ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مكانة دعبل ** الشعرية بين شعراء العرب *

ـ ١ ـ

لا يزيد ما تبقّى في أيدينا من شعر دعبل بن علي الخزاعي إلى اليوم، عن ألف بيت. وهو قدر ضئيل إذا قيس إلى مجموع شعره الذي صنعه، في نهايات القرن الهجري الثالث وأوائل القرن الرابع، صانع الدواوين المعروف أبو بكر محمد بن يحيى الصولي (ت ٣٣٥ هـ)، في ثلاثمائة ورقة، على ما يقول النديم صاحب الفهرست [١]، عدّة أبياتها نحو عشرة آلاف بيت. وأكثر ما تبقى منها اليوم مقطعات صغيرة أو أبيات مفردة، إذا استثنينا التائيتين الكبيرتين في رثاء آل البيت، وفي الفخر بنفسه وشعره وقومه من اليمانية. واستثنينا معهما قصائد أخرى قليلة لا يبعد أن يكون بعضها اجتزئ اجتزاء من الديوان، أو نقل من الاختيار الذي صنعه ابن طيفور أحمد بن أبي طاهر (ت ٢٨٠ هـ)، في النصف الثاني من القرن الثالث، أو اجتزئ منه أيضاً.

ونرجح أن تكون نسخة من نسخ الديوان الذي صنعه الصولي، غير بعيد من حياة دعبل التي انتهت في منتصف القرن الثالث (٢٤٦هـ)، انتهت إلى حلب، مع نسخة من كتابه المعروف (طبقات الشعراء) وأشار إليهما فهرس الكتب الذي ضم ما يقرب من أسماء ألف كتاب انتخبها صانعه المجهول (لخرم وقع في أولى صفحاته) مما وجده في خزائن الكتب بحلب، أواخر القرن السابع (٦٩٤هـ) وسماه (المنتخب مما في خزائن الكتب بحلب) ونشره أحد المستشرقين في القاهرة (Paul Sbath) سنة ١٩٤٥.

فلا مفر اليوم إذن من أن نكتفي بهذا القدر المجموع من شعر دعبل، ومن كتابه (طبقات الشعراء)، ومجموع الإشارات، التي نقع عليها في مصادرنا الأدبية، إلى كتابه الآخر (الواحدة في مناقب العرب ومثالبها)، في درس هذا الشاعر، وفي تحديد مكانته الأدبية والشعرية بين أدباء العرب، وهو موضوع كلامنا هنا.

على أننا ينبغي، لما نذكر من ضياع شعره وكتبه، أن نتحوّط في أحكامنا، وإن كنا، بصورة عامة، نقترب فيها كثيراً من أحكام القدامى الذين كان مجموع شعر الشاعر وكتبه في أيديهم. ومن هنا تكتسب بعض أحكام القدامى أهميتها في الدرس اليوم، بما يجعلنا، على نحو ما، نطمئن إلى صواب أحكامنا، أو إلى قربها من الصواب. ولكنّا، مع ذلك، نريد أن نتجاوزها إلى أحكام أعم، في تحديد مكانة الشاعر من شعراء العرب في القديم.

إننا اليوم، ونحن في مرحلة قاسية من مراحل تاريخنا، أحوج ما نحتاج إلى من يعلّمنا الصبر على حرارة المعاناة، والتمسك بالحق الذي نراه، والتضحية في نصرته.

ثمّ إننا في حاجة إلى أن نتعلم اليوم أن للمعارضة، في إطار كل نظام سياسي واجتماعي، الحق في أن يكون لها صوتها، وأن تمللك القدرة على نقله إلى الناس، وأن يسمعه الناس منها آمنين على أرواحهم وأموالهم وحرياتهم. ثم أن يكون لهم الحق بعدها في أن يختاروا مذاهبهم في التفكير والتعبير المشروع عنها، وهو ما قضى دعبل حياته في الدفاع عنه، مطارداً مشرّداً في الآفاق، يحمل خشبته على كتفه، كما قال، لا يجد من يصلبه عليها.

ثم إن في شعر دعبل، من قوة الروح، وحرارة الفكر، وسطوع الوجدان، وقدرة التأمل في الأشياء وجمال تصويرها والتعبير عنها وعن المعاني والقيم التي أداره عليها، ما نغني به ثقافتنا اليوم.

وفي كتبه، من المعرفة بالشعر وطبائع الناس واختلاف الأقوام ما يضاف إلى ثروتنا المعرفية ويزيد من معرفتنا بأنفسنا.

ـ ٢ ـ

من هذا الذي قلناه يقع تحديد مكان دعبل، ومكان شعره وأدبه، من أدب العرب وأدبائهم. لقد عاش دعبل ما يقرب من قرن كامل (من منتصف القرن الهجري الثاني إلى منتصف القرن الثالث)، في أزهى عصور بني العباس، وهو العصر الذي بدأ العرب فيه ينتقلون من طور الترجمة، ترجمة ثقافات الأمم التي خالطوها، إلى طور التمثل والاستيعاب. وبدأ علماؤهم ونقادهم يجمعون معارفهم العلمية والنقدية في رسائل وكتب، أنشئت المكتبات الضخمة لاحتوائها وتنظيمها. ونشأت تيارات فكرية ومذاهب فلسفية تحاول أن توفق بين العقل والدين، بين ما تدعو إليه الحياة وما يمليه الوحي، بين ما تقود إليه الحضارة من يقظة الحواس وما تلزم به أخلاقيات الدين من التماسك والتعفف، والزهد في متع الحياة ولذائذها وشهوات الجسد التي تيسرت لها سُبل الإشباع، في هذا العصر، على كل وجه.

يستوي في التأثير النسبي بهذا المناخ الحضاري، الحاكم والمحكوم على السواء، والعالم والجاهل، والغني والفقير. ويكون الشاعر، بحكم تكوينه، أشد تأثراً به وأقدر على التعبير عن متناقضاته. أبو نواس، مثلاً، في هذا العصر، وبشهادة شعره، رجل الانفلات من أكثر ضوابط الدين، ومصوّر الشهوات الحسية، هو، وبشهادة شعره أيضاً، العالم بالحديث والتفسير، والمطّلع على التاريخ وسير رجاله وأنبيائه، وعلى مجمل مقولات العصر الفكرية والفلسفية، وتراث العرب الأدبي. وخليفة، مثل المأمون مثلاً، حيّ الفكر، بالغ الحرص على التوحيد، في رأيه، بالغ الحرص على هيبة الخلاقة ومعانيها، ومنشئ دار الحكمة، ومنشّط الثقافات وراعيها، يدخل عليه أحد شهود العيان (في قول أبي الفرج: الأغاني١٩ / ١٣٨) فيرى بين يديه، في عيد الشعانين، عشرين وصيفة قد تزنرت وتزينت بالديباج. وعلّقن في أعناقهن صلبان الذهب، وفي أيديهن أغصان الزيتون. فلم يزل المأمون، في قول الشاهد العيان، يشرب والوصائف يرقصن بين يديه حتى سكر، فأمر أن ينثر على الجواري ثلاثة آلاف دينار!

فدعبل ابن هذا العصر، بمجمل تياراته ومذاهبه الفكرية والأخلاقية، وتقاليده الاجتماعية والثقافية. اطلع على تراث العرب كما اطلع عليه الشعراء في عصره. وألّف، في الأدب وغيره، كتباً كما ألّف بعض معاصريه من الشعراء. وشهد، بشهادة شعره هنا، مجالس اللهو والقصف والشراب. ووصف الخمرة وصفاً قريباً من وصف شعرائها في هذا العصر وفي غيره من العصور. ودافع عن قومه من اليمنية، وهجا المضرية، على نحو ما فعل كثير من شعراء العصر. ودعته الحاجة، كما دعت بعضاً من الشعراء، إلى إخافة الناس وتمزيق حرماتهم، والعبث بأنسابهم، ليدفعهم إلى البذل والمسارعة إلى العطاء. وتبذل في الهجاء، أحياناً، تبذلاً مروّعاً لم يرع فيه قيمة من القيم الاجتماعية، على نحو ما فعل في هجاء الشاعر أبي سعد المخزومي، والكاتب الحسن بن وهب، والقاضي أحمد بن أبي دواد [٢].

ـ ٣ ـ

وكان يمكن دعبلاً أن يقف عند هذا الحد، فيكون واحداً من شعراء العصر الذين أحسنوا المديح لنفع أنفسهم، وأحسنوا الهجاء وأمعنوا فيه، ومضوا على سنّة الشعراء المجيدين في الوصف ورثاء الأهل والأصدقاء، والفخر بأنفسهم وبشعرهم وأقوامهم والدفع عنها، ومداعبة بعض الكتّاب والجيران، وشكوى الزمان وغدر الإخوان. والزهو بإتقان أداته الشعرية (اللغة)، ووعي غريبها، والاطلاع على مناقب قومه والمبالغة فيها وبما أشاعت من أساطير تاريخها، وعلى مثالب خصومهم والتزيّد فيها، وخلْطها بروايات التاريخ وبعض كتب الأديان. كان يمكن دعبلاً أن يقف عند هذا الحد لولا تميّزٌ أفرده من شعراء العصر، وأفرده، مع شعراء قليلين، من شعراء العرب قاطبة على مدى العصور. هذا التميز هو الإيمان بحق آل البيت المهدور، في رأيه، وبما حاق بهم من ظلم الأمويين والعباسيين وعمّالهم، وملاحقتهم وتشريدهم، و تقتيل سادتهم بالسم أحياناً وبالسيف أحياناً أخرى، وتعليق رؤوسهم وجثثهم على الأعواد، أو الطواف بها في أنحاء الدولة.

هذا الإيمان هو الذي رفع الشاعر، في تاريخ الأدب العربي، إلى مرتبة شعراء العقائد المضطهدة، ورفع شعره إلى مرتبة الدعوات ذات المحتوى الإنساني الباهر الأثر في تاريخ النضال من أجل العدالة وصدق السلوك، وجدارة الحاكم، واستقامة معنى الحكم، وتقوية قدرة المحكوم على تقويم الحاكم وإلزامه بما ألزم به نفسه، منذ تصدّى لحمل تبعات الحكم.

وسواء بعدها أن يكون الذي وقف الشاعرَ، في رأينا، موقفَه التاريخي هذا ميل إلى التمرد على كل نظام سائد، بحكم تكوينه النفسي، كما يقول العقاد [٣]. أو النهوض إلى نصرة المظلوم، وإحقاق الحق في رأيه، والالتزام بشرع الله. فإن ذلك يظل اجتهاداً في الرأي تسوق إليه جملة من أخبار الشاعر التي نقلتها الروايات إلينا. ونحن نرى أن نلتزم شعر الشاعر في مثل هذه الأحكام، فهو الوثيقة الحية التي لا بديل عنها في فهم واقع العصر السياسي، وما أصاب آل البيت فيه وفي ما تقدمه من العصور. لم تملها نفس فُطرت على التمرد أو جُبلت على الشر وقطع الطريق على الناس، كما تقول بعض مصادرنا الأدبية، ولكن تمليها نفس مرهفة مستوحشة تفتقد العدل، وتستشعر جبروت الباطل وقدرته على البطش والتنكيل، وتنكّره لمعاني الرحمة والتعفف عن أذى النفوس التي تعجز عن مواجهة الشر بالشر، لأنها تتمسك بأخلاق النبوات وتقاليد حمَلة الرسالات، فتصبر على الأذية وتعف عن الثأر:

ألم تر أني مذ ثلاثون حجة

أرى فيئهم في غيرهم متقسَّماً

فآل رسول الله نحفٌ جسومهم

بنات زيادٍ في القصور مصونة

إذا وُتروا مـدّوا إلى واتريـهمُ

أروح وأغدو دائم الحسرات؟

وأيديهم من فيئهم صَفِرات

وآل زياد غلّظ القصَرات [٤]

وآل رسول الله في الفلوات

أكفّـاً عن الأوتـار منقبضـات

والتزامه دعوة آل البيت وانضواؤه تحت لوائهم، لم يملهما في شعره، وهو أصدق الشهادات عليه، إذ يضع فيه من ذات نفسه ما تلزمه به طبيعته الفنية حساب المنافع العاجلة، كما تقول بعض الروايات (مثل شهادة المأمون: الأغاني٢٠ / ١٠٧)، ولا الانحياز إلى الدعوة المظلومة أيامه فحسب، بحكم ما يملأ قلبه من الوحشة بالواقع، وافتقاد المثال، والإحساس بمرارة الهزيمة القبلية، ولكن تمليهما معه وربما قبله، محبة عميقة لآل البيت، وموالاة تضعف أمامها، أحياناً، موالاة القبيلة نفسها:

يا أمة السوء! ما جازيت أحمد عن

حسن البلاء على التنزيل والسُّور

خلفتموه على الأبناء حين مضى

خلافة الذئب في أبقار ذي بقر

وليس حي من الأحياء نعلمه

من ذي يمان ومن بكر ومن مضر

إلا وهم شركاء في دمائهم

كما تشارك أيسار [٥] على جزر

قتلاً وأسراً وتحريقاً ومنهبةً

فعلَ الغزاة بأرض الروم والخزز

وهذه شهادة المحبة الخالصة التي اختارها لنفسه، ويرجو أن يجعلها عدّته ليوم الحساب. ويهجر لها أهله، ويطوف مشرّداً في الآفاق، يحمل على كتفيه عداوات الناس:

ملامك في آل النبي، فإنهم

أحباي، ما عاشوا، وأهل ثقاتي

أحب قصيَّ الرِّحم [٦] من أجل حبكم

وأهجر فيكم أسرتي وبناتي

لقد حفت الأيام حولي بشرّها

وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي

أحاول نقل الشمس من مستقرّها

وإسماعَ أحجار من الصَّلَدات

قُصاراي منهم أن أؤوب بغصّة

تردّد بين الصدر واللَّهوات

كأنك بالأضلاع قد ضاق رُحبُها

لما ضُمِّنت من شدّة الزفرات

إن الذي ميّز دعبلاً في تاريخ أدبنا، وأفرده من شعراء عصره، ورفعه، في أكثر مواقفه، عن الانصراف التام إلى التكسب وإرهاب الناس، وغطى على تبذله وفحشه أحياناً، هو هذا الإيمان الذي نقله كلّه من صعيد الشعراء الكَسَبة إلى صعيد أصحاب العقائد الذين وصلوا عقائدهم بأسلوب حياتهم، وقبلوا أن يدفعوا ضريبة الإخلاص لما اقتنعوا به، ووهبوا أنفسهم له. فهذا أحد السِفْرين اللذين كتب فيهما دعبل مجده الشعري، وأشرفهما.

ـ ٤ ـ

والسِفْر الثاني هو الهجاء. والذي قاده إليه هو الذي قاد ابن الرومي بعده، وقاد الحطيئة وبشار بن برد قبله: الحاجة، وافتقاد الأمن، ورفض الواقع الاجتماعي والسياسي القائم، و الإحساس العميق بقدرة الباطل على صياغة الحياة وفق أهوائه الجامحة. ولمثل هذه الأسباب هجا المتنبي دهره وناسه، وهجا المعري زمانه المضطرب، ورجاله، وما شاع فيه من ضروب الفساد والمتاجرة بالدين وقيمه. فهؤلاء، ومن سلك مسلكهم من شعراء العرب، كانوا يناضلون في الساحة التي وجدوا أنفسهم فيها، ويقاتلون بالأسلحة التي يحسنون استعمالها.

ولأن دعبلاً صاحب عقيدة، بدا هجاؤه في الساحة السياسية أكثر حدّة وثباتاً من هجاء الآخرين. وكان، لأنه أكثرهم إحساساً بالمرارة، أكثرهم مقتاً، لايكاد يساويه فيه إلا ابن الرومي. فلهذا امتازا به في تاريخ الهجاء العربي كله، حتى كان كأنه يكوّن قاعدة حياتهما الشعرية. ومن هنا يجيء بيت المعري:

لو أنصف الدهـر هجا أهلـه كأنـه الرومي أو دعبـلُ

وليس صحيحاً كل ما يقول العقاد، في الموازنة بين هجاء الرجلين (ابن الرومي: حياته من شعره). فقد نسب هجاء ابن الرومي إلى الرغبة في الفن، وإجادة التصوير. ونسب هجاء دعبل إلى الرغبة في إيجاع المهجو بالشتيمة والسباب. فالأول عنده شاعر يستهويه تجويد فنه، والثاني قاطع طريق تستهويه الشطارة (يعرّض بما تروي الروايات عن نشأته في الكوفة وتشطّره فيها). وهذا واحد من أبرز أحكام العقاد دلالة على خطأ التعميم والإسراع فيه، والجري وراء التماس مفاتيح الشخصيات التي يتصدى لدرسها، بما يملك من قدرات ذهنية عالية. فهو يعرف أن الناس ليسوا قوالب ساكنة. وأن النفس الإنسانية أعقد من أن تكون مادة تدرس تحت المجهر. ولو أتيح للعقاد الاطلاع على نماذج من هجاء دعبل لم يطلع عليها، لبعد مصادرها عنه آنذاك، ولاكتفائه منها بما جاء في الأغاني، على الأغلب، لكان اتجه في الموازنة اتجاهاً آخر. ثم إنه أصدر حكمه وديوان ابن الرومي في يده، وليس في يده من شعر دعبل، على الأرجح، غير هذه المقطعات الخفيفة التي اختارها أبو الفرج لطرافتها، وصاغها دعبل لتسير على ألسنة الناس، ويعبث بها الصبيان، كما تقول الروايات، وكما يقول دعبل نفسه. على مثال ما يقول في هجاء أحمد بن خال

د الأحول، كاتب المأمون، وكان داهية شرهاً عظيم البطن، أجرى عليه المأمون ألف درهم في اليوم لمائدته، ليمتنع من قبول هدايا الناس:

وكان أبو خالد مرأةً

يضيق بأولاده بطنه

فقـد مـلأ الأرض من سـلْحه

إذا بات متّخماً قاعدا

فيخراهم واحداً واحدا

خنافـس لا تشـبه الـوالـدا

فهذه صورة حية متحركة يستخدم لها دعبل فعلين مضارعين يصوران الرجل في حال المخاض الغريب (يضيق بأولاده بطنه……… واحداً واحدا) كأن عملية الولادة تشخص في عين السامع: (واحداً واحدا……) وهي عملية يستمد صورتها وموادها من حياة المهجو نفسه ومن تكوينه الجسمي والنفسي، ومن صورته العامة في أعين الناس.

ومن نماذج هجائه التي لم يطلع عليها العقاد ولم يعرفها الناس إلا من وقت قريب، التائية الكبيرة الثانية التي يفخر فيها بنفسه وشعره، واختارها أبو حيان التوحيدي في بعض أجزاء البصائر والذخائر:

كم عين ذي حِوَلٍ فقّأت ناظرها

وكم قطعت لأهل الغلّ من حُمة [٧]

كم من عدوّ تحاماني وقد نشبت

فيه المخالب، يعدو عدْوَ منفلت

لو عاش كبشا تميم ثمت استمعا

شعري، لماتا، ومات الوغد ذو الرُّمة [٨]

فصار بالعُدوة القصوى [٩]، مؤرّقُه

خوفي، فبات، وجاش القلب لم يبت [١٠]

تقدمتْه بنات القلب طائرة

خوفاً لضغم [١١] أبي شبلين مُنْهرت [١٢]

كالليث، لو أَزَم [١٣] الليث الهصور به

ما غضّ طرفاً ولم يجزع ولم يصِتِ [١٤]

فالصورة هنا هي التي تستهوي دعبلاً: صورة الليث يزمجر في جامه، وينشب مخالبه في فرائسه الهاربة، واسع الشدق، مكين العض، هائلاً مطبقاً. فإذا غالبه ليث آخر، وأطبق يعضه عضاً شديداً، أخذته عزة الأسود فلم يجزع ولم يصوّت!

ويقرب من هذا قوله في جاريته (غزال):

رأيت (غزالاً) وقد أقبلت

قصيِّرة الخلق دَحْداحة

كأن ذراعاً علا كفَّها

تخطط حاجبها بالمداد

وأنف على وجهها ملصق

وثديان: ثدي كبلوطة

وصـدر نحيف كثـير العـظام

فأبدت لعيني عن مَبْصقهْ

تدحرج في المشي كالبندقه

إذا حسرت، ذنب الملعقه

وتربط في عجْزها مِرفقه [١٥]

قصير المناخر كالفستقه

وآخر كالقربة المدهقه [١٦]

تقعـقع من فوقـه المِخْنقـه [١٧]

فواضح أن دعبلاً هنا لا يريد الهجاء قدر ما يريد الفن وتستهويه الصورة. ولو كان مجموع شعر الشاعر في أيدينا لاستخلصنا منه أمثلة أخرى قد تنتهي بنا آخر الأمر إلى تعزيز الرأي بتأثر ابن الرومي نفسه بدعبل، في النزوع إلى تصوير الناس، وتجسيم الصفات والعيوب الجسمية النافرة، كما تأثر به في بكاء مقاتل آل البيت، في قصيدته الجيمية المشهورة:

أمامك فانظر: أيَّ نهجيك تنهج

طريقان شتى: مستقيم وأعوج

ألا أيهذا الناس طال ضريركم [١٨]

بآل رسول الله، فاخشَوا أو ارتجوا

هذا كله وما في أيدينا من شعره يقل عن عُشر ما في الديوان. وربما كان يقلّ كثيراً عن مجموع ما قال من الشعر.

وشيء آخر ينبغي ألا ننساه، وهو احتمال التزيد في أخبار الشاعر التي تحطّ به في أعين الناس، حتى لينتهي التأثر بها إلى أن يصموه بسرعة التقلب ونكران الجميل، وبخبث اللسان وقبح الهجاء [١٩]: «فاليوم مدح وغداً قدح» [٢٠]. «بذيء اللسان، مولع بالهجو والحطّ من أقدار الناس» [٢١]. «خبيث اللسان والنفس» [٢٢].

ولكن في أخبار الشاعر جانباً أغفله الناس، يبدو على ألسنة بعض من ترجموا له، لفتهم عنها انصراف المترجمين إلى ما تناقلوه من مثل هذه الأقوال. فإن الثعالبي، مثلاً، يقول في مرآة المروءات (وهو مخطوط لا يقع سريعاً في أيدي الناس) [٢٣]، بعد أن يشير إلى تقلبه بين المديح والهجاء: «وكان مع ذلك، يرجع إلى مروءة وحسب وحسن رياش. فجرى يوماً بين يدي عبد الله بن طاهر ذكره فغض منه. فقيل له: إنه صاحب مروءة. فقال: تباً له ولو كان كذلك! كيف تكون مروءة لمن يعصي الرحمن ويطيع الشيطان، ويهجو السلطان» ! ويقول الثعالبي أو غيره في مكان آخر [٢٤]: «كان مع جودة شعره، وفخامة لفظه، رجلاً ذا همّة ونبل في نفسه، ويهجو من الخلفاء فما دون، وكان شعره أكثر من شعر نظرائه».

ـ ٥ ـ

لا شك في أن دعبلاً دخل بنفسه وشعره مدخلاً صعباً: فقد انتسب إلى المعارضة العلوية، فكان لابد أن يهجو السلطان ومن يلحق به. وعلى يديه اتسع توظيف الهجاء كما نقول اليوم في السياسة، دفاعاً عن مكان المعارضة وحقها، ورأيها في الخلاقة وتبعاتها. ولاشك أن ما أصاب آل البيت، وما كان يصيبهم، كان يؤذيه. فما يفعل، وهو الشاعر، في الدفاع عنهم وذم خصومهم، غير أن يقول الشعر؟ وما يفعل، وهو الملتزم، غير أن يثبت على ولائه لآل البيت، ويخسر في سبيلهم أمنه، وما يتيح الشعر لأصحابه الذين يسيرون في ركاب السلطان من امتياز القدْر ورفاه العيش؟

وإذن، فقد تُسأل السياسة عن بعض هذه الأحكام، مثل التقلّب بين المديح والهجاء. فقد كان معيار الموقف من السلطة: هو موقفها من المعارضة التي هو في صفّها. وكان معيار الموقف من الناس: هو موقفَهم منه: يمدحهم إن أحسنوا ويهجوهم إن أساؤوا، ويتهددهم، وهم بين هاتين الحالين، بسوء العاقبة!

ثم يُسأل الخلاف المذهبي عن بعض هذه الأحكام أيضاً، مثل خبث اللسان، فقد كان بغيضاً ثقيل الوطأة على من لا يرى رأيه ويذهب مذهبه. وفي بعض شعره الموثوق المنسوب إليه نيل من بعض الصحابة أو تعريض بهم، وهم، في نهاية الأمر، صحابة رسول الله الذين نصروا الإسلام وأعزوه.

ثم يُسأل تكوينه النفسي وما أحاط به من صروف الحياة عما تبقى من هذه الأحكام، مثل الفحش في الهجاء، فقد كان غضوباً سريع التهيج، فائر الإحساس، سيئ الظن بالناس، مستوحشاً مأزوماً، يرى لنفسه ولقومه ولشيعته على الحياة حقاً مضيّعاً ينبغي أن ترده عليهم جميعاً!

ولكن هذا كله ينبغي ألا ينسينا قدرته على التضحية بما هو أغلى من الحياة كما قلنا: بأمن نفسه وسكينتها، ورضاه بالتشرد في أقطار الأرض دفاعاً عمن أحب، وثباته على المبدأ ثباتاً يكاد ينفرد به من الشعراء الآخرين، وإصراره على أن تظل شعلة الأمل حية في القلب:

لقد حفّت الأيام حولي بشرّها

وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي

فيا نفس طيبي، ثم يا نفس أبشري

فغير بعيد كل ما هو آت

فإن كان هذا كلّه لا يعني المروءة والنبل في النفس، وكان نسبه في خزاعة لا يعني الحسب، فما معنى هذه الكلمات إذن؟ وما معنى بُعد الهمة إن لم تكن تعني قوة العزيمة وصلابة الروح والإصرار على اقتحام الغمرات؟

ثم إن في شعره الذي تبقى لنا، على قلته، وصفاً لجمال الود ووفاء الأخوة وكرم النفس ومحبة الأهل، وإحساساً بمرارة فقْد الصديق لا تفيض إلا عن نفس تتصف بهذه الصفات، وتعي قدْرها:

فان نحن كافأنا فأهل لودّنا

وإن نحن قصّرنا فما الودّ متّهم

قالت سلامة: أين المال؟ قلت لها:

المال، ويحكِ، لاقى الحمد فاصطحبا

الحمد فرّق مالي في الحقوق، فما

أبقين ذماً، ولا أبقين لي نشبا [٢٥]

هل أنت واجد شيء لو غنيت به

كالأجر والحمد مرتاداً ومكتسبا؟

نفسي تنافسني في كل مكرمة

إلى المعالي، ولو خالفتها أبَتِ

والجود يعلم أني منذ عاهدني

ماخفته وقت ميسوري ومعْسِرتي

ما يرحل الضيف عني غبّ ليلته

إلا بزادٍ وتشييع ومعذرة

ومثله غير قليل في شعره المتبقي في أيدينا إلى اليوم.

ـ ٦ ـ

صحيح أن شهرة دعبل ومكانته في تاريخ الشعر العربي تقومان على ما قال في آل البيت، من مديح رجالهم وبكاء قتلاهم، وما هجا به خصومهم وخصومه على السواء؟ ولكنّ في ما تبقى من شعره، وهو أقلّه كما رأينا، إشارات إلى موضوعات ومعانِ أخرى، ذهب ضياع الديوان للأسف بقدرة التفصيل فيها. لقد كان يحسن مديح الرجال على الإطلاق، ويحسن صياغة الحِكَم، ويحسن وصف الطبيعة ومفاتنها، ووصف الفلوات الموحشة، لكثرة أسفاره، والغربة وما يصيب الغريب من دواعي الشجن. ويحسن شكوى الزمان والناس. فمن الأمور التي ينبغي أن تصحح في أذهان الناس اقتصار مكانه من تاريخ هذا الشعر، على ما قال في الهجاء، لسطوع معانيه واستفاضته فيه، وعلى ما قال في مديح آل البيت، وتصوير مآسيهم. يكفي أن نشير هنا إلى التائية الثانية الكبيرة التي يمثل شعره فيها لخصائص صياغته أيضاً وبنائه الشعري كله:

إذا غزونا فمغزانا بأنقِرةٍِ

وأهلُ سلمى بسِيف [٢٦] البحر من جُرُتِ [٢٧]

هيهات هيهات بين المنزلين، لقد

أنضيت شوقي، وقد أبعدتُ مُلتفتي

أحببت أهلي، ولم أظلم بحبهم

قالوا: تعصبت جهلاً، قولُ ذي بَهَت [٢٨]

أحمي حماهم، وأرمي في معارضهم

واستقيل [٢٩] إذا ما رجلهم هوت

لهم لساني بتقريظي وممتدحي

نعم! وقلبي وما تحويه مقدرتي

دعني أصل رحمي إن كنتَ قاطعها

لابد للرّحم الدّنيا من الصلة

قومي بنو حِمْيَر والأزد أسرتهم

وآل كندة والأحياء من عُلَة [٣٠]

ثُبْتُ الحلوم، فإن سُلّت حفائظهم

سلّوا السيوف، فأردَوا كل ذي عَنت

هم أثبت الناس أقداماً إذا بُغتوا

وقلما تثبت الأقدام في البَغَت

كم نفّسوا كرب مكروبٍ، وكم صبروا

على الشدائد من لأواءَ [٣١] فانجلت

وفي نقضه لقصيدة أبي سعد المخزومي، في هجاء اليمينية ومديح المضرية، مثل آخر، رائع النسج، قوي الروح، ساطع الإيقاع، بعيد الدلالة على صدق الولاء مهما بلغ قومه من تجاوز الحدّ في الفخر وادعاء المجد:

منازل الحي من غُمدان فالنَّضَد

فمأرب فظفار المُلْك فالجَنَد [٣٢]

أرض التبابع والأقيال [٣٣] من يمنٍ

أهل الجياد وأهل البَيْض والزّرد [٣٤]

ما دخلوا قرية إلا وقد كتبوا

بها كتاباً فلم يدرس ولم يبد

بالقيروان وباب الصَين قد زبروا [٣٥]

وباب مَرْوٍ وباب الهند والصُّغُد [٣٦]

وأرجوزته في مديح المأمون كانت تعجب ابن المعتز [٣٧]، لفصاحتها وسهولتها. لم يبق منها، في أيدينا، إلا المقدمة الغزلية. وهي تجمع قيم الجمال الحيّ في المرأة، كما يهواه العرب:

ياسلمَ ذات الوُضَّح العِذابِ

وربة المعصم ذي الخضاب

والكفَل الرجراج في الحِقاب [٣٨]

والفاحم الأسود كالغراب

بحق تلك القُبَل الطِّياب

بعد التجنّي منكِ والعتاب

إلا كشفت اليوم عني ما بي

جاء مشيبي، ومضى شبابي

وزال عني أهوج التصابي

فلم أجر عن منهج الصواب!

ثم إن دعبلاً عاش عمراً طويلاً امتد قرناً من الزمان، وخَبِر الحياة والناس، فكثرت معاني الحكمة في شعره، وكثرت شكواه من الزمان وغدره، والناس ونكرانهم. وهو صاحب القول المشهور:

ما أكثر الناس لا بل ما أقلَّهمُ

الله يعلم أني لم أقل فَنَدا [٣٩]

إني لأفتح عيني حين أفتحها

على كثير، ولكن لا أرى أحدا!

والقائل في بعض مديحه، ولم يبق منه إلا هذا البيت الذي أُعجب به الآمدي في القرن الرابع:

تُخـال أحياناً به غفـلـة من كرم النفـس، وما أعلمَه!

والقائل في وصف النَّور، على نحوٍ يخلص منه إلى تجسيد مكارم الممدوح:

وميثاء [٤٠] خضراء زرْبيةٍ [٤١]

ضحوكاً إذا لاعبته الرياح

فشبّه صحبي نُوّارها [٤٢]

فقلت: بعدتم، ولكنني

فتى لا يـرى المال إلا العطـاء

بها النَّور يزهر من كل فنْ

تأوّد كالشارب المرجحن [٤٣]

بديباج كسرى وعَصْب اليمن [٤٤]

أشبهه بجناب (الحسَن)

ولا الكـنز إلا اعتـقاد المِنَـن

ـ ٧ ـ

نعود الآن إلى توظيف الهجاء في خدمة مذهبه والدفاع عنه وعن رجاله، في مواجهة النظام السياسي القائم. لقد كان يدرك أثر كلامه في الناس وفي نفوس المهجويين، ويعتز به اعتزازاً لا يخفيه. فهو يصور نفسه، في مواجهة خصومه، في صورة الحية السوّارة، والوحش الكاسر الواسع الشدق، كما رأينا في بعض الأمثلة من قبل. ويتهددهم بما تحمل قوافيه من أذى يستمر على طول الزمان: تحمله الأفواه ويتناشدهُ الرواة، وإن سكنت ريح المناسبة:

نعَوني ولما ينعني غير شامت

وغير عدوّ قد أصيبت مقاتلهْ

يقولون: إن ذاق الردى مات شعره!

وهيهات، عمر الشعر طالت طوائله [٤٥]

وهب شعره إن مات مات، فأين ما

تحمّله الراوون والخط حابله [٤٦]

سأقضي ببيت يحمد الناس أمره

ويكثر من أهل الرواية حامله

يموت رديء الشعر من قبْل أهله

وجيّده يبقى وإن مات قائله

وكان يرى أن قوافيه تدْهم من يعنيه كما تكُر الصخور الصم مجلجلة تصم الآذان، وتعمي شظاياها العيون:

لعمري لئن حجبتني العبيد

سأرمي بها من وراء الحجاب

تُصـم السميع وتعمي البصـير

لما حجبت دونك القافيه

شنعاء تأتيك بالداهيهْ

ويُسـأل من مثلهـا العافيـه !

وحق ما يقول. فإن شعراً سهلاً، حازْ الروح، خفيفاً على الألسنة، كالشعر الذي يقوله في أحمد بن أبي دواد قاضي المعتصم والواثق، حين تزوج اثنتين من بني عجل، وسلك فيه مسلك السخرية الهادئة الممضّة التي تغري الناس بطرافتها وطرافة مناسبتها، خليق بالبقاء والانتشار. فقد جعل الخبر كالمنشور التي يتلى في الشوارع على أسماع الناس يزفّ إليهم هذا الخبر الغريب:

أيا للناس من خبر طريف

أعجل أنكحوا ابن أبي دواد،

أرادوا نقد عاجلة، فباعوا

بضاعة خاسر بارت عليه

ولو غلطوا بواحدة لقلنا:

ولكن شفْع واحدة بأخرى

لحي الله المعاش بفرْج أنثى

ولما أن أفاد طريف مالٍ

تكنّـي وانتـمـي لأبـي دواد

تفرق ذكره في الخافقين:

ولم يتأثموا فيه، اثنتين!

رخيصاً عاجلاً، نقداً بدين

فباعك بالنواة التمرتين!

يكون الوهم بين العاقلَين

يدلّ على فساد المنصبين [٤٧]

ولو زوجتها من (ذي رُعَين) [٤٨]

وأصبح رافلاً في الحُلّتين

وقد كان اسـمه ابن الفاعلين !

فعلى مثال هاتين الطريقتين كان يهجم في شعره على النظام السياسي الذي يمثل السلطة فيه بنو العباس ورجالهم ووزراؤهم وكتابهم. فإذا ضاقت الحلقة عليه، واشتدوا في طلبه، هرب منهم فاحتمى في قُمْ التي كان أهلها يعطفون عليه، أو ساح في الأرض فعبر إلى إفريقية ودخل زُويلة [٤٩]، أو اختفى في بعض البلدان، حتى تهيأ له أن يقول:

ما أطول الدنيا وأعرضها! وأدلَّني بمسالك الطرق!

فإذا قتل الواثق رجلاً من خزاعة غلت مراجل غضبه، ولم يفرغ حينذاك للسخرية الموجعة، ولجأ إلى التهديد، وذكّر الهاشميين بقتلاهم في بدر على يد اليمنية من الأنصار، واشتفى بذكر مصرع الأمين على يد طاهر بن الحسين الخزاعي قائد المأمون، وقال لهرون الواثق:

فإن غُصّ هرونٌ بجرعة عمّه [٥٠] فأيسر مفـقودٍ وأهون هالك!

وإذا تولى إبراهيم بن المهدي الخلافة في بغداد، تعبيراً عن نقمة أهلها، من العباسية، على المأمون، لاختياره الإمام الرضا (٥١)، لولاية عهده، في مرحلة من المراحل التي اقتضتها سياسة المأمون، طلع دعبل على الناس بهذه السخرية المرّة، فأفاد من شهرة إبراهيم في الغناء وصنعته المتقدمة فيه:

نَعَر ابن شكلة (٥٢) بالعراق وأهلها

فهفا إليه كل أطلسَ مائق (٥٣)

إن كان إبراهيم مضطلعاً بها

فلتصلحنْ، من بعده، لمُخارق (٥٤)

أنّى يكون، وليس ذاك بكائن:

يرث الخلافة فاسق عن فاسق!

والقصد هنا: أن يحطم هيبة الخلافة العباسية، ويقرنها بالعبث والفسق والانحلال! وقد وجد، في هذه المناسبة (تسنّم إبراهيم سدّة الخلافة)، مجالاً خصباً لهذا القصد، فاغتنم فرصة شغْب الجند عليه، يطالبونه بأعطياتهم المتأخرة، فتناهى في السخرية به، وأحال خلافة بني العباس التي زعموا أنها جاءت لنصرة الدين، خلافةً كتابها المزهر (٥٥):

يا معشر الأجناد لا تقطنوا

فسوف يعطيكم حُنينية (٥٦)

والمعبديات (٥٧) لقوادكم

وهكذا يرزق قوّاده

بيعـة إبـراهـيم مشـؤومـة

خذوا عطاياكم ولا تسخطوا

يلتذها الأمرد والأشمط

لاتدخل الكيس ولاتربط

خليفةٌ مصحفه البَربط (٥٨)

تُقـتل فيها الخلـق أو تُقحـط!

فبمثل هذه الأبيات الخفيفة الطريفة التي تثير ضحك الناس، وتقوّي من استهانتهم بالنظام القائم، وبالخلافة كلها، وتسير على ألسنتهم لخفّتها وسهولتها وطرافة معانيها وسطوع موسيقاها، كان دعبل يحرّض الناس على الخلافة. وقد وصلت جرأته عليها، في خلافة المعتصم، ثامن خلفاء بني العباس، إلى رثائها وبكائها، وإلى تحدي الخليفة تحدياً لم يسبق له مثال:

ملوك بني العباس في الكتْب سبعة

ولم تأتنا عن ثامن لهمُ كتب

كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة

خيار إذا عدّوا، وثامنهم كلب!

وإني لأُعلي كلبهم عنك رفعةً

لأنك ذو ذنْب وليس له ذنب!

وقد ضاع أمر الناس إذ ساس ملكهم

(وصيفٌ) و (أشناسٌ) (٥٩) وقد عظم الكرب

وإني لأرجو أن تُرى من مغيبها

مطالعُ شمسٍ قد يغص بها الشُّرْب (٦٠)

ثم ينتهي، آخر الأمر، إلى أن يصوّر فراغ الخلافة من معانيها كلها، وإلى نفض الناس أيديهم منها، وإدارة ظهورهم لها، وهو أمضّ ما بلغ هجاؤه السياسي من وضوح القصد، وذلك في مثل قوله في موت المعتصم وقيام الواثق:

الحمد لله لا صبرٌ ولا جلَد

خليفة مات لم يحـزن له أحـدٌ

ولا عزاء إذا أهل البَلا رقدوا

وآخـرٌ قام لم يفـرح به أحد !

فأما هجاؤه لخصومه من الناس فقد كان همّه فيه أن يُشيع تحقيرهم على أوزان قصيرة وجمل سهلة يحفظها الصبيان ويرددونها في الشوارع. ولعل ما قاله في مالك بن طوق، الذي كانت آخرة دعبل على يديه، يمثل لهذا الهجاء المقذع الذي يصور خراب نسبه في تغلب، ويرمي أبويه بالزنا، ويتفنن في هذه المعاني تفنناً يكسبها الطرافة، ويتركها حديث المجالس وتسلية الناس فيها. وقد يلجأ، في هجاء بعض الناس الذين اتصل بهم زمناً، مثل المطلب بن عبد الله الخزاعي والي مصر للمأمون، إلى معانٍ أخرى تهم الولاة وقادة الحرب:

أمطلب أنت مستعذبٌ

حُماتِِ الأفاعي ومستقتل

فإن أشف منك تكن سبّة (٦١)

وإن أعفُ عنك فما تعقل

ستأتيك إما وردتَ العراق

صحائف يأثرها (٦٢) دعبل

منمّقه بين أثنائها

وضعتَ رجالاً فما ضرّهم

تنوّط (٦٣) مصر بك المخزيات

ويوم الشُراة (٦٤) تحسِّتَها

تولّيـت ركضـاً وفتياننـا

إذا الحرب كنت أميراً لها

فمنك الرؤوس غداة اللقاء

شعارك في الحرب يوم الوغى

فـأنـت لأولـهـم آخـرٌ

مخازٍ تحطّ فما ترحل

وشرّفت قوماً فلم ينبُلوا

وتبصُق في وجهك الموصل

يطيب لدى مثلها الحنظل

صـدور القـنا فيهم تعـسِل (٦٥)

فحظهم منك أن يُقتلوا

وممن يحاربك المُنصُل (٦٦)

إذا انهزموا: عجّلوا عجّلوا

وأنـت لآخـرهـم أول

هجاء صعب لا يقتصر على الشتيمة، ولكنه يصوّر مواقف مخزية تظل قائمة في أسماع الناس، ومنشورة على ألسنة الرواة.

* * *

ننتهي أخيراً إلى مكان دعبل الفني من شعراء العرب: فهو الشاعر المطبوع الذي يميل إلى صنعة المحدثين، ويحرص على متانة السبك وروعة الصياغة وسطوع الموسيقا، ويعتمد غنى الوجدان ووضوح المعاني وقرب الصور من الحس. وهذه خلاصّة خصائص ما سماه نقاد العرب: عمود الشعر.

ثقافته في جملتها (وهو ما يكشف عنه شعره وكتاباته على السواء: في «طبقات الشعراء»، و «مناقب العرب ومثاليها» ) هي الثقافة العربية. ومفهومه في الشعر هو مفهوم العرب الشعري. وأحكام القدامى على شعره وثقافته تعزز هذه الرؤية: فهم يرون أنه عالم بالغريب والأخبار وأيام العرب. وبعضهم يرى، في حق، أنه عالم شعراء. ويرى، في غير حق، أنه شاعر علماء، فليس شعره من جنس شعر العلماء في ضعف الانفعال الشعري، وبرود الصياغة، وغلبة الذهن على معانيه، وجفافها.

ولعله، لفحولة هذه الصياغة وسطوعها، رُمي بالضحالة على ألسنة بعض شعراء العصر، كالبحتري الذي قال له وهو يسمعه: أحسنتَ ملْء فيكَ (٦٧) وأسماعنا. وقال في شعره: يُدخل يده في الجراب ولايخرج شيئاً!

على أنهم جميعاً متفقون على أنه يتقن أداته الشعرية، ويحسن الإفادة من تراث العرب الشعري الذي يظهر كتابُه في الشعراء، اطلاعه عليه اطلاعاً شاملاً يمكّنه من التأليف فيه، على نحو ما شاع في شعراء العصر من حوله.

** - أبزر شعراء الالتزام في العصر العباسي.

* - ألقيت في الأهواز، في ندوة أقيمت هناك حوالي سنة ١٤١١هـ = ١٩٩١ بمناسبة اكتشاف قبر الشاعر، في إقليم السوس.

[١] - ص ٢٢٧ (طبعة التجارية - مصر).

[٢] - انظر (شعر دعبل) الذي صنعناه (فهرس الأعلام): طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣م.

[٣] - مراجعات في الآداب والفنون ١٦٤.

[٤] - يريد: زياد بن ابيه، ويرمز به إلى خصوم آل البيت جميعاً. والقَصَرة: اصل العنق.

[٥] - الياسر: الذي يقسم الجزور.

[٦] - القرابة.

[٧] - إبرة العقرب ونحوها.

[٨] - كبشا تميم: جرير والفرزدق.

[٩] - المكان المتباعد.

[١٠] - يعني لم ينم.

[١١] - العض.

[١٢] - واسع الشدق.

[١٣] - أشد العض.

[١٤] - يصوّت.

[١٥] - وسادة تتخذ لتضخيم الأرداف.

[١٦] - المملوءة إلى الفم.

[١٧] - القلادة.

[١٨] - أذاكم.

[١٩] - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٨ / ص٣٨٣.

[٢٠] - رسائل الانتقاد لابن شرف القيرواني ص٢٣.

[٢١] - وفيات الأعيان لابن خلّكان ٢ / ص٣٤.

[٢٢] - سير أعلام النبلاء للذهبي ورقة ١٣٨.

[٢٣] - ورقة ٣٤٥.

[٢٤] - تراجم الشعراء، الورقة ٨٥ و ٨٦.

[٢٥] - المال والعقار.

[٢٦] - ساحله.

[٢٧] - قرية قريبة من صنعاء.

[٢٨] - البهتان.

[٢٩] - أطلب إقالتهم وإنهاضهم من عثرتهم.

[٣٠] - بطن من كهلان، من الحميرية

[٣١] - الشدة والضيق.

[٣٢] - اسماء أمكنة في اليمن، وغمدان اسم القصر المعروف.

[٣٣] - خلفاء الملوك (المفرد: قَيْل) والتبابع: ملوك اليمن (مفردها تُبّع).

[٣٤] - البَيض: ما يقي الرأس. و الزرد: الدرع.

[٣٥] - كتبوا.

[٣٦] - يشير إلى ما يدعيه اليمنيون في غزوهم الأرض.

[٣٧] - طبقات الشعراء ص٢٦٦.

[٣٨] - ما تعلق به المرأة حليها، وتشده في وسطها.

[٣٩] - كذبا.

[٤٠] - الأرض اللينة.

[٤١] - الأرض إذا تنوعت فيها ألوان الزهر.

[٤٢] - المائل المهتز.

[٤٣] - زهرها، مثل النور…

[٤٤] - برود اليمن.

[٤٥] - قدرته.

[٤٦] - يشده في حباله.

[٤٧] - الأصل.

[٤٨] - من ملوك حمير، يضرب به المثل في النعمة. ورُعَين: حصن كان له.

[٤٩] - تتبع ليبية الآن.

[٥٠] - الأمين.

(٥١) - الإمام علي بن موسى الرضا الإمام الثامن من أئمة الشيعة الاثني عشرية.

(٥٢) - أم إبراهيم وكانت سوداء.

(٥٣) - العبد الأسود، والمائق الأحمق.

(٥٤) - أحد المغنين الكبار في العصر.

(٥٥) - العود.

(٥٦) - نسبة إلى حُنين المغني.

(٥٧) - نسبة إلى معبد المغنى أيضاً.

(٥٨) - العود.

(٥٩) - غلاماه التركيان (وأم المعتصم تركية اسمها: ماردة).

(٦٠) - الشّرْب: الشاربون. ودعبل يتهدد المعتصم بدولة الفاطميين التي كانت قامت في المغرب.

(٦١) - لأنه خزاعي، من قبيلته.

(٦٢) - الخوارج. وكان المطلب تولى حربهم.

(٦٣) - يرويها.

(٦٤) - تعلق.

(٦٥) - تضطرب وتهتز.

(٦٦) - الحسام.

(٦٧) - فمك.



[ Web design by Abadis ]