ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 أدبـاء إيرانيون في دراسات سيّد قطب

عالم» الأدب «هو عالم» الإنسان «بكل ما فيه من أبعاد واسعة تتجاوز الدائرة العقلية الباردة، وتتجاوز الساحة المادية المنظورة. إنه عالم» العرفان «والتحليق في ذروة ما يتهيأ للإنسان من سمو في عالم النور والضياء والإشراق.

الأدباء الحقيقيون» عرفاء «يعيشون أجواء» نفخة «رب العالمين في هذا الموجود الطيني، ويخاطبون ما في نفس البشر من معطيات هذه النفخة، ومن هنا فان الأديب الحقيقي ليس ملكاً لشعبه وأمته، بل هو ملك للإنسانية جمعاء.

» سيد قطب «من الذين فهموا معنى الأدب وارتفعوا في آفاقه، وأدركوا دوره في خطاب مشاعر الإنسان، واستخدموه استخداماً إنسانياً وبذلك ارتفع خطابه إلى مستوى الإنسانية، واتسم بالحرارة والتوهج والإشراق.

لا نريد هنا أن نبيّن معنى» الأدب «كما فهمه سيد قطب، ولا أن نتحدث عن خصائص مدرسته الأدبية والنقدية فلذلك مجال آخر. بل نريد فقط أن نستعرض وقفاته مع» الأدباء الإيرانيين «وهو استعراض نستهدف منه:

١ - تقديم نموذج لزوال الحواجز القومية في عالم الأدب.

فعالم الأدب إنساني رفيع يجمع على ساحته كل البشرية بمختلف قومياتها ولغاتها، ولذلك كان عالم الأدب أهم الساحات المناسبة لدعاة» التقريب «و» حوار الحضارات «و» وحدة الإنسانية «.

٢ - إذا كان الانفتاح بين الآداب العالمية ضرورياً، فهو بين الآداب المنتمية إلى تربة حضارية واحدة أكثر ضرورة، ومن تلك الأدب العربي والأدب الفارسي.

٣ - ثمة نظرات ضيقة تطرح في ساحة الأدب، تحصر وظيفة الأدب بالخطاب الوعظي عن الفضيلة والرذيلة، ولذلك تبتعد عن كل ما سوى ذلك من الأدب، بينما نرى سيد قطب يرى الأدب عامة والشعر بشكل خاص بأنه الغناء، الغناء المطلق، بما في النفس من مشاعر وأحاسيس وانفعالات [١].

وليس من غاية العمل الأدبي أن يكون مكلفاً أن يتحدث مثلاً عن صراع الطبقات، أو أن يتحول إلى خطب وعظية عن الفضيلة والرذيلة… إلاّ أن يصبح أحد هذه الموضوعات» تجربة شعورية خاصة للأديب « [٢]. بهذه النظرة الواسعة للأدب قرأ» سيد «"الخيام" و"حافظ" و"بشار" و"أبا نواس"، وقدّم أجمل النظرات النقدية بشأنهم.

عمر الخيام

أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيّام، وقيل الخيّامي، وهو شخصية غامضة، فهناك شخصية علمية معروفة في النجوم والحكمة باسم عمر الخيام وصفوه بأنه تلو ابن سينا، ولا يعرف أهو صاحب الرباعيات أم لا، واختلف في محل ولادته، والأكثر على أنه ولد في نيشابور. وتاريخ مولده غير معروف ويظهر أنه عاش في النصف الأول من القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجري.

أول من ترجمها من الفارسية إلى الإنجليزية فيتزجيرالد Fitzgerald، ثم ترجمت إلى العربية وعدد الدكتور يوسف حسين بكار عدد الترجمات العربية فكانت خمساً وخمسين، أشهرها ترجمات محمد السباعي، والزهاوي، وأحمد الصافي النجفي، وأحمد رامي [٣].

رحلـة في عالم ممتاز

يرى» سيد قطب «أن الأدب له قيمته الكبرى في الحياة لأنه التعبير عن تجربة شعورية تعبيراً موحياً مثيراً للانفعال في نفوس الآخرين.

ويطرح السؤال: هل يستحق الأدب من الإنسانية أن تشغل به نفسها في فترات من هذه الحياة المعدودة؟

ويجيب: أن نعم فليس بالقليل أن يضيف الفرد الفاني المحدود الآفاق إلى حياته صوراً من الكون والحياة، كما تبدو في نفس إنسان ملهم ممتاز هو الأديب.

وكل تجربة شعورية يصورها أديب تصبح ملكاً لكل قارئ مستعد للانفعال بها، فإذا انفعل بها فقد أصبحت ملكه، وأضاف بها إلى رصيده من المشاعر صورة جديدة ممتازة [٤].

» سيد «ينظر إلى الإبداع الأدبي بأنه ثروة شعورية، وأن لكل أديب طبيعته الشعورية الخاصة التي لا يشاركه فيها أديب آخر، وأن الانفعال بهذا النتاج الأدبي إثراء لرصيد الإنسان من المشاعر. وكل لحظة يمضيها القارئ المتذوق مع أديب عظيم هي رحلة في عالم، تطول أو تقصر، ولكنها رحلة في كوكب متفرّد الخصائص، متميز الصفات.

بهذه النظرة المنفتحة الإنسانية العميقة للأدب يتناول» سيد «نماذج من الآداب العالمية لطاغور، وتوماس هاردي، كما له وقفة مع الخيام.

يذكر بعض رباعياته بترجمة أحمد رامي ومطلعها:

سمعت صوتاً هاتفـاً في السـحر

نادى من الحان: غفـاةَ البشـر

هبوا امـلأوا كأس الطّلى قبل أن

تفـعم كأس العمر كـف القـدر

والطريف أنه لا يقف من هذه الرباعيات موقف الرافض لأنها تتعارض مع تصوره للكون والحياة. بل يرى فيها تصوراً أدبياً فريداً، ورحلة في عالم ممتاز. رحلة مضنية ولاشك، ولكنها لذيذة، لذة الألم، ذلك الزاد الإلهي الذي تقتاته الأرواح [٥].

يقول: مادمنا قادرين على أن نعيش تجارب هؤلاء الأدباء - مرة أخرى - وننفعل بها كما انفعل أصحابها، فان هذا رصيد يضاف إلى أعمارنا، وزاد يضاف إلى أزوادنا في الرحلة القصيرة المحدودة على هذا الكوكب الأرضي الصغير [٦].

بشار وأبو نواس

عَلمان من أعلام الشعر العربي في العصر العباسي الأول، بشار بن برد إيراني ولد بالبصرة لأوائل العقد العاشر من القرن الأول الهجري، ويعتبر أول مجدد في الشعر العباسي [٧].

وأبو نؤاس، الحسن بن هاني، ولد سنة ١٣٩ بالأهواز ثم انتقل صبياً إلى البصرة ويعد من أعاجيب عصره في الشعر. اشتهر بالغزل الفاحش والخمريات، وفي شعره كثير من الألفاظ الفارسية [٨].

الأصداء القصيرة

أشعار أمثال بشار وأبي نؤاس في رأي» سيد «ذات بعد لا يتجاوز حيزاً محدوداً، وذات لحن واحد قصير الأصداء.

ويطرح على نفسه تساؤلاً بالنسبة إلى شعر الخيام، فانه أيضاً لا نسمع منه إلا لحناً واحداً كذلك.

ويجيب: ولكنه هنالك لحن الإنسانية جميعاً أمام الغيب المجهول، لحن اللهفة البشرية الخالدة لاستجلاء ذلك الغيب المجهول [٩].

هذه نظرة هامة يطرحها» سيد «في تمييز الإبداع جيده من رديئة، وهي نظرة نقدية هامة تفهم الأديب بأنه الإنسان القادر على أن يوصل قارئه وسامعه بالحياة الكبيرة الفسيحة من خلال شعوره الذاتي بالحياة.

ويفهم الشعر بشكل خاص بأنه الغناء المطلق بما في النفس من مشاعر وأحاسيس وانفعالات، حين ترتفع هذه المشاعر والأحاسيس عن الحياة العادية، وحين تصل هذه الانفعالات إلى درجة التوهج والإشراق، أو الرفرفة والانسياب على نحو من الأنحاء [١٠].

ويقف» سيد «عند بعض قصائد بشار ومقطوعاته أمثال:

يا ليلتـي تـزداد نُكـرا من حـبّ من أحببت بكـرا

حـوراء إن نظـرت إليـك سـقتـك بالعينيـن خـمـرا

وقوله:

وكاعب قالت لأترابها

يا قوم ما أعجب هذا الضرير

هل يعشق الإنسان مالا يرى؟

فقلت، والدمع بعيني غزير

إن كان عيني لاترى وجهها

فإنها قدصورت في الضمير

ويقف عند بعض قصائد أبي نؤاس مثل قوله في قصيدة مطلعها:

ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا وأملّه ديك الصباح صياحا

وقوله في قصيدة مطلعها:

قل لمن يبكي على رسم درَس واقفا ما ضرّ لو كان جلس

وقوله في قصيدة مطلعها:

لدوا للموت وابنـوا للخـراب فكلـهم يصير إلى ذهـاب

يعلّق على هذه الأشعار بأنها ركن ضيق لا ترى فيه عالماً لاكبيراً ولا صغيراً، فيه صدق فني عن طبيعة محدودة، ونموذج من النفوس الحسية القريبة الأبعاد، وإن جادت أحيانا بشعور عميق.

معيار» الأديب الكبير «و» الشاعر الكبير «في رأي سيد قطب هو قدرته على أن يصلنا بالكون الكبير، والحياة الطليقة من قيود الزمان والمكان [١١].

وليس معنى هذا أن الشاعر الكبير هو الذي يتناول القضايا الكبرى والأحداث الهامة ذات الأبعاد الاجتماعية والزمانية الواسعة. لا بل إنه يستطيع أن يظهر قدرته المذكورة وهو يعالج المواقف الصغيرة، واللحظات الجزئية، والحالات المنفردة.

الشاعر الممتاز هو الذي يتصل بالآباد الخالدة والحياة الأزلية، أو بالحياة الإنسانية خاصة والطبيعة البشرية، وينقلنا إليها.

من هنا فإن الشعراء الممتازين في رأي» سيد «هم أمثال: ابن الرومي والمتنبي والمعري.

والشعراء المحدودون في رأيه هم أمثال: بشار وأبي نؤاس، وعمر بن أبي ربيعة، وجميل بثينة.

والشعراء الصغار أمثال البهاء زهير وإخوانه.

والنظامون وهم دون هؤلاء الصغار.

ابن قتيبة وأبو هلال

ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن سلم بن قتيبة الدينوري، ولد سنة ٢١٣هـ ببغداد وقيل بالكوفة، إيراني من مرو بخراسان، يعدّ أكبر مؤلف أدبي ظهر بعد الجاحظ، وفي عيون الأخبار تظهر ثقافته الواسعة في آداب الفارسية والعربية إلى جانب الهندية واليونانية [١٢].

وأبو هلال، الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري، تلقى العلم في بغداد والبصرة وأصفهان، توفي سنة ٣٩٥ هـ، واشتهر بكتابه: » الصناعتين: النظم والنثر « [١٣].

أصحاب الدلالـة المعنوية

ثمة اتجاه ظهر في النقد الأدبي يركز على الدلالة المعنوية للأدب، ويهمل العناصر الأخرى في العمل الأدبي. هذا ظهر في» المدرسة العقلية «للنقد الأدبي الحديث، كما ظهر في القديم لدى ابن قتيبة في كتابه: » الشعر والشعراء «ولدى أبي هلال العسكري في كتابه: » الصناعتين «.

كلاهما وقف عند الأبيات التالية:

ولما قضينا من منى كل حاجـة

ومسح بالأركان من هـو ماسح

وشدّت على حدب المطايا رحالنا

ولم ينظر الغادي الذي هو رائـح

أخذنـا بأطراف الأحاديث بيننـا

وسالت بأعناق المطيّ الأباطـح

ابن قتيبة نثر هذه الأبيات على النحو التالي: » لما قطعنا أيام منى، واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الانضاء، ومضى الناس لاينظر الغادي الرائح، ابتدأنا في الحديث، وسارت المطيّ في الأبطح «.

وعلّق على هذه الأبيات بقوله أنها شعر» حسن لفظه وعلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك طائلا «.

أما أبو هلال العسكري فقد نثر الأبيات بقوله: » وإنما هي: ولما قضينا الحج، ومسحنا الأركان، وشدت رحالنا على مهازيل الإبل، ولم ينظر بعضنا بعضا… جعلنا نتحدث وتسير بنا الإبل في بطون الأودية «. وقال عنها: » وليس تحت هذه الألفاظ كبير معنى «.

ويقول» سيد «بشأن هذه الطريقة النقدية: » إنها غير مأمونة، لأنها تخرج من الحساب ذلك التناسق التعبيري الخاص، وذلك الإيقاع الناشئ من التناسق، وتلك الصور التي يشعها التعبير، ولاتبقي سوى المعنى الذهني العام. وهو عنصر واحد من عناصر كثيرة تؤلف الدلالة الكاملة للتعبير الأدبي « [١٤].

فالعبارة تستمد دلالتها - في العمل الأدبي - على رأي سيد:

- من مفردات الدلالات اللغوية للألفاظ.

- ومن الدلالة المعنوية الناشئة عن اجتماع الألفاظ وترتيبها في نسق معين.

ـ ومن الإيقاع الموسيقي الناشىء من مجموعة إيقاعات الألفاظ متناغماً بعضها مع بعض.

- ومن الصور والظلال التي تشعها الألفاظ متناسقة في العبارة.

من هنا لا يمكن أن نحكم على قيمة العمل الأدبي من معناه فقط، ويضرب على ذلك مثالاً ببيت من البحتري في مطلع الربيع:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً من الحسن حتى كاد أن يتكلما

يقول سيد: هذا البيت بنسقه ونظمه وألفاظه هذه هو الذي يعبر عما خالج نفس البحتري من الإحساس بالربيع، وهو يحسّ الجمال الحي المتفتح، ويخيل إليه أن هذا الربيع يختال ضاحكاً من الحسن، ويهم بالكلام لفرط ما في أعطافه من الحيوية والتفتح والابتسام. فإذا نثرناه هكذا: » جاء الربيع الطلق يختال من الحسن ويضحك حتى ليكاد أن يتكلم «فان هذا النسق لا يفي بتصوير الحالة الشعورية التي مرّت بالشاعر، لأنه يفقد جزء من إيقاعه الموسيقي الذي اختاره، والذي يشترك في تصوير الحالة التي تخيلها الشاعر للربيع، وتصوير الحالة التي كان الشاعر عليها وهو يتلقى صورة الربيع في حسّه وتصويره [١٥].

وماذا بشأن الترجمة؟

هذا سؤال يطرحه» سيد «على نفسه حين يقرر أن النص الأدبي يفقد قيمته الأدبية إن فقد ألفاظه وعباراته، والترجمة تفقد النص نهائياً جميع ألفاظه وعباراته، ومع ذلك نتخذها وسيلة لتذوق الآداب؟

ويجيب: أن نعم، ولكنها وسيلة اضطرارية. ونحن نقبلها حين لا تكون هناك وسيلة أخرى لتذوق الآداب سواها.

نعم، يستطيع المترجم أن ينقل قسطا من الصور والظلال والإيقاع إذا استطاع أن يختار في لغة ألفاظاً وعبارات مشعة ومنغّمة تكافئ ألفاظ المؤلف وعباراته في لغته الأصلية [١٦].

وهذه حقيقة نتلمسها في ترجمة الشعر بل حتى في ترجمة النصوص الأدبية الرفيعة، مثل ترجمة القرآن الكريم ونهج البلاغة [١٧].

من هنا لا يمكن أن نوافق على ما قاله العقاد والمازني في كتاب» الديوان «بشأن مقياس الأدب، إذ اعتبرا هذا المقياس أن يستطاع نقله إلى أية لغة أخرى دون أن يفقد شيئاً من قيمته. فتلك مغالاة ناتجة عن معارك أدبية ترتبط بظروفها.

عبد القاهر الجرجاني

عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني الفارسي الأصل الجرجاني الدار، كان ذا ثقافة عميقة وله في النحو مؤلفات، من أول من حاول أن يستكشف مواطن الإعجاز في القرآن الكريم، واشتهر بكتابيه: » أسرار البلاغة «و» دلائل الإعجاز «، توفي سنة ٤٧١هـ [١٨].

الناقـد الفـذ

أهم وأطول وقفة» لسيد «في نقده الأدبي عند عبد القاهر الجرجاني. فهو يهدي كتابه إلى» روح الإمام عبد القاهر، أول ناقد عربي أقام النقد الأدبي على أسس علمية نظرية، ولم يطمس بذلك روحه الأدبية الفنية، وكان له من ذوقه النافذ، وذهنه الواعي، ما يوفق بين هذا وذاك، وفي وقت مبكر، شديد التبكير « [١٩].

يرى» سيد «أن عبد القاهر هو الفذ بين النقاد والبلاغيين [٢٠]. وهو بهذه العبارة لا يفرق بين النقاد والبلاغيين لأن مباحث البلاغة إلى ذلك الحين كان لها طابع نقدي عام. ويرى أن مباحث البلاغة على ذلك النحو تكون القاعدة الأولى للنقد الأدبي، ويرى أيضاً أن البلاغة قد فسدت بعد ذلك بالقواعد الحرفية على أيدي السكاكي والخطيب وسواهما (تأمل بدقة).

» نظرية النظم «في» دلائل الإعجاز «

يسمى» سيد «ما توصل إليه عبد القاهر في كتابه دلائل الإعجاز بنظرية النظم ويرى أنه أول من قررها في تاريخ النقد الأدبي.

وخلاصة هذه النظرية: أن ترتيب المعاني في الذهن هو الذي يقتضي ترتيب الألفاظ في العبارة، وأن اللفظ لا مزية له في ذاته، وإنما مزيته في تناسق معناه مع معنى اللفظ الذي يجاوره في النظم - أي تنسيق الكلمات والمعاني بحيث يبدي النظم جمال الألفاظ والمعاني مجتمعة - وأن الجمال الفني رهين بحسن النسق أو حسن النظم، كما أنه لا اللفظ منفرداً موضع حكم أدبي، ولا المعنى قبل أن يعبر عنه في لفظ، وإنما هما باجتماعهما في نظم يكونان موضع استحسان أو استهجان [٢١].

ويضرب عبد القاهر الجرجاني لنظريته مثالاً من قوله تعالى: (يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي، وغيض الماء، وقضي الأمر، واستوت على الجودي، وقيل بعداً للقوم الظالمين (، وملخص ما يقوله الجرجاني بشأن هذه المقطع القرآني [٢٢] أن كل كلمة من هذه العبارات القرآنية لو أخذتها لوحدها كقوله تعالى: (ابلعي (فإنها لا تؤدي من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية. وعظمة الآية يأتي مما بين معاني الألفاظ من اتساق عجيب:

فالأرض نوديت، بـ» يا «دون» أي» فلم يقل: يا أيتها الأرض. ثم أضيف الماء إلى ضمير الكاف، ولم يقل: ابلعي الماء، ثم أتبع ذلك بأمر السماء بما يخصّها، تم قال: (وغيض الماء (بالفعل المجهول على أنه لم يغض الماء إلا بأمر الله سبحانه، ثم تأكد ذلك بقوله: (وقضي الأمر (، ثم ذكرت فائدة ذلك كله بقوله: (واستوت على الجودي (بإضمار السفينة للدلالة على عظمة الشأن، ثم مقابلة» قيل «في الخاتمة بـ» قيل «في الفاتحة.

ويستنتج عبد القاهر من ذلك: » أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ «.

وسيّد إذ ينقل هذه النظرية بنصوص من عبد القاهر دون أن يشرحها يبدي إعجابه بها وبقدرة صاحبها أن يقرر نظرية هامة كهذه - عليها الطابع العلمي - دون أن يخلّ بنفاذ حسّه الفني في كثير من مواضع الكتاب، لكن سيّد يختلف مع صاحب دلائل الإعجاز لإغفاله قيمة اللفظ الصوتية مفرداً ومجتمعاً مع غيره، وهو ما يسميه» الإيقاع الموسيقي «، كما يغفل في كثير من الأحيان الظلال التي يشعّها اللفظ [٢٣]، ويقصد بالظلال: المدلول الشعوري الذي يشمل المدلول الذهني إضافة إلى الذكريات الغامضة والواضحة التي ترسبت على اللفظ في نفس الإنسان [٢٤].

نظرية» التأثير النفسي «في» أسرار البلاغة» [٢٥]

يرى سيّد أن عبد القاهر صاحب نظرية نفسية في النقد والبلاغة يقيمها على أساس» أن مقياس الجودة الأدبية تأثير الصور البيانية في نفس متذوقها «. والفكرة إنسانية قديمة لكن صاحب الأسرار حولها إلى نظرية، بعد أن عرضها وحققها وعللها واستقرأ أمثلتها، وأزال ما يعرض لها من شبهات، وحاول تطبيقها في ميدان الدراسة الخاصة.

يطرح عبد القاهر فرضيته بالشكل التالي:

» فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعراً أو يستجيد نثراً، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ فيقول: حلو رشيق، وحسن أنيق، وعذب سائغ، وخلوب رائع، فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى جرس الحروف وإلى ظاهر الوضع اللغوي، بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل يقتدحه العقل من زناده «.

ثم يطبق هذه الفرضية في أبواب بلاغية مختلفة، ويرجع سر تأثير كل فن بلاغي إلى علل وأسباب نفسية.

يقول في التشبيه مثلاً: » إذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد كان إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب، وذلك أن موضع الاستحسان، ومكان الاستظراف، والمثير للدفين من الارتياح…. أنك ترى بها للشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين….

والمعنى إذا أتاك ممثّلاً فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة وتحريك الخاطر له، والهمّة في طلبه، وما كان منه ألطف كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجابه أشدّ، ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له، والاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالميزة أولى، فكان موقعه في النفس أجل وألطف، وكان به أضنّ وأشغف «.

التشبيه إذن يؤثر في السامع بسبب الارتياح الذي يحصل له في نفسه حينما يرى شيئين متباعدين يجمعهما صورة واحدة، وحين ينال الصورة بعد طلب واشتياق.

ومن هنا فان الشعر الرمزي لا يكون مذموماً إذا كان بالإمكان فهمه بعد جهد واجتهاد، بل إن قارئه سيشعر بلذة إن فهمه بعد أن تأبّى عليه، وهي طبيعة نفسية في الإنسان لايستهويه الظاهر المكشوف بقدر ما يجتذبه الخفي المستور.

حافظ الشيرازي

الخواجة شمس الدين محمد حافظ الشيرازي، أشهر شعراء الفارسية في القرن الثامن الهجري، لقب بلسان الغيب وترجمان الأسرار. ولد في شيراز من مدن محافظة فارس الحالية وعاش وتوفي فيها، ومقبرته معروفة تسمى بالحافظية [٢٦]. وسمي» حافظ «لأنه حفظ القرآن الكريم. وديوانه متداول في كل بيت إيراني، وترجم إلى لغات عديدة، وترجمه إلى العربية نظما ونثرا الدكتور إبراهيم أمين الشواربي مع مقدمة للدكتور طه حسين.

وقفـة عند حافـظ

عند صدور» أغاني شيراز «للدكتور إبراهيم أمين الشواربي وهو يضم ترجمة منظومة ومنثورة لأشعار حافظ الشيرازي سارع سيد قطب لاقتناء الكتاب والتعليق عليه، وأظن ظناً أن إقبال الأدباء والنقاد المصريين على ترجمة ديوان حافظ ينطلق من شوق دفين لديهم إلى تراث الشرق لخصلتهم الشرقية العميقة، ولسأمهم من كثرة ما طالعوه من ترجمات الأدب الأوربي التي لاتنسجم في كثير من نفحاتها مع روح الشرقيين.

الدكتور طه حسين في مقدمته للترجمة يشير إلى ذلك، وهكذا الشاعر محمد مهدي الجواهري يصرّح بذلك لدى ترجمته بعض أشعار حافظ الشيرازي [٢٧].

وسيد يتحدث عن مشاعره مع أغاني حافظ فيقول:

» عشت أياماً جميلة مع "حافظ " أتاحها لي ولقراء العربية الدكتور إبراهيم أمين. لست أدري كيف أشكره، فهذه الساعات الحلوة التي أتاحها لي لا تقدّر بثمن تكافئ من ينقلك من الأيام الثقيلة الصاخبة الكئيبة، إلى جو طليق هادئ رفاف تشيع فيه الأنداء والأضواء، وترف فيه الأنسام والألفاظ، ويستقبلك بالطلاقة والبشر والإيناس!

لقد أخلدت - مع حافظ - إلى الغناء العذب بروح صادقة، لاتكدرها شوائب الحياة، ولا هموم العيش، ولا أحقاد الناس، ولاتفسدها كذلك غواشي القلق، ولا هموم الفكر، ولا الجدل الذهني العقيم.

كأس من الخمر، ووجه جميل، ورفاق مسعدون، وطبيعة باسمة. وعلى الدنيا السلام…. !

» أي شيء أجمل من رفقة الأحباب، والتمتع باللهو والرياض والربيع الجميل؟ فأين الساقي؟ قل له: ما هذا الانتظار الطويل؟ واعتبر ما يتهيأ لك من طيب الوقت فرصة عزيزة وغنيمة كبيرة. فلا علم لأحد بما تكون عليه نهاية الأمور « [٢٨].

ويشير» سيد «إلى أغاني شيراز وما فيها من عطاء للعالم العربي، ويركز على النقاط التالية:

ـ زيادة ثروة الأدب العربي، وإثارة ألوان جديدة من التفكير وفنون من الشعور الخصب.

- زيادة رصيد الغناء في الشعر العربي.

- استرواح عطر الشرق البعيد وبساطته ومرحه، وغيبيته وتصوفه.

ثروة وألوان جديـدة

يستشهد سيد بفقرة من مقدمة الدكتور طه حسين حيث يقول:

» …. وهذه طرفة أخرى نفيسة رائعة، يسعدني أن أطرف بها قراء العربية! لأنها ستمتعهم من جهة، ولأنها ستزيد ثروة الأدب العربي من جهة أخرى، ولأنها بعد ذلك ستثير في نفوس الكثيرين منهم ألواناً من التفكير المنتج، وفنوناً من الشعور الخصب، ولعلها أن تفتح لبعض الشباب أبواباً في الحس والشعور والتفكير لم تفتح لهم من قبل « [٢٩].

ويعلق على ذلك بقوله:

» وهذه نبوءة تصح من غير شك لو خلي بين الأدباء - الشبان خاصة - وهذه المجموعة من شعر حافظ. فان قلة النسخ المطبوعة منها، وارتفاع ثمنها بالقياس إلى مقدرة هؤلاء الشبان، قد يجعلان الانتفاع بها محدوداً في الوقت الذي يجب أن تكون في متناول الأيدي جميعاً «.

حافظ والغناء في الشعر العربي

يرى سيد أن» أغاني شيراز «ستعمل على تغذية الشعر العربي بالروح الغنائية بعدما غرق الشعر العربي الحديث في موجة فكرية، يقول:

» إن هذه الأغاني تجيء في وقتها المناسب - والشعر العربي يعاني أزمة يحتاج فيها إلى مثل هذا الزاد - فلقد آن للشعر أن يكون غناء بحتاً، بعدما طوح بنفسه في مجالات لم تعد له، أو لم يعد يبدو فيها بأجمل ألوانه… طوح بنفسه في مجال الفلسفة، وفي لجج الفكر، كما أخذ يطوح بنفسه كذلك في مجال القصة والمسرحية وما إليها، بعد أن عادت روح العصر لا تهش للقصة، ولا للمسرحية الشعرية « [٣٠].

ويرى أن سبب طغيان الموجة الفكرية في الشعر العربي المعاصر يعود إلى اهتمام الشعراء المعاصرين بمواجهة موجة الأسلوب اللفظي أو الإيقاعي التي اهتمت بالمحسنات البديعية الجوفاء والإيقاع الموسيقي الذي لا يتسم بالحياة ولا بالجدية. يقول:

» والموجة الفكرية الفلسفية في الشعر العربي الحديث، كانت ضرورة في وقت من الأوقات، لأنها كانت رد فعل طبيعي لموجة أخرى سبقتها. موجة الأسلوب اللفظي، أو الأسلوب الإيقاعي. فكانت مهمة الموجة الجديدة أن تدخل القصد والمعنى إلى الأدب، وأن تمد الشعر بروافد نفسية وفكرية حية، لتنقذه من ذلك العبث بالمحسنات البديعية الجوفاء، ومن الإيقاع الموسيقي الذي لا يحمل وراءه حياة ولا جداً. وقد استطاعت أن تحيي الشعر العربي وتجدد مجده، وتزيد عليه متاعاً قيماً من صور الحالات النفسية الصادقة. عبرت عنها بدقة بالغة فأوجدت في الشعر العربي لوناً جديداً حقاً. ولكنها وقفت بالشعر الحديث حيث لا يجوز الوقوف، قصت من أجنحته المرفرفة. وغضت من غنائيته المنغمة، وأقلت فيه من السبحات والومضات، وجعلت عنصر الوعي الفكري بارزاً فيه « [٣١].

وما هي مهمة الشعر إذن؟ يقول سيد إن الشعر:

» يجب أن يكون تعبيراً عن لحظات الإشراق والتهويم، ولحظات التوهج والانطلاق في النفس الإنسانية، تلك اللحظات التي يستحيل فيها الشاعر روحاً أكثر ما تكون تجرداً، أو حساً أشد ما يكون توهجاً. تلك اللحظات التي ينطلق فيها التعبير كأنما يكون نفسه - وإن كان الوعي يعمل فيه - وهي لحظات يعرف مثلها كل شاعر ملهم في حياته الطويلة. وما عداها من اللحظات والحالات فغير جدير بالشعر في اعتقادي، أو أنه من الدرجة الثانية أو الثالثة في حياة الشاعر الفنية « [٣٢].

وعن دور ترجمة شعر حافظ في مواجهة الموجة الفكرية في الشعر العربي المعاصر يقول:

» و (أغاني شيراز) تأتي في حينها المناسب لتساعد على انحسار الموجة الفكرية عن الشعر الحديث. وقد لا تلبي هذه الأغاني كل مطالب الشعر في هذه الفترة، لأن الحس يغلب عليها والأشواق الروحية الخالصة تقل فيها - على الرغم من طابعها الصوفي - ولكنها على كل حال تزيد من رصيد الغناء في الشعر العربي زيادة لها قيمتها. وحسبها أنها تجعل الشعر غناء خالصاً لا تبهظه أثقال الفلسفة إلا حيث تعرض في سرعة وتختفي سريعاً، ولا تبرده ثلوج الفكر - وإن كال فيها على ما سيجيء - لعب بالألفاظ والصور والمعاني، ولكنه لعب لطيف حلولاً يغض من حلاوة الغناء الطليق « [٣٣].

استرواح عـطر الشرق

بعد انتشار موجة التقليد للآداب الغربية في الأدب العربي الحديث، ظهر لدى كثير من دعاة» الأصالة «حنين إلى الروح الشرقية، ووجد المرحوم الدكتور عبد الوهاب عزام ضالته في الأدب الفارسي فاهتم به، وألفت الأنظار إليه، وتوالت الترجمات العربية للشعراء الإيرانيين تظهر للقارئ العربي، ويتناولها الأدباء والمتأدبين بشوق كبير يدل على وحدة الجذور بين الأدبين العربي والفارسي، ووحدة الروح بين العرب والإيرانيين. وفي هذا الشأن يقول» سيد «عن أغاني شيراز:

» ثم إن لها عندي مزية أخرى:

فقارئ هذه الأغاني يستروح فيها عطر الشرق البعيد، وبساطته ومرحه، وغيبيته وتصوفه، ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى استرواح هذا كله، حين تغمرنا موجة العقلية الغربية، وهي موجة قوية طاغية، لا نجد لها في حاضرنا الروحي كفاء.

وفي أغاني حافظ، كما في رباعيات الخيام الفارسيين، وكذلك في أشعار تاجور الهندي - على بعد ما بينهم في الإحساس والاتجاه - ذلك الروح الشرقي العميق، الذي يستطيع اليوم أن يسعفنا، ويحفظ تراثنا الشعوري في وجه التيار.

وهذا هو ما أعنيه باسترواح الشرق البعيد، فليس نموذجاً واحداً ما أريد، ولكنها نماذج شتى، تجمعها سمات أصيلة، تعبر عن الموروث والمذخور في نفس الشرق من رصيد « [٣٤].

خصائص شـعر حافـظ

يستعرض سيد بعض خصائص شعر حافظ ونلخصها فيما يلي:

ا - تكرار دون ملل

في شعر حافظ أو غزلياته كما تسمى بالفارسية ظاهرة التكرار وظاهرة اللعب بالنكات اللفظية والتعبيرية التي تزحم بالديوان. وهذا التكرار مشهود في شعر البديعيين في اللغة العربية، غير أنه هنا ممل يبعث على السأم وهناك في شعر حافظ» لا يدعك تسأم أو تمل وهو يكرر ويكرر إلى غير نهاية أوصاف طرة الحبيب التي هي تارة شباك لصيد المحبين، أو سلسلة يأوي إليها العشاق راضين، وتارة نافجة مسك يفوح منها الطيب، أو صولجان من العنبر يسحبه الحبيب على جبينه المشرق في وجهه الجميل… إلى آخر هذا الحشد المكرور من التشبيهات « [٣٥].

٢ - الجـوّ الموحَّـد

حافظ في رأي» سيد «درويش» يخطرف «في حديثه، ويلقي كلمة من هنا وكلمة من هناك حتى ليخيل إليك في بعض الأحيان أنه لا توجد في» الظاهر «رابطة بين الإشارات والإيماءات. غير أنها تربطها في» الباطن «رؤى درويش متصوف، تطالعه من وراء» الغيب «فيرمز لها ولا يبين.

أسلوب حافظ إذن غير مفكك» فوراء هذه الإشارات والإيماءات جو موحّد تعيش فيه الغزلية الواحدة، بل تعيش فيه الغزليات جميعاً، ذلك هو جوّ» الشهود «في اصطلاح الصوفية « [٣٦].

ويذكر» سيد «أمثلة من شعر حافظ، ويرى فيها» أنها جميعاً أصداء لطيفة لانفعالات شاردة، تتوالى على حسّ مرهف، في» حضرة «الحبيب، ويربطها جميعاً ذلك الرباط اللطيف الدقيق (أي رباط جوّ الشهود) «.

٣ - الراحة اللذيذة السالبة

يرى سيد أن هناك تشابهاً بين شعر حافظ والخيام فكلاهما يستجليان السرّ الأعظم للكون، هذا السرّ الذي أوصدت دونه الأبواب، غير أن الخيام يدقها دقاً عنيفاً متواصلاً، حتى كلّت يداه وأدركه الإعياء وغشاه الملال، فجلس يُغرق أشجانه في كأس من الشراب، ويتسلى لحظة ريثما يعود الدق على الأبواب من جديد، لكن حافظاً يواجه الموقف في وداعة واستبشار، لا ليغرق همّاً ولا ليسكت حيرة، بل لينتـشي ويثمل ويتملّى محاسن الحبيب. لقد يئس هو الآخر من استجلاء سرّ الغيب، ولكن هذا لا يعنيه، يطلب كأساً ليرى فيه وجه الحبيب، فربما تفتحت له فيها أسرار الغيوب:

» الآن ونسيم الجنة يهب من البستان

إليّ بالخمرة المفرحة وبالحوراء التي قامتها كحور الجنان

» ولم لا يفخر السائل المسكين بأنه أضحى اليوم سلطان الزمان، وقد عقد له السحاب خيامه، وبسطت له الحقول مائدة الخوان؟

وهذا الربيع الجميل يحكي لي حكايته الجميلة

فيقول: ليس عاقلاً من يفضل النسيئة ويترك النقد.

فعمّر قلبك بالشراب، فلا همّ لهذه الدنيا الخربة

إلا أن تحيل ترابنا إلى لبنات وآجرّات…» الخ.

تلخيـص واسـتنتاج

سيد قطب في نقده لمن ذكرناهم من الأدباء والشعراء الإيرانيين يعتمد منهجاً فريداً يقوم بالدرجة الأولى على تحليل النفس الإنسانية، وقدرة هذه النفس على الارتفاع والسموّ والإشراق. ويرى أن الأدب نتيجة توهج هذه النفس لدى الأفراد المستعدين لهذا التوهج، وتحوّلها إلى شحنة تثقل على صدر صاحبها فينفثها على شكل كلمات منظومة أو منثورة ذات إيقاع خاص وتأثير خاص في مستمعها وقارئها.

كما ينظر إلى الأديب بأنه الإنسان المتفرّد في نظرته إلى الكون والحياة، والقادر على أن يتجاوز حدود الظاهر والمألوف والعادة، فيرى ما لا يراه الناس العاديون، ويشعر بما لا يشعر به القابعون في دنيا الظاهر والمألوف. ويستطيع أن يقدّم لنا صورة فريدة عن الحياة هي هامة جداً في رصيد المعرفة الإنسانية. من هنا يتناول الخيام باعتباره من الأدباء العالميين المتميزين، ومن هنا لا يقيم وزنا كبيرا لشعر أبي نؤاس وبشار. والمعيار في الحكمين هو هذا الارتباط بالكون الفسيح، والقدرة على إيصال المستمع والقارئ بالكون الكبير والحياة الطليقة من حدود الزمان والمكان.

ثم حين يتناول الناقدين القدامى من أمثال ابن قتيبة وأبي هلال العسكري يرى أنهما غرقا في المعنى وهما بذلك يشبهان أصحاب الموجة الفكرية في النقد عند المعاصرين وخاصة أصحاب مدرسة الديوان.

ويقف طويلا عند عبد القاهر الجرجاني، ويرى فيه الناقد الكبير الذي استطاع أن يمزج بين المعايير العقلية والذوقية، فيجمع النقد والبلاغة في إطار من الأحكام العلمية المستلهمة من الذوق ومن طبيعة النفس الإنسانية.

ثم يقف عند حافظ وقفة أحسب أنها عميقة جداً ودقيقة جداً وبحاجة إلى دراسة مستوعبة.

يفهم سيد عرفان حافظ على أنه طريقة معينة في استجلاء الغيب. وكل العرفان حركة نحو فتح الأبواب الموصدة في عالم الشهادة بين الإنسان وبين عالم الغيب. لا يستطيع الكائن البشري أن يفهم كنه هذا العالم، ولكنه يعرفه ويحاول أن يعيش فيه، ويجد لذته الكبرى حين يغرق في سبحاته، وتلامسه نفحاته.

ولكل من حافظ والخيام طريقتهما في دق أبواب الغيب، يوضح» سيد «الطريقتين بأسلوب فريد يستحق كما ذكرت مزيداً من الدراسة.

[١] - النقد الأدبي / ٥٧.

[٢] - النقد الأدبي / ص١٠.

[٣] - انظر: الترجمات العربية لرباعيات عمر الخيام، دراسة نقدية، الدكتور يوسف حسين بكار، قطر ١٩٨٨.

[٤] - النقد الأدبي / ١٥.

[٥] - نفس المصدر / ١٧ - ٢٠١٨.

[٦] - نفس المصدر / ٢٠.

[٧] - انظر: بشار بن برد للمازني، وبشار بن برد لعمر فروخ، وبشار بن برد لطه الحاجري، وانظر المقدمة القيمة لمحمد الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة على ديوانه.

[٨] - انظر: أبو نؤاس الحسن بن هاني، للعقاد.

[٩] - النقد الأدبي / ٥٩ - ٦٣.

[١٠] - نفس المصدر / ٥٧.

[١١] - النقد الأدبي / ٥٨.

[١٢] - انظر في ابن قتيبة: الفهرست / ١٣١.

[١٣] - انظر معجم ١لأدباء ٣ / ١٣٥.

[١٤] - النقد الأدبي / ٤٤.

[١٥] - النقد الأدبي / ص ٤٥.

[١٦] - النقد الأدبي / ٤٥.

[١٧] - ظهرت أخيرا ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة الفارسية بقلم الدكتور أبو القاسم امامي حاول فيها أن ينقل قسطا من إيقاع الآيات، كما صدرت من قبل ترجمة لنهج البلاغة بقلم أستاذنا الدكتور جعفر شهيدي وفيها قمة ما يمكن الارتفاع إلى مستوى النص الأصلي

[١٨] - انظر ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣ / ٢٤٢.

[١٩] - النقد الأدبي / ٥.

[٢٠] - نفس المصدر / ١٢٤.

[٢١] - النقد الأدبي ١٢٦١.

[٢٢] - ينقل سيد نص ما قاله الجرجاني / ص ٣٧ ١ - ٣٨ ١.

[٢٣] - النقد الأدبي / ١٢٨.

[٢٤] - نفس المصدر / ٣٦ - ٣٧.

[٢٥] - يستعرض» سيد «نظرية عبد القاهر النفسية استنادا إلى ثلاث دراسات: الأولى للأستاذ أمين الخولي، تحت عنوان» البلاغة وعلم النفس «منشورة في مجلة كليـة الآداب / جامعة القاهرة / سنة ٩٣٩ ا. والثانيـة (

. (للدكتور محمد خلف الله تحت عنوان: » التيارات الفكرية التي أثرت في دراسة الإبداع «مجلة كلية الآداب / جامعة الاسكندرية / مايو ١٩٤٣. والثالثة للأستاذ خلف الله أيضا تحت عنوان: » نظرية عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة «المجلد الثاني من المجلة نفسها سنة ١٩٤٤.

[٢٦] - فرهنك شاعران زبان بارسى، عبد الرفيع حقيقت.

[٢٧] - انظر ديوان الجواهري، ج ١ / ٣٦٧ طبعة وزارة الإعلام العراقية عام ١٩٧٣.

[٢٨] - كتب وشخصيات / ٦٨…

[٢٩] - مقدمة ديوان حافظ، ترجمه إبراهيم الشواربي.

[٣٠] - كتب وشخصيات / ٦٩.

[٣١] - كتب وشخصيات / ٧٠.

[٣٢] - نفس المصدر…

[٣٣] - كتب وشخصيات / ٧١.

[٣٤] - نفس المصدر السابق.

[٣٥] - نفس المصدر / ٧٢.

[٣٦] - كتب وشخصيات / ٧٧.



[ Web design by Abadis ]