ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الجواهري

الحديث عن الشاعر العراقي» محمد مهدي الجواهري «هو الحديث عن قرن من الزمان. بكل مافي هذا القرن من أحداث مرّت على "مغاني" الجواهري، من صراع صاخب بين العزّة والذلّة، وبين الاستقلال والاستعباد، وبين التبعية والأصالة… وبين بقايا الروح الإسلامية من جهة وبين عمليات الغزو العسكري والمسخ الثقافي والتحطيم المعنوي من جهة أخرى.

فهو شاعر عاصر وعايش وتفاعل مع كل الأحداث السياسية والثقافية والاجتماعية على صعيد بلده العراق، وعلى صعيد العالمين العربي والإسلامي.

والحديث عن» الجواهري في إيران «ذو شجون، يمتد إلى مساحات مختلفة من قضايا الأدب والسياسة والمجتمع. يتناول في جزء منه تأثير إيران على الأدب والأدباء العرب، ولقد تناول الباحثون تأثير إيران على أبي تمام والمتنبي [١]، والجواهري نفسه تحدث عن تأثير إيران على شعره [٢].

والحديث عن الجواهري في إيران يكشف حقيقة ارتباط شعبين جارين شاء الله أن يكون بينهما صلات عميقة في النسب واللغة والدين والعادات والتقاليد، وشاءت القوى المتجبرة لهما أن ينفصلا ويقام بينهما جدار سميك من الحساسيات النفسية بل ومن الصراع الدموي المؤلم.

دراسة الجوهري نفسه ووجوده في إيران - إضافة لما فيها من متعة - تكشف حقائق أدبية وثقافية نحن بأمسّ الحاجة لأن نعرفها ونحن نسعى لاستعادة وجودنا على الساحة العالمية.

نسـب الجواهـري

أول ما يهمنا هو معرفة ارتباطه بإيران نسبياً، فهذه المسألة كانت من أهم الإثارات - مع شديد الأسف - في حياة الجواهري.

قبل هذا لابد أن نذكر أن إيران والعراق كانا قبل النزاع الصفوي العثماني، وقبل الغارة الأوروبية على العالم الإسلامي، بلداً واحداً لا تفصل بينهما سوى التضاريس الجغرافية التي ما كانت تستعصي على المترددين بين البلدين، ولذلك نجد في تاريخ العلماء والأدباء ترددا مستمراً بين البلدين، ولا شك أن عامة الناس كانوا ينعمون أيضاً بهذه الحرية للزيارة والسياحة وطلب الرزق. ومن الطبيعي أن يخلق هذا الامتزاج اختلاطاً في الأنساب حتى أصبح كثير من الأسر تستوطن في مكانين، بعض أعضائها في إيران وبعض أعضائها في العراق، وحتى تعذّر غالباً أن يعرف أصل الأسرة أهو من إيران أم من العراق. وهذه ظاهرة طبيعية مشهودة في جميع أرجاء العالم الإسلامي، وخاصة بين أقطاره المتجاورة، قبل رسم الحدود، وفرض القيود.

وحين شبّ النزاع بين الدولتين الصفوية والعثمانية، بسبب مصالح الحكم والتدخل الأجنبي، رسمت الحدود بين البلدين، وأصبح المواطنون في كل من البلدين يحمل "جنسية" عثمانية أو إيرانية، غير أن اختلاف "الجنسية" هذا لم يمنع أيضاً من استمرار الامتزاج، فهو أعمق من أن يمنعه اختلاف هوية الأحوال الشخصية، أو حدود مرسومة على الخرائط، ومؤشرة على الأراضي الواسعة الممتدة بين البلدين.

نعود إلى نسب عائلة الجواهري، ونقول إنها من العوائل التي استوطنت في إيران والعراق، ومن العبث البحث عن أصلها أهو إيراني أم عراقي، لأنها من العوائل التي اتخذت من العراق وإيران موطنا لها، وكانت الروح العلمية والإسلامية السائدة لدى رجالاتها تأبى عليها أن تقف وراء السدود والحدود المصطنعة، فترى إيران والعراق لها وطناً على حدّ سواء. لم لا والإسلام دعا أبناءه ليروا "جميع الكون لهم وطناً".

الجواهري نفسه بشأن من أراد أن يطعن بنسبه الايراني يقول [٣]:

"أي عيب يلحق بالإنسان في أن يلتحق بهذه الأمة أو تلك، إن كان منها فعلاً. ولماذا يتنصل المرء من أمة عريقة ظلت ستة آلاف تتقاسم العالم مع الإغريق، سياسة وحضارة، وساهمت مع العرب في بناء صروح الحضارة الإسلامية العظيمة، وكانت الأمة الثانية في ذلك البناء الشامخ؟

أيضيرني في شيء أن أكون إلى جانب (حافظ) و (سعدي) و (عمر الخيام) وشيخ المتصوفة، شبه القديس، السيد المولوي. هؤلاء عباقرة أفذاذ، للعالم كله، وماذا كان يعوزني أن أكون مع المتنبي العظيم في شعب بوّان، وهو يغنيه:

مغاني الشعب طيباً في المغاني

بمنزلة الربيع من الزمان

ومغاني الشعب هذه هي قطعة من جنائن شيراز، ومقر سلطنة عضد الدولة، ممدوح المتنبي. أفكان المتنبي بمنطق ساطع [٤] غير عربي ولا عراقي.

إن غوته، مفخرة الأجيال والحضارة كلها، ليس مصادفة أن يستهل كتابه الخالد (فاوست) بكلمات من (سعدي)، ومثله، فالفيلسوف الالماني (نيتشه) صاحب "هكذا تكلم زرداشت". ثم أن أعيش في الجنان التي عاشوا فيها، وأن أكون بعد ذلك الى جانب أضرحتهم وهي حتى الآن مزارات للذاهب والآيب. فماذا كان يعوزني من ذلك لولا أن يجري في عروقي منذ خمسة قرون، وحتى الآن الدم العربي والعراقي والنجفي، ولولا أنني من مواطن النعامنة والمناذرة".

وتبقى "ذكريات" الجواهري وثيقة هامة لما فعلته الطائفية وتفعله من إهدار الطاقات وتعقيد الشخصيات وتهديد الوحدة الوطنية وإضعاف الهوية الإسلامية.

الجواهري في زيارته الأولى والثانية لإيران

كان للجواهري في العشرينات زيارتان لإيران الأولى سنة ٢٤ والثانية سنة ٢٦، وفي هاتين السفرتين أنشد أجمل قصائده وهي: "على حدود فارس " ومطلعها:

أحبابنا بين محاني العراق

كلفتم قلبي ما لا يطاق [٥]

و"الذكرى المؤلمة" و مطلعها:

أقول وقد شاقتني الريح سحرة

ومن يذكر الأوطان والأهل يشتق [٦]

و"على كرند" وكرند مدينة على الحدود الإيرانية العراقية، ومطلعها:

خليليٍّ أحسن ما شاقني

بفارس هذا الجمال الطبيعي [٧]

وقصيدة "الريف الضاحك" ومطلعها:

كل أقطارك يا فارس ريف

طاب فصلاك ربيع وخريف [٨]

وقصيدة " بين قطرين " ومطلعها:

سقى تربها من ريق المزن هطال

ديار بعثن الشوق والشوق قتال [٩]

وقصيدة " الأحاديث شجون" ومطلعها:

جددي ريح الصّبا عهد الصبا

وأعيدي فالأحاديث شجون [١٠]

وقصيدة "البادية في إيران" ومطلعها:

بهجة القلب جلاء البصر

هذه الأرياف غب المطر [١١]

وقصيدة " على دربند"، ودربند مصيف شمال طهران، ومطلعها:

أحبتنا لو أنزل الشوق والهوى

على قلب صخر جامد لتصدعا [١٢]

وقصيدة "بريد الغربة" ومطلعها:

هبٍّ النسيم فهبّت الأشواق

وهفا إليكم قلبه الخفّاق [١٣]

وهي القصيدة التي تتضمن دعوة لإيران لكي تنتفض من رقدتها وتتطلع إلى الفجر المرتقب:

يا بنت "كومرث" أقلي فكرة

فلقد أضر برأسك الإخفاق

وتطلعي تتبيني الفجر الذي

تتوقعين وتنجلي الآفاق

كما أنها القصيدة التي أثارت حوله ضجة طائفية وسمته بالشعوبية بسبب بيت جاء فيها هو:

لي في العراق عصابة لولاهم

ما كان محبوبا إليّ عراق

ومن قصائده في إيران أيضاً: "في طهران" ومطلعها:

ما انتفاعي بغيض هذي الدموع

والجوى ملء مهجتي وضلوعي [١٤]

وقصيدة "الخريف في فارس" ومطلعها:

يا هائجين لخريف فارس

ما تصنعون لو أتى ربيعه

تأثير إيران على شعر الجواهري

أما تأثير إيران على شعر الجواهري فنترك الحديث له ليبين مدى هذا التأثير، وليوضح دعوته إلى تفاعل بين الأدب العربي والفارسي باعتباره السبيل الوحيد لنهضة حديثة حقيقية للأدب العربي، بدل التفاعل غير الطبيعي بين الأدبين العربي والغربي. يقول، معلقاً على رسالة وردته بشأن ترجمات من شعر "حافظ" الشيرازي تحت عنوان كنوز الفرس [١٥] نشرها في جريدتي "النجف "و"الفضيلة" في العشرينات.

بعـد السـلام:

"وبعد… فجواباً عن سؤال صديق علي عزيز فيما يتعلق بنشراتي المتوالية على صفحات "النجف" الأغر والمعنونة بـ"كنوز الفرس" وطلبه مزيد الإيضاح عنها… بعد الشكر على عنايته بها وإعجابه فيها مما أعده مشجعاً لي على مواصلتها أقول:

"لقد كان لوجودي في "طهران" عاصمة الفرس مدة صيف سنة [٤٣] و [٤٥] [١٦] الفضل الأدبي الذي لا ينسى… فقد لطّف أوضاع هذه المملكة الروحية، وأذواقها النفسانية من روحي وذوقي التلطيف المحسوس واستطاعت بما أوتيت من صفاء جو، واعتدال مناخ، وعذوبة هواء، وجمال طبيعي التأثير في هذه الروح العراقية تأثيراً قرّبها من روح "حافظ" و"سعدي" و"الخيام" و"الفردوسي" و"النظامي" وبالأخير من روح "عارف" و"ايرج"، وعرفانهم لحد المشاركة في الذوق والفن والمشاطرة للعواطف والميول.

"وبدافع الإعجاب بهذا الفضل، والاعتراف بهذا التأثير أقول: إن "على العراق العجمي" و"على كرند" و"البادية في ايران"و"الطبيعة في فارس" في الأولى… و"فارس الجميلة " و "شمران العروس " و"يوم في دربند" في الثانية هي أعز ما ضمنته مذكرتي الشعرية، وأنفس ما عرفته صفحاتها… ففي هذه المقاطيع، وقليل من غيرها، استطعت أن أعرف ما هو الشعر الطبيعي، وكيف تثور النفس الشاعرة، وتختلج الفكرة، ويدب المعنى، ويختلق النفس.

" ولما كنت مدة بقائي هذين الصيفين هناك مضطراً إلى التحدث عن الأدب العراقي مع شذوذ من أدباء الفرس بصفتي أحد المتطفلين عليه، وطبعاً كان يجر ذلك إلى التحدث عن الأدب الفارسي والمقابلة بينه وبين تريبه ونسيبه الأدب العربي. فقد عدت وأنا نعتقد، بالدليل والبرهان، أن أبواب الشعر الخالد من وحي والهام وقريحة ثرة هي مفتوحة في وجه الشعر الفارسي أكثر منها في وجه الشعر العربي… ومعتقد أيضاً بوجوب انصراف الغيورين على الآداب العربية، والمتطلبين التوسع والتجدد فيها، والساعين لإنهاضها من كبوتها، ولإنعاشها من انقباضها إلى تقريب هذه الروح الشرقية، روح "طهران" من الروح العربية عوضاً عن جلب ما لا يتناسب وإياه من روح "لندن " و"باريس" و"موسكو" و"روما" وجذبه بالحبال، خصوصاً أن القرب بين قواميس اللغتين، واندماج بعضهما في بعض، ووجود العارفين بهما من كلا الطرفين أكثر من أي لسان آخر… وتجانس الأمتين في كثير من الأخلاق والعادات، كل ذلك وغيره مما يشجع هذه الفكرة ويرغب فيها.

"وإجابة لهذا الداعي، وامتثالاً لهذا الواجب، جربت قلمي في هذا العنوان - كنوز الفرس".

" ومع أن كل ما نشر إلى الآن وكل ما عندي منه مما لم ينشر بعد هو "لحافظ" فقط، فقد وضعت العنوان ولم أخصصه بشاعر واحد من الفرس إباحة لدخول غيره منهم في هذا المضمون، ممن يستحسنهم ذوقي ويلائم شعرهم طبعي ".

" هذا وقد كنت حين عنونت هذه المقتطفات (وهذا اسمها بعد اليوم) بهذا العنوان، معتمداً على فهم القراء والسامعين… ولكن طلب هذا الأخ الأديب واحتمال وجود كثيرين مثله ممن يرمون زيادة في البيان بكلمتي هذه، مبيناً فيها أن كل ما أنشره تحت هذا العنوان فإنما ترجمة من "دواوين" الفرس ومجاميعهم الأدبية.

"هذا ولابد أن أتدارك بعد اليوم ما فاتني قبله، من تصدير هذه "المقتطفات" بمقدمة أتفاهم فيها مع القراء الكرام عن مسلك حافظ الشيرازي وغيره من الأدباء ومذاهبهم الشعرية والفلسفية والاجتماعية… وأغتنم فرصة هذه المناسبة لأعلن إعلاناً عاماً لكل من يتصادم في هذه "المقتطفات" بما لا يرتأي أو يستحسن من أفكار وآراء، أنني ليس لي من غرض خاص يحملني على نشرها سوى الخدمة الأدبية اللغوية، وفيما أنشره، في الضمن، من الآراء المقررة والقوانين العامة المتفق عليهما ما يبرر ذلك… وكل ما يأتي من ذلك القبيل فهو واسطة لا غاية. "والأعمال بالنيات… والسلام".

الجواهري في زيارته الثالثة لايران

بكيت مرات عند قراءة قصائد الجواهري… هكذا قال السيد القائد علي الخامنئي في بعض محاضراته التي يلقيها أسبوعياً باللغة العربية حول مختلف شؤون الأدب والحياة.

دار الحديث في بعض تلك المحاضرات عن الجواهري فعاد الأستاذ المحاضر إلى ذكريات شبابه، حين تعرف لأول مرة على شعر الجواهري من خلال صديقه اللبناني المرحوم السيد محمد جواد فضل الله.

راح السيد القائد يستعيد تلك القصائد التي أثارت فيه هياجاً بالغاً ويردد:

أطبق دجى، أطبق ضباب

أطبق دخان من الضمير

أطبق على متبلد

لم يعـرفـوا لـون السـماء

أطبق جهاماً ياسحاب

محرقاً أطبق، عذاب….

ين شكا خمولهم الذباب

لفـرط ماانحـنت الـرقـاب

ويواصل قراءة أبيات القصيدة بتأثر بالغ وتفاعل كامل مع التجربة الشعورية للشاعر… ثم ينتقل منها الى قصيدة:

نامي جياع الشعب نامي

نامي فان لم تشبعي

نامـي على زبـد الـوعـود

حرستك آلهة الطعام

من يقظة فمن المنام

يـداف فـي عسـل الكـلام…

وبعد كل بيت يتوقف ليبين ما فيه من مضامين رائعة وموسيقى خلابة، ومشاعر جياشة…. ثم ينتقل إلى قصيدة أخرى… وأخرى…

ترى أمامه وهو يتحدث كتباً كثيرة، ودواوين كثيرة، تتغير كل أسبوع غالباً، إلا ديوان الجواهري فهو إلى جانبه دائماً، يعود إليه كلما اشتاق إلى الحديث عن الجواهري وشعر الجواهري.

ولا يصعب على مستمعيه أن يفهموا سبب شغفه بشعر الجواهري، فقد وهبه الله ذوقاً أدبياً رفيعاً يستطيع به أن يدخل مع الجيد من الشعر نفس التجربة الشعورية التي يخوضها الشاعر، ويتفاعل مع القصيدة تفاعلاً تاماً وينظر إلى كل ما فيها من قوة وضعف، ولذلك اشتهر بين أدباء إيران بأنه ناقد لا يبارى. عرفوه ناقداً أكثر مما عرفوه شاعراً. ثم إنه عشق اللغة العربية وهام بها وقرأ لامراء الشعر العربي القديم، وهام خاصة بجرير والفرزدق والمتنبي والبحتري وأبي تمام… وكان ذلك دافعاً آخر للسيد الإمام نحو شعر الجواهري باعتباره وارثاً لعمالقة الشعر المسمى اليوم بالشعر الكلاسيكي… أو الشعر العمودي الأصيل الذي يغرف فيه الشاعر من بحر أو ينحت في صخر.

أضف إلى هذا وذاك أن الجواهري كان يحمل هموم المجتمع العربي بما فيه من سبات عميق وتخلف اجتماعي وفقر مدقع وسيطرة العملاء، وهي نفسها هموم الثوار في إيران أيام نضالهم في عصر الشاه. لذلك كان الجواهري يتحدث في كثير من قصائده، وخاصة تلك التي اهتز لها السيد الخامنئي، عما يجول في نفس كل ثائر إيراني.

ولا تعجب إذا رأيت هذا "الرجل الفقيه" مولعاً بالشعر إلى هذا الحد الكبير، فكل الفقهاء الكبار أصحاب ذوق رفيع في الشعر. أضف إلى ذلك أن الذوق الأدبي لا ينفك عن الفقاهة، لأن فهم الكتاب والسنة لا يتم إلا بتذوق الجانب الأدبي من هذه النصوص الدينية التي يقوم عليها الاستنباط.

كما لاتعجب إذا رأيت الرجل من "موقعه القيادي" ومسؤوليته الكبيرة يخصص وقتاً للأدب العربي، فهو وسيلة ارتباط بالتراث، وبالأمة العربية، وهو أيضاً حاجة نفسية وروحية لا يجوز التفريط بها في مسيرة الحياة.

وفي مرة وقع بيده الجزء الأول من كتاب الجواهري: "ذكرياتي"، فعكف على قراءته بشغف لما فيه من أحداث تاريخية ووقائع أدبية ووضع هوامش على كثير من صفحاته، وتصحيحات لبعض معلوماته، وربما رجع إلى الديوان ليطابق بين الوقائع والقصائد.

بلغه أن الجواهري يود أن يسافر من مهجره في سورية مع زوجته أم فرات إلى إيران لزيارة ثامن أئمة أهل البيت الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في مدينة مشهد من محافظة خراسان. أمر السيد أن توفر لهما سبل السفر، غير أن الأجل لم يمهل أم فرات، فتوفيت وفي قلبها حسرة زيارة الامام الرضا (عليه السلام)، وحين وصل النبأ أوعز السيد القائد بإقامة مجلس فاتحة على روحها، في مرقد الإمام الرضا (ع) تقديراً لرغبة دينية لم تتحقق للمرحومة، وتكريماً لأسرة الجواهرة العريقة في العلم والأدب والجهاد.

بعدها بمدة وصل نبأ برغبة الجواهري أن يقيم مدة في ايران. وليس بمستغرب أن تكون للجواهري مثل هذه الرغبة فهو عراقي، وايران للعراقيين مصيف ومزار، والعراق للايرانيين مزار لأئمة آل البيت، فالتزاور والتزاوج والتفاعل الاجتماعي والثقافي والعلمي كان قائماً على مر العصور بين العراقيين والايرانيين، وكثير من الأسر مثل أسرة الجواهري نصفها يقطن في العراق ونصفها في إيران. والجواهري نفسه له زيارتان هامتان مسجلتان في ديوانه لايران حين كان شاباً، فلماذا لا تكون له زيارة ثالثة لايران التي لبست حلة العز والاستقلال والحرية بفضل ثورة الإسلام، وهي أهداف طالما حلم الشاعر بها وغنى لها في حياته الادبية.

قال السيد الخامنئي حين بلغته رغبة الجواهري: عسى أن تكون زيارته لايران عاقبة خير لهذا الرجل الذي أنشد في الإمام الحسين (عليه السلام) أروع قصيدة، كما ألهب مشاعر الأمة وعبأها ضد أعدائها ومذليها وساحقي كرامتها‍‍ ‍‍…

بعث السيد القائد من يدعو الشاعر، فما هي إلا أيام وإذا الجواهري في مطار طهران يبدأ زيارته الثالثة والأخيرة إلى إيران. كان في استقباله عدد من الأدباء والكتاب، وألقى أحد الأدباء العراقيين قصيدة رحب فيها بالجواهري وعتب عليه عتاباً خفيفاً لسكوته عما يجري في بلده، وعما حدث في إيران، لم يجبه الجواهري، لكنه أحس بمرارة العتاب. بعد ذلك تحدث عن سبب سكوته، ثم أنشد بمناسبة "الغدير" قصيدة برر فيها هذا السكوت - سيأتي ذكرها. ثم حين زار مرقد الامام الخميني (رض) قال: انشدت في الإمام الخميني بيتاً أحسبه يعادل قصيدة من أعظم قصائدي وهو:

إمام ومن ذا يكون الامام إذا لم تكنه عليك السلام

ولم يستحن السامعون له، ولكن ضعف الحجة سمة غالبة في التبرير.

فرح كثيراً حينما سمع بشغف السيد الخامنئي بشعره وتعجب حينما علم بأن السيد قد طالع ذكرياته بولع وبسرعة مع تهميش لكثير من الصفحات. وكان يقلقه انزعاج السيد من الصفحات التي تتحدث عن لحظات ضعف الشاعر وانهيار إرادته وانغماسه أياماً من حياته في المجون. وسجل هذا القلق في آخر بيت من مقطوعة دوّنها على كتاب " ذكرياتي " الذي قدمه للسيد في لقائه به يوم ١٠ / ٥ / ١٩٩٢.

كان لقاء تاريخياً جلس الشاعر في صالة الضيوف. ثم أقبل السيد فنهض الشاعر نحوه وقبّل يده، وقال: هذه أول يد وآخر يد أقبلها. قدم الجواهري كتاب "ذكرياتي" وأنشد مقطوعته:

سيدي أيها الاعز الاجل

يعجز الحرف أن يوّفي عظيماً

أيها الشامخ الذي شاءه الله

لك في السلم منبر لا يبارى

لك في ذمة الاله يمين

لك أهل فوق الذرى ومحلّ

فاغتفـر لي مازلّ من ذكرياتي

أنت ذو منةٍ وأنت المدل

كل ما زاد عن سواه يقل

زعيماً لثورة تستهلّ

لك في الحرب مضرب لا يفلّ

يد من مسّها بسوء تشلّ

لك بعد في المكرمات وقبل

يا عطوفاً على خطى من يـزلّ

استحسن السيد المقطوعة وأشكل على بعض مفرداتها، ودار نقاش أدبي ممتع، ثم دار الحديث عن أسرة الجواهري ومكانتها العلمية والأدبية وسأل السيد الامام عن بعض أفرادها. وانتهت الجلسة، وغادر الجواهري بيت السيد الخامنئي وهو يردد: لقد عادت الى ايران أيام "ابن العميد" و"الصاحب بن عبّاد" مشيراً إلى ماكان في ايران خلال القرن الرابع من اهتمام بالأدب العربي ومن مجالس أدبية صاخبة على أعلى المستويات.

وأمضى الجواهري بضعة أشهر في إيران. كان يعاني من ضعف البصر والسمع وانهيار القوى والأعصاب. غير أن ما يقرب من قرن من الزمان عاشه الجواهري لم يؤثر على ذاكرة الرجل، فقد كان خلال إقامته في ايران يتحدث عن ذكرياته السياسية والأدبية والاجتماعية، منذ أيام صباه وشبابه، وبالتفاصيل، وكأن كل شيء كان ماثلاً أمامه.

عقد له الشعراء والأدباء الإيرانيون في طهران جلسة تكريم، أنشد فيها الشاعر قصيدته " آمنت بالحسين":

فداء لمثواك من مضجع

بأعبق من نفحات الجنا

و رعياً ليومك يوم "الطفـوف"

تنوّر بالابلج الاروع

ن روحاً، ومن مسكها أضوع

وسـقياً لأرضـك من مصـرع

وكانت الأديبة الشاعرة صديقة وسمقي قد ترجمت القصيدة إلى الفارسية ترجمة أدبية رائعة، فقرأتها على السامعين، وضجّت الجلسة بالبكاء، لا حزناً على الحسين، لأن الشاعر لم يسلك نهجاً بكائياً فيها، بل للهياج العاطفي الذي تتركه القصيدة في النفوس جرّاء سردها للمواقف البطولية في واقعة الطف بكربلاء.

وخلال إقامته في إيران التقى في مدينة قم عائلة الجواهري الكبيرة المهاجرة من العراق، وبكى الشاعر حينما رآهم، وتفقد واحداً واحداً منهم، وبينهم العلماء والتجار والطلبة… كما زار شمال ايران وتمتع أمداً بجمال الطبيعة الساحر على بحر الخزر وعلى ضفاف جبال "البرز" الخضراء.

وحانت ذكرى الغدير في السابع عشر من ذي الحجة حيث تجمع روايات أهل السنة والشيعة على أن رسول الله (ص) أعلن علياً (عليه السلام) بعد حجة الوداع في هذا اليوم وليّاً للمسلمين، فكتب الجواهري إلى السيد الإمام رسالة مشفوعة بقصيدتين. وهذا نصّ الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

سيدي سماحة القائد الأعلى الجليل دام ظله

أقبل يدكم وأتشرف - وأنا الغريق بألطافكم - بأن أرفع إلى سماحتكم تهنئتي هذه المتواضعة بعيد (الغدير) السعيد آملاً أن تحوز شرف قبولكم إياها.

كما أنني أتشرف بأن أرفع إليكم قصيدة جديدة بدأت بها مرفقة بقطعة شبه جديدة لم تنشر بعد جاءت بمحض الصدفة على وزنها وقوافيها بل حتى لكأنها جزء لايتجزأ مما أريد أن أقوله فيها. كل ذلك لمجرد مباركتكم إياها على أن تكون بعد إتمامها في الجملة من قصائدي التي تحوز شرف رضاكم عنها.

أعاد الله على سماحتكم مدى عمركم الطويل عيد الغدير السعيد وقد تخلّص المسلمون برعايتكم وتوجيهاتكم الكريمة من براثن المستكبرين والمستعمرين ليعود إليهم ومن جديد عز الاسلام ومجده القديم. وتقبلوا ياسيدي صميم إجلالي وإعزازي.

والسلام عليكم.

المخلص الأمين محمد مهدي الجواهري

١٩ / ٦ / ١٩٩٢

القصيدة الأولى التي قدمها الشاعر بالنصّ على النحو التالي:

بسم الله الرحمن الرحيم

في (عيد الغدير)

مرفوعة إلى حضرة سماحة سيدنا القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران آية الله السيد علي الخامنئي حفظه الله ورعاه:

أبا الحسين تحيات معطرة

في يوم عيد (غدير) رحت ترعاهُ

كان الوليّ (أمير المؤمنين) به

واليوم أنت (وليُّ الأمرِ مولاهُ)

يا سيد الأمة الكبرى وقائدها

يسراه تحسد عند الله يمناهُ

تعطل الزند منها واستشاط دم

سوح الجهاد تلقاه وتسقاهُ

نحن الدعاة إلى (التوحيد) يعوزنا

قول نعايش معناه ونخشاهُ

تسابقت من (قريش) سادة نجب

(خلائف) من رسول الله أشباهُ

كلٌّ وللواحد الجبار عصمته

ممدح في حمى الإسلام مسعاهُ

وكان ما كان من نهج، ومن شطط

للآن يشتط مغزاه ومرماهُ

واستنفر (الدين) رهط بعدهم شعث

من كل مستكبرٍ عبدٍ لدنياهُ

ديست بهم عرصات (الوحي)،

وانتبهت

عصائب أهل بيتٍ صانه اللهُ

واليوم تدفع عنهم فديةً أممٌ

بريئةُ الدمِ من ذئبٍ تبنّاهُ

مستعبدين لحكم الفرد يرهقهم

بكل ما يتشهاه ويأباهُ

يمتصّ من قدرهم طوراً، ومن دمهم

مستعمرٌ بالذي يمتصُّ تيّاهُ

خطب ألم بدنيا كل مسلمةٍ

وليس يعرف إلا الله عقباهُ

وأنت يا سيد المستضعفين لها

عن كل ما استطعت من غوث ستجزاهُ

لك الأمانة ألقت ثقلها، شرف ٌ

ما كل من يتمناه يلقّاهُ

تخيرتك إمام الناهضين بها

كأنها دون كل الناس تهواهُ

المخلص الأمين

محمد مهدي الجواهري

١٨ / ٦ / ١٩٩٢

والقصيدة الأخرى التي أشار إليها الشاعر في رسالته إلى السيد القائد تحت عنوان إيران ونصّها:

إيران عاد الصبح من أفراح

حذر الفوات، فآذني بصباحِ

سبحان من يسع الفتى وغروره

ويمدّه لوحاً من الألواحِ

ولقد بكيت لفرط ما طمح الردى

بأحبتي، فسخرت من أطماحي

قالوا سكّت وأنت أفظع ملهبٍ

وعي الجموع، لزندها قدّاحِ

حتى على صور الملاح أثارةٌ

حمراء من صور لديك ملاحِ

فعلام أبدل وكر نسر جامح

حردٍ بعشِّ البلبل الصداحِ

فأجبتهم. أنا ذاك حيث تشابكت

هام الفوارس تحت غاب رماحِ

قد كنت أرقب أن أرى راحاتهم

مدّت لأدفع عنهم بالراحِ

لكن وجدت سلاحهم في عطلةٍ

فرميت في قعر الجحيم سلاحي

قد كنت أحمل فوق أجنحةٍ لهم

واليوم أحمل مهجتي بجناحي

واليوم أحمل جذوة مسعورة

لا شيء ينجدها من الأرواحِ

لابد أبرد حرها فأعرتها

ريح الصبا، ووهبتها للراحِ

ولقد أقول لصاحبي لم أدره

أسيان أم ثملاً، أفق يا صاحِ

كن فوق داجية الخطوب وريبها

وألح من آذيها الملحاح

وتحدها، فلقد تحدّت صخرةٌ

طوفان (نوح) ببطشه المجتاحِ

وارحمتا للجيل دون عذابه

حمم (الجحيم) ومدية الذباحِ

ترمي به الاطماح في متفجرٍ

صخبٍ، وتسقطه على ضحضاحِ

وفي هذه الزيارة تفاصيل وذكريات كثيرة رصدها "مركز الدراسات الثقافية العربية الإيرانية" باعتبارها حدثاً ثقافياً عربياً - إيرانياً هاماً عسى أن نقدمها كاملة إلى القراء الكرام في القريب العاجل بإذن الله [١٧].

[١] - انظر في هذا الكتاب تأثير إيران على شعر أبي تمام والمتنبي.

[٢] - انظر: مقدمة الشاعر على مترجمات شعر "حافظ " تحت عنوان "كنوز الفرس" في هذه الدراسة.

[٣] - نفس المصدر، ص١٦٦.

[٤] - يقصد ساطع الحصري الذي وجّه الطعن إلى الجواهري، بسبب قصيدة أشاد فيها بأرض إيران.

[٥] - الديوان، وزارة الإعلام العراقية ج١ ص٢٥٥.

[٦] - نفس المصدر ص ٢٥٧.

[٧] - نفس المصدر، ص ٢٥٩.

[٨] - نفس المصدر، ص٢٦١

[٩] - نفس المصدر، ص ٢٦٥

[١٠] - نفس المصدر، ص ٢٦٧

[١١] - نفس المصدر، ص ٣٥١

[١٢] - نفس المصدر، ص ٣٥٥

[١٣] - نفس المصدر، ص٣٥٧

[١٤] - نفس المصدر، ص ٣٦١

[١٥] - نفس المصدر ص٣٦٧ وما بعدها.

[١٦] - يقصد عامي ١٣٤٣ و ١٣٤٥ هجرية وهما يوافقان عامي ١٩٢٤ و ١٩٢٦ ميلادية.

[١٧] - سيصدر قريباً كتاب: الجواهري وإيران، وفيه تفاصيل وافية عن هذا الموضوع وغيره.



[ Web design by Abadis ]