ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حدوث الخط في الحجاز و انتشاره فيه و الخط الذي كتب به القرآن

أول حلقة من سلسلة الخط العربي هي الخط المصري ديموطيق Demotic) ) وهو خط الشعب.

وثاني حلقة من سلسلته: الخط الفينيقي نسبة إلى فينيقيا بقرب أرض كنعان على ساحل البحر الأبيض، وتسمى اليوم جبل لبنان. والفينيقيون من الأمم الساميّة، كانوا أكثر الناس مخالطة للمصريين للتجارة ولدواع أخرى، فتعلموا حروف كتابتهم، ثم وضعوا لأنفسهم حروفاً بسيطة خالية من التعقيد للكتابات التجارية، وقد أخذوا من حروف المصريين خمسة عشر حرفاً مع تعديل قليل - كما قال الأثري «ماسبيرو Maspero» في كتابه تاريخ المشرق، وأضافوا إليها باقي الحروف، ثم اشتهرت حروفهم لسهولتها في آسيا وأوروبا.

وثالث حلقة من سلسلته: الآرامي أو المسند، على خلاف بين مؤرخي أوروبا والعرب.

رأي مؤرخي أوروبا

خلاصة رأي مؤرخي أوروبا هي أن الخط الفينيقي تولد منه أربعة خطوط وهي:

[١] اليوناني القديم أصل خطوط أوروبا كلها والخط القبطي.

[٢] العبري القديم، ومنه الخط السامري نسبة إلى سامرة نابلس.

[٣] المسند الحميري، ومنه تولد الخط الحبشي.

[٤] الخط الآرامي، وهو أصل ستة خطوط:

(أ) الهندي بأنواعه.

(ب) الفارسي القديم: الفهلوي.

(ج) العبري المرعب.

(د) التدمري.

(هـ) السرياني.

(و) النبطي.

وعلى رأي الإفرنج، فإن الخط العربي قسمان: أحدهما كوفي، وهو مأخوذ من نوع من السرياني يقال له اسطرنجيلي؛ ونسخي، وهو مأخوذ من النبطي فعلى هذا الرأي لا يقع الخط المسند في سلسلة الخط العربي، ووضعوا السرياني مع النبطي في آخر حلقة منها.

رأي مؤرخي العرب

ملخص رأى مؤرخي العرب قبل الإسلام و بعده أن خطهم الحجازي مأخوذ من أهل الحيرة وأهل

الأنبار، ووصل الخط إلى أهل هذين البلدين من عرب كندة، ومن النبط الناقلين عن المسند. أجمع مؤرخو العرب على أن الخط دخل إلى مكة بواسطة حرب بن أمية بن عبد شمس، وكان قد تعلمه في أسفاره من عدة أشخاص، منهم: بشر بن عبد الملك أخو أكيدر صاحب دومة الجندل، وقد حضر بشـر إلى مكة مع حرب بن أمية وتزوج الصهباء ابنته، وعلّم جماعة من أهل مكة ثم ارتحل. وفيه يقول شاعر من كندة يمنّ على قريش:

ولاتجحـدوا نعمـاء بشـر عليكمُ فقـد كان ميمـون النقيبة أزهـرا

أتاكـم بخـط الجـزم حتى حفظتمُ من المـال ما قـد كان شتى مبعثرا

وأغنيـتمُ عن مسـند القوم حمـير ومازبرت في الكتب أقيال حميرا

وفي رواية عن ابن عباس (رض) أن أهل الأنبار تعلموا الخط من أهل الحيرة. فالخط المسند على رأي مؤرخي العرب من حلقات سلسلة الخط العربي، ومن أصوله.

وقد رجح بعض الباحثين من علماء العرب في كتابه حياة اللغة العربية رأي مؤرخي العرب لوجوه:

الأول: أن الخط المسند عرف له أربعة أنواع، وأقرب تلك الأنواع إلى الفينيقي هو الصفوي، فيدل ذلك على أن الخط المسند هو خط واحد في الأصل، قريب من أصله الفينيقي، وغير بعيد الشبه عن الآرامي. وقد وصل الخط من اليمن والآراميين إلى الحيرة والأنبار بواسطة كندة والنبط، ومن الحيرة والأنبار وصل لأهل الحجاز، وفيه أن هذا احتمال ضعيف، مؤداه أن قرب الصفوي من الخط الفينيقي يؤيد كون المسند مأخوذاً من الفينيقي، وانتشر في اليمن ووصل إلى الحيرة والأنبار، مع أن الاعتراف بوصول الخط بواسطة الآراميين يقوّي كون الآرامي من أصول الخط الحجازي، لأن نشر هؤلاء الآراميين غير خطهم الخاص بعيد جداً.

الثاني: اختلاط النبط باليمانيين ومجاورتهم لهم، كاختلاطهم ببعض طوائف الآراميين يقتضي أخذ النبط خطهم المسند منهم، وفيه أن المخالطة إن دلت على أخذ النبط خطهم من اليمانيين، كذلك تدل على أخذهم من الآراميين لنفس الدليل.

الثالث: إجماع مؤرخي العرب وتضافر رواياتهم، واتفاق كلمتهم، على أن الخط وصل إلى الحجاز من اليمن، وفيه أن وصول الخط عن طريق اليمن لا ينافي كون أصله آرامياً، لإمكان أخذ اليمانيين عن الآراميين لمخالطتهم كما سبق.

الرابع: وجود حروف الروادف، وهي: ثخذ، ضظـغ في الخط المسند الحميري دون الآرامي، وفيه أن المسند لو كان من أصول الخط الحجازي، لكان لتلك الحروف صُور خاصة بها، متسلسلة عن أصلها كسائر الحروف، ففقدُ الخط الحجازي صورة خاصة لتلك الحروف، يدل على أن الخط الآرامي الفاقد لها من أصوله، ولكن أصوات حروف الروادف الموجودة في لسان العرب، دعتهم إلى وضع الحروف الروادف بالإعجام لتلك الأصوات، و يؤيده قول مؤلف كتاب حياة اللغة العربية (ص٨٨)، فلابد أن يكون واضع الحروف العربية قد أخذ لها صور الباء والجيم والدّال والصاد والطاء والعين، و وضع لها النقط للتمييز، و يدل أيضاً على أن الآرامي من أصول الخط العربي، أن الحافظ شمس الدين الذهبي ذكر في تذكرة الحفاظ في ذيل رواية خارجة بن يزيد عن أبيه، أن زيد بن ثابت (رض) بأمر من النبي (ص) تعلم كتابة اليهود وحذقها في نصف شهر، فتعلّمه في مدة نصف شهر يدل على أنه تعلم نفس الخط السطرنجيلي - أصل الخط الكوفي وأحد نوعي الخط السرياني - خط اليهود، ولذلك ذكر في ترجمة زيد بن ثابت (رض) أنه تعلم السرياني ومنه حدث الكوفي.

ثم إن الخط الكوفي أشبه الخطوط بالخط الحيري، والحيري قريب الشبه من النبطي، وهو من الآرامي، و هو من الفينيقي، و هو من ديموطيق - خط الشعب المصري - فذلك يدل على تسلسل تلك الخطوط حسب الترتيب المذكور.

الخط في المدينة (يثرب)

أما الخط في المدينة (يثرب) فقد قرر أهل السير أن النبي (ص) دخلها، وكان فيها يهودي يعلم الصبيان الكتابة، وكان فيها بضعة عشر من الرجال يعرفون الكتابة منهم سعيد بن زرارة، والمنذر بن عمرو، وأُبي بن وهب، وزيد بن ثابت، ورافع بن مالك، وأوس بن خولي، والظاهر أنهم كانوا يعرفون الخط الحجازي المأخوذ من الحيري، فلا ينافي هذا تعلم زيد كتابة اليهود بأمر النبي (ص) بعد دخوله (ص) المدينة.

وأوّل من نشر الكتابة بطريقة عامة، هو الرسول الأكرم محمد (ص)، بعد مهاجرته إلى المدينة، فقد أسر في غزوة بدر سبعين رجلاً من قريش وغيرهم، وفيهم كثير من الكتاب فقبل من الأميين الافتداء بالمال، وجعل فدية الكاتبين منهم أن يعلّم كل واحد منهم عشرة من صبيان المدينة، ففعلوا ذلك، وانتشر الخط بالتدريج من هذا الحين في المدينة والأمصار التي دخلت في حوزة الإسلام، و بقيت الأمية الصرفة في البوادي.

للخط الحجازي نوعان: أحدهما النسخي المستعمل في المكاتبات؛ والثاني الكوفي نسبة إلى الكوفة بعد بنائها، لأن الخط الحجازي هذبت قواعده وصور حروفه فيها ولذلك نسب إليها.

فقد عثر الباحثون على نفس الكتابين المرسلين من النبي الأكرم إلى المقوقس والمنذر بن ساوي، وأخذوا صورتيهما بالتصوير الشمسي (فتوغراف) وطبعوهما، والكتاب المرسل إلى المقوقس محفوظ في دار الآثار النبوية في الأستانة، وكان قد عثر عليه عالم فرنسي في دير بمصر قرب أخميم، وسمع بحديثه السلطان عبد المجيد، فاستقدم ذلك العالم وعرض النسخة على العلماء، فقرروا أنها هي بعينها كتاب النبي (ص) إلى المقوقس فاشتراها بمال عظيم، والكتاب الثاني محفوظ في مكتبة فينا عاصمة النمسا.



[ Web design by Abadis ]