ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الفصل الثاني: آثاره، و أبعادها الفكرية

١ـ تمهيد

عقدنا هذا الفصل للوقوف عند آثاره الفكرية وتتبع ما نُسب إليه وفُقد؛ وما وصل منها إلينا حتى الآن لنتعرف إلى شيء من أبعادها التي تشتمل عليها. وقد تناقلت الأقلام بعضُها عن بعض اتهام ابن المقفع بالزندقة وتعصبه لفارسيته… بل جعلته صَفِيقاً؛ لأنه يتفاخر بأصوله وهو يعيش فـي دولة ديانتها التوحيد، ودستورها نبذ التعصب. وادعت تلك الأقلام أن آثاره تدل على مذهبه فـي الحياة، فلم يترجمها إلا بدافع إحياء الدين الفارسي القديم، وإحياء سير ملوك الفرس افتخاراً بصنائعهم وحكمهم؛ وإظهاراً لتخلف العرب والتهكم بهم، لأنهم لم يكونوا شيئاً مذكوراً.

وإذا كان بعض الأدباء والشعراء قد وقع فـي ذلك؛ لأن الإسلام لم يتمكن من نفسه فإن العاقل المنصف لا يمكنه تعميم أي حكم كان، ولا يمكنه أن يصم ابن المقفع بالزندقة وغيرها لأنه ترجم الآثار الفارسية؛ وإنما نعتقد به شيئاً آخر. فقد أراد للسلطان أن يتعهد قلبه بسماع آثار من سبقه (وقراءة سيرهم، وأخبارهم وهديهم، ويتفكر فيما أقام الله - جل وعز - من دلائله الواعظة، وأعلامه الشاهدة فـي أرضه وسمائه؛ وفيمن كان قبله من الملوك الماضية؛ ليعرف بذلك حاله، ويرى نفسه فإنها قائمة نصب عينه؛ تخاطبه وإن لم ينطق، وتعظه وإن لم يسمع) [١].

فمن يقرأ سير التاريخ ويتعظ بها، ويتدبر أمرها تستقم حال ملكه ورعيته… هذه هي حال ابن المقفع مع دولة بني العباس فـي أول ظهورها. ولعل الدرس التاريخي المنطقي نفسه يثبت هذا؛ فالكتابات الأولى التي ظهرت فـي هذه المرحلة تؤيد ما نذهب إليه؛ فلم يكن فيها فرصة واحدة ذات اتجاه شعوبي؛ وإنما كانت دعوة العباسيين مغلفة - قبل إعلانها - بالدعوة إلى بني هاشم؛ وقد اجتمع الناس على هذا فـي وجه بني أمية. أما الكتّاب من الفرس وغيرهم فقد دخلوا دواوين الخلافة، والولايات منذ العهد الأموي؛ وقدموا جملة من الخدمات فـي الترجمة، والكتابة الديوانية والإخوانية. ويعد (سالم) مولى هشام بن عبد الملك من طلائع الكتّاب. فقد نُسب إليه أنه أول مبتدع، ومطور لفن الرسائل… هذا الفن الذي ذهب به عبد الحميد الكاتب بعيداً، وكان يرأس دواوين مروان بن محمد؛ ويكتب رسائله… [٢].

وفـي وسط هذه الحركة التاريخية أخذ الأدباء والكتاب، ولا سيما الفرس يفرضون وجودهم على دواوين الدولة ويحملون مهمات عظيمة ازدادت قيمتها فـي بداية دولة بني العباس… ثم أخذ الولاة والوزراء يتعهدون أنفسهم فـي معرفة الكتابة وشؤونها؛ بعد أن ظلوا يتخذون الكتّاب فـي شؤونهم؛ ويصطنعونهم لأعمالهم…

وبذلك كله حظي الكتاب والأدباء بمكانة رفيعة تزيد أحياناً على مكانة بعض الوزراء والولاة…

ولما كانت دولة بني أمية فـي الشام ومركزها دمشق بعيدة عن فارس وأقرب إلى غيرها اتصل بها عناصر أخرى أكثر من العنصر الفارسي؛ علماً بأن القبائل العربية الكثيرة كانت تسكن الشام… مما جعل تأثرها بالفارسية أقل من تأثرها بغيرها. ولما انتقلت الخلافة إلى العراق فـي عهد بني العباس؛ وهي أقرب إلى فارس، ولها صلات قديمة معها منذ المناذرة فـي العصر الجاهلي - على الأقل - كان تأثر الدولة بالثقافة الفارسية واضحاً… إذ طبعت الحضارة العربية الإسلامية بكثير من خصائصها؛ فضلاً عن أن كثيراً من أركان دولة بني العباس كانوا من العنصر الفارسي [٣].

ولهذا كله ظهرت الحركة الفكرية والأدبية والعلمية كأنها ذات وجه فارسي؛ لسيطرة أبناء فارس عليها أكثر من غيرهم … ومما هيأهم للانخراط فيها بقوة واقتدار أن أكثرهم كان يجيد اللسانين العربي والفارسي…

ولقد كانوا حريصين على أن يضمّوا الآداب الفارسية إلى الآداب العربية؛ إذ أصبح هذا مما يتطلبه الأدب نفسه… فالأديب يجب أن يعرف القرآن الكريم مادة وأسلوباً ومبادئ؛ وسنة المصطفى قولاً وفعلاً؛ وما يتعلق بالخلافة الراشدة ورجالها… وأن يتعرف إلى حِكَم العرب وتاريخهم قبل ذلك… وكل من يعرف أكثم بن صيفـي وقس بن ساعدة عليه أن يعرف أيضاً حِكَم (بُزُرْجُمِهْر)، وتاريخ فارس وسير ملوكها مثل كسرى وسابور وأبرويز.

ويتضح هـذا كله من مقدمة ابن المقفع فـي الأدب الكبيـر، ومنها: (فمنتهى علم عالمنا فـي هذا الزمان أن يأخذ من علمهم، وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم. وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر فـي كتبهم فيكون كأنه إياهم يحاور، ومنهم يستمع، وآثارهم يتبع. غير أن الذي نجد فـي كتبهم هو المنتخل من آرائهم والمنتقى من أحاديثهم. ولم نجدهم غادروا شيئاً يجد واصف بليغ فـي صفةٍ له مقالاً لم يسبقوه إليه: لا فـي تعظيم لله - عز وجل - وترغيب فيما عنده، ولا فـي تصغير للدنيا وتزهيد فيها، ولا فـي تحرير صنوف العلم، وتقسيم أقسامها وتجزئة أجزائها، وتوضيح سبلها، وتبيين مآخذها ولا فـي وجوه الأدب، وضروب الأخلاق. فلم يبق فـي جليل من الأمر لقائل بعدهم مقال. وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور؛ فيها مواضع لصغار الفطن، مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم.

فمن ذلك بعض ما أنا كاتب فـي كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس) [٤]

هذا هو منهجهم كما يعترف به ابن المقفع نفسه، وهو فـي نظرته إلى القدماء يتجه إلى تنزيههم عن كل خَطَل… ويبالغ فـي ذلك ولكنه المنهج الذي اقتدى به … هو ومن كان فـي عصره… ولعل الفرق بينه وبين صديقه عبد الحميد الكاتب أنه قال مقالته تلك والفتن تطل برأسها من كل اتجاه؛ على حين قال عبد الحميد مقالته التالية وهو مستقر مطمئن؛ وكان كلاهما يوضح المنهج الذي اختطه فـي الكتابة له ولمن بعده. فقد أوصى الكتَّاب بقوله:

(فنافسوا معشر الكتّاب فـي صنوف العلم والأدب، وتفقهوا

فـي الدين، وابدؤوا بعلم كتاب الله - عزّ وجل - والفرائض

ثم العربية فإنها ثقاف ألسنتكم، وأجيدوا الخط فإنه

حلية كتبكم، وارووا واعرفوا غريبها ومعانيها / وأيام

العرب والعجم وأحاديثها وسيرها فإن ذلك معين لكم على ما تسمون إليه بهممكم، ولا يضعُفنَّ نظركم فـي الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج منكم) [٥]

من هنا انتهت الآداب عندهم إلى عشرة (فثلاثة شهرجانية، وثلاثة أنوشروانية؛ وثلاثة عربية، وواحدة أرْبت عليهن؛ فأما الشهرجانية فضرب العود ولعب الشطرنج، ولعب بالصوالج؛ وأما النُّوشروانية فالطب والهندسة والفروسية؛ وأما العربية فالشعر والنسب وأيام العرب؛ وأمام الواحدة التي أرْبَت عليهن فمقطَّعات الحديث والسمر وما يتلقاه الناس فـي المجالس) [٦].

لهذا تطور معنى كلمة أدب من المفهوم الخلقي الذي عرف فـي صدر الإسلام إلى معرفة باللغة والشعر وأيام العرب وتاريخها فـي العهد الأموي، ومن ثم أصبح فـي العصر العباسي (الأخذ من كل علم بطرف) … فالأديب لابد له أن يلم بمعارف كثيرة من الثقافة العربية والفارسية…

هكذا فهم ابن المقفع رسالته فـي صناعة الكتابة ومهمته فـي مواجهة الواقع الذي يعيش فيه؛ وهو الصديق الصدوق لعبد الحميد؛ بل كان يحذو حذوه فـي صنعة الكتابة، حتى عُدَّا من مدرسة واحدة. وقد دخل أروقة دواوين الولاة ولم يكن مسلماً، وعقد العزم على ترجمة الآثار الفارسية؛ بما فيها من مذاهب دينية؛ فكان أحد المترجمين الذين ذكرهم ابن النديم مع آل نَوْبَخْت وغيرهم، [٧] إن لم يكن الأبرز فيهم… كما نستدل عليه من مقولة لحمزة الأصبهاني؛ منها: (اتفق لي ثماني نسخ من تاريخ فارس، وهي كتاب سير ملوك الفرس من نقل ابن المقفع، وكتاب تاريخ سير ملوك الفرس من نقل محمد بن الجَهْم البرمكي، وكتاب تاريخ ملوك الفرس المستخرج من خزانة المأمون، و…) [٨].

لهذا مدَّ ابن المقفع يديه إلى خزانة التاريخ الذي يعرفه عن كثب، وشرع يترجم ما فيه هو وغيره. فكانت مرحلته مرحلة اتّصال حقيقي بين العرب والفرس؛ وبدأ الجميع يكتبون فيما يعرفون من آثارهم عرباً وغير عرب… بل إننا نمضي هنا مع الدكتور طه حسين لنقول معه: إن (الأدب الفارسي الحي إنما نشأ بعد أن اتصل الفرس بالعرب وبعد أن تعلموا العربية) [٩]، فكانوا جميعهم كتّاباً لأبناء الدولة الإسلامية الناهضة؛ ولم يكونوا كتاباً لفئة بعينها، ومن ثم لم يكن ابن المقفع كاتباً للفرس كما قال الدكتور شوقي ضَيف [١٠]. وما تركه من ترجمات تثبت أنه واع لما يفعل، ولم يخترق أي محرَّم ديني أو اجتماعي حين مارس حرية التفكير والكتابة؛ وتثبت أنه لم يكن مُدَلّساً عليهم من جهة، ولم يَصنع أياً من السير القديمة لغرض شعوبي كما انتهى إليه الجاحظ من جهة أخرى [١١]. ولا شيء أدل على هذا من ظهور بعض أصول كليلة ودمنة، وأشياء أخرى؛ فضلاً عن إجماع القدماء والمحدثين على أمانته.

وفـي صميم هذه الرؤية يمكننا أن نظهر ذلك بعرض الآثار المنسوبة له والمفقودة، ثم الآثار المترجمة المفقودة؛ ومن ثم نتوقف عند الآثار المترجمة والمؤلفة الموجودة؛ مما وصل إلينا.

٢ـ آثاره المنسوبة إليه والمفقودة

تثبت الآثار التي نقلها ابن المقفع إلى العربية أنه كان مثقفاً ثقافة فارسية عالية فضلاً عن الثقافة العربية، وكان متضلعاً بحرفة الكتابة وصنعة التأليف.

وكان إذا ترجم أثراً فارسياً لا يأخذ منه (ما لا تأباه السليقة العربية)، بل يدمجه فـي ثقافتها وبلغتها؛ وكأنه أحد أبنائها الفصحاء [١٢].

وطارت شهرة ابن المقفع فـي الآفاق، فـي الترجمة والتأليف، فنسبت إليه ترجمات ليست له كما يبدو… ومن ثم نُسب إليه أنه ترجم العديد من الكتب عن اللغة اليونانية الأصلية… وكأن المعجبين به لم يقنعهم أن يتقن اللغتين الفارسية والعربية فأرادوا له معرفة لغة أخرى… وقد يقول قائل: إن ابن المقفع ترجم آثاراً يونانية منقولة فـي الأصل إلى الفارسية، منها كتب الفلسفة كالمنطق.

وفـي ضوء ذلك رأينا المسعودي ينفرد بذكر كتابين لابن المقفع لم يذكرهما غيره، وهما:

١ـ كتاب (البنكش) عرض له حين تحدث عن أفعال ملك فارسي فقال: (وما كان من أفعال إسبنديار وما وصفناه فمذكور فـي الكتاب المعروف بكتاب (البنكش) نقله ابن المقفع إلى لسان العرب) [١٣].

٢ـ كتاب (السَّكيكين) وأورد اسمه ونِسبته حين ذكر ملك الفرس (فراسياب) فقال: (هذا كله مشروح فـي الكتاب المترجم بكتاب (السكيكين) ترجمه ابن المقفع من الفارسية الأولى إلى العربية) [١٤].

وذهب بعض الباحثين إلى أن اسم الكتاب (النسكين)، بينما يرى الأستاذ (ماركوارت) أن اسمه (السَّكيسران) نسبة إلى (سكا) وهم قوم يعيشون فـي شرق إيران… واسم الكتاب الأول (البيكر) ومعناه فـي الفارسية (القتال) … على حين يعتقد (بلوشيه) أن الاسمين لكتاب واحد، وهما محرفان عن كلمة (البندهش) وهي عنوان الكتاب [١٥].

وأياً كان الأمر فالكتابان ليسا لعبد الله، وإنما هما لغيره، وقد يكونان لابنه محمد، أو غيره؛ فشهرة الرجل بالترجمة وبلاغته فـي الكتابة جعلت الآخرين بعده ينسبون إليه عملهم لترويجها بين الناس.

٣ـ رجح بعض الباحثين أن ابن المقفع ترجم بعض الآثار اليونانية فـي الفلسفة كالمنطق والنجوم وغيرهما؛ ومنهم من يرى أنها كانت منقولة فـي الأصل إلى الفارسية مثل ابن النديم [١٦]. ويقول صاعد الأندلسي: (إن أول علم عُني به من علوم الفلسفة هو علم المنطق والنجوم. فأما المنطق فأول من اشتهر به فـي هذه الدولة عبد الله ابن المقفع الخطيب الفارسي؛ فإنه ترجم كتب أرسطاطاليس المنطقية الثلاثة؛ وهي:

١ـ كتاب قاطاغورياس، أو (المقولات العشر).

٢ـ كتاب باري أرمينياس، أو (العبارة).

٣ـ كتاب أنالوطيقا، أو «تحليل القياس». ) [١٧].

وقيل: لم يترجم حتى عهده إلا الأول؛ وذُكر أنه ترجم كتاباً آخر من تأليف (فُرْفُريوس الصوري) وهو (المدخل إلى علم المنطق) المسمى (إيساغوجي) ورأى ابن النديم أنه من ترجمة أيوب بن القاسم [١٨].

وناقش بعض المستشرقين هذه المسألة، ورأى أن البحث الحديث يؤكد أن كتب المنطق ولا سيما كتب أرسطوطاليس ترجمت من السريانية إلى العربية؛ ولعل سالماً مولى هشام بن عبد الملك نهض بذلك؛ لحذق الرجل باليونانية وهو من بلغاء الكتابة [١٩] ولا صحة للرأي القائل: إن ابن المقفع ترجم ذلك. ويرى (بول كراوس) أن من ترجمها عن السريانية هو محمد بن عبد الله بن المقفع ويوافقه المستشرق الإيطالي نللينو [٢٠] ويسميه بركلمان أحمد [٢١].

وهذا رأي فيه نظر؛ لأن الفرس كانوا قد ترجموا بعض كتب أرسطو إلى الفهْلوية القديمة؛ فلعل عبد الله بن المقفع ترجم شيئاً منها؛ … وإن لم يصل إلينا منها شيء؛ وكانت بعض كتب المنطق قد ترجمت للمنصور، فهو أول خليفة مسلم ترجمت له مثل هذه الكتب [٢٢].

وكذلك لم يصل إلينا كتب أخرى قيل: إنه قد ترجمها من الفَهْلوية، وذكر أكثرها ابن النديم؛ وسنعرض لها تباعاً.

٣ـ آثاره المفقودة

١ـ خُدَاي نامه فـي السِّيَر: وسماه ابن المقفع (تاريخ ملوك الفرس) وأفاد منه الطبري فـي كتابة تاريخه المشهور، وذكره غير واحد من القدماء والمحدثين [٢٣] وقيل: إن اسمه فـي الفهلوية (خداينامك)؛ ومعناه بالعربية (كتاب الملوك) أو (كتاب السادة) أو نحو ذلك، ثم أضيفت كلمة (السير) لتدل على مضمونه [٢٤] وليست من الأصل كما يبدو لنا.

ولا زال الكتاب مفقوداً؛ ولكن الذي نقل عنه يوحي بأنه كتاب تاريخي فـي سير ملوك فارس؛ ويبدأ من عهد أول ملك خرافي، وهو الملك (كيومرت) وينتهي إلى عهد كسرى أبرويز. ويمتزج فيه التاريخ الحقيقي بالخرافـي … ويبدو أن الفردوسي قد نقل عنه فـي كتابه (الشاهنامه) الكثير من الأخبار [٢٥] كما يراه الأستاذ (نولدكه) وإن لم يكن وحده مصدره لذلك. وقيل: إنه عرف فـي عهد كسرى أنوشروان، وحوى أخبار الشرائع الزرادشتية، وقصص اليونان المترجمة إلى الفهلوية.

وهذا يؤكد لنا أن ابن المقفع بدأ مؤرخاً؛ وفـي ذهنه مشروع إعادة كتابة التاريخ القديم؛ ليصل بين الحضارتين اللتين ينتمي إليهما… ولهذا كتب أيضاً (آيين نامه) …

٢ـ آييْن نامه فـي الإصْر: ومعنى كلمة (آيين): رسم واختط، وقيل: هي كلمة فارسية عرَّبها العرب بمعنى القانون أو الرسوم؛ وقال المسعودي: (وهذا الكتاب من جملة «آيين نامه» )؛ فالكلمة فارسية، ومن معانيها الخُطَّة، والعادة [٢٦]؛ ثم قيل: (آيين نامه فـي الإصر) [٢٧] والإصر بالعربية العهد والميثاق والعقد [٢٨]. وقد نستنتج من ذلك كله أنه يشتمل على جملة من قوانين فارس وعاداتهم وآدابهم فـي مراسيم الملوك فـي الحرب والصيد وغير ذلك.

ونقله ابن المقفع من الفهلوية ولا يزال مفقوداً، ونرجح أن يكون اسمه (الآيين) كما ذكره غير مرة ابن قتيبة فـي نُقوله عنه فـي (عيون الأخبار)؛ كقوله: (قرأت فـي الآيين) [٢٩] ورجح هذا الرأي بروكلمان [٣٠] وفيه ما يستدل على بعض المراسيم والعقائد.

ويتضح لنا أنه كان بين يدي ابن قتيبة المتوفى (٢٧٦هـ)؛ ولعل الزمن يجود به من جديد… ولكن هذه النقول تؤكد أنه بيان لأنظمة المُلْك وتدبير شؤون الحكم، وفيه بعض العقائد… وكأن ابن المقفع حاول تقريب صورة حياة ملوك فارس وتقديم ماكانوا يخطونه من مراسيم لنفيد منها، لا لنؤمن بها كما هي دون تغيير، فالأحمق وحده من يفعل هذا.

٣ - رسالة (تِنْسر): ليست من الكتب التي ذكرها ابن النديم؛ وقد انفرد بذكرها بهاء الدين محمد بن حسن بن إسفنديار صاحب كتاب (تاريخ طبرستان)، ونسبها إلى ابن المقفع.

ويظهر أنه كتابٌ كتبه (الموبذان مُوْبذ) المعروف باسم (تنسر) بين عام (٢٢٦ - ٢٤١م) وهي المدة التي حكم بها أردشير الملك. ويرى بعض المحدثين أن الكتاب ردّ على رسالة بعث بها الأمير الطبرستاني إليه.

ويعالج الكتاب شؤون الحكم، ويبين أنظمة القضاء، وفنون الحرب، ويتوقف عند بعض سبل الحياة، ولا زالت نسخة الكتاب العربية مفقودة؛ وقيل: نقل عنها ابن قتيبة فـي كتابه (عيون الأخبار) بعض النقول، بينما قيل: إن النسخة الفارسية المترجمة عن العربية فـي وقت متأخر قد عثر عليها. [٣١]

٤ - التاج فـي سيرة أنوشروان: ذكره ابن النديم بهذا الاسم [٣٢] والمقصود به كسرى أنوشروان؛ وهو كتاب تاريخي فـي سيرة الملك كسرى؛ ولذا تضمن ما يتعلق بشؤون الحكم، وتدابير السياسة ووضح بعض أنظمة القضاء فـي عهده، وما جرى من فنون الحرب ونظامها…

نقل عنه ابن قتيبة، وسماه بالتاج [٣٣]؛ وليس هو كتاب (التاج) المنسُوب للجاحظ (محمد بن الحارث التغلبي) وليس الجاحظ المشهور؛ وقدّمه هدية إلى الوزير (الفتح بن خاقان) …، ولا هو كتاب (التاج والديباج) المعروف لأبي عبيدة معمر بن المثنى [٣٤]. ولازال الكتاب مفقوداً حتى الساعة، ولكن الإشارات التي وصلت إلينا تؤكد أنه كتاب تاريخي ليس فيه شيء ذي بال من العقائد… ولو دار حول شخصية مشهورة من أكاسرة الفرس كما يستدل من نقول ابن قتيبة عنه فـي (عيون الأخبار).

٥ - كتاب (مَزْدك): نسبه ابن النديم لابن المقفع [٣٥] وهو كتاب مفقود لا يعرف منه إلا اسمه هذا، أمام مضمُونه فلا أحد قادر على إدراكه…

وقد قيل: إن هذا الكتاب كان من صنيع أبان بن عبد الحميد اللاحقي، ونظمه نظماً كما نظم (كليلة ودمنة) [٣٦] …وكذلك فُقد كتاب (أبان اللاحقي) … ونرجح أن هذا الكلام لا صحة له؛ لأن ابن النديم ذكر نظم أَبَان لكليلة ودمنة ولم يشر من قريب أو بعيد إلى نظمه لكتاب (مزدك).

ويرى (نولدكه) فيما نقله عنه (براون) فـي كتاب (تاريخ الأدب الفارسي) أنه «كتاب أدب وضع للتسلية، ويعتبر بمصاف (كليلة ودمنة) ولا تضر قراءته مسلماً» [٣٧].

ثم يعقّب على ذلك كله الدكتور عبد اللطيف حمزة فيقول: «لست أدري - فـي الحق - كيف قال هذان العالمان الكبيران ذلك؛ وإلى أي شيء استندا فـي هذا القول؛ والكتاب نفسه مفقود» [٣٨].

وحين احترز الرجل احترازاً علمياً صحيحاً رأيناه يجري فـي طَلْق آخر أبعد منهما مرمىً فيقول: (وغاية القول عندي فـي هذا الكتاب أن اسمه قد يدل عليه) ثم طفق يتخيل فـي ضوء هذا العنوان أشياء يبديها له الظن من البحث المضْني عند الرجل عن الدين الحقيقي. ومن أغرب ما قاله فيه: «ومن يدري لعله ابتدأ بالإسلام وهو دين الدولة فعرضه على عقله وكتب فـي فضائله؟ ثم نظر فـي المزدكية وهي دين آبائه وأجداده فكتب مثل هذا الكتاب» [٣٩]، فـي إطار مفهوم (حرية الإرادة).

وعلى الرغم من هذا الافتراض التخيلي؛ فلعله أقرب الأشياء إلى المنطق؛ لأن ابن المقفع كان يستعرض حقيقة الأديان ديناً ديناً فـي إطار تأريخ إنساني لها، ولم يكن تأريخه بدافع آخر، كما نعتقد. والمهم لدينا أن الكتاب نُسب إلى ابن المقفع وانفرد بهذه النسبة ابن النديم؛ ولا يعرف منه إلا الاسم … ولهاذ نرفض تهيؤات الدكتور حمزة الأخرى لهذا الكتاب، إذ لم يكن أكثر من كتاب فـي سيرة (مزدك). ولماذا لا يكون موضوعاً فـي سيرة هذا الرجل وبيان آرائه الدينية التي جاء بها وهو معدود فـي المشهورين، وقد رأينا ابن المقفع مولعاً بالسير وشؤون الحكم… ولا يريد أن يترك شيئاً مما يعرفه إلا رغب فـي نقله إلى العربية… بما فيه سيرة (مزدك)؟ ؟ ولماذا يتهم ابن المقفع فـي دينه حينما يترجم مثل هذه السير لرجالات الفرس ولم يكن قد أسلم؟ ونؤكد مرة أخرى أن الرجل كان مؤرخاً فـي مثل هذه الكتب أكثر من أي شيء آخر.

٦ - الدٌّرة اليتيمة، أو اليتيمة فـي الرسائل: اليتيمة فـي الرسائل هو العنوان الوارد فـي الفهرست [٤٠] فـي الوقت الذي أورد كتاباً آخر وهو (الآداب الكبير). ويقصد بهذا ما هو معروف الآن باسم (الأدب الكبير) مما يعني أن (اليتيمة فـي الرسائل) ليس هو (الأدب الكبير) ولا هو جزءاً منه [٤١]. أما الأصمعي فقد سماه (الدرة اليتيمة) وقال: «صنف ابن المقفع المصنفات الحسان منها (الدرة اليتيمة) التي لم يصنّف فـي فنهـا مثلـها» [٤٢]. وهي بهذا الاسم عند الباقلاني - وإن سماها أبو تمام والثعالبي والحصري باليتيمة - ثم أوضح الباقلاني أنها تتضمن موضوعات ليست من مضمون كتاب (الأدب الكبير)؛ فقال: «وقد ادعى قوم أن ابن المقفع عارض القرآن؛ وإنّما فزعوا إلى (الدرة اليتيمة). وهما كتابان أحدهما: يتضمّن حكماً منقولة توجد عند حكماء كل أمة مذكورة بالفضل. فليس فيها شيء بديع من لفظ ولا معنى، والآخر: فـي شيء من الديانات وقد تهوَّس فيه مما لا يخفى على متأمل. وكتابه الذي بيناه فـي الحِكَم منسوخ من كتاب بُزُرجُمِهْر فـي الحكمة» [٤٣].

فمن المؤكد أن الباقلاني المتوفى (٤٠٢هـ) قد نظر فـي الكتاب، وعرف ما يحتوي عليه، مما جعله يرده إلى الأصل المنقول عنه… وكلاهما متداول بين أيدي الناس إلى زمن الباقلاني. لهذا نرجح أن (الدرة اليتيمة) هو الرسالة التي ردَّ عليها القاسم بن إبراهيم (ت٢٤٦هـ / ٨٦٠م) ونعته فيها بالزندقة [٤٤]. ورجح حاجي خليفة أن يكون اسمه (الدرة اليتيمة) ثم رأى أنه لُخِّص فـي كتاب آخر سمي (اليتيمة) فقال: «الدرة اليتيمة والجوهرة الثمينة لعبد الله بن المقفع الأديب. وهو كتاب لم يصنف فـي فنه مثله. لخّصه بعض المتصوفة (ابن عربي) وسماه: (عظة الألباب وذخيرة الكتاب). وهو مرتب على اثني عشر فصلاً. ويشتمل على الحقائق والمعاني، وأخبار السادة الصالحين، ولها مختصر آخر يسمى باليتيمة. » [٤٥]

ولم يذكر من اختصر الكتاب، وسماه بهذا الاسم (اليتيمة) … ولكنه يوضح لنا أن كتاب (الدرة اليتيمة) مؤلف من اثني عشر فصلاً؛ ويعالج جملة من المعاني والحقائق التي حدت بابن عربي إلى تلخيصه فـي الكتاب الذي أُشير إليه، فضلاً عن أخبار السادة والصالحين الذين ينشغل بهم المتصوفة. وهي موضوعات ليست من موضوعات (الأدب الكبير) فـي شيء، فهو يتناول السلطان والصداقة؛ مما يعني أنهما ليسا كتاباً واحداً كما ظن بعض القوم [٤٦]. فمضمون (الدرة اليتيمة) وقع فيه كلام على السادة، والحقائق؛ والديانات القديمة. ومن هنا زعم بعض القوم أن فيه كلاماً يعارض فيه القرآن الكريم، ولما قرأه الباقلاني قال: «وكتابه الذي بيناه فـي الحِكم منسوخ من كتاب بُزُرجمِهْر فـي الحكمة. فأي صنع له فـي ذلك؟ وأي فضيلة حازها فيما جاء به وبعدُ؛ فليس يوجد كتاب يدعي مدّعٍ أنه عارض فيه القرآن» [٤٧].

وقد ناقش بروكلمانُ أحمدَ أمين فـي شأن الكتاب [٤٨] فإذا كان الكتاب مفقوداً فإن هناك من نقل عنه إشارات تدل عليه مثل (القاسم بن إبراهيم؛ والباقلاني، وابن عربي، وحاجي خليفة؛ وقبلهم جميعاً الأصمعي).

وبهذا كله فكتاب (الدرة اليتيمة) والذي سماه ابن النديم (اليتيمة فـي الرسائل) و (اليتيمة) [٤٩] ترجمة عن كتب فارسية؛ ولا علاقة له بالأدب الكبير؛ وكذلك لا علاقة له بالرسالة الأخرى التي أطلق عليها (رسالة اليتيمة). فهذه الرسالة مثبتة فـي كتاب (المنظوم والمنثور) لابن طيفور ونقلها أحمد زكي صفوت فـي (جمهرة رسائل العرب [٥٠]. (وقد قابلت بين ما وصل إلينا من (الدرة) وبين (اليتيمة) فلم أجد شبهاً بينهما؛ مما يدل على أنهما رسالتان مختلفتان… ولعل ما قرأه ابن قتيبة يكون نصّاً من الدرة اليتيمة التي أوضحنا هيئتها سابقاً، وكذلك وجدناه عند الثعالبي والحصري (٥١).

وبناءً على ذلك كله نرى أن كتاب (الدرة اليتيمة) ليس هو الأدب الكبير، ولا هو رسالة اليتيمة؛ ونرجح أن يكون هو ما سماه ابن النديم (اليتيمة فـي الرسائل).

أما رسالة اليتيمة فهي ليست من الأدب الكبير، ولا الصغير فـي شيء، ولعل رأي حاجي خليفة - فـي هذا الشأن - أصح الآراء … فهي خلاصة للدرة اليتيمة كثر فيها التصرف… ولعل هذه

الرسالة هي التي جعلت أبا تمام يصف ابن المقفع بالبلاغة والحكمة (٥٢).

وقد كشف بعض الباحثين وقوع سبب الوهم فـي اختلاط التسمية بين كتاب (الدرة اليتيمة) و (الأدب الكبير)؛ وأرجعه إلى ابن أبي أصيبعة فـي كتابه (طبقات الأطباء) ونقل عنه قوله: (ولابن المقفع أيضاً تواليف حسان؛ منها رسالته فـي الأدب والسياسة؛ ومنها رسالته المعروفة باليتيمة فـي طاعة السلطان) (٥٣).

ونرى أن العبارة ليس فيها لبس، لأن لفظ (منها ومنها) واضحة الدلالة فـي التمييز بين السابق واللاحق… ولكننا نقول: لعل الوهم وحده هو الذي خلق الاختلاط بينهما. فكتاب (الدرة اليتيمة) مفقود؛ ورسالة اليتيمة التي وصلت إلينا عن طريق ابن طيفور لاتشابه القطع التي حفظها بعض القدماء لنا من «الدرة» وكلها تختلف عن الأدب الكبير والأدب الصغير، وكلها لا يثبت من قريب أو بعيد شيئاً من الفكر الإلحادي الذي وصم به ابن المقفع حتى يتهم بالزندقة. ولا شيء أدل على هذا من أن الباقلاني كذَّب تخرّص المدعين عليه ذلك، ثم ذهب أكثر من ذلك إذ تابع بلغة صريحة واضحة وصف الكتاب فقال: (بل يزعمون أنه اشتغل بذلك مُدّة ثم مزّق ما جمع، واستحيا لنفسه من إظهاره. فإن كان كذلك فقد أصاب وأبصر القصد، ولا يمتنع أن يشتبه عليه الحال فـي الابتداء ثم يلوح له رشده ويتبين له أمره؛ وينكشف له عجزه. ولو كان بقي على اشتباه الحال عليه لم يخْفَ علينا موضع غفلته، ولم يشتبه لدينا وجه شبهته) (٥٤).

إن كلام الباقلاني يوضح ذاته، ولا حاجة للتعليق عليه؛ وهو من عرف بالتقى والورع والتشدد فـي دين الله … فهو يعرض للكتاب ويقرؤه ويفند آراء من تخرَّص على ابن المقفع بالشك والإلحاد… ويبين لنا بجلاء أن ابن المقفع لم يكن إلا مترجماً لكتاب من الآثار الفارسية… وكذا كان أمره فـي كتاب (مزدك) إن صح أنه له؛ وفـي غيره من الكتب…

وإذا كان ابن المقفع قد أكثر من ترجمة الآثار الفارسية فليس عجيباً عليه ذلك ولم يكن وحده… فضلاً عن الجو الفكري الحر الذي مكَّنه هو وغيره من ترجمة عدد من الآثار الأجنبية فـي عهد أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور… وكان من طبيعة هذه الترجمات أن تزيد من ثورة اللغة العربية، وثقافتها… وأن تفتح العقل العربي على الآخر؛ والعكس صحيح. (٥٥) ونقول: الجو الفكري وليس الجو السياسي؛ وكأن السفاح وأخاه أراد للناس أن ينشغلوا بقضايا الفكر لا قضايا السياسة.

وليس هنا مجال للحديث عن زندقة ابن المقفع، أو تعصبه لأجداده من الفرس؛ ولكن آثاره التي ذكرناها فرضت علينا هذه الإشارة… لأننا نعتقد بأن ابن المقفع كان فـي صدد وضع تاريخ للبشرية كلها، ولم يكن بين يديه إلا ما أخذه من الفارسية أو تلك التي تُرجم إليها… وهو حين يفعل هذا كله إنما يستمد من التاريخ عِبَره، ويستوعب حركته من أجل إحداث التغيير فـي الواقع الذي يراه…

ولا شيء أدل على مشروعه فـي إعادة كتابة التاريخ البشري من كتابه الآخر المفقود وهو كتاب (توزيع الدنيا)، ولعله من أقدم الكتب التي ألَّفها أو ترجمها. ويؤكده ما فعله من بعده الفردوسي فـي (الشاهنامه) وقد اعتمد على كتب ابن المقفع خاصة.

٧ - كتاب توزيع الدنيا: هذا كتاب آخر ذكره بروكلمان (٥٦) ثم عبد اللطيف حمزة من دون الإشارة إليه؛ واسم الكتاب موجود فـي كتاب (زين الأخبار) للكاتب الكارديزي. وقد وجد حمزة فـي كتاب (البدء والتاريخ؛ لأبي زايد أحمد بن سهل البلخي) ذكراً موجزاً له كما يبدو من قوله: (وعيوناً جارية؛ وأنهاراً مطردة. ثم صارت بعد ذلك بحراً طافياً؛ تجري فيه السفن؛ ثم صارت قفراً يابساً؛ ولا يدري كيف اختلف عليها الأحوال، ولا لِمَ اختلف إلا الله تعالى) (٥٧).

وفـي ضوء ما تقدم لابد للمرء أن ينطق بالحق والصواب، وقد وهبه الله أذناً واعية وعقلاً يستجيب لهما… فابن المقفع أخذ نفسه بالدرس التاريخي الذي يملكه؛ واعتقد بأنه يقدم جملة من الفوائد لمجتمعه وأمته الجديدة لهذا شرع يضع بين يديها العديد من ترجماته… وهذا ما تؤكده آثاره الباقية التي يعرض لها البحث.

٤ - آثاره الموجودة

قلنا: سقط أكثر إنتاج ابن المقفع من يد الزمن؛ ولكن جملة من آثاره العامة صمدت فـي وجه الأخطار التي أضرت بغيرها… وقد أثبتت هذه الآثار صحة مقولة الراغب الأصبهاني؛ وهي: «ابن بطريق وابن ناعمة وأبو فروة وابن المقفع وأرسطوطاليس وأفلاطون من متقدمي الحكماء، ومستخرجي العلوم (٥٨)». كما أعلنت آثاره أنه لم يكن (فـي حقيقته عدواً للعرب؛ وللعصبية العربية؛ مخلصاً للفرس وللعصبية الفارسية)؛ كما أن موقفه لم يكن عدائياً للحكومة المركزية القائمة؛ لأن رؤساءها يحتفظون (بشيء من الهوى العربي؛ أو ينتسبون إلى أجداد من العرب؛ والعرب - فـي رأي هذا الكاتب - قوم لا يستحقون هذا السلطان) وما قاله فـي توجيه شؤون الدولة إنما كان نابعاً من نزوع إصلاحي صرف…

هذا كله مما ذهب إليه بعض الباحثين (٥٩) فـي ابن المقفع؛ إذ جعله شعوبياً؛ متعصباً لفارس وديانتها المانوية؛ وكارهاً للعرب…

ومهما تشعبت الآراء فإن المنهج العلمي يفرض علينا الموضوعية والنزاهة؛ ولو كنا من أشد الناس حباً لانتمائنا؛ فالانتماء الأصيل يعلي من كرامة الإنسان، وينصف الآخر… ولعل الآثار التي تركها ابن المقفع قادرة على إبراز ماهيتها، وتبرئة الرجل من كل ما اتهم به؛ ويعد كتاب (كليلة ودمنة) فـي طليعتها.

١ - كليلة ودمنة: لقيت ترجمة ابن المقفع لهذا الكتاب عناية عظيمة لدى الأمم كلها قديماً وحديثاً؛ فقد خصّه الأدباء والدارسون بالترجمة والتحليل والشرح والنظم. (٦٠) ومما يدل على تقدم ترجمة ابن المقفع لهذا الكتاب أن هناك ترجمة أخرى له لعبد الله بن هلال الأهوازي قدمها إلى يحيى بن خالد البرمكي سنة (١٦٥هـ) فـي خلافة المهدي، لم تلق عناية واضحة، وكأنها ولدت ميتة؛ وقبعت فـي أحضان التاريخ، وإن ارتاب فيها المستشرق دي ساسي (٦١).

ويحتاج كتاب (كليلة ودمنة) إلى صفحات كثيرة للإحاطة به؛ وحسبنا - هنا - أن نقف عند أهم قضاياه الفكرية والفنية والتاريخية، إذ أجمع الناس على أنه مترجم عن الفهلوية القديمة؛ التي كانت بدورها قد نقلته عن اللغة الهندية فـي عهد كسرى أنوشروان. ويبدو أن الفرس زادوا فـي أصله زيادات عديدة، كما توضحه المقارنة بينه وبين ما عثر عليه من أصول هندية مثل (بَنْجَ تانترا) وتعني المقالات الخمس؛ و (تانترا) تعني (صندوق المعاني الطيبة). وحوى خمسة أبواب (الأسد والثور، والحمامة المطوقة، والبوم والغربان؛ والقرد والغيلم. والناسك وابن عرس) ومثل كتاب (مهابهارتا) وفيه ثلاثة أبواب (الجُرَذ والسنور، والملك والطائر فَنْزَة، والأسد وابن آوى)، ومثل كتاب (هتو بادشا)، والأصل السرياني الذي عثر عليه فـي دير (ماردين) المنقول عن الفهلوية سنة (٥٧٠م) (٦٢). وكان الدارسون فـي ريب من ذلك حتى عثر على هذه الأصول، وفيها قطع متفرقة من عمل ابن المقفع؛ وإن لم تتطابق… وعنه نقل ابن قتيبة وغيره جملة من النقول. (٦٣)

إذاً؛ اتضح لنا بما لا يقبل الشك أن الأبواب الهندية اثنا عشر باباً؛ والفارسية ثلاثة أبواب؛ وزاد ابن المقفع ستة أبواب؛ فانتهت إلى واحد وعشرين باباً…

أما الأبواب الفارسية فهي (مقدمة برزويه، وباب بعثة برزويه؛ وباب ملك الجرذان) ومن ثم ذهب غير واحد إلى أن الباب الذي سماه (عرض الكتاب) وكل من الأبواب الآتية: (الفحص عن

أمر دمنة) و (الناسك والضيف) و (مالك الحزين والبطة) و (الحمامة والثعلب ومالك الحزين) من زيادات ابن المقفع، والباقي هندي. (٦٤)

ومقدمة ابن المقفع (عرض الكتاب) تختلف عن المقدمة التي وضعها بَهْنود بن سَحَوان، ويعرف بأبي القاسم علي بن محمد بن الشاه الظاهري (ت ٣٠٢هـ) (٦٥) كما أن باب (برزويه) موجود فـي الأصل الفارسي وليس من زيادات ابن المقفع كما رأى البيروني، وأيده عابدين ورأى أن الكتاب كله مترجم عن السريانية (٦٦).

وإذا أخذنا بعين النظر أن ترجمة ابن المقفع نفسها قد دخل فيها تغييرات كثيرة على أيدي النساخ؛ فإننا ندرك أن الأصل الهندي الكامل، والأصل الفارسي المترجم عنه قد ضاع كل منهما، ولم يبق إلا ما ترجمه ابن المقفع… وعنه نقل الكتاب إلى الفارسية وغيرها. ولعل أشهر ترجمة له إلى الفارسية تلك التي أشرف عليها أبو المعالي نَصْر الله بن عبد الحميد سنة (٥٣٩هـ / ١١٤٤م) (٦٧).

وكذلك نظم الكتاب شعرا (٦٨) وأول من نظمه أبان بن عبد الحميد اللاحقي (ت ١٨٠هـ) ونظمه ابن الهبّاريّة وهو الشريف أبو يعلى محمد بن محمد بن صالح بن حمزة (ت ٥٠٤هـ / ١١٠٠م) ولم يذكر فيه باب (الحمامة ومالك الحزين) بينما ذكر باب (إيلاذ وبلاذ) و (هيلاروبيلار) مع الاختلاف فـي السياق، وذلك فـي كتابه (نتائج الفطنة فـي نظم كليلة ودمنة).

ويدل نظم الكتاب على أهميته وكذلك ترجماته الكثيرة التي سنذكرها، أما التأليف على منواله فقد عرف على نحو بارز، ومن هذه التآليف كتاب (سلوان المطاع فـي عُدوان الطباع) لأبي عبد الله محمود بن أبي قاسم القرشي المعروف بابن ظَفَر (ت ٥٩٨هـ).

ويظن المستشرق (جولد زيهير) أن اسم (إخوان الصفا) مقتبس من باب (الحمامة المطوقة) (٦٩).

ونكتفـي بهذا التعريف الذي قدمناه للكتاب؛ لنقول: إن ابن المقفع ترجم الكتاب فـي بداية الدعوة العباسية نحو (١٣٣هـ / ٧٥٠م)، غالباً (٧٠). فهو من أوائل الكتب التي عُني بها قبيل إسلامه سنة (١٣٢هـ) ولغته دالة على ذلك (٧١). وقد سبق فيه مُصَنّفِه الآخر (رسالة الصحابة)، وليس العكس كما ذهب إليه بعض الدارسين (٧٢).

وقد جاء الكتاب فـي أربع مقدمات، وخمسة عشر باباً؛ غيّر فـي كثير من معانيها وصورها لتلائم الذوق العربي والإسلامي، ولتوافق الهدف الذي رمى إليه؛ وهو تنبيه أصحاب الحل والعقد فـي الخلافة على كيفية حكم الرعية، والتعامل مع الولاة؛ وكيف يتقي بعضهم بعضاً (٧٣). وقد رمز لغرضه هذا فـي البند الرابع من أغراضه الأربعة وهي:

(أحدهما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير الناطقة من مسارعة أهل الهَزْل من الشبان على قراءته فتستمال به قلوبهم؛ لأن هذا هو الغرض بالنوادر من حيل الحيوانات. والثاني إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الأصباغ والألوان ليكون أُنْساً لقلوب الملوك ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة فـي تلك الصور.

والثالث أن يكون على هذه الصفة فيتخذه الملوك والسوقة، فيكثر بذلك انتساخه ولا يبطُل فيخلَق على مرور الأيام ولينتفع بذلك المصور والناسخ أبداً.

والغرض الرابع - وهو الأقصى - مخصوص بالفيلسوف خاصة) (٧٤).

والكتاب أسئلة وأجوبة كان يلقيها ملك من ملوك الهند يقال له (دَبْشليم) على فيلسوف حكيم يسمى (بَيْدبا). ويجيب (بيدبا) فـي كل مرة بحكاية على ألسنة الحيوانات تحمل مغزى ما؛ لا يصرح به على الأغلب.

ويقرّ ابن المقفع صراحة (فـي عرض الكتاب) بأصل الكتاب فيقول: «هذا كتاب (كليلة ودمنة)، وهو مما وضعته علماء الهند من الأمثال والأحاديث التي أُلهموا أن يُدخلوا فيها أبلغ ما وجدوا من القول فـي النحو الذي أرادوا …

فأول ما ينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له؛ والرموز التي رُمزت فيه، وإلى أي غاية جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم، وأضافه إلى غير مفصح… فإن قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك المعاني ولا أي ثمرةٍ يجتني منها؛ ولا أي نتيجة تحصل له مقدمات ما تضمنه هذا الكتاب». (٧٥)

وهو يعلم أبعاد الرموز التي وضعت على ألسنة البهائم؛ وما توحيه من أفكار فـي هذا الاتجاه أو ذلك… فقد شغل ذهن ابن المقفع صورة الحاكم المستبد الذي يبطش برعيته دون رحمة، وقد ضيّق عليها الخناق، وألهب ظهرها السوط، وماتت قلوبها من الرعب… فلم يجرؤ أحد على نقده…

ولهذا ظن فـي نفسه الخير والصلاح لأنه سد أذنيه عن كل نَصيحة وموعظة أياً كانت قيمتها (٧٦). وفضلاً عن هذا فإن الكتاب يشي بكثير من المفاسد الاجتماعية والسياسية التي تقع فـي أروقة الدولة والولايات.

ومن هنا كان أدب السلطان أهم موضوع فـي الكتاب، ويعقبه أدب الصداقة؛ ومن ثم أدب النفس… وهي الموضوعات التي دارت عليها مؤلفات ابن المقفع كلها؛ وكأن كتاب (كليلة ودمنة) ظل الموجه له والقابض على أفكاره فـي (الأدب الكبير) و (رسالة الصحابة) خاصة.

ومن يتعقب أبواب الكتاب يمسك بنقد غير صريح للحكم، فـي الوقت الذي يقدّم فيه الكثير من الحكم والمواعظ للسلطان كالحِلْم والتعقّل، وحفظ العهد والوفاء، وحسن والسيرة؛ وحسن تدبير شؤون الحكم واختيار البطانة من الأمناء والشرفاء… وتحصين العدل وتفقد الرعية… فالحاكم موضع ثقة الرعية، وصلاحها بصلاحه… ويلمس كل قارئ هذا فـي باب (الأسد والثور) و (الملك والطائر فَنْزة) و (الأسد وابن آوى والناسك) و (السائح والصائغ).

وقبل أن نتوقف عند بعض الإيحاءات الفكرية لهذا الموضوع نشير إلى الموضوعين الآخرين فـي الصداقة وأدب النفس. فقد احتلت الصداقة مكاناً رفيعاً من الكتاب وركز فيها على منافع الصداقة وجمالها وشروطها، وأنواعها؛ وكيفية مساعدة الصديق لصديقه… والإمارات التي يعرف بها الصديق… ويعد باب (الحمامة المطوقة) من أبرز الأبواب التي تناولت ذلك.

وحفـي كتاب كليلة ودمنة بالأخلاق وتهذيب النفس، وضرورة العقل وأهمية ذلك فـي الحياة… وفـي باب (الأسد والثور) و (باب الفَحْص عن أمر دمنة) و (البوم والغربان) و (القرد والغيلم) … وغير ذلك الكثير من أشكال التأديب فـي المروءة والصدق، والوفاء، والأمانة، والإخلاص… والتنفير من الحقد والحسد والخيانة والغش… والغدر والسرقة…

فالكتاب بحق ذو قيمة كبرى فـي القيم والفضائل وعادات الشعوب القديمة، وفـي فلسفتها الفكرية والأخلاقية…

وتبقى أهم قيمة يشتمل عليها الكتاب القيمة السياسية التي تتعلق بنظام الحكم وما يجري فيه من فتن ومكائد. فمن يقرأ باب (الأسد والثور) أو باب (البوم والغربان) مثلاً يلحظ أنه يتحدث عن أحوال الدولة وسياستها ويبين أن كل من استقر به الحكم طغى (وبغى، وتجبر وتكبر، وجعل يغزو من حوله من الملوك؛ وكان مع ذلك مؤيداً مظفراً منصوراً؛ فهابته الرعية. فلما رأى ما هو عليه من الملك والسطوة؛ عبث بالرعية واستصغر أمرهم وأساء فيهم، وكان لا يرتقي حاله إلا ازداد عتواً). (٧٧)

ومن هنا فنحن لا نشك - كما سبقنا إلى هذا الكثيرون - فـي نقدِ بل استنكار ابن المقفع لأشكال الانحراف فـي سياسة الحاكم واختياره لبطانة فاسدة لم تقدم للناس إلا شراً وثبوراً… ولا نرتاب فـي أنه لم يصرح به؛ ولكنّ ترميزه كان شديد الإيحاء بمضمونه، فإذا كانت الحيوانات تمقت الظلم والقهر والقتل، والخيانة، والغدر؛ والفجور… وتسعى إلى العدل والإنصاف، وتزداد بالمشورة رأياً وعقلاً، وحكمة وقوة… فإن الإنسان، ولاسيما إذا كان ملكاً مطاعاً، أولى منها بهذا العدل والرفق بالرعية، والتخلص من أهل الفساد الذين يعبثون بمقدرات البلاد؛ ويهتكون شرف العباد.

فالكتاب - فـي الأصل - مثقل بالرموز الكثيرة التي تفضح أساليب الحاكم فـي النيل من خصومه؛ ومن ثم بغيه فـي الرعية؛ وإيقاع الهلاك على أبرياء أُخذوا بظنة الحاكم أو أزلامه… ثم استطاع ابن المقفع أن يحمله كثيراً من الأبعاد السياسية التي حدثت فـي عهده… فما أشبه حال الخليفة بحال الملك (دَبْشليم) وما أشبه حال ابن المقفع بحال (بَيْدبا) كل منهما يريد تقديم النصيحة للحاكم الظالم الغاشم ورده إلى الحق والعدل والعطف على الرعية… وأن يعمل عقله فـي خير الدولة والناس.

ولذلك نرى أن ابن المقفع لم يكن سياسياً بارعاً فـي اصطناع الحيلة والترميز فـي اختياره لقصَة (كليلة ودمنة) من خزانة ثقافته، وجعلها وسيلة لإبراز هدفه؛ ولم يكن حصيفاً فـي عقله كما كان عليه فـي كتابته لرسالة الصحابة - ولعل عدم حصافته تلك ترجع إلى حماسة الشباب، وإلى قلة الخبرة بالخلفاء والملوك - ولكنه في الوقت نفسه لم يكن ساذجاً فـي تخيره لهذا لكتاب؛ فقد دل فيه على وعي سياسي ناضج بأهمية إصلاح شؤون الحاكم والحكم، وتوجيه أمرهما إلى ما فيه خير البلاد والعباد… فهو يسعى جاهداً إلى إصلاح نظام الدولة. ولهذا ستظل أفكار هذا الكتاب موجهة لعقل ابن المقفع ومؤلفاته من بعد؛ مما يجعله يثيرفـي النفس أمرين: الأول أن ابن المقفع يعنيه كل ما يقع على الناس - وهو منهم - من مظالم وقتل وتشريد… وخوف ورعب… ولم يكن يملك إلا قلمه؛ وحماية سليمان بن علي وإخوته، فاختار كتاب (كليلة ودمنة) ليعبر عما يدور فـي خلده… وعما يرمي إليه من مقاصد… فهو بكل تأكيد يريد إصلاح نظام الحكم لا مهاجمته؛ ولا يرغب فـي النيل من الخليفة؛ وإن جَرَّح بطانته؛ إنه يرغب فـي تنبيهه على ما يجري من أحداث… ولكنه يخشى على نفسه؛ فيما لو صرح بمراده؛ ومن هنا عمد إلى الترميز

لهذا الكتاب بما فيه الأبواب التي أضافها إلى الأصل. (٧٨)

هذا هو المراد من الكتاب فالرجل ترجم الكتاب، وصنع فيه ما صنع ليس بداعي التهكم بالعرب؛ وبسلطانهم… وكيف يستقيم هذا وهو يعيش فـي حمايتهم؛ وخيره من فضل أيادي بعض عمومة الخليفة؟ ! وقد اختار قصة من أصل هندي، لا علاقة لفارس بها إلا أنهم كانوا نقلة لها من أصولها… وهذا الاختيار يبعد عنه أي عصبية لأي جنس إلا العصبية للحق، والتبصير بالمفاسد والمظالم.

ويبدو أن الرموز التي حملها الكتاب قد وصلت إلى أبي جعفر المَنْصور وكان آنذاك والياً على فارس وأذربيجان وأرمينية… وربما أغاظه لما يشتمل عليه من أفكار فـي توجيه الرعية وتبصيرها بحقوقها؛ والمطالبة بتحقيق العدل؛ ومعرفة الظالم والفاسد؛ وتمييزهما من العادل والصالح (٧٩) … وإن لم يكن هناك دليل صريح على ذلك… وهل يأخذ الحاكم بما يرويه رجل على ألسنة البهائم؟ !.

هذا رأي لا غبار عليه أبداً؛ لكن المرء يضيف إليه أن الكتاب لا يتضمن أي قَدْح فـي أي شخص أو حاكم بعينه؛ ولكن السلطان يأخذ دائماً بالأحوط. لهذا ربما داخله شيء من الريبة فـي الرجل… ولعل هذا الكتاب كان بداية للتنافر فـي النفوس، دون أن يظهر بشكل جلي.

أما الأمر الثاني فهو يوضح أن كتاب (كليلة ودمنة) ترجم نحو سنة (١٣٣هـ / ٧٥٠م) إن لم يكن قبلها؛ ولم يقدمه لأبي جعفر المنصور؛ ولا لأبي العباس السفاح بشكل مباشر… إنه موجه للحاكم الذي تحمَل أمانة الحكم، وامتلك أعناق العباد، وتقلد أرجاء البلاد… فلابد له من العدل والرحمة وتدبير شؤون الحكم على خير وجه فـي الداخل والخارج.

ومن ثم فالنقد الموجود فـي الكتاب - وإن تركز على الحاكم وبطانته - فهو نقد عام وكأنه لم يقصد أحداً؛ لأن الرجل يشرح المرض أو الداء ويتبعه بالدواء والعلاج. لهذا ليس فيه إلا وجه الإصلاح للدولة التي يرغب فـي أن تصبح أنموذجاً خيّراً؛ بدل أن تعيش فـي حالة فوضى وفساد…

وهذا يشجعنا على القول: لقد استطاع ابن المقفع أن يكون سابقاً لزمانه حين وضع نفسه بين حضارتين قديمة زائلة؛ أخذ منها العِبَر وبين حضارة جديدة ناهضة يقدم لها النصيحة والموعظة فـي ضوء ثقافته الموروثة من تلك الحضارة.

فقد أعطى حضارته الجديدة جملة من الأفكار، والنصائح فيما لو عملت بها لتقدمت وتخلصت من أشياء تشين مسيرتها… فكتاب كليلة ودمنة لم يكن هدفه السلطان وحده؛ وإنما كان مرماه الحضارة كلها وليس السلطان إلا وجهاً واحداً لها، على أهميته… فهو يقصد إلى نشر المحامد والفضائل أينما كانت، وتجنب المساوئ والتخلص من المظالم والمفاسد أينما وقعت.

وبعدُ؛ فإني أكتفـي بهذه الإضاءات، ولا يستطيع المقام أن ينهض بكل ما يوحي به كتاب كليلة ودمنة؛ فهو كتاب حكمة وأمثال، وأدب وأخلاق؛ وكتاب تاريخ وسياسة واجتماع؛ وكتاب يصدق فيه أن يكون رواية أو مسرحية؛ أو نصّاً أدبياً فنياً مبدعاً… يقدم أفكاره بأسلوب شائق جذاب يجمع بين الخرافة والحقيقة بلغة سهلة واضحة وجميلة ومثيرة…

إنه فتح مبين فـي قصص الحيوان الرمزية الطويلة (٨٠) وهي تختلف - من غير تردد - عن الحكايا الخرافية التي قدّمها لنا الشعر القديم، أو عرفتها الأمم الأخرى.

فكتاب (كليلة ودمنة) يعد أبقى أثر تركه ابن المقفع للبشرية، سواء اتهمه الدكتور طه حسين بضعف التراكيب فيه (٨١) أم دافع عنه أحمد أمين وغيره، وجعلوه أحد أقطاب العربية؛ والمجدد فـي أساليبها (٨٢).

فهذا الكتاب يظل عَلَماً على ابن المقفع، وابن المقفع علماً عليه (٨٣)، ويظل عندنا الشاهد الأهم على وجود الحرية الفكرية فـي عهده؛ وإن رأى أن الحرية السياسية غير موجودة. لهذا شدد على إصلاح النظام السياسي، علماً أنه ينسب الفساد إلى عمال الخليفة ومن يستعين بهم فـي تنفيذ شؤون الحكم؛ ولا ينسبه إلى الخليفة…

ومما يدل على أهمية هذا الكتاب أنه ترجم عن النسخة العربية إلى لغات عالمية كثيرة؛ إذ ترجم إلى السريانية الحديثة فـي القرن العاشر أو الحادي عشر ومنها نقل إلى الإنكليزية سنة (١٨٨٠م)، وترجم إلى اليونانية سنة (١٠٨٠م) ومنها نقل إلى الإيطالية (١٥٨٣م) والسلوفينية؛ وترجم إلى الفارسية فـي القرن السادس الهجري وإلى العبرية واللاتينية القديمة، والإسبانية القديمة فـي القرن الثالث عشر؛ ثم ترجم من العبرية بترجمة (يوحنا ١٢٧٠م) إلى الألمانية (١٤٨٠م) وإلى الإسبانية الحديثة (١٤٩٣م) وإلى الإيطالية (١٥٥٢م) … كما ترجم من الألمانية إلى الدانمركية والهولندية، ومن الإيطالية إلى الإنكليزية (١٥٧٠م) ومن الإسبانية الحديثة إلى الإيطالية (١٥٤٨م) كما ذكر الدكتور عبد الوهاب عزام فـي مقدمته لطبعة الكتاب فـي مطبعة دار المعارف، وعنه نقل فاخوري فـي تأريخه للأدب العربي، وله ترجمات إلى التركية فـي مطلع القرن السادس عشر، وإلى الفرنسية (١٧٧٨م) وإلى الروسية (١٨٨٩م) وغير ذلك من اللغات (٨٤).

٢ - الأدب الصغير والأدب الكبير: قبل أن نوجز الحديث عن الكتابين يفرض علينا المنهج العلمي أن نبين معنى كلمة (أدب) وكلمة (الصغير - الكبير) فيما جاء فـي العنوان لكل منهما، لأنه ما من باحث تناول كلمة (أدب) إلا ذكر كتابي ابن المقفع…

وليس المجال هنا موضوعاً لاستقصاء معاني الكلمة؛ ولهذا نبين أن الجاهليين استعملوها فـي معنى الدعوة إلى الطعام… بينما استعملت فـي العصر الإسلامي بمعنى تهذيب النفس، وإقامتها على جادة الأخلاق والحق، وعلى هذا المعنى جاء الحديث الشريف: (أدّبني ربي فأحسن تأديبي) (٨٥)، ومثله ورد فـي قول أم ثواب وهي امرأة من هزان أنشدت شعراً فـي ابن لها عقها (٨٦):

أبعدَ شيبي يبغي عندي الأدبا؟ !

أنشا يمزّق أثوابي يؤدبني

ولهذا ارتبطت بالحديث، والمجلس، من جهة الخُلُق؛ فقيل: أَدَبُ الحديث، وأدب المجلس…

أما ابن المقفع فكان أول من جعلها عنوانين لمؤلفين له؛ وهو الذي أخذ نفسه بالتهذيب الخلقي قولاً وفعلاً… حتى صار علماً عليه. (قال الأصمعي: قيل لابن المقفع: مَنْ أَدّبك؟ فقال: نفسي) (٨٧). وكان يعني بالكلمة تهذيب النفس على الخلق النبيل والفضيلة والمروءة… وهو المعنى المعروف والشائع حتى عصره، وإن توسع المعنى فيما بعد ليصبح معرفة الأشعار والأنساب والأيام والأخبار…

وغير ذلك كما نجده فـي عنوان كتاب لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ) وهو (أدب الكاتب)؛ إذ أصبح معنى الأدب (الأخذ من كل علم بطرف) (٨٨).

فمعنى كلمة (أدب) عند ابن المقفع فـي الكتابين هو معنى تهذيب النفس وتربيتها على الفضيلة، ولهذا جعل مضمونهما يعبر عن عنوانهما… أما كلمة (الصغير) و (الكبير) فليست وصفاً لكلمة (الأدب) كما ذهب إليه بعض الباحثين (٨٩)؛ لأنه يستحيل فـي العقل والمنطق وجود خُلُق صغير، وآخر كبير؛ أو تهذيب صغير… والرأي ما ذهب إليه الأستاذ أحمد أمين - رحمه الله - إذ قال: (كلمة الصغير والكبير وصف للكتاب. وقد شاع استعمال هذا التعبير فـي ذلك العصر؛ فقالوا كتاب الطبقات الكبير لابن سعد؛ وأحياناً يحذفون كلمة (كتاب) ويبقون الوصف فيقولون: (السِّيَر الكبير، والسير الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني) ومن هذا؛ الأدب الصغير والأدب الكبير. فليس الصغير والكبير وصفين للأدب، ولكن للكتاب المفهوم ضِمناً) (٩٠) أما ابن النديم فقد حلّ المشكلة ولم يحذف وسماهما (كتاب الآداب الكبير) و (كتاب الأدب الصغير) (٩١) والصغير فـي ثلاثين ورقة بينما الكبير فـي نحو مائة ورقة؛ علماً أن نسبة الفرق فـي حجمهما تتفاوت بين الطبعات.

ونذكّر هنا بما سبقت الإشارة إليه من أن الأدب الكبير ليس هو الدرة اليتيمة أو رسالة اليتيمة التي ذكرها أحمد زكي صفوت باشا؛ ونقلها عن المنظوم والمنثور لابن طيفور… وكذلك ليس الأدب الصغير هو اليتيمة الملخصة عن الدرة اليتيمة (٩٢).

ومن هنا نبدأ بحديث موجز عن الكتابين لنتوقف عند قراءة لأبعادهما الفكرية، والأدبية…

أـ الأدب الصغير:

كتيب موجه للعامة قبل الخاصة لا يزيد حجمه على ثلاثين صفحة فـي بعض الطبعات وهو فـي نحو خمسين صفحة فـي الطبعة التي اعتمدنا عليها من (صفحة: ١٥) إلى (صفحة: ٦٦) (٩٣).

إنه رسالة صغيرة فـي الوصايا الخلقية، والحكم التي تستوفـي نصائح عديدة من دون تحليل للنفس والخلق… لأنها مجموعة من الآراء المنتزعة من هنا وهناك من أقوال السابقين. وهي تمثل تجارب صيغت بإيجاز شديد ومحكم؛ فضلاً عن الخطرات الفكرية الذاتية لابن المقفع، والتي تم تأليفها بكلمات رشيقة وسديدة خلت من القصص والأمثال (٩٤).

ويتضح لكل ناظر إليه أنه ينقسم إلى مقدمة ومتن؛ فقد ذكر فـي المقدمة حاجة العقل إلى الأدب، وأثر الأدب فـي تنمية العقل… ويفيد العقل فـي ستة أشياء:

١ - إيثار الأدب بالمحبة على كل شيء.

٢ - المبالغة فـي طلب الأدب بدافع الإيثار.

٣ - التثبت من تخير الأدب.

٤ - الثقة بالنفع والخير العائد من الأدب.

٥ - حفظ الأدب ومدارسته، لأن الإنسان مطبوع على النسيان.

٦ - وضع الأدب فـي الموضع اللائق به.

ومن ثم يبين مصادره التي اعتمد عليها فـي تأليف الكتاب، وكأنه جمع فيها بين النقل أو الترجمة وبين الإبداع الذاتي…

وبعد أن عقد تأليفه بمشيئة الله بدأ بعرض حكمه ونَصائحه وانطلق فيها من الفرد العاقل والعارف، فلينظر أين يضع نفسه، وليعرف جماع الصواب والخطأ… (٩٥)

ويبدو أن خاتمه الكتيب أو الرسالة كانت مناسبة للابتداء، إذ (لا يزال الرجل مستمراً ما لم يعثر) (٩٦).

هذا الكتاب لم يختلف فيه أغلب الدارسين؛ وإن قيل: إنه سُمّي باسم (اليتيمة)؛ فالقدماء والمحدثون سموه بالأدب الصغير؛ لكن بروكلمان يرى أنه (ربما كان مختصراً من كتاب الأدب الكبير الذي يمكن أن تكون مأخوذة منه نُقول ابن قتيبة التي لا توجد فـي الأدب الصغير). ثم يقول: (ليس له ترتيب خاص؛ بل هو يتكئ بقوة على كتاب كليلة ودمنة فـي حكمته الخالصة؛ ويدعو إلى اتباع السنة والتمسك بآثار السلف)؛ ثم يرجح نحله على الرجل (٩٧).

ب - الأدب الكبير

كتيب صغير عرفه القدماء والمحدثون باسمه هذا (٩٨) غالباً؛ وإن عرف بغيره فقد أطلق عليه ابن النديم وبروكلمان اسم (كتاب الآداب الكبير) (٩٩) … بينما كان ابن قتيبة يطلق اسم (الآداب) عليه من دون (الكبيرة) فيقول: (قرأت فـي آداب ابن المقفع) كما زعم عليه بعض المحدثين. (١٠٠)

وإذا كنا قد أشرنا سابقاً إلى الالتباس بينه وبين (الدرة اليتيمة) أو (اليتيمة فـي الرسائل) حتى أخذ اسمها؛ عند بعض الدارسين فإن ابن النديم أطلق عليه اسم (ماقرا حسيس) فقال: (كتاب الآداب الكبير ويعرف بما قرا حسيس) (١٠١). ويرى الأستاذان (هوفمان وجوستي) أن اسمه محرف عن (مَه فراجو شناس). و (ينبغي أن تكون (مه) بمعنى عظيم أو كبير، (فراج) بمعنى سمو أو علو، (شناس) بمعنى الشرح أو الفهم) (١٠٢).

وبذلك لقي الكتاب عناية الدارسين قديماً وحديثاً، فـي جانبه الفكري والأدبي… ولسنا نشك لحظة فـي أن الكتاب ترجمة عن الآثار الفارسية غالباً؛ ولكنه ليس من أثر واحد؛ وإن غلب عليه النقل من وصايا (أردشير إلى ولي العهد) … وهذه الوصايا المثبتة فـي كتاب أردشير شغلت حيزاً من الجزء الأول يبلغ مائة وثماني وعشرين صفحة فـي كتاب (تجارب الأمم) لابن مسكويه… (١٠٣)

ولما كان عمل ابن المقفع قائماً على النقل غير الحرفي، والاستناد إلى عدد غير محدود من الآثار فإن أي أحد لا يمكنه أن يقول: إن عهد (أردشير) ترجم كاملاً إلى العربية، لا ابن مسكويه ولا غيره… ولكن الموازنة بين الأدب الكبير فـي موضوع (السلطان) وبين العهد السابق تبرز نقاط التقاء عدة، مما دفع بالدكتور عبد اللطيف حمزة إلى الاعتقاد بأن العهد من ترجمة ابن المقفع أيضاً (١٠٤). ولعل هذا صحيح؛ فمقدمة الأدب الكبير للسلطان تشابه كثيراً المقدمة المنشورة لعهد أردشير، فضلاً عن طبيعة المنهج.

فالكتاب صغيرالحجم لايزيد على مائة ورقة (١٠٥) ويضم مقدمة، وموضوعين اثنين. أما المقدمة التي اختطها فـي التأليف، ولاسيما فـي الأدب الصغير والكبير فقد كانت بداية لوضع مقدمات الكتب…

وهو يصرح فـي هذه المقدمة كما فعل فـي سابقتها بالعديد من الوصايا، والحكم التي لابد لطالب العلم من الالتزام بها؛ فضلاً عن بيان مصادره والتنويه بالقدماء… فهم عظيمو الفضل على الأجيال، وكانوا أبداً يتطلعون إلى الحكمة وطلب العلم، ويسارعون إلى تقييد العلم بأي وسيلة توافرت لهم وأينما كانوا… فمصادر علمهم فـي شتى الميادين كانت معينَه الذي ينهل منه… وما كتَبه إنّما هو مشتق من حكمهم.

أما نصائحه لطالب العلم فهي ثمانٍ:

١ـ معرفة الأصول والفروع.

٢ـ الالتزام بطلب العلم، ولزومه للوصول إلى التفقه فيه كما يفعل رجل الدين.

٣ـ صلاح الجسد ومنافعه يكون باللذائذ الروحية والعقلية لا باللذائذ البدنية من مأكل ومشرب ونكاح… وإن كان لابد منه فليكن خفيفاً.

٤ـ الإسراع إلى طلب العلم والصبر عليه، فليكن المرء أول حامل له وآخر منصرف عنه.

٥ـ زكاة العلم تعليمه؛ أن يجود به على أهله.

٦ـ صون العالم لنفسه وعلمه الوقار والاحتراز والتحفظ بما يقول.

٧ـ منافع العلم الدنيوية كثيرة مادية ومعنوية.

٨ - لما كانت منافعه كثيرة فلابد للعالم من الاتصاف بالأخلاق…

أما متن الكتاب فإنه يشتمل على موضوعين اثنين؛ وقد تكامل كل موضوع فـي أفكاره؛ فجاءت مرتبة منسقة مستوفية استيفاءً حسناً للكلام الذي وضعت له؛ الأول (فـي السلطان) والثاني (فـي الأصدقاء).

ويبدو لي أن السلطان شغل ذهن ابن المقفع كثيراً؛ وكان يرى أنه إذا صلح الراعي صلحت الرعية، وما يلمسه ليس كما يريد لخير هذه الأمة. وهذا عينه ما نفهمه من الحديث الشريف (أّيَّما راعٍ غَشَّ رعيته فهو فـي النار) (١٠٦). ومثله الحديث الآخر: (ألا إنَّ لكل غادرٍ لواءً يوم القيامة بقَدْر غَدْرته؛ ألا وأكبر الغدر غَدْر أميرٍ عامةً، ألا لايمنَعن رجلاً مَهابةُ الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه، ألا إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) (١٠٧).

فابن المقفع شهد الفتنة العظيمة حول الخلافة بين الأمويين وأعدائهم؛ ثم عاين ما يجري من أبي العباس السفاح لتوطيد أركان الحكم ومن بعده أخيه أبي جعفر الذي بطش بأعمامه، وكل من شعر بأنه خطر على حكمه كأبي مسلم الخراساني، ولم تشفع له أعماله الكبرى فـي خدمة دولة بني العباس وهي فـي أول عهدها…

وربما انغمس ابن المقفع فـي الخلاف الذي ظهر بين أبي جعفر وبين عمه عبد الله بن علي وإخوته، لأنه كان كاتباً لسليمان بن علي… وأجج ناره حتى اكتوى بها، ومن ثم أحرقته… وقد أمر المنصور بقتله.

فهو فـي باب السلطان يقسم نصائحه إلى قسمين؛ قسم يتعلق بالشؤون الشخصية فـي حياة السلطان وصفاته وكيفية التعامل مع عماله ورعيته. فعليه ألا يركن إلى المدح؛ وأن يعرف أهل الفضل؛ وأن يقدّر لكل شيء قدره، وأن يعتدل فـي القول والفعل والتصرف؛ فلا يغضب ولا يظلم… ولا ينسى رعيته بالتفقد والرعاية…

ومن ثم يعرض لقسم آخر يتعلق بكيفية التعامل مع السلطان وإنزاله منزلة الثقة دون أن يسأله أو يدلّ عليه بما يقوم به… وعليه أن يحذر من سخطه ومن الكذب عنده؛ وأن يحسن الإصغاء، ويعرف متى يسكت؛ ومتى يجيب… ومن ثم لابد من أن يرفق بنظرائه ممن يعملون عند السلطان من الوزراء والأخلاء… وأن يحتمل كل رأي مخالف لرأيه، وألا يشكوهم إلى السلطان… فمن لم يدرّب نفسه على طاعة الملوك وموافقتهم فليبتعد عنهم…

أما الرعية فلابد لها من الابتعاد عن السلطان، وأن تحسن مداراته إلا فيما يخالف فيه مبادئ الدين والعقل والمروءة كما فـي قوله: (إن استطعت ألا تصحب من صحبتَ من الولاة إلا على شعبة من قرابةٍ، أو مودة فافعل) (١٠٨).

ولعل هذه الوصية هي التي جعلته يبتعد عن دار الخلافة وأبي جعفر المنصور، واكتفى بما ناله من بعض الولاة… وكان قد رأى ما حلَّ بصديقه عبد الحميد، وشهد ما جرى لوفد البصرة الذي رجع خائباً مكسوراً؛ ولم يُسمح له بالدخول على أبي العباس السفاح.

أما موضوع (الأصدقاء) فهو يمثل الرسالة الثانية من كتاب (الأدب الكبير) … وهو يعرض لأقوال مأثورة جميلة فـي الصداقة والصديق مما جرى على ألسنة الحكماء… فالصداقة أُسّ الحياة؛ ومرآة النفس، ومنزلتها فـي الذات أسمى المنازل كما يطالعنا فـي أول الرسالة: (ابذل لصديقك دمك ومالك؛ ولمعرفتك رِفْدك ومحضرك؛ وللعامة بشرك وتحنّنك، ولعدوك عدلك وإنصافك، وأضنن بدينك وعرضك على كل أحد) (١٠٩).

ومن هنا أخذ يعرض نصائحه؛ فعلى الإنسان ألا ينتحل رأي غيره؛ وألا يبدأ بالحديث، وألا يخلط الجد بالهزل، أو يتطاول على الأصحاب؛ ويدعي العلم متباهياً به… ثم يتحدث عن شروط اختيار الصديق؛ ومواساته، وصون اللسان عنه وعن غيره لئلا يحتاج إلى الاعتذار… فالصديق خير مكسب فـي الدنيا…

ومن ثم عالج جملة من العيوب الاجتماعية فـي الصبر والجود والكرم والحسد… واستطرد إلى الحديث عن معاملة العدو، وشهادة العدل، والحذر من المراءة وحفظ المليح من الأحاديث…

وختم الموضوع بحكم متفرقة توفق بين الدين والمروءة فيقول: (إذا أُكرمت على دين أو مروءة فليعجبك؛ فإن المروءة لا تزايلك فـي الدنيا، وإن الدين لا يزايلك فـي الآخرة) (١١٠).

ومما ورد فيها آراء فـي الاحتراس ونزاهة العرض، ومجالسة الناس وحسن الاستماع والاستشارة فـي الرأي؛ وغير ذلك.

ج - قراءة موجزة فـي الكتابين

إن كتابي (الأدب الصغير) و (الأدب الكبير) ثابتان فـي نسبتهما لابن المقفع؛ ولم يشك أحد فـي هذا؛ وقد ألَّفهما بعد تأليفه كتاب (كليلة ودمنة) لأنهما تضمنا بعض الحكم والأمثال الواردة فيه… ونرجح أنهما أُلفا قبل رسالته المعروفة (رسالة الصحابة) …

وإذا كان ابن المقفع قد أضاف بعض الأبواب إلى أصل (كليلة ودمنة) دون أن يغير فـي صميم الأبواب الأخرى شيئاً، فإنه طبعها بطابع الذوق العربي الإسلامي؛ وإن ظلت الأشخاص هي هي. وكذلك احتفظ بالسند، وطبيعة القص، وسار على منواله فيما أضافه من أبواب… ولاسيما حين تحدث عن الطبيب الفارسي (برزويه) الذي يعود له الفضل فـي نقل كليلة ودمنة إلى الفهلوية.

أما فـي كتابي (الأدب الصغير) و (الأدب الكبير) فلم يُبْقِ من السند إلا آثاراً قليلة على الرغم من أن مادتهما مستقاة من كلام الناس قبله باعترافه الصريح فيهما؛ كما فـي قوله: (وقد وضَعت فـي هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفاً فيها عون على عمارة القلوب وصقالها، وتجلية أبصارها، وإحياء للتفكير، وإقامة للتدبير؛ ودليل على محامد الأمور ومكارم الأخلاق؛ إن شاء الله) (١١١).

ويقول فـي (الأدب الكبير): (ولم نجدهم غادروا شيئاً يجد واصف بليغ فـي صفة له مقالاً لم يسبقوه إليه… وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور؛ فيها مواضع لصغار الفطن، مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم، فمن ذلك بعض ما أنا كاتب فـي كتابي هذا) (١١٢).

هذه الطريقة فـي الترجمة والتأليف كان قد اصطنعها من قبل فـي كتابه المفقود (الدرة اليتيمة) الذي ذكره الأصمعي، وأثنى عليه؛ كما أشرنا إليه سابقاً… وهي طريقة يتبع فيها صديقه وأستاذه عبد الحميد الكاتب، ولاسيما رسالته إلى ولي العهد…

وابن المقفع فـي كتابيه (الأدب الصغير) و (الأدب الكبير) أكثر تصرفاً بطريقة الترجمة مما كانت عليه فـي (الدرة اليتيمة) أو فـي (كليلة ودمنة)؛ إنه يعتمد منهج النقل والعقل معاً. ولاشك فـي طغيان العقل على الكتابين؛ ولكن النقل يظهر للمتأمل فـي بعض الإشارات إلى السند فـي الأدب الصغير؛ وإن لم يصرح به. فهو يأتي بعبارة (وقال) وما فـي نحوها (١١٣) وتعني: وقال الحكيم، ولا يقصد به إلا الحكيم الفارسي كقوله: (قال رجل حكيم: ما خير ما يؤتى المرء؟ قال: غريزة عقل. قال: فإن لم يكن؟ قال: فتعلُّم علم…) (١١٤). ويقول فـي موضع آخر: (وسمعت العلماء قالوا: لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف…) (١١٥).

وانتفت هذه العبارة أو نحوها من موضوع (السلطان) فـي كتاب (الأدب الكبير)، ثم استعملت مرة واحدة فـي موضوعه الآخر؛ وهو (الصداقة)، فقد جاءت فـي قوله: (احفظ قول الحكيم الذي قال: لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل، وفيما بينك وبين صديقك الرضاء) (١١٦).

ولعلنا نغفر لابن المقفع عدم ذكره للسند المتصل، أو إغفاله أسماء الكتب التي نقل عنها؛ لأنه صرح فـي بداية كتابيه بنَقْله عنها على تدخله الواضح فـي سياق الحكم والوصايا والأمثال التي ترجمها بما يوافق الذوق العربي والإسلامي… ومَن اطلع على الثقافة الفارسية فيما ترجمه غيره يدرك أن جملة من الوصايا التي وقعت فيهما مثبتة فـي نُظُم الساسانيين فـي الحكم، وبعض منها منقول من عهد (أردشير) كالنظام المتعلق بولي العهد… بل إن الكتابين يذكران الباحثين بكتابي (سياسة نامه) و (كايوس نامه) وما إليهما من كتب فارس (١١٧).

وهذا يعني أن ابن المقفع صدر عن الأثر الثقافـي الفارسي؛ وليس هذا غريباً؛ لأنه من أصل فارسي، وللأصل تأثيره لا محالة كما انتهى إليه الدكتور طه حسين (١١٨).

ومن يمعن النظر فـي الكتابين يلحظ أن الأثر الفارسي لم يكن وحيداً؛ فهناك أثر هندي ظاهر فـي الحكم التي نقلها من كتاب (كليلة ودمنة) كما فـي محاسبة النفس فـي الأدب الصغير، والصداقة فـي الأدب الكبير (١١٩). ولنفحص هذه المقولة من الأدب الكبير: (اعلم أن إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا؛ هم زينة فـي الرخاء؛ وعدة فـي الشدة) (١٢٠) أليست هي مماثلة للتي قالها الفيلسوف فـي باب الحمامة المطوقة: (إن العاقل لا يعدل بالإخوان شيئاً؛ فالإخوان هم الأعوان على الخير كله والمؤاسون عندما ينوب من المكروه) (١٢١).

أما الأثر اليوناني فليس خفياً هو الآخر على العقول؛ وهو يتضح خاصة فـي تفضيل لذة على لذة، ويرى (أن العاقل ينظر فيما يؤذيه وفيما يَسُرُّه، فيعلم أن أحقَّ ذلك بالطلب؛ إن كان مما يحب، وأحقه بالاتقاء؛ إن كان مما يكره…) (١٢٢).

ففـي هذا الرأي نلمح فلسفة (أبيقور) الممزوجة بفلسفة أرسطو (١٢٣) ونلمحها فـي قوله من الأدب الكبير: (وأصل الأمر فـي صلاح الجسد ألا تحمل عليه من المآكل والمشارب والباه إلا خفافاً) (١٢٤). فهو يوضح للعاقل أن عليه تفضيل اللذائذ الروحية والعقلية على اللذائذ الجسدية.

وكذلك نلمح أثر مبادئ الدين الحنيف؛ وأثر أقوال بعض الصحابة، ولاسيما حكم الإمام علي (ع)، ومن ذلك قوله فـي الأدب الصغير: (السعيد يرغّبه الله فـي الآخرة حتى يقول: لا شيء غيرها، فإذا هضم دُنْياه وزهد فيها لآخرته؛ لم يحرمه الله بذلك نصيبه من الدنيا ولم يُنْقصه من سروره فيها) (١٢٥).

فهذا الكلام مستمد من قوله تعالى: ( (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا ( (القصص ٢٨ / ٧٧). ولو أردنا أن نرد كثيراً مما ورد لديه فـي الكتابين إلى ما يشبهه فـي القرآن والحديث لما أعجزنا الأمر، ولكننا تركناه لكثرته ولوضوحه.

ونعتقد بأن ابن المقفع لم يكن مترجماً يحذو من تقدمه حذو القُذّّة بالقذة؛ وإنما كان يصوغ ذلك وفق ذوق مرهف؛ وعقل صانع حصيف… ولاشك أن طابع العقل والتفكير طاغٍ على مادة الكتابين وأسلوبهما؛ ولكنه كان فـي ذلك كله يدل على احترام عظيم للدين الحنيف، ويصدر عن كثير من مبادئه… فليس فـي الكتابين عبارة واحدة توحي بانحرافه، أو رقة دينه… علماً أنه لم يمض على إسلامه إلا سنوات قليلة…

ولمّا دل الكتابان على سمو أخلاقه ونضج عقله، وعمق ثقافته، وتطور أسلوبه كان يؤكد ذاته الإبداعية فـي الوقوف بين ثقافتين… ثقافة قديمة ليست فارسية هذه المرة؛ ولا هندية؛ وإنما فارسية هندية يونانية؛ ويجعلها ممزوجة بالثقافة العربية ليقدم لأبناء أمته ما يفيدهم… ويجعلهم أكثر ارتقاء وحضارة؛ إنه يقف من جديد بين حضارتين قديمة زائلة، وجديدة ناهضة.

ولهذا لا يمكن للباحث أن يترك هذين الكتابين دون أن يقف عند كلمة أخرى… فابن المقفع قد ظهر فيهما مثقفاً من طراز رفيع؛ لأنه قرأ كتباً كثيرة من ثقافات عدة؛ وشغف بآراء وعبارات قيدها فـي صدره، وفـي عقله… ولهذا تكوَّن له منها رصيد كبير، فما اجتمع منها فـي اتجاه واحد أو متماثل ضم بعضه إلى بعض فصار موضوعاً لديه؛ وهذا ما نجده فـي كتابه (الأدب الكبير) ففيه موضوعان اثنان، الأول يدور حول السلطان، والثاني حول الصداقة… أما العبارات التي حملت جملة من الحكم والنصائح للخاصة والعامة فـي شؤون عديدة فقد جعلها فـي كتابه (الأدب الصغير) فكانت أشبه بالجواهر المنظومة فـي عقد واحد كل جوهرة تحاكي أختها فـي الجمال والإفادة…

ولعل عملية جمع الأقوال والآراء الحكيمة والوصايا العظيمة، ومحاولة التوفيق فيما بينها هي التي أدت إلى الاضطراب فـي التركيب، وهو ما أطلق عليه الدكتور طه حسين الالتواء والدوران (١٢٦). فالباحث يكشف أثر التوفيق بين الآراء بكل دقة فـي ضوء التقديم والتأخير فـي الأسلوب، وكذلك الإيجاز والحذف… وغير ذلك مما لجأ إليه ابن المقفع… أما لغته فليس فيها ما يعيبها، فهو بليغ فَصيح…، وكذا شهد له من قبل الأصمعي (١٢٧). ومن اللافت للنظر شهادة الدكتور طه له؛ على الرغم من أنه جعله أول مستشرق فـي تاريخ العربية، فقال: (وله عبارات من أجود ما تقرأ فـي العربية؛ وبنوع خاص فـي الأدب الكبير وفـي كليلة ودمنة. ولكن عندما يتناول المعاني الضّيقة التي تحتاج إلى الدقة فـي التعبير يضعف، فيكلف نفسه مشقة، ويكلف اللغة مشقة) (١٢٨).

أما الدكتور شوقي ضيف فيدفع عن ابن المقفع الضَّعف اللغوي، ولكنه يقرّ به من حيث لا يشعر حين نَسبه إلى أيدي النساخ بعده؛ إذ جاء فـي جملة رده على الدكتور طه قوله: (ونسي أن الرسالتين تداولتهما أيدي النساخ بعد ابن المقفع؛ وأنه ربما دخلهما هذا الارتباك من أيديهم) (١٢٩).

إننا تأملنا بعمق كلام ابن المقفع فلم نعهد عليه اضطراباً أو التواءً إلا فيما أعدناه إلى رصف الكلام بعضه إلى بعض والتوفيق بينه نتيجة للترجمة، وهذا الالتواء نادر جداً؛ كما نجده مثلاً فـي جملة من الوصايا والنّصائح المبثوثة فـي الأدب الصغير حين كان يتحدث عن الرجل الحازم فسرعان ما عرض للمشورة ثم الطمع ثم صرعة اللين ثم أشياء أخرى؛ وهكذا (١٣٠).

وهذا الحكم - كما نبين - ليس مطلقاً؛ فضلاً عن آراء كتاب (الأدب الكبير) فهي أكثر ترابطاً؛ ورتبت على الموضوع الذي عالجته.

٣ - رسالة الصحابة: هي رسالة من تأليف ابن المقفع استوحى مادتها مما كان قد عرفه من أنظمة الحكم فـي الدولة الساسانية؛ وربما جمع إليها ما سمعه عن قانون جوستنيان (١٣١).

ولاشك أنه وجهها إلى أمير المؤمنين دون أن يصرح باسمه، ودون أن يرفعها إليه مباشرة؛ ولا نرتاب فـي أنها تختص بأبي جعفر المنصور وإن لم يسمه؛ لأنه يذكر دولة بني العباس (١٣٢) وقد توطد حكمها، فآل إليه، ثم ترحَّم فيما بعد على أخيه أبي العباس (١٣٣).

وهذا يعني أنه كتبها بعد سنة (١٣٦هـ) التي بويع فيها بالخلافة لأبي جعفر بعد موت أخيه أبي العباس فـي السنة نفسها؛ ولعلها أطول رسالة من رسائله التي ألفها فـي أعوامه الأخيرة. وكان الهدف منها إصلاح الراعي والرعية؛ فإذا صلح السلطان صلحت الرعية، ولا تصلح هذه إلا بصلاح ولاته وبطانته ممن يستعين بهم فـي إدارة شؤون الخلافة.

ولهذا سميت (رسالة الصحابة) ويعني بالصحابة الولاة والقادة أو البطانة التي يقربها الخليفة منه ويجعلها موضع ثقته وسره. وقيل: (أكبر الظن أن هذه التسمية متأخرة عن عصر ابن المقفع، وأنها من صنع المعتزلة)؛ والجاحظ هو من أطلق عليها اسم الرسالة (الهاشمية). ثم ذهب من قال ذلك إلى أن هذه التسمية كانت بسبب انتماء بني العباس إلى جدهم الأكبر، فهم من بني هاشم على الأغلب (١٣٤)، ولعل الأصح من ذلك أنها سميت بهذا الاسم لأن السفاح بنى (بُليدة عند الأنبار سماها الهاشمية) فانتقل إليها وبهامات؛ وكانت مركز الخلافة حتى بنيت بغداد (١٣٥). ونحن نميل إلى أن ابن المقفع هو الذي أطلق عليها اسم (رسالة الصحابة) بمعنى البطانة، وليس بالمعنى المعروف لها فـي صحابة رسول الله (ص). وقد قال: (فإن من أَولى أمر الوالي منه بالتثبت والتحير أمر أصحابه الذين هم بهاء فنائه، وزينة مجلسه؛ وألسنة

رعيته، والأعوان على رأيه، ومواضع كرامته؛ والخاصة من عامته). ١٣٦) ولن يكون لهم هذا حتى يتوافر فيهم شرطان هما: الحسب أولاً والعقل ثانياً… ثم تكلم على البطانة وسمّاها باسم الصحابة فقال: (ما رأينا أعجوبة قط أعجب من هذه الصحابة؛ ممن لا ينتهي إلى أدب ذي نباهة؛ ولا حَسَب معروف، ثم هو مسخوط الرأي مشهور بالفجور) (١٣٧).

وقد ابتدأ الرسالة بالدعاء لأمير المؤمنين والثناء عليه بقوله: (أما بعد - أصلح الله أمير المؤمنين، وأتم عليه النعمة، وألبسه المعافاة والرحمة - فإن أمير المؤمنين - حفظه الله - يجمع مع علمه المسألة والاستماع؛ كما كان ولاة الشر يجمعون مع جهلهم العجب والاستفتاء) (١٣٨).

ثم يكتب ثناء فـي أمير المؤمنين - دون تسميته - ويَنْعطف إلى ذكر الشكوى من الولاة، وعدم مبالاتهم بالإصلاح، فلم يكونوا أعوانه على الخير… ويستمر على هذا المنوال من التقسيم فـي الكلام بينه وبين البطانة (الصحابة) حتى نهاية المقدمة (١٣٩) ويؤيد رأيه بذكره ليوسف (عليه السلام) وخبره فـي القرآن الكريم. ومن ثم تحوّل إلى شرح حال الجند؛ وخصّهم بجزء كبير من رسالته، وعاب عليهم أموراً عديدة منها: الميل لدى الكثير منهم إلى الترف بسبب ما يغنمونه من مال؛ والزهو الذي ينتاب بعضهم مما يؤدي إلى الخشية على الدولة نفسها؛ وحقد بعضهم على بعض، من شدة الغيرة والحسد… فضلاً عن الجهل وسوء الخلق… ولا ننسى أن نشير إلى أن معظمهم كان من فارس…

فالدولة لا زالت فـي عهد نشأتها، ولها أعداء كثيرون يطمعون فيها، ودارها واسعة؛ ولا يخلو فيها يوم من فتنة…

وإذا كان قد خص جند خراسان بالمدح فلا يعني أنه متعصب لهم، لأنهم فـي تلك الصفات التي عرضها لحال الجند سواء… ولهذا اقترح على الخليفة ما يلي:

١ـ إقامة دستور أو نظام خاص بالجند يحيط بكل ما يتعلق بواجباتهم وحقوقهم… وتكون المرجعية الأخيرة فيه للخليفة إلا إذا دعا إلى ما لا يطاع فيه، وفق المقولة المشهورة: (لا طاعة لمخلوق فـي معصية الخالق). فهناك حدود وفرائض بيّنها الله؛ فإذا أمر الخليفة بشيء يخالفها فلا يطاع أمره… ولكن يطاع فـي غير ذلك كله… ويطاع فيه فيما لا يطاع فيه غيره من قضايا الاجتهاد والرأي… بمعنى أن هناك نصوصاً دينية يلتزم بها الخليفة والجند والناس جميعاً على السواء… وليس فيها اجتهاد؛ أما ما كان من أمر الدنيا وفيه اجتهاد فليكن مرجعه الوحيد للخليفة. (١٤٠)

وهذا الاقتراح وحده دال على مدى نضج الفكر الديني عند عبد الله بن المقفع؛ وتميزه مما سبق.

٢ـ أن يحول الخليفة بين الجنود وشؤون المال من الخراج وغيره، فالمال مفسدة للجند، وداعية لهم إلى البطر وظلم الناس، والتدخل فـي شؤون لا ينبغي لهم أن يتدخلوا فيها. ومما قاله فـي هذا (ومما ينظر فيه لصلاح أهل الجند ألاّ يُولِّي أحداً منهم شيئاً من الخراج، فإن ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة) (١٤١).

٣ـ تثقيف الجند ثقافة علمية وخلقية تأخذهم بالتواضع والتضحية والطاعة… والعفة والأمانة، والإخلاص فـي التدريب، وكل ما يأمر به الخلق الكريم. ويصدر فـي هذا الاقتراح عن المزج بين التعاليم الإسلامية، والثقافة الفارسية (١٤٢).

٤ـ تحديد موعد معين لأرزاق الجنود، يضبطها الخليفة، وتكون عامة فـي الولايات الإسلامية مَنْعاً من الإبطاء والشكوى. فيقول: (لو أن أمير المؤمنين خلَّى شيئاً من الرزق؛ فجعل بعضه طعاماً، وجعل بعضه علفاً، وأُعطوه بأعيانه) (١٤٣).

٥ـ تقصّي أحوال الجند والقادة والولاة… ومعرفة أوضاعهم وأخبارهم وأحوالهم النفسية والاجتماعية… ويمكن للخليفة أن يختار لهذه المهمة رجالاً ثقات مخلصين من أصحابه. ومن هذا قوله: (ومن جماع الأمر وقوامه بإذن الله أن لا يخفى على أمير المؤمنين شيء من أخبارهم وحالاتهم وباطن أمرهم بخراسان والعسكر والأطراف) (١٤٤).

٦ـ مراعاة الكفاية فـي القيادة (١٤٥) فليلتمس الخليفة الرجل المناسب الكفء للمكان الذي يليق به، ويتصف بصفات القائد الحقيقي الذي يكون مثلاً لمن يقودهم… وهنا نتساءل: هل كانت الثورة على الخليفة الراشدي الثالث فـي بعض جوانبها إلا بسبب ذلك؟ !! هذه هي الوجوه التي يمكن أن يصلح بها الجيش، وتنقطع فيه الشكوى والتذمر، ويقضي على العصيان، والتمرد…

وكذلك تحدث عن القضاء الذي وجد فيه فوضى مستشرية، فلا يرجع فيه القاضي إلى قانون معروف ليحكم فيه… فهناك فوضى فـي الآراء والأحكام، وكان القضاة نوعين؛ أو فريقين: أحدهما يأخذ بالسنة والقياس، ويلتزم بالنص على العموم… وربما يراعي الشكل أكثر من الجوهر… فضلاً عن أن هناك سنناً لم يجتمع الناس عليها… (١٤٦) والآخر يأخذ بالرأي والاجتهاد؛ ويجعل عقله وحده سبيله إلى الحكم… والقضاء… فإذا أضيف إلى هذا كله وجود قضاة غير أكفياء ازدادت البلوى المرعبة.

هكذا بلغ التناقض أحياناً فـي القضية الواحدة، والبلدة الواحدة حداً عظيماً… بحيث وصل الأمر فـي القضاء إلى فوضى كبيرة… مما يفرض على الخليفة أن يضع قانوناً رسمياً واحداً يجري عليه القضاء فـي أنحاء الدولة كلها.

ويبدو أن هذه الدعوات لاقت قبولاً فـي نفس أبي جعفر فطلب إلى مالك بن أنس أن يضع كتاباً لتوحيد القضاء، فنصحه الإمام مالك أن يَدعَ الناس وما يختارونه فـي كل بلد مما يوافقهم، ويوافق شؤونهم وقضاياهم… فعدل المنصور عنها، … ولكن الإمام ألف كتابه المشهور (الموطأ)، وشاع ذكره بين الناس… جمع فيه كثيراً من قضايا الفقه…

ومن ثم حاول هارون الرشيد إنفاذ الفكرة فنجح مسعاه على نحو ما سنذكره.

ونرى أن ابن المقفع سعى إلى فكرة تقنين القوانين، وتوحيد الناس عليها لئلا تستشري الفوضى، ومن ثم يسود الاختلاف بدل الاتفاق… وهذا ما كان أنفذه من قبل صحابة رسول الله فـي جمع المسلمين على مصحف واحد؛ ثم أجراه عمر بن عبد العزيز فـي جمع الحديث الشريف فـي كتاب واحد.

ويرى الدكتور طه حسين أن فكرة توحيد الناس على أمر ما إنما هي أثر من آثار الثقافة اليونانية، وعادات الرومان فـي القضاء؛ وقد صدر قانون (جوستنيان) قبل قرنين من ابن المقفع (١٤٧) بينما يرى الدكتور حمزة أن الفكرة أثر من آثار ثقافته الفارسية قبل كل شيء (١٤٨)، وكلاهما تجاهل ما فعله الصحابة وعمر بن عبد العزيز (رضوان الله عليهم أجمعين) (١٤٩). ومما قاله فـي هذا الشأن: (فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسنن المختلفة… وكتب بذلك كتاباً جامعاً عزماً؛ لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكماً واحداً صواباً) (١٥٠).

وذكّر ابن المقفع فـي رسالته (الخليفةَ) بأحوال أهل العراق عامة والبصرة والكوفة خاصة، وهم أقرب الناس إليه. ولأهل العراق من الفقه والعفاف والألسنة ما لغيرهم (١٥١). فلابد من العناية بهم؛ بعد أن أزرى بهم ولاتهم ومن قاموا على شؤونهم… وإذا قصد الفضلاء منهم دار الخلافة منعتهم البطانة السيئة. وبهذا يذكّرنا بما وقع فـي عهد أبي العباس… مع جماعة منهم فيهم ابن المقفع، وإن لم يصرح به.

ويعطّف قلب المنصور على أهل الشام (١٥٢) إذ كانت نظرة العباسيين إليهم نظرة كراهية وعداء على اعتبار ما كان من أمرهم… ولكن مروءة أمير المؤمنين وحكمته وعقله لا يمنعه أن يصطنع خيارهم، ويستدر مودتهم بالإنفاق عليهم مما يجمع من بلادهم… فـي الوقت الذي يأخذهم بالحزم، والاحتراس من أهل السوء.

كما تحدث عن جزيرة العرب التي كانت موضع نقمة المنصور لأنها خرجت عليه (١٥٣) فـي الحجاز واليمن واليمامة وغيرها…

وتولاّها ولاة سوء انتهكوا حرماتها، وهي فقيرة ليس لها ما للأمصار الأخرى من ثروات وغنى… و (أن يكون من رأي أمير المؤمنين - إذا سخت نفسه عن أموالها من الصدقات وغيرها - أن يختار لولايتها الخيار من أهل بيته وغيرهم؛ لأن ذلك من تمام السيرة العادلة، والكلمة الحسنة التي قد رزق الله أمير المؤمنين وأكرمه بها، من الرأي الذي هو بإذن الله حمىً ونظام لهذه الأمور كلها) (١٥٤).

فجزيرة العرب قبلة المسلمين، وهي مَنْبع النبوة والإسلام، وحاجتها إلى خير الولاة أمسّ من حاجة غيرها إليهم… ورعايتها من تمام السيرة الحسنة.

وكان ابن المقفع قَدْ ذكَّر الخليفة بأمر الأرض والخراج؛ فهو الرافد الأهم لبيت مال المسلمين… فهناك فوضى عظيمة فـي جباية خراج الأرض، فلا سجلات تحصي المال؛ وليس (للعمال أمر ينتهون إليه، ويحاسبون عليه، ويحول بينهم وبين الحكم على أهل الأرض بعدما يتأنقون لها فـي العمارة؛ ويرجون لها فضل ما تعلم أيديهم. فسيرة العمال فيهم إحدى اثنتين: إما رجل أخذ بالخُرْق والعنف من حيث وجد… وإما رجل صاحب مساحة يستخرج ممن زرع، ويترك من لم يزرع، ويعْمُر من عَمَر؛ ويسلم من أخرب) (١٥٥).

ولهذا لابد من مسح الأرض وفرض الخراج المناسب عليها، بحيث يعرف كل مالك ما له وما عليه. ففـي هذا (صلاح للرعية وعمارة للأرض، وحَسْم لأبوابِ الخيانة، وغَشْمِ العمال. وهذا رأي مؤنته شديدة، ورجاله قليل، ونفعه متأخر. وليس بعد هذا فـي أمر الخراج إلا رأيٌ قد رأينا أمير المؤمنين أخذ به، ولم نره من أحد

قبله، من تخيُّر العمال وتفقُّدهم والاستعتاب لهم، والاستبدال بهم) (١٥٦).

أما ختام الرسالة فكان ببيان ما للخليفة من أثر عظيم فـي رعيته، فصلاحه يعني صلاح الولاة، والأمراء والقادة… وصلاح الخاصة يعني صلاح العامة؛ فيقول: (وقد علمنا علماً لا يخالطه شك أن عامةً قط لم تصلح من قِبَل أنفسها، ولم يأتها الصلاح إلا من قبل خاصتها؛ وغن خاصةً قط لم تصلح من قبل أنفسها؛ وأنها لم يأتها الصلاح إلا من قبل إمامها). ثم بين أن كل رجل من رجال الدولة يتنكب عن سبيل الحق لابد من محاسبته، وكل واحد منهم ينبغي له الالتزام بما خصص له، لا يتجاوزه؛ ثم قال: (فلما رأينا هذه الأمور ينتظم بعضها ببعض… طمعنا لهم فـي ذلك - يا أمير المؤمنين ـ، وطمعنا فيه لعامتهم، ورجونا ألا يعمل بهذا الأمر أحد إلا رزقه الله المتابعة فيه، والقوة عليه… ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو رب الخلق، وولي الأمر؛ يقضي فـي أمورهم، يدبّر أمره بقدرة عزيزة؛ وعلمٍ سابق؛ فنسأله أن يعزم لأمير المؤمنين على المراشد، ويحصنه بالحفظ والثبات، والسلام؛ ولله الحمد والشكر) (١٥٧).

وقد وردت هذه الرسالة فـي كتاب المنظوم والمنثور لابن طيفور ونقلها عنه من جاء بعده؛ ومن ثم نشرها أحمد زكي صفوت وغيره (١٥٨).

قراءة أخرى موجزة فـي الرسالة:

تلك هي خلاصة فكرية لما ورد فـي رسالة الصحابة، وهي رسالة أدبية سياسية فكرية ذاتية إبداعية ألفها ابن المقفع بأسلوب جديد يدل على وعي ونضج فكري وسياسي وفني؛ ويشي بنزوع إصلاحي أخلاقي؛ لأنها اشتملت على تشريح دقيق لنظام الحكم فيما يستند إليه من صحابة (بطانة) فـي تثبيت أركانه… وكيفية إصلاح المفاسد التي تقع فـي أجهزة الخلافة أو الدولة. إنها أشبه بمذكرة خاصة، ولعله كتبها بتكليف من سليمان بن علي وأخيه (١٥٩).

وقد بنى رسالته على مقدمة ومتن (الموضوع المعالج أعلاه) وخاتمة؛ اشتملت المقدمة على مدح أمير المؤمنين والدعاء له بعد أن وطّد الله حكمه. وأشار بطرف خفـي وذكي إلى أن الإنسان غير مُخَلَّد، وخلوده بعمله الخير حين قص علينا بإيجاز العبرة من قصة يوسف (عليه السلام). فهو يعرض لها للعبرة، كما يستشف من الآية القرآنية التي استشهد بها على لسان يوسف: (توفني مسلماً وألحقني بالصالحين ( (يوسف ١٢ / ١٠١) بعد أن قال: (ثم سلا عما كان فيه، وعرف أن الموت وما بعده هو أولى) (١٦٠).

فكأنه بهذا يشرح حال أمير المؤمنين بوفاة أخيه… وقد ثبتت دعائم الحكم…

وتطول المقدمة لأنه كان حفيّاً باستمالة الخليفة إلى غرضه؛ فما ذكر جملة فـي مثالب البطانة التي يعتمد عليها نظام الحكم إلا مدحه فـي جملة أخرى؛ لأنه معقد الرجاء فـي إصلاح المفاسد التي وقعت منها فـي الأمصار الإسلامية كافة…

وقد استفتح المقدمة بعبارة التخلص (أما بعد) وجمع إليها التضرّع الاستعطافي… وفيه توسل إلى الله عز وجل لكي يزيد الخليفة هداية ورشداً… ثم ختمها بما يقوي هذا المعنى حيث قال: (وما أشد ما قد استبان لنا أن أمير المؤمنين أطول بأمر الأمة عناية؛ ولها نظراً وتقديراً؛ من الرجل منا بخاصة أهله، ففـي دون هذا ما يثبِّت الأمل وينشط للعمل ولا قوة إلا بالله، ولله الحمد وعلى الله التمام) (١٦١).

ثم يبدأ موضوع رسالته فيذكره بالجند، وكيفية إطاعة السلطان، واختيار الولاة والقادة والخاصة للحكم، وعطّف قلبه على أهل خراسان والعراق، ثم تحدث عن القضاء وشؤونه؛ ورجع إلى تعطيف قلب أمير المؤمنين على أهل الشام؛ ومن ثم فصّل من جديد فـي أمر صلاح الرعية لصلاح الحاكم ومن يختارهم لمساعدته من صحابته.

وهو موضوع يلح على ذهنه فلا يمل من تكرار القول فيه فـي هذه الرسالة وفيما أشرنا إليه من قبل حين تحدثنا عن (الأدب الكبير) … ويربط ذلك بحديثه عن الخَراج وجباية العمال له على الأرض وغيرها، ويقترح رسم قانون واحد يستنُّه الخليفة لهذا الغرض… وإذا كان أبو جعفر لم يفعل ذلك فإن هارون الرشيد قد أحس بعظمة الأمر؛ فوجه أبا يوسف الرجل الفقيه العالم إلى وضع كتاب فـي الخراج فكان كتاب (الخراج) المشهور له. ويبقى الفرق بين أبي يوسف وابن المقفع أن هذا عالج القضية فـي إطار تنظيري عقلي ومنطقي لصلاح الأمة؛ على حين غلَّب أبو يوسف الوجهة الدينية؛ ودعمها بالأدلة من القرآن الكريم والسنة والأثر؛ وإن لم يجدها لجأ إلى القياس فـي الرأي (١٦٢). وليس هناك من جدال فـي أن أفكار ابن المقفع فـي هذا الشأن كانت وراء استحداث وظيفة (المحتسب) فـي دولة بني العباس (١٦٣) وصار الخلفاء تبعاً لما قاله ابن

المقفع يختارون لها ذوي الكفاءة… ثم صار الولاة والوزراء أنفسهم يعنون بثقافتهم عناية كبرى…

ولما استكمل ابن المقفع كلامه على الخراج واقتراحاته فيه ربط أمره بما تستخرجه أرض النبوة، فكان قليلاً. ولهذا ينثني إلى تعطيف قلب أمير المؤمنين على أهلها… على أن يترك لهم خرجها، وما يمنّ عليهم من مال لديه من الصدقات…

ثم يختم قوله بالتشديد على صلاح الإمام والخاصة، ويدعو له بالحفظ والثبات… ويحمد الله.

إنها رسالة أدبية فكرية سياسية محكمة البناء تعالج موضوعاً واحداً ليس غير؛ مما يؤكد أنها ثمرة ثقافية لخبرة ابن المقفع، إذ لا يوجد فيها أي أثر من آثار الترجمة… فابن المقفع دل فـي هذه الرسالة على دقة فـي المعالجة، وفطنة فـي استعمال الكلام، وقوة فـي الملاحظة فلم يطعن لا من قريب ولا من بعيد فـي الخليفة… بيد أنه يراه أهلاً للإصلاح والصلاح. إنها رسالة تذكرنا برسالة عبد الحميد الكاتب إلى ولي العهد؛ منهجاً وطريقة وكثيراً من جوانب أفكارها…

ومن هنا يتساءل المرء: من أين استشف الدكتور طه حسين الفكرة التي تذهب إلى أن مصرع ابن المقفع كان بسبب هذه الرسالة، ولا سبب غيرها عنده؟ !! (١٦٤).

وإذا كنا نحن نرى أن كتاب (الأمان) الذي سبق ذكره كان السبب المباشر والأهم لمقتل الرجل فإننا قد نرى فـي مقولة الدكتور بعض الحق… ولكن الرسالة لم تكن هي سبباً لذلك… هي من جملة الدواعي التي كان يضاف بعضها إلى بعض. فابن المقفع نصَّب نفسه واعظاً ومرشداً للخليفة لإصلاح أمر الأمة؛ كما فـي

قوله: (وفـي الذي قد عرفنا من طريقة أمير المؤمنين ما يشجع ذا الرأي على تناوله بالخبر، فيما ظنَّ أنه لم يُبْلغه إياه غيره؛ وبالتذكير بما قد انتهى إليه؛ ولا يزيد صاحب الرأي على أن يكون مُخْبراً أو مذكّراً؛ وكلٌّ عند أمير المؤمنين مقبول إن شاء الله، مع أن مما يزيد ذوي الألباب نشاطاً إلى إعمال الرأي فيما يصلح الله به الأمة فـي يومها) (١٦٥).

لعل أمير المؤمنين قد استعظم من رجل كابن المقفع أن يخاطبه بمثل هذه الطريقة على ما فيها من لين الخطاب واستعطاف القلب… أو لم يكن يطوي وراء رسالته إلا ما يدلَّ على عورات الحكم - كما يعتقد الخليفة، أو الدكتور طه ـ؛ وكأنه بَخَسَه التدابير السياسية التي يجريها فـي شؤون الحكم، … وشجع فـي الوقت نفسه الرعية على الثورة؛ لأنه بصَّرها بحقوقها… وفضح المفاسد التي آلت إليها أحوالها…

نقول: لعلَّ هذا كله الذي استشفه الخليفة - كما ذهب إليه الدكتور - فقتله بعد ذلك. ولكن السؤال يطرح نفسه: لو كان أبو جعفر المنصور فكّر بذلك - كما ذهب إليه الدكتور طه - أيعقل منه أن يفسرها على محمل حسن؛ بدليل أنه طلب إلى الإمام مالك بن أنس (٩٥ـ١٩٧هـ) أن يضع دستوراً عاماً للقضاء؟ . ثم نتساءل: كيف يبقيه الخليفة حياً طوال مدة تزيد على ثلاث سنوات من كتابة الرسالة؟ . وهذا كله لا يعني أنها لم تكن ذا أثر سلبي من نوع ما؛ فإننا نعتقد بأن الذي أغاظ الخليفة كان هذا الخطاب الذي يدلي فيه ابن المقفع بنفسه وعلمه، ورأيه عليه… ولكنه ليس السبب الكافـي لقتله… إنه سبب أُضيف إلى أسباب أخرى، وكان الخليفة بسياسته المرنة لا يقتل الناس على أفكارهم إلا إذا كانت دعوة

حقيقية للثورة عليه… أو اعتقد أنها كذلك؛ ولا شيء أدل على ذلك كله من حادثة وقعت له مع رجل يصفه بالبغي والظلم والفساد وعفا عنه كما روى الماوردي (١٦٦).

والشيء الآخر الذي ذهب إليه الدكتور طه هو ضعف التراكيب فـي هذه الرسالة وضرب شواهد منها… وإذا كنا لا نرى هذا الرأي المتطرف أبداً؛ فإننا لا ننسى رأي الجاحظ قبله فيها، حين اتهمه بنقص العلم، لأنه لا يحسن الكلام كما يحسنه أهل الكلام. ولعل الدكتور عبد اللطيف حمزة قد أجاد فـي رده عليه حيث قال: (ولست أدري ما الذي أشكل على الجاحظ من رسالة ابن المقفع فـي الصحابة؟ ولست أدري لماذا يقول: إن الجزء الأخير من هذه الرسالة ينهض دليلاً على ضعفه فـي الجدل؟ . ولا أحمل هذا كله إلا على كره الخلفاء العباسيين لابن المقفع؛ ومجاراة الجاحظ لهم فـي هذه الكراهية) (١٦٧).

ومن هنا يمكن للمرء أن يرى فـي الرسالة الدقة المنطقية فـي عرض الأفكار، فلا يرسلها دون برهان، أو تعليل… وهي تصاغ بأسلوب جذاب مرصوص خال من أي تعقيد أو خطأ أو غرابة… وقائم على جمل مقسمة على فواصل وتراكيب تكاد تكون متساوية؛ مع الميل إلى طولها… ولكن كل جملة مرتبطة بصاحبتها، يأخذ بعضها برقاب بعض بنسق كثر فيه (الواو) من حروف العطف، والشرط كقوله مثلاً: (ومما يذكَّر به أمير المؤمنين أهل الشام؛ فإنهم اشد الناس مُؤْنةً؛ وأخوفُهم عداوة وبائقة؛ وليس يؤاخذهم أمير المؤمنين بالعداوة، ولا يطمع منهم فـي الاستجماع على المودة؛ فمن الرأي فـي أمرهم أن يختص أمير المؤمنين منهم خاصة؛ ممن

يرجو عنده صلاحاً أو يعرف منه نصيحة أو وفاءً) (١٦٨).

ويجري الكلام على هذا الأسلوب المنطقي الواضح الدقيق السهل الممتنع، المقسم إلى أجزاء، وفواصل مثيرة وجميلة… يذكرنا بأسلوب الخطابة… ولا ننسى أبداً أن ابن المقفع قال: (شربت من الخطب رِيّاَ؛ ولم أضبط لها روياً…) (١٦٩) وقد اقتبس فـي كلامه بعض آي الذكر الحكم؛ وضمنه معانيه، وجاء بشواهد شعرية على ما يقدمه من آراء كقوله: (فأما اليوم ونحْن نرى فلاناً وفلاناً يُنْفَر بأسمائهم على غير قديم سلف، ولا بلاء حدث. فمن يرغب فيما هاهنا يا أمير المؤمنين - أكرمك الله ـ؟ أما يصير العدل كله إلى تقوى الله عز وجل وإنزال الأمور منازلها؟ ! فإن الأول قال:

ولا سراةَ إذ جُهَّالهم سـادوا (١٧٠)

لايُصْلِحُ الناس فوضى لاسراةَ لهم

هذه نماذج من الرسالة تبين بلاغتها ووضوحها، ودقة تراكيبها من دون التواء، أو غموض وتفيد من الثقافة العربية قبل غيرها… مما يشجعنا على القول:

إن هذه الرسالة تعد فـي النمط الأعلى من البلاغة الرفيعة وتؤكد أن ابن المقفع كان يعيش آمال الأمة، وتتمثل فـي ضميره آلامها ومشكلاتها… لهذا جعل نفسه طليعة لأبنائها فـي الإشارة إلى مواطن الفساد… ولم يكن هدفه التجريح أو السخرية أو النيل من أحد… وإنما كان هدفه الإصلاح، والوصول بالأمة إلى الخير والفلاح… ولهذا كان يشرح الداء ويشخصه بكل وضوح ودقة ثم يضع العلاج الشافي… فقلمه كان كمبضع الجراح المتمكن من

علمه… ولم يكن يبغي منه الدعوة إلى عصبية من أي جنس كانت إلا عصبيته للحق والعلم… وصلاح أمته… لأن أكثر بطانة أبي جعفر كانت من الموالي ولاسيما الفرس.

ونحن لا ننكر أن تكون ثقافته صادرة عن الفارسية، ومتأثرة باليونانية؛ وإن قل الأثر العربي - كما يرى بعض الدارسين (١٧١) ـ ولكننا ننكر أن تكون رسالته هذه أو غيرها دعوة إلى استنهاض العصبية الفارسية كما ادعاها عليه غير واحد من الباحثين (١٧٢)؛ إذ ليس فـي هذه الرسالة ولا غيرها عبارة واحدة تنهض دليلاً على ادعائهم.

لقد وضع ابن المقفع ثقافته فـي خدمة أمته - كما اتضح من مجمل الآراء التي استشهدنا بها - لأنه حين يتحدث عن مفاسد الدولة والولايات كان يشعر بالظلم الذي يقع على المجتمع قبل أي شيء آخر… لهذا كان لابد من كلمة العقل التي يرسلها إلى أصحاب الآذان الصاغية والقلوب اليقظة، والأذهان المتفتحة على الحق لإقامة العدل على نظام دقيق، ودستور واحد تجتمع عليه الأمة… إنه يستوحي من ثقافته القديمة ومبادئها أياً كان نوعُها مادَّتَه الفكرية ويصوغها فـي قالب فني بلاغي عربي ناصع ويقدمه بثوب شفيف ممتع ومفيد لتنتفع به أمته الإسلامية التي أكثر من التلفظ بها فـي هذه الرسالة… فثقافته أو ثقافة غيره لم تعد تحمل وجهها القديم؛ وإنما اكتسبت وجهاً جديداً مشرقاً، إنه الوجه الإسلامي، ولغته لغة القرآن الكريم.

إن رغبة الذات المبدعة فـي إصلاح الواقع الاجتماعي والسياسي واتساع أفق تصورهما الحقيقي هي التي ساعدت ابن المقفع على

مواجهته لمعالجة المفاسد التي شاعت فـي بطانة الحاكم… ولعل من أبرز الصور الجمالية المتفردة فـي هذه الرسالة تلك الجمالية الناتجة من اندماج الحركة المتمردة فـي نفس ابن المقفع بالاستجابة الفطرية لحركة الحياة الصحيحة لبناء المجتمع… وهي حركة تثير أخيلة شتى ومشاعر متعددة لدى المتلقي، تبعاً لخبرته وثقافته واستعداده… وسعة أفقه. فهو يشخص تجربته مع بطانة الحاكم لا لينزع فيها نزوعاً عصبياً فارسياً أو لينال من الحاكم المجسد بالخليفة؛ بل ليوجه ضربة قاسمة إلى الفساد واستئصاله… بعد أن كان هو وغيره مكبلين به… إنه حين يشعر بأنه حل مشكلة من مشكلات مجتمعه فكأنما قبض على الحياة، واستحوذ على العدل؛ لأن الرعية لم تعد مادة للإذلال والبيع. ولعل هذا ما نجده فـي رسالته التالية (رسالة اليتيمة).

٥ - رسالة اليتيمة: سبق أن رجحنا أن هذه الرسالة لا علاقة لها برسالته الأخرى (الدرة اليتيمة فـي الرسائل) والتي أطلق عليها (الدرة اليتيمة والجوهرة الثمينة) (١٧٣)؛ وليست هي فـي شيء من كتابيه (الأدب الكبير) و (الأدب الصغير) لا من قريب ولا من بعيد.

فرسالة اليتيمة كما نقلها أحمد زكي صفوت فـي كتابه (جمهرة رسائل العرب) عن كتاب (المنظوم والمنثور) لابن طيفور لا تتجاوز أربع صفحات ونصف… ولكن ابن طيفور قرّظها إذا جعلها (من الرسائل المفردات اللواتي لا نظير لها ولا أشباه، وهي أركان البلاغة، ومنها استقى البلغاء؛ لأنها نهاية فـي الكلام المختار من الكلام، وحسن التأليف والنظام) (١٧٤). وقد اقتصر على قطعة من أولها لشهرتها بين الناس، ولم يكن يدري أنها ستضيع بعده…

ولهذا نظر بروكلمان إلى هذه القطعة المتبقية فلم يجد فيها شيئاً ذا بال فوصفها بقوله: (بحث تافه بين الراعي الطيب والرعية السيئة) (١٧٥).

ولعل حكم بروكلمان صدر عليها بالقياس إلى ما رآه من كتابات ابن المقفع فـي كليلة ودمنة، ورسالة الصحابة؛ والأدب الكبير…

وإننا لنرى أن بروكلمان قد ظلم هذه القطعة ظلماً كبيراً؛ لأننا نرى فيها وجهاً جديداً من تفكير ابن المقفع؛ على الرغم من أنها تتقاطع مع آثاره فـي الحديث عن جور السلطان وفساده… وقد أشرنا من قبل إلى أنه مشغول بفكرة الراعي والرعية والسعي إلى إصلاح نظام الحكم وحال المجتمع… فحين تحدث فـي (رسالة الصحابة) عن السلطان وبطانته الفاسدة لابد له أن يستكمل حديثه عن الوجه الآخر فـي نظام الخلافة وهو الرعية وموقفها من السلطان الصالح، أو السلطان الجائر. فالرعية لا تقوم بغير السلطان، والسلطان لا يقوم إلا بها؛ وهي التي تجعل منه حاكماً صالحاً أو حاكما سيئاً.

ولما أراد معالجة هذه الفكرة شرع يصف أحوال أهل زمانه؛ وكأن هذا الزمان الذي يعيش فيه هو آخر الأزمنة عنده… ولكنه لم يقل ذلك مباشرة وإنما أخذ يجيب على أسئلة بعض القوم عن أقسام الزمان باعتبار أهله فوجدها أربعة. فخيار الأزمنة ما مضى من العهود الضاربة فـي القدم؛ لأن الإمام والرعية كانوا جميعاً من أهل الصلاح والخير… ثم يليه زمن آخر فـي المرتبة يتمثل فـي صلاح الوالي وفساد الناس؛ وأدنى منه منزلة أن يفسد الوالي ويصلح الناس؛ أما شر الأزمنة فهو فـي فساد الوالي والناس على

السواء.

ومن هنا ينتقل إلى كيفية إصلاح الناس؛ فيضع الرؤية الذاتية التي يملكها للتخلص من الفساد؛ مما يقوي الميل لدينا أنه ما توكّل بإصلاح الفساد؛ إلا حينما رآه طامّاً عاماً… ولكنه اتبع أسلوباً دقيقاً وموحياً فـي معالجة ذلك… ففساد الوالي أعظم من فساد الرعية؛ لأن للإمام منزلة الريادة فـي الصلاح؛ فبصلاحه تصلح قلوب الرعية الفاسدة الضالة؛ إذ يقول: (يقلّب الله له بصلاحه قلوبهم، ويفتح له أسماعهم وأبصارهم؛ فيجمع ألفتهم، ويقوم أودهم؛ ويلزمهم مراشد أمورهم؛ وتتم نعمة الله على أمير المؤمنين؛ بأن يصلح له وعلى يديه فيكونوا رعية خيرَ راعٍ، ويكون الراعي خير رعية؛ إن شاء الله، وبه الثقة) (١٧٦).

وكأني بابن المقفع يقرر فساد الوالي قبل فساد الرعية؛ ولا شيء أدل على هذا من أنه انتقل إلى نصائح كثيرة ومباشرة للحاكم كي يأخذ بها فـي حكمه يدور بعضها حول العلم والمعرفة والحلم والعقل، والاستشارة، والحق والعدل… فإذا أخذ بها حصلت الرعية على أحسن ما تريد، وحصل له منها على ما يطلبه ويرجوه. ولمّا رغب فـي تحقيق الإصلاح الاجتماعي والسياسي طفق يرى فـي أمير المؤمنين كل مكرمة وحمد وشرف وأصالة محتد… وهذا كله يجعله أهلاً للإصلاح…

ومن هنا كانت خاتمة الرسالة (فمن كان سائلاً عن حق أمير المؤمنين فـي معدنه فإن أعظَم حقوق الناس منزلة، وأكرمها نسبة، وأولاها بالفضل حَقٌّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي الرحمة، وإمام الهدى، ووارث الكتاب والنبوة؛ والمهيمن عليهما، وخاتم النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. بعثه الله بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً؛ ثم هو باعثه يوم القيامة محموداً، شرع الله به دينه، وأتم نوره على عهده، ومحق رؤوس الضلالة وجبابرة الكفر؛ وخوّله الشفاعة، وجعله فـي الرفيق الأعلى (ص) ) (١٧٧).

ولسنا نرتاب فـي أن هذه الرسالة موجهة إلى أبي جعفر المنصور؛ وإن لم يصرح باسمه؛ لأن خاتمتها تدل على ذلك؛ وهي من أواخر ما كتب فـي حياته… ولكنه لم يكتبها ليرفعها إليه… وإنما خطها باعتبارها مذكرة خاصة لنفسه؛ ولا يمتنع عقلاً ولا منطقاً ألا يتداولها مع الخُلّص من أصحابه… ثم نقلها بعضهم إلى الناس؛ ومن ثم قرعت آذان الخليفة… وأدرك إشاراتها البعيدة، فهي ذات أسلوب غير مباشر فـي نقد الحكم… وهذا هو أسلوب ابن المقفع فضلاً عن التوازن فـي العبارات والتراكيب المتقاربة، وختامها بالثناء والتحميد المطول الذي ورثه من صديقه عبد الحميد الكاتب الذي كان يطيل بأسلوب الثناء والتحميد فـي مطالع رسائله وخواتيمها. (١٧٨)

وبعدُ فالفكرة التي يعقدها ابن المقفع فـي هذه الرسالة على غاية من الأهمية؛ إنها فكرة زمانية راقية قائمة على أساس جديد فـي تقسيم الزمن. فالزمن لم يعد لديه زمناً موضوعياً؛ أو فيزيائياً يدور الإنسان فـي فلكه، ويتحرك فـي دائرته؛ وإنما أصبح يحمل مفاهيم الرجل وأفكاره المرتبطة بالمجتمع… فالزمن أخذ يحتل مكانة رفيعة فـي نفسه وفـي حياته وحياة الناس باعتبار ما يجري فيه، وما تكثفه دلالة أحداثه… إنه ينقلنا من الزمن الفيزيائي السكوني إلى الزمن الاجتماعي الفاعل… وكأني به قد لمح ما قاله الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) فاستلهمه ليجعله مادة فـي تحليل الواقع السياسي والاجتماعي الذي يراه. وكان الإمام قد قال: (أيها الناس!! إنا قد أصبحنا فـي دهر عنود؛ وزمن كنود؛ يعد فيه المحسن مسيئاً، ويزداد فيه الظالم عُتواً؛ لا ننتفع بما عملنا، ولا نسأل عما جهلنا؛ ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا) (١٧٩).

فالإمام (رضي الله عنه) يرى أن زمن الجَوْر والضلال يحيق بالناس من كل اتجاه؛ وهم مادته، وأدواته… فقد خرجوا عن العدل والحق بحكم استيلاء الباطل على عقولهم وسيادة الجهل بدل العلم… فبدا المسيء محسناً، والقبيح جميلاً… ونسبوا إلى كل محسن إساءات لا حصر لها حسداً من عند أنفسهم وطمعاً…

فلو كان هذا الزمان زمان عدل؛ وفيه الحاكم الصالح لما وصل الحال إلى ما وصل إليه فـي الرعية… لقد استولى الجور والسوء والجهل والرذيلة على هذا الزمان… فلم ينتفع أهله بالعلم والمعرفة، وقصروا عن إدراك الحق والعدل… ولهذا فهم لا يسألون عما جهلوا…

ولو ردد المرء فـي هذا كله وأعاد تأمل ما قاله ابن المقفع فـي رسالته تلك لما وجد فارقاً كبيراً فـي الرؤية… بل إن ابن المقفع ملأ كنانته عن مفهوم الزمن من قراءاته لأقوال الإمام أو سماعه بها… ولا شك أن طريقة المعالجة مغايرة لكن الرؤية واحدة، والمادة متشابهة… فكلاهما يصر على أنه يعيش فـي زمان امتلأ بالانحراف عن جادة الحق… وعلاجه الوحيد الأخذ بالعدل والعلم والمعرفة والحق والعقل… ولهذا صور كل منهما رفضه للزمان لا لأهله.

فالزمن عندهما زمن الوعي الحضوري الذاتي لما يجري حولهما ويقع من أحداث سياسية واجتماعية… إنه زمن ذاتي اجتماعي فكري… يضغط على أعصاب كل منهما. إنه معادل موضوعي رمزي وفق ظاهرة المجاز الإسنادي إلى الزمن… فابن المقفع وقبله أمير المؤمنين إنما يرفضان العبث السياسي والاجتماعي والفكري الذي استشرى فـي زمنهما… مما جعلهما يحملانه الوزر فـي إشارة مثيرة لرفض ذلك كله.

وبهذا يصبح التركيب صورة موازية للمعاناة الذاتية والاجتماعية؛ ولكنها صورة جمالية يجد فيها السامع آفاقاً من الرؤى ما كان ليجدها لو سيقت بأسلوب مباشر… فصُورة الزمن المجازية لم تحمل غايتها غاية تزيينية فحسب وإنما حملت وظيفة نفسية وفكرية أدت إلى تفاعل حقيقي معها… فالعلاقة التي تقوم بين الدلالة المجازية والحقيقية تعبر أيما تعبير عن أبعادها المختلفة… وحين تستعمل الدلالة فـي إطار مجازي إنما تؤكد غنى الموقف الذاتي والفكري لصاحبها… فالمجاز بهذا الشكل لم يعد مجرد شكل بلاغي وإنما هو علاقة (بين الدال والمدلول حيث تقوم المساحة أو الفضاء الداخلي للغة) (١٨٠).

وهذا كله يوحي بأن الرسالة ليست بحثاً تافهاً بأي حال من الأحوال، فهي موقف من الوضع السياسي الذي يحيط به قدمه بإطار مجازي يحمل القدرة على إغراء المتلقي وإقناعه.

٦ـ رسائل أُخرى: هناك العديد من الرسائل الأخرى التي طبعت هنا وهناك (١٨١) وقد جمع أغلبها كتاب (رسائل البلغاء) (وجمهرة رسائل العرب).

وهناك العديد من الحكم والوصايا التي نشرها محمد كرد علي تحت عنوان (حكم ابن المقفع) ثم نشرها عبد العزيز الخانجي فـي القاهرة مع (حكم بيدبا الفيلسوف) (١٨٢).

وكان علي بن أحمد الحلبي قد نشر هذه الحكم بالقاهرة سنة (٨٤٤هـ) وذكر فـي أولها أنها (كتاب الأدب لابن المقفع) (١٨٣). ومن يقرأ هذه الحكم فـي مظانها يدرك أنها ليست (الأدب الكبير) ولا (الأدب الصغير)، ولا اليتيمة… لأنه قد يخيل أنّها (الأدب الصغير) لكون طريقتها مشابهة لطريقة الحكم - نوعاً ما - كما وردت فيه.

ولعل هذه الطريقة تشكك فـي نسبتها إليه؛ فضلاً عن أنها لم يُعرف لها عنوان غير الذي وضعه المحدثون، فهي مجرد حكم مجموعة لا رابط بينها… على حين أننا يمكن ربط الحكم الموجودة فـي كتاب (الأدب الصغير) بموضوعات جزئية أهمها السلطان، والصداقة، والأدب…

ويرى بعض المحدثين أن هذه الحكم قد تكون سقطت من كتاب آخر لابن المقفع؛ ولا يمكن أن تكون رسالة قائمة بذاتها. (وربما كان ابن المقفع قد ذكر هذه الحكم فـي رسالة من رسائله على سبيل الاقتباس) (١٨٤).

ومهما قيل فـي هذه الرسالة فإن بروكلمان يرجح نحلها فـي وقت متأخر ونسبتها إلى ابن المقفع وكذلك حال بعض الرسائل الأخرى المنشورة فـي (رسائل البلغاء) (١٨٥). ويشك بروكلمان أيضاً فـي الكتاب المسمى (الأدب الوجيز) أو (أدب الوجه) للولد الصغير (ولا يوجد منه إلا تهذيب باللغة الفارسية كتب سنة (٦٣٣هـ / ١٢٣٥م) لناصر الدين عبد الرحيم…) (١٨٦).

وهناك رسائل أخرى متعددة فـي شؤون اجتماعية متنوعة؛ يغلب عليها القصر والإيجاز، والتعبيرات السهلة الشائعة… وهي تنتمي إلى الرسائل الإخوانية (١٨٧).

وإذا كنّا سنثبت فـي نهاية بحثنا شيئاً من كتاباته فإننا نمثل لرسائله الإخوانية بواحدة منها كتبها إلى أحد أصدقائه يعزيه فيها عن ولده. وفيها يظهر عمق إيمانه؛ وتأثره بالقرآن الكريم؛ حيث يقول: (إنما يستوجب على الله وحده؛ مَنْ صبر لله بحقه. فلا تجمعنَّ إلى ما فُجعت به من ولدك الفجيعة بالأجر عليه والعوض منه. فإنها أعظم المصيبتين عليك، وأنكى المَرْزِئَتين لك. أخلف الله عليك بخير؛ وذخر لك جزيل الثواب) (١٨٨).

لنتأمّل هذه الرسالة وأمثالها؛ فإنها تدل على طاقة إبداعية مكثفة للهموم الاجتماعية التي يحس بها ابن المقفع نحو إخوانه… فما يؤرقه فَقْدُ صديق له لفلذة كبده؛ ولهذا لم يجد خيراً من تعزيته إلا بتذكيره بمبادئ الإسلام.

هكذا أسس الفصل الثاني لأبعاده الفكرية فـي ضوء آثار ابن المقفع؛ وهي الآثار التي تدعونا إلى تأملها طويلاً فـي الحديث عن براءته من الزندقة والشعوبية فـي الفصل الثالث.

ولما كانت هذه الآثار أصول أدبه تطلّب منا معرفة ما يتعلق بها مكانة وأثراً وخصائص وسمات وهو ماينهض به الفصل الرابع. (

[١] انظر نصيحة الملوك ١٢١ـ١٢٢ وابن المقفع.

[٢] انظر الوزراء والكتاب ٦٢ والفهرست ١٧٠ و ٧١ والتنبيه والإشراف ٩٣ ومن حديث الشعر والنثر ٢٨ـ ٢٩ و ٣٣ والفن ومذاهبه فـي النثر ١١٠.

[٣] انظر مثلاً: البيان والتبيين ٣ / ٢٠٦ وضحى الإسلام ١ / ٤٠ وبعد و ١٧٢ وبعد.

[٤] الأدب الكبير ٦٨ـ٦٩ وانظر أمراء البيان ٩٦.

[٥] انظر الوزراء والكتاب ٧٣ وأمراء البيان ٦٦ وبعد والفن ومذاهبه فـي النثر ١١٥ وانظر عيون الأخبار ١ / ٢٦.

[٦] زهر الآداب ١ / ١٤٢.

[٧] انظر الفهرست ١٧٢ و ١٨٢ وضحى الإسلام ١ / ١٧٢ـ١٧٣ و ١٧٧.

[٨] ضحى الإسلام ١ / ١٧٨، وتاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء ١٠.

[٩] من حديث الشعر والنثر ٣٠.

[١٠] انظر الفن ومذاهبه فـي النثر ١١٠.

[١١] انظر البيان والتبيين ٣ / ٢٩ وراجع حاشية (١ و ٣) من مدخل الفصل الأول.

[١٢] انظر من حديث الشعر والنثر ٤٩ وأمراء البيان ٨٩ وبعد والفن ومذاهبه فـي النثر ١٤١ـ١٤٣.

[١٣] مروج الذهب ١ / ١٩٤ وانظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٦.

[١٤] مروج الذهب١ / ٢٢٦ وانظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٦ وأمراء البيان ٨٩.

[١٥] انظر ذلك كله فـي تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٦، وعنه أخذ صاحب ابن المقفع كل ما يتعلق بأوصاف هذه الكتب دون إشارة (١٤٨ـ١٤٩).

[١٦] انظر الفهرست ٣٣٧ ومن حديث الشعر والنثر ٢٩ وتاريخ الأدب العربي (الزيات) ٢١٤.

[١٧] طبقات الأمم ٧٧ و انظر الحيوان ١ / ٧٦ ومقدمة ابن خلدون ٤٩٠ والفن ومذاهبه فـي النثر ١٤٠ والعصر العباسي الأول ٥١١ والأعلام ٤ / ١٤٠.

[١٨] الفهرست ٣٤١.

[١٩] انظر الفهرست ١٧١ و ٣٣٧ و ١٤١والفن ومذاهبه فـي النثر ١١٠، وانظر التنبيه والإشراف ٦٦ ومقدمة ابن خلدون ٤٨٦ و ٤٩٠.

[٢٠] انظر ابن المقفع ١٥٤ - ١٥٥.

[٢١] انظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٨.

[٢٢] انظر مروج الذهب ٤ / ٣١٤ والفهرست ٣٣٧.

[٢٣] انظر مثلاً: مروج الذهب ٢ / ٤٢ والتنبيه والإشراف ٩٢ وضحى الإسلام ١ / ١٧٧ وتاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء ١٠ وابن المقفع ١٧٦ وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٦ وانظر حاشية ٦٨ - ٩٦ من الفصل الثالث.

[٢٤] هي تسمية الفهرست ١٧٢.

[٢٥] انظر تاريخ الأدب فـي إيران ٩ـ ١٠ والفن ومذاهبه فـي النثر ١٣٨.

[٢٦] انظر التنبيه والإشراف ٩١ و ٩٢ ونصيحة الملوك ٥٧ و ٩٩ و ٣٩٢ وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٧ وابن المقفع ١٧٨ و ١٨١.

[٢٧] هي تسمية الفهرست ١٧٢.

[٢٨] انظر اللسان (أصر) ونصيحة الملوك ٥٧ حاشية (٧٠).

[٢٩] انظر عيون الأخبار ١ / ١٣٣ و ١٥١ و ٣ / ٢٢١.

[٣٠] انظر تاريخ الأدب العربي (نللينو) ٣ / ٩٧ والفن ومذاهبه فـي النثر ١٣٨.

[٣١] انظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٨ ومنه استقى صاحب ابن المقفع ١٧٠ـ١٧٢؛ ولا يوجد فـي عيون الأخبار لكتاب (تنسر) ذكر.

[٣٢] الفهرست ١٧٢.

[٣٣] انظر عيون الأخبار ١ / ٥ و ١١ و ١٥ و ٢٧ و ٤٥ و ٥٩ و ٩٦. وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٧.

[٣٤] انظر ابن المقفع ١٥٠ـ١٥٢.

[٣٥] انظر الفهرست ١٧٢، وظهر مزدك أيام قباذ فـي فارس نحو (٤٨٧م) ولما رأى أن الشَّريقع - غالباً - بسبب المال والنساء؛ لهذا أباحهما وجعلهما مشاعاً، انظر الملل والنحل ١١٧ وفجر الإسلام ١٠٩.

[٣٦] انظر تاريخ الأدب العربي ٣ / ٩٧ـ٩٨ وابن المقفع ١٥٢ وانظر حاشية ٦٧ من الفصل الثالث.

[٣٧] رسالة ابن المقفع (خليل مردم بك) ٦١.

[٣٨] ابن المقفع ١٥٢.

[٣٩] ابن المقفع ١٥٣.

[٤٠] الفهرست ١٧٢.

[٤١] ذلك ما ذهب إليه بعض الباحثين؛ انظر مثلاً: تاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٤٠؛ ورسائل البلغاء ١١٧ وتاريخ الأدب العربي (فروخ) ٢ / ٥٨ فيما نقله عن شكيب أرسلان؛ انظر حاشية (٩٧) مما يأتي.

[٤٢] وفيات الأعيان ٢ / ١٥١.

[٤٣] إعجاز القرآن ١ / ٤٦ وانظر ديوان أبي تمام ٣٩ـ٤٠ وثمار القلوب ١٩٩ـ٢٠٠ وزهر الآداب ١ / ٢٤٦.

[٤٤] تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ١٠١ وانظر حاشية ٥١ـ٥٢ من الفصل الثالث.

[٤٥] كشف الظنون ٣ / ٢١٣ وانظر حاشية ٧٣ من الفصل الثالث.

[٤٦] انظر تاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٤٠ـ٤٤١.

[٤٧] إعجاز القرآن ١ / ٤٦ وانظر ضحى الإسلام ١ / ١٩٩ـ١٠٠ وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ١٠١.

[٤٨] الفهرست ١٧٢ و ١٨٣.

[٤٩] الفهرست ١٧٢ و ١٨٣.

[٥٠] انظر المنظوم والمنثور ١٢ / ١٦٠ وجمهرة رسائل العرب ٢ / ٤٨ـ٥٢ وانظر ابن المقفع ١٤٦.

(٥١) انظر عيون الأخبار ١ / ٣ـ٥ وثمار القلوب ١٩٩ـ٢٠٠ وزهر الآداب ١ / ٢٤٦.

(٥٢) انظر شرح ديوان أبي تمام ١ / ٨١ وراجع حاشية (٦٨) من الفصل الأول.

(٥٣) ابن المقفع ١٤٦ـ١٤٧ عن طبقات الأطباء؛ وانظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٨.

(٥٤) إعجاز القرآن ١ / ٤٦ـ٤٧ وانظر حاشية (٥٥ - ٥٦ و ٧٠ـ ٧٢) من الفصل الثالث.

(٥٥) انظر من حديث الشعر والنثر ٣٨.

(٥٦) تاريخ الأدب العربي ٣ / ١٠١ وابن المقفع ١٥٦.

(٥٧) انظر ابن المقفع ١٥٦ عن البدء والتاريخ (نشرة دورات Huart) ٢ / ١٥٠.

(٥٨) محاضرات الأدباء ١ / ٩٦.

(٥٩) انظر ابن المقفع ٢٣٤.

(٦٠) انظر مثلاً: تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٣ـ٩٦ و (فاخوري) ٤٥٠ـ٤٥٢ و (فروخ) ٢ / ٥٤ـ٥٨ وابن المقفع ١٨٢ـ٢٣٥ وضحى الإسلام ١ / ٢١٦ـ٢٢٢ وأمراء البيان ١٢٤ـ١٣٣، وتاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٣٨ـ٤٣٩ والعصر العباسي الأول ٥٢٠ـ٥٢١ ودراسات فـي الأدب المقارن ٩٠ و ١٧١ و ١٨٥.

(٦١) انظر تاريخ الأدب فـي إيران ٤٤٣ وابن المقفع ٢١٢ وتاريخ الأدب العربي (فاخوري) ٤٤٩؛ والأمثال فـي النثر العربي القديم ١٦٦ـ١٦٨.

(٦٢) عثر على الأصل السرياني فـي دير (ماردين) سنة (٥٧٠م) ونشر سنة (١٨٧٦م)، انظر ضحى الإسلام ١ / ٢١٦ وبعد ودراسات فـي الأدب المقارن ١٧٤ـ١٧٥ وابن المقفع ١٨٩ـ١٩٣ والفن ومذاهبه فـي النثر ١٣٨ـ١٣٩ وتاريخ الأدب العربي (فاخوري) ٤٤٧، والأمثال فـي النثر العربي القديم ١٦٦ - ١٦٩، وليس بدقيق ماذهب إليه صاحب كتاب الأمثال فـي النثر العربي القديم حين ذهب إلى ترجمة الكتاب عن السريانية (ص١٦٩) وليس عن الفهلوية… أما المهابهارتا (ملحمة الهند الكبرى) فقد أجريت مقابلة بين أفكارها وبعض أفكار كليلة ودمنة فتبين لي وجه الصلة بينهما مثل: نصائح إلى المؤدبين ٦١ـ٦٢ عنايتهم بأبهة السلطان ٦٥ ـ١١٠ تحذير أهل العلم من مصاحبة السلطان ١١١ - ١١٢ وغير ذلك كثير.

(٦٣) انظر مثلاً: عيون الأخبار ١ / ١٦٨ و ٢٨١ و ٣ / ١٨٠ ونَصيحة الملوك ٣٣٢ و ٥٤٤.

(٦٤) انظر كليلة ودمنة ٢١ و ٣٢ وابن المقفع ٢٠٤ وتاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٣٨ـ٤٣٩.

(٦٥) انظر كليلة ودمنة ٧ـ٢٠ ووفيات الأعيان ٢ / ١٥١ وضحى الإسلام ١ / ٢١٨.

(٦٦) انظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٤ والأمثال فـي النثر العربي القديم ١٦٨ـ١٦٩ وطبقات الأمم ٤٩ و ١٤ والفن ومذاهبه فـي النثر ١٣٩ وتاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٣٩.

(٦٧) انظر تاريخ الأدب فـي إيران ٤٣٨ و ٤٤٣ و ٤٤٦ وضحى الإسلام ١ / ٢١٦ وبعد؛ وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٣ـ٩٦ وابن المقفع ٢٠٢.

(٦٨) انظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٦ وحاشية [٥].

(٦٩) انظر تاريخ الأدب فـي إيران ٤٤٤ ودراسات فـي الأدب المقارن ١٧٤ وتاريخ الأدب العربي (فاخوري) ٤٥١، ورأى أن ترجمته حوالي سنة (٥١٣٠)

(٧٠) انظر من حديث الشعر والنثر ٤٨.

(٧١) انظر ضحى الإسلام ١ / ٢١٩.

(٧٢) انظر دراسات فـي الأدب المقارن ١٧٥ وابن المقفع ٢٠٢ و ٢٠٨.

(٧٣) انظر دراسات فـي الأدب المقارن ١٧٥ وابن المقفع ٢٠٢ و ٢٠٨.

(٧٤) كليلة ودمنة ٣٢.

(٧٥) المصدر السابق.

(٧٦) انظر ابن المقفع ٧٣.

(٧٧) ضحى الإسلام ١ / ٢١٨.

(٧٨) انظر ضحى الإسلام ١ / ٢١٩.

(٧٩) انظر ضحى الإسلام ١ / ٢١٩ـ٢٢٠.

(٨٠) انظر مثلاً: تاريخ الأدب العربي (بلاشير) ٩٢٢ و ٩٤٤ و (فاخوري) ٤٥٧ ودراسات فـي الأدب المقارن ١٦٧ وبعد.

(٨١) انظر من حديث الشعر والنثر ٤٨.

(٨٢) انظر مثلاً: ضحى الإسلام ١ / ١٩٧ـ١٩٨ وتاريخ الأدب العربي للزيات ٢٠٣ـ٢٠٤ و٢١٤. وفـي القديم جعل ابن النديم كليلة ودمنة واليتيمة من الكتب المعدودة فـي الجودة عند الناس، انظر الفهرست ١٨٣.

(٨٣) انظر دراسات فـي الأدب المقارن ١٨١.

(٨٤) انظر تاريخ الأدب العربي (فاخوري) ٤٥١ وابن المقفع ١٨٨.

(٨٥) الجامع الصغير (١ / ٤٢ حديث رقم ٣١٠) وانظر اللسان (أدب) وأدب الكاتب ١٦٢ـ١٦٣.

(٨٦) شرح ديوان حماسة أبي تمام للتبريزي (١ / ٣١٦ طبعة النوري) و (٢ / ١٣٣ـ١٣٤ طبعة عالم الكتب).

٨٧) ) وفيات الأعيان ٢ / ١٥١.

٨٨) ) انظر مقدمة ابن قتيبة لأدب الكاتب ٥ وبعد و ١٤ و ١٦ وبعد.

(٨٩) انظر ابن المقفع ١٥٩.

(٩٠) ضحى الإسلام ١ / ١٩٩ وانظر تاريخ الأدب العربي (فروخ) ١ / ٥٣.

(٩١) الفهرست ١٧٢.

(٩٢) انظر المنظوم والمنثور ١٢ / ١٦٠ وجمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٨.

(٩٣) ذكر بروكلمان فـي تاريخ الأدب العربي ٣ / ٩٩ـ١٠٠ عدداً ممن عني بكتاب الأدب الصغير: عني به للمرة الأولى الشيخ طاهر الجزائري فـي مجلة المقتبس؛ ثم نشره أحمد زكي صفوت باشا سنة ١٣٢٩هـ / ١٩١١م؛ ثم نشره محمد كرد علي فـي رسائل البلغاء (١٣٢٦هـ / ١٩٠٨م) ثم نشر ثلاث مرات. وكذلك عني به محمد أمين ونشره بمصر ١٣٣٢هـ / ١٩١٣م.

(٩٤) انظر تاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٤٠ وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ٩٩.

(٩٥) انظر الأدب الصغير ٢٠ـ٢١.

(٩٦) الأدب الصغير ٦٥.

(٩٧) تاريخ الأدب العربي ٣ / ٩٩ـ١٠٠

(٩٨) ذكر بروكلمان فـي تاريخ الأدب العربي ٣ / ٩٨ بعض من عني بالكتاب؛ مثل - طبع فـي لبنان ومصر عدة طبعات تحت عنوان (الدر اليتيمة). أـ فـي لبنان سنة ١٨٩٧م؛ ثم طبعه جرجي شاهين عطية. ب - فـي مصر - طبع فـي القاهرة مصدَّراً بمقدمة للأمير شكيب أرسلان.

(٩٩) انظر الفهرست ١٧٢ وتاريخ الأدب العربي ٣ / ٩٨.

(١٠٠) عيون الأخبار ١ / ٢٠ و ٢٢ و ٣١ وانظر ابن المقفع ١٤٤.

(١٠١) الفهرست ١٧٢.

(١٠٢) ابن المقفع ١٦٦: انظر الحاشية [١] فيه.

(١٠٣) انظر ابن المقفع ١٦٦ وتاريخ آداب اللغة العربية ١ / ٤٤٠٩ـ٤٤١.

(١٠٤) انظر ابن المقفع ١٦٨ وانظر نصيحة الملوك ٥٨ـ٥٩ و٨٧ و١٤٢ و١٦٠ و٢٣١ و٢٣٥ و٣٧٦ وبهجة المجالس ١ / ٣٣٢.

(١٠٥) الطبعة التي اعتمدنا عليها بتحقيق د. إنعام فَوّال يبدأ كتاب (الأدب الكبير) بصفحة ٦٧ وينتهي بصفحة ١٣٧.

(١٠٦) الجامع الصغير ١ / ٤٠٦ حديث رقم ٢٩٨٧ وانظر فيه ١ / ١٨٦ حديث رقم ١٤٦٤.

(١٠٧) الجامع الصغير ١ / ٢١٤ـ٢١٥ حديث رقم ١٦٢٠.

(١٠٨) الأدب الكبير ٨٤ - ٨٥، ونظير ذلك موجود فـي (المهابهاراتا) ١١١ - ١١٢.

(١٠٩) الأدب الكبير ١٠٢.

(١١٠) الأدب الكبير ١٢٨.

(١١١) الأدب الصغير ٢٠.

(١١٢) الأدب الكبير ٦٨ـ ٦٩.

(١١٣) انظر الأدب الصغير ٤٥ و٤٦ و٤٧ و ٤٨ و٤٩ و٦٤ و٦٥.

(١١٤) الأدب الصغير ٥٥.

(١١٥) الأدب الصغير ٦٢.

(١١٦) الأدب الكبير ١٠٨.

(١١٧) انظر ابن المقفع ١٦٧ - ١٦٨.

(١١٨) انظر من حديث الشعر والنثر ٣٢ و ٤٨.

(١١٩) انظر مثلاً: كليلة ودمنة (باب الفحص عن أمر دمنة ٧٨ - ٩٠)

(١٢٠) الأدب الكبير ١١٢.

(١٢١) كليلة ودمنة ٩١.

(١٢٢) الأدب الصغير ٢١ وانظر فيه ٢٩.

(١٢٣) انظر ضحى الإسلام ١ / ٢٠٤ وابن المقفع ١٦٥ - ١٦٦.

(١٢٤) الأدب الكبير ٧٠.

(١٢٥) الأدب الصغير ٥٤.

(١٢٦) انظر من حديث الشعر والنثر ٣٢ - ٣٣ - ٣٩ و ٤٧ـ٤٨.

(١٢٧) راجع ما تقدم حاشية ١٥ من مدخل الفصل الأول، وانظر فيه الحواشي ٦٩ـ٧٣.

(١٢٨) من حديث الشعر والنثر ٤٩.

(١٢٩) العصر العباسي الأول ٥٢١.

(١٣٠) انظر مثلاً: الأدب الصغير ٥٨ - ٥٩.

(١٣١) انظر من حديث الشعر والنثر ٤٧ـ٤٨ وابن المقفع ١٠٦.

(١٣٢) انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٣١ـ٣٢ وتاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ١٠٠.

(١٣٣) انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٢.

(١٣٤) انظر ابن المقفع ١٦٩ـ١٧٠.

(١٣٥) انظر وفيات الأعيان ٢ / ١٥٤ والتنبيه والإشراف ٢٩٣ وتاريخ اليعقوبي ٢ / ٣٥٨.

(١٣٦) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٠.

(١٣٧) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٣ وانظر فيه ٤٤.

(١٣٨) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٣٠ـ٣١.

(١٣٩) انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٣١ـ٣٣.

(١٤٠) انظر المصدر السابق ٣ / ٣٤ - ٣٥.

(١٤١) المصدر السابق ٣ / ٣٦.

(١٤٢) انظر المصدر السابق ٣ / ٣٦ـ٣٧.

(١٤٣) المصدر السابق ٣ / ٣٧ وانظر فيه ٤٢.

(١٤٤) المصدر السابق ٣ / ٣٧.

(١٤٥) انظر المصدر السابق ٣ / ٣٦، وانظر ما يأتي حاشية ١٦٢ و ١٦٣.

(١٤٦) انظر المصدر السابق ٣ / ٤٠.

(١٤٧) انظر من حديث الشعر والنثر ٤٧ والعصر العباسي الأول ٥٢٠.

(١٤٨) انظر ابن المقفع ١٠٦.

(١٤٩) انظر ضحى الإسلام ١ / ٢١١.

(١٥٠) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٠.

(١٥١) انظر المصدر السابق ٣ / ٣٨.

(١٥٢) انظر المصدر السابق ٣ / ٤١ـ٤٢.

(١٥٣) المصدر السابق ٣ / ٤٦

(١٥٤) المصدر السابق نفسه.

(١٥٥) المصدر السابق ٣ / ٤٥.

(١٥٦) المصدر السابق ٣ / ٤٦.

(١٥٧) المصدر السابق ٣ / ٤٧ـ٤٨ وانظر ضحى الإسلام ١ / ٢١٤ـ٢١٥.

(١٥٨) المنظوم والمنثور ١٢ / ١٨٢ وجمهرة رسائل العرب ٣ / ٣٠ـ٤٨ ورسائل البلغاء وانظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ١٠٠.

(١٥٩) انظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ١٠٠.

(١٦٠) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٣١.

(١٦١) المصدر السابق ٣ / ٣٣.

(١٦٢) انظر كتاب الخراج ٦ وضحى الإسلام ١ / ٢١٣ـ٢١٤ وابن المقفع ١١٣، وراجع ما تقدم حاشية ١٤٥ و ١٤٦.

(١٦٣) انظر من حديث الشعر والنثر ٤٨ وابن المقفع ١١١ـ١١٢ والعصر العباسي الأول ٥٢٠.

(١٦٤) انظر من حديث الشعر والنثر ٤٦ـ٤٩.

(١٦٥) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٣١.

(١٦٦) انظر نصيحة الملوك ٥٥٩ـ٥٦٢.

(١٦٧) ابن المقفع ١٧٠ وانظر من حديث الشعر والنثر ٤٨ـ٤٩.

(١٦٨) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤١.

(١٦٩) انظر وفيات الأعيان ٢ / ١٥١ وسرح العيون ١٥٠.

(١٧٠) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٣ والبيت للشاعر الجاهلي الأَفوه الأَودي: انظر الطرائف الأدبية ١٠.

(١٧١) انظر من حديث الشعر والنثر ٤٨.

(١٧٢) انظر ابن المقفع ٢٣٣ـ٢٣٥.

(١٧٣) راجع ما تقدم حاشية ٤٥ـ٥٠ من هذا الفصل.

(١٧٤) انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٤٨ عن ابن طيفور.

(١٧٥) انظر تاريخ الأدب العربي ٣ / ١٠٠ (بروكلمان)

(١٧٦) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٩.

(١٧٧) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٢.

(١٧٨) انظر المصدر السابق ٢ / ٤٦٤ و٤٦٩ـ٤٧٢ و٣ / ٥٣ وبعد.

(١٧٩) نهج البلاغة ١ / ١٧٣ وانظر فيه ٢ / ١٩٧، وانظر فكرة الزمن فـي الدراسات العربية - مجلة التراث العربي ص ٥٤ - ٥٥.

(١٨٠) انظر بلاغة الخطاب وعلم النص ١٣٨.

(١٨١) انظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ١٠٠.

(١٨٢) انظر رسائل البلغاء ١١٨ - ١٢٠ ونشرت حكم ابن المقفع على هامش كتاب (شرح حديث الداري) لابن تيمية فـي القاهرة ١٩٠٦م وفـي مجموعة أخرى طبعت بالقاهرة أيضاً سنة ١٣٢٤هـ؛ انظر تاريخ الأدب العربي (بروكلمان) ٣ / ١٠٠.

(١٨٣) انظر رسائل البلغاء ١١٨ وابن المقفع ١٤١.

(١٨٤) انظر ابن المقفع ١٤٣.

(١٨٥) انظر رسائل البلغاء ١٣٢ـ١٣٨.

(١٨٦) انظر تاريخ الأدب العربي ٣ / ١٠٠.

(١٨٧) انظر جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٣ وبعد.

(١٨٨) جمهرة رسائل العرب ٣ / ٥٦.



[ Web design by Abadis ]