقافة الفارسية …فكان فـي هذا يقف من جديد بين هاتين الحضارتين …ولعل عظمة تأثره بالعربية؛ وشغفه بها جعله يتقنها كأهلها؛ إن لم يكن أكثر، ثم يقول الشعر فيها.

ومن هنا سوف نثبت بعض ما قاله من شعر، تبعاً للترتيب الهجائي، مثبتين أن بروكلمان ذكر فـي تاريخه أن لابن المقفع قصيدة مطولة فـي الشهور المسيحية؛ نشرت مع ترجمة ألمانية (٢٨٨) ولم نطلع عليها.

٢ - من أشعاره

أثبت له الجاحظ فـي (البيان والتبيين ٢ / ٣٦٤) قوله فـي النصيحة: (المتقارب)

فلا تلمِ المرءَ فـي شأنه

فربَّ ملوم لم يذنب

وهذا مستمد من قول الأحنف بن قيس: رب ملوم لا ذنب له.

وروى له الشريف المرتضى فـي (أماليه ١ / ١٣٤) ينصح بكلام مليء بالحكمة فيقول: (الرجز)

قد سلم الساكت الصموتُ

كلام راعي الكلام قوتُ

لا تفش سراً إلى جدار

فربما نمّتِ البيوتُ

واعجباً لامرئ ضُحوك

مستيقن أنه يموتُ

ووقّع على كتاب بعث به إليه رجل ثقيل يمازحه كما روى البيهقي فـي (المحاسن والمساوئ ٥٨٩) فقال: (الخفيف)

أنت يا صاحب الكتاب ثقيل

وقليلٌ من الثقيل كثير

ونسب إليه قوله فـي تحليل شرب النبيذ على مذهب فقه بعض العراقيين: (٢٨٩) (الوافر)

سأشربُ ما شربْتُ على طعامي

ثلاثاً ثم أتركه صحيحا

فلست بقارفٍ منه أثاماً

ولست براكبٍ منه قبيحا

وروى الجهشياري فـي (الوزراء والكتاب ١٠٣) أنه قال لمّا أمر سفيان بن معاوية بقتله: «والله إنك لتقتلني؛ فتقتل بقتلي ألف نفس؛ ولو قتل مئة مثلك ما وفوا بواحد؛ ثم قال [مفتخراً بنفسه وساخراً بخصمه]: (الوافر)

إذا ما مات مثلي مات شخصٌ

يموت بموته خَلْق كَثير

وأنت تموت وحدَك ليس يدري

بموتك لا الصغير ولا الكبير

وقد صدق ابن المقفع فيما ذهب إليه فالكاتب المبدع يظل فـي نفوس الناس، وكلما مات منهم واحد زاد عدد الموتى الذين يعرفونه …بينما ظل الوالي فرداً … (٢٩٠)

وروى أبو تمام رثاء لابن المقفع فـي حماسته (شرح المرزوقي ٢ / ٨٦٣ - ٨٦٥، حماسية رقم ٢٨٢): (٢٩١) (الطويل)

رزئنا أبا عمروٍ ولا حَيَّ مِثْلَه

فلله ريب الحادثات بمَنْ وَقَعْ

فإن تك قد فارقتنا وتركتنا

ذوي خَلَّةٍ ما فـي انسداد لها طَمع

لقد جرَّ نَفْعاً فَقْدُنا لك أننا

أمِنّا على كل الرزايا من الجَزَعْ

وذهب أبو تمام إلى أن هذا الرثاء قاله فـي يحيي بن زياد الحارثي؛ ثم اتبعه فـي هذا الرأي أحمد بن يحيى ثعلب (٢٠٠ - ٢٩١ هـ / ٨١٦ - ٩١٤) كما رواه المرتضى فـي أماليه؛ وفيه ذهب ثعلب إلى أن «البيت الأخير يدل على مذهبهم [أي الزنادقة من المجوس] فـي أن الخير ممزوج بالشر، والشر ممزوج بالخير» (٢٩٢).

وقد رأى بروكلمان الرأي نفسه في المرثي الذي توجه إليه ابن المقفع بالرثاء (٢٩٣).

ونستبعد ما قاله الأخفش فـي أن المرثية فـي رثاء عبد الكريم بن أبي العوجاء؛ وكان المنصور قد قتله لأنه دس أحاديث مكذوبة على رسول الله (ص)؛ ولا هي فـي رثاء يحيى بن زياد الحارثي الذي مات فـي خلافة المهدي نحو سنة (١٦٠ هـ / ٧٧٦م) وقد حزن عليه مطيع ابن إياس حزناً شديداً ورثاه كثيراً (٢٩٤).

ويرى ابن خلكان أن الرثاء مشهور فـي أبي عمرو بن العلاء (زَبّان ابن عمار التميمي المازني البصري ٧٠ - ١٥٤هـ / ٦٩٠ ـ٧٧١م) مما يدعو تصحيح نسبته لولد عبد الله بن المقفع، وهو محمد بن عبد الله؛ لأن عبد الله قتل سنة (١٤٢هـ) على حين أن وفاة أبي عمرو كانت (١٥٤هـ) فكيف يرثي الميت حيّاً؟ (٢٩٥)، ولعل نسبة الأبيات إلى ولد ابن المقفع في رثاء أبي عمرو أصح الآراء.

فعقول الرجال توافت على ألسنتها - كما قال أبو عمرو بن العلاء (٢٩٦) فـي جواب له على سؤال اتفاق الشاعرين على لفظ واحد ومعنى …ونحن قد عقدنا معكم صلة الموافاة ببيان قدرة ابن المقفع على قول الشعر فـي موضوعات شتى وأوزان متعددة …مما يشهد له بأن العربية صارت سليقة لديه. وهذا ينطبق عليه ما قاله بنفسه: «لا يخفى فضل ذي العلم؛ وإن أخفاه» كالمسك يخبى ويستر، ثم لا يمتنع ذلك رائحته أن تفوح» (٢٩٧).

ونختم القول أيضاً بمقولة له: «أصل العقل التثبت وثمرته السلامة؛ وأصل الورع القناعة وثمرته الظفر، واصل التوفيق العمل، وثمرته النُّجْحُ» (٢٩٨).

فنحن صحبنا رجلاً اتصف بالمروءة والأخلاق الفاضلة؛ والعقل والورع؛ جدَّ فـي عمله وثبت كالطود، ووقف مع الحق ولم تلن عزيمته، وكشف مفاسد شتى؛ شخصها وحللها ووضع الدواء الناجع للتخلص من شررها …وكانت المجالات الاجتماعية الأخلاقية؛ والسياسية الإدارية أعظم ما تتوخاه مراميه فـي الإصلاح ابتداء من إصلاح الفرد وانتهاء بالدولة …مما جعله حكيماً واعظاً ما يمل من الوعظ والإرشاد والنصح والتوجيه …وقد ظهرت أفكاره الإصلاحية ذات اتجاه عقلي منطقي شديدة الدقة والوضوح …

وحين كان يمارس دعوته إلى الإصلاح كان يمارس حياته، ويغشى مجالس الصفاء؛ ولكننا لم نشهد له فـي صحبتنا معه لا فـي حياته ولا فـي أدبه تحريماً للطيبات التي أحلّها الله لعباده؛ فلا هو بالزاهد فيها، ولا هو بالمتهتك الفاجر فـي طلبها …ولم تستطع أن تفتنه عن الآخرة والعمل لها، كان يخشى ربه، ويحرص على التقوى؛ ويؤدى الفرائض…

كان المثال الأرحب للإنسان الصالح، فـي الوقت الذي صار آية عظيمة فـي البلاغة والكتابة الفنية حين ارتقى بأساليب النثر العربي، وأدخل فيه طرائق بديعة لم يعرفها …فدل على عبقرية فذة فـي مرحلة صعبة …اكتنفتها فتن كبيرة وأحداث عظيمة …

ولكنه استطاع بأدبه الرفيع الذي اتصف بالصيغ الجمالية العالية؛ وسلوكه الأخلاقي النبيل أن يظل فـي نفوسنا جبلاً شامخاً …لا يؤثر فيه ما يسقط عليه من الشهب اللاهبة المحترقة …فسرعان ما تتلاشى …فهل استطعنا - حقاً - أن نرتقي إلى شفافية ما قاله، وسعى إليه بقوة لتصبح حضارة أمتنا حضارة إنسانية؟

وأخيراً أقترض عبارة منه لأقول: «إذا عثر الكريم لم ينتعش إلا بكريم؛ كالفيل إذا توحّل لم يقلعه إلا الفيلة» (٢٩٩) …

وأنت وحدك - عزيزي القارئ - من يقبل عذر الكرام؛ مردداً قوله تعالى: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ( (الأعراف ٧ / ٨٩)، وما عسانا إلا أن نثبت في نهاية هذا الفصل أهم نتائج الدراسة، لنستقر عند فهرس المصادر والمراجع والمحتوى.

أهم نتائج الدراسـة

تنوعت الدراسات التي تناولت حياة ابن المقفع وفكره وعقيدته وأدبه؛ ولكنها لم تتكامل - فيما أرى - إذ طغى جانب على آخر. فقسم منها ركز فـي الجانب الفكري الفلسفي؛ وقسم آخر اتجه إلى الجانب الروحي العقيدي، والإصلاحي الاجتماعي، وقسم ثالث صبَّ همه فـي نثره قبل أي شيء آخر… ولم ينظر إلى شعره.

ولهذا تعد هذه الدراسة قراءة فكرية نقدية وأدبية شاملة لجميع ما يتعلق بشخصية ابن المقفع فكراً وصفاتٍ وعقيدة، وسلوكاً، وإنتاجاً؛ مما فرض عليها التمسك بالمفاصل الأساسية فـي حياته وآثاره وأدبه، دون أن تهمل المفاصل الثانوية.

فقد انتهت الدراسة إلى أن الهوية الإسلامية أخذت تشكل نقطة التقاء ومزج حضاري فـي مطلع العصر العباسي؛ ولا سيما حين اتجه هذا المزج اتجاهاً ثقافياً وفكرياً فاكتسب حيوية وقدرة على الارتقاء فـي الحياة والفكر والفلسفة والأدب والفن.

وفـي صميم هذا المسار كانت الثقافة الفارسية تدخل فـي الثقافة العربية لتشكل نسيجاً جديداً فـي إطار الجوهر الإسلامي وتعاليمه السمحة… إذ كان أبناء فارس، أكثر الشعوب قبولاً للإسلام على إصرار عدد منهم على التمسك بالعقائد القديمة لأجداده.

وكان ابن المقفع فـي زمن البدايات هذه يراقب ويستشعر كل ما يجري من أحداث فـي تحول الخلافة من بني أمية إلى بني العباس؛ ويرى الأثر الذي يتركه فـي النفوس… وأدرك أن الحرية ليست كاملة؛ فهي بعيدة عن السياسة ومراكز الحكم، وملتصقة بغيرهما؛ فالحرية متاحة وحيوية فـي الجوانب الفكرية والاجتماعية، بل الدينية نفسها، وشديدة الفعالية فيها.

لهذا كله بدأ تفكيره بإعادة كتابة تاريخ جديد للبشرية، ووضع مشروعه التاريخي الفكري الإصلاحي فـي هذا الاتجاه ظناً منه أنه يستطيع أن يصلح السلطان قبل الرعية؛ وإذا صلح الرأس صلح الجسد… دون أن يهمل إصلاح الرعية… فبدأ بترجمة الكتب الفارسية لأنه لا يتقن إلا لغتها؛ وبدأ بكتاب (خداينمك) ولم يكن قد أسلم؛ ثم أتبعه - كما نعتقد - بكتاب (آيين نامه) حتى انتهى سنة (١٣٣هـ / ٧٥٠م) إلى ترجمة كتاب (كليلة ودمنة) وكان قد أسلم سنة (١٣٢هـ) … ومن ثم لم يعرف بعد هذا التاريخ أن ترجم كتاباً واحداً؛ وإنما اتجه بعده إلى التأليف… فكانت رسائله والأدب الصغير والكبير.

فإذا تذكرنا أن (كليلة ودمنة) ذو أصل هندي؛ وإذا صدق ما قيل عن بعض الكتب اليونانية التي ترجمها، وإذا تأملنا بإمعان ما تركه من آثار… ولم نتغافل عن طموحاته الشخصية المشروعة تأكد لنا أنه أول رائد حقيقي فاعل فـي عملية المزج الثقافـي الحضاري بين أبناء الأمة الإسلامية… إذ كانت مؤلفاته، ومن قبلُ ترجماته؛ بدافع ذاتي إصلاحي أخلاقي. ولما أسلم طواعية دون أن يكرهه على الإسلام والٍٍ أو خليفة؛ صديق أو عدو؛ قريب أو بعيد، مهما كان مركزه فإنه اعتقد أن صلاح الحاضر لا يكون إلا بِعِبَر الماضي. لهذا جعل التراث للمرة الأولى أداة فعل وتغيير على الصعيد السياسي والاجتماعي والأخلاقي، ثم صيَّر قلمه جسر اتّصال متفاعل بين حضارتين قديمه زائلة وجديدة ناهضة.

ولما كان يعيش فـي زمن يختلط فيه الوهم بالعقل، والخرافة بالحقيقة، والحقد والحسد بالمنافسة الشريفة أخذت أصابع الاتهام تتجه إليه، وتوصمه بالزندقة… بدأت أكذوبة، ثم أُلحقت به لأن من أَضَّله الله جعل كتبه التاريخية سبيله… ولما اجتمع مع بعض المستهترين صَدَّق الناس بأنه لم يَحْسُن إسلامه؛ ثم روَّج بعضهم عليه تهمة الزندقة؛ إما بدافع شخصي وإما بدافع مذهبي أو سياسي، وهو بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، إذ لم يخطر يوماً بباله أن يدعو إلى الاعتقاد بإلهين.

إنه صاحب مشروع ثقافـي تاريخي قام على ما هو فـي تراث فارس؛ واشتمل فيما يشتمل عليه التاريخ من عقائد صحيحة أو فاسدة؛ وناقل الكفر ليس بكافر؛ والمؤرخ مؤتمن، وهو غير مسؤول عمن ضلَّ وأضلَّ غيره… لانحراف فـي عقله ونفسه…

ثم إنه صاحب مشروع حضاري أصله ترجمة المعارف المتنوعة سواء كانت هندية أم يونانية أم فارسية… فكان أول من ترجم فـي ملَّة الإسلام، فسبق إلى رسم تقاليد التفاعل الحضاري بين أبناء الأمة… وحينما أصبح مصلحاً أخلاقياً واجتماعياً بامتياز كان عقله الفذ، ورهافة حسه المتوقد؛ وذوقه السليم الدقيق… يسلمه إلى كتابه أفكاره بلغة عربية شغف بها وأتقنها وخلَّف فيها كتاباته كلها فلم يعرف عنه أنه كتب بلغة غيرها… وعلى الرغم من صغر سنه فإنه أثبت فيها قدماً راسخة؛ وقامة شامخة؛ دلت على عبقرية نادرة… فهو لم يقتصر على تجاوز عبد الحميد بن يحيى الكاتب أستاذه ومعاصره… بل راد حقولاً معرفية جديدة، وجدّد بأساليبَ للعربية لم يعرفها عبد الحميد…

فلما حمل هموم الأمة الإسلامية بين جوانحه كالحجر الملتهب اتجه إلى إصلاح ما وقع فيها من مظالم ومفاسد اتجاهين؛ الأول إلى السلطان، ويتجسد بموضوعات العدل والمساواة والتخلص مما علق بنظام الحكم من أوضار… والثاني إلى الرعية؛ وتمثل بموضوع خلقي يستند إلى الحرية والصدق والعمل الجاد والإخلاص… وكلا الاتجاهين لابد أن يقف أصحابه على مفهوم الاستشارة والعمل المنظم؛ ومفهوم محاسبة النفس…

وإذا كانت الحكمة والنصيحة أساس مادة النثر فإنه قسم فنونه تقسيماً جديداً؛ فتح فيه الباب أمام الكتب المتخصصة بالموضوعات المتنوعة؛ إذ لم يؤلف أحد قبله كتاباً فـي موضوع نثري عدا معاصره يونس الكاتب. ثم كان أول من جعل الترجمـة همَّاً عاماً يفيد المجتمع منه بما تحويه كنوز الآخرين من معارف… فقدم حقولاً معرفية فـي هذا الباب لم يسبقه إليها أحد… كموضوع المرأة والانتفاع بحسن الاستماع؛ والصداقة؛ والعمل المنظم المرتب.

بهذا استطاع أن يحوز مكانته العظيمة فـي النثر العربي والإسلامي قديماً وحديثاً؛ نقل منه الكثيرون، وحذا حذوه كتّاب عديدون يقلدونه ويتعلمون على يديه، وفـي آنٍ واحد معاً أثبت ريادة عالمية، ومكانة متميزة لدى الإنسانية حين أهداها كتابه (كليلة ودمنة) وبقية مؤلفاته… فرحلت فـي الزمان والمكان، واطمأنت عند الشاعر الفرنسي لافونتين الذي كتب نحو عشرين حكاية مستلهمة من كليلة ودمنة، وإن قدّمها هو الآخر بلغة فرنسية حيوية ومؤثرة…

ثم حطت آثار ابن المقفع من جديد رحلتها فـي الأرض العربية لتزهر على يدي محمد عثمان جلال حكايات للأطفال؛ ولتثمر عند أحمد شوقي وتنتج أكثر من خمسين حكاية شعرية جمعت بينها وبين حكايات (لافونتين).

وبهذا حاز مكانة أدبية مرموقة لدى القدماء والمحدثين، أعداءً ومناصرين، اتفقوا على تفرده فـي الكتابة الفنية التي أزهرت على يدي عبد الحميد وأثمرت على يديه؛ سواء فـي الموضوعات أم فـي الأساليب… وكان فـي أساليبه يمزج بين الأساليب العربية وبين الأساليب الفارسية، وفق ما يقتضيه العصر… فنخل أساليب اللغة والبلاغة، فغيّر فيها ما لا يتوافق وذوق العصر وثقافته، ورقق مهذباً لأساليب أخرى؛ وتمسك بما يراه جديراً بالبقاء…

فابن المقفع تمسك بالإيجاز، لكنه أخذ يميل إلى الإطناب… وإن كان يرى أن البلاغة فيهما تقتضي مناسبة الموضوع والحال… لأن الإطناب يتفق مع الجملة المرسلة القائمة على تعالق جمل قصيرة… وهذا أثر فارسي خالص… على حين احتفظ بصورة الجملة العربية القائمة على التوازن والتقسيم… والتفريع والتتبيع الذي حل محل السجع والازدواج… وتمسك بالدقة والتلاؤم بين المعاني والألفاظ، وبين المعاني والمقام الذي تصلح له… لهذا ابتعد عن وحشي الكلام، وتقعره فآثر الوضُوح والسهولة على غيرهما… حتى اتهم بالضَّعف والركاكة… لكنه استطاع أن يجدد مفاهيم البلاغة فـي هذا الشأن، وأن تغدو الرقة والعذوبة فـي الألفاظ وتلاحم الأجزاء فـي النظم مع الاحتفاظ ببهاء الرونق… أصولاً فـي البلاغة… وكذلك ورثها من جاء بعده كالجاحظ وابن قتيبة وغيرهما، ثم أرسلوها عبارات قاعدية استقرت فـي أذهان الناس على أنها من صنعهم؛ بينما هي مستقاة من ابن المقفع.

وإذا كان قد حذا حذو أستاذه عبد الحميد فـي أسلوب التحميد والإرداف؛ ثم أسلوب التضمين… فإنه لم يجعل التضمين فـي اتجاه واحد، وإذ كان يستمد معارف كثيرة من الأمم كلها ويضمن فـي كتاباته الحكم والأمثال والأشعار… والآيات القرآنية والأحاديث الشريفة دون أن يظهر عليه أثر التضمين… إذ كان شديد التداخل فـي أسلوبه القائم على ترسل متتابع؛ متسلسل ومترابط؛ يشرح ويفصل، ويبرهن ويعلل… دون إطناب ممل أو إيجاز مخل… فكان على غاية من الدقة فـي دلالته والتلاؤم مع سياقه ومعانيه…

ثم استطاع بجدارة أن يكون أول من فتح أسلوب القص والترميز فـي النثر العربي القديم؛ وإن عرف العرب نوعاً من الترميز فـي أشعارهم القائمة على الكناية والتورية منذ العصر الجاهلي، أو نمطاً من الحكايات الخرافية العجائبية فـي إطار مشاهد الحيوان، والغيلان والسعالي…

ولعل من أهم ما يسجل له أيضاً أنه اعتمد أسلوباً جديداً فـي الكتابة قائماً على حسن التصرف فـي أساليب بلاغية متعددة… فكثَّف عدداً من الأساليب فـي سياق أسلوب بلاغي واحد… تتعاون فيما بينها لإبراز الفكرة التي يريد إيصالها إلى الناس.

وبهذا كله استطاع أن ينقل أساليب العربية من دوائر معينة إلى دوائر أكثر رحابة حين مزج مزجاً حضارياً فاعلاً بين الثقافة العربية والثقافة الفارسية؛ وفـي طليعتها اللغة؛ فاللغة وسيلة وغاية؛ وهي وعاء المشاعر والأفكار… وبها تكمن حيوية التفاعل الحضاري بين الناس.

هكذا كان عقله الفذ، وذكاؤه الحاد، ورهافة حسه، وسلامة ذوقه المطبوع على الصحة والدقة… وراء رغبته الطموح فـي تحقيق الكمال فـي صفة الكتابة، بعد أن حقق المثال الأرحب فـي صفة المروءة والأخلاق الفاضلة… التي قربته من درجة أهل الصلاح والتقوى… وإن لم يبلغها حين عاشر بعض المجان والمستهترين؛ بناء على شروط الصداقة التي تبناها… وأهمها الحرية والعقل واحترام الآخر؛ أياً كانت طبيعة عقيدته، أو نوعها…

وعلى الرغم من استحقاقه رأس البلاغة والبلغاء العشرة؛ وما نقل عنه من تعريفات عديدة للبلاغة فإنه لم يرغب فـي قول الشعر وإن نطق بأبيات منه فـي بعض الحالات… وعلة هذا فيما حكاه هو فـي أنه يبتغي فيه أن يصل إلى حالة الرضى عنه، … ولم يرض عقله عنه يوماً… وهذه صبغة من طغى عنده العقل على العاطفة… والعقل أليق بالنثر؛ بينما العاطفة المتأججة أليق بالشعر… لهذا كله أبدع فـي النثر واخترع معاني جديدة فيه، وراد أساليب بلاغية ولغوية وفنية جعلته أحد عباقرة النثر العربي القديم، بل كله… لكننا نقر بأنه شاعر، فضلاً عن أنه خطيب وناثر، وقدَّمت الدراسة شيئاً من شعره للمرة الأولى فـي تاريخ الدراسات المرتبطة به… ونحن نتضرع إلى الله كي تكتمل مادته الشعرية لنشرها…

تلك هي صورة ابن المقفع الشاب الطموح المتقن لصنعة الكتابة؛ هذا الإتقان هو الذي جعله يدفع حياته ثمناً له… لكنه ظل على مدى التاريخ عملاقاً فـي مهنة الكتابة وهو يقوم بأعظم فعل حضاري فـي حياة الأمة التي آمن بها إيماناً لا يشوبه شك، إيمان الرجل المسلم المخلص لكل قيمها ومبادئها… لهذا حمَّل همَّه الكلمةَ الناصحة التي يملكها، وجعلها مادة صهرٍ حقيقي لثقافة قديمة تستمد منها الأمة العربية والإسلامية الناهضة كثيراً من الدروس والعِبَر، ليحقق فيها قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ( (آل عمران ٣ / ١١٠).

(وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ( (يونس ١٠ / ١٠).

(١٩٦) انظر جمهرة رسائل العرب ٢ / ٤٧٠.

(١٩٧) انظر جمهرة رسائل العرب ٢ / ٤٧٠ - ٤٧١.

(١٩٨) انظر جمهرة رسائل العرب ٢ / ٤٦٩ - ٤٧١.

(١٩٩) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٣.

(٢٠٠) انظر تاريخ الأدب في إيران ٩٤، ١٠٣، ١٠٤.

(٢٠١) الأدب الصغير ٣٧.

(٢٠٢) انظر العمدة ١ / ٣١٣ وتحرير التحبير ٢٠٧.

(٢٠٣) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٤.

(٢٠٤) راجع الحاشية ١٩٩.

(٢٠٥) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥١ وانظر فيه ٤٢.

(٢٠٦) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٤.

(٢٠٧) الأدب الكبير ٨٠.

(٢٠٨) كليلة ودمنة ١٢٦ - ١٢٧.

(٢٠٩) انظر مثلاً: الصناعتين ١٩٥ والعمدة ١ / ٢٥٠ و ٣٠٦ وتحرير التحبير ١٩٧و ٢٠٠ و ٤٥٧.

(٢١٠) انظر المثل السائر ٢ / ٢٥٥ و ٣٤١.

(٢١١) انظر المثل السائر ٢ / ٣٤٣ - ٣٤٤ وانظر الصناعتين ٢٠٩.

(٢١٢) انظر العمدة ١ / ٢٤٢ والصناعتين ٢٠٩ و ١٩ - ٢٤.

(٢١٣) العمدة ١ / ٢٤٦.

(٢١٤) صبح الأعشى ٨ / ٢٧٨ وانظر الصناعتين ٢٠٩.

(٢١٥) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٥.

(٢١٦) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٠.

(٢١٧) بهجة المجالس ١ / ٤٥٢ وانظر فيه ٣٢١.

(٢١٨) انظر ابن المقفع ٢٣٨.

(٢١٩) الأدب الصغير ٤١ - ٤٢.

(٢٢٠) الأدب الصغير ٤٩.

(٢٢١) الأدب الكبير ٧٧.

(٢٢٢) انظر اللسان (رمز).

(٢٢٣) انظر ديوان لقيط بن يعمر ٣٨ - ٣٩ والعمدة ١ / ٣٠٢ و ٣٠٥ - ٣٠٨.

(٢٢٤) انظر مثلاً: ديوان النابغة١٥٣ وديوان الشنفرى ٥٩ وديوان تأبط شراً ٧٧ و ١١٢ ق١٨؛ و ١٢٥ق ٢١ و ١٦٢ ق٢٧… وانظر ابن المقفع ٢٤٣.

(٢٢٥) انظر مجمع الأمثال ١ / ٢٣٣ - ٢٣٧ (المثل رقم ١٢٥٠) و ٢ / ١٩٦ (المثل رقم ٣٣٦٦).

(٢٢٦) انظر الأمثال في النثر العربي القديم ٤٢ - ٤٣ و ٨٤ و ١٦٦ - ١٦٩ وابن المقفع ٢٤٦ وقد رأى صاحبه أن حكاية (البوم والغربان) في كليلة ودمنة تذكرنا بقصة الزباء.

(٢٢٧) انظر اللسان (قص).

(٢٢٨) انظر ابن المقفع ٢٤٤.

(٢٢٩) انظر مثلاً: ديوان تأبط شراً ٢٢٧ وراجع حاشية (٢٢١) وانظر الحيوان في الشعر الجاهلي ١٧٤ - ١٧٥.

(٢٣٠) انظر ديوان النابغة الذبياني ١٥٣ - ١٥٤ ومجمع الأمثال ٢ / ١٤٥ - ١٤٦ (المثل رقم ٣٠٤٦) وانظر الأمثال في النثر العربي القديم ٤٢ - ٤٣ ومشهد الحيوان في القصيدة الجاهلية ٢٩٢ - ٢٩٣.

(٢٣١) انظر ابن المقفع ١٢٠ والسيرة النبوية لابن هشام ١ / ٣٢١ وكان النضر بن الحارث قد وفد إلى الحيرة وتعلم أخبار رستم وإسفنديار وغيرهما، ورجع إلى مكة وصار يحدث الناس بها ليصرفهم عن الدعوة الإسلامية، وراجع ماتقدم حاشية ٤٩، ٥٢ من الفصل الأول.

(٢٣٢) انظر العصر العباسي الأول ٥١١ ودراسات في الشاهنامة ٢٧ - ٤١.

(٢٣٣) انظر ابن المقفع ٢٤٢ وراجع حاشية ٤١ مما تقدم.

(٢٣٤) كليلة ودمنة ٤٦ - ٤٧.

(٢٣٥) كليلة ودمنة ٥١ وانظر فيه ١٤١ - ١٤٣.

(٢٣٦) الصورة الشعرية في الكتابة الفنية ١٨٢.

(٢٣٧) انظر مثلاً: كليلة ودمنة ١٤٩ ففي ترجمته ورموزه شيء من الغموض.

(٢٣٨) ابن المقفع ٢٤٣.

(٢٣٩) انظر دراسات في الأدب المقارن ١٨٣ - ١٨٤.

(٢٤٠) الأدب الصغير ٥٥ وانظر مثلاً آخر في ا"لأدب الكبير ٩٢.

(٢٤١) انظر ابن المقفع ٥٨.

(٢٤٢) المحاسن والمساوئ ٥٨٩.

(٢٤٣) البخلاء ١٢١.

(٢٤٤) انظر ابن المقفع ٥٨.

(٢٤٥) الأدب الصغير ٦٢ وانظر فيه ٦٥.

(٢٤٦) العصر العباسي الأول ٥٢٣.

(٢٤٧) تحرير التحبير ١٤٠.

(٢٤٨) انظر المثل السائر ٣ / ٢٠٠ - ٢٠١.

(٢٤٩) الأدب الصغير ٢٠.

(٢٥٠) الأدب الصغير ٦٢ وانظر فيه ٥٥ والأدب الكبير ١٠٨…

(٢٥١) الأدب الصغير٤٨؛ وربما أوحى بمفهوم السرد والحوار دون أن يصرح به، انظر مثلاً في الأدب الصغير ٤٥و٤٧ - ٤٩ و٥٨.

(٢٥٢) راجع أرقام الحواشي التالية ومضمونها مما تقدم ٧٨ - ٨٣ و٨٧ - ٩٠ و١٠٤ - ١٠٨.

(٢٥٣) انظر مقدمة كليلة ودمنة ٧.

(٢٥٤) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٢.

(٢٥٥) انظر ما قاله الثعالبي في كتابه (ثمار القلوب ١٩٩ - ٢٠٠) عن الدرة اليتيمة، ومن ثم أثبت قطعة منها، تضمنت العديد من الآيات القرآنية، وانظر قطعة أخرى منها في زهر الآداب ١ / ٢٤٦ تتبع الأسلوب نفسه.

(٢٥٦) انظر مثالاً آخر في الأدب الصغير ٤٢ وجمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٨.

(٢٥٧) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٣ وانظر فيه ٦٢.

(٢٥٨) الأدب الصغير ٣٢.

(٢٥٩) الأمثال والحكم ١٢٢ وانظر البيان والتبيين ٣ / ١٧٤ و ٣٦٧، والصناعتين ١٦٥ - ٢٦٧ و ٤٧٠ وبهجة المجالس ١ / ٤١٠ و ٤٥٢ و ٤٧٢.

(٢٦٠) الأمثال والحكم ١٥٥ وانظر القول في الأدب الصغير ٢٧ وهو في حاشية ١٧١ مما تقدم.

(٢٦١) الأدب الصغير ٤٩.

(٢٦٢) الأدب الصغير ٥٢.

(٢٦٣) الأدب الكبير١٢٩.

(٢٦٤) المستقصى في أمثال العرب ٢ / ٥٠ (مثل رقم ١٨٧) وانظر مجمع الأمثال ١ / ٥٣، وفيه مثل مشابه.

(٢٦٥) الأدب الكبير ١٢٩ وراجع حاشية ١٦٩ مما تقدم.

(٢٦٦) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٦١.

(٢٦٧)

(٢٦٨) انظر حكاية الثيران الثلاثة مع المثل: (أكلت يوم أكل الثور الأبيض) في مجمع الأمثال ١ / ٢٥ (رقم ٨١).

(٢٦٩) انظر الأمثال في النثر العربي القديم ٨٤ و ١٦٦,

(٢٧٠) المرجع السابق ١٦٩ ومابعدها، ففيه تفصيل لا صلة له بدراستنا على أهميته.

(٢٧١) المرجع السابق ١٣٣ و ٤٤ أو ما بعدها و ١٧٠.

(٢٧٢) العصر العباسي الأول ٥٢٢.

(٢٧٣) العصر العباسي الأول ٥٢٦.

(٢٧٤) ضحى الإسلام ١ / ١٩٥.

(٢٧٥) الأدب الصغير ٢٥.

(٢٧٦) انظر زهر الآداب ١ / ٢٤٤ وبهجة المجالس ١ / ٩٦ وتاريخ الأدب العربي - بروكلمان - ٣ / ١٠١.

(٢٧٧) البيان والتبيين ١ / ٢١٠ وانظر فيه ٢٠٨ وراجع حاشية ٥٣ من الفصل الأول.

(٢٧٨) زهر الآداب ١ / ٢٤٤.

(٢٧٩) انظر محاضرات الأدباء ١ / ٩٣.

(٢٨٠) البيان والتبيين ٣ / ٢١٠.

(٢٨١) العقد الفريد ٤ / ٢٠٣، والبيتان في الديوان ١ / ٣٥٤ (دار الكتاب العربي).

(٢٨٢) انظر البيان والتبيين ١ / ١١٥ والصناعتين ٢٣.

(٢٨٣) انظر أمالي المرتضى ١ / ١٣١.

(٢٨٤) انظر الخبر كاملاً في (المثل السائر ٣ / ٢٣٧).

(٢٨٥) انظر الخبر كاملاً في (بهجة المجالس ١ / ٣٢١).

(٢٨٦) انظر الخبر كاملاً في (أمالي المرتضى ١ / ١٣٤) وراجع الحواشي (٢٩ - ٣١) من الفصل الثالث وشعر الأحوص الأنصاري ١٦٦.

(٢٨٧) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٦٢ وانظر فيه ٤٣.

(٢٨٨) انظر تاريخ الأدب العربي - بروكلمان - ٣ / ١٠١.

(٢٨٩) انظر أمراء البيان ١٠٢ وراجع حاشية ٢٩ من الفصل الأول.

(٢٩٠) انظر أمراء البيان ١٠٩ وابن المقفع ٦٣، وراجع حاشية ٨٦ من الفصل الأول.

(٢٩١) انظر أمالي المرتضى ١ / ١٣٥ فالأبيات فيه مطابقة لرواية أبي تمام، وانظر أمراء البيان ٩١.

(٢٩٢) أمالي المرتضى ١ / ١٣٥.

(٢٩٣) تاريخ الأدب العربي ٣ / ١٠١.

(٢٩٤) أنظر أمالي المرتضى ١ / ١٤٣ - ١٤٤ والأعلام ٨ / ١٤٥.

(٢٩٥) أنظر وفيات الأعيان ٢ / ١٥٢ والأعلام ٣ / ٤١ وتاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٠٥.

(٢٩٦) انظر الصناعتين ٢٤٩.

(٢٩٧) الصناعتين ٢٦٦.

(٢٩٨) الأدب الصغير ٥١.

(٢٩٩) الصناعتين ٢٦٧.



[ Web design by Abadis ]