ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الفصل الثالث: براءته من الزندقة و الشعوبية

١ - مدخل:

خلق الله العقل ليشهد بالحق للمحق وبالباطل للمبطل؛ وعليه أن يفتح نوافذه على تراثه وثقافته، بمثل ما يستوعب ويفيد من ثقافة الآخر وتراثه فـي الماضي والحاضر.

ومن هنا يؤكد المرء من جديد أن ابن المقفع عاش فـي مرحلة زمانية مختلطة الثقافات والتيارات الفكرية والسياسية؛ ومتباينة التأثيرات الدينية والمذهبية … وكأنها أشبه بالأمواج المتلاطمة… وليس هناك من شك فـي أنه كان فـي مقتبل عمره يعتنق المانوية المنسوبة إلى (ماني) … وهي واحدة من المذاهب الدينية الفارسية … ورثها عن أبيه وأسرته وقومه… وإن كان بعضهم على مذاهب أخرى كالمزدكية نسبة إلى (مزدك) أو الزردشتية نسبة إلى (زردشت بن أسبيمان) [١].

وسبق أن قلنا: دخل دواوين الولايات فـي عهد بني أمية سنة (١٢٨هـ) فـي عهد والي كِرمان) يزيد بن عمر بن هبيرة، ثم عهد أخيه داود بن عمر آخر ولاة بني أميه على (كرمان) … وتبين لنا من قبلُ أنه لم يسلم حتى كان عهد عيسى بن علي (عم أبي العباس السفاح، وأخيه المنصور) سنة (١٣٢هـ) على الأهواز إذ اتصل به، ثم أسلم على يديه فـي خبر مشهور تقدم ذكره [٢].

لهذا فإن تقربه من رجال الدولة لم يكن سبباً فـي إسلامه كما ذكر الدكتور عبداللطيف حمزة [٣]؛ فضلاً عن أنه اتصل بوالي (نيسابور) المسبح الخويلدي ثم واليها سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب …

وقد صان الإسلام حرية الاعتقاد، ولم يكره أحداً على الإسلام، ولا إكراه فـي الدين؛ هذا ما كان فـي عهد الإسلام الأول، واستمر الأمر كذلك حتى العصر العباسي …

ولم يكن أمر ابن المقفع بدعاً، فهناك العديد من رجالات دولة بني العباس ظلت على عقائدها الأولى وهي تعمل فـي تأديب أولاد الولاة والخلفاء وفـي دواوين الدولة…

فـي هذا الجو من الحرية الدينية والفكرية كان يعيش ابن المقفع، وإن رافق ذلك فتن عظيمة كقطع الليل البهيم، فـي الأمور السياسية، ولاسيما المتعلقة بالخلافة. فقد شهد مرحلة تحول الخلافة من بني أمية إلى بني العباس وكاد يحترق بنارها عندما صادق (عبد الحميد الكاتب) الذي عمل فـي دواوين آخر خلفاء الأمويين مروان بن محمد [٤].

ولما دخل دواوين الدولة ولمس المكائد التي يحوكها القريب للقريب، قبل الغريب للغريب ابتعد عن الشؤون السياسية؛ وطفق يمارس حريته الفكرية بكل جوانبها مستغلاً اتقانه لصناعة الكتابة حتى علا شأنه… ولما انغمس فـي الشأن السياسي، ولم يكن له بد من هذا؛ دفع رأسه ثمناً له [٥].

ولا يزال المرء يردد - دون ملل - أن الحرية الفكرية والاجتماعية كانت مصونة من قبل الإسلام وولاة أمره من الخلفاء والولاة والقادة… على عكس الحال فـي الشأن السياسي. ولا شيء أدل على ذلك من أن المهدي الذي تولى الخلافة من أبيه المنصور أمر أهل الجدل والنظر من المتكلمين أن يصنفوا الكتب فـي الردّ على الملحدين [٦] …

وفضلاً عن هذا فقد اشتد الأخذ والرد بين أهل الحديث وأهل الرأي؛ فكان كل رأي يُعرض للمناقشة [٧] من دون تحفظ، وبحرية لا نظير لها.

ومن ثم مارس الأدباء والنقاد واللغويون والفلاسفة والمفكرون… حريةً اجتماعيةً وأدبية واسعة فـي حياتهم بلغت مرحلة كبيرة من التطرف فـي الاستهتار وقصف المتع؛ وشرب الخمرة؛ والهُجْر فـي القول والتغزل بالغلمان… وكان كثير منهم يجتمعون على ذلك، ومن ثم لم يمنعوا من الدخول على السلطان… ما داموا بعيدين عن الإساءة إليه أو ما داموا لم يتعرضوا لنظام حكمه والنيل منه.

وفـي صميم هذا كله كان ابن المقفع يعيش حياته، ويمارس مهنة الكتابة ترجمة وتأليفاً… فذاع صيته، وبزت شهرته كثيراً من القوم فتناوشته الآراء واختلفت فـي أمره؛ فقسم منها رآه صحيح الدين قبل إسلامه، وبعده، ومن ثم كان صادق الانتماء لفارسيته ولكنها ليست على حساب ولائه الجديد للأمة الإسلامية؛ والعربية… وقسم آخر منها وقف فـي الخندق المقابل يتهمه بالزندقة، والعصبية للفرس باعتباره شعوبياً خبيثاً… منافقاً,, وأخذ كل قسم يؤيد رأيه بالأدلة العقلية والنقلية…

ولعل هذا كله فرض على الباحث أن يخصص فصلاً كاملاً لبراءته من الزندقة؛ ولكي يتوصل إلى ذلك كان عليه أن يلتزم بالمنهج الموضوعي الذي يطرح المقدمات ليصل منها إلى النتائج… وهو المنهج نفسه الذي يلزمه بتحديد مفهوم الزندقة قبل أن يبسط القضية وأسبابها…

٢ - مفهوم الزندقة:

تعددت مفاهيم الزندقة منذ القديم، واختلف عليها الناس لاختلاف أسباب نشأتها… وحين وصم ابن المقفع بها، كانت متعلقة بتلك المفاهيم، على إيماننا ببراءته منها، ولذلك لا بد من الوقوف عند أبرزها؛ وهي:

أ - الزندقة تطلق على كل من يتبع كتاب (زَنْد)، والزند كتاب لزردشت بن أسبيمان شرح فيه كتاب الفرس المسمى (الأفستا) ثم عاد فشرح الزند بكتاب آخر سماه (البازند) … فالزند لفظ فارسي معرب مأخوذ من الفارسية، والأصل فيها كما جاء فـي اللسان (زندكراي)، ومعناه القائل ببقاء الدهر. وهو معنى ليس فـي كلام العرب؛ لهذا أقاموا اللفظ الفارسي مقامه … وصار لفظ (الزندقة) مصدراً واسماً، والمفرد المذكر منه (زنديق) والجمع (زنادقة) وفعله (تزندق: اعتنق الزندقة) [٨].

ب - الزندقة تطلق - غالباً - على جماعة ماني بن يزيد المولود سنة (٢١٥ أو ٢١٦م)؛ وعلى معتنقي مذهبه، الذي عاش حتى القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي، وكان قد أقر بنبوة عيسى وزردشت، وادعى النبوة… فإذا كانت الزندقة فـي الأصل تدل على من يتبع كتاب الزند فإنها صارت تطلق على المانوية الذين يأخذون به وبغيره من الكتب المقدسة، ويشرحونها وفق تأويلاتهم الخاصة. فالمصطلح يدل على الثَّنَوية المانوية؛ إذ نشأ العالم من النور والظلمة، وعن النور نشأ كل خير، وعن الظلمة نشأ كل شر [٩]. ومن ثم فإن المانوية تحرّم الذبائح، وتكره إراقة الدماء، وتزهد فـي أكل اللحم والمتع والشهوات… وكل من يفعل فعلها يوصم بالزندقة، وهو ما عرض له الجاحظ وغيره [١٠].

ومن ثم صارت الزندقة تعني كل من أظهر الإسلام، وأسرّ المانوية، على مذهب المنافقين.

ج - الزندقة تعني اتباع المجوس عامة:

ظهر مزدك فـي فارس ودعا إلى مذهب ثنوي يقول بالنور والظلمة، وقد شرح - أيضاً - كتاب (أفستا) لزردشت، وصار كل من يدين بماني أو مزدك زنديقاً، وحكى الآلوسي عن ابن الكمال أن مفهوم الزندقة «يطلق على المزدكية» [١١].

ومن هنا يبدو لنا أن الزندقة كانت تطلق على طائفة من المانوية ثم استعملت فـي المانوية جميعاً على جهة النفاق، ثم استعملت كذلك فـي دين المجوس كلهم؛ ثم عرفت فيمن أظهره، ولم يعلن الإسلام؛ كالذي يرويه الجاحظ (ت ٢٥٥هـ) عن كتب الزنادقة فيقول فـي (الحيوان) على لسان إبراهيم بن السندي: «وددت أن الزنادقة لم يكونوا حرصاء على المغالاة بالورق النقي الأبيض؛ وعلى تخيّر الحبر الأسود المشرق البرّاق، وعلى استجادة الخط والإرغاب لمن يخطّ، فإني لم أر كورق كتبهم ورقاً… قلت لإبراهيم: إن إنفاق الزنادقة على تحصيل الكتب، كإنفاق النصارى على البيَع …» [١٢]. «والذي يدل على ما قلنا أنه ليس فـي كتبهم مَثل سائر، ولا خبر طريف، ولا صَنعة أدب، ولا حكمة غريبة، ولا فلسفة، ولا مسألة كلامية، ولا تعريف صناعة، ولا استخراج آلة؛ ولا تعليم فلاحة، ولا تدبير حرب، ولا مقارعة عن دين، ولا مناضلة عن نِحلة. وجلُّ مافيها ذكر النور والظلمة، وتناكح الشياطين، وتسافد العفاريت… وكله هَدر وعِيٌّ وخرافة، وسخرية وتكذُّب، لا ترى فيه موعظة حسنة، ولا حديثاً مونقاً، ولا تدبير معاش …» [١٣].

د - الزندقة تعني المجون والخلاعة والاستهتار والتظرف:

توسع مفهوم الزندقة عند العامة، قبل الخاصة ليصبح مصطلح الزنديق دالاً على كل متهتك مجاهر بالفجور، متبجح به… فهو الإباحي المتفلّت من القيم، والأخلاق الفضلى. ويبدو أن هذا المعنى قد شاع بسرعة على الألسنة والسبب فـي ذلك أن الاستهتار والعهر يؤدي إلى إشاعة الرذيلة والشر بين الناس مما يؤدي إلى المساس بالخلق، ومن ثم بالدين وتعاليمه… فالزندقة بهذا الاتجاه إنما تمثل انحرافاً فـي السلوك القويم، وهو ما يأباه الإسلام… فلما أمعن بعض الأدباء والفلاسفة والمفكرين فـي فجورهم حتى اشتهروا به؛ إذ كان همّهم المتع من الشهوات كلها… التصقت بهم تهمة الزندقة التي تعني الزيغ والشذوذ عن التيار الاجتماعي الخلقي العام، ومبادئ الدين الحنيف [١٤] … وإن لم يكن بعضهم زنديقاً فـي الحقيقة.

ولعلّ المعري قد ذهب إلى هذا كله حين تحدث عن الزنادقة فـي رسالة الغفران؛ وأدخلهم جميعاً فـي نار جهنم؛ مثلهم فـي ذلك مثل الوليد بن يزيد المستهتر؛ ومنهم أبو نواس ودعبل الخزاعي وبشار بن برد وصالح بن عبدالقدوس … وإذا كان المعري قد توسّع فـي مفهوم الزندقة فشمل بها المجان والملحدين فإنه لم يذكر فيهم ابن المقفع، وكذلك فعل ابن النديم محمد بن إسحاق (ت ٤٣٨هـ / ١٠٤٧م) [١٥].

فالزندقة بهذا المعنى ملتصقة بالفسق والفجور وكلاهما مرتبط بشرب الخمرة كما يقول أحد الشعراء واصفاً نفسه [١٦]:

اسقني بالكبير إني كبير

إنما يشرب الصغيرَ الصغيرُ

لا يغرنّك يا عبيد خشوعي

تحت هذا الخشوع فسق كبير

وأفرط بعض الشعراء فـي الفجور والإباحة، وجهروا بالقول، وربما وصل بعضهم إلى درجة السخرية من بعض المبادئ الدينية كما فـي قول بشار [١٧]:

لا خير فـي العيش إن كنا كذا أبداً

لا نلتقي وسبيل الملتقى نَهَجُ

قالوا: حرام تلاقينا! فقد كذبوا

مافـي التزام ولافـي قبلة حَرَجُ

إني أبشر نفسي كلما اختلجت

عيني، أقول بنيل منك تختلجُ

من هنا ارتبطت الزندقة فـي هذا المعنى بمعان أخرى كالتملّح والظّرف والفكاهة فـي الفعل والقول، ولا بأس فيه عند فئة من الناس مالم يكن صادراً عن مفهوم الإلحاد والشك فـي العقيدة الإسلامية … ولهذا شاع فـي العصر العباسي وصف الزنديق بالظريف؛ كما فـي قول أبي نواس [١٨]:

وصيف كأس، محدِّثٌ، ولها

تيهُ مغنٍّ وظرف زنديقِ

ومهما يكن رأي بعض الناس فـي الزندقة التي أخذت معناها من التهتك والشراب والفحش فـي القول والفعل تحت وطأة السكر… فإن ذلك كله يندرج فـي الإنسان شيئاً فشيئاً ليخرجه من دائرة الحق والصواب، ومن الإيمان إلى الإلحاد والشك… ولذلك قيل: «إن علامة الزندقة شرب الخمرة، والرشا فـي الحكم؛ ومَهْرُ البغيّ» [١٩].

ومن هنا كنا نربأ بابن المقفع العاقل ألا يخالط أمثال هؤلاء؛ لأنه أخذ بجريرتهم على المبدأ المشهور بين الناس: قل لي من تعاشر أقل لك من أنت …

وإذا كنا سنتعرض لاتهام ابن المقفع بالزندقة، من بعدُ؛ فإننا نوضح بأن مفهوم الزندقة العلمية للأدباء والشعراء تختلف كلياً عن الزندقة المرتبطة بالمجون والاستهتار. فالماجن السكير يغلبه الشراب فينطق بكلام فيه هُجْر فيتهم بالزندقة؛ بينما الزندقة العلمية قائمة على القصدية والإيمان بدين ما كالمانوية ويستر هذا الدين ثم يظهر خلافه وهو الإسلام… وهو ما ينطبق عليه مصطلح المنافق… وهذا ما يمكن أن نستشفه من خبر رواه أبو الفرج الأصفهاني، وأسنده إلى أبي نواس فقال: «حدثني أبو نواس قال: كنت أتوهم أن حمّاد عَجْرد إنما رمي بالزندقة لمجونه فـي شعره؛ حتى حبست فـي حبس الزنادقة؛ فإذا حمّاد عَجْرد إمام من إئمتهم…» [٢٠].

ولهذا كله صارت الزندقة قرينة الفجور والتهتك قولاً وفعلاً، وكل منهما شقيقة للأخرى وكلتاهما شقيقة للشك والإلحاد، وهو معنى آخر أخذته الزندقة؛ وهي زندقة أقرب إلى العلمية والفكرية لأنها عن وعي مسبق، كما سيتضح لنا بعد قليل. ولا بأس أن نؤيد ذلك بشعر لحمّاد عجرد يردّ فيه على يحيى بن زياد حين رماه بالزندقة لتهتكه؛ قال فيه [٢١]:

لا مؤمنٌ يُعرَف إيمانه

وليس يحيى بالفتى الكافر

منافق ظاهره ناسك

مخالف الباطن للظاهر

هـ - الزندقة تعني الشك والإلحاد:

عرف هذا المعنى للزندقة نتيجة تأثر العرب بغيرهم؛ على الأرجح، لما ورد فـي كتاب (المعارف) حين تحدث عن أديان العرب فـي الجاهلية فقال: «وكانت المجوسية فـي تميم؛ منهم زُرارة بن عَدس التميمي، وابنه حاجب… ومنهم الأقرع بن حابس؛ وكان مجوسياً… وكانت الزندقة فـي قريش أخذوها من الحيرة» [٢٢].

ولهذا يقول أحمد بن يحيى: ليس فـي كلام العرب زنديق فإذا أرادت العرب معنى ما تقوله العامة؛ قال مُلْحد ودَهْري» [٢٣].

فالزندقة استعملت فـي الإلحاد على العموم؛ وعكسها الإيمان؛ قال المعري: «الزنادقة هم الذين يُسمّون الدهرية؛ لا يقولون بنبوّة ولا كتاب» [٢٤].

فكل من جحد الأديان السماوية من الناس صار يطلق عليه زنديق، مما جعل الزندقة تحمل معنى الدهرية والإلحاد والشك فـي وقت واحد… والزندقة فـي هذا المعنى لا تكون إلا عن نَظَر وفَهم؛ وعقل… فسُلطان العقل وصل إلى غايته لديهم يحكّم فـي كل شيء… وأصحاب سلطان العقل لا يؤمنون إلا بما يرونه بأم أعينهم… من هنا نبذوا الأديان؛ وصارت الحياة همهم؛ «فما الحياة إلا خمر وما إليها، لا يرضون أن يجهد عقولهم فـي تفكير فـي دين،؛ إنما يغضبون على الدين وقت أن يتعارض مع شهواتهم ويحدّ من لذّاتهم» [٢٥].

وإذا كنا نبرئ ابن المقفع من تهمة الشك والإلحاد والدهرية على الرغم من أنه احترم العقل وأنزله منزلة رفيعة فـي حياته وشؤونه؛ فإنه بقي متزناً رزيناً لم يُقبل على متع الدنيا بالشكل الذي ينفـي عنه مروءته كما فعل غيره. وعلى الرغم من هذا فإن الزندقة التي تعني الشك والإلحاد تعد مما وصمه به بعض أعدائه وخصومه قديماً وحديثاً؛ ولاسيما حين جعل العقل ميزاناً لكل عمل يختص به؛ وإن ارتبط عنده بالإيمان والخلق.

ويبدو أن التهمة بالزندقة وفق هذا المعنى المشار إليه صارت تهمة قاتلة من دون شك فيكفـي للأديب الصديق أن ينقلب على صديقه لأمر ما؛ «ثم تكون بينهما جفوة فأول ما يرميه به أنه زنديق كالهجاء بين بشار» بن برد وحمّاد عَجْرد [٢٦]، وهذا مثال تبعه أمثلة كثيرة عند أحمد أمين وغيره.

ومن هنا يصبح هذا المعنى أخطر المعاني التي لصقت بالزندقة… فهي أداة سهلة لرمي الآخر بها… وهذا ما حدث لابن المقفع، كما نراه فـي أسباب اتهامه بالزندقة… ولم ينقذه منها ما توافق القدماء والمحدثون عليه من صفات خلقية؛ قرّبته من مبادئ الدين الحنيف، ولما أسلم زاد حسناً على حسن.

٣ - أسباب اتهامه بالزندقة

أ - الزندقة بين التأييد والمعارضة:

تبين لنا من مفاهيم الزندقة التي عرفت عند الخاصة والعامة أنها أُلصقت بابن المقفع على اعتبار أنه يعتنق الإسلام ظاهراً والمانوية باطناً، … فهو على دين قومه ويحن إليه ويتعصب لهم قولاً وفعلاً، ويستهتر بالعرب ويسخر منهم… إنه زنديق كما يزعم بعض الدراسين من القدماء والمحدثين؛ أمثال القاسم بن إبراهيم (ت٢٤٦هـ / ٨٦٠م) والجاحظ (ت٢٥٥هـ / ٨٦٩م) وأبي الفرج الأصفهاني (ت٣٥٦هـ / ٩٦٧م) وغيرهم… وقد احترز الشريف المرتضى (ت٤٣٦هـ / ١٠٤٤م) لنفسه؛ فبعد أن ساق أقوال الآخرين فـي زندقته وصفه بأنه رقيق الدين «وكان ابن المقفع مع قلة دينه جيد الكلام» [٢٧]، وكأنه وجد الزندقة أمراً خطيراً تكال للناس؛ بينما لم يجد هذا بعض المحدثين مثل عبداللطيف حمزة والمستشرق غبرائيلي.

وهناك من رأى أنه صورة للشاب العاقل المتفتح الذي دفعه عقله إلى الإسلام فـي وقت متأخر من حياته التي لم يعمّر فيها طويلاً… ولكنه لم يبلغ فيها مرتبة الكمال عقيدة وثقافة ومنهجاً… على ما يملكه من طموح وإرادة… ورغبة فـي النهوض بأمته الإسلامية العتيدة… فإذا كان قد ترجم العديد من الآثار يوم كان على دينه المانوي القديم… فإنها قد ضاعت أو إنه أتلفها على رأي آخر، بعد أن تيقن بفساد بعض ما ورد فيها… أمّا ما صحّت مادته، وأيقن بصلاحه للنهوض بأمته فـي مجال السياسة والخلق الاجتماعي فقد أخذ يروّجه بين الناس، فضلاً عن أنه يحاول إثبات وجوده فـي صناعة الكتابة فـي دواوين الولايات، باعتبارها تحمل وجهاً اجتماعياً رفيعاً ووجهاً اقتصادياً مرموقاً…

وخلاصة الأمر أسلم الشاب متأخراً على يد عيسى بن علي سنة (١٣٢هـ) عند العديد من القدماء والمحدثين، وحسن إسلامه، مما يؤيد عدم زندقته…

ومن ثم عضد دينُه عقلَه فأعطى كل أمة حقها من الصفات التي تستحقها، من دون تعصب لبني جنسه من الفرس؛ وفضل العرب فيها على غيرها… ولم يكن هذا منه إلا على سبيل إحقاق الحق بما يتصف به من عقل ومنهج موضوعي، وإن لم يتنكر لفارسيته، ، ويعد أحمد بن طيفور (٢٠٤ - ٢٨٠هـ / ٨١٩ - ٨٩٣م) الخراساني المؤرخ الأديب من أبرز من نقل أخباره وتحدث عن آثاره، ونافح عنه؛ ومثله محمد بن عبدوس الجهشياري (ت٣٣١هـ / ٩٤٣م) وابن عبد ربه (٣٢٨هـ / ٩٤٠م) و الباقلاني (٤٠٢هـ / ١٠١١م) وأبو حيان التوحيدي (ت ٤٠٠هـ / ١٠١٠م) وأبو العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ / ١٠٥٧م) وابن النديم محمد بن إسحاق (ت٤٣٨هـ / ١٠٤٨م).

ومن المحدثين خليل مردم بك ومحمد كرد علي وأحمد أمين وبروكلمان ومحمد سليم الجندي… وغفراني محمد غفراني.

ب - أهم أسباب اتهامه بالزندقة:

لما كان ذلك كذلك كان علينا أن نناقش الأمر فـي زندقته وفق توزعها على الأسباب التي أدت إلى اتهامه بها؛ والوصول إلى الرأي العلمي الموضوعي فيها؛ وأبرزها:

١ - اتهامه بالحنين إلى ديانته المانويه:

أوردت جملة من الكتب القديمة خبراً وحيداً رواه عمر بن شبَّه (ت ٢٦٢هـ / ٨٦٨م) فـي غير مرجع منها [٢٨] … ثم حمله الناس وأشاعوه عليه، على اعتبار أنه غدا حقيقة ثابتة يدل على حنينه إلى دين المجوس دين آبائه وأجداده؛ ممثلاً بالمانوية، فـي الوقت الذي يوحي بتحسّره على قومه الفرس الذين طواهم المجد، . وإذا كان ابن قتيبة (ت٢٧٦هـ / ٨٨٢م) أول من أشار إلى الخبر بلا إسناد، فإن الثعالبي (٣٥٠ - ٤٢٩هـ / ٩٦١ - ١٠٣٩م) يعد أوّل من وضّح أن ابن المقفع لم يكن وحيداً حين مر ببيت النار، ولكنه لم يسند خبره هو الآخر، فبعد أن ذكر بيتي الأحوص اللذين سنذكرهما بعد قليل قال: «ويحكى أن كلاً من يحيى بن خالد وابن المقفع مر ببيت النار، فأنشد البيتين، وهما من قصيدة طويلة أنشدنيها الأمير…» [٢٩] فالملاحظ فـي الخبر أن هناك رجلين… فمن الذي أنشد؟ !!

أما الشريف المرتضى: علي بن الحسين (٣٥٥ - ٤٣٦هـ / ٩٦٦ - ١٠٤٤م) نقيب الطالبيين؛ وأحد الأئمة فـي علم الكلام والأدب والشعر ويقول بالاعتزال فهو أول من ذكر الخبر مسنداً إياه إلى عمر بن شبة (دون أن يشير إلى يحيى بن خالد) وبين عمر وابن المقفع أكثر من مئة سنة؛ ثم نقل الخبر عن الشريف من جاء بعده كعبد القادر بن عمر البغدادي (١٠٣٠ - ١٠٩٣هـ / ١٦٢٠ - ١٦٨٢م)؛ وتمامه: «روى ابن شبّة، قال: حدثني من سمع ابن المقفع، وقد مرّ ببيت نار المجوس بعد أن أسلم، فلمحه، وتمثل:

يابيت عاتكة الذي أتعزّلُ

حَذَرَ العدا وبه الفؤاد مُوَكَّلُ

إني لأمنحك الصدود وإنني

قسماً إليك مع الصدود لأَميَلُ [٣٠]

والبيتان من قصيدة للأحوص بن محمد يمدح فيها عمر بن عبدالعزيز، وبداية مطلع البيت الثاني (أصبحت أمنحك …) [٣١].

فإذا تركنا ابن شبّة؛ (وشبّة اسمه زيد بن عبيدة)؛ وأهملنا سنة وفاته (٢٦٢هـ / ٨٧٦م) فإننا نتساءل: من ذاك الرجل الذي حدّثه؟ ما اسمه؟ وأين سمع ابن المقفع؟ ! ومتى؟

… ومن ثمّة فإننا نرى أن الشريف المرتضى قد ساق الخبر من قبيل الأمانة العلمية لما وصل إليه، ولم يكن يؤمن بزندقته وإن وصمه بقلة الدين؛ وقلة الدين ليست زندقة، على حين نجد أن بعض المحدثين كالدكتور شوقي ضيف قد اقتنعوا بالخبر، إذ شرع الدكتور ضيف يفند رأي الأستاذ أحمد أمين؛ ويعرض لسلطان العقل عند ابن المقفع وحده دون أن يراعي الصفات الأخرى لابن المقفع، وكلها تنفـي عنه إيمانه بالمانوية أو الحنين إليها بعد أن أسلم، فقال: «وقد يكون فـي ذلك ما يشير إلى أنه ظل على اعتقاده المانوي القديم؛ فهو يظهر الإسلام ويضمر ما نويته» [٣٢].

أما الدكتور عبداللطيف حمزة الذي ألف كتاباً بعنوان (ابن المقفع) سنة ١٩٤١م فقد طار بخبر زندقة الرجل، وخص به فصلاً كاملاً لها، ومزجها بعصبيته لبني جنسه من الفرس [٣٣].

وكان بهذا متأثراً بما فعله غبرائيلي؛ وبما قاله طه حسين (ت ١٩٧٣م) عن زندقة الرجل، كما فعل فـي كتابه (من حديث الشعر والنثر) المنشور فـي القاهرة سنة (١٩٣٦م) [٣٤] أو فـي المقدمة التي نشرت مع مقدمة أخرى لعبد الوهاب عزام لكتاب كليلة ودمنة (مقدمتا كليلة ودمنة) - دار المعارف بمصر - سنة ١٩٤١م.

وسنترك سكوت المستشرق براون عن مناقشة زندقة ابن المقفع، وما عرضه إقبال عباس فـي (شرح حال عبدالله بن المقفع) المنشور سنة (١٩٢٦م) وعرض لشؤون عدة، مثل كتاب (الرد على الزنديق)؛ وما جاء عند محمد كرد علي فـي (أمراء البيان) وما أورده أحمد أمين فـي (فجر الإسلام) و (ضحى الإسلام) وما قاله محمد سليم الجندي فـي كتابه (عبدالله بن المقفع) المنشور بدمشق سنة (١٩٣٦م) [٣٥].

سنترك ذلك كله لنتوقف عندما تعتقد به المانوية نفسها كما روي فـي الكتب القديمة والحديثة… فقد أثبت الجاحظ فـي (الحيوان) وأبو الفتح الشهرستاني (٤٧٩ - ٥٤٨هـ / ١٠٨٦ - ١١٥٣م) فـي كتابه (الملل والنحل)، ونقله عنهما وعن غيرهما أحمد أمين فـي (فجر الإسلام) فقال: «وقد كان ماني راهباً بحرّان؛ فرأى أن امتزاج النور بالظلمة فـي هذا العالم شر؛ ومن أجل هذا حرَّم النكاح حتى يستعجل الفناء؛ ودعا إلى الزهد؛ وشرّع الصيام سبعة أيام أبداً فـي كل شهر، وفرض صلوات كثيرة؛ يقوم الرجل فيمسح بالماء ويستقبل الشمس قائماً، ثم يقوم ويسجد وهكذا؛ اثنتي عشرة سجدة؛ يقول فـي كل سجدة دعاء؛ ونهى أصحابه عن ذبح الحيوان لما فيه من إيلام» [٣٦]. وقال أيضاً فـي كتابه (ضحى الإسلام): «فكانوا يرفضون الذبائح، ويبغضون إراقة الدماء، ويزهدون فـي أكل اللحوم» [٣٧].

وما من عاقل ينظر فـي حياة ابن المقفع وسيرته إلا عرف - من دون غموض أو لبس - أنه تزوج وأنجب، واستمتع بحياته طعاماً وشراباً؛ إذ كان يشرب النبيذ؛ - ولم يَصُم سبعة أيام أبداً، ولم يزهد فـي الدنيا؛ بل أُخذ عليه أنه كان يعاشر بعض الأدباء المستهترين كبشار بن برد ومطيع بن إياس… حتى ألصقت تهمة الزندقة به من هذا الاتجاه؛ كما سنعرض له… ومن ثم لم يطف فـي البلاد داعياً إلى المانوية بل استقر فـي أماكن عمله…

فإذا تذكرنا أنه كان يفتش عن دين يقنعه ووجد فـي الإسلام حاجته؛ وإذا أضفنا إلى هذا ما كان يتصف به من خلق كريم وفضائل عليا أيقنا بأن الخبر الذي رواه ابن شبّة ليس صحيحاً… ولم يكن يعتنق الإسلام ظاهراً والمانوية باطناً؛ كما يفعل أهل النفاق…

ولو سلّمنا جدلاً بصحة الخبر - وهذا محال من كل وجه - فلعله قد وقع فـي بداية إسلامه يوم لم يتمكن الإسلام فـي نفسه؛ فلا زال يعيش فـي تردد وتفكير؛ وهذا شأن كل من جعل العقل حكماً على كل شيء…

ولعلنا نستدل على ما نذهب إليه فيما رواه صاحب (الاحتجاج) على اجتماع ابن المقفع ببعض من عرف بالمروق والمجون… فروى عن هشام بن الحكم قوله: «اجتمع ابن أبي العوجاء، وأبو شاكر الديصاني الزنديق، وعبدالملك البصري، وابن المقفع عند بيت الله الحرام يستهزئون بالحُجّاج ويطعنون بالقرآن. فقال ابن أبي العوجاء: تعالوا ننقض كل واحد منا ربع القرآن. وميعادنا من قابل فـي هذا الموضع نجتمع فيه؛ وقد نقضنا القرآن كله؛ فإن فـي نقض القرآن إبطال نبوة محمد، وفـي إبطال نبوّته إبطال الإسلام؛ وإثبات ما نحن فيه؛ فاتفقوا على ذلك.

فلمّا كان من قابل اجتمعوا عند بيت الله الحرام فقال ابن أبي العوجاء: أمّا أنا فمفكّر فـي هذه الآية (فلما استيئسوا منه خَلَصوا نَجيّا ( (يوسف ١٢ / ٨٠) فما أقدر أن أضم إليها فـي فصاحتها وجميع معانيها شيئاً، فشغلتني هذه الآية عن التفكير فـي سواها. فقال عبدالملك: وأنا منذ فارقتكم مفكر فـي هذه الآية: (يا أيها الناس ضُرب مَثَلٌ فاستمعوا له؛ إن الذين تَدْعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً، ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يَستنقذوه منه ضَعُف الطالب والمطلوب ( (الحج ٢٢ / ٧٣). ولم أقدر على الإتيان بمثلها. فقال أبو شاكر: وأنا منذ فارقتكم مفكر فـي هذه الآية: (لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا ( (الأنبياء ٢١ / ٢٢) لم أقدر على الإتيان بمثلها.

فقال ابن المقفع: ياقوم !! إن هذا القرآن ليس من جنس البشر؛ وأنا منذ فارقتكم مفكر فـي هذه الآية؛ (وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي، وغيض الماء، وقضي الأمر، واستوت على الجودي، وقيل: بُعداً للقوم الظالمين ( (هود ١١ / ٤٤) لم أبلغ غاية المعرفة بها، ولم أقدر على الإتيان بمثلها.

فبينا هم فـي ذلك إذ مرَّ بهم جعفر بن محمد الصادق (ع) فقال: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ( (الإسراء ١٧ / ٨٨)، ثم تفرقوا مقرين بالعجز» [٣٨].

فلو آمنا بصحة الخبر - على اعتبار أنه مشكوك فيه لمعاداة بعض الشيعة ابن المقفع لقيامه بخدمة العباسيين أعدائهم - فلعله يؤيد حالة الاضطراب التي كانت تحيط بابن المقفع فـي مراحل إسلامه الأولى… على الرغم من أنه كان يسلّم بأن القرآن الكريم ليس من جنس كلام البشر… فهو الأديب المدرك لأساليب العربية وبلاغتها فـي الوقت الذي كان قادراً على التمييز بين ما هو بشري وما هو إلهي.

وأياً كان الأمر فنحن نأخذ بالظاهر؛ والله يتولى السرائر؛ علماً بأنه ممن أخذ نفسه بالمثال الأرحب للأخلاق فاكتمل خلقه بحسن إسلامه… ولم يترك شعيرة من تعاليم الدين، حتى لو اجتمع بالمجان من الأدباء، وكان عقله يوالي إيمانه بالإسلام.

وقد يقول قائل: إن بعض معاصريه اتهمه بالزندقة؛ فهل جاء اتهامه له بها من فراغ؟ … هذا ما نوضحه فـي السبب الثاني.

٢ - اتهام بعض معاصريه له بالزندقة:

لعل الرواية الوحيدة المنقولة عن أحد معاصريه كانت من قبل سفيان بن معاوية بن يزيد المهلب والي نيسابور، ثم والي البصرة من بعد… وكان بينهما جفاء ثم عداء وخصومة… ومن ثم ترصّد له الأذى حتى صدر إذن الخليفة أبي جعفر المنصور بالتخلص منه لغرض سياسي يتعلق بكتاب الأمان الذي كتبه لعبدالله بن علي [٣٩].

وقد ذكر ابن خلكان فـي (وفيات الأعيان) عدداً من الروايات لكيفية قتل سفيان لابن المقفع، اشتملت إحداها - وهي رواية المدائني - على اتهامه بالزندقة… فقد قال بعد تقطيعه إرباً إرباً وإلقاء كل عضو منه فـي تنور مسجور: «ليس عليّ فـي المثلة بك حرج؛ لأنك زنديق، وقد أفسدت الناس» [٤٠].

فمنهج المدائني (علي بن محمد: ١٣٥ - ٢٢٥هـ / ٧٥٢ - ٨٤٠م) فـي كتبه التاريخية يعتمد على التوسع فـي الخبر والروايات؛ علماً أن روايته هي الوحيدة التي اشتملت على تعليل لفعل سفيان المذكور…

ولو افترضنا جدلاً صحة الرواية - وقد تكون صحيحة - فهي تنبئ بالشهادة المجروحة لسفيان بابن المقفع لما كان بينهما من عداوة شديدة إبان ولاية سفيان للبصرة… وكان سفيان يتوعده بشرِّ مستطير إن نال منه… فهو ما يزال فـي مأمن مادام فـي حماية أعمام الخليفة من آل علي [٤١] …

فلما جرت المقادير وفق ما يشتهي سفيان شفـى إربته منه بتلك الطريقة البشعة فـي القتل… ولمّا استشعر عظمة ما يفعل بهتك حرمة رجل مسلم فمثّل بجثته، ثم حرقه عضواً عضواً فـي تنور يتأجج ناراً نعته بالزندقة؛ لئلا يفسد الناس عليه ويثيرهم على الكراهية والحقد نحوه. فالزندقة - بما تعنيه لدى العامة من الشك والإلحاد، والاستهتار بالقيم الاجتماعية - أعظم دليل على النيل من ابن المقفع، من حرج أو جريرة.

وقد أحسن سفيان استغلالها فنال من ابن المقفع، فوصل إلى مايريد بأقصر الطرق… ومن ثم عضد فعله هذا أمر الخليفة بشأنه، فارتاح لصنيعه، من دون تأنيب… أو لوم… وحين رغب عيسى بن علي فـي الثأر لابن المقفع اختفى دون أن يعلم به أحد…

لهذا أصبحت تهمة الزندقة كافية وحدها للتخلص من أعداء الدولة… أو من أي إنسان غير مرغوب فيه… وهذا ما شهدناه بمقتل المهدي لبشار كما سيأتي.

وأخيراً نتساءل: إذا كانت شهادة سفيان بزندقة ابن المقفع هي الوحيدة فـي عصر ابن المقفع فمن أين جاء الدكتور شوقي ضيف بلفظ الجمع الذي يؤيد تلك التهمة، حين قال: «ولا ينفـي هذا الشك عنه زندقته. فقد شهد بها معاصروه، ومن تلاهم ممن قرؤوا كتاباته» [٤٢]. وأكد مقولته فـي مكان آخر [٤٣].

فمن يتعقب أقوال معاصريه فلن يحظى إلا بمقولة سفيان بن معاوية - إن صحت - وهناك مقولة أخرى للخليفة المهدي محمد بن عبدالله المنصور (١٢٧ - ١٦٩هـ / ٧٤٤ - ٧٨٥م) تقع فـي سياق آخر، من الأسباب… كما سنذكره بعد قليل.

ولهذا يبقى من معاصريه شخص واحد وهو سفيان، أما من جاء بعده فإنما يعود إلى زمن متأخر جداً؛ حتى يأتي القاسم بن إبراهيم (ت٢٤٦هـ / ٨٦٠م).

ولعل هذا كله ينقلنا إلى كلمة المهدي فـي آثار ابن المقفع التي تمثل عندنا سبباً آخر لإشاعة الزندقة عليه …

٣ - اتهام المهدي لمؤلفات ابن المقفع بأنها أصل الزندقة:

اتفق كثير من القدماء والمحدثين على أن أول كلمة مدوّية وصَمَت آثار ابن المقفع المترجمة بأنها سبب فـي انتشار الزندقة بين الناس عامة وأبناء فارس خاصة إنما هي كلمة الخليفة المهدي التي رواها الشريف المرتضى فقال: «فأما ابن المقفع فإن جعفر بن سليمان روى عن المهدي أنه قال: ما وجدت كتاب زندقة قط إلا وأصله ابن المقفع» [٤٤].

وقد يكون هذا دقيقاً على اعتبار أن ما ترجمه من الآثار الفارسية قد حوى شيئاً غير قليل من معتقدات فاسدة؛ أو أنها شجعت بعض العقول المنحرفة على الضلال والعصبية… وكان الجاحظ قد ذكر أن ابن المقفع وسهل بن هارون وأبا عبيدالله وعبد الحميد، وغيلان وغيرهم صنفوا أو أوجدوا الرسائل الفارسية بأيدي الناس؛ فضلاً عن أن هناك رجلاً يسمى المقنع الخراساني ظهر يدعو إلى المجوسية فـي بخارى وسمرقند وقضى عليه المهدي [٤٥]. فإذا أهملنا تشابه اللفظ بين المقفع والمقنع فإننا لا نهمل بيان قدم الزندقة؛ فهي كما أشرنا إليها من قبل موجودة فـي قريش… ثم اختلطت معانيها وتوسعت حتى أطلقت على كل مستهتر وشاك وملحد قبل أن يأتي ابن المقفع وينقل الآثار الفارسية… فخالد بن عبدالله القَسْري كان يرمى بالزندقة، وكذلك الجعد بن درهم مؤدب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية؛ ثم قاوم المنصور الراوندية مقاومة فعالة باعتبارهم أعداء للدولة [٤٦].

فإذا كنا نرى أن ابن المقفع ترجم جملة من الآثار يوم كان على دين المجوس؛ دين ماني؛ وشاع أمرها بين الناس؛ ولا سيما تلك التي تعرض للعقائد؛ بدافع إثبات قدرته على صناعة الكتابة، وإبراز ثقافته الموروثة وفق مايراه عقله لإعادة كتابة التاريخ أو لوضع منهج تاريخي شامل لمثل هذا التاريخ فإنه قد أساء من حيث لم يقدر التقدير الصحيح نتيجة ما ستحدثه ترجماته فـي الناس من آثار سلبية… وإن كان أتلفها فيما بعد.

ولهذا فإننا نقف جنباً إلى جنب مع الخليل بن أحمد الفراهيدي (١٠٠ - ١٧٠هـ / ٧١٨ - ٧٨٦م) أحد كبار أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض… وكان قد سمع بابن المقفع، وهذا قد سمع به؛ وأحب كل منهما أن يجتمع بالآخر… ولما اجتمعا وتحادثا ثلاثة أيام ولياليهن؛ قال الخليل فيه: «ما رأيت مثله وعلمه أكثر من عقله» بينما قال الآخر عن الخليل: «ما رأيت مثله وعقله أكثر من علمه [٤٧] ».

فعقل ابن المقفع على عُلوّ كعبه فـي الذكاء والفطنة والحفظ لم يكن مكتملاً وهو لايزال فـي ريعان الشباب… ولهذا صارت ترجماته الفارسية المتنوعة سبباً فـي أصل الزندقة وانتشارها كما انتهى إليه المهدي… ونحس بأن ترجماته أشبهت كرة الثلج التي كبرت وعظمت كلما دارت بين الناس؛ وكذا هي كلمة المهدي التي حملت على غير وجهها الحقيقي، فاتهم ابن المقفع بسببها بالزندقة التي اتسع انتشارها؛ ولا سيما بين أبناء فارس؛ ساعدها على هذا إطلال الشعوبية برأسها فـي المجتمع الإسلامي. والعيب لا يكمن فـي مقولة المهدي، وإنما يكمن فيمن تقوّلها على ابن المقفع فـي باب الزندقة.

وبهذا كله نفهم دلالة كلمة المسعودي حيث يقول: «أمعن المهدي فـي قتل الملحدين لما انتشر من كتب ماني وابن ديْصان ومَرْقيون مما نقله ابن المقفع وغيره، وترجم من الفارسية والفهلوية إلى العربية» [٤٨].

ونخلص من ذلك كله إلى أن المهدي لم يتهم ابن المقفع بالزندقة؛ وإلى أن ابن المقفع لم يكن مؤسساً لها فـي أرض الإسلام ولكن سوء تقدير عقل هذا الشاب أوقعه فـي شرك كان بغنى عنه لو أجال النظر كثيراً فيما فعل… ولكن ما قدر كان… ثم تلقف بعض مناوئيه قدماء ومحدثين عبارة المهدي وساروا بها على أنها دليل على زندقة ابن المقفع… ونحن لانرى فيما قام به عيباً مثله فـي ذلك مثل عدد من المترجمين الآخرين، ولكنهم لم يوصفوا بالزندقة… فالعيب فيمن تصفح تلك الآثار من أهل الملّة وتأثر بها أو اعتنقها كل «من أضلّه الله من منتحلي العلوم وجادلوا عنها» [٤٩].

فابن المقفع الشاب الذي أسلم، وتابع مشروعه الثقافـي فـي ترجمة ما يعرفه من ثقافة القدماء كان يضع نصب عينيه مشروعاً حضارياً يرى فيه الصلاح للأمة ولكنه لم يكن يدري أن مؤلفاته ستفتح باب الطريق ليس إلى الانحراف الديني والفكري فقط، وإنما إلى معركة فكرية نقدية ما تزال إلى يومنا هذا…

ومن هنا يصبح لزاماً علينا أن نتحدث عن آثاره التي جعلت مناوئيه وبعض المتعصبين يتخذونها لتلبية أغراضهم الخاصة [٥٠].

٤ - آثاره تدل على زندقته وشعوبيته

يرى العديد من القدماء والمحدثين أن آثاره المترجمة إلى العربية سواء المفقودة أم الموجودة لم تكن إلا دعوة للعقيدة المانوية خاصة ولعقائد فارس عامة… ومن ثم فهي إحياء كبير لماضي الفرس المتميز بالتقدم الإداري والعمراني والاجتماعي… إنها إحياء لمدنية فارس ورفعها فـي وجه التقدم الحضاري العربي والإسلامي، الذي لا يزال بطيئاً؛ إن لم يكن هزيلاً (٥١).

ولهذا جعل مناوئوه آثاره المفقودة التي لا تعرف ماهيتها الكاملة والحقيقية سبباً للطعن فـي صحة دينه، واتهامه بالزندقة والعصبية، ثم أوّلوا بعض رسائله التي وصلت إلينا على ذلك النحو. فكتبه مثل (مزدك) أو (الدرة اليتيمة) أو (رسالة تنْسر) كلها - فـي زعمهم - دعوة صريحة للمانوية خاصة ودين المجوس عامة… بل زعم قوم أن ابن المقفع ما ترجم كتاب (الدرة اليتيمة) وهو كتاب حكمة (لبُزْرِجمهر) إلا معارضة للقرآن الكريم. ومن ثم يرى البيروني محمد بن أحمد (٣٦٢ - ٤٤٠هـ / ١٠٤٨م) أن ابن المقفع ما زاد باب (برزويه) فـي كتاب (كليلة ودمنة) إلا «قاصداً تشكيك ضعفـى العقائد فـي الدين، وكسرهم للدعوة إلى مذهب المانية» (٥٢).

وروى الجاحظ عن أبي بكر الأصم (ت٢٢٥هـ) أن ابن المقفع «أوهنه علمه وأذهله حلمه، وأعمته حكمته، وحيرته بصيرته» (٥٣) لأنه لم يهتد إلى الحق.

ولعل من أبرز القدماء الذين أشاعوا عليه تهمة الزندقة الإمام الزيدي القاسم بن إبراهيم بن طباطبا بن إسماعيل الديباج؛ إن صحّ أنه ألّف كتاباً سماه «كتاب الرد على الزنديق اللعين ابن المقفع» إذ يرى أحمد أمين أنه ليس للقاسم ولا هو من مؤلفات القرن الثالث الهجري (٥٤). وقد نشر الكتاب الأستاذ ميخائيل أنجلو جويدي سنة (١٩٢٧م) ثم أوضح فـي مقدمته أن كتاب القاسم بن إبراهيم ردٌّ على كتاب لابن المقفع فـي معارضة القرآن الكريم فقال: «وقد بين القاسم فـي أوائله أن ابن المقفع وضع كتاباً فـي معارضة القرآن الكريم، وعاب فيه المرسلين وافترى الكذب على ربّ العالمين» (٥٥). وقد شك أحمد أمين فـي صحة نسبة الكتاب لابن المقفع لأنه يخالف منهجه فـي الكتابة (٥٦) بيد أن هناك كتاباً اسمه (الدرة اليتيمة) نُسب إليه؛ وهو ما سنناقشه بعد أن نستكمل عرض القضية؛ لنقول: ثم جاء الجاحظ فجعل ابن المقفع واحداً من الذين يصنعون الرسائل الفارسية والسِّير لإشاعة الشعوبية بين أبناء الأمة… (٥٧) …

ومن ثم أسهم أبو الفرج الأصفهاني (ت٣٥٦هـ) فـي إشاعة الزندقة عليه لاستهتاره؛ ليستقر الأمر عند البيروني؛ ومن بعد نقل عبد القادر البغدادي ما وجده عند القدماء (٥٨).

هكذا شاعت تهمة الزندقة الملتصقة بابن المقفع بين القدماء فـي ضوء تفسير آثاره؛ ومن ثم طار بها المحدثون بعيداً، وفـي طليعتهم الأستاذ غبرائيلي الذي كتب مقالة باللغة الإيطالية حول (مؤلفات ابن المقفع) فـي سنة (١٩٣٢م) (٥٩) ترجمها الدكتور عبد الرحمن بدوي ومن ثم نشر ذلك فـي كتابه (التراث اليوناني فـي الحضارة الإسلامية)؛ وقد ظهرت طبعته الثانية بالقاهرة سنة (١٩٤٦م) … وكنا قد أشرنا إلى الدكتور طه حسين من قبل وغيره (٦٠).

ونرى أن الدكتور عبد اللطيف حمزة فـي كتابه (ابن المقفع) قد تطرف فـي أحكامه كثيراً؛ إذ أسسها على أفكار مسبقة، وتأويلات اجتهادية مثيرة. فقد أجج تهمة الزندقة وأكدها على الرجل بمثل ما عاب عليه تعصبه لقومه من الفرس… ولم يجد له فضيلة واحدة. ومن هنا جعل مفهومه للإصلاح الاجتماعي خدمة موجهة لبني جنسه؛ ولم يكن إسلامه إلا وسيلة للتقرب من السلطان… لتحقيق ذلك الهدف.

ثم رأى الدكتور حمزة أن ابن المقفع ما أطلق حديثه فـي سوق المِربد عن صفات الأمم إلا ليسخر من العرب وليحط من شأنهم بأسلوب غير مباشر، لا يوحي إلا بالخبث والكيد والطعن… بينما يُعلي من مكانة قومه. وإذا كنا قد ناقشنا هذه المسألة فـي ضوء رواية ابن عبد ربه ومن ثم التوحيدي (٦١) فإننا نؤكد أن الدكتور حمزة يصر على عصبية ابن المقفع لبني جلدته والتهكم من العرب… فرسالة الصحابة لم تكن أيضاً إلا طعناً فـي العرب ونعي تخلفهم، والتعصبَ للفرس… لأنه يريد أن يبعث مجدهم من جديد (٦٢) وقد بدأ مشروعه هذا قبل أن يترجم كتاب كليلة ودمنة… فهو عنده زنديق خبيث متعصب أشد التعصب للفرس؛ وتعصبه هذا جعله يتحسر على ما آل إليه حالهم، مما دفعه إلى ترجمة تراثهم الغابر لاستنهاض هممهم؛ ثم وقع الدكتور شوقي ضيف - على إجلالنا له - فـي موقع قريب منه، فجعل ابن المقفع كاتباً للفرس (٦٣)، فضلاً عن إقراره عليه بالزندقة.

ولسنا الآن فـي صدد الرد التفصيلي على كل رأي وتفنيده؛ ولكننا سنعرض الردود فـي إطارها التحليلي التاريخي، ومن ثم فيما تدل عليه آثاره وفق نظرة موضوعية محايدة، ومتكاملة تجمع بين رؤية القدماء والمحدثين.

ونرى أن هناك أوهاماً فكرية عديدة وقع فيها مناوئو ابن المقفع قديماً وحديثاً؛ لأمور تتعلق أحياناً بالأحكام الغيابية على أثَر غير موجود بين يديهم، أو ترتبط بهوى ما أو فكر مسبق عن الرجل، فضلاً عن تقليد بعض المحدثين لآراء بعض القدماء إما لقدمها، وإما لأنها استهوتهم. وكأن المنهج الذي اتبعه السيد الشريف المرتضى لم يُرْضِ شهوتهم وغرورهم… فالشريف المرتضى حمل جملة من المقولات التي لم تقنعه؛ ولكنه وازن فيما بينها، ثم نفذ إلى آثار الرجل فوصل إلى حكمه الذي أشرنا إليه من قبل؛ ويتركز فـي قلة دين ابن المقفع، كحال كثير من المسلمين المهملين لواجباتهم.

وهذا قد يكون لدينا مقبولاً؛ على اعتبار أن ابن المقفع لم يعش بعد إسلامه إلا نحو عشر سنوات؛ فقد أسلم سنة ١٣٢هـ وقتل سنة ١٤٢ أ, ١٤٣هـ. فالشاب العاقل الذي ثقف الفارسية تاريخاً ولغة وثقافة واعتنق ديانة أهلها حتى قارب السابعة والعشرين من عمره ليس من اليسير أن يتخلى دفعة واحدة عن كل ماكان يؤمن به ويفكر فيه… ولعل هذا التصور يكشف عما ذهب إليه أبو بكر الأصم من حيرة ابن المقفع (٦٤).

ولعل ما انتهينا إليه من قبل فـي حديثنا عن إسلامه؛ ثم عن كتابه المفقود (الدرّة اليتيمة) (٦٥) أو الموجود فـي كتاب (كليلة ودمنة) أو غيرهما (٦٦) يثبت صحة ما نذهب إليه من براءة ابن المقفع من تهمة الزندقة، وإن لم يكن إسلامه كما هو عليه إسلام رجل الدين… ومن ثم هو بريء من العصبية بالمعنى الشعوبي العنصري الذي عرفه بعض الأفراد الآخرين، على الرغم من أنه خالط عدداً غير قليل منهم بحكم انتشارهم فـي دواوين الدولة؛ إذ إن بداية الخلافة العباسية ذات مظهر فارسي عامة. ويمكننا فـي هذا المقام أن نذكر بعدة أمور لابد منها، ونعتقد بأنها كفيلة بإجلاء الحقيقة، وكشف الغشاوة عنها… وأبرزها:

أ - ليس هناك من أحد ينكر أن ابن المقفع ترجم العديد من الكتب الفارسية القديمة المتعلقة ببني جلدته… كما ذكرناه من قبل. وهي كتب فـي السِّيَر والعقائد والحِكم… والتهذيب والإرشاد… ابتداء بما فقد منها، وانتهاء بما وصل إلينا.

فابن المقفع أقام ترتيب حياته على منهج علمي دقيق منذ حداثة سنه… فلما وجد الثقافة ضرورة حتمية للكاتب طفق يرود مجاهيلها ومصادرها، وكان على دراية باللغة الفارسية فنهل مما كتب فيها… ومن ثم وجد نفسه وقد بلغ من العقل ما بلغ أن يتعلم العربية، ويحفظ آدابها وعلومها… وكان يوم ذاك قلبه فارغاً من مفهوم الدين الصحيح، لأنه ورث المانوية عن أبيه وقومه…

لهذا وضع هدفه الطموح لترجمة ما يراه مناسباً فـي حدود ما يعقل ويراه ملبياً لصناعة الكتابة، وتثقيف الكاتب، ككتاب (مَزْدك) الذي أفاد منه الجاحظ ونظام الملك (٦٧).

بل إننا نذهب أكثر من ذلك؛ فالشاب الطموح كان يراوده وضع مشروع تاريخي للبشرية، ولم يجد فـي إطار معارفه، وقدراته العقلية إلا الثقافة الفارسية وماترجم إليها من الأمم الأخرى…فأسرع يغرف منها، فكانت كتبه المتعددة ابتداء من أول كتاب له كما نعتقد وهو كتاب (خداي نامه) ثم (آيين نامه) وغيرهما ثم ترجم من الفارسية القديمة (كليلة ودمنة) وهو من أصل هندي… وإن أضاف إليه ما أضاف… وكان آخرون غيره قد ترجموا كتاب (خداي نامه) (٦٨).

ولم يختلف هو عن غيره من المترجمين المعروفين، فقد التقوا أحياناً، وافترقوا أحياناً أخرى… وإن فاقهم فـي تصوره المنهجي لكتابة التاريخ الذي يبدأ مع بداية الخلق والزمان… ولا شيء أدل على هذا من أن الفردوسي اعتمد على كتبه التي وصلت إليه، وكان بعضها قد وصل إلى ابن قتيبة من قبل واستمد منها كثيراً من معلوماته، ولم يخطر فـي بالهما أن ينعتاه بالزندقة… وإن كان ابن قتيبة قد روى خبر حنينه إلى دين المانوية، كما تقدمت الإشارة إليه؛ فضلاً عن أن الجاحظ قد اعترف بتقدمه فـي الأدب (٦٩).

ولهذا نقول: لايمكن لأي كاتب أو باحث أن يكون إلا ذاته وثقافته، ولا يمكنه أن يتنكر لأصوله الفارسية وثقافتها… وهو لم يعرف غيرها آنذاك، ولم تكن قدراته العقلية على اتصافه بالتميز بها… كافية لتقدير الأشياء تقديراً دقيقاً؛ ومن ثم وضعها فـي الموضع اللائق والدقيق… فقدمها للناس قبل إسلامه على مايراه يخدم ذاته ووضعه الاجتماعي…

ولما كان علمه أكبر من عقله - كما نوهنا به من قبل - كانت توجهه نزعة إصلاحية أخلاقية مثالية؛ مما جعله يعمل فـي تأديب أولاد الولاة؛ ولعل هذا جعله يؤلف (الأدب الكبير والأدب الصغير) وغيره؛ بل إن النزوع العقلي الإصلاحي المثالي نحا به إلى عرض مكامن الفساد فـي المجتمع والدولة… فوجد أن الجهل مصدر أمراض الرعية، ولا علاج له إلا بالعلم والمعرفة؛ ومحاسبة النفس على التقصير والكسل … ورأى أن الظلم والاستبداد مصدر أمراض الحكم، ولا علاج لها بغير العدل والمشورة، واختيار البطانة الصالحة ومتابعة محاسبتها… وهو ما نجده فـي (كليلة ودمنة) و (رسالة الصحابة).

ولما أيقن بوجود الحرية الفكرية، والاجتماعية شرع يترجم من الكتب ما يلبي نزوعه العقلي الإصلاحي… وإن كان بعض ما ترجمه أو كتبه لا يقترب من الدين فـي جوانب منه، أو يتطابق مع مفاهيم الإسلام العديدة، أو مع النزوع العربي القومي… مما جعل بعض القدماء يتهمونه بالزندقة أو رقة الدين، ثم يشدد بعض المحدثين النكير عليه فيلصقون به تهمة الزندقة والعصبية لفارس… بينما لم يفكر إلا أن يقف بين حضارتين حضارة قديمة زالت وفيها بعض ما يفيد، وحضارة ناهضة…

لهذا نرى أن ابن المقفع لما بلغ من العقل ما بلغ ووصل إلى مرحلة متقدمة من النضج والإدراك، لم تعد المانوية تقنعه باعتبارها ديناً، بحث عن الدين الحقيقي فوجده فـي الإسلام؛ على علمه بوجود أديان أخرى كاليهودية والمسيحية… فقد دخل الإسلام قلبه واعتنقه طواعية، وإن لم يتفقه فيه كما هو عليه أهل الدين…

من هنا لزمته الحجة فـي الذب عن الملّة الإسلامية، والسعي الدؤوب إلى إصلاحها على وجه يرى أنه الحق… وحيث مزّق بعض ما كتبه مما كان يؤمن به كانت تلك الكتب قد انتشرت أفكارها فـي الأمة، مثلها مثل كتب الآخرين من المترجمين… فمن أضلّه الله انحرف عن الحق… وكان قد أخذ حظه من الالتقاء بمجموعة من الأدباء المستهترين، الذين أثروا فـي رؤية الناس لابن المقفع.

ولعل هذا ينقلنا إلى كتاب (الدرة اليتيمة) وما كتب فـي الرد عليه، على اعتبار أنه مما كتب قبل إسلامه… ومن ثم نشير إلى ما كتب بعد إسلامه، وكلها تؤكد أن ابن المقفع ما اعتنق الإسلام إلا اعتناقاً صحيحاً، ولم يكن ظاهراً… وكذلك لم يكن إسلامه بسبب رغبته فـي الدخول إلى السلطان، ومن ثم لم يكن يقصد إفساد العقيدة الإسلامية بالدعوة إلى المانوية… إذ لم يكن داعياً إليها يوماً، وإن حوت بعض ترجماته جملة من العقائد الفارسية فـي معرض كتاباته للتاريخ، كما هو كتاب سيرة (مزدك) أو رسالة (تِنْسر).

ب - ما قيل فـي الدرة اليتيمة: كتاب (الدرة اليتيمة) أحد آثاره الهامة التي لقيت عناية القدماء والمحدثين؛ على اعتبار أنه معارضة للقرآن الكريم… وربما يكون هذا الوهم قد تأكد بعد كتاب القاسم ابن إبراهيم حين رد عليه فـي كتابه المسمى (كتاب الرد على الزنديق اللعين ابن المقفع) الذي شك أحمد أمين فـي صحة نسبته للقاسم، ولعله صحيح.

فالقاسم مبغض لابن المقفع فـي المذهب، من جهة، ومن جهة أخرى كان ابن المقفع فـي صف العباسيين… إذ صار من الملتزمين بالولاء لآل علي عم الخليفة أبي جعفر المنصور وموطدي أركان دولته… فضلاً عن أن تدين ابن المقفع كان وسطاً، وهو ليس رجل دين كالقاسم الذي كان واحداً من أئمة الزيدية، فابن المقفع يأخذ من الدنيا أشياء كثيرة من المتع، ولم ينس الآخرة… مما يجعله بعيداً عن موقف القاسم… ومن ثم يكون بعيداً جداً عن صفات المانوية… فالرجل فـي صفاته وأخلاقه وسلوكه وعاداته يخالف كل مبادئ المانوية الزاهدة فـي الحياة؛ وما زهدها فـي المتع إلا من أجل استعجال الفناء، دون الإيمان بالآخرة… (٧٠).

ولهذا كله فنحن نحترس من اتهام القاسم له بالزندقة؛ إن صحت نسبة كتابه إليه؛ ونسبة (الدرة) إلى ابن المقفع، وبأنه معارضة للقرآن فما يزال مفقوداً. فإذا كان قد وصل إلى القاسم وبنى حكمه عليه فإنه قد وصل إلى القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني (٣٣٨ - ٤٠٢هـ / ٩٥٠ - ١٠١٣) الذي انتهت إليه رياسة مذهب الأشاعرة… ومن ثم نظر فيه فلم يجد أي أثر لمعارضة القرآن… ولعل تخرصات بعض القدماء على ابن المقفع فـي هذا الشأن دفعته - وهو المتشدد فـي الحق والدين - إلى القول فيهم: «بل يزعمون أنه اشتغل بذلك مدة ثم مزّق ماجمع… ولو كان بقي على اشتباه الحال عليه لم يَخْفَ علينا موضع غفلته، ولم يشتبه لدينا وجه شبهته». وسبق أن قال: «وقد ادعى قوم أن ابن المقفع عارض القرآن، وإنما فزعوا إلى الدرة اليتيمة وهي كتابان: أحدهما يتضمن حكماً منقولة… والآخر فـي شيء من الديانات» (٧١). فالباقلاني يدرك أن الكتاب ترجم تحت أثر الثقافة الفارسية؛ واستشف من وراء هذا أنه ترجمه قبل أن تلزمه الحجة بالإسلام، ومن ثم العقل؛ فلما أدرك ما فيه من فساد العقيدة مزقه… وهذا خير على خير…

ولعل ما يؤيد الرأي السابق ما انتهى إليه بروكلمان؛ إذ يؤكد تأليف الكتاب ثم نسبته لابن المقفع؛ فيقول فـي معرض تعليقه على رد القاسم بن إبراهيم: «وهذا الرد لا يسمح بالجزم: هل صدر ابن المقفع فـي محاربته للإسلام عن عقيدة مانوية ثابتة، أو أنه جرى فقط على نزعته الإنسانية العامة، وإن اتصلت أيضاً بمذهب المانوية» (٧٢). ويتضح من هذا الرأي بكل جلاء أن الكتاب ألف قبل إسلام ابن المقفع.

ونحن لا نشك بوجود الكتاب؛ وإن كان مفقوداً؛ ولعل القاسم من رَدّ عليه، ثم قرأه الباقلاني وأثبت أنه تُرجم قبل إسلامه، ووافق النزوع الذي كان عليه… من قبل… وهو نزوع يبتعد عن مفهوم الزندقة، أو ما شاكلها… ولا شيء يوضح لنا هذا من أن محيي الدين بن عربي وهو محمد بن علي (٥٦٠ - ٦٣٨هـ / ١١٦٥ - ١٢٤٠م) قد فسر لنا كل مااشتملت عليه أفكار (الدرة اليتيمة) … فإذا لم يصل إلينا الكتاب فقد وصلت إلينا رسائل ابن عربي، وليس فيها شيء يعارض القرآن - وهو رأي تقدمه به القاضي الباقلاني فـي كتابه (إعجاز القرآن) - على الرغم من أنه فسرها تفسيراً يقرب كثيراً من مفاهيم أهل التصوف… فـي كتاب له بعنوان (عظة الألباب وذخيرة الاكتساب) (٧٣).

وبناء على ذلك كله نذهب إلى أن ابن المقفع لم يكن بصدد ترجمة كتاب يعارض فيه القرآن الكريم؛ وإن وقع فـي كتاب الدرة اليتيمة ما يفيد بنقد ألوان من التشبيه فـي القرآن (٧٤) ولم ير الباقلاني فيها بأساً… ومن ثم فإنه بعد إسلامه وجد ذلك ضرباً من المستحيل؛ إذا صحّ الخبر الذي أوردناه من قبل فـي رواية صاحب الاحتجاج… وهو ليس بصحيح … مما يؤكد أن فكرة معارضة القرآن دعوى باطلة، وكذلك دعوى الزندقة.

بل لو كان الخليفة أو غيره شعر بزندقته أو تعصبه لفارس لما أفلت من العقاب… وآثاره الباقية تؤيد براءته من كليهما؛ إذا قرئت قراءة موضوعية محايدة… ونزيهة… فبعد التمعن فيها لا يوجد كلمة واحدة تؤيد زندقته…

ولعل ما تقدم من حديث عن (رسالة الصحابة؛ أو كليلة ودمنة) أو مفاضلته بين الأمم كافٍ (٧٥) ولكنه يحملنا أمانة الإشارة السريعة إلى حقيقة هامة تتصل بعقاب الخلفاء والولاة للزنادقة والشعوبيين؛ ممهدين لها بقبسة تذكّر بأسماء بعض مؤلفاته الباقية، وتعرض لنص منها…

ج - معاقبة الزنادقة والشعوبيين: سعى ابن المقفع إلى نقل ما يراه مفيداً لحياة الناس، وتهذيب أخلاقهم؛ وتصحيح سلوكهم… فكان كالشجرة المثمرة التي حملت أنماطاً من الثمر فيه الناضج وغيره؛ مما جعله يلتفت إلى شؤون عديدة تتصف بالنزوع الإصلاحي والأخلاقي… ولعل آثاره تؤكدها الكتب التي وصلت إلينا، و (رسالة اليتيمة) ورسائله الأخرى التي ضمها محمد كرد علي إلى كتابه المسمى (رسائل البلغاء) (٧٦). ومن رسائله الإخوانية البديعة التي توحي بنفـي الزندقة عن الرجل، وتؤيد صدق إسلامه؛ وإن لم يكن وصل إلى مرتبة رجل الدين؛ شأنه شأن كثير من المسلمين قديماً وحديثاً؛ قوله: «أما بعد فإن من قضى الحوائج لإخوانه واستوجب بذاك الشكر عليهم فلنفسه عمل لا لهم، والمعروف إذا وضع عند من لا يشكره فهو زرَع لابد لزارعه من حصاده أو لعَقِبه من بعده…. » (٧٧).

فأول ما تطالعنا به هذه الكلمات أنها تمتح دلالاتها وأسلوبها من القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه ( (فصلت ٤١ / ٤٦). وهذا النص يوحي بأنه يختلف كثيراً عما كان عليه عندما ترجم كليلة ودمنة (سنة ١٣٣هـ) وقد ترجمه وفـي ذهنه فكرة السلطان والرعية؛ وفكرة الصداقة والإخاء… وهذا يلبي طموحه فـي الإصلاح ليقف بين حضارتين ينهل من الأولى ليغذي الثانية التي أخذت أنوارها تشع فـي الآفاق… ترجم الكتاب لما رآه ويراه من دسائس ومؤامرات وخيانات وقتل وتشريد وفساد فـي الولاة… فأراد أن يكون الكتاب موجهاً غير مباشر لذوي الألباب، كما تبرزه مقدمته (٧٨).

ولو كان يبغي مصالح دنيوية فـي الدخول إلى السلطان، أو لكي يجعل إسلامه وسيلة إليه لما كتب هذا الكتاب، ولما كان قد كتب رسالة الصحابة. ولو أن أبا جعفر المنصور - وكان آنذاك ولياً للعهد - استشعر زندقة أو شعوبية، أو طعناً حقيقياً فـي الخلافة والسلطة، وتثويراً للرعية عليها لما أهمل ابن المقفع لحظة واحدة، وليس هناك من يمنعه من معاقبته… وهو الذي أنفذ قضاءه فـي أقرب المقربين إلى أخيه أبي العباس، وهو أبو مسلم الخراساني… فلما أحس منه الخطر على الدولة، وظن به الشعوبية والعنصرية قتله (٧٩).

وكلنا يعرف أن ابن المقفع كان على دين المانوية قبل إسلامه، والمانوية تؤمن بإله النور، وهو إله الخير… ولهذا يقدس أبناؤها النار ويتعبدون عندها… ومن هنا يعظمون إبليس لأنه مخلوق من نار… على حين أن إبليس كان عند ابن المقفع حسوداً بغيضاً إلى نفسه… وحسده سبب عصيانه… (٨٠).

وما منا أحد إلا عرف أن أبا جعفر المنصور قد قتل ابن أبي العوجاء على زندقته حين دسّ الأحاديث الشريفة على رسول الله (ص)، ثم قتل المهدي بشاراً وصالح بن عبد القدوس؛ وقيل قتله الرشيد مع غيره (٨١). وما كان المنصور ليرحمه لو أيقين بزندقته أو شعوبيته، وهو الذي أمر بقتله على أدنى من ذلك بشأن يتعلق بكتاب الأمان… علماً أنه كان يضطغن عليه من قبل لأسباب متعددة.

أما خبر الزنادقة ومن ردّ عليهم وأفحمهم فإننا لا نجد ذكراً لابن المقفع فـي ذلك كله؛ وإن أدخله الجاحظ فـي عدادهم. ويعد بعض المعتزلة من أبرز من ردّ على الزنادقة والملحدين وألزموهم الحجة وأفحموهم؛ مثل أبي الهُذَيل العلاف، والجاحظ وبشر بن المعتمر وإبراهيم النظام… وغيرهم من أهل الملّة الإسلامية (٨٢).

فابن المقفع لم يضع كتاباً فـي (مثالب العرب) مثل أبي عبيدة معمر بن المثنى (٨٣) ولا أبطل أحد ثقافته أو ما كتبه؛ أو نهى عنها، كما أبطل المهدي رواية حماد الراوية على الملأ فـي السوق، ولا انسلخ من الدين، وأقر على نفسه بالإلحاد أو الزندقة والشعوبية منذ إسلامه… ولا ارتكب الفجور وتهتك قولاً وفعلاً (٨٤). ولم يطلب منه أحد من الولاة أو الخلفاء أن يسلم، ولا كان هذا من صميم عمل أي واحد منهم فـي داخل الدولة الإسلامية… بل إن كثيراً منهم صار فـي حياته وطبائعه أشبه ماكان عليه الفرس أنفسهم من دعة وترف… فكيف يطلبون إليه الإسلام؟ !!

وبناء على ذلك كله فآثاره الباقية، أو تلك المفقودة ليس فيها ما يؤكد زندقته لا الزندقة العلمية التي عرف بها الأدباء والمفكرون ولا الزندقة المعروفة عند الناس.

فكيف يكون زنديقاً من يقول: «وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها فـي الدين وفـي الأخلاق وفـي الآداب… ثم يكثر عَرْضه على نفسه، ويكلفها إصلاحه» (٨٥).؟ !

فهذا الكلام يشبه المأثور من كلام عمر بن الخطاب «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا؛ وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا. فإنه أهون عليكم فـي الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم» (٨٦). ومما يؤيد ذلك قول آخر لابن المقفع: «وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على نفسه أن لا يشغله شغلٌ عن أربع ساعاتِ: ساعة يرفع فيها حاجته إلى ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه…» (٨٧). وقوله: «الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله إلى خلقه، وأعظمها منفعة؛ وأحمدها فـي كل حكمة» (٨٨).

وهو الذي يرى أن مَن استخف بالأتقياء أهلك دينه، وقدمهم فـي المنزلة على الولاة والإخوان فقال: «وأحقُّ من لم يُستخفّ به ثلاثة: الأتقياء والولاة والإخوان، فإنه من استخف بالأتقياء أهلك دنياه، ومن استخف بالإخوان أفسد مروءته» (٨٩).

ولعل الأقوال الكثيرة لابن المقفع فـي العديد من آثاره تدل بما لايقبل الشك على صدق إيمانه بالإسلام، وإخلاصه لبناء نهضة الأمة الإسلامية فـي إطار نزوع ثقافـي إصلاحي إنساني مبني على منهج عقلي صرف… ولم يكن النزوع للثقافة الفارسية التي ينهل منها أفكاره سبباً فـي الارتكاس إلى الشعوبية التي ارتكس إليها بعض الأدباء والمفكرين… دون أن يتنكر لانتمائه إلى فارس… ولهذا فإننا لاننكر عليه رجوعه إلى الثقافة الفارسية، ولا تمسكه بانتمائه إلى بني جنسه… مادام أنه لم يجعلها فـي إطار شعوبي تعصبي… وهو مانراه عند كثير من أبناء الأمة الإسلامية فـي كل زمان ومكان… فضلاً عن أن ثقافته - وهو مايزال فـي مقتبل العمر - كانت بمقتضى حياته التي يمارسها… فهو لايزال مقيداً بتعاليم أسرته وثقافتها… فهو لم يكن يملك إلا اللغة الفارسية والعربية… ترجم بوساطة الثانية ما يعرفه عن ثقافة فارس مثله مثل عدد آخر من المترجمين فـي عصره، وإن احتل الرئاسة فيهم (٩٠).

ومن هنا ندرك أن ابن المقفع لم يعد كاتباً أو أديباً عادياً؛ بل صارت له مكانة عظيمة فـي ميادين الترجمة والكتابة واشتهر فيهما وبتأديب الأولاد؛ حتى أدت شهرته فـي ذلك إلى صناعة الكتب ونسبتها إليه؛ وكتابة الرسائل وترويجها عليه (٩١).

وكلما راج كتاب صنع عليه كانت تهمة الزندقة تلحق به… وقوّى الميل إلى هذه التهمة أنه كان يجتمع بعدد من الزنادقة والمنحرفين الضالين من أهل الفسق والشراب… وكأنه تغافل عن قوله: «لا يُذكر الفاجر فـي العقلاء» (٩٢)، فالعقلاء كانوا أشد نقداً له حين عاشر المجان… وكان بمنأى عن ذلك…

ومن هنا ننتقل إلى هذا السبب الهام الذي كان وراء اتهام ابن المقفع بالزندقة، عند الخاصة قبل العامة.

٥ - اجتماعه ببعض المستهترين

لعل مناقشة الأسباب السابقة قد جنحت بالعقل إلى تبرئة ابن المقفع من الزندقة؛ وما علق بها من مفهوم الشعوبية، على الرغم من أن كثيراً من القدماء والمحدثين قد تعلقوا بذلك؛ ولم يقتنعوا ببراءته منهما… ثم صار اجتماعه مع بعض الزنادقة والمجان فـي حياتهم دافعاً قوياً لمناوئيه لتأكيد تلك التهمة… ولاسيما أن العامة تربط بين حياة المجان وبين مفهوم الزندقة (٩٣). فالفسق لديهم مرتبط بالخلاعة والاستهتار وشرب الخمرة؛ لأن الشراب قد يغلب أهله؛ فيقولون كلاماً فيه طعن فـي الدين؛ رغبوا فـي هذا أم لم يرغبوا؛ فضلاً عن أن سلوك هؤلاء ينافـي القيم الاجتماعية والأخلاقية التي تواضع عليها أبناء المجتمع الإسلامي… وإن كان ظاهر الحياة العامة قد اكتسبت ألواناً اجتماعية جديدة منفتحة على عادات الأقوام التي دخلت الإسلام… فانتشرت أنماط من الحرية الاجتماعية فـي المأكل والمشرب والملبس لم تكن سابقاً.

ولاشيء أدل على هذا كله من أن آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قد اتهمه المهدي بالزندقة (على حبه إياه لتظرفه) لأنه كان فـي بداية حياته «خليعاً ماجناً منهمكاً فـي الشراب». وكان قد أفرط بالمجون والشراب فـي بداية حياته، وقال كلاماً فيه كثير من الهجر؛ حتى أُخذ به إلى المهدي… ولما تيقن من صحة اعتقاده وإن عُدَّ فـي طبقة المجان عفا عنه… وقد عمّر، ثم نسك فـي أخريات حياته (٩٤).

فابن المقفع أراد أن يجمع بين الدنيا والآخرة كما يقول: «لاعقل لمن أغفله عن آخرته ما يجد من لذة دنياه؛ وليس من العقل أن يحرمه حظه من الدنيا بصره بزوالها» (٩٥). ولكن عدداً من القدماء حشره فـي زمرة المجان والمستهترين؛ مما جعل تهمة الزندقة تلحق به… على حين لم يشر إليه المعري فـي جماعة الزنادقة أو المجان الذين أدخلهم جهنم؛ مثل بشار والوليد بن يزيد (الخليفة الأموي) وأبي نواس… (٩٦).

إذاً؛ اختلف الناس فـي جعل التعهّر والمجون وشرب الخمرة زندقة؛ فالمجون يدخل فـي باب التملّح أو التظرّف… مالم يمس جوهر الاعتقاد الإسلامي. فكل من شرب الخمرة واستمتع بالملذات وجاهر بالقول فـي ذلك من غير إلحاد أو شك فهو بريء من الزندقة، وداخل فـي باب التطرف؛ لأنه لا يتزندق عن عقيدة علمية أو اجتماعية، وهذا ما شاع بين الخاصة لابين عامة الناس… كما وجدناه عند آدم بن عبدالعزيز… وقد رُمي يحيى بن زياد بالزندقة «وكان من أظرف الناس وأنظفهم، فكان يقال أظرف من الزنديق وكان محمد بن زياد يظهر الزندقة تظارفاً، فقال فيه ابن مُناذر:

يا ابن زياد يا أبا جعفر

أظهرت ديناً غير ما تُخفي

مُزندق الظاهر باللفظ فـي

باطن إسلام فتىً عفِّ

لست بزنديق ولكنما

أردت أن توسَم بالظّرفِ» (٩٧).

لهذا كله ارتبطت الزندقة بالمجون والشراب، واتخذها بعض القوم سلاحاً لرمي خصومهم بالزندقة… وهذا ما وقع لابن المقفع الذي اجتمع ببعض المجان فاتهم بها وكان الجاحظ أول من أشاع عليه اجتماعه بمرتكبي الإثم والفجور فقال: «كان منقذ بن زياد الهلالي؛ ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد، وحفص بن أبي ودّة، وقاسم بن زُنْقطة وابن المقفع، ويونس بن أبي فروة؛ وحمّاد عجرد؛ وعلي بن الخليل؛ وحماد بن أبي ليلى الراوية؛ وحماد بن الزبرقان، ووالبة بن الحُباب، وعُمارة بن حمزة بن ميمون، ويزيد بي الفيض، وجميل بن محفوظ المهلبي؛ وبشار بن برد المرَعّث، يجتمعون على الشرب وقول الشعر؛ ويهجو بعضهم بعضاً؛ وكلّ منهم مُتهم فـي دينه» (٩٨).

ونحن لا ننفـي تهمة الزندقة عن بعض من ذكرهم الجاحظ؛ لكن بعضهم الآخر كان رقيق الدين؛ لأنه ماجن مثل يحيى بن زياد صاحب ابن المقفع والرشيد، وهناك آخرون عرفوا حقاً بالزندقة ولم يشر إليهم الخبر السابق (٩٩). إن كل من يراجع الخبر يجد أن الجاحظ أدخل ابن المقفع فـي زمرة الفسقة والملحدين والزنادقة… لاجتماعهم على الشراب… وقد رأى أبو الفرج فـي هذا التوسع ضالته فطار بها، وشن حملة شعواء على المجان، ومن ثم رماهم بالزندقة كمطيع بن إياس، ويحيى بن زياد الحارثي؛ ثم زجّ فـي زمرتهم ابن المقفع كما فـي قوله: «كان مطيع بن إياس، ويحيى بن زياد الحارثي، وابن المقفع؛ ووالبة بن الحباب يتنادمون ولا يفترقون، ولا يستأثر أحدهم على صاحب بمال ولا ملك، وكانوا جميعاً يرمون بالزندقة» (١٠٠). فكثير منهم ارتكب الآثام والفواحش وجاهر بها قولاً وعملاً؛ مما يناقض الإسلام لقوله تعالى: (لا يحب الجهر بالسوء ( (النساء ٤ / ١٤٨).

ولعل اجتماعه بالمجان والزنادقة الملحدين كان وراء اتهام المرتضى له برقة الدين على جودته فـي الأدب… ولكننا - ونحن نعجب بالسيد المرتضى - ندرك أن ابن المقفع لم يكن رجل دين - وإن كان رجل أدب وفكر وتأديب وإصلاح اجتماعي وسياسي - بكل معطيات مفهوم رجل الدين، ولكنه فـي الوقت نفسه أسلم عن وعي وإدراك واعتنق الإسلام ظاهراً وباطناً؛ على ماكان عليه فـي حياته من معاشرة المستهترين وشاربي الخمرة؛ فضلاً عن أنه كان يجتمع كثيراً بداود بن علي بحكم صلته بأخوته عيسى وإسماعيل وسليمان؛ وكان داود متهماً بالفجور والتهتك… فسمة حياة كثير من أهل السلطان والأدباء والمفكرين، صارت مطبوعة بالحياة الفارسية بما عرفت من اللهو…

وإذا كان داود لم يتهم بالزندقة لأنه من أعمام الخليفة المنصور فإن وراء تهمة ابن المقفع بالزندقة سبب الخصومة السياسية والفكرية والدينية والأدبية… فالجاحظ ما زجّه فـي زمرة المتهمين برقة الدين لفجورهم وشهرتهم بمقارعة الخمرة والمتع إلا إرضاء للخلفاء العباسيين فـي عهده الذي يبتعد عن ابن المقفع أكثر من مئة سـنة؛ وكذلك كان أبو الفـرج الأصفهاني مبغضاً له فـي الهوى السياسي. وكلنا يعرف أن الأصفهاني كان أموي الهوى، بينما كان يعيش ابن المقفـع ولاء كاملاً لأعمام الخليفة العباسي المنصور من آل علي… وهم من كانوا يطبقون على أغلب ولايات الخلافة… فهو خادم لبني العباس… ولذلك جعل الأصفهاني اجتماعه بأهل الفسق والفجور سبباً إلى اتهامه بالزندقة، ودليلاً عليها.

ولعلّ أبا الفرج روّج لتهمة الزندقة على ابن المقفع حين أكثر من الأخبار التي تتحدث عن الزنادقة وإظهارهم بكل وقاحة للمجون قولاً وفعلاً، واعترافهم به؛ واعتراف بعضهم بالزندقة كابن أبي العوجاء، أو اعتراف أبنائهم كابنة مطيع بن إياس (١٠١).

ولاشك فـي أن بعض الفلاسفة والمفكرين والأدباء والشعراء… وكثيراً من الناس قد مارسـوا نوعاً من الحرية الفكرية والاجتماعية فـي المطعم والمشرب والقول؛ ولم يكن فـي هذه الحرية بأس مادامت بعيدة عن السياسة… ولهذا فإنهم كانوا بمأمن من يد السلطان وهم يقعون فـي المحرمات… حتى إذا ما سقطوا فـي مكامن الحذر رفع فـي وجههم تهمة الزندقة التي جاءت من استهتارهم وفجورهم.

ولا شيء أدل على هذا من حكاية بشـار بن برد؛ فقد ذهب أكثر الدارسـين إلى أنه متهتك… ولم يمنعه فجوره من الدخول على المهدي الخليفة العباسي؛ أو غيره من معاصريه كحمّاد عجرد، ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد… ولكن فجوره جعل أقرب الأدباء إليه ينعته بالزندقة؛ وهو حماد عجرد حين أبلغ بهجاء بشار له فقال: «والله ما أبالي بهذا من قوله؛ وإنما يغيظني منه تجاهله بالزندقة، يوهم الناس أنه يظن أن الزنادقة تُعبَدُ رأساً، ليظن الجُهّال أنه لايعرفها، لأن هذا قول تقوله العامة لاحقيقة له، وهو والله أعلم بالزندقة من ماني» (١٠٢).

فالمهدي الذي نكّل بالزنادقة ومطاردتهم - وهكذا فعل من جاء بعده - لم يكن بشار يعنيه فـي استهتاره وفجوره حتى إذا ماهجاه وأفحش دفعه إلى (عبدالجبار) فقتله فـي البصرة (١٠٣). وكان بشار قد سُئل: «أي متاع الدنيا آثر عندك؟ فقال: طعام مُزّ؛ وشراب مُرّ، وبنت عشرين بِكْر» (١٠٤).

ولسنا نرتاب لحظة واحدة فـي أن ابن المقفع قد عاشر بعض المستهترين وشاركهم مجالسهم على الرغم من قوله: «الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله إلى خلقه؛ وأعظمها منفعة؛ وأحمدها فـي كل حكمة» (١٠٥)، ومن معرفته بأن الفاجر لايذكر فـي الخير والعقل؛ لقوله: «لايذكر الفاجر فـي العقلاء، ولا الكذوب فـي الأعفاء» (١٠٦). فابن المقفع اجتمع إلى أولئك اعتقاداً منه بأنهم فـي المنزلة العليا من الثقافة فـي الشعر واللغة والأدب، قبل الإسلام - غالباً - ثم إنه يرى - بعد إسلامه - أنه يعتقد الإيمان على الصواب، فيؤدي الفرائض ويتجنب الكبائر كما توحي أقواله وما قاله بعض أصحاب بشار: «كنا إذا حضرت الصلاة نقوم ويقعد بشار، فنجعل حول ثيابه تراباً لننظر هل يصلّي؛ فنعود والتراب بحاله» (١٠٧) فاجتماعه بأمثال بشار من أهل الفسق قد أزرى به عند رجال الدين وعند العامة على السواء… ولكن غشيانه لمجالس الطرب والقينات لم يكن فـي غير محرم؛ فهو يقسم حياته بين دنياه وآخرته دون أن يضيع الثانية لحساب الأولى كما سنذكره.

ونحن لسنا ممن ينكر على كل حر شريف متدين أن يجتمع مع غيره من الأحرار وإن لم يكونوا متدينين؛ أو مع العابثين المتظرفين قاصفـي المتع والشراب، على أن يبقى على حريته وتدينه… ولكننا نقول: من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.

ويرى الأستاذ محمد كرد علي أن هناك العديد من الأدباء الذين دافعوا عن الدين الإسلامي رُمُوا بالزندقة لأسباب سياسية أو شخصية أو مذهبية كما حدث للجاحظ… وسبب اتهام الجاحظ بالزندقة لكونه معتزلياً يظل دون السبب الذي رمي به ابن المقفع بالزندقة؛ ويتجسد فـي اجتماعه ببعض الزنادقة والمستهترين، على الرغم من أنهم ينتمون إلى طبقات اجتماعية رفيعة، ويحملون الشرف والحرية إباءً فـي أنفسهم… فالأستاذ كرد علي يذهب وفق الشروط التي وضعها ابن المقفع للصداقة كما فـي قوله: «إذا نظرت فـي حال من ترتئيه لإخائك، فإن كان من إخوان الدين فليكن فقيهاً غير مراءٍ ولا حريص؛ وإن كان من إخوان الدنيا فليكن حُرّاً ليس بجاهل ولا كذاب ولا شرير ولا مشنوع» (١٠٨).

فاجتماعه مع من يوازيه فـي المكانة والإباء من دون أن يتصف بالكذب أو الشر ولو شرب الخمرة ليس «من المحظور فـي قانون الأرض وقانون السماء» وليس من المحظور أن يسمر الناس ويتنادروا ويتمازحوا، وهذه الطبقة من الرجال كانت من أرق الناس وأفضلهم» (١٠٩).

وحينما نلحظ فـي كلام ابن المقفع غمزه من رجال الدين المرائين الحريصين، ندرك أنه لم يكن على وفاق معهم… فهو مع رجل الدين الصادق الكريم… وهذا لا مراء فيه؛ لكن رأيه فـي الذين اتخذوا الدنيا ومتعها هو ما يستحق الوقوف عنده… ولعل اجتماعه بمثل هؤلاء ولو كانوا أحراراً لم يعرفوا الشر والكذب، هو الذي يعاب عليه؛ لأن سلوكهم فـي الشراب وطلب المتع لا يتفق مع جوهر العقيدة الإسلامية وتعاليمها… فالناس عامة وبعض الأدباء خاصة قد أخذوا ابن المقفع بشبهة الشك والإلحاد لأنه عاشر أمثال أولئك الأحرار؛ وشرب معهم النبيذ؛ وإن رأى أنه يبيح لنفسه شربه على مذهب بعض فقهاء العراق، دون أن يرتكب إثماً كما يقول (١١٠):

سأشرب ما شربت على طعامي

ثلاثاً ثم أتركه صحيحا

فلست بقارف منه أثاماً

ولست براكب منه قبيحا

والأحرار عند ابن المقفع طبقة تدل على الأشراف، فـي مقابل طبقة (السّفلة) كما يراه الجاحظ فـي البخلاء (١١١).

وهذا كله يوافق دعوته لكل عاقل - مهما كان مغلوباً - ألا ينشغل عن أربع ساعات: «ساعة يرفع فيها حاجته إلى ربه؛ وساعة يحاسب فيها نفسه؛ وساعة يفضي فيها إلى إخوانه وثقاته الذين يصدقونه عن عيوبه وينصحونه فـي أمره؛ وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها مما يحِلُّ ويجمل، فإن هذا الساعة عون على الساعات الأخر؛ وإن استجمام القلوب وتوديعها زيادة فـي قوةٍ لها وفضل بلغة» (١١٢).

فإذا كانت القلوب تصدأ ولا بد لها من الترويح عنها؛ فإنه لايكون وفق تصور ابن المقفع السابق… وهو القائل: «السعيد يرغبه الله فـي الآخرة حتى يقول: لا شيء غيرها، فإذا هضم دنياه وزهد فيها لآخرته لم يحرمه الله بذلك نصيبه من الدنيا؛ ولم ينقصه من سروره فيها. والشقي يرغّبه الشيطان فـي الدنيا حتى يقول: لاشيء غيرها. فيجعل الله له النّغيص فـي الدنيا التي آثر مع الخزي الذي يلقى بعدها» (١١٣).

وأياً ما يكن مأخذنا على اجتماع ابن المقفع بالمجان، وشربه للنبيذ فإننا موقنون بأن اعتقاده بالإسلام بقي سليماً، وبأنه لم يرتكب محرماً، ولا كبيرة وإن أحب الجمال، وشغف بالطرب؛ وغشي معاهد الصفاء، واجتمع بالقيان… فتهمة الزندقة التي جلبها له هذا كله لا ينفـي اعتقاده الصحيح بالإسلام مادام يؤمن به ويؤدي الفرائض، وهو القائل: «فأصل الأمر فـي الدين أن تعتقد الإيمان على الصواب؛ وتجتنب الكبائر، وتؤدي الفريضة. فالزم ذلك لزوم من لاغنى له عنه طرفة عين؛ ومن يعلم أنه إن حرمه هلك» (١١٤).

فكيف يكون زنديقاً من يجسد هذا كله فـي قوله وفعله؟ ومن ثم فهناك دليل آخر يشهد له بالإيمان الصحيح المستند إلى العقل الراجح… فالعقل عنده يقوي الإيمان؛ ويزيل عن النفس الشك والإلحاد فيقول: «مما يدل على معرفة الله وسبب الإيمان أن يوكِّل بالغيب لكل ظاهر من الدنيا صغيرٍ أو كبير عيناً، فهو يصرفه ويحرّكه. فمن كان معتبراً بالجليل من ذلك فلينظر إلى السماء فسيعلم أن لها رباً يُجري فلكها، ويدبّر أمرها، ومن اعتبر بالصغير فلينظر إلى حبة الخردل فسيعرف أن لها مدبراً ينبتها ويُزكيها ويقدِّر لها أقواتها من الأرض والماء؛ يوقّت لها زمان نباتها وزمان تهشّمها، وأمر النبوّة والأحلام، ومايحدث فـي أنفس الناس من حيث لايعلمون؛ ثم يظهر بالقول والفعل، ثم اجتماع العلماء والجُهّال، والمهتدين والضُّلاّل على ذكر الله وتعظيمه، واجتماع من شك فـي الله وكذّب به على الإقرار بأنهم أنشئوا حديثاً؛ ومعرفتهم أنهم لم يحدثوا أنفسهم.

فكل ذلك يهدي إلى الله ويدل على الذي كانت منه هذه الأمور، مع ما يزيد ذلك يقيناً عند المؤمنين بأن الله حقّ كبير ولا يقدُرُ أحد على أن يوقن أنه بالباطل» (١١٥).

فلو لم يكن لابن المقفع إلا هذا الكلام لكفاه دلالة على إيمانه بالله العلي القدير… ويبدو لنا أن هذا لم يوضع فـي ميزان أولئك الذين اتهموه بالزندقة؛ وكذلك أنكروا ما اتصف به من المروءة وكمال الخلق، ومساعدة المحتاجين، … ولم يثمنوا صدق موقفه مع ذوي نعمته من آل علي بن العباس فـي محنتهم مع ابن أخيهم المنصور…

فابن المقفع لم ينقذه صدق إسلامه كما تدل آراؤه الكثيرة من براثن أعدائه الذين اتهموه بالزندقة؛ وجعلوا نقله للتراث الفارسي نمطاً من الشعوبية المتعصبة؛ وعودة إلى الدعوة للفرس ودياناتهم… لم ينظروا إلى عمله أنه مزج ثقافـي حضاري بين التراث القديم الممثل بالثقافة الفارسية، وبين الجديد الممثل بتعاليم الإسلام ومَدّ نوره إلى الآفاق… لقد طمسوا كل فضل له، وما رأوا إلا اجتماعه ببعض المجان والزنادقة ليلصقوا به تهمة الزندقة والشعوبية. فابن المقفع وقع فـي مهاوي غشيانه لمعاهد الصفاء؛ ولكنه سقط فـي آن معاً فـي يد مناوئيه لينالوا منه، إذ أوّلوا تصرفاته على محمل الفسق وعدم الاعتقاد الصحيح؛ وكذلك فعلوا بآثاره. فهي عندهم تتصف بالنزوع الفارسي المتعصب… فماذا يفعل ابن المقفع إذا كانت دعوته صادقة لانتشال الأمة من أوضاع كثيرة متردية فـي الواقع السياسي والاجتماعي والإداري… بينما يفسرها أعداؤه تفسيراً منحرفاً…؟ فهل أصبحت النصيحة مدانة لأنها جاءت من رجل عاشر بعض المجان؟ !

ومهما تكن الإجابة فقد ارتبط معنى الزندقة فـي أذهان الناس بمعاني التهتك والشراب؛ ونُعت كل من يقدم عليهما بالزندقة، ولما كان أكثر الأدباء المجان من أصل فارسي فإن الزندقة والشعوبية اتصلت بهم بسبب أو آخر، وحين شاركهم ابن المقفع فـي الأصل والتظرف وغشي مجالس الصفاء صار زنديقاً (١١٦).

ولهذا لم ينج ابن المقفع من التهمة بها لأنه عرف بمعاشرته للعديد من الأدباء الذين اشتهروا بالفسق والفجور… وإن لم يُهَوِّن يوماً من الأيام من شأن الدين الإسلامي، ولم يتعرض للعرب والمسلمين بأذى يلحقهم… وكيف يكون هذا كله وهو يعيش فـي حمى أعمام الخليفة الذين تقوم الخلافة على كاهلهم فـي عصره؟ !

إنه لم يتعرض للقرآن بأي شبهة من أشكال المعارضة، وليس فـي آثاره التي بين أيدينا ما يشي بذلك… بل ما تحتوي عليه إنما تدل على الإجلال كل الإجلال للإسلام وأهله… وكتاباته ظلت فـي المقام الأرفع من أي جرح يخدش مروءته ودينه… ولم تقع - كما نراه - فـي موقع يبوء نتيجتها بغضب الله، أو يتعرض لمقته بسبب ما عمله، وهو القائل: «فضل العلم فـي غير الدين مهلكة، وكثرة الأدب فـي غير رضوان الله ومنفعة الأخيار قائد إلى النار» (١١٧).

تلك هي قراءتنا لتهمة الزندقة التي رافقتها تهمة الشعوبية فـي أسبابها ونتائجها ومناقشتها؛ ولعلها تضع الحقيقة ماثلة أمام الأجيال لئلا يسقطوا فـي مهاوي الانحراف. ومن ثم فالتراث الفارسي لم يعد - عنده - تراثاً متصفاً بالنزوع الفارسي، ولا بالعقيدة المانوية أو غيرها، وإنما غدا رؤية إيمانية مصبوغة بعقيدة الإسلام ومبادئه السامية كما يستشف من قوله: «ولم نجدهم غادروا شيئاً يجد واصفٌ بليغ فـي صفة له مقالاً لم يسبقوه إليه: لافـي تعظيم الله - عز وجل - وترغيب فيما عنده؛ ولا فـي تصغير للدنيا وتزهيد فيها…» (١١٨) مما جعله بحق يضع نفسه بين حضارتين، فارسية قديمة وحضارة عربية إسلامية جديدة. وكانت حياته وآراؤه صدىً حقيقياً لهما، كما فـي نصيحته للناس فـي اختيار الإكرام: «إذا أُكرمتَ على دين أو مروءة؛ فذلك فليعجبك !! فإن المروءة لا تزايلك فـي الدنيا، وإن الدين لا يزايلك فـي الآخرة» (١١٩) فالإكرام الأعظم فـي اختيار طريق الدين. وهذا خير ما ننتهي إليه ليتأكد كل ذي لب أن ابن المقفع بريء من الزندقة براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب (عليهما السلام) …

ولعل ما نتحدث عنه فـي الفصل الرابع (ابن المقفع أديباً) يعضد ما انتهينا إليه… لأن أدبه يشكل جوهر رؤيته وصدق اعتقاده… إذ شهد لإبداعه الأدبي أعداؤه وخصومه قبل مؤيديه… إذ خطت عبقريته الأدبية مكانتها فـي سجل الخالدين… ولم ينل منها حاقد أو متعصب لمذهب أو جنس أو فكرة… وإذا كان العقل مبتلىً بالنقص فإن الإنسان يسعى - فـي ضوء التجارب الثقافية والإنسانية - إلى الكمال… وهذا ما كان يمارسه ابن المقفع فـي حياته وثقافته وأدبه.

(

[١] انظر الفهرست ٤٥٦ - ٤٨٤ ومروج الذهب ١ / ٢٢٩ و ٢٤٩ - ٢٥١ والملل والنحل ٩ - ١٢٠ ودراسات فـي الشاهنامه ٢٤٢ - ٢٧٧.

[٢] انظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٠ وراجع ماتقدم / خبر إسلامه / حاشية ٢١ من الفصل الأول.

[٣] انظر ابن المقفع ٤٥.

[٤] راجع ماتقدم ١٨ - ٢١ و ٣٢ - ٤٢.

[٥] راجع ماتقدم فـي الفصل الأول (مصرعه) بدءاً من الحاشية ٨٣ ومابعدها

[٦] انظر ضحى الإسلام ١ / ١٤١ وراجع حاشية ١٣ و ١٤ من مدخل الفصل الأول.

[٧] راجع ماتقدم: حاشية ١٣ و ١٤ من مدخل الفصل الأول.

[٨] انظر مروج الذهب ١ / ٢٥١ واللسان (زندق) وفجر الإسلام ١٠٨.

[٩] انظر الفهرست ٤٥٧ وبعد والملل والنحل ١١٥ - ١١٦ وفجر الإسلام ١٠٤ - ١٠٨.

[١٠] انظر الحيوان ٤ / ٤٢٨ و ٤٣٢ - ٤٣٣ ومروج الذهب ١ / ٢٣٠و ٢٤٩ - ٢٥١ والفهرست ٤٥٧ وضحى الإسلام ١ / ١٥٣ - ١٥٤.

[١١] انظر فجر الإسلام ١٠٨ وضحى الإسلام ١ / ١٥٤.

[١٢] الحيوان ١ / ٥٥ - ٥٦.

[١٣] الحيوان ١ / ٥٧.

[١٤] انظر الأغاني ١٣ / ٢٧٩ و ١٤ / ٤٨٦ وضحى الإسلام ١ / ١٤٦ و ١٥٤.

[١٥] انظر رسالة الغفران ٤٢٨ - ٤٤٥ والفهرست ٤٧٣.

[١٦] انظر عيون الأخبار ١ / ٢٦٠.

[١٧] ديوان بشار بن برد ١ / ٧٥ - ٧٦ وانظر فيه ٧١.

[١٨] ديوان أبي نواس ٤٥٠ وانظر ثمار القلوب ١٧٦ - ١٧٧.

[١٩] ضحى الإسلام ١ / ١٥٠.

[٢٠] الأغاني ١٤ / ٣٢٤.

[٢١] الأغاني ١٤ / ٣٣٤.

[٢٢] المعارف ٦٢١ وانظر رسالة الغفران ٤٢٩ وفجر الإسلام ١٠٨.

[٢٣] انظر اللسان (زندق) وفجر الإسلام ١٠٨.

[٢٤] رسالة الغفران ٤٢٩.

[٢٥] انظر ضحى الإسلام ١ / ١٥٥ - ١٥٦ وانظر الفهرست ٤٥٧.

[٢٦] أمالي المرتضى ١ / ١٣٦ وانظر ضحى الإسلام ١ / ١٥٦ - ١٥٧ وأمراء البيان ١٠٤.

[٢٧] أمالي المرتضى ١ / ١٣٦.

[٢٨] انظر ترجمة عمر بن شيبة فـي الفهرست ١٦٣ ومعجم الأدباء ٦ / ٦٠ - ٦٢ والأعلام ٥ / ٤٧ - ٤٨.

[٢٩] ثمار القلوب ٣١٦ وانظر عيون الأخبار ١ / ٥١ ولم يرد إلا البيت الأول.

[٣٠] خزانة الأدب ٣ / ٤٥٩ وانظر زهر الآداب ١ / ٢٤٥.

[٣١] شعر الأحوص ١٦٦ وهما مع القصة فـي ثمار القلوب ٣١٦.

[٣٢] العصر العباسي الأول ٥٠٩.

[٣٣] انظر الفصل الخاص (زندقة ابن المقفع) ولاسيما ٦٨ وبعد ٨٧ - ٨٨ من ابن المقفع.

[٣٤] انظر حديث الشعر والنثر ٤٦ - ٤٧.

[٣٥] انظر أمراء البيان ١٠٤ - ١٠٨.

[٣٦] فجر الإسلام ١٠٥ وانظر الحيوان ٤ / ٤٢٨ - ٤٣٣ والملل والنحل ١٠٩ - ١٢٠ والفهرست ٤٥٦ - ٤٥٧.

[٣٧] ضحى الإسلام ١ / ١٥٤ وانظر الفهرست ٤٥٧ ومروج الذهب ١ / ٢٥٠ - ٢٥١.

[٣٨] الاحتجاج ٢ / ١٤٣ عن (يا أهل الكتاب ١٠٠ - ١٠٢).

[٣٩] انظر أمالي المرتضى ١ / ١٣٦ ووفيات الأعيان ٢ / ١٥٢ والأعلام ٤ / ١٤٠.

[٤٠] وفيات الأعيان ٢ / ١٥٣ وراجع الحاشية ٨٧ من الفصل الأول.

[٤١] راجع ما تقدم من الفصل الأول الحواشي التالية: ٤٥و٤٧و٤٨و٨٣ وخاصة ٨٤ و ٨٥.

[٤٢] العصر العباسي الأول ٥١٠ وراجع الحاشية ٨٨ من الفصل الأول.

[٤٣] انظر الفن ومذاهبه فـي النثر العربي ١٣٧.

[٤٤] أمالي المرتضى ١ / ١٣٤ - ١٣٥ ونقل عنه الخبر البغدادي فـي خزانة الأدب ٣ / ٤٦٠.

[٤٥] انظر البيان والتبيين ٣ / ٢٩ ودراسات فـي الشاهنامة ٢٨١.

[٤٦] انظر فجر الإسلام ١٠٦ و ١٠٨ ودراسات فـي الشاهنامة ٢٨١ وحاشية ١٣من مدخل الفصل الأول، وحاشية٨٢ مما ياتي.

[٤٧] خزانة الأدب ٣ / ٤٥٩ - ٤٦٠ وراجع حاشية ٧٠ - ٧١ و ٧٢ من الفص الأول.

[٤٨] مروج الذهب ٤ / ٢٤٢.

[٤٩] مقدمة ابن خلدون ٥١٥.

[٥٠] انظر ضحى الإسلام ١ / ١٤٠.

(٥١) انظر البيان والتبيين ٣ / ٢٩ والفن ومذاهبه فـي النثر العربي ١١٠.

(٥٢) الفن ومذاهبه فـي النثر العربي ١٣٩.

(٥٣) رسائل الجاحظ ٢ / ١٢٥.

(٥٤) انظر ضحى الإسلام ١ / ٢٦٦.

(٥٥) مقدمة كتاب (الرد على الزنديق اللعين: ص٨) عن تاريخ الأدب العربي (بروكلمان). ٣ / ١٠١ وراجع حاشية ٤٤ - ٤٧ و ٥٣ من الفصل الأول وانظر حاشية ٧٠ - ٧٣ مما يأتي.

(٥٦) ضحى الإسلام ١ / ٢٢٥ وقد بين صفات كتاب ابن المقفع (اليتيمة) وبأن خصائص أسلوبه تغاير أسلوب ابن المقفع، ورأى بروكلمان صحة نسبة الكتاب إلى ابن المقفع، انظر تاريخ الأدب العربي ٣ / ١٠١. وكذلك ذهب أحمد أمين إلى أن كتاب (الرد على الزنديق اللعين) ليس للقاسم بن إبراهيم فيما وصل إلينا من كتبه وما عرف عنه فـي ردوده المختلفة، انظر ضحى الإسلام ١ / ٢٦٦.

(٥٧) انظر البيان والتبيين ٣ / ٢٩.

(٥٨) انظر خزانة الأدب ٣ / ٤٥٩ - ٤٦٠ وقارنه بما ورد فـي أمالي المرتضى ١ / ١٣٥ - ١٣٧.

(٥٩) ابن المقفع ٩٤ ونقله عن الموسوعة الإيطالية مجلد ١٣ لعام ١٩٣٢ م كما يبدو.

(٦٠) انظر ضحى الإسلام ٣ / ٢٧٦ والعصر العباسي الأول ٥١٠.

(٦١) راجع ماتقدم حاشية ٤٩ و ٥١ من الفصل الأول.

(٦٢) انظر ابن المقفع - زندقة ابن المقفع - خاصة ٦٣ وبعد و٨٧ - ٨٨.

(٦٣) انظر الفن ومذاهبه فـي النثر العربي ١١٠ والعصر العباسي الأول ٥١٠.

(٦٤) انظر رسائل الجاحظ ٢ / ١٢٥ وسيأتي الخبر (١١٤ - ١١٥) وراجع ما تقدم فـي الفصل عن إسلامه.

(٦٥) راجع ما تقدم ٣٢ - ٤٢ الحديث الخاص بالدرة اليتيمة وحاشية ٥٥ - ٥٦ و ٧٠ من هذا الفصل.

(٦٦) راجع ما تقدم ٨٥ - ٩٦ الحديث الخاص بكليلة ودمنة وانظر ضحى الإسلام ١ / ٢١٦.

(٦٧) انظر رسائل الجاحظ ٢ / ١٢٢ وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٧ - ٩٨ وراجع حاشية ٣٥ - ٣٦ من الفصل الثاني.

(٦٨) انظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ١٠٢ ومن معاصريه الذين ترجموا (سيَر الفرس) محمد بن الجهم البرمكي، وزادويه بن شاهويه الأصفهاني، وكلاهما ترجم (خداينامك) … وغيرهما.

(٦٩) انظر رسائل الجاحظ ٢ / ١٢٢ وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ١٠٢ وراجع حاشية ٢٣ - ٢٥ من الفصل الثاني.

(٧٠) انظر ضحى الإسلام ١ / ٢٢٥ - ٢٢٦ وراجع حاشية ٥٥ - ٥٦ مما تقدم وحاشية ٥٣ من الفصل الثاني.

(٧١) إعجاز القرآن الكريم١ / ٤٦ - ٤٧ وراجع ماتقدم ٧٨ - ٨٣ وحاشية ٥٥ - ٥٦ و٧٠ من هذا الفصل.

(٧٢) تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ١٠١.

(٧٣) المرجع السابق ٣ / ٩٩ وانظر ثمار القلوب ١٩٩ ـ٢٠٠ وراجع ٧٨ - ٨٣ من الفصل الثاني.

(٧٤) المرجع السابق ٣ / ١٠١.

(٧٥) راجع ماتقدم ٤٣ - ٤٧ و ٨٥ - ٩٦ و ١١١ - ١٢٧.

(٧٦) تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٧ - ١٠٢.

(٧٧) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٧.

(٧٨) راجع ماتقدم ٨٥ - ٩٦.

(٧٩) راجع ما تقدم حاشية ١٨ من الفصل الأول.

(٨٠) راجع ماتقدم حاشية ٥٩ من الفصل الأول.

(٨١) انظر الأغاني ١٤ / ١٨٠ وأمالي المرتضى ١ / ١٣٧ - ١٤٤ وضحى الإسلام ١ / ١٥٥.

(٨٢) انظر رسائل الجاحظ ٢ / ١٢٢ - ١٢٣ وأمالي المرتضى ١ / ١٤٤ وضحى الإسلام ١ / ١٦٦؛ وراجع حاشية ٤٤ - ٥٠ مما تقدم وحاشية ١٣ - ١٤ من مدخل الفصل الأول.

(٨٣) انظر الفهرست ٥٣ ووفيات الأعيان ٣ / ١٠٥ وتاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٢٠٦.

(٨٤) انظر الأغاني ٥ / ١٦٤ وأمالي المرتضى ١ / ١٣١ - ١٣٢ ووفيات الأعيان ١ / ١٦٤ وضحى الإسلام ١ / ١٥٠ - ١٥١.

(٨٥) الأدب الصغير ٢٤ وانظر أمراء البيان ١٠٥ و ١٠٦.

(٨٦) تاريخ عمر بن الخطاب ١٦٠.

(٨٧) الأدب الصغير ٢٦.

(٨٨) الأدب الصغير ٢٨.

(٨٩) الأدب الصغير ٥٢.

(٩٠) انظر رسائل الجاحظ ٢ / ١٢٢ والفهرست ١٧٢ و ١٨٢ وأمالي المرتضى ١ / ١٣٥ - ١٣٧.

(٩١) التنبيه والإشراف ٦٦.

(٩٢) الأدب الصغير ٥١.

(٩٣) انظر مثلاً: الأغاني ١٣ / ٢٧٩ وأمالي المرتضى ١ / ١٣٨ وابن المقفع ٨٥.

(٩٤) انظر مثلاً: الأغاني ١٥ / ٢٨٦ - ٢٨٨ و ٤٤٣ وضحى الإسلام ١ / ١٤٦ - ١٤٩ و ١٥٤.

(٩٥) الأدب الصغير ٥٤.

(٩٦) انظر رسالة الغفران ٤٣٢ والأغاني ١٣ / ٢٧٤ و ١٤ / ١٧٤و ٣٢١.

(٩٧) انظر مثلاً: الأغاني ١٨ / ١٨١ - ١٨٢ وضحى الإسلام ١ / ١٤٩ وجمهرة رسائل العرب ٣ / ٦١ - ٦٣.

(٩٨) أمالي المرتضى ١ / ١٣١.

(٩٩) انظر مثلاً: الأغاني ١٣ / ٢٧٩ و ١٤ / ١٧٤ - ١٧٥ و٣٢١وما بعدها و٣٣٥ وأمالي المرتضى ١ / ١٣٢ وما بعدها، والصداقة والصديق ٢١ وضحى الإسلام ١ / ١٥١ - ١٥٢ وابن المقفع ٥٨ - ٥٩، وانظر (رسالة ابن المقفع إلى يحيى بن زياد، وردّ هذا عليها، ورسالة يحيى إلى هارون الرشيد في) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٦١ و ٢٠٩.

(١٠٠) الأغاني ١٣ / ٢٧٩ وانظر فيه ٢٨٥ و ١٤ / ١٧٤ - ١٧٥ و ٣٢١.

(١٠١) الأغاني ١٣ / ٢٧٩ و ٢٨٧ - ٢٨٨ و ٢٩٣ و ٢٩٥ و ١٤ / ١٧٤ - ١٧٥.

(١٠٢) انظر الأغاني ٣ / ٢١٩ و ٢٣٠ و ٤ / ١٨٥ و ١٤ / ٣٢٨.

(١٠٣) انظر الأغاني ٣ / ٢٤١ و٢٤٣ - ٢٤٧ وتاريخ الطبري ٨ / ١٦٥ وضحى الإسلام ١ / ١٤٠ - ١٤٣.

(١٠٤) الأغاني ٤ / ٢٠١.

(١٠٥) الأدب الصغير ٣٨.

(١٠٦) الأدب الصغير ٥١.

(١٠٧) الأغاني ٣ / ١٨٦ وانظر الأدب الصغير ٢٧ و٤٠ و٤٢ والأدب الكبير ٦٩ وراجع حاشية ٣٧ من الفصل الأول.

(١٠٨) الأدب الكبير ١٠٩ وراجع حاشية ٢٨ من الفصل الأول.

(١٠٩) تأمل مطولاً فـي أمراء البيان ١٠١ - ١٠٦ ومناقشته المطولة لاجتماع ابن المقفع بالمجان وراجع حاشية ٣٧ من الفصل الأول.

(١١٠) انظر أمراء البيان ١٠١ - ١٠٢ وراجع حاشية ٢٩ من الفصل الأول.

(١١١) انظر البخلاء ٤٢٨ وتأمل رسالته إلى يحيى بن زياد فـي جمهرة رسائل العرب ٣ / ٦١ - ٦٣ ففيها مايؤكد أن مصطلح (الحر) وجمعهُ (الأحرار) يدل على طبقة اجتماعية فـي مقابل الطبقة الدنيا التي يسميها هو (السِّفلة).

(١١٢) الأدب الصغير ٢٦ - ٢٧.

(١١٣) الأدب الصغير ٥٤.

(١١٤) الأدب الكبير ٦٩.

(١١٥) الأدب الصغير ٤٢.

(١١٦) انظر البخلاء ١٢١ وما يدل فيه على تظرف ابن المقفع، ومثله فـي ثمار القلوب ١٧٦ وانظر أيضاً ضحى الإسلام ١ / ١٥٠ وابن المقفع ٥٨.

(١١٧) الأدب الصغير ٥٧.

(١١٨) الأدب الكبير ٦٨.

(١١٩) الأدب الكبير ١٢٨.



[ Web design by Abadis ]