ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 العلاقات الثقافية بين إيران و العرب

الحاضر و آفاق المستقبل*

لم تظهر فيما أعلم مجموعة بشرية اشتركت في الأفكار والعواطف والعادات والتقاليد والعقيدة ومنهج الحياة كالمجموعة الحضارية الإسلامية.

هذه المجموعة رغم كل ما عصف بها من أهواء الحكم والمصالح الذاتية على مرّ التاريخ ظلّت مثل شجرة وارفة طيبة تضرب بجذورها في الأرض لتفتح مغاليق كنوز المعمورة فتفيض على الدنيا بعلوم الحساب والهندسة والفلك والكيمياء والطب والعلوم المادية المختلفة، وترتفع إلى السماء لتقدّم للبشرية عرفانها وفلسفتها وأخلاقها وحكمتها ومعارفها الإنسانية، ولتؤتي أكلها كل حين حتى في هذا الزمن الصعب الذي تكالبت فيه كل مصالح القوى الطاغية لاجتثاث هذه الشجرة من جذورها، وللاستهانة بأغصانها والاستخفاف بثمارها.

وكما أن الشجرة تزداد نمواً وإثماراً بالتلاقح والتطعيم، كذلك هذه المجموعة الحضارية ازدادت نماء وخصباً وعطاء حين تفاعلت شعوبها، أو» تعارفت «بالتعبير القرآني، وكأن هذا التعارف بين الأجناس المختلفة … بين الذكر والأنثى في إطار الأسرة الواحدة… وبين الشعوب والقبائل في الدائرة الحضارية الواحدة… هو سبب خلقة المجموعة البشرية وهو العامل الذي يؤهل هذه المجموعة لمهمة الخلافة على ظهر هذه الأرض.

(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [١] (.

وشاء الله أن يشكل العرب والإيرانيون سدّة هذه المجموعة الحضارية ولحمتها منذ العقد الأول من بزوغ فجر الحضارة الإسلامية. فقد كانت الظروف التي رافقت الفتح الإسلامي لإيران مهيئة لتفاعل بشري بين الفاتحين وأبناء الأرض المفتوحة يقوم على أساس تبادل الأفكار والآراء والتجارب والعادات والتقاليد بل ظهر التفاعل حتى في اللغة والآداب مما صيّر من الشعبين أمة واحدة متعاونة في إنماء الدوحة الكبيرة التي أثمرت في القرون التالية، ولا تزال حتى اليوم تتحدى كل معاول القلع العنصرية والطائفية والاستعمارية والمصالح الذاتية ومعول العولمة والتطبيع والعلمانية، وما اجتماعنا هذا إلاّ دليل على وجود هذه الشجرة التي نستظل اليوم بظلالها لنتحدث عن التعاون الثقافي بين إيران والعرب.

معنى الثقافة ودورهـا:

ثمة مشكلة بين الإيرانيين والعرب تتمثل في عدم تحديد مفهوم الثقافة، فقد يُتصور بأنها مواكبة أفكار العصر؛ والنخب المثقفة تهتم بذلك وتتابع آخر الصرعات الفكرية الغربية. وقد تُفهم بأنها العادات والتقاليد الموروثة. وتتجه وزارات الثقافة في عالمنا الإسلامي إلى تنشيط الثقافة غالباً عبر الاهتمام بالفلكلور والفنون التقليدية.

ومع كل ما تمتلكه النخب والدول من إمكانات في النشر والطباعة والإعلام فإن واقع الثقافة العام متخلف، لأن الثقافة في اعتقادي مشروع تحريك الجماعة البشرية نحو الإبداع الحضاري في جميع المجالات.

ولو فهمنا الثقافة هذا الفهم، أي لو فهمناها بأنها المزيج الفكري والروحي والعاطفي والنفسي الذي يوجه حركة المجموعة البشرية نحو هدف معين، فإننا نستطيع القول بأن السمو الثقافي يعني تعبئة طاقات الأمة ودفعها نحو تحقيق أهدافها الإنسانية في جميع مجالات الحياة، وأن الانحدار الثقافي يعني هبوط حركة المجتمع وضياع الهدف.

والثقافة التي سادت المجتمعات العربية والإيرانية في قرون متوالية منذ القرن الهجري الأول حتى اليوم كانت وراء توحيد الأمة ووراء حركة الأمة نحو تثبيت الهوية وإثبات الوجود على الساحة البشرية.

وحركة التاريخ تمر في الواقع عبر نشاطات المجموعات البشرية لإثبات هويتها… وبمقدار ما تمتلكه الأمة من ثقافة فإنها تساهم في حركة التاريخ، من هنا نفهم أهمية الثقافة في وجودنا ومستقبلنا.

ثم إن ثقافة الأمة لا يمكن أن تنفصل عن جذورها التاريخية وعن مزيجها النفسي الموروث وعن تراثها ومفكريها وعن إيمانها ومعتقداتها. وكل محاولة لهذا الفصل إنما يؤدي إلى مسخ الأمة والقضاء على مخزونها اللازم للحركة والإبداع، وهذا لا يعني الوقوف عند الموروث، بل يعني اتخاذه أساساً وقاعدة للحركة ولاستشراف المستقبل.

وثقافة منطقتنا الإسلامية - التي يعيش فيها الإيرانيون والعرب - مشتركة مهما أُريد تجزئتها باسم القومية والإقليمية والطائفية.

وأعظم سهم في إثراء هذه الثقافة وتعميقها ونشرها كان سهم الإيرانيين والعرب، وهم لذلك يتحملون السهم الأوفى من مسؤولية إحياء هذه الثقافة ونفض ماران عليها من غبار، ودفعها لمواكبة متطلبات العصر، وتفعيلها كي تستعيد دورها في الإبداع الحضاري.

العلاقات الثقافية بين الإيرانيين والعرب

الحاضـر

العلاقات الثقافية بين الإيرانيين والعرب يمكن رصدها على صعيدين:

الأول: الصعيد الرسمي. الثاني: الصعيد الشعبي ويشمل النخب المثقفة.

على الصعيد الرسمي ثمة مشكلة هامة هي» حرية القرار «. معظم حكومات العالم الإسلامي مضطرة بدرجة وأخرى لقبول معادلات الهيمنة الدولية التي تأبى أي مظهر يدل على عودة حضارية للعالم الإسلامي، و التي تصرّ على إبقاء مظاهر التخلف والإذلال والتمزيق والسيطرة في هذه المجموعة الحضارية. غير أن ثمة مظاهر بدأت تبرز في الأفق تدلّ على رغبة حقيقية في تحرير القرار كرد فعل لتصاعد التعنّت والغطرسة وفرض الرأي والتعامل المزدوج والاستهانة بالكرامات والمقدسات، وهذه الرغبة لا يمكن أن تتحقق إلاّ إذا تعالت حكومات هذه المنظومة الحضارية على الخلافات المفتعلة بينها ورسخت أسس تعاون حقيقي بين بلدانها، ولا شك أن التعاون الثقافي سيحظى بالأولوية لأنه يشكل القاعدة التي يقوم عليها صرح العلاقات بين أبناء المجموعة الحضارية الواحدة.

أستطيع أن أقول دون أن أخشى زللاً أن العلاقات الثقافية بين الإيرانيين والعرب ترتبط بشكل كبير بتحرر القرار السياسي، والعلاقات الثقافية المتميزة القائمة اليوم بين سورية وإيران تعبّر أصدق تعبير عن هذه الحقيقة.

أما على الصعيد الشعبي فكان هناك عاملان للتباعد: العامل القومي والعامل الطائفي. العامل القومي ظهر بعد عصر الاستعمار، فظهرت نداءات القوميات الطورانية والفارسية والعربية بل القوميات المحلية كالفرعونية والفينيقية والبابلية.

ودُفع الرأي العام الإسلامي وخاصة النخب المثقفة للبحث عن الجذور خارج الحقل الحضاري الذي يجمع هذه الأمة، فظهرت العصبيات والمشاحنات. وتراشق القوميون العرب والفرس بالتهم ونشبت بينهم العداوات، وحاول كل فريق أن يجنّد الشارع ضد الفريق الآخر، وراح القوميون غير العرب يحاولون التخلص من كل ارتباط بالجذر الحضاري بما في ذلك الخط العربي، فبعضهم أفلح في تغيير هذا الخط، وبعضهم أخفق بسبب مقاومة الأمة.

ثم هناك العامل الطائفي الذي عمل بوضوح على فصل الإيرانيين عن العرب بعد النزاعات الصفوية العثمانية. ولا يزال يعمل على تمزيق الصف، ويدور بالدرجة الأولى حول محور إثارة الاختلافات بين أهل السنة والشيعة.

وثمة عوامل أخرى ظهرت بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران أدت إلى تكثيف التجزئة السياسية بين إيران والعرب، وهي إثارة المخاوف من صدور الثورة، وما يسمى بالمحاولات التوسعية الإيرانية، والإرهاب، والتسلح النووي و… أمثال ذلك مما يعمق الهواجس بين حكومات المنطقة بشكل خاص. ومما زاد من هذه الهواجس بعضُ التصرفات غير المسؤولة من أفراد وضعت أعمالهم في حساب كل إيران، كما كانت هناك بعض التصرفات المأجورة التي استهدفت أن تسيء إلى العلاقات بين إيران ودول المنطقة لقاء أثمان مدفوعة.

بالنسبة لدور التعصب القومي في التفريق فإنه ضعف كثيراً في إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية، بفضل الحركة السريعة العارمة للعودة إلى الانتماء الحضاري، وانعكست هذه الحركة في الكتب المدرسية والإعلام والخطاب الثقافي والسياسي، كما انعكست في موقف الشارع الإيراني من العرب والقضايا العربية. وكان من المفروض بالحرب الإيرانية العراقية أن تعيد حالة التعصب القومي المعادية للعرب في إيران، لكنها - والحق يقال - فشلت فشلاً ذريعاً في ذلك، ويعود السبب إلى ضخامة حجم العودة الحضارية إضافة إلى بعض المواقف العربية الرسمية التي ارتفعت إلى مستوى التعبير عن إرادة الأمة وعلى رأسها الموقف السوري، ثم الإعلام الإيراني الذي نجح إلى حد كبير في الفصل بين ظاهرة الحرب والانتماء الحضاري للأمة الإسلامية وقضاياها المصيرية.

أما في العالم العربي فإن المشروع القومي لم يحقق الطموحات المرجوّة خاصة حين اتجه لدى بعض فصائله اتجاهاً بعيداً عن جذور الأمة ومعتقداتها. ومن المؤمّل أن يدفع الحوار القومي - الإسلامي إلى تعديل المفاهيم القومية كي تعيدها إلى الجذور وتبعدها عن التنافر القومي مع أبناء الحضارة الواحدة.

غير أن بعض مظاهر عصر التنافر القومي لا تزال قائمة مشهودة في الكتب الدراسية والخرائط والتسميات الجغرافية، وفي الخطاب الإعلامي والثقافي أحياناً، ولا بدّ من تغيير هذه المظاهر لتتناسب مع الجوّ الحضاري الجديد الذي نبتغيه.

والمسألة الطائفية برزت بشكلها السياسي الحادّ بين الإيرانيين والعرب منذ أيام النزاع الصفوي العثماني. ثم استُغلت في عصر الاستعمار ضمن خطة تشديد الفواصل وخلق بؤر النزاع والاختلاف. ثم استُغلت في الثمانينات بشكل خاص لأهداف معروفة.

غير أن هذه المسألة باتت لا تشكل عائقاً ثقافياً كبيراً بين الإيرانيين والعرب، خاصة بعد أن تبنّى الفريقان فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وهي فكرة رائدة تتعامل مع المذاهب بواقعية وبروح حضارية، لأنها تدفع إلى تحويل المذاهب من حالة طائفية متخلفة إلى حالة تعددية فكرية واجتهادية متحضّرة. في إيران تشكل المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وظهرت مجلة» رسالة التقريب «وبقية أدبياته المنشورة لتقدّم المنهج والأسلوب والفكر اللازم للتقريب.

وانتشرت هذه الظاهرة في العالم الإسلامي، وعقدت الندوات المختلفة في هذا المجال، من ذلك في هذا العام ندوة التقريب في الجنادرية بالمملكة العربية السعودية، وهي ظاهرة تبشّر بخير كثير.

لكن هذا لا يعني انتهاء المشكلة، فلا تزال العصبيات الموروثة وضيق الأفق وقصر النظر والجهل وغياب الأهداف الكبيرة وضمور الشعور بالكرامة الإنسانية، وهكذا نشاط العناصر المدسوسة تفعل فعلها في إثارة العصبيات الطائفية. وهذه مسألة ثقافية تحتاج إلى معالجة جادة من الإيرانيين والعرب.

أما المسائل المفرقة الأخرى التي ظهرت بعد انتصار الثورة الإسلامية فأعتقد أن كثيراً منها قد زال بسبب انكشاف الأوراق واتضاح الزيف، وتعديل الخطاب، ونضج المواقف، ونأمل أن يستمر هذا المسير لبناء جذور الثقة الرسمية والشعبية بين الإيرانيين والعرب.

خطـوط التواصـل الراهنـة:

التواصل الثقافي بين الإيرانيين والعرب يمرّ اليوم عبر عدة قنوات:

الأولى - القنوات الرسمية وشبه الرسمية:

فالخارجية الإيرانية جادّة في إبرام الاتفاقيات الثنائية، وتوجد اتفاقيات ثقافية رائدة بين إيران وأكثر البلدان العربية إن لم يكن جميعها تحتاج إلى تفعيل ودفع، ومن المحتمل أن تتوفر في المستقبل ظروف أفضل لتنشيط هذه الاتفاقيات. ورابطة الثقافة والإعلام الإسلامي مخوّلة بحمل المسؤولية الثقافية خارج إيران، عبر المستشاريات والندوات والأسابيع الثقافية والمهرجانات والمعارض. غير أن كلّ هذه النشاطات يجب أن تكون من الدّقة والموضوعية والعمق بحيث تقوي جسور الثقة وترتفع إلى مستوى التحديات والظروف الصعبة. ثم وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي لها الدور الهام في مجال الثقافة المقروءة، ومعرض الكتاب السنوي مظاهرة ثقافية هامة يحتل فيها الكتاب العربي مركز الصدارة بين المعروض والمشترى. إضافة إلى جهودها التراثية والعلمية ونشاطها في تكريم العلماء والكتاب على الصعيد العالمي، وخاصة العربي، ثم للإعلام المسموع والمرئي العربي والإيراني دور هام في التواصل الثقافي، خاصة بعد انتشار الفضائيات.

والإعلام الإيراني الموجّه إلى العالم العربي يركز على التواصل الثقافي في خطابه ومشاهده، وإن لم يرتفع إلى مستوى الطموح.

الثانية - القنوات الجامعيـة:

وهي وإن كانت خاضعة للإطار الرسمي - تتعامل في كثير من الأحيان بما يفرض عليها الواجب العلمي والتخصصي.

والآصرة المهمة بين الجامعات الإيرانية والعربية هي اللغتان العربية والفارسية. فاللغة العربية تدرس في كل الجامعات الإيرانية حتى مستوى الدكتوراه، وهي بحاجة لأن تتواصل مع الجامعات العربية في حقل التجارب التعليمية والعلمية والبحثية، وهناك شيء بسيط من هذا التواصل ولكنه لم يبلغ المستوى المطلوب، والجامعات العربية وخاصة الجامعات المصرية تدرّس اللغة الفارسية، وتهتم بالدراسات الإيرانية في مختلف المجالات، وهي بحاجة أيضاً إلى أن تُرفد بالكتب والدراسات والتجارب والدورات الدراسية من إيران، وتطالب بذلك، والمعنيون في إيران جادّون إلى حد ما في تلبية هذه المتطلبات. إضافة إلى اللغة الفارسية فثمة تواصل جامعي عبر الندوات التاريخية والأدبية والفلسفية الثقافية والعلمية. وهو قليل نسبياً ويحتاج إلى مركز للتنسيق الجامعي العربي - الإيراني لوضع الجامعيين العرب والإيرانيين في صورة النشاطات الجامعية للفريقين، ومتابعة التواصل بينهما.

الثالثة - قنوات النخب المثقفـة:

شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً من النخب الإيرانية والعربية للتواصل، وظهر هذا الاهتمام في ندوة» العلاقات العربية الإيرانية - الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل «في الدوحة سنة ١٩٩٥، وندوة» التعاون العربي - الإيراني «في طهران سنة ١٩٩٩.

وظهرت من خلال هاتين الندوتين الحاجة الكبيرة للتواصل الثقافي بين الجانبين. وذكرتُ في جلسة الحوار المفتوح في الساعات الأخيرة لانعقاد ندوة قطر ما أجده مفيداً لتكراره لأنه يعبّر عن شيء من الواقع وتطلعات المستقبل [٢].

١: إن الظروف الدولية والإقليمية والمصلحة العربية والإسلامية تفرض فرضاً واجباً لا خيار آخر لنا فيه، إجراء هذا الحوار ومواصلته وتعميقه، وإلا فسنعرض أنفسنا وأجيالنا القادمة لمزيد من الضعف والهوان والدمار.

٢: إن المشاركين في هذا الحوار يجب أن تكون لهم الإرادة التامة والإيمان الكامل بمثل هذا الحوار، وإلا فسوف يؤدي إلى مجابهة بين جانبين يدافع كل منهما عن مواقفه في حالة متشنجة لا تنفتح على الرأي الآخر، بل تستثيره وتستفزه، الأمر الذي يزيد الطين بلة. كما أنه يجب أن يكون المتحاورون متحلين بقدر كاف من الشجاعة يجعلهم أشداء على أعدائهم، رحماء بينهم.

٣: أرى أن الجانب السياسي قد طغى على الندوة، ولعل ذلك يعود إلى التوجه العام لمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت ومركز البحوث العلمية والدراسات الاستراتيجية للشرق الأوسط في طهران. وأعتقد أن المركزين يجب أن يستوعبا في نشاطهما المراكز المهتمة بالدراسات الثقافية والإسلامية، والمهتمة بالدراسات المقارنة الإيرانية - العربية أيضاً، لاعتقادي أن المجال الثقافي أبعد عن المؤثرات الدولية المشهودة في عالم السياسة وأقرب إلى مسؤولية الشرائح المثقفة والجامعية الحرة.

٤: أقترح أن تتشكل لجان عربية - إيرانية لوضع ميثاق عمل مشترك. وأقترح أن يكون تشكيل اللجنة بشكل تستطيع فيه أن تواصل أعمالها في كل ظروف التشنج المحتملة في ساحة المنطقة، وأن تكون قادرة على الفعل في هذه الظروف لا الانفعال بها.

٥: كشفت لنا الندوة عن قصور أو تقصير عند الجانب الإيراني في إسماع الأخوة العرب صوته ورأيه على الصعيدين السياسي والثقافي، ولعل ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى عدم الاهتمام، وإلى الحاجز اللغوي الذي كان من المفروض على الثورة الإسلامية أن تتغلب عليه خلال ما يقرب من عقدين من عمرها. ومثل هذا القصور والتقصير موجود عند العرب أيضاً. وينقصنا نحن الإيرانيين أيضاً تنظيم قنوات الاتصال السياسي والإعلامي والثقافي والاهتمام بها، كي تتاح الفرصة لكل من يريد أن يرى ويفهم ويبحث من العرب للحصول على ما يريد من المعلومات والمصادر.

٦: مع أن مركز دراسات الوحدة العربية حاول أن يوجه الندوة وجهة علمية موضوعية عقلانية، فقد كان للعواطف والمشاعر المكبوتة دور كبير في تكييف مسيرة الحوار في المؤتمر. وهذا أمر طبيعي جداً، فدور العقل في مسيرة حركة الإنسان ضعيف جداً بالنسبة إلى دور العاطفة. فالمشاعر هي التي تحرك، والعقل - إن أدى دوره - فهو لا يتجاوز تعيين مسار الحركة. ومن الطبيعي أيضاً أن تكون هذه العواطف ذات حالة انفجارية وانفعالية في بدايات الحوار، لكنها اتجهت، في ما أرى، إلى حالة طبيعية بعد أن أفرغت شحنتها المكبوتة. وأظن أن اللقاءات القادمة ستشهد مزيداً من هذا التعادل في العواطف والمشاعر.

الرابعة - قناة المؤسسات الثقافية:

وهي قناة قادرة على أن تقوم بما لا تقوم به المؤسسات الرسمية والجامعية، لأنها أكثر حرية في التحرك وأقرب إلى الساحة الاجتماعية العامة منها والخاصة.

وهذا التجمع المبارك هو من عطاء هذه القناة، كما أن أكثر أعمال الترجمة من العربية إلى الفارسية ومن الفارسية إلى العربية نهضت بها هذه المؤسسات في إيران والعالم العربي.

وكثير من سبل الارتباط الثقافي بين الإيرانيين والعرب تنهض بها هذه المؤسسات.

وباعتباري مؤسساً لواحد من هذه المراكز وهو مركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية أرفق بورقتي ملحقاً يضم النظام الأساسي للمركز [٣]، راجياً أن يساعد ذلك على تفعيله بالتعاون مع المراكز الثقافية العربية، علماً أن فرع المركز بدمشق بدأ أخيراً بنشاطات وفق نظامه الأساسي.

المسـتقبل:

يواجه العرب والإيرانيون تحديات ثقافية مشتركة تهدد مستقبلهم منها:

١ - العولمة الثقافية والمعلوماتية: وهدفها ملء أدمغة سكان الأرض وتكييف سلوكهم وفق إرادة قوى لا تقيم لهوية الشعوب وثقافتها وزناً.

٢ - التطبيع: ويستهدف قبول الذلّ والاغتصاب طواعية وعن قناعة، وهو ما يحتاج إلى مقدمات أهمّها تذويب الشخصية والقيم ومصادرة روح العزّة والكرامة والمقاومة.

٣ - الغزو الثقافي: وهو ظاهرة مشهودة في كلّ مجالات حياتنا اليومية والفكرية والثقافية، مشهودة في الهزيمة الداخلية وفي روح الاستهلاك، وفي الابتذال الخلقي، وفي الفنون الممسوخة وفي سائر شؤون الحياة.

٤ - الاستهانة بالمقدسات: فالمقدسات تشكل أساس الهوية وأساس الشخصية الثقافية المستقلة، والاستهانة بها والطعن فيها يستطيع أن يكسر كل الأطر التي تحافظ على الهوية والشخصية.

وما يطرح اليوم مما يسمى إبداعاً فنياً مفعماً بالفحش والطعن بالمقدسات، وكذلك ما تتعرض إليه المقدسات الإسلامية في فلسطين وأماكن أخرى من انتهاكات كلها تصب في عملية مدروسة تستهدف ثقافة الأمة في الصميم.

٥ - التغـرّب: ويطرح تحت عنوان الحداثة وما بعد الحداثة ويطرح تحت عنوان مواكبة التطور العالمي. والحداثة ضرورة ومواكبة التطور العالمي ضرورة أيضاً، ولكن أكثر السائرين في هذه الضجة مهزومون داخلياً ومنقطعون عن الجذور، ودعوتهم لا تؤدي إلاّ إلى خدمة الذوبان الثقافي وتمييع الشخصية المستقلة الثقافية، ومسخ الفكر والأدب.

٦ - تحويل الإنسان إلى بهيمة (الاستحمار): وهي خطة وراءها الصهاينة يعملون ليل نهار، لإثبات أنهم شعب الله المختار، وسبيلهم في ذلك تحويل البشرية إلى بهائم تشبه الخنازير في حظيرتها لا شغل لها إلا المضاجعة وممارسة الجنس. ولهم في ذلك شبكات دعارة عالمية وفضائيات ومواقع كثيرة على شبكات الاتصال، ومراكز لإنتاج المجلات والأفلام وعرضها. وتركز بالدرجة الأولى على إغواء المسلمين. ومن المؤسف أن كثيراً من أموال النفط تذهب إلى جيوب هؤلاء، وليت الأمر يتوقف على المال، فالعقل والشخصية والهوية كلها تقدم قرابين على مذبح الشهوات، هذا إضافة إلى سلامة الأفراد وصحتهم.

٧ - المخـدرات: وتستهدف وعي الإنسان في الصميم، وبالتالي شخصيته وفكره وثقافته وعواطفه، وتستهدف العلاقات الاجتماعية والأسرية، وتشكل أكبر خطر على هوية الأمة ووجودها الحضاري، ولدى المسؤولين الإيرانيين وثائق كثيرة تدل على أن ثمة خطة مبيتة لهدم شخصية المجتمع الإيراني عن طريق إشاعة المخدرات. ولابد أن هذه الخطة تستهدف العالم الإسلامي بأجمعه.

٩ - التـطرّف: وهو ظاهرة خطرة مشهودة في عالمنا الإسلامي ابتليت بها كل المجموعات الإسلامية وغير الإسلامية، غير أن التركيز أخيراً ينصب على الجماعات الإسلامية لأسباب معينة، ويتحدد بعدم رعاية موازين الاعتدال في الرفض والقبول. ويؤدي عادة إلى ردود فعل سلبية، وسببه بالدرجة الأولى عدم وجود تربية صحيحة ترسخ السلوك المتعادل للأفراد، وتبدو بوضوح في الحوار أو الشجار الدائر في الساحة الثقافية تجاه مختلف الأمور.

١٠ - العـنف: وهو أيضاً ظاهرة طبعت الجماعات السياسية بمختلف فصائلها في العالم الإسلامي، وأقصد بالعنف مواجهة الرأي الآخر بالشدّة، والابتعاد عن روح الحوار واللين والكلمة السواء التي دعا إليها القرآن، والعنف له أسبابه النفسية والثقافية والتربوية، وأخطاره وتبعاته واضحة.

١١ - التخلف العلمي والثقافي: وهي حالة واضحة كل الوضوح لا تحتاج إلى بيان، تتمثل في تخلفنا في التقنية والتعليم ومواكبة مسيرة التطور العلمي والمعرفي.

١٢ - القراءة المشوهة للإسلام: وهذه تظهر بأشكال مختلفة تسيء إلى الإسلام. منها القراءة المتخلفة المشهودة في بعض بقاع العالم الإسلامي حيث توضع المرأة والأفكار والعقول وراء قضبان من السجون باسم الإسلام، أو القراءة المهزومة أمام الفكر الغربي التي لا تلتزم بأي أصول وقواعد منضبطة لفهم الإسلام.

هذه وأمثالها تحديات ثقافية تواجه العالم الإسلامي وتتطلب من الإيرانيين والعرب أن يواجهوها ضمن خطة تتناسب مع جذورهم الثقافية المشتركة ومع متطلبات الواقع الراهن.

مجـالات المسـتقبل:

عند الإيرانيين والعرب كل المقومات الثقافية اللازمة لاستعادة مكانة الأمة على الساحة العالمية. ولكن الأمر يحتاج إلى جهود جبارة لوضع أطر التعاون وأسس التحرك الثقافي المشترك، والتغلب على الصعاب.

أحسب أن ما يقوم به هذا التجمع وما قامت به جامعة دمشق ضمن إطار ندوة التأثير المتبادل بين الأدبين العربي والفارسي [٤]، وما قام به مركز دراسات الوحدة العربية ومنتدى الفكر العربي بعمّان من جهد لإجراء حوار إيراني - عربي يشكل خطوات رحبة على طريق تمتين التعاون الثقافي الإيراني العربي.

وأنا في ندوة منتدى الفكر العربي التي عقدت في طهران العام الماضي، طرحت بعض الرؤى المستقبلية، سأذكرها في ملحق هذه الورقة للاختصار [٥].

ملحق رقم (١)

مركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية

النـظام الأسـاسـي*

مقدمـة

كان بين العرب والإيرانيين منذ أقدم العصور علاقات مشتركة في إطار الجوار الجغرافي والمصالح المشتركة، ثم جاء الإسلام ليزيل الحواجز القومية، وليعلن عن ولادة أمة ترفض كل تمايز في عنصر أو لون أو لغة و إقليم، وتتبنى أهدافاً رسالية إنسانية سامية … فحدث التفاعل الكبير بين ثقافات المسلمين، ونشأت الحضارة الإسلامية، وتواصلً هذا التفاعل حتى بدأ منحنى مسيرة الأمة الإسلامية في الهبوط بسبب عوامل معروفة، ثم انتهى الأمر إلى هذه الحالة المؤسفة.

والملاحظ في التفاعل الثقافي بين أجزاء العالم الإسلامي أنه تواصل على مدى التاريخ، ولم ينقطع حتى في عصور السيطرة التتارية والمغولية على المسلمين، لأنها كانت سيطرة عسكرية، ولم تكن ثقافية.

أما في عصرنا الراهن فإن هزيمة المسلمين كانت بالدرجة الأولى ثقافية، ولذلك ضعفت بل انعدمت لديهم روح التواصل والعطاء، وروح الخلق والإبداع.

لا شك أن إعادة هذه الروح مهمّة كبرى يتحمّل مسؤوليتها كل من يستطيع أن يقطع خطوة على طريق شدّ الطاقات الفكرية والثقافية والعلمية والفنية في منطقتنا الإسلامية. إذ لا يمكن لبقعة من بقاع هذه المنطقة أن تسجل انتصاراً في أي ميدان من ميادين العلم والثقافة والإنماء دون تعاون سائر الأجزاء، وقد أصبح ذلك واضحاً كل الوضوح في العقود الأخيرة بشكل خاص بعد أن تكشف اشتراك العالم الإسلامي ووحدته في المصير وفي ما يواجهه من تحديات.

من هنا ولدت فكرة إنشاء» مركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية «ليكون - بإذن الله - خطوة نحو تحقيق الأمل الكبير.

المادة - ١

مركز الدراسات الثقافية الإيرانية - العربية الذي يسمى في هذا النظام الأساسي باسم (المركز) - مؤسسة ثقافية علمية مستقلة، غير سياسية، ذات مصلحة عامة لا ترتبط بأي جهاز حكومي، ولا بأية جهة لا إدارياً ولا مالياً.

المادة - ٢

يتكون المركز من رئيس المركز ومدراء الأقسام المختلفة ومجلس استشاري يضم جمعاً من العلماء والمفكرين والمهتمين بأمور العلاقات العلمية والثقافية بين إيران والعرب.

المادة - ٣

مكان المركز في طهران، ويمكن أن يفتح فروعاً له في الداخل والخارج.

المادة - ٤

تمويل المركز من مساعدات المهتمين بأمر أهداف المركز، ومن عائدات النشر وتنفيذ اتفاقيات علمية وثقافية في حقل الترجمة وإقامة الدورات التعليمية والمؤتمرات والمعارض المشتركة.

المادة - ٥

مجالات عمل المركز ما يلي:

أ - توفير الإمكانات اللازمة للدراسات العربية في إيران، والدراسات الإيرانية في العالم العربي.

ب - إقامة حوار بين الشرائح المثقفة والمفكرة الإيرانية والعربية عن طريق الندوات والكتابات.

جـ - تنفيذ مشاريع نشر اللغة العربية في إيران عن طريق وسائل الإعلام ونشر الكتب وإقامة الدورات الدراسية، وتوفير سبل تعليم اللغة الفارسية للعرب الراغبين في تعلمها.

د - ترجمة الكتب الفارسية المفيدة إلى اللغة العربية، والعربية إلى الفارسية.

هـ - توفير سبل تعرّف العرب على الثقافة المعاصرة في إيران، وتعرف الإيرانيين على الثقافة المعاصرة العربية.

و - نشر مجلة متخصصة في الدراسات الثقافية الإيرانية العربية يشارك فيها كتاب عرب وإيرانيون.

المادة - ٦

يخضع المركز لكل القوانين والتعليمات المنصوص عليها في وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لمثل هذه المراكز الثقافية المستقلة غير السياسية ذات المصلحة العامة.

المادة - ٧

كل الأموال المسجلة باسم المركز وكل عائدات المركز تعتبر جزءاً من أموال المركز. ولدى انحلاله تنتقل بعد تصفية الحسابات إلى أية مؤسسة تعينها وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي تكون أهدافها أقرب إلى أهداف هذا المركز.

هذا النظام الأساسي تم تدوينه في مقدمة و٧ مواد.

ملحق رقم [٢]

مجالات تنشيط التعاون الثقافي*

الغزو الثقافي الذي يواجهه العرب والإيرانيون تحت أسماء مختلفة مثل: العولمة، والشرق أوسطية، والتطبيع و … يفرض فرضاً لا خيار آخر لهم فيه أن يتعاونوا ثقافياً، وهذا التعاون فيه اليوم العديد من المشجعات التي ينبغي استثمارها وتطويرها. وهذه الورقة تتضمن ذكر بعض المجالات التي يمكن فيها تنشيط التعاون الثقافي بين إيران والعرب، مع بعض الاقتراحات. آملاً أن تكون حافزاً على فهم أهمية المسألة وأهمية السعي لاستثمار هذه المجالات وتطويرها.

١ - وضوح الخطاب الإيراني

خطاب إيران الإسلام كان يقوم منذ انبثاق الثورة الإسلامية على أساس وحدة الأمة الإسلامية والتقريب بين فصائلها ومذاهبها. لكن هذا الخطاب كان معتَّماً، وكان مشوباً بتضليل إعلامي كبير، وكان مصحوباً بأخطاء هوّلتها وسائل الإعلام المعادية. واستمرت هذه الحالة طوال العقد الأول من عمر الثورة، ثم خفّت بالتدريج في العقد الثاني نتيجة ظروف سياسية كشفت أوراق المزيفين. ثم هاهو العقد الثالث من عمر الثورة يطل علينا والخطاب الإيراني في أوضح حالاته، وجسور الثقة بدأت تمتد بين القيادات السياسية الإيرانية والعربية، كما أن الفئات المثقفة من الجانبين بدأت تتواصل بكثافة أكبر.

غير أن الطريق الذي تمرّ به العلاقات الإيرانية العربية سيكون ملغوماً بما يحاول تفجير الموقف ويصادر المكتسبات، لأن هذا التقارب سيفوّت على المستفيدين من تأزم العلاقات الإيرانية العربية فرصاً كبيرة. ونحن نلاحظ اليوم أن وسائل الإعلام العالمية في هذا العقد الثالث من عمر الثورة بدأت تركز على الإثارات الطائفية والقومية بين الإيرانيين والعرب، كما نشاهد نشر كتب مشبوهة في هذا المجال، أضف إلى ما تمارسه الدوائر الاستكبارية من عمل مكثف يستهدف تصوير تخلي العرب والإيرانيين عن هويتهم ومقدساتهم وقبولهم بواقع الهيمنة الأمريكية.

ويتحمل العرب والإيرانيون مسؤولية استثمار هذه الفرصة المتاحة ومواصلة الطريق بخطى حثيثة، وبوعي على أخطار الطريق، عليهم أن يستغلوا كل فرصة للحوار والتعاون.

٢ - الاهتمام الكبير الموجود في إيران لتعلّم اللغة العربية، والاهتمام النسبي الموجود عند العرب لتعلم اللغة الفارسية:

فالحاجز اللغوي أمر لا ينبغي أن نتجاهله، وهذا الحاجز لا بد من إزالته عن طريق فهم لغة الآخر.

رواد النهضة في إيران اهتموا باللغة العربية، ونجد مظاهر هذا الاهتمام في ارتباطهم بعيون الأدب العربي وبأدبيات النهضة في العالم العربي، وفي ما أقرّ بعد انتصار الثورة الإسلامية في الدستور بشأن اللغة العربية، وفي ما نراه من نشر واسع باللغة العربية، يفوق ما ينشر في كثيـر من البلدان العربية، غير أن كلّ ذلك لم يبلغ الدرجة المطلوبة بسبب عدم تعاون العالم العربي مع العاملين في إيران على نشر اللغة العربية، وعدم وجود برامج متطورة لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

وفي العالم العربي تقف مصر في مقدمة البلدان العربية التي اهتمت باللغة الفارسية، فكل جامعاتها - على ما أعلم - تضم فروعاً متخصصة في اللغة الفارسية، وفي كل العالم العربي يأخذ طالب اللغة العربية والتاريخ وبعض فروع العلوم الإنسانية عدداً من حصص اللغة الفارسية. غير أن كل هذا الاهتمام لم يبلغ مستوى تلبية حاجة العالم العربي لمتخصصين في اللغة الفارسية والشؤون الإيرانية يضعون المهتمين في العالم العربي في صورة المشهد الثقافي الإيراني، كما يصنع المتخصصون العرب في اللغات الانجليزية والفرنسية والروسية مثلاً.

وإذ قلت إن العالم العربي غير مهتم بنشر لغته بين الإيرانيين فإن في إيران أيضاً قصوراً وتقصيراً في تعليم اللغة الفارسية للعرب. أقول ذلك لأني في إيران من المهتمين باللغة العربيـة، وها أنا ذا في سورية من المهتمين باللغة الفارسية، وأشاهد كل ما في هذا المجال من العلاقات الثقافية من سلبيات.

ولكن وجود الرغبة لدى الجانبين أولاً، ووجود محاولات جادّة في هذا المجال ثانياً، يشجع على المضي في تطوير ما هو موجود ليبلغ مستوى الطموح. ووزارات الثقافة والتعليم العالي في إيران والعالم العربي، وهكذا مراكز الدراسات الشرقية فيهما تتحمل مسؤولية النهوض بهذه المسؤولية، إضافة إلى المعاهد والمنتديات المهتمة بالتقارب الإيراني العربي.

٣ - كان للأدب العربي تأثير واسع على الأدب الفارسي، وكان للأدب الفارسي أيضاً تأثيره الواضح على الأدب العربي، وهذا التأثير المتبادل أثرى الأدبين أكبر الإثراء لما حدث بينهما من تفاعل جادّ حقيقي يعود إلى اشتراكهما في الجذور والثقافة.

وبعد عصر الاستعمار انقطع هذا التفاعل بالتدريج بسبب الحواجز السياسية، ثم ما إن حدثت النهضة العربية الحديثة حتى تحسّس روّاد النهضة بضرورة الاتصال بين الأدبين العربي والفارسي، فنجد كثيراً منهم على اتصال بالأدب الفارسي أمثال: محمود سامي البارودي رائد نهضة الشعر في مصر، ومحمد الفراتي وعبد الرحمن الكواكبي من رواد النهضة في سوريا، وجميل صدقي الزهاوي ومحمد مهدي الجواهري من رواد الشعر العراقي الحديث.

وتنبّه الدكتور عبد الوهاب عزام إلى أهمية التفاعل الأدبي بين إيران والعرب فنشط في ذلك أيّما نشاط. وربّى في مصر جيلاً من المهتمين بالأدب الفارسي تلته أجيال لا تزال حتى اليوم تهتم بالأدب الفارسي دراسة وترجمة وتعليماً.

وفي إيران أيضاً اتجه من تنبه إلى أهمية التفاعل بين الأدبيـن العربي والفارسي نحو قراءة الأدب العربي وترجمته والتعريف بالأدباء العرب، لأنهم وجدوا في الأدب العربي القديم والمعاصر ما يغنيهم عن الآداب الأوربية التي لا تمت إلى جذورهم بصلة. وأذكر على سبيل المثال أن أحد زملائي من كبار الشعراء ذهب إلى أمريكا ليطّلع على آداب تلك القارة، فعاد ليكتب كتاباً عن الأدب العربي المعاصر، لأنه وجد في المكتبة الأمريكية ما استهواه من عيون الشعر المعاصر.

وشهدت السنوات الأخيرة اهتماماً نشطاً بالأدب الفارسي في مصر وسورية والإمارات العربية المتحدة والكويت، عن طريق ترجمة الشعر والرواية والقصة، وكتابة دراسات، وإقامة ندوات.

ومن المتوقع أن هذه الحركة - لو استمرت - لاستطاعت أن تنقذ الأدبين العربي والفارسي مما أصيبا به من ضعف نتيجة اللقاء المهزوم الذي تم بينهما وبين الأدب الغربي، ولاستطاعت أن تعيد للأدبين الأصالة والاستمرار في التطور القائم على الجذور.

ولا يخفى ما للحركة الأدبية من تأثير على إحياء روح النهضة، ولا يمكن لمشروع نهضوي أن يتجاهل دور التطور الأدبي فيه.

٤ - الاهتمام بالفكر الأصيل المعاصر

حركتنا الفكرية في إيران والعالم العربي كانت مشتركة على مرّ العصور، والتيارات الفكرية التي ظهرت في العالم الإسلامي لم يكن لها حدود جغرافية، ثم جاءت التيارات الفكرية الغربية لتدخل إيران والعالم العربي في أشد فترات هبوط الفكر وخلوّ الساحة من القادة المبدئيين في هذه المنطقة. وانفعل العالم الإسلامي بهذه التيارات ولم يتفاعل بها. وسادت موجة من الإلحاد والتشكيك في الدين، والاستهانة بالتراث، وبكل ما هو أصيل، وانفصل الأزهر عن الجامعة الحديثة، تبعه انفصال الحوزات العلمية في إيران عن الجامعة، ثم حين تخلّى قطاع من المثقفين عن ولائهم السياسي لأوربا - اليمين اتجهوا إلى جانب أوربا - اليسار، وكأنّ أوربا أصبحت هي القبلة التي لا مناص من التوجه إليها على أي حال.

ولو استقصينا موجة التغرب بين الإيرانيين والعرب لرأيناها واحدة في منطلقاتها وتوجهاتها وخطابها، دون أن يكون بينها صلة غالباً.

ثم ظهر تيار العودة بكل سلبياته وإيجابياته المشتركة في العالم العربي وإيران، سلبياته المتمثلة في ما شابَهُ أحياناً من السطحية وفقدان الرؤية المستقبلية الواضحة وفقدان المنهجية في الحركة، والإفراط والتفريط في النظرة إلى التراث وإلى الغرب، والايجابيات المتمثلة في رفض الهزيمة، والعزم على استعادة العزّة، والإيمان بأن استعادة الكرامة لا يمكن أن تكون إلا على أساس من الأصالة والاستمداد من الجذور.

وهذا التيار، بكل ما يتضمنه طيفه من ألوان التوجهات والأذواق والرؤى، له مكانته الكبرى في واقع إيران والعرب، وعليه تعقد الآمال في مستقبل حرّ كريم.

وأهم ما يعانيه هذا التوجّه الفكري هو الجمع ين الأصالة والمعاصرة، وهذا الجمع يتطلب فهماً واضحاً معمقاً للتراث بعيداً عن النصوصية والتحجّر والتقليد، كما يتطلب فهماً للواقع بعيداً عن الهزيمة والذوبان والتبعية، وليس هذا الأمر بالسهل، لكن كلاً من العرب والإيرانيين يمتلكون في هذا المجال تجارب لا يستهان بها. العرب يمتلكون هذه التجارب منذ وقت مبكر. أي منذ أن دخلت خيول نابليون الأزهر، والإيرانيون امتلكوها منذ وقت متأخر عن ذلك حين حدثت الحركة الدستورية (المشروطة) في أوائل القرن العشرين، ثم هم دخلوا في تجربة عملية رائدة للجمع بين الأصالة والمعاصرة بعد إقامة الدولة الإسلامية في إيران.

وتبادل هذه التجارب على غاية من الأهمية لوقاية هذا التوجه الفكري من كل ما ران عليه من سلبيات، وإثراء الإيجابيات.

من هنا أرى من الضروري اجتماع النخب الفكرية من الإيرانيين والعرب لتأصيل فكرنا ودفعه نحو مواكبة متطلبات العصر.

٥ - الاهتمام المشترك بالجمع بين القومي والإسلامي

المشروع الإسلامي في عصور التاريخ الإسلامي استطاع أن يزيل التناقض بين التوجه القومي والتوجه الديني، ولذلك أمثلة لا تحصى كلها تثبت زيف ما يقال: إن التوجه القومي كان هو المسيِّر لأحداث القرون الإسلامية الأولى. رغم اعترافنا بوجود نزعات قومية وعشائرية، غير أن الهوية الإسلامية كانت هي الغالبة في التوجه العام للمجتمع الإسلامي. ولا نعني بغلبة الهوية الإسلامية إذابة الاختلافات القومية القائمة في اللغة والعادات والتقاليد ومصالح القوم، بل نعني أن هذه الاختلافات أخذت مكانها المناسب ضمن إطار الهوية الإسلامية، ولم تطغ على هذه الهوية، أو تصطدم بها.

ثم تضخم المشروع القومي في القرن الأخير تحت التأثير الأوربي واصطدم بالمشروع الإسلامي، فكانت هناك الدعوة القومية أو المليّة (بتعبير الايرانيين) والدعوة الإسلامية، وهذا الاصطدام كان له أكبر الأثر في تخلف حركة التقدم في العالم العربي، كما أنه أحبط أكبر مشروع لحركة التحرر أيام تأميم النفط في إيران.

ثم ظهرت في إيران والعالم العربي موجة المصالحة بين القومي والإسلامي ولكن العملية تحتاج إلى مزيد من الحوار للتوصل إلى مشروع يضمن تطلعات التوجهين.

العالم العربي شهد حواراً جاداً بين التيارين الإسلامي والقومي، وإيران تشهد مثل هذا الحوار لا على مستوى الندوات والمؤتمرات، بل على مستوى الحديث اليومي في الصحافة ووسائل الإعلام ومستوى اتخاذ المواقف العملية المنسجمة مع المبادئ ومع المصالح القومية.

والمسألة لم تحسم عند الجانبين، وأعتقد أن تبادل التجارب في هذا المجال يعمل على تسريع عملية وضع الصيغة المناسبة للمشروع الذي يحفظ المصالح القومية في الإطار الإسلامي، كما يعمل على إزالة الحساسيات القومية الموروثة من عصر التنافر القومي بين الإيرانيين والعرب، وأقترح أن يكون في الأمانة العامة للحوار الإسلامي القومي أحد رجال الفكر الإيرانيين، أو أن يدعى على الأقل في مؤتمرات هذا الحوار.

٦ - الاهتمام المشترك بالاستقلال العلمي

من خلال علاقاتي المباشرة بالجامعات العربية والإيرانية تبين لي أن ثمة إيماناً بدأ يترسخ في أوساطنا الجامعية ترى أن التعاون مع الجامعات الغربية، رغم ما فيه من اكتساب للمعارف والعلوم، لا يعطينا الأسس اللازمة للتطور العلمي، بل يفيدنا في تراكم المعرفة لا غير، ولابدّ لتحريك روح الابتكار والاختراع في العقول والنفوس من تعاون بين جامعات ما يسمى بالدول النامية. ولكن هذا التعاون يحتاج إلى جهود صخمة لتذليل العقبات الإدارية، واجتياز موانع البيروقراطية المهيمنة مع الأسف على جامعاتنا، كما يحتاج أيضاً إلى إيمان عام يسود أفراد مجتمعنا بأن عقولنا ليست بأقل من عقول أبناء البلدان المتطورة، أي لا بدّ من استعادة الثقة بالنفس كمقدمة لازمة لهذا التعاون.

لقد ألفيت من خلال ارتباطي بمراكز الأبحاث العلمية في العالم العربي وإيران أن العرب والإيرانيين المهاجرين يشكلون نسبة عالية من الطاقات العلمية المبتكرة والمخترعة في أوربا وأمريكا، كما أن كثيراً من الاختراعات العلمية والمعلومات العلمية في العالم العربي وإيران يقدمها الباحثون العرب والإيرانيون إلى مراكز البحث العلمي الأوربي لقاء ثمن بخس، ثم تستثمرها تلك المراكز باسمها.

ربما لا نستطيع نحن العرب والإيرانيون أن نواكب التطور التقني في العالم الصناعي لهبوط الإمكانات المالية أو لعدم الاهتمام أصلاً بالتخطيط العلمي، ولكن العقول لم تعقم ولم تنضب، بل تنقصها الثقة والدعم، وإذا قُدّر لهذه العقول أن تنشط ضمن برنامج مدروس لأمكن أن تكون عائدات بلداننا من بيع المعلومات العلمية أكثر بكثير من عائدات موادنا الخام، أضف إلى ذلك أن هذا التفعيل للعقول وتوجيهها يساهم في تطوير المشروع الحضاري للعالم الإسلامي، ويسجل له المكانة المناسبة على صعيد التطور العلمي في العالم.

أعتقد أن العالم الإسلامي بحاجة إلى مجمع للمخترعين، وأهميته لا تقل عن أهمية المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ومن الممكن أن يكون نشاطه ضمن الايسسكو شرط أن لا يقع في الشكليات، وأن لا يُكتفى بأضواء الإعلام، بل إن الإعلام في هذا الحقل مضر، فلا بدّ من العمل بهدوء وبدقّة وضمن دائرة مغلقة لا تتسرب منها المعلومات.

٧ - الاهتمام المشترك بمواجهة الغزو الثقافي

العالم بأجمعه يواجه غزواً ثقافياً باسم» العولمة «هدفه فرض نمط الحياة الأمريكية على الكرة الأرضية، ثم هناك الصهيونية التي تعمل جنباً إلى جنب مع السياسة الأمريكية لمسخ هوية الشعوب، وإشاعة البهيمية في ربوعها، مستخدمة الفضائيات العالمية، ومخترقة فضائيات المنطقة.

وإيران تواجه منذ انتصار الثورة عملية مكثفة لتزلزل النفوس المؤمنة بثورتها وعقيدتها، والتشكيك في كل القيم والمقدسات، وإشاعة روح الهزيمة واللامبالاة، والعالم العربي أيضاً يواجه عملية غسل دماغ واسعة لمواكبة عملية التطبيع، ولكسر روح المقاومة والصمود، وإبعاده عن استشعار العزّة والكرامة.

من هنا فإننا نعيش تحديات مشتركة تريد أن تحولنا إلى جسد ميت لا يحسّ بألم الجراح ولا يثور إذا ما طعن في كرامته وعزّته.

وفي تراثنا الثقافي الديني والأدبي ما يستطيع أن يقي أمتنا أمام هذا الغزو المكثف، شرط أن تتظافر الجهود لإحيائه ونشره وتعميقه في النفوس.

بإمكاننا أن نضع خطة عامة تُسخّر لها الكتب الدراسية ووسائل الإعلام ومراكز التربية والفنون الأدبية والاستعراضية والسينمائية لصيانة هويتنا من هذا الغزو، وهذا يتطلب إيماناً عاماً بتعرضنا لغزو، ومعرفة بطبيعة هذا الغزو وسبله ومحاور عمله … ثم وضع الخطة الشاملة لمواجهته.

٨ - التعـاون التراثي

إيران تضم كنوزاً كبرى في التراث الإسلامي العربي، وأقول: » العربي «لأن جلّه مدون باللغة العربية، والمكتبات العربية تضم هي الأخرى كنوزاً تراثية، هذا غير آلاف المخطوطات في المكتبات العالمية.

وهذه الكنوز فيها كلّ ما يفيدنا لأن نبني عليه حركتنا الحضارية. ولكن حركة إحياء التراث في منطقتنا الإسلامية ليست على المستوى المطلوب لأسباب أهمها:

١ - روح الاستهانة بالذات، فكل ما هو أصيل لا يلقى عندنا اهتماماً، اللهم إلا إذا اهتم به الغرب، وأذكر أن العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان كان يقول: نحن لا نمجّد شخصياتنا العلمية إلا إذا مجدها الغرب. فابن سينا كان من ربوع وطننا، وكتبه كانت موجودة بين ظهرانينا، ولكن جامعاتنا لم تهتم به إلا بعد أن اهتم به الغربيون، فكأنهم قد اكتشفوه لنا، ونحن رحنا على أثرهم ندبّج المقالات ونقيم الندوات والمؤتمرات.

٢ - عدم وجود المشروع الحضاري الذي يستطيع أن يستمد من التراث مقوماته، فمادام هذا المشروع غائباً، وما دامت حركة أمتنا الحضارية متوقفة، فإننا لا نستطيع أن نستوعب التراث ونفيد منه، لذلك ننظر إلى كتب التراث وكأنها» ألسنة الأموات «كما شاع في كلام المتغربين الإيرانيين، بينما ساهم هذا التراث بشكل جاد في صنع الحضارة الغربية، كما يمكـن أن يكون أساساً لنهضتنا الحضارية.

من هنا يمكن أن يكون بين العرب والإيرانيين توجه جديد إلى التراث، يحييه وفق منظور حضاري واضح، وعملية الإحياء إن كانت قائمة على وضوح الرؤية والنظرة المستقبلية فإنها تساهم إلى حدٍ كبير في إزالة روح الهزيمة النفسية، كما تساهم في تجميع لبنات المشروع الحضاري للأمة الإسلامية.

وفي إيران توجد مؤسسات متخصصة بإحياء التراث في قم وطهران ومشهد، كما توجد مراكز إحياء التراث العربي في أكثر العواصم العربية، ويمكن أن يكون بينها تعاون وثيق في إطار بنّاء.

وهنا أسجل ملاحظة تبعث على الأسف هي أن مؤسسة إيرانية لإحياء التراث وجدت في المراكز الثقافية الفرنسية والألمانية اهتماماً كبيراً في التعاون المشترك على إحياء التراث الإسلامي أكثر مما وجدته من المراكز العربية.

ثم بودّي أن أسجل ملاحظة أخرى هي أن كتب التراث المطبوعة أصبحت من التحف التي يقتنيها الموسرون ليزيّنوا بها بيوتهم ولذلك أسرع تجار الكتب إلى طباعة المخطوطات دونما تحقيق متقن، واكتفوا بالتجليد المذهب المزركش، فأساءوا إلى التراث بدل إحيائه.

وكم هو نافع لو قام مركز مشترك للمخطوطات بين العرب والإيرانيين يتحرى مظانّ التراث في كل مكتبات العالم، ويشرف بشكل دقيق على تحقيقه وفق معايير فنية، ويـدرب الشباب على العمل المتقن في مجال المخطوطات، ويدفع بذخائرنا إلى الدراسة والطباعة حسب أولويات الحاجة إليها درءاً للعشوائية القائمة في انتقاء المخطوط. ومن الممكن أن يبدأ تشكيل مثل هذا المركز بين إيران وأي بلد عربي آخر أولاً، ليكون نواة لعمل إيراني - عربي موسع في المستقبل.

٩ - التعـاون الفنـي

الفنون تمثل جانباً هاماً من ميزة الهوية الحضارية للعرب والإيرانيين، ولا يمكن فصل الفن عن الطابع الحضاري للأمة، وكانت فنون هذه المنطقة الحضارية توحدها من أقصاها إلى أقصاها، في حقل العمارة والموسيقى والرسم و … وفي العصر الحديث بقيت هذه الفنون بدرجة وأخرى تطبع منطقتنا بطابعها الخاص، غير أنها لم تتطور بسبب ضعف التحرك الحضاري، ثم انفتح عالمنا على فنون أوربية جديدة لم ينغلق أمامها، بل أخذها وحاول أن يوائم بينها وبين موروثه الثقافي، ويتوقف مدى نجاح عملية المواءمة على القدرة الفنية الإبداعية وعلى التعمق في روح التراث، ولا تزال هذه العملية تراوح بين النجاح والإخفاق، ولا تزال تعتبر من التحديات الهامة التي تواجه هويتنا الحضارية وموروثنا الثقافي.

إيران قطعت بعد الثورة أشواطاً هامة على طريق تطوير الفنون القديمة وتأصيل الفنون الحديثة، ففي مجال الفنون القديمة التي أوشك بعضها أن ينسى سعت الأجهزة التراثية إلى حشد أساتذة هذه الفنون ودفعهم إلى تطوير فنهم، وإلى تعليم طلبتهم، ثم إن كل البلدان العربية لها من هذه الفنون التقليدية ما تحرص على صيانته وتطويره، والتوجه المشترك بين البلدان العربية وإيران نحو تطوير الفنون القديمة يصون عمارتنا من المسخ وموسيقانا من الابتذال وفنوننا من التقليد العشوائي، كما أن بذل المساعي المشتركة على طريق تأصيل الفنون الحديثة يفسح لنا المجال لأن ننفتح على الفنون الحديثة ونتفاعل معها لا أن ننفعل بها، ونجعل منها مشروعاً حوارياً علمياً بين الحضارات، يحافظ على نقاط القوة، ويتجاوز مساحات الضعف التي لا تنسجم مع الفطرة الإنسانية، وأقترح في هذا المجال تأسيس مركز خاص بالتعاون الفني بين إيران والعرب، يركز على الفنون الجميلة، وفنون السينما والمسرح، يمكن أن يكون ذلك على مستوى الدراسات الجامعية النظرية، أو على مستوى العاملين في مؤسسات هذه الفنون.

١٠ - التعاون في حقل صيانة الوحدة الوطنية

الوحدة الوطنية هدف هام من أهداف إيران وكل بلد من البلدان العربية، فالتعددية القائمة في منطقتنا - رغم ما يمكن أن يكون فيها من عطاء إيجابي - كانت دائماً مستهدفة لإثارة النزاعات وتمزيق الوحدة الوطنية.

إيران مثل سائر بلاد العرب فيها تعددية مذهبية ودينية وعرقية، وهي تعددية يمكن أن تكون كما ذكرت مصدر عطاء وثراء، وهكذا كل تنوع يمكن أن يرتفع إلى هذا المستوى إذا توفّرت له البيئة السليمة، وأبعد عن الحالة التي تعرضه إلى الاستفزاز.

وأعتقد أن جو الحوار هو أسلم طريقة لتوفير البيئة المذكورة ووقاية هذه البيئة من التعرض للمسيئين.

ولقد كانت لإيران والعرب في العصر الحديث تجربة رائدة في مجال الحوار المذهبي، إذ تأسست في منتصف القرن العشرين دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، والتقريب كلمة تحمل كل ما كان يريده أصحابه من الدار، فهي لا تريد إلغاء المذاهب لأنه مستحيل ولأنه يلغي اجتهادات مفيدة في حقول العلم والعمل. وقطعت أشواطاً رائعة في طريق إزالة الحساسيات المذهبية الموروثة، وخلقت بين السنة والشيعة حالة سليمة من الحوار الهادئ القائم على احترام الرأي الآخر، ثم تواصلت التجربة في إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية ضمن إطار المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، واهتم بهذا الحوار التقريبي المغرب والأردن والمملكة العربية السعودية، ومن المؤكد أنها موضع تأييد كل المهتمين بالوحدة الوطنية والوحدة الإسلامية في هذه المنطقة.

وبالمناسبة إن الحوار الإسلامي - الإسلامي مطلوب في إطار أوسع من الحوار السني - الشيعي، لما تشهده منطقتنا من أفكار شاذة أو متطرفة أو التقاطية تتسمى باسم الإسلام، وتعمل على بلبلة المجتمع.

من هنا أرى أننا بحاجة إلى مجمع للفكر الإسلامي، وحاجتنا إليه لا تقل عن حاجتنا إلى مجمع الفقه الإسلامي، لأن الفكر هو الذي يرسم المشروع العملي العام لحركة الفرد والمجتمع.

ثم هناك أيضاً مجال الحوار الإسلامي - المسيحي، وهو أيضاً قادر على أن يصون وحدتنا الوطنية، إضافة إلى قدرته على إحلال التفاهم بين الشرق والغرب، ولإيران وكثير من البلدان العربية جهود داخلية أو عالمية في هذا المجال.

والتعاون بين العرب وإيران في حقل الحوار الإسلامي - المسيحي يمكن أن يثري التجربة ويمكن أن يوحّد منطقتنا الحضارية في عملية حوار الحضارات، ضمن إطار الحوار بين الغرب والعالم الإسلامي.

هذه نماذج من سبل تنشيط التعاون الثقافي بين إيران والعرب، ويمكن أن تأخذ مسارها العلمي دون التأثر بالخلافات السياسية، بل إنها يمكن أن تكون مقدمة للتفاهم السياسي والتعاون الاقتصادي والأمني بين إيران والعرب، لأن التعاون الثقافي يمسّ شغاف القلب، ويرفع العلاقة إلى مستوى إنساني نبيل مترفع عن المصالح الآنية الضيقة.

* - ورقة مقدمة إلى ملتقى سعدي الشيرازي الذي نظمته مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين، طهران / تموز / ٢٠٠٠.

[١] - الحجرات: الآية ١٣.

[٢] - العلاقات العربية الإيرانية - الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل،

مركز دراسات الوحدة العربية، ص٩٤٤ وما بعدها.

[١] - انظر المحلق رقم / ١ / .

[٤] - انظر أبحاث ندوة العلاقات الأدبية واللغوية العربية - الإيرانية (٢٧ - ٢٩تشرين الأول ١٩٩٩)، من منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق.

[٢] - انظر الملحق رقم / ٢ / .

* - ترجمة مع تلخيص لبعض مواد النظام الأساسي للمركز الذي تم تسجيله رسمياً بطهران، ونشر التسجيل في الصحيفة الرسمية الإيرانية بتاريخ ٦ / ٢ / ١٩٩٦.

* - من الورقة المقدمة إلى ندوة التعاون العربي - الإيراني التي انعقدت بطهران سنة ١٩٩٩بالتعاون بين مكتب الدراسات السياسية والدولية، ومنتدى الفكر العربي بعمّان.



[ Web design by Abadis ]