ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الثقافـة الإسـلامية و عولمـة الاتصـال

تحوُّل العالم إلى قرية كبيرة مقولةٌ بدأت تتكرر على الأفواه بعد ثورة الاتصالات، ويدعمها التطوّر الذي شهدته العقود الأخيرة في شبكات الاتصال. غير أن هناك كثيرين ممن يشمّون في هذه المقولة رائحة» العولمة «السياسية والعسكرية والثقافية … وبالتالي رائحة الهيمنة الأمريكية بعد انفراد الولايات المتحدة بالعالم.

ونحن في العالم الإسلامي رحنا نردّد هذه المقولة - ضمن عادتنا في ترديـد ما يقوله الغرب - دون تمحيص لخلفياتها ونتائجها، وكثيراً ما يؤدي ترديد المقولات الواردة دون دقة وتحليل إلى تكريس روح الهزيمة في أمتنا، وإلى تعريض هويتنا وأصالتنا إلى مزيد من الغزو.

كنّـا قريـة كبـيرة

إذا كانت مقوّمات القرية الكبيرة تتلخص في انتقال المعلومات بسرعة بين أبنائها، فقد كنا كذلك حين كانت تجمعنا وحدة حضارية. تجد معلومات تفصيلية عن شرق العالم الإسلامي في رحلة» ابن بطوطة «المغاربي وعن غرب العالم الإسلامي في رحلة» ناصر خسرو «المشرقي، جناحان متباعدان في العالم، أحدهما في المغرب العربي، والآخر في خراسان يصبحان قريبين بفضـل انتمائهما لمنظومة حضارية واحدة.

والمتنبي في الشام ومصر والعراق يُنشد قصائده، فتصل في نفس الوقت إلى إصفهان، فيتلقّاها الأدباء والشعراء بل وعامة الناس بشوق بالغ، وتصبح أناشيد على ألسنتهم، ومادة لمجالس نقدهم، بل ويتناولها أكبر حاكم للمقاطعـة وهو الوزير» الصاحب بن عباد «فيكتب رسالة نقدية على شعر المتنبي، وفي عصر المتنبي أيضاً تكتب في إيران عشرات الشروح وعشرات الكتب النقدية حـول ديوان المتنبي بعضها في حياته، وبعضها بعد وفاته بقليل.

وهذا أبو الفرج الأصفهاني يجمع كلّ وثائق الأدب وأخبار الأدباء وأصوات الغناء منذ الجاهلية حتى عصره، ثم يأتي بعده الثعالبي ليسوح في العالم ويجمع أخبار الأدب العربي في يتيمته، ويتابع العماد الأصفهاني هذا المشروع ليكتـب في خريدته عن أدباء عصره ابتداء من الأندلس وشمال أفريقيا، ومروراً بالحجاز والعراق، وانتهاء بأصفهان وشيراز وما وراء النهر.

لا يوجد اليوم في عصر الأنترنت مشروع شامل كهذا يوثق ساحة الأدب العربي في غرب العالم وشرقه.

وهكذا فعل أصحاب الطبقات الذين أرخوا للفقهاء والمحدثين والمفسرين والمتكلمين والمتصوفه.

غير أن الأمر في منظومتنا الحضارية ما كان مقتصراً على تواصل المعلومات، فقد كانت الروح الحضارية تصيّر من هذه المعلومات حركة حضـارية في جميع مجالات المعرفة، وتعمل على استثمار هذه المعلومات في حقل التطوير الشامل النظري والعملي. ولهذا نشهد وحدة تطبع جميع العلوم والفنون في العالم الإسلامي القديم.

وأهم من هذا وذاك نشهد مظاهر القرية الكبيرة في روح المواساة والتعاطف التي كانت قائمة بين الأفراد والجماعات في تلك القرية الواحدة. ولو استثنينـا روح الاستئثار والجشع والطمع التي كانت مسيطرة على بعض الحكام والولاة، فإن روح الايثار والمواساة كانت هي العامة بين الناس، وروح البذل والعطاء وتقديم النفس والنفيس كانت هي السائدة في المجتمعات الإسلامية حين ينزل بها خطب أو تحل بها غاشية من غواشي الدهر أو يداهمها عدوّ معتد.

واقع العالم وواقعـنـا اليـوم

عالمنا المعاصر يشهد زوال الحواجز أمام انتقال المعلومات… هذا واحد من مقومات القرية الكبيرة، ولكن أين بقية المقومات التي تربط بين العقول والقلوب؟ ! تكاد تكون معدومة لطغيان المصالح المادية في الساحة البشرية طغـياناً يكاد يغطي على كل علاقة» إنسانية «بين المجموعات البشرية.

شبكات الاتصال ربطت بين أجزاء العالم، لكنها لم تقرّبه من التفاهم والتفاعل الحضاري، إذ جعلت منه كما ذكرت في بعض كتاباتي كبيت العنكبوت، بالمعنى العلمي لهذا البيت الذي وصفه القرآن بأنه» أوهن البيوت «لا لضعف في قواه الماديّة فعالمنا قويّ في تقنيته المتطورة، كما أنّ خيط العنكبوت أقوى من مثيلـه من الصلب ثلاث مرات … وأقوى من خيط الحرير وأكثر منه مرونة. فبيت العنكبوت واه لا في نسيجه لأنه قلعة أمينة حصينة بالنسبة لساكنه، بل هـو واهٍ في التعامل بين من يعيش فيه.

» العنكبوت الأنثى تقتل ذكرها بعد أن يلقّحها وتأكله … والأبناء يأكـلون بعضهم بعضاً بعد الخروج من البيض، ولهذا يعمد الذكر إلى الفرار بعد أن يلقّح أنثاه ولا يحاول أن يضع قدمه في بيتها. وتغزل أنثى العنكبوت بيتها ليكون فخاً وكميناً ومقتلاً لكلّ حشرة صغيرة تفكّر أن تقترب منه…

وكلّ من يدخل البيت من زوّار وضيوف يُقتل ويُلتهم…

إنه ليس بيتاً إذن، بل مذبحة يخيّم عليها الخوف والتربّص… « [١].

وما أشبه هذا البيت بواقعنا الدوليّ حيث المذابح والقمع الوحشيّ في كل مكـان، وحيث القويّ يأكل الضعيف وفق قواعد تنازع البقاء، وحيث النزاعات الطائفية والعنصرية والإقليميّة والحدوديّة تنتشر في ربوع المعمورة، وحيث التهديد الذري والنووي والكيمياوي يطالعنا كلّ يوم في عناوين الصُحف والأخبار.

أهذا العالم قرية أم بيت عنكبوت؟ !

هذا بالنسبة للواقع العالمي، أما واقعنا فلا بدّ أن نسلّط بعض الضوء عليه لنـرى مدى ما يمكن أن تعود عليه ثورة الاتصالات من آثار إيجابية أو سلبية، وكيف يمكن الاستفادة من هذه التقنيات المتقدمة لدعم ثقافتنا وحضارتنا الإسلامية ونشرها عالمياً.

أهمّ ظاهرة سلبية تطغى على عالمنا الإسلامي هي الشعور بالهزيمة النفسية، وهي أفدح حتماً من أية هزيمة أخرى في المجال السياسي والعسكري والاقتصادي. فهي أم الهزائم وأساسها، وهي هزيمة نرى مظهرها في الإحساس بالدونية، أو بعبارة أفصح الإحساس بالذلّ، وهو إحساس يفقدنا أهم دوافع» الحركة «الحضارية، وهو» العزّة «.

فالإحساس بالعزة وراء كل حركة تطورية على صعيد الفرد والجماعة. وهذا موضوع يحتاج إلى تفصيل كبير، لنعرف مدى تأكيد الإسلام بل تأكيد كل توجّه يريد أن يكون له دور على ساحة التاريخ على العزّة، وطلب العزّة أهم محركات التاريخ كما ذهب إلى ذلك (فوكوياما) حيث يرى أن للتاريخ محركين: التطور التقني والصراع من أجل الاعتراف بالوجود، أي رغبة وإرادة كل جماعة بشـرية بأن يعترف الآخرون بوجودها [١].

وأعتقد أن المحرك الأساس هو هذه الإرادة في الاعتراف بالوجود، وهي إن توفّرت توفّر معها التطور التقني وكل تطور آخر… وهذه الإرادة هي التي يُعبّر عنها بالعزّة وإرادة العزّة في تراثنا الحضاري.

المشروع الإسلامي وضع منهجاً دقيقاً وواسعاً لغرس روح العزّة في نفس الإنسان المسلم، نرى معالمه في أصول الدين وفروعه، ونرى انعكاسه في الفقه والتشريع والآداب والتعاليم، ونرى تبلوره في شعور الإنسان المسلم خلال عصـور الازدهار الحضاري بقدرته على استثمار مواهبه الذاتية ومواهـب الطبيعة وبمسؤوليته في تحرير البشرية من الجهل والظلم والظلام.

نحن إذن بحاجة أولاً إلى استعادة روح العزّة وتجاوز حالة الدونية والذلّ في مجتمعاتنا الإسلامية، وثورة الاتصالات تسهّل علينا الوصول إلى هذه الحالة إن وجهناها الوجهة التي تحيي هذه الروح وترسّخها وتدفعها على طريق العطاء، وهذه هي الناحية الإيجابية في ثورة الاتصالات، وألخصها فيما يلي:

ثورة الاتصالات على طريق العطاء

يمكن استثمار ثورة الاتصالات في إحياء روح العزّة بالسبل التالية:

١ - إيجاد مواقع واستحداث برامج بشأن» العزّة «في المفهوم الإسلامي. وأرى أن هذا المفهوم الهام غائب في تعامل المسلمين ومواقفهم، مع أنه أصـل من أصول الدين، ورعايته من أهم واجبات الإنسان المسلم، فلا نرى في سلوك الأفراد والجماعات المسلمة اهتماماً برعاية عزّة الإنسان المسلم التي أكد عليها الإسلام منذ أن تنعقد نطفة الإنسان في رحم أمه، فللجنين كرامته، وللطفل كرامتـه، وللشاب كرامته، وللشيخ كرامته، وللمعلم وللحاكم، وللمحكوم… بل ولجسد الميت كرامته… بل وحتى لغير المسلم الذي يعيش في كنف الأمة الإسـلامية كرامته …

وللإنسان بما هو إنسان كرامته… ولمراعاة هذه الكرامة أصول وواجبات صارمة… حتى أن مراعاة واجبات كرامة الإنسان أهم من مراعاة كرامة الكعبة !!

وهذا التكريم نراه أيضاً في عقيدة التوحيد التي تطرح اليوم مع الأسف غالباً بشكل جدل جاف، بل وبشكل تجريح يصادر عزّة المسلمين، بينما التوحيد يتركز على الارتباط بالعزيز القدير كي يحسّ الإنسان بالعزّة في كنفه، ولا يبتغي عزّة عند سواه:

(من كان يريد العزّة فلله العزّة جمعياً [١].

(الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزّة فإنّ العزّة للّه جميعاً [٢].

لابد من استثارة المنهج الإسلامي في صيانة العزّة وتعميق هذا المنهج، وعرضه بتفاصيله في مجال الأصول والفروع ومقارنته بواقعنا، كي يعود هذا الأصل المنسي ولو على الصعيد النظري إلى الأذهان كمقدمة لتحقيـقه على أرض الواقع.

٢ - ثورة الاتصالات توفّر لنا فرصة عرض نهضتنا الحضارية في القرون الأولى على الجيل المسلم، وما سجّله العلماء المسلمون من تقدم في جمـيع مجالات المعرفة، وما كتبه الغربيون عن هذه النهضة، وتأثيرها على النهضة الأوربية الحديثة، وذلك ما يستثير روح الاعتزاز بالانتماء الحضاري لدى الجيل المسلم، ويشكل حافزاً على تفجير الطاقات الكامنة فيه.

٣ - شبكات الاتصال توفّر المجال اللازم لكي يطلع الجيل المسلم على كـلّ ما في العالم الإسلامي من طاقات علمية ومن ابتكارات واكتشافات واختراعات، وهي بمجموعها ليست قليلة، وتثبت أن الأمة الإسلامية بإمكانها مواكبة التطور التقني في العالم إذا توفّرت الظروف المناسبة لذلك، كما أن هذه المعلومات يمكن أن تضيف لها ما تنتجه العقول الإسلامية في مختبرات الغرب ومعامله ومصانعه… هذه الأدمغة التي لم تجد من يستفيد منها في العالم الإسلامي فذهبت لخدمة التطور التقني الغربي، والاطلاع على ذلك كلّه يفجّـر روح العزّة في نفوس الجيل، ولي في ذلك تجربة من خلال أحاديثي عن التطـور الفني والتقني في إيران لإخواني العرب.

٤ - شبكات الاتصال بإمكانها أن تزيل الحواجز اللغوية والحدودية والسـياسية بين مجموعة العالم الإسلامي، وتعمّق لدى المسلم الشعور بالانتماء إلى الأمة الإسلامية، وتوجد» التعارف «بين الشعوب وبين العلماء والمثقفين والمفكرين والفنانين والأدباء، وهذا التعارف يؤدي حتماً إلى تفاعل إيجابي مثمر لاشتراك الجذور ويفجّر روح الإبداع والتطوير في جميع المجالات.

٥ - سرعة الاتصال يمكن أن تفتح أمام الدعاة المسلمين آفاق التعرف على العصر بتياراته وأفكاره، فتتسع نظرتهم ويتعمق فكرهم، ويقترب خطابهـم من روح العصر، ومن هنا يستطيعون مخاطبة الجيل المسلم، بل والعالم عامة بلغة العصر، ووفق ما يتطلبه الواقع المعاصر وما يطرحه من أسئلة واحتياجات.

٦ - سرعة الاتصال لا تساعد على» المعاصرة «فحسب، بل تفتـح أيضاً آفاق التراث بأوسع أبوابه من أجل» التأصيل «. لقد كان العلماء يجوبون الأرض للحصول على معلومة جديدة ترتبط بنص منقول أو معقول لتأصيل فكرهم ورسالتهم. وعملية التأصيل تيسرت للعلماء بعد أن أصبح الباحث قادراً أن يطّلع على أمهات المصادر في التفسير والفقه والحديث والتاريخ والكلام وعلوم الإسـلام الأخرى من خلال أقراص على الحاسوب أو مواقع على شبكات الاتصال، مع مختلف التسهيلات في البحث والعثور على المطلوب.

ومما لا شك فيه أن الجمع بين الأصالة والمعاصرة يشكل واحداً من أكبر التحديات التي تواجه مسيرة المسلمين نحو تحقيق عزّتهم. فطالما سقط أصحاب الأصالة في الجمود وطالما سقط أصحاب المعاصرة في التبعية والالتقاط، وكلا الفريقين يسيئان إلى عزّة المسلمين في الشعور والمكانة العالمية.

٧ - يشهد العالم الإسلامي اختلافات بعضها موروث من عصور التاريخ، وبعضها ناتج عن المواقف المختلفة تجاه القضايا المعاصرة. وكثير من المواقف العنيفة المتصلبة بين الفرقاء ناتجة عن عدم معرفة كل فريق بتفاصيل ما عند الفريق الآخر، وكثير من الصراعات في العالم الإسلامي ناتج عن جهل ووهم، وتُهم. وشبكات الاتصال السريع قادرة على أن تجعل المختلفين يفهم بعضهـم بعضاً مباشرة، وقادرة على أن تفتح بينهم صفحة حوار هادئ بنّاء، انطلاقاً من مبدأ حتمية الاختلاف بين الآراء، وضرورة عدم تحول الاختلاف إلى خلاف ونزاع، وبذلك نصون المسيرة من الفشل وذهاب الريح، ومصادرة العزّة.

٨ - بإمكان شبكات الاتصال السريع أن تؤسس مرجعية فكرية واحدة للمسلمين تكون أساساً لمعرفة التوجه الإسلامي العلمي الصحيح، وبذلك تخلّص المسلمين من الاجتهادات المنحرفة الجاهلة التي تظهر أحياناً على شكل اجتهادات الخوارج الذين يبيحون سفك دماء المسلمين الأبرياء، أو على شكل تيارات منحـرفة تحرّم الجهاد وتحثّ على القعود والاستسلام أمام المعتدين، أو بصورة دعوة لعزل الدين عن الحياة، أو بشكل تفسيرات متعسّفة للقرآن والتراث تخلق التشكيك والبلبلة في الأذهان.

وطالما كانت هذه الاجتهادات الجاهلة عاملاً على إذلال المسلمين داخلياً وعالمياً.

وحدة المرجعية الفكرية هذه لا تعني طبعاً وضع الإسلام والفكر الإسـلامي في قالب واحد، وفي تفسير واحد لا يقبل التعددية، ولكن تعني وضع الإطار الـعام للتعددية المقبولة القائمة على أساس فهم علمي صحيح، وإبعاد الفهم القائم على أساس الجهل والأغراض والأهواء البعيدة عن الأساليب العلمية.

٩ - شبكات الاتصال قادرة أيضاً أن تكشف للمسلمين عامة ما يحيط بهم من تحديات، وما يدبّر لهم من مؤامرات، وما ينزل بهم من ظلم وما ترتكب بمقدسـاتهم من انتهاكات، وما تتعرض له ثرواتهم من نهب وسـلب وبذلك تضعهم أمام الأخطار والتحديات، وتخلق لديهم شعوراً مشتركاً بضرورة الدفاع والمقاومة، وهذا الإحساس المشترك يستثير الحياة في النفوس، ويدفع لتحقيق الانتصار في ميادين المواجهة، وبالتالي إلى الإحساس بعزّة الأمة الإسلامية.

١٠ - تستطيع شبكات الاتصال السريع أن تفتح أمام الجيل المسلم نافذة يطلّ منها على الغرب بشكل واع بعيد عن الافراط والانبهار، والتفريط والانزواء، وبذلك يتعرّف المسلمون على ما في الغرب من نقاط ضعف ونقاط قوّة. وتبعدهم عن الإحساس بالدونية تجاه الحضارة الغالبة، وعن التبعية العميـاء لها. وتفرّق بين الحضارة والمدنية، وتخلق فيهم بدل الانفعال روحاً فاعلة تعرف ما يجب أن تأخذ وما يجب أن تترك.

هذه وأمثالها من إيجابيات شبكات الاتصال السريع، ولكن هذه الإيجابيات لايمكن أن تتحقق إلاّ إذا كان وراءها عزم إسلامي جماعي على تحقيق العزّة لأمتنا. ثـمّة مبادرات فردية أو مؤسساتية نحو هذا التوجّه الحضاري في الاستفادة من ثورة الاتصالات، غير أن المطلوب هو عمل على مستوى عظمة الأمة الإسلامية وعلى مستوى التحديات، وعلى مستوى مستقبل الإسلام في العالم. ونرجو أن يكون ذلك على رأس اهتمامات منظمة المؤتمر الإسلامي وقمتها المرتقبة.

سلبيات شبكات الاتصالات

سلبيات هذه الشبكات تتلخص في ضعفنا في استخدامها تقنية وهمة، وقوة الآخرين أيضاً تقنية وهمة وتنسيقاً وتنظيماً وتعاوناً.

وتجاوز هذه السلبيات يتطلب عزماً على مستوى الأفراد والمؤسسات وهو موجود إلى حدّ لا بأس به، ويتطلب عزماً على مستوى الحكومات - وهو الأهم - ونأمل أن يتحقق ولو بأشواط في القمة الإسلامية القادمة.

أهم مظاهر السلبيات

١ - تدفق المعلومات من جانب واحد، فالعالم الإسلامي يكاد أن يكون متلقياً لضعف ما يرسله تجاه ما يتلقاه، وعدم التكافؤ هذا يعمّق الشعور بالهزيمـة، ويسخّر العقول والنفوس لما يخطط له الأقوياء من أجل السيطرة على الضعفاء، ناهيك عمّا يحمله هذا التدفق من معلومات خاطئة وتشويهات وإساءات للإسلام والمسلمين. ولا بد من السعي نحو الارتفاع إلى مستوى مخاطبة الأمة بل ومخاطبة العالم عن طريق هذه الشبكات لخلق نوع من النديّة في مجال إرسال المعلومات.

٢ - ثمة تحرك سريع ومشهود لاستثمار هذه الشبكات من أجل تعميق التفرقـة المذهبية والطائفية بين المسلمين. ومن الممكن جداً أن يكون وراء هذه الحركة دوائر مشبوهة مرتبطة بالقوى المتربصة بالمسلمين. ومن الممكن أن يكون وراءها روح التعصب والجهل وضيق النظر الموجود بين فئات من المسلمين.

خطاب التقريب بين المذاهب الإسلامية يكاد أن يكون معدوماً على الشبكات، وهو خطاب له رصيد علمي وضرورة دينية وضرورة يفرضها واقع المسلمين، لكنه غائب تقريباً مع الأسف، والبارز هو التراشق المذهبي المؤسف بين مواقع سنية ومواقع شيعية على الإنترنت، وكلها تتجه نحو استثارة الحساسيات التاريخيـة، واستعداء المسلمين تجاه بعضهم، وتفرقة الصفوف، ونسـيان الأهداف الكبرى، وبالتالي تعميق حالة الدونية أو الذل بين المسلمين.

٣ - ثمة خلافات في الحدود أو المصالح أو الرؤى بين البلدان الإسلامية، كثير منها مفتعل موروث من عصر الاستعمار ومعاهدات التقسيم. هذه الخلافات يمكن أن تؤثر سلباً على الإحساس بالانتماء الحضاري إلى الأمـة وتكرّس الإقليمية والنظرات الضيقة وتثير النزاعات والحروب إن لم تعالج في إطار الأسرة الواحدة ووفق أسلوب متعقل يقطع الطريق على الباحثين عن الثغرات ونقاط الضعف.

ومن المؤسف أن هذه الخلافات وجدت لها مواقع على شبكات الاتصال من شأنها أن تكرّس الخلاف وتؤجّج الصراع، وتعكس انطباعاً غير حضاري عن عالمنا الإسلامي إلى العالم يسيء إلى كرامة الأمة.

٤ - لشيوع مواقع الجنس الفاضح على الإنترنت أصبحت هذه الشـبكة مقرونة في ذهن الكثيرين بالدعارة والإثارة الجنسية.

ولدي وثائق كثيرة لا ترقى إلى حدّ القطع واليقين تدل على:

أولاً - أن وراء هذه الموجة الصارمة من إشاعة شبكات الدعارة والإثارة الجنسية يهود صهاينة هدفهم استحمار الشعوب وإغراقها في الشهوات وأمراض الجنس، وإبعادها عن كرامتها الإنسانية وشخصيتها الرسالية، وهي مسألة تتطلب دراسات ميدانية ومتابعة جادّة لمعرفة أساليب الصهيونية في السيطرة على العالم.

ثانياً - أن أكثر زبائن هذه الموجة هم من الشعوب التي يهبط عندها مستوى الاحساس بالعزّة والكرامة. وهي غالباً شعوب ما يسمى بالعالم الثالث، فاستفحال الشهوات مقرون دائماً بالشعور بالذلّ والدونية، وثمة نصّ في تراثنا عن الإمام علي عليه السلام يوضح هذه الحقيقة حيث يقول: (من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته)، فالشهوات تأخذ مكانها الطبيعي في نفس الإنسان الكريم، أمـا الذليل فتطغى فيه الشهوات المادية، كأنه يريد بذلك أن يثبت وجوده المصادَر وشخصيته المهزوزة بهذه الممارسات.

من هنا فلا سبيل لتحصين أمتنا من هذه الموجة وأمثالها من الأمواج الهدامة التي تستهدف هويتنا وشخصيتنا إلاّ برفع مستوى الإحساس بالعزّة والكرامة لدى أبناء شعوبنا.

كلمة ختاميـة:

بقي أن أقول إن شبكات الاتصال من الممكن أن تكرّس تجزئتنا وتخلفنا إن لم نحسن استعمالها ولكنها - مهما أحسنّا استعمالها - لا تهب لنا العـزّة والكرامة، بل تستطيع أن تكون مكملة لمشروع نهضوي، تشترك فيه السياسة والاقتصاد والتخطيط التعليمي والتربوي لاستنهاض مقومات الحركة الحضارية في مجتمعاتنا، وكلّ هذه المقومات موجودة، لكنها تتطلب إرادة جماعـية لتفعيلها.

وبدون وجود هذه الحركة الحضارية يتحول الجانب الإيجابي الموجود من شبكات الاتصال إلى معلومات متراكمة لا يستطيع متلقيها أن يحلل ويستنتج ويستثمر.

المقدمـة

٣

موقع العلاقات العربيـة - الإيرانيـة

في إطار العالم الإسلامي

٥

أولاً - واقع الأمة الإسلامية بين الوحدة والتجزئة

٧

ثانياً - خصوصية العلاقة بين إيران والعالم الإسلامي

١٣

ثالثاً - الظاهرة القومية

١٩

رابعاً - التجزئة الطائفية

٢٤

خامساً - تصحيح الصورة

٣٠

سادساً - الخطاب الإسلامي

٣٣

سابعاً - الوجه الإنساني للإسلام

٣٤

ثامناً - الحوار الحضاري

٣٨

تلخيص واستنتاج

٤١

العلاقات الثقافية بين إيـران والعـرب

الحاضر وآفاق المستقبل

٤٣

معنى الثقافة ودورها

٤٧

حاضر العلاقات

٤٩

خطوط التواصل الراهنة

٥٤

مجالات المستقبل

٦٣

ملحق [١] مركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية

٦٥

ملحق [٢] مجالات تنشيط التعاون الثقافي

٦٩

ثلاثة شـعراء عرب في إيران

٨٩

أبو تمام

٩١

المتنبي

١٠٩

الجواهري

١٣٠

أدباء إيرانيون في دراسات سيد قطب

١٥٥

عمر الخيام

١٥٩

بشار وأبو نواس

١٦٢

ابن قتيبة وأبو هلال

١٦٦

عبد القاهر الجرجاني

١٧١

حافظ الشيرازي

١٧٧

الثقافـة الإسـلامية وعولمة الاتصال

١٨٩

كنا قرية كبيرة

١٩١

واقع العالم وواقعنا اليوم

١٩٣

ثورة الاتصالات على طريق العطاء

١٩٧

سلبيات شبكة الاتصالات

٢٠٣

* - القي في الندوة العالمية المنعقدة بالدوحة - قطر خلال الأيام ٢٧ - ٣١ أكتوبر ٢٠٠٠ تحت عنوان» القدس ودائرتها الحضارية العربية الإسلامية». في إطار مؤتمر القمة الإسلامي التاسع.

[١] - مصطفى محمود، محاولة لتفسير عصري للقرآن، ص ٣٧٣ - ٣٧٤.

[١] - فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، مركز الانماء القومي، بيروت ١٩٩٣، ص ٣٦ - ٣٩.

[١] - فاطر / ١٠.

[٢] - النساء / ١٣٩.



[ Web design by Abadis ]