ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 في إقراء النبي (ص) الصحابة الكرام القرآن

وكان النبي (ص) أمياً لا يقرأ ولا يكتب، دل على ذلك نصُّ القرآن الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل، وما كنت تتلو من قبله من كتاب، ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون. وكان (ص) بعد نزول الوحي إليه وحفظه الآية أو السورة يبلغها الناس، ويقرئ من الفائزين بشرف الصحبة من كان يصلح لذلك، ويستحفظهم إياها، دل على ذلك استقراء الأحاديث الواردة بطرق الثقات من رجال الحديث، الذين أصبحت كتبهم معوّلاً عليها عند المسلمين. روى البخاري في صحيحه بإسناده عن عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري حدثاه أنهما سمعا الخليفة عمر بن الخطاب (رض) يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله (ص)، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله (ص)، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلبّبتهُ بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله (ص)، فقلت: كذبت فإن رسول الله (ص) قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله (ص)، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال: «أ

رْسِلْهُ (

)، إقرأ ياهشام فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال (ص): كذلك أنزلت، ثم قال: إقـرأ ياعمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال (ص): كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه»، وفي صحيح البخاري عن شقيق بن سلمة، قال: خطبنا عبد الله بن مسعود (رض) فقال: والله لقد أخذت من فيّ رسول الله بضعاً وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي (ص) أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم.

قال شيخ الطائفة الإمام محمد بن الحسن الطوسي الفقيه في أماليه: إن ابن مسعود أخذ سبعين سورة من النبي (ص) وأخذ الباقي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وفي المستدرك عن ابن مسعود قال: كنّا مع النبي (ص) في غار، فنزلت عليه والمرسلات عرفاً فأخذتها من فيه إلى آخر الحديث.

روى أبو عبيدة في فضائل القرآن، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عمر بن عامر الأنصاري، أن عمر قرأ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان برفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين، فقال له زيد بن ثابت: والذين اتبعوهم بإحسان فقال: أمير المؤمنين اعلم، فقال: آتوني بأُبيّ بن كعب، فسأله عن ذلك، فقال أُبيّ: والذين اتبعوهم، فجعل كل واحد يشير إلى أنف صاحبه بأصبعه، فقال أُبيّ: والله أقرأنيها رسول الله (ص) وأنت تبيع الحنطة، فقال عمر نعم إذاً فتابع أبياً. وفي صحيح البخاري أن النبي (ص) قال لأبيّ بن كعب: ( (إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن) ) قال: الله سماني؟ قال: ( (نعم، وقد ذكرت عند رب العالمين) )، قال فذرفت عيناه واشتهر بين القوم بعدة طرق قوله (ص): ( (أبيّ أقرأكم) ). دلت هذه الروايات على أن النبي (ص) كان يقرئ القرآن بعض علماء الصحابة، ويهتم بأن يحفظوه، حتى قال لأبي إن الله أمرني أن أقرأ عليك، ودلت أيضاً على أن الصحابة كانوا يهتمون بحفظ نصوص الآيات بحيث كان زيادة حرف واو ونقصه أمراً مهتماً به، مع أن ذلك لا يغير المعنى كثيراً.

تنبيـه

المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه هنَّ المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة، نحو: أقبل وهلمّ وتعال وعجّل وأسرع وأخّر وأمهل وامض واسر، وهذا الوجه هو ما اختاره محمد بن جرير الطبري في مقدمة تفسيره، وقال: والدلالة على صحة ما قلناه ما تقدم ذكرنا له من الروايات الثابتة عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب (رض)، أنهم تماروا في القرآن فخالف بعضهم بعضاً في نفس التلاوة دون ما في ذلك من المعاني، وأنهم احتكموا فيه إلى النبي (ص) فاستقرأ كلَّ رجل منهم ثم صوّب جميعهـم في قراءتهم على اختلافها، حتى ارتاب بعضهم لتصويبه إياهم، فقال النبي (ص) للذي ارتاب منهم عند تصويبه جميعهم: ( (إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف) )، فمفاد هذا الكلام أن قول النبي (ص) للمختلفين في نفس التلاوة ( (إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف) ) يكشف أن سبعة أحرف هي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد. روى في أول مقدمة تفسيره عن أبي كريب عن رجاله عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): «قال جبرائيل إقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل استزده، فقال على حرفين، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال كلها شاف كاف مالم يختم آية عذاب برحمة أو آ

ية رحمة بع

ذاب، كقولك: هلم وتعال».

وشاهد ذلك فهم الفقهاء هذا المعنى من الحديث، قال ابن عبد البر: وذكر ابن وهب في كتاب الترغيب من جامعه: قيل لمالك: أترى نقرأ مثل ما قرأ عمر بن الخطاب: فامضوا إلى ذكر الله؟ قال جائز، قال رسول الله (ص): «أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه». وهذا الوجه هو الذي لايراه العقل بعيداً، فإن الاختلاف لو كان في المعنى بسبعة أوجه يفسر به المعنى، فقد يفضي إلى معنيين متضادين، فكيف يجيز النبي (ص) خلاف ما أراد الله بيانه من الآية، مع أن الروايات الكثيرة دلّت على أن النبي (ص) صوّب قراءتهم؟ . وغير خفي أن الآية لا تفسر بمعنيين متضادين مما قد يؤول إلى حلّية ما حرّم وحرمة ما أحل، والله تعالى يقول: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.

وروى الأعمش عن أنس أنه قرأ هذه الآية إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأصوب قيلاً فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة! إنما هي أقوم، فقال: أقوم وأصوب وأهدى واحد، ويمكن أن يحمل الحديث على ما ذكره محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في تفسيره إذ قال: وقد قيل معنى قول النبي (ص) أنزل القرآن على سبعة أحرف إنها هي الجهات التي تحتملها الكلمات وهي ما اختلف فيها القراء السبعة من الإمالة والإشمام والإدغام. وكان الصحابة إذا نقلوا آية عن النبي (ص) أو سورة يترددون عليه غير مرة، ويتلونها أمامه حتى يزداد تثبتهم من حفظها، ويسألونه: هل حفظت كما أُنزلت؟ حتى يقرهم عليها. ذكر الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ: روى خارجة بن زيد عن أبيه قال: أتى النبي (ص) المدينة وقد قرأت سبع عشرة سورة، فقرأت على رسول الله (ص) فأعجبه ذلك وقال: ( (يا زيد تعلّم لي كتابة يهود فإني ما آمنهم على كتابي) ). قال: فحذقته في نصف شهر.

وبعد الحفظ والإتقان كان كل حافظ ينشرما حفظه، و يعلمه للأولاد والصبيان والذين لم يشهدوا النزول ساعة الوحي من أهل مكة والمدينة ومن حولهم من الناس، فلا يمضي يوم أو يومان إلا وما نزل محفوظ في صدور كثيرين من الصحابة. وكان الحفظة والقراء يعرضون على النبي (ص) القرآن ويختمونه عنده وقد كانوا يقرأون بعض القرآن بأمره (ص).

عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله (ص): ( (اقرأ عليّ، ففتحت سورة النساء، فلما بلغت فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً رأيت عينيه تذرفان من الدمع، فقال: حسبك الآن) ).

قال سيف الدين الآمدي في كتابه أفكار الأبكار: إن المصاحف المشهورة في زمن الصحابة كانت مقروءة عليه (ص) ومعروضة، وكان مصحف عثمان بن عفان (رض) آخر ما عرض على النبي (ص)، وكان يصلي به إلى أن قُبض. أخرج أبو العباس أحمد بن عبد الغفار المعروف بابن أشته في المصاحف وابن أبي شيبة في الفضائل عن طريق ابن سيرين عن عبيدة السلماني، قال: القراءة التي عرضت على النبي (ص) في العام الذي قبض فيه هي القراءة التي يقرؤها الناس اليوم. قال البغوي في شرح السنة: إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة الّتي بين فيها ما نسخ وما بقي، وكتبها له (ص) وقرأها عليه، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده عمر وأبو بكر (رض) وجمعه، وولاه عثمان كتب المصاحف.

أرسل رسول الله (ص) جماعة من القرّاء إلى المدينة لتعليم القرآن. روى البخاري بإسناده عن أبي إسحاق عن البراء قال: أوّل من قدم علينا من أصحاب النبي (ص) مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال، ولما فتح (ص) مكة ترك معاذ بن جبل للتعليم، وكان الرجل إذا هاجر إلى المدينة دفعه النبي (ص) إلى رجل من الحفظة ليعلمه القرآن. وكثر عدد الحفظة في عهد رسول الله (ص)، وقتل في عهده (ص) في بئر معونة زهاء سبعين من القراء. قال الكرماني كما في الإتقان في الصحيح: إن الذين قتلوا في غزوة بئر معونة من الصحابة - وكان يقال لهم القرّاء - كانوا سبعين رجلاً. وفي كثير من الأحاديث أن أبا بكر (رض) حفظ القرآن في حياة رسول الله (ص). وقد ذكر أبو عبيدة في كتاب القراءات القرّاء من أصحاب النبي (ص)، فعد من المهاجرين الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالماً، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة. ومن الأنصار: عبادة بن الصامت، ومعاذ الذي يكنى أبا حليمة، ومجمع بن جارية، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد. وصرّح أن بعض هؤلاء كمل القرآن بعد النبي (ص). وعدّ ابن أبي داود منهم تميماً ا

لداري، وع

قبة بن عامر. أخرج ابن سعد في الطبقات: «أنبأنا الفضل بن دكين، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، قال: حدثتني جدّتي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، وكان رسول الله (ص) يزورها و يسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، وكان رسول الله (ص) قد أمرها أن تؤم أهل دارها».



[ Web design by Abadis ]